Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.
стр. 5776
وَالِدَيْهِ، فَلَا بُدَّ لَهُمَا مِنَ الشُّكْرِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ شَفَاعَتُهُ لَهُمَا لَا يَشْفَعُ لَهُمَا إِنْ مَاتَ طِفْلًا وَلَمْ يُعَقَّ عَنْهُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ فِي قَوْلِهِ: مُرْتَهَنٌ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُرْتَهَنَ هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ الرَّهْنَ، وَالشَّيْءُ مَرْهُونٌ وَرَهِينٌ، وَلَمْ نَجِدْ فِيمَا يُعْتَمَدُ مِنْ كَلَامِهِمْ بِنَاءُ الْمَفْعُولِ مِنَ الِارْتِهَانِ، فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ أَتَى بِهِ مَكَانَ الرَّهِينَةِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: طَرِيقُ الْمَجَازِ غَيْرُ مَسْدُودٍ وَلَيْسَ. بِمَوْقُوفٍ عَلَى السَّمَاعِ، وَلَا يُسْتَرَابُ أَنَّ الِارْتِهَانَ هُنَا لَيْسَ مَأْخُوذًا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ فِي قِسْمِ الْمَجَازِ: فُلَانٌ رَهْنٌ بِكَذَا وَرَهِينٌ وَرَهِينَتُهُ وَمُرْتَهَنٌ بِهِ مَأْخُوذٌ بِهِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ أَنَّ الْعَقِيقَةَ لَازِمَةٌ لَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا فَشَبَّهَهُ فِي لُزُومِهَا لَهُ، وَعَدَمِ انْفِكَاكِهِ مِنْهُ بِالرَّهْنِ فِي يَدِ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ، وَالْهَاءُ فِي الرَّهِينَةِ لِلْمُبَالَغَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ كَالشَّتْمِ وَالشَّتِيمَةِ. وَهُوَ بَحْثٌ غَرِيبٌ وَاعْتِرَاضٌ عَجِيبٌ، فَإِنَّ كَلَامَ التُّورِبِشْتِيِّ فِي أَنَّ لَفْظَ الْمُرْتَهِنِ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وَأَنَّ الرَّاوِيَ ظَنَّ أَنَّ الْمُرْتَهَنَ يَأْتِي بِمَعْنَى الرَّهِينَةِ الثَّابِتَةِ فِي الرِّوَايَةِ فَنَقَلَهُ بِالْمَعْنَى عَلَى حُسْبَانِهِ، وَأَمَّا كَوْنُ الرَّهْنِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ بَلْ عَلَى الْمَجَازِ فَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ وَتَعَقُّلٍ، فَكَيْفَ عَلَى الْإِمَامِ الْجَلِيلِ الْمُحَقِّقِ فِي الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ، وَالْجَامِعِ بَيْنَ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ، بَلْ مَا ذَكَرَهُ عَنِ الْأَسَاسِ وَالنِّهَايَةِ يَدُلُّ عَلَى مُرَادِهِ وَبَحْثِهِ فِي الْغَايَةِ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ أَيْضًا مَا يُبَيِّنُ هَذَا الْمَبْحَثَ لَفْظًا وَمَعْنًى وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ، وَأَجْوَدُهَا مَا قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ طِفْلًا وَلَمْ يُعَقَّ عَنْهُ لَمْ يَشْفَعْ فِي وَالِدَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهُ يَحْرُمُ شَفَاعَتُهُمْ. قَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ: وَلَا أَدْرِي بِأَيِّ سَبَبٍ تَمَسَّكَ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لَا يُسَاعِدُ الْمَعْنَى الَّذِي أَتَى بِهِ بَلْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُبَايَنَةِ مَالَا يَخْفَى عَلَى عُمُومِ النَّاسِ، فَضْلًا عَنْ خُصُوصِهِمْ، وَالْحَدِيثُ إِذَا اسْتُبْهِمَ مَعْنَاهُ فَأَقْرَبُ السَّبَبِ إِلَى إِيضَاحِهِ اسْتِيفَاءُ طُرُقِهِ، فَإِنَّهَا قَلَّمَا تَخْلُو عَنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، أَوْ إِشَارَةٍ بِالْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا رِوَايَةً فَيَسْتَكْشِفُ بِهَا مَا أُبْهِمَ مِنْهُ وَفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ: «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ» أَيْ مَرْهُونٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَالشَّيْءِ الْمَرْهُونِ لَا يَتِمُّ الِانْتِفَاعُ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهِ دُونَ فَكِّهِ، وَالنِّعْمَةُ إِنَّمَا تَتِمُّ عَلَى الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِقِيَامِهِ بِالشُّكْرِ وَوَظِيفَةُ الشُّكْرِ فِي هَذِهِ النِّعْمَةِ مَا سَنَّهُ نَبِيُّهُ النَّبِيهُ ﷺ وَهُوَ أَنْ يُعَقَّ عَنِ الْمَوْلُودِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَطَلَبًا لِسَلَامَةِ الْمَوْلُودِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ سَلَامَةَ الْمَوْلُودِ وَنُشُوَّهُ عَلَى النَّعْتِ الْمَحْبُوبِ رَهِينَةٌ بِالْعَقِيقَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ مُتَلَقًّى مِنْ قِبَلِ الصَّحَابَةِ، وَيَكُونُ الصَّحَابِيُّ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَفْهُومِ الْخِطَابِ أَوْ قَضِيَّةِ الْحَالِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ شَفَاعَةُ الْغُلَامِ لِأَبَوَيْهِ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ مَا ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ إِلَّا بَعْدَ مَا تَلَقَّى مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى أَنَّهُ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ يَجِبُ أَنْ يُتَلَقَّى كَلَامُهُ بِالْقَبُولِ وَيُحْسَنَ الظَّنُّ بِهِ. وَفِيهِ أَنَّ عَدَمَ الرَّيْبِ فِي تَلَقِّيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَأَنَّ وُجُوبَ قَبُولِ كَلَامِهِ إِنَّمَا يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُقَلِّدِهِ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا عَنْ رِبْقَةِ التَّقْلِيدِ، وَدَخَلُوا فِي مَقَامِ تَحْقِيقِ الْأَدِلَّةِ وَالتَّسْدِيدِ وَالتَّأْبِيدِ، ثُمَّ إِنَّ كَلَامَ التُّورِبِشْتِيِّ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَوْنُ الشَّفَاعَةِ لَا غَيْرَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَتِمُّ الِانْتِفَاعُ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهِ دُونَ فَكِّهِ يَقْتَضِي عُمُومَهُ فِي الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَنَظَرُ الْأَلِبَّاءِ مَقْصُورٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَأَوْلَى الِانْتِفَاعِ بِالْأَوْلَادِ فِي الْآخِرَةِ شَفَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وَقَوْلِهِ ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١] قَدَّمَ الْوَصِيَّةَ عَلَى الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ إِخْرَاجُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ " آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ " إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ وَإِنْفَاذَهَا أَنْفَعُ لَكُمْ مِمَّا تُرِكَ لَهُمْ وَلَمْ يُوصَ بِهِ. الْكَشَّافُ: أَيْ لَا تَدْرُونَ مَنْ أَنْفَعُ لَكُمْ مِنْ آبَائِكُمْ وَأَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ يَمُوتُونَ أَمَنْ أَوْصَى مِنْهُمْ إِنْ لَمْ يُوصِ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَوْصَى بِبَعْضِ مَالِهِ وَعَرَّضَكُمْ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ بِإِمْضَاءِ وَصِيَّتِهِ، فَهُوَ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا وَأَحْضُرُ جَدْوًى مِنْ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ فَوَفَّرَ عَلَيْكُمْ عَرَضَ الدُّنْيَا وَجَعَلَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ أَقْرَبَ وَأَحْضَرَ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا ذَهَابًا إِلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، لِأَنَّ عَرَضَ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ عَاجِلًا قَرِيبًا فِي الصُّورَةِ إِلَّا أَنَّهُ فَانٍ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ الْأَبْعَدُ الْأَقْصَى، وَثَوَابُ الْآخِرَةِ وَإِنْ كَانَ
стр. 5777
آجِلًا إِلَّا أَنَّهُ بَاقٍ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ الْأَقْرَبُ الْأَدْنَى اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَارِيَةَ فِي حُكْمِ الْغُلَامِ. " تُذْبَحُ " بِالتَّأْنِيثِ أَيْ عَقِيقَتُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّذْكِيرِ فَنَائِبُ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ " عَنْهُ: أَيْ عَنِ الْغُلَامِ " يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُسَمَّى " أَيِ الْغُلَامُ. بِمَا يُسَمَّى حِينَئِذٍ لَا قَبْلَهُ " وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ " أَيْ يَوْمَئِذٍ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا الْحَاكِمُ (وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ لَكِنْ فِي رِوَايَتِهِمَا " رَهِينَةٌ " بَدَلَ مُرْتَهَنٌ " وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: " وَيُدَمَّى ") : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ يُلَطَّخُ رَأْسُهُ بِدَمِ الْعَقِيقَةِ (كَانَ: وَيُسَمَّى) أَيْ بَدَلَهُ وَفِي مَوْضِعِهِ (وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَيُسَمَّى " أَصَحُّ) أَيْ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: يُطْلَى رَأْسُ الْمَوْلُودِ بِدَمِ الْعَقِيقَةِ. وَكَانَ قَتَادَةُ يَصِفُ الدَّمَ وَيَقُولُ إِذَا ذُبِحَتِ الْعَقِيقَةُ تُؤْخَذُ صُوفَةٌ مِنْهَا فَيُسْتَقْبَلُ بِهَا أَوْدَاجُ الذَّبِيحَةِ، ثُمَّ تُوضَعُ عَلَى يَافُوخِ الصَّبِيِّ حَتَّى إِذَا سَالَ شِبْهُ الْخَيْطِ غَسَلَ رَأْسَهُ ثُمَّ حُلِقَ بَعْدُ، وَكَرِهَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَطْخَ رَأْسِهِ بِدَمِ الْعَقِيقَةِ وَقَالُوا: كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَضَعَّفُوا رِوَايَةَ مَنْ رَوَى يُدَمَّى، وَقَالُوا: إِنَّمَا هُوَ يُسَمَّى وَيُرْوَى لَطَّخَ الرَّأْسَ بِالْخَلُوقِ وَالزَّعْفَرَانِ مَكَانَ الدَّمِ اهـ. وَأَيْضًا يُسَنُّ إِمَاطَةُ الْأَذَى، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِازْدِيَادِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الْخِتَانُ، وَهَذَا أَقْرَبُ لَوْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ.
стр. 5778
٤١٥٤ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: «عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَسَنِ بِشَاةٍ وَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي رَأْسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً " فَوَزَنَّاهُ فَكَانَ وَزْنُهُ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ.
ــ
٤١٥٤ - (وَعَنْ مُحَمَّدٍ) أَيِ الْبَاقِرِ (ابْنِ عَلِيٍّ) : أَيْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ (ابْنِ الْحُسَيْنِ) أَيِ ابْنِ عَلِيٍّ ﵃، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْبَاقِرَ؛ لِأَنَّهُ بَقَرَ الْعِلْمَ أَيْ شَقَّهُ وَعَلِمَ حَقِيقَتَهُ وَأَصْلَهُ. رُوِيَ «أَنَّ جَابِرًا قَالَ لِمُحَمَّدٍ وَهُوَ صَغِيرٌ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْحُسَيْنُ فِي حِجْرِهِ وَهُوَ يُلَاعِبُهُ، فَقَالَ: يَا جَابِرُ يُولَدُ لَهُ مَوْلُودٌ اسْمُهُ عَلِيٌّ إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: لِيَقُمْ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ، فَيَقُومُ وَلَدُهُ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ» . قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ كَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ حَتَّى مَاتَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: يُكَنَّى أَبَا جَعْفَرٍ الصَّادِقَ الْمَعْرُوفَ بِالْبَاقِرِ، سَمِعَ أَبَاهُ زَيْنَ الْعَابِدِينَ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ وَغَيْرُهُ، وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَسُمِّيَ الْبَاقِرَ، لِأَنَّهُ تَبَقَّرَ فِي الْعِلْمِ أَيْ تَوَسَّعَ. (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ قَالَ: عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ ذَبَحَ (عَنِ الْحَسَنِ بِشَاةٍ) ، الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَوْ مَزِيدَةٌ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ، وَكَانَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ لَا يَنْدُبَانِ عَلَى الْجَارِيَةِ عَقِيقَةٌ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: كَانَ يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَمِثْلُهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَذْبَحُ عَنِ الْغُلَامِ بِشَاتَيْنِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ بِشَاةٍ. قُلْتُ: أَمَّا نَفْيُ الْعَقِيقَةِ عَنِ الْجَارِيَةِ فَغَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَأَمَّا الْغُلَامُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ النَّدْبِ فِي حَقِّهِ عَقِيقَةً وَاحِدَةً وَكَمَالُهُ ثِنْتَانِ، وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْأَقَلِّ، أَوْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَبْحِ الشَّاتَيْنِ أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمِ السَّابِعِ، فَيُمْكِنُ أَنَّهُ ذَبَحَ عَنْهُ فِي يَوْمِ الْوِلَادَةِ كَبْشًا وَفِي السَّابِعِ كَبْشًا، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، أَوْ عَقَّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ كَبْشًا. وَأَمَرَ عَلِيًّا أَوْ فَاطِمَةَ بِكَبْشٍ آخَرَ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ ﷺ أَنَّهُ عَقَّ كَبْشًا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَبْشَيْنِ مَجَازًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي) : حَقِيقَةً أَوْ مُرِي مَنْ يَحْلِقُ وَهُوَ أَمُرُ نَدْبٍ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ (رَأْسَهُ) أَيْ رَأْسَ الْحَسَنِ (وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ) : بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ بِوَزْنِ
стр. 5779
شَعْرِ رَأْسِهِ (فِضَّةً فَوَزَنَّاهُ فَكَانَ وَزْنُهُ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ) . يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي، وَأَنْ يَكُونَ. بِمَعْنَى بَلْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) أَيْ يَقْوَى أَوْ رِجَالُهُ رِجَالُ حَسَنٍ (غَرِيبٌ) أَيْ إِسْنَادًا أَوْ مَتْنًا (وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ) أَيْ بَلْ مُرْسَلٌ عَلَى قَوْلٍ وَمُنْقَطِعٌ عَلَى قَوْلٍ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) أَيْ جَدَّهُ الْكَبِيرَ ﵃.
стр. 5780
٤١٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄ كَبْشًا كَبْشًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ: كَبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ.
ــ
٤١٥٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄) : أَيْ ذَبَحَ عَنْ كُلٍّ (كَبْشًا كَبْشًا) . قَالَ الطِّيبِيُّ: عَقَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا كَانَ مَنْصُوبًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَالتَّكْرِيرُ بِاعْتِبَارِ مَا عُقَّ عَنْهُ مِنَ الْوَالِدَيْنِ أَيْ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِكَبْشٍ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: عَقَّ شَقَّ، وَعَنِ الْمَوْلُودِ ذَبَحَ عَنْهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ: كَبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ) : وَتَقَدَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
стр. 5781
٤١٥٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَقِيقَةِ. فَقَالَ " لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ " كَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ، وَقَالَ " مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسِكَ عَنْهُ فَلْيَنْسِكْ. عَنِ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةً» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٤١٥٦ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ» ") أَيْ فَمَنْ شَاءَ أَنْ لَا يَكُونَ وَلَدُهُ عَاقًّا لَهُ فِي كِبْرَهِ فَلْيَذْبَحْ عَنْهُ عَقِيقَةً فِي صِغَرِهِ، لِأَنَّ عُقُوقَ الْوَالِدِ يُورِثُ عُقُوقَ الْوَلَدِ وَلَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ، وَهَذَا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: وَمَنْ وُلِدَ لَهُ إِلَخْ وَ (كَأَنَّهُ) أَيِ النَّبِيَّ ﷺ (كَرِهَ الِاسْمَ) هَذَا كَلَامُ بَعْضِ الرُّوَاةِ أَيْ أَنَّهُ ﵇ يَسْتَقْبِحُ أَنْ يُسَمَّى عَقِيقَةً لِئَلَّا يُظَنُّ أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعُقُوقِ، وَأَحَبَّ أَنْ يُسَمَّى بِأَحْسَنَ مِنْهُ مِنْ ذَبِيحَةٍ أَوْ نَسِيكَةٍ عَلَى دَأْبِهِ فِي تَغْيِيرِ الِاسْمِ الْقَبِيحِ إِلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ كَلَامٌ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ الْعَقِيقَةَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، وَلَوْ كَانَ يَكْرَهُ الِاسْمَ لَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَمِنْ عَادَتِهِ تَغْيِيرُ الِاسْمِ إِذَا كَرِهَهُ، أَوْ يُشِيرُ إِلَى كَرَاهَتِهِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ كَقَوْلِهِ: «لَا تَقُولُوا لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ» وَنَحْوِهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا الْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ السَّائِلَ إِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْهَا لِاشْتِبَاهِ تَدَاخُلِهِ مِنَ الْكَرَاهَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ أَوِ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَأَحَبَّ أَنْ يَعْرِفَ الْفَضِيلَةَ فِيهَا، وَلَمَّا كَانَتِ الْعَقِيقَةُ مِنَ الْفَضِيلَةِ بِمَكَانٍ لَمْ يُخْفِ عَلَى الْأُمَّةِ مَوْقِعَهُ مِنَ اللَّهِ، وَأَجَابَهُ. بِمَا ذَكَرَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الَّذِي يَبْغَضُهُ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ هُوَ الْعُقُوقُ لَا الْعَقِيقَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ ظَنَّ أَنَّ اشْتِرَاكَ الْعَقِيقَةِ مَعَ الْعُقُوقِ فِي الِاشْتِقَاقِ مِمَّا يُوهِنُ أَمْرَهَا، فَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعُقُوقُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَعَارٌ لِلْوَالِدِ كَمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْمَوْلُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْلُودَ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ حَقَّ أَبَوَيْهِ وَأَبَى عَنْ أَدَائِهِ صَارَ عَاقًّا فَجَعَلَ إِبَاءَ الْوَالِدِ عَنْ أَدَاءِ حَقِّ الْمَوْلُودِ عُقُوقًا عَلَى الِاتِّسَاعِ فَقَالَ: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ أَيْ تَرْكُ ذَلِكَ مِنَ الْوَالِدِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ يُشْبِهُ إِضَاعَةَ الْمَوْلُودِ حَقَّ أَبَوَيْهِ، وَلَا يُحِبُّ اللَّهُ ذَلِكَ اهـ. وَلِلطِّيبِيِّ هُنَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، فَرَأَيْنَا أَنَّ تَرْكَ ذِكْرِهِ أَوْلَى. (وَقَالَ) : عَطْفٌ عَلَى فَقَالَ وَمَا بَيْنَهُمَا جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مِنَ الرَّاوِي أَدْرَجَهَا فِي الْحَدِيثِ، وَهَذَا إِلَى آخِرِهِ مِنْ تَمَامِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي جُمْلَةِ الْجَوَابِ عَنِ السُّؤَالِ (مَنْ وُلِدَ لَهُ) أَيْ وَلَدٌ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ) بِضَمِّ السِّينِ أَيْ يَذْبَحَ (عَنْهُ) أَيْ عَنِ الْمَوْلُودِ أَوْ عَنِ الْوَلَدِ، وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (فَالْيَنْسِكْ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 5782
٤١٥٧ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلَاةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
ــ
٤١٥٧ - (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁) أَيْ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ» ) بِضَمِّ الذَّالِ وَيُسَكَّنُ (حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ) : يَحْتَمِلُ السَّابِعَ وَقَبْلَهُ (بِالصَّلَاةِ) . أَيْ بِأَذَانِهَا وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأُذُنٍ، وَالْمَعْنَى أَذَّنَ بِمِثْلِ أَذَانِ الصَّلَاةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سُنِّيَّةِ الْأَذَانِ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ كَانَ يُؤَذِّنُ فِي الْيُمْنَى وَيُقِيمُ فِي الْيُسْرَى إِذَا وُلِدَ الصَّبِيُّ. قُلْتُ: قَدْ جَاءَ فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ، عَنِ الْحُسَيْنِ ﵁ مَرْفُوعًا: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وُلَدٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ» " كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ ﵀. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي أُذُنِهِ " ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] " قَالَ الطِّيبِيُّ وَلَعَلَّ مُنَاسَبَةَ الْآيَةِ بِالْأَذَانِ أَنَّ الْأَذَانَ أَيْضًا يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ لِقَوْلِهِ ﷺ " «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ» " وَذِكْرُ الْأَذَانِ وَالتَّسْمِيَةِ فِي بَابِ الْعَقِيقَةِ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ حِكْمَةَ الْأَذَانِ فِي الْأُذُنِ أَنَّهُ يَطْرُقُ سَمْعَهُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أُمُّ الْأَرْكَانِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .
стр. 5783
الْفَصْلُ الثَّالِثُ.
٤١٥٨ - «عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلَيَّةِ إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً وَلَطَّخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كُنَّا نَذْبَحُ الشَّاةَ يَوْمَ السَّابِعِ، وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ رَزِينٌ: وَنُسَمِّيهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ.
٤١٥٨ - (عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁) : بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ ابْنُ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيِّ أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ (قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلَيَّةِ إِذَا) : بِالْأَلِفِ وَفِي نُسْخَةٍ إِذْ (وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً وَلَطَخَ) بِتَخْفِيفِ الطَّاءِ (رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كُنَّا نَذْبَحُ الشَّاةَ) أَيْ جِنْسَهَا الشَّامِلَ لِلِاثْنَيْنِ وَالْوَاحِدِ (يَوْمَ السَّابِعِ، وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنَلْطَخُهُ) بِفَتْحِ الطَّاءِ (بِزَعْفَرَانٍ) أَيْ بَعْدِ غَسْلِهِ تَطْيبًا بَعْدَ التَّطْهِيرِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الزَّعْفَرَانُ مَعْرُوفٌ وَإِذَا كَانَ فِي بَيْتٍ لَا يَدْخُلُهُ سَامُّ أَبْرَصَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ رَزِينٌ: وَنُسَمِّيهِ) أَيْ بِاسْمِهِ فِي السَّابِعِ.
стр. 5784
[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ]
стр. 5785
كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ.
٤١٥٩ - «عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(٢٠) كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ.
فِي الْقَامُوسِ: الطَّعَامُ، الْبُرُّ مَا يُؤْكَلُ وَجَمْعُهُ أَطْعِمَةٌ وَالْمُرَادُ مَا يُؤْكَلُ بَلْ وَمَا يُشْرَبُ أَيْضًا فَفِيهِ تَغْلِيبٌ، أَوْ مِنْ طَعِمَ كَعَلِمَ طُعْمًا - بِالضَّمِّ - ذَاقَ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ.
٤١٥٩ - (عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) ، أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ الْقُرَشِيِّ، وَعُمْرُ هَذَا رَبِيبُ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمُّهُ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ وُلِدَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، السَّنَةَ الثَّانِيَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَهُ تِسْعُ سِنِينَ، فَمَاتَ زَمَنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ، حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا) : أَيْ صَبِيًّا (فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ فِي حِضْنِهِ يُرَبِّينِي تَرْبِيَةَ الْأَوْلَادِ (وَكَانَتْ يَدِي) : أَيْ أَحْيَانًا عَلَى مُقْتَضَى عَادَةِ الصِّغَارِ (تَطِيشُ) : أَيْ تَدُورُ إِلَى الصَّحْفَةِ) . أَيْ حَوَالَيْهَا مِنْ: طَاشَ السَّهْمُ إِذَا عَدَلَ عَنِ الْهَدَفِ، وَقِيلَ: أَيْ تَخِفُّ وَتَتَنَاوَلُ فِيِ الْقَصْعَةِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، قِيلَ: الصَّحْفَةُ مَا يَشْبَعُ مِنْهَا خَمْسَةٌ، وَالْقَصْعَةُ مَا يَشْبَعُ مِنْهَا عَشَرَةٌ. (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَمِّ اللَّهَ: أَيْ قُلْ بِاسْمِ اللَّهِ أَوِ اذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ (وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) . أَيْ مِمَّا يَقْرَبُكَ لَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْأَوَامِرَ الثَّلَاثَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلنَّدْبِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ لِلْوُجُوبِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: " فِي اسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ فِي ابْتِدَاءِ الطَّعَامِ، وَأَنْ يَجْهَرَ بِهَا لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ ". قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْجَهْرِ، وَلَعَلَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ. قَالَ: وَالتَّسْمِيَةُ فِي شُرْبِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ وَالْمَرَقِ وَالدَّوَاءِ وَسَائِرِ الْمَشْرُوبَاتِ كَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْآكِلِينَ، فَإِنْ سَمَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ. قُلْتُ: هُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ، قَالَ: وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ مِنْ مُوَضِعِ يَدِ صَاحِبِهِ سُوءُ عِشْرَةٍ وَتَرْكُ مَوَدَّةٍ لِنُفُورِهِ لَا سِيَّمَا فِي الْأَمْرَاقِ وَأَشْبَاهِهَا. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ أَكْلَ مَا يَلِيهِ سُنَّةٌ، وَلَوْ كَانَ وَحْدَهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ: فَإِنْ كَانَ تَمْرًا فَقَدْ نَقَلُوا إِبَاحَةَ اخْتِلَافِ الْأَيْدِي فِي الطَّبَقِ، وَالَّذِي يَنْبَغِي تَعْمِيمُ النَّهْيِ حَمْلًا عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ. قُلْتُ: سَيَأْتِي حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ فِي أَوَاخِرِ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ ﷺ «قَالَ فِي أَكْثَرِ التَّمْرِ: " يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ ; فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ لَوْنٍ وَاحِدٍ» ". (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ «عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ طَعَامٌ فَقَالَ: " ادْنُ يَا بُنَيَّ فَسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» " فَتَأَمَّلْ، وَفِي الْحَدِيثَيْنِ إِيمَاءٌ لِلِاحْتِيَاجِ إِلَى التَّطْبِيقِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
стр. 5786
٤١٦٠ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٦٠ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ» ) : أَيْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَكْلِهِ أَوْ تَصَرُّفِهِ فِي غَيْرِ مَرْضَاةِ رَبِّهِ (أَنْ) : أَيْ بِأَنْ أَوْ لِأَجْلِ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ، أَيِ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ التَّذَكُّرِ، وَلَوْ أَثْنَاءً أَوِ انْتِهَاءً، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْفِي عُمُومُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ بِالْجَنَانِ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ التَّسْمِيَةِ بِاللِّسَانِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: " وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ حَقِيقَةً، إِذِ الْعَقْلُ لَا يُحِيلُهُ وَالشَّرْعُ لَمْ يُنْكِرْهُ، بَلْ ثَبَتَ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وَاعْتِقَادُهُ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: " الْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِدُ سَبِيلًا إِلَى تَطْيِيرِ بَرَكَةِ الطَّعَامِ بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْمُتَنَاوِلُونَ، وَذَلِكَ حَظُّهُ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ، وَمَعْنَى الِاسْتِحْلَالِ هُوَ أَنَّ تَسْمِيَةَ اللَّهِ تَمْنَعُهُ عَنِ الطَّعَامِ، كَمَا أَنَّ التَّحْرِيمَ يَمْنَعُ الْمُؤْمِنَ عَنْ تَنَاوُلِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِحْلَالُ اسْتِنْزَالُ الشَّيْءِ الْمُحَرَّمِ مَحَلَّ الْحَلَالِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مُسْتَعَارٌ مَنْ حَلَّ الْعُقْدَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: " كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ إِذْنٌ لِلشَّيْطَانِ مِنَ اللَّهِ فِي تَنَاوُلِهِ، كَمَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَنْعٌ لَهُ مِنْهُ، فَيَكُونُ اسْتِعَارَةً تَبَعِيَّةً، " وَأَنْ " فِي أَنْ لَا يَذْكُرَ مَصْدَرِيَّةٌ وَاللَّامُ مَقَدَّرَةٌ أَوِ الْوَقْتُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
стр. 5787
٤١٦١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعَامِهِ؟ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ. وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ ; قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٦١ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ) : أَيْ مَسْكَنَهُ الَّذِي يَبِيتُ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَعَمُّ مِنْهُ (فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعَامِهِ) : أَيْ مُطْلَقًا (قَالَ الشَّيْطَانُ) : أَيْ لِأَتْبَاعِهِ (لَا مَبِيتَ) أَيْ لَا مَوْضِعَ بَيْتُوتَةٍ (لَكُمْ) : وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا مُقَامَ لَكُمْ (وَلَا عَشَاءَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَالْمَدِّ، هُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُؤْكَلُ فِي الْعَشِيَّةِ، وَهِيَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إِلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَيُقَالُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ تَغْلِيبًا، وَالْمَعْنَى: لَا يَتَيَسَّرُ لَكُمُ الْمُقَامُ وَلَا الطَّعَامُ فِي هَذَا الْمَكَانِ. قَالَ الْقَاضِي: الْمُخَاطَبُ بِهِ أَعْوَانُهُ أَيْ لَا حَظَّ وَلَا فُرْصَةَ لَكُمُ اللَّيْلَةَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ؟ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَحْرَزُوا عَنْكُمْ أَنْفُسَهُمْ وَطَعَامَهُمْ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ انْتِهَازَ الشَّيْطَانِ فُرْصَةً مِنَ الْإِنْسَانِ إِنَّمَا يَكُونُ حَالَ الْغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُتَيَقِّظًا مُحْتَاطًا ذَاكِرًا لِلَّهِ فِي جُمْلَةِ حَالَاتِهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِغْوَائِهِ وَتَسْوِيلِهِ، وَأَيِسَ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ، وَالْأَشْرَفُ: " وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ بِهِ الرَّجُلَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّيْطَانِ ". قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ بَعِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: " أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ ". وَالْمُخَاطَبُونَ أَعْوَانُهُ. قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً لِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْمَبِيتِ وَالْعَشَاءِ فَلِغَالِبِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ صَادِقٌ فِي عُمُومِ الْأَفْعَالِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَدْ قَالَ شَارِحٌ: الْمَبِيتُ مَصْدَرٌ أَوْ مَكَانٌ، وَالْعَشَاءُ بِالْفَتْحِ مَا يُؤْكَلُ وَقْتَ الْعِشَاءِ وَبِالْكَسْرِ وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُؤْكَلُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ أَيْضًا، وَالْخِطَابُ إِمَّا لِأَوْلَادِهِ وَأَعْوَانِهِ أَيْ لَا يَحْصُلُ لَكُمْ مَسْكَنٌ وَطَعَامٌ، بَلْ صِرْتُمْ مَحْرُومِينَ بِسَبَبِ التَّسْمِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ نِسْيَانَ الذِّكْرِ يَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعَ الْغِذَاءِ مِنَ الْإِنْسَانِ لِتَلَذُّذِهِ بِذَلِكَ وَتَقَوِّيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِصَابَتُهُ مِنَ الطَّعَامِ التَّقَوِّي بِرَائِحَتِهِ، وَالذِّكْرُ هُوَ الْمَانِعُ لَهُ عَنْ حُضُورِ الطَّعَامِ، وَإِمَّا لِأَهْلِ الْبَيْتِ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَاءِ أَيْ جُعِلْتُمْ مَحْرُومِينَ كَمَا جَعَلْتُمُونِي مَحْرُومًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5788
٤١٦٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٦٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ» ) : أَيْ أَحَدُكُمْ مَائِعًا (فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ) ، ظَاهِرُ الْأَمْرِ فِيهِمَا لِلْوُجُوبِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَأَى رَجُلًا يَأْكُلُ بِشِمِالِهِ فَقَالَ لَهُ: كُلْ بِيَمِينِكَ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَقَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ " فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ بَعْدُ» ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَأَى سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا فَدَعَا عَلَيْهَا، فَأَصَابَهَا طَاعُونٌ فَمَاتَتْ» ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الزَّجْرِ وَالسِّيَاسَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5789
٤١٦٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٦٣ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا» ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْمِلُ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْإِنْسِ عَلَى ذَلِكَ الصَّنِيعِ لِيُضَادَّ بِهِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. ثُمَّ إِنَّ مِنْ حَقِّ نِعْمَةِ اللَّهِ وَالْقِيَامِ بِشُكْرِهَا أَنْ تُكْرَمَ وَلَا يُسْتَهَانَ بِهَا، وَمِنْ حَقِّ الْكَرَامَةِ أَنْ تُتَنَاوَلَ بِالْيَمِينِ وَيُمَيَّزَ بِهَا بَيْنَ مَا كَانَ مِنَ النِّعْمَةِ، وَبَيْنَ مَا كَانَ مِنَ الْأَذَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَحْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْمِلُ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْإِنْسِ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي اجْتِنَابُ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُشْبِهُ أَفْعَالَ الشَّيَاطِينِ وَأَنَّ لِلشَّيْطَانِ يَدَيْنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ ﵁ وَلَفْظُهُ: " «لَا تَأْكُلُوا
стр. 5790
بِالشِّمَالِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ» . وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَلِيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ وَلِيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ» ".
стр. 5791
٤١٦٤ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٦٤ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَأْكُلُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ» ) ، أَيِ الْإِبْهَامِ وَالْمُسَبِّحَةِ وَالْوُسْطَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَكْلُ بِالثَّلَاثِ سُنَّةٌ، فَلَا يَضُمُّ إِلَيْهَا الرَّابِعَةَ وَالْخَامِسَةَ إِلَّا لِضَرُورَةٍ (وَيَلْعَقُ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ يَلْحَسُ (يَدَهُ) : أَيْ أَصَابِعَهَا، وَيُقَدِّمُ الْوُسْطَى ثُمَّ مَا يَلِيهَا ثُمَّ الْإِبْهَامَ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا) أَيْ بِالْمَنْدِيلِ قَبْلَ اللَّعْقِ، كَمَا هُوَ عَادَةُ الْجَبَابِرَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مِنْ سُنَنِ الْأَكْلِ لَعْقُ الْيَدِ مُحَافَظَةً عَلَى بَرَكَةِ الطَّعَامِ وَتَنْظِيفًا لَهَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ وَالثَّلَاثَةُ: " «كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعَقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَةَ» ". وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ وَيَلْعَقُهُنَّ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بِلَفْظِ: " «كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيَسْتَعِينُ بِالرَّابِعَةِ» ". وَفِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ: " أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ بِخَمْسٍ، وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَائِعِ، أَوْ عَلَى الْقَلِيلِ النَّادِرِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَإِنَّ عَادَتَهُ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ هُوَ الْأَكْلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَلَعْقُهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثَةِ ; لِأَنَّهُ الْأَنْفَعُ، إِذِ الْأَكْلُ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ مَعَ أَنَّهُ فِعْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ لَا يَسْتَلِذُّ بِهِ الْآكِلُ، وَلَا يَسْتَمْرِئُ بِهِ لِضَعْفِ مَا يَنَالُهُ مِنْهُ كُلَّ مَرَّةٍ، فَهُوَ كَمَنْ أَخَذَ حَقَّهُ حَبَّةً حَبَّةً، وَبِالْأُصْبُعَيْنِ مَعَ أَنَّهُ فِعْلُ الشَّيَاطِينِ لَيْسَ فِيهِ اسْتِلْذَاذٌ كَامِلٌ، مَعَ أَنَّهُ يُفَوِّتُ الْفَرْدِيَّةَ، وَاللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، وَبِالْخَمْسِ مَعَ أَنَّهُ فِعْلُ الْحَرِيصِينَ يُوجِبُ ازْدِحَامَ الطَّعَامِ عَلَى مَجْرَاهُ مِنَ الْعَادَةِ، وَرُبَّمَا اسْتَدَّ مَجْرَاهُ فَأَوْجَبَ الْمَوْتَ فَوْرًا وَفَجْأَةً.
стр. 5792
٤١٦٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّفْحَةِ، وَقَالَ: " إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ: فِي أَيَّهِ الْبَرَكَةُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٦٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ: إِنَّ (النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ بِلَعْقِ الْأَصَابِعِ وَالصَّحْفَةِ» ) : أَيْ بِلَعْقِهِمَا، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَإِنَّ الصَّحْفَةَ تُلْعَقُ أَوَّلًا، وَقَالَ: (إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيَّةٍ) : بِتَاءِ التَّأْنِيثِ أَيْ فِي أَيِّ إِصْبَعٍ وَلُقْمَةٍ مِنَ الطَّعَامِ (الْبَرَكَةُ؟) : أَيْ حَاصِلَةٌ أَوْ تَكُونُ الْبَرَكَةُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: " الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ أَيْ أَيَّةِ أُكْلَةٍ أَوْ طُعْمَةٍ " اهـ. وَفِي نُسْخَةٍ " أَيِّهِ " بَهَاءِ الضَّمِيرِ،) أَيْ فِي أَيِّ طَعَامِهِ يَعْنِي فِي الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلَهُ، أَمْ فِي الَّذِي لَعِقَ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5793
٤١٦٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٦٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا» ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْعَيْنِ أَيْ يَلْحَسَ أَصَابِعَ يَدِهِ (أَوْ يُلْعِقَهَا) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: يُلْعِقَهَا غَيْرَهُ مِمَّنْ لَمْ يَقْذُرْهُ كَالزَّوْجَةِ، وَالْجَارِيَةِ وَالْوَلَدِ وَالْخَادِمِ؟ لِأَنَّهُمْ يَتَلَذَّذُونَ بِذَلِكَ، وَفِي مَعْنَاهُمُ التِّلْمِيذُ، وَمَنْ يَعْتَقِدُ التَّبَرُّكَ بِلَعْقِهَا، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ بِزِيَادَةِ: " فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ ".
стр. 5794
٤١٦٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ " حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، ثُمَّ يَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعُهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي: فِي أَيِّ طَعَامِهِ يَكُونُ الْبَرَكَةُ؟» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٦٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ» ) : صِفَةٌ " شَيْءٍ " أَيْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ الْأَحَدِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ
стр. 5795
شَيْءٌ كَائِنٌ مِنْ شَأْنِ الشَّيْطَانِ حُضُورُهُ عِنْدَهُ. (حَتَّى يَحْضُرَهُ) : أَيِ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ الْأَحَدَ ( «عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ» ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: فَلْيُزِلْ (مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى) : أَيْ مَا يُسْتَقْذَرُ بِهِ مِنْ نَحْوِ تُرَابٍ (ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا) : بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى نَجَسٍ فَلْيَغْسِلْهَا إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا أَطْعَمَهَا نَحْوَ هِرَّةٍ أَوْ كَلْبٍ (وَلَا يَدَعْهَا) : بِفَتْحِ الدَّالِّ أَيْ لَا يَتْرُكْهَا لِلشَّيْطَانِ) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا صَارَ تَرْكُهَا لِلشَّيْطَانِ لِأَنَّ فِيهِ إِضَاعَةَ نِعْمَةِ اللَّهِ وَالِاسْتِحْقَارَ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ، ثُمَّ إِنَّهُ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَالْمَانِعُ عَنْ تَنَاوُلِ تِلْكَ اللُّقْمَةِ فِي الْغَالِبِ هُوَ الْكِبْرُ، وَذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. ( «فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي: فِي أَيِّ طَعَامِهِ» ) : أَيْ أَجْزَائِهِ (تَكُونُ) : بِالتَّأْنِيثِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّذْكِيرِ أَيْ تَحْصُلُ وَتُوجَدُ (الْبَرَكَةُ) أَيِ الْمُفِيدَةُ لِلْقَنَاعَةِ أَوِ الْمُعِينَةُ عَلَى الطَّاعَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَفِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامٍ تَكُونُ الْبَرَكَةُ» ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَلَفْظُهُ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَسَقَطَتْ لُقْمَتُهُ فَلْيُمِطْ مَا رَابَهُ مِنْهَا ثُمَّ لِيَطْعَمْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ» ".
стр. 5796
٤١٦٨ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤١٦٨ - (وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ، ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تُوُفِّيَ، وَهُوَ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، وَلَكِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ وَرَوَى عَنْهُ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» ) . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْسَبُ أَكْثَرُ الْعَامَّةِ أَنَّ الْمُتَّكِئَ هُوَ الْمَائِلُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُتَّكِئَ، هَاهُنَا هُوَ الْمُعْتَمِدُ عَلَى الْوِطَاءِ، الَّذِي تَحْتَهُ، وَكُلُّ مَنِ اسْتَوَى قَاعِدًا عَلَى وِطَاءٍ فَهُوَ مُتَّكِئٌ، وَالْمَعْنَى أَنِّي إِذَا أَكَلْتُ لَمْ أَقْعُدْ مُتَمَكِّنًا عَلَى الْأَوْطِئَةِ، فِعْلَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ، وَلَكِنِّي آكُلُ عُلْقَةً مِنَ الطَّعَامِ، فَيَكُونُ قُعُودِي مُسْتَوْفِزًا لَهُ اهـ.
وَفَسَّرَ الْأَكْثَرُونَ الِاتِّكَاءَ بِالْمَيْلِ عَلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْآكِلِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مَجْرَى الطَّعَامِ الطَّبِيعِيَّ عَنْ هَيْئَتِهِ وَيَعُوقُهُ عَنْ سُرْعَةِ نُفُوذِهِ إِلَى الْمَعِدَةِ وَيَضْغَطُ الْمُعِدَةَ فَلَا يَسْتَحْكِمُ فَتْحَهَا لِلْغِذَاءِ، وَنُقِلَ فِي الشِّفَاءِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوهُ بِالتَّمَكُّنِ لِلْأَكْلِ، وَالْقُعُودِ فِي الْجُلُوسِ كَالْمُتَرَبِّعِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى وِطَاءٍ تَحْتَهُ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ تَسْتَدْعِي كَثْرَةَ الْأَكْلِ، وَتَقْتَضِي الْكِبْرَ، وَوَرَدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أَنَّهُ ﷺ «زَجَرَ أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عِنْدَ الْأَكْلِ» ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مُتَّكِئِينَ مَخَافَةَ أَنْ تَعْظُمَ بُطُونُهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَيُذْكَرُ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ لِلْأَكْلِ مُتَوَكِّئًا عَلَى رُكْبَتِهِ، وَيَضَعُ بَطْنَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى تَوَاضُعًا لِلَّهِ وَأَدَبًا بَيْنَ يَدَيْهِ» . قَالَ: وَهَذِهِ الْهَيْئَةُ أَنْفَعُ هَيْئَاتِ الْأَكْلِ وَأَفْضَلُهَا؟ لِأَنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تَكُونُ عَلَى وَضْعِهَا الطَّبِيعِيِّ الَّذِي خَلَقَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: " أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا ". وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 5797
٤١٦٩ - وَعَنْ قَتَادَةَ ﵁ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «مَا أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خِوَانٍ، وَلَا فِي سُكُرَّجَةٍ وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ. قِيلَ لِقَتَادَةَ: عَلَامَ يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُفَرِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤١٦٩ - وَعَنْ قَتَادَةَ ﵁ عَنْ أَنَسٍ ﵁) : زِيَادَةُ قَتَادَةَ لِمَا سَيَأْتِي مِنَ الْفَائِدَةِ (قَالَ) : أَيْ أَنَسٌ ﵁ (مَا أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ ) : أَيْ طَعَامًا (عَلَى خِوَانٍ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيُضَمُّ أَيْ مَائِدَةٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْخُوَانُ الَّذِي يُؤْكَلُ عَلَيْهِ مُعَرَّبٌ، وَالْأَكْلُ عَلَيْهِ لَمْ يَزَلْ مِنْ دَأْبِ الْمُتْرَفِينَ وَصَنِيعِ الْجَبَّارِينَ لِئَلَّا يَفْتَقِرُوا إِلَى التَّطَاطُؤِ عِنْدَ الْأَكْلِ. (وَلَا فِي سُكُرَّجَةٍ) بِضَمِّ السِّينِ وَالْكَافِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ
стр. 5798
وَبِفَتْحِ الْأَخِيرِ فِي النِّهَايَةِ: هِيَ إِنَاءٌ صَغِيرٌ فَارِسِيَّةٌ اهـ. وَقِيلَ: هِيَ قَصْعَةٌ صَغِيرَةٌ وَالْأَكْلُ مِنْهَا تَكَبُّرٌ وَمِنْ عَلَامَاتِ الْبُخْلِ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرُّوَاةُ يَضُمُّونَ الْأَحْرُفَ الثَّلَاثَةَ مِنْ أَوَّلِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ الصَّوَابَ فَتْحُ الرَّاءِ مِنْهَا وَهُوَ الْأَشْبَهُ؛ لِأَنَّهُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَالرَّاءُ فِي الْأَصْلِ مِنْهُ مَفْتُوحَةٌ، وَالْعَجَمُ كَانَتْ تَسْتَعْمِلُهَا فِي الْكَوَامِيخِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْجَوَارِشَاتِ - يَعْنِي الْمُخَلَّلَاتِ - عَلَى الْمَوَائِدِ حَوْلَ الْأَطْعِمَةِ لِلتَّشَهِّي وَالْهَضْمِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْكُلْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ قَطُّ. (وَلَا خُبِزَ) : مَاضٍ مَجْهُولٌ (لَهُ) : أَيْ لِأَجْلِهِ ﷺ (مُرَقَّقٌ) : أَيْ مُلَيَّنٌ مُحَسَّنٌ، كَخُبْزِ الْحُوَّارَى وَشِبْهِهِ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُبْزُ الرِّقَاقِ وَهُوَ الْمُوَسَّعُ الدِّقَاقِ كَمَا هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ. (قِيلَ لِقَتَادَةَ: عَلَامَ يَأْكُلُونَ؟) : أَيِ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ يَقْتَدُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَفُونَ آثَارَ طَرِيقَتِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْخِطَابِ،: وَهُوَ خِلَافُ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، وَيَرُدُّهُ رِوَايَةُ: مَا كَانُوا يَأْكُلُونَ؟ ، وَفِي رِوَايَاتِ التِّرْمِذِيِّ. " قَالَ يُونُسُ: فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: فَعَلَى مَا كَانُوا يَأْكُلُونَ؟ "، قَالَ مِيرَكْشَاهْ: كَذَا هُوَ فِي نُسَخِ الشَّمَائِلِ بِإِشْبَاعِ فَتْحَةِ الْمِيمِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ وَعِنْدَ أَكْثَرِهِمْ فَعَلَامَ. بِمِيمٍ مُفْرَدَةٍ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ إِذَا دَخَلَ عَلَى " مَا " الِاسْتِفْهَامِيَّةِ حُذِفَ الْأَلِفُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، لَكِنْ قَدْ تَرِدُ فِي الِاسْتِعْمَالَاتِ الْقَلِيلَةِ عَلَى الْأَصْلِ نَحْوَ قَوْلِ حَسَّانَ: عَلَى مَا قَالَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا اتَّصَلَ الْجَارُّ بِمَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ الْمَحْذُوفَةِ الْأَلِفِ نَحْوَ: حَتَّامَ وَعَلَامَ كُتِبَ مَعَهَا بِالْأَلِفِ لِشِدَّةِ الِاتِّصَالِ بِالْحُرُوفِ، وَالْمَعْنَى: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانُوا يَأْكُلُونَ. (قَالَ) : أَيْ قَتَادَةُ (عَلَى السُّفَرِ) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ جَمْعُ سُفَرَةٍ. فِي النِّهَايَةِ: السُّفْرَةُ الطَّعَامُ يَتَّخِذُهُ الْمُسَافِرُ، وَأَكْثَرُ مَا يُحْمَلُ فِي جِلْدٍ مُسْتَدِيرٍ، فَنُقِلَ اسْمُ الطَّعَامِ إِلَى الْجِلْدِ وَسُمِّيَ بِهِ كَمَا سُمِّيَتِ الْمَزَادَةُ رَاوِيَةً، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمَنْقُولَةِ اهـ.
ثُمَّ اشْتُهِرَتْ لِمَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، مَا عَدَا الْمَائِدَةَ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهَا شِعَارُ الْمُتَكَبِّرِينَ غَالِبًا، فَالْأَكْلُ عَلَيْهَا سُنَّةٌ وَعَلَى الْخِوَانِ بِدْعَةٌ، لَكِنَّهَا جَائِزَةٌ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5799
٤١٧٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «مَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤١٧٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «مَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا» ) : أَيْ مَشْوِيًّا مَعَ جِلْدِهِ مَعَ إِزَالَةِ شَعْرِهِ بِالْمَاءِ الْحَارِّ؟ لِأَنَّ فِيهِ تَنَعُّمًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ تَكَرُّمًا، وَقَوْلُهُ: (بِعَيْنِهِ) تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ الرُّؤْيَةِ وَرَفْعِ احْتِمَالِ التَّجَوُّزِ، وَفِي قَوْلِهِ (قَطُّ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ مُطْلَقًا لَا فِي بَيْتِهِ وَلَا فِي بَيْتِ غَيْرِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ أَنَسٌ ﵁ بِنَفْيِ الْعِلْمِ نَفْيَ الْمَعْلُومِ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨] وَهُوَ مِنْ بَابِ نَفْيِ الشَّيْءِ بِنَفْيِ لَازِمِهِ، وَإِنَّمَا صَحَّ مِنْ أَنَسٍ لِأَنَّهُ لَازَمَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَزِمَهُ وَلَمْ يُفَارِقْهُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
стр. 5800
٤١٧١ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: «مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّقِيَّ مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، قِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ ، قَالَ كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤١٧١ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) : ﵄ (قَالَ مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ رَأْسَ النَّقِيِّ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيِ الْخُبْزِ الْخَالِي مِنَ النُّخَالَةِ، قِيلَ: هُوَ الْحُوَّارَى بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَهُوَ مَا بَقِيَ دَقِيقُهُ مِنَ النُّخَالَةِ وَمَا يَعِيبُهُ، وَقِيلَ: أَيْ مَا نُخِلَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى يَصِيرَ نَظِيفًا أَبْيَضَ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ " تَنِيدَهْ، وَالْمَعْنَى مَا رَآهُ فَضْلًا عَنْ أَكْلِهِ، فَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى (مِنْ حِينَ) : بِفَتْحِ النُّونِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَنْوِينِهِ مَجْرُورًا أَيْ مِنْ زَمَانِ (ابْتَعَثَهُ اللَّهُ) أَيْ أَوْحَى إِلَيْهِ (حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ) أَيْ: تَوَفَّاهُ.
قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَظُنُّ أَنَّ سَهْلًا احْتَرَزَ عَمَّا كَانَ قَبْلَ الْبَعْثِ لِأَنَّهُ ﷺ تَوَجَّهَ فِي أَيَّامِ الْفَتْرَةِ مَرَّتَيْنِ إِلَى جَانِبِ الشَّامِ تَاجِرًا، وَوَصَلَ إِلَى بُصْرَى وَحَضَرَ فِي ضِيَافَةِ " بَحِيرَاءَ " الرَّاهِبِ، وَكَانَتِ الشَّامُ إِذْ ذَاكَ مَعَ الرُّومِ، وَالْخُبْزُ
стр. 5801
النَّقِيُّ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ﷺ رَأَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَأَمَّا بَعْدَ ظُهُورِ النُّبُوَّةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْمَدِينَةِ، وَقَدِ اشْتَهَرَ أَنَّ سَبِيلَ الْعَيْشِ صَارَ مُضَيَّقًا عَلَيْهِ، وَعَلَى أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ اضْطِرَارًا أَوِ اخْتِيَارًا. (وَقَالَ) : أَيْ سَهْلٌ (مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْخُلًا) بِضَمَّتَيْنِ وَيُفْتَحُ فَاؤُهُ مَا يُنْخَلُ بِهِ (مِنْ حِينَ " ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى) : أَيْ إِلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا وَاخْتَارَ الْعُقْبَى وَالْمَلَأَ الْأَعْلَى وَحَضْرَةَ الْمَوْلَى (قَالَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ) حَالٌ (قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ فِي الْقَامُوسِ: طَحَنَهُ كَمَنَعَ وَطَحَنَهُ جَعَلَهُ دَقِيقًا (وَنَنْفُخُهُ) : بِضَمِّ الْفَاءِ أَيْ نُطَيِّرُهُ إِلَى الْهَوَاءِ بِأَيْدِينَا أَوْ بِأَفْوَاهِنَا (فَيَطِيرُ مَا طَارَ) : أَيْ يَذْهَبُ مِنْهُ مَا ذَهَبَ مِنَ النُّخَالَةِ وَمَا فِيهِ خِفَّةٌ (وَمِمَّا بَقِيَ) : أَيْ مِمَّا فِيهِ رَزَانَةٌ كَالدَّقِيقِ ثَرَّيْنَا،) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ عَجَنَّاهُ وَخَبَزْنَاهُ، وَقِيلَ: بَلَّلْنَاهُ بِالْمَاءِ مِنْ ثَرَّى التُّرَابَ تَثْرِيَةً أَيْ رَشَّ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَعَلْنَاهُ مَرَقًا وَطَبَخْنَاهُ (فَأَكَلْنَاهُ) : وَفِي هَذَا بَيَانُ تَرْكِهِ ﷺ رَسْمَ التَّكَلُّفِ وَالِاهْتِمَامِ بِشَأْنِ الطَّعَامِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْتَنِي بِهِ إِلَّا أَهْلُ الْحَمَاقَةِ وَالْغَفْلَةِ وَالْبِطَالَةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَفِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ، «عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: " أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّقِيَّ يَعْنِي الْحُوَّارَى؟ ، فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّقِيَّ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ مَنَاخِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ. فَقِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ؟ قَالَ: كُنَّا نَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طَارَ ثُمَّ نَعْجِنُهُ» .
стр. 5802
٤١٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " «مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٧٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «مَا عَابَ النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ» ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: الْعَيْبُ هُوَ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مَالِحٌ، قَلِيلُ الْمِلْحِ، حَامِضٌ رَقِيقٌ غَلِيظٌ غَيْرُ نَاضِجٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَأَمَّا «قَوْلُهُ لِلضَّبِّ: " لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» " فَبَيَانٌ لِكَرَاهِيَتِهِ لَا إِظْهَارِ عَيْبِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5803
٤١٧٣ - وَعَنْهُ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا، فَأَسْلَمَ، فَكَانَ يَأْكُلُ قَلِيلًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤١٧٣ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّ رَجُلًا) : أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ (كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا) : أَيْ زَائِدًا عَلَى عَادَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ (فَأَسْلَمَ، وَكَانَ) : بِالْوَاوِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ. وَكَانَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ بِالْفَاءِ أَيْ فَكَانَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ (يَأْكُلُ قَلِيلًا) : أَيْ شَيْئًا قَلِيلًا أَوْ أَكْلًا قَلِيلًا، أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوَّلِ أَوْ قَلِيلًا بِالْمَرَّةِ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُرْتَاضِينَ أَوْ قَلِيلًا عُرْفِيًّا عَلَى دَأْبِ غَالِبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ، (فَذُكِرَ ذَلِكَ) : أَيْ تَقْلِيلُ أَكْلِهِ بَعْدَ إِسْلَامِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ( «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ» ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ مُنَوَّنًا وَيُكْتَبُ بِالْيَاءِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْمَعْنَى بِالْفَتْحِ وَكَإِلَى مِنْ أَعْفَاجِ الْبَطْنِ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَالْجَمْعُ أَمْعَاءٌ (وَالْكَافِرُ) : بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ رَفْعُهُ (يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) : اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْكَافِرِ زِيَادَةُ أَمْعَاءٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُؤْمِنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ الْقَاضِي: أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُقَلَّلُ حِرْصُهُ وَشَرَهُهُ عَلَى الطَّعَامِ، وَيُبَارَكُ لَهُ فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ، فَيَشْبَعُ مِنْ قَلِيلٍ. وَالْكَافِرُ يَكُونُ كَثِيرَ الْحِرْصِ شَدِيدَ الشَّرَهِ، لَا مَطْمَحَ لِبَصَرِهِ إِلَّا إِلَى الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ كَالْأَنْعَامِ، فَمِثْلُ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الشَّرَهِ. بِمَا بَيْنَ مَنْ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَبَيْنَ مَنْ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ قِيلَ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَقِيلَ لَهُ عَلَى جِهَةِ التَّمْثِيلِ يَعْنِي فَلَامُ الْمُؤْمِنِ لِلْعَهْدِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ طَعَامِهِ فَلَا يُشْرِكُهُ فِيهِ الشَّيْطَانُ، وَالْكَافِرُ لَا يُسَمِّيهِ فَيُشَارِكُهُ الشَّيْطَانُ.
стр. 5804
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَقْتَصِدُ فِي أَكْلِهِ فَيُشْبِعُهُ امْتِلَاءُ بَعْضِ أَمْعَائِهِ، وَالْكَافِرُ لِشَرَهِهِ وَحِرْصِهِ عَلَى الطَّعَامِ لَا يَكْفِيهِ إِلَّا مَلْءُ كُلِّ الْأَمْعَاءِ. وَرَابِعُهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ وَبَعْضِ الْكُفَّارِ. وَخَامِسُهَا: أَنْ يُرَادَ بِالسَّبْعَةِ صِفَاتُ الْحِرْصِ وَالشَّرَهِ وَطُولِ الْأَمَلِ وَالطَّمَعِ، وَسُوءِ الطَّبْعِ وَالْحَشَدِ وَالسِّمَنِ. وَسَادِسُهَا: أَنْ يُرَادَ بِالْمُؤْمِنِ تَامُّ الْإِيمَانِ الْمُعْرِضُ عَنِ الشَّهَوَاتِ الْمُقْتَصِرُ عَلَى سَدِّ خَلَّتِهِ. وَسَابِعُهَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ: أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَأَنَّ أَكْثَرَ الْكُفَّارِ يَأْكُلُونَ فِي سَبْعَةٍ، وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ مِثْلُ مِعَى الْمُؤْمِنِ. اهـ. وَفِي كَوْنِهِ هُوَ الْمُخْتَارَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِلنُّظَّارِ، وَاخْتَارَ السُّيُوطِيُّ فِي مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُبَارَكُ لَهُ فِي طَعَامِهِ بِبَرَكَةِ التَّسْمِيَةِ حَتَّى تَقَعَ النِّسْبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَافِرِ، كَنِسْبَةِ مَنْ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ. اهـ.
وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ الْمَعْنَى إِذَا قَدَّرْتَ ذَلِكَ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي أَشْخَاصٍ مُتَمَاثِلِينَ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ، فَتَجِدُ حَالَ ذَلِكَ الْوَاحِدِ فِي الْأَكْلِ وَهُوَ الْكَافِرُ خِلَافَ حَالِهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَشْخَاصِ، وَإِلَّا فَقَدْ يُوجَدُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَزْدَادُ شَهْوَتُهُ فِي الْأَكْلِ عَلَى الْكَافِرِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نَفْسِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَذَا فِيمَا يَلِيهِ مِنْ حَدِيثٍ ضَافَهُ ضَيْفٌ كَافِرٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَأْكُلُ الْكَافِرُ فِي سَبْعَةٍ أَمْثَالِ أَكْلِ الْمُؤْمِنِ، أَيْ يَكُونُ شَهْوَتُهُ أَمْثَالَ شَهْوَةِ الْمُؤْمِنِ، فَتَكُونُ الْأَمْعَاءُ كِنَايَةً عَنِ الشَّهَوَاتِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مُجَرَّدُ الْحَلَالِ، وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مَشُوبَةٍ وَهِيَ سَبْعٌ: الْغَارَةُ وَالْغَضَبُ وَالسَّرِقَةُ وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ وَالرِّبَا وَالْخِيَانَةُ وَالْحَلَالُ، وَقِيلَ: هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَقِلَّتِهِ أَيْ خُلُقُ الْمُؤْمِنِ قِلَّةُ الْأَكْلِ، وَخُلُقُ الْكَافِرِ كَثْرَتُهُ. يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبْعَةِ التَّكْثِيرُ، وَقِيلَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ ﷺ لِزُهْدِ الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا وَحِرْصِ الْكَافِرِ عَلَيْهَا، فَهَذَا يَأْكُلُ بِلُغَةً وَقُوتًا فَيُشْبِعُهُ الْقَلِيلُ، وَذَاكَ يَأْكُلُ شَهْوَةً وَحِرْصًا فَلَا يَكْفِيهِ الْكَثِيرُ. وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: جُمَّاعُ الْقَوْلِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْكَامِلِ إِيمَانُهُ أَنْ يَحْرِصَ فِي الزَّهَادَةِ وَقِلَّةِ الْغِذَاءِ، وَيَقْنَعَ بِالْبُلْغَةِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَإِذَا وُجِدَ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ عَلَى خِلَافِ هَذَا فَلَا يُقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالُوا: مَقْصُودُ الْحَدِيثِ التَّقَلُّلُ مِنَ الدُّنْيَا وَالْحَثُّ عَلَى الزُّهْدِ فِيهَا وَالْقَنَاعَةُ، مَعَ أَنَّ قِلَّةَ الْأَكْلِ مِنْ مَحَاسِنِ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ، وَكَثْرَةَ الْأَكْلِ بِضِدِّهَا، وَأَمَّا «قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمِسْكِينِ الَّذِي أَكَلَ عِنْدَهُ كَثِيرًا: لَا يَدْخُلُ هَذَا عَلَيَّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ» " الْحَدِيثَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ، إِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْكُفَّارَ، وَمَنْ أَشْبَهَ الْكُفَّارَ كُرِهَتْ مُخَالَطَتُهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ، هَذَا وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ " عُدِيَّ الْأَكْلُ بِفِي عَلَى مَعْنَى أَوْقَعَ الْأَكْلَ فِيهَا، وَجَعَلَهَا أَمْكِنَةً لِلْمَأْكُولِ لِيَشْعُرَ بِامْتِلَائِهَا كُلِّهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِلنَّفَسِ فِيهِ مَجَالٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] أَيْ مِلْءَ بُطُونِهِمْ، وَتَخْصِيصُ السَّبْعَةِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] اهـ.
وَيَعْنِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ ثُلُثُ بَطْنِهِ لِلْأَكْلِ، وَثُلُثُهُ لِلشُّرْبِ، وَثُلُثُهُ لِلنَّفَسِ، وَأَمَّا مَذْهَبُ الْقَلَنْدَرِيَّةِ الْمُشَابِهَةِ بِالْكَفَرَةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَمْلَأُ الْبَطْنَ مِنَ الْأَكْلِ، وَيَحْصُلُ الْمَاءُ مَكَانَهُ، وَالنَّفَسُ إِنْ أَحَبَّ يَطْلُعُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ، وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي مُوسَى.
стр. 5805
٤١٧٤ - وَ ٤١٧٥ - وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عُمَرَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ فَقَطْ.
ــ
٤١٧٤ - وَ ٤١٧٥ - (وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عُمَرَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ) : اللَّامُ فِيهِ مَوْصُولَةٌ، وَالضَّمِيرُ فِي (مِنْهُ) رَاجِعٌ إِلَيْهِ أَيِ الَّذِي أُسْنِدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ " الْحَدِيثَ. (فَقَطْ) : سَاكِنَةُ الطَّاءِ. بِمَعْنَى فَحَسْبُ أَيْ دُونَ الْقِصَّةِ السَّابِقَةِ.
стр. 5806
٤١٧٦ - وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى، فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ".
ــ
٤١٧٦ - (وَفِي أُخْرَى لَهُ) : أَيْ لِمُسْلِمٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَافَهُ ضَيْفٌ) : أَيْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ (وَهُوَ) : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الضَّيْفَ (كَافِرٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ) : أَيْ بِإِحْلَابِهَا (فَحُلِبَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَشَرِبَ) : أَيِ الضَّيْفُ أَوِ الْكَافِرُ (حِلَابَهَا) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ لَبَنَهَا (ثُمَّ أُخْرَى) : أَيْ ثُمَّ حُلِبَتْ شَاةٌ أُخْرَى (فَشَرِبَهُ) : أَيْ حِلَابَهَا (ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِنَّهُ) : أَيِ الضَّيْفُ الْكَافِرُ (أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا) : أَيْ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَشْرَبَ لَبَنَ الشَّاةِ الثَّانِيَةِ عَلَى التَّمَامِ (فَقَالَ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» ) : كَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
стр. 5807
٤١٧٧ - وَعَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٧٧ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامُ الِاثْنَيْنِ) : أَيْ مَا يُشْبِعُهُمَا (كَافِي الثَّلَاثَةِ) : أَيْ يَكْفِيهِمْ عَلَى وَجْهِ الْقَنَاعَةِ وَيُقَوِّيهِمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُزِيلُ الضَّعْفَ عَنْهُمْ، لَا أَنَّهُ يُشْبِعُهُمْ، فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ ; وَلِذَا وَرَدَ: " «أَكْثَرُكُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُكُمْ جُوعًا فِي الْآخِرَةِ» ". وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْنَعَ بِدُونِ الشِّبَعِ، يَصْرِفُ الزَّائِدَ إِلَى مُحْتَاجٍ آخَرَ. (وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ: أَيْ شِبَعُ الْأَقَلِّ قُوتٌ بِالْأَكْثَرِ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالتَّقَنُّعِ بِالْكِفَايَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.
стр. 5808
٤١٧٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٧٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ) : بِكَسْرِ اللَّامِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ بَعْدَ حَذْفِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ ( «وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، حَكَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: تَأْوِيلُهُ شِبَعُ الْوَاحِدِ قُوتُ الِاثْنَيْنِ، وَشِبَعُ الِاثْنَيْنِ قُوتُ الْأَرْبَعَةِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ: تَفْسِيرُ هَذَا مَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَامَ الرِّفَادَةِ: " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُنْزِلَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ مِثْلَ عَدَدِهِمْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَهْلِكُ عَلَى نِصْفِ بَطْنِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْمُوَاسَاةِ فِي الطَّعَامِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا حَصَلَتْ مِنْهُ الْكِفَايَةُ الْمَقْصُودَةُ، وَوَقَعَتْ فِيهِ بَرَكَةٌ تَعُمُّ الْحَاضِرِينَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ بِلَفْظِ: " «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ، فَاجْتَمِعُوا عَلَيْهِ وَلَا تَفَرَّقُوا» "، فَهَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي الْأَكْلِ مَعَ الْجَمَاعَةِ.
стр. 5809
٤١٧٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ " - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحَزَنِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٧٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: التَّلْبِينَةُ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَنُونٍ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ حَسْوٌ رَقِيقٌ يُتَّخَذُ مِنَ الدَّقِيقِ وَاللَّبَنِ. وَقِيلَ: مِنَ الدَّقِيقِ أَوِ النُّخَالَةِ، وَقَدْ يُجْعَلُ فِيهِ الْعَسَلُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِاللَّبَنِ لِبَيَاضِهَا وَرِقَّتِهَا، وَهُوَ مَرَّةٌ مِنَ التَّلْبِينِ مَصْدَرُ لَبَّنَ الْقَوْمَ إِذَا سَقَاهُمُ اللَّبَنَ وَقَوْلُهُ: (مُجِمَّةٌ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ أَيْ مُرِيحَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلَيْهِمَا أَيْ رَاحَةٌ أَوْ مَكَانُ اسْتِرَاحَةٍ مِنَ الْجَمَامِ وَهُوَ الرَّاحَةُ (لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ)
стр. 5810
بِالْهَمْزِ أَيْ لِقَلْبِهِ وَبِالْوَاوِ أَيْ لِوَجَعِ قَلْبِهِ (تَذْهَبُ) : اسْتِئْنَافٌ كَالْبَيَانِ لِقَوْلِهِ: مُجِمَّةٌ (بِبَعْضِ الْحَزَنِ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَيْ يُزِيلُ بَعْضَ هَمِّهِ أَوْ هَمِّ صَاحِبِهِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ.
стр. 5811
٤١٨٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: " «أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءُ وَقَدِيدٌ (قَالَ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) : فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٨٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ ﷺ لِطَعَامٍ» ) : أَيْ إِلَى طَعَامٍ أَوْ لِأَجْلِ طَعَامٍ (صَنَعَهُ، فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ) : أَيْ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ إِمَّا بِطَلَبٍ مَخْصُوصٍ أَوْ بِالتَّبَعِيَّةِ لَهُ ﷺ لِكَوْنِهِ خَادِمًا لَهُ عَمَلًا بِالرِّضَا الْعُرْفِيِّ (فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا) : بِفَتْحَتَيْنِ (فِيهِ دُبَّاءُ) : بِضَمِّ الدَّالِّ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ، وَقَدْ يُقْصَرُ: الْقَرْعُ وَالْوَاحِدَةُ دُبَّاءَةٌ، (وَقَدِيدٌ) : أَيْ لَحْمٌ مَمْلُوحٌ مُجَفَّفٌ فِي الشَّمْسِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَالْقَدُّ الْقَطْعُ طُولًا. وَفِي السُّنَنِ عَنْ رَجُلٍ: " «دَخَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ وَنَحْنُ مُسَافِرُونَ فَقَالَ: " أَمَالِحٌ لَحْمُهَا "، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ» ". (قَالَ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ» ) : أَيْ يَتَطَلَّبُهُ (مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، وَإِنَّمَا كَسْرُهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، يُقَالُ: رَأَيْتُ النَّاسَ حَوْلَهُ وَحَوْلَيْهِ وَحَوَالَيْهِ، وَاللَّامُ مَفْتُوحَةٌ فِي الْجَمِيعِ، وَلَا يَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، وَتَقُولُ حَوَالَيِ الدَّارِ. قِيلَ: كَأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ حَوَالَيْنِ كَقَوْلِكَ جَامَيْنِ، فَسَقَطَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» ".
قَالَ الطِّيبِيُّ: كُلُّهُ. بِمَعْنًى وَهُوَ ظَرْفٌ اهـ، وَهُوَ مُفْرَدُ اللَّفْظِ جَمْعُ الْمَعْنَى أَيْ جَوَانِبِ الْقَصْعَةِ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَهِيَ مَا يُشْبِعُ عَشَرَةَ أَنْفُسٍ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ: حَوَالَيِ الصَّحْفَةِ "، وَهِيَ مَا يُشْبِعُ خَمْسَةَ أَنْفُسٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ إِمَّا بِالنِّسْبَةِ لِجَانِبِهِ ﷺ دُونَ جَانِبِ الْبَقِيَّةِ أَوْ مُطْلَقًا، وَلَا يُعَارِضُهُ نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لِلتَّقَذُّرِ وَالْإِيذَاءِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي حَقِّهِ ﷺ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَوَدُّونَ ذَلِكَ مِنْهُ لِتَبَرُّكِهِمْ بِآثَارِهِ، حَتَّى نَحْوَ بُصَاقِهِ وَمُخَاطِهِ يُدَلِّكُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، وَقَدْ شَرِبَ بَعْضُهُمْ بَوْلَهُ وَبَعْضُهُمْ دَمَهُ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّعَامَ إِذَا كَانَ مُخْتَلِفًا يَجُوزُ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى مَا لَا يَلِيهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْ صَاحِبِهِ كَرَاهِيَتَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: " «فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ إِلَيْهِ وَلَا أَطْعَمُهُ وَأَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ» "، (فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ) : أَيْ مَحَبَّةً شَرْعِيَّةً لَا طَبْعِيَّةً شَهْوِيَّةً، أَوِ الْمُرَادُ أُحِبُّهَا مَحَبَّةً زَائِدَةً (بَعْدَ) : بِفَتْحِ دَالِهَا وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا، وَقَوْلُهُ: (يَوْمَئِذٍ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا عَلَى الْأَوَّلِ وَبِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الثَّانِي، وَفِي الشَّمَائِلِ " مِنْ يَوْمِئِذٍ " بِكَسْرِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ مُعْرَبٌ مَجْرُورٌ بِمِنْ أَوْ بِفَتْحِهَا عَلَى اكْتِسَابِ الْبِنَاءِ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ " بَعْدَ " مُضَافًا إِلَى مَا بَعْدَهُ، كَمَا جَاءَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا عَنِ الْإِضَافَةِ، وَقَوْلُهُ: (يَوْمِئِذٍ) بَيَانٌ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفِ فَيَجُوزُ الْوَجْهَانِ حِينَئِذٍ كَمَا قُرِئَ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ أَكْلِ الشَّرِيفِ طَعَامَ مَنْ دُونَهُ مِنْ مُحْتَرِفٍ وَغَيْرِهِ، وَإِجَابَتُهُ دَعْوَتَهُ، وَمُؤَاكَلَةُ الْخَادِمِ، وَبَيَانُ مَا كَانَ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَاللُّطْفِ بِأَصْحَابِهِ، وَأَنَّهُ يُسَنُّ مَحَبَّةُ الدُّبَّاءِ، وَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يُحِبُّهُ، وَأَنَّ كَسْبَ الْخَيَّاطِ لَيْسَ بِدَنِيءٍ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.
стр. 5812
٤١٨١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٨١ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ) : بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الضَّمْرِيُّ بِفَتْحِ الضَّادِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ أَسْلَمَ حِينَ انْصَرَفَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أُحُدٍ، وَكَانَ مِنْ رِجَالِ الْعَرَبِ، وَأَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمُ بِئْرِ مَعُونَةَ، فَأَسَرَهُ عَامِرُ بْنُ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ بَعْدَ أَنْ جَزَّ نَاصِيَتَهُ، بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ -
стр. 5813
" فِي سَنَةِ سِتٍّ إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَقَدِمَ عَلَى النَّجَاشِيِّ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ النَّجَاشِيُّ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ. رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ وَابْنُ أَخِيهِ الزِّبْرِقَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مَاتَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتِّينَ. (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَحْتَزُّ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا، وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي بَابِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ أَيْ يَقْتَطِعُ (مِنْ كَتِفِ شَاةٍ) : وَالْكَتِفُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ التَّاءِ، وَفِي الْقَامُوسِ: كَفَرِحٍ وَمِثْلٍ وَحَبْلٍ (فِي يَدِهِ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا) : أَيِ الْكَتِفَ (وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا) : فِي الْقَامُوسِ: السِّكِّينُ مَعْرُوفٌ كَالسِّكِّينَةِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) : ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ وُضُوءًا شَرْعِيًّا وَلَا عُرْفِيًّا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5814
٤١٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤١٨٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ» ) : بِالْمَدِّ وَيَجُوزُ قَصْرُهُ، فَفِي الْمُغْرِبِ الْحَلْوَاءُ الَّتِي تُؤْكَلُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَالْجَمْعُ الْحَلَاوَى نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَنُقِلَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ مَقْصُورٌ يُكْتَبُ بِالْيَاءِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّهُ مَمْدُودٌ وَيُكْتَبُ بِالْأَلِفِ، وَقِيلَ: الْحَلْوَاءُ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ حَلَاوَةٌ، فَقَوْلُهُ: (وَالْعَسَلَ) تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْمَجِيعُ وَهُوَ تَمْرٌ يُعْجَنُ بِاللَّبَنِ، وَقِيلَ: مَا صُنِعَ وَعُولِجَ مِنَ الطَّعَامِ بِحُلْوٍ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْفَاكِهَةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ مِنْ جُمْلَةِ الطَّيِّبَاتِ وَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِهِ الْمُسْتَلَذَّاتُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَدَخَلَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّ مَا شَابَهَ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَآكِلِ اللَّذِيذَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ حُبُّهُ ﷺ لَهُمَا عَلَى مَعْنَى كَثْرَةِ التَّشَهِّي وَشِدَّةِ نَزْعِ النَّفْسِ لِأَجْلِهِمَا، وَإِنَّمَا كَانَ يَنَالُ مِنْهُمَا إِذَا حَضَرَا نَيْلًا صَالِحًا فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِيَاضِهِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ خَبَصَ فِي الْإِسْلَامِ عُثْمَانُ، قَدِمَتْ عَلَيْهِ عِيرٌ تَحْمِلُ دَقِيقًا وَعَسَلًا فَخَلَطَهُمَا. «وَصَحَّ أَنَّ عِيرًا قَدِمَتْ فِيهَا جَمَلٌ لَهُ عَلَيْهِ دَقِيقٌ حُوَّارَى وَعَسَلٌ وَسَمْنٌ، فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَا فِيهَا بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ دَعَا بِبُرْمَةٍ فَنُصِبَتْ عَلَى النَّارِ، وَجَعَلَ فِيهَا مِنَ الْعَسَلِ وَالدَّقِيقِ وَالسَّمْنِ، ثُمَّ عَصَدَ حَتَّى نَضِجَ، ثُمَّ أُنْزِلَ فَقَالَ ﷺ : " كُلُوا، هَذَا شَيْءٌ تُسَمِّيهِ فَارِسُ الْخَبِيصَ» ". (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ: رَوَاهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ.
стр. 5815
٤١٨٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ الْأُدْمَ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ــ
٤١٨٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ) : أَيْ أَهْلَ بَيْتِهِ وَخَدَمَهُ مِنْ أَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ وَغَيْرِهِنَّ، الْمَعْنَى طَلَبَ مِنْهُمُ (الْأُدُمَ) : بِضَمَّتَيْنِ وَسُكُونِ الثَّانِي مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ جَمْعُ الْإِدَامِ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ. وَفِي الْفَائِقِ: الْأُدُمُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُؤْتَدَمُ وَيُصْطَبَغُ، وَحَقِيقَتُهُ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ الطَّعَامُ أَيْ يُصْلَحُ، وَهَذَا الْوَزْنُ يَجِيءُ لِمَا يُفْعَلُ بِهِ كَالرِّكَابِ لِمَا يُرْكَبُ بِهِ، وَالْحِزَامِ لِمَا يُحَزَّمُ بِهِ (فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا) أَيْ مِنَ الْإِدَامِ (إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ) : أَيْ طَلَبَهُ (فَجَعَلَ) : أَيْ شَرَعَ (يَأْكُلُ) : أَيِ الْخُبْزَ (بِهِ) : أَيْ بِالْخَلِّ ( «وَيَقُولُ: نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» ) : كَرَّرَهُ مُبَالَغَةً فِي مَدْحِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ مَدْحُ الِاقْتِصَادِ فِي الْمَأْكَلِ وَمَنْعُ النَّفْسِ عَنْ مَلَاذِّ الْأَطْعِمَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي مَعْنَاهُ مَا يَخِفُّ مُؤْنَتُهُ وَلَا يَعِزُّ وُجُودُهُ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ فَأْتَدَمَ بِخَلٍّ يَحْنَثُ اهـ. وَهُوَ كَذَلِكَ لِقَضَاءِ الْعُرْفِ أَيْضًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَفِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» "، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي الْخَلِّ» "، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «فَإِنَّهُ كَانَ إِدَامَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي» "، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «لَمْ يَفْتَقِرْ بَيْتٌ فِيهِ خَلٌّ» "، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَدِيثُ: ( «نِعْمَ الْإِدَمُ الْخَلُّ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ عَنْ جَابِرٍ، وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂.
следующие страницы →