Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5951
٤٢٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ، وَالْغَدَ، وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى، وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٢٨٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْبَذُ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُطْرَحُ الزَّبِيبُ وَنَحْوُهُ فِي الْمَاءِ (لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَيَشْرَبُهُ، إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ) : بِالنَّصْبِ ظَرْفٌ لِيَشْرَبَهُ أَيْ جَمِيعَ يَوْمِهِ (ذَلِكَ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ صِفَةُ قَوْلِهِ " يَوْمَهُ " أَيْ يَوْمَ اللَّيْلِ الَّذِي يُنْبَذُ لَهُ فَيَشْرَبُهُ وَقْتَ دُخُولِهِ فِي وَقْتِ الصَّبَاحِ (وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ وَالْغَدَ) : عَطْفٌ عَلَى يَوْمِهِ عَلَى سَبِيلِ الِانْسِحَابِ لَا التَّقْدِيرِ وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى، وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ) : أَيْ مِنَ النَّبِيذِ (سَقَاهُ الْخَادِمَ) : لِكَوْنِهِ دُرْدِيًّا لَا لِكَوْنِهِ مُسْكِرًا (أَوْ أَمَرَ بِهِ) : أَيْ بِالْمَنْبُوذِ الْبَاقِي (فَصُبَّ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: كُبَّ لِمَخَافَةِ التَّغَيُّرِ، أَوْ إِذَا بَلَغَ حَدَّ الْإِسْكَارِ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ. قَالَ الْمُظْهِرُ: إِنَّمَا لَمْ يَشْرَبْهُ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ دُرْدِيًّا وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِسْكَارِ، فَإِذَا بَلَغَ صَبَّهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ شُرْبِ الْمَنْبُوذِ مَا لَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا، وَعَلَى جَوَازِ أَنْ يُطْعِمَ السَّيِّدُ مَمْلُوكَهُ طَعَامًا أَسْفَلَ وَيَطْعَمَ هُوَ طَعَامًا أَعْلَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَحَدِيثُ عَائِشَةَ يَنْبِذُهُ غُدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً لَا يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَنَّ الشُّرْبَ فِي الْيَوْمِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَقِيلَ: لَعَلَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كَانَ فِي زَمَنِ الْحَرِّ حَيْثُ يُخْشَى فَسَادُهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي زَمَانٍ يُؤْمَنُ فِيهِ التَّغَيُّرُ قَبْلَ الثَّلَاثِ، وَقِيلَ: حَدِيثُهَا مَحْمُولٌ عَلَى نَبِيذٍ قَلِيلٍ يُفْرَغُ مِنْهُ فِي يَوْمِهِ، وَحَدِيثُهُ عَلَى كَثِيرٍ لَا يُفْرَغُ مِنْهُ فِي يَوْمٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5952
٤٢٨٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ يُنْبَذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سِقَائِهِ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا سِقَاءً يُنْبَذُ لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٢٨٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: كَانَ يُنْبَذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سِقَاءٍ، فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا سِقَاءً) : أَيْ فَارِغًا (يُنْبَذُ) : أَيْ كَانَ يُنْبَذُ (لَهُ فِي تَوْرٍ) : بِفَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ أَيْ ظَرْفٍ (مِنْ حِجَارَةٍ) : قَالَ بَعْضُهُمْ: التَّوْرُ إِنَاءٌ صَغِيرٌ يُشْرَبُ فِيهِ وَيُتَوَضَّأُ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهُوَ ظَرْفٌ يُشْبِهُ الْقِدْرَ يُشْرَبُ مِنْهُ. وَفِي النِّهَايَةِ: إِنَاءٌ مِنْ صُفْرٍ أَوْ حِجَارَةٍ كَالْإِجَّانَةِ، وَقَدْ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ. وَفِي الْقَامُوسِ: إِنَاءٌ يُشْرَبُ مِنْهُ مُذَكَّرٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5953
٤٢٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ، وَأَمَرَ أَنْ يُنْبَذَ فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٢٩٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ) : مَمْدُودًا وَيُقْصَرُ أَيْ عَنْ ظَرْفٍ يُعْمَلُ مِنْهُ (وَالْحَنْتَمِ) : أَيِ الْجَرَّةِ الْخَضْرَاءِ (وَالْمُزَفَّتِ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ الْمَطْلِيُّ بِالزِّفْتِ وَهُوَ الْقِيرُ (وَالنَّقِيرِ) : أَيِ الْمَنْقُورِ مِنَ الْخَشَبِ (وَأَمَرَ أَنْ يُنْبَذَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الْأَدِيمِ وَهُوَ الْجِلْدُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَصِيرَ مُسْكِرًا وَلَا يُعْلَمُ بِهِ، فَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ وَعُلِمَ حُرْمَةُ السُّكْرِ وَاشْتَهَرَتْ أُبِيحَ الِانْتِبَاذُ فِي كُلِّ وِعَاءٍ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَدْ سَبَقَ زِيَادَةٌ لَهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5954
٤٢٩١ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ، فَإِنَّ ظَرْفًا لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: " نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ إِلَّا فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ، فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٢٩١ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ) : أَيْ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي ظَرْفٍ مِنْ هَذِهِ الظُّرُوفِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا. (فَإِنَّ ظَرْفَهَا) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْفَاءُ فِيهِ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ وَظَنَنْتُمْ أَنَّهَا تُحِلُّ وَتُحَرِّمُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ ظَرْفًا (لَا يُحِلُّ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ لَا يُبِيحُ (شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: كَانَ الْإِنْبَاذُ فِي الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَصِيرَ مُسْكِرًا فِيهَا، وَلَا يُعْلَمُ بِهِ لِكَثَافَتِهَا، فَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ، وَاشْتُهِرَ تَحْرِيمُ الْمُسْكِرَاتِ وَتَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ نُسِخَ ذَلِكَ وَأُبِيحَ الْإِنْبَاذُ فِي كُلِّ وِعَاءٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مُسْكِرًا (وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ لِمُسْلِمٍ (قَالَ: " نَهَيْتُكُمْ) : وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ (عَنِ الْأَشْرِبَةِ إِلَّا فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هِيَ الْأَشْرِبَةُ فِي الظُّرُوفِ الْمَخْصُوصَةِ، وَلَيْسَتْ ظُرُوفَ الْأَدَمِ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ الْأَشْرِبَةَ أَوْعِيَةٌ مُنْتِنَةٌ قَدْ يَتَغَيَّرُ فِيهَا الشَّرَابُ وَلَا يُشْعَرُ بِهِ، فَنَهَى عَنِ الِانْتِبَاذِ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَسْقِيَةِ لِرِقَّتِهَا، فَإِذَا تَغَيَّرَ الشَّرَابُ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ يَنْشَقَّ، فَيَكُونُ أَمَارَةً يُعْلَمُ بِهَا تَغَيُّرُهُ وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فَاشْرَبُوا) : مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ نَهَيْتُكُمْ أَوَّلًا عَنْ ذَلِكَ فَالْآنَ نَسَخَتْهُ " فَاشْرَبُوا " (فِي كُلِّ وِعَاءٍ) : وَقَوْلُهُ: (غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) : مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مُنْقَطِعٌ، وَتَقْرِيرُهُ أُبِيحَ لَكُمْ شُرْبُ مَا فِي كُلِّ إِنَاءٍ غَيْرَ شُرْبِ الْمُسْكِرِ، وَلَا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ: " «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَوْعِيَةِ، فَانْبِذُوا وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ» " اهـ. وَهُوَ مِنْ بَدِيعِ الْأَحَادِيثِ حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.
стр. 5955
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٢٩٢ - عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٢٩٢ - (عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ أَبُو مَالِكٍ كَعْبُ بْنُ عَاصِمٍ كَذَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ أَوْ أَبُو عَامِرٍ بِالشَّكِّ. قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: وَأَبُو مَالِكٍ هُوَ الصَّوَابُ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
(أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَيَشْرَبَنَّ) : أَيْ وَاللَّهِ لَيَشْرَبَنَّ (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِخْبَارٌ فِيهِ شَائِبَةُ إِنْكَارٍ (يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ يَتَسَتَّرُونَ فِي شُرْبِهَا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِذَةِ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ يَتَوَصَّلُونَ إِلَى شُرْبِهَا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِذَةِ الْمُبَاحَةِ كَمَاءِ الْعَسَلِ وَمَاءِ الذُّرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ، وَهُمْ فِيهِ كَاذِبُونَ ; لِأَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ اهـ.
فَالْمَدَارُ عَلَى حُرْمَةِ الْمُسْكِرِ فَلَا يَضُرُّ شُرْبُ الْقَهْوَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ قِشْرِ شَجَرٍ مَعْرُوفٍ حَيْثُ لَا سُكْرَ فِيهَا مَعَ الْإِكْثَارِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْقَهْوَةُ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ ; لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمُسَمَّى كَمَا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ إِشَارَةً إِلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا التَّشَبُّهُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إِذَا تَحَقَّقَ، وَلَوْ فِي شُرْبِ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَغَيْرِهِا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِمْ عَنْهُ: " «وَيُضْرَبُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْقَيْنَاتِ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ» ".
стр. 5956
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٢٩٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ الْأَخْضَرِ قُلْتُ: أَنَشْرَبُ فِي الْأَبْيَضِ؟ قَالَ: لَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٢٩٣ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ الْأَخْضَرِ» ) : الْإِضَافَةُ بِمَعْنَى " فِي " وَالْجِرَارُ وَالْجَرُّ جَمْعُ جَرَّةٍ بِالْفَتْحِ هِيَ كُلُّ مَا يُصْنَعُ مِنْ مَدَرٍ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَهِيَ الْإِنَاءُ الْمَعْرُوفُ مِنَ الْفَخَّارِ، وَأَرَادَ بِالنَّهْيِ الْجِرَارَ الْمَدْهُونَةَ ; لِأَنَّهَا أَسْرَعُ فِي الشِّدَّةِ وَالتَّخْمِيرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا جَرَى ذِكْرُ الْأَخْضَرِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْجِرَارَ الَّتِي كَانُوا يَنْتَبِذُونَ فِيهَا كَانَتْ خَضْرَةً، وَالْأَبْيَضُ بِمَثَابَتِهِ يَعْنِي وَلِذَا قَالَ الرَّاوِي: (قُلْتُ: أَنَشْرَبُ فِي الْأَبْيَضِ؟ قَالَ: لَا) . فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لَا اعْتِبَارَ بِالْمَفْهُومِ فِي الدَّلِيلِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
стр. 5957
[بَابُ تَغْطِيَةِ الْأَوَانِي]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٢٩٤ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ جِنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ فَخَلَّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيْهِ شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(٥) بَابُ تَغْطِيَةِ الْأَوَانِي
وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ زِيَادَةُ " وَغَيْرُهَا "، فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى التَّغْطِيَةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَخُصَّ الْأَوَانِيَ بِأَوْعِيَةِ الْمَاءِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ أَنَّ الْأَوَانِيَ جَمْعُ كَثْرَةٍ لِلْإِنَاءِ وَهُوَ وِعَاءُ الْمَاءِ وَالْآنِيَةُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْإِنَاءُ مَعْرُوفٌ، وَالْمُرَادُ سَتْرُ الظُّرُوفِ كُلِّهَا، وَعَدَمُ تَكَشُّفِهَا لَا سِيَّمَا فِي اللَّيْلِ ; فَإِنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ الْهَوَامِّ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٢٩٤ - (عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كَانَ جِنْحُ اللَّيْلِ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: بِضَمِّهَا وَجَنَحَ اللَّيْلُ بِفَتْحِ النُّونِ أَقْبَلَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، كَذَا فِي سِلَاحِ الْمُؤْمِنِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْجِنْحُ بِالْكَسْرِ مِنَ اللَّيْلِ الطَّائِفَةُ وَيُضَمُّ، وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ، وَتَبِعَهُ الطِّيبِيُّ: جَنْحُ اللَّيْلِ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ طَائِفَةٌ مِنْهُ، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا الطَّائِفَةَ الْأُولَى، وَقِيلَ: ظُلْمَتُهُ وَظَلَامُهُ، وَقِيلَ: أَوَّلُهُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، بِقَوْلِهِ: (أَوْ أَمْسَيْتُمْ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيِ امْنَعُوهُمْ عَنِ التَّرَدُّدِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْبُيُوتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ) : أَيِ الْجِنَّ (يَنْتَشِرُ) : وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحِصْنِ: " فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ " أَيْ تَفْتَرِقُ وَتَنْبَثُّ وَتَخْتَطِفُ (حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ " ذَهَبَتْ "، وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ " ذَهَبَ "، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ، أَوْ لِأَنَّ تَأْنِيثَ السَّاعَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. (مِنَ اللَّيْلِ) : وَفِي رِوَايَةٍ: " مِنَ الْعِشَاءِ " (فَخَلُّوهُمْ) : أَيِ اتْرُكُوا صِبْيَانَكُمْ (وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْإِغْلَاقِ. فَفِي الْقَامُوسِ: غَلَقَ الْبَابَ يَغْلِقُهُ لُثْغَةٌ أَوْ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ فِي أَغْلَقَهُ.
(وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) : أَيْ حِينَ الْإِغْلَاقِ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ) : أَيْ جِنْسَهُ (لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا) : أَيْ بَابًا أُغْلِقَ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ، يُوَضِّحُهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي فِي قَوْلِهِ: " «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا إِذَا أُجِيفَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» "، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى فَتْحِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ مَفْتُوحًا أَوْ مُغْلَقًا، لَكِنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْطَانِ شَيْطَانُ الْإِنْسِ ; لِأَنَّ غَلْقَ الْأَبْوَابِ لَا يَمْنَعُ شَيَاطِينَ الْجِنِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَلْقِ الْغَلْقُ الْمَذْكُورُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ مَمْنُوعًا بِبَرَكَةِ التَّسْمِيَةِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْبَابَ بِالذِّكْرِ لِسُهُولَةِ الدُّخُولِ مِنْهُ، فَإِذَا مُنِعَ مِنْهُ كَانَ الْمَنْعُ مِنَ الْأَصْعَبِ بِالْأَوْلَى، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: " «أَجِيفُوا أَبْوَابَكُمْ وَأَكْفُوا آنِيَتَكُمْ وَأَوْكُوا أَسْقِيَتَكُمْ وَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ ; فَإِنَّهُمْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ بِالتَّسَوُّرِ عَلَيْكُمْ» " (وَأَوْكُوا) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْكَافِ أَيْ شُدُّوا وَارْبُطُوا
стр. 5958
(قِرَبَكُمْ) : جَمْعُ قِرْبَةٍ أَيْ رُءُوسَهَا وَأَفْوَاهَهَا بِالْوِكَاءِ، وَهُوَ الْحَبْلُ؟ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ حَيَوَانٌ أَوْ يَسْقُطَ فِيهِ شَيْءٌ، وَأَمَّا مَا ضَبَطَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ كَسْرِ الْكَافِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ فَمُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، بَلْ وَلِكُتُبِ اللُّغَةِ أَيْضًا فَهُوَ مُنَافٍ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) : أَيْ وَفْقَ الْإِيكَاءِ وَرَبْطِ السِّقَاءِ بِالْوِكَاءِ (وَخَمِّرُوا) : بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ أَيْ غَطُّوا (آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَرُضُّوا) : بِضَمِّ الرَّاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا (عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الْإِنَاءِ الْمَفْهُومِ مِنَ الْآنِيَةِ (شَيْئًا) : وَالْمَعْنَى: وَلَوْ أَنْ تَضَعُوا عَلَى رَأْسِ الْإِنَاءِ شَيْئًا بِالْعَرْضِ مِنْ خَشَبٍ وَنَحْوِهِ، وَ " أَنْ " مَعَ مَدْخُولِهَا فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ، وَالتَّقْدِيرُ وَلَوْ كَانَ تَخْمِيرُكُمْ عَرْضًا، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي الِاكْتِفَاءِ بِوَضْعِ الْعُودِ عَرْضًا أَنَّ تَعَاطِيَ التَّغْطِيَةِ، إِذِ الْغَرَضُ أَنْ تَقْتَرِنَ التَّغْطِيَةُ بِالتَّسْمِيَةِ فَيَكُونُ الْمَرَضُ عَلَامَةً عَلَى التَّسْمِيَةِ فَيَمْتَنِعُ الشَّيْطَانُ مِنَ الدُّنُوِّ مِنْهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْمَذْكُورُ بَعْدَ " لَوْ " فَاعِلُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ وَلَوْ ثَبَتَ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهِ شَيْئًا وَجَوَابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ، أَيْ وَلَوْ خَمَّرْتُمُوهَا عَرْضًا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْعُودِ وَغَيْرِهِ، وَذَكَرْتُمُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكَانَ كَافِيًا، وَالْمَقْصُودُ هُوَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ كُلِّ فِعْلٍ صِيَانَةً عَنِ الشَّيْطَانِ وَالْوَبَاءِ وَالْحَشَرَاتِ أَوِ الْهَوَامِّ عَلَى مَا وَرَدَ بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (وَأَطْفِئُوا) : بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ فَاءٍ فَهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ (مَصَابِيحَكُمْ) : جَمْعُ مِصْبَاحٍ وَهُوَ السِّرَاجُ وَفِي مَعْنَاهُ الشَّمْعُ الْمَسْرُوجُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَأَغْرَبَ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ، وَأَتَى بِصِيغَةِ الْجَمْعِ إِلَى قَوْلِهِ: (فَخَلُّوهُمْ) ، ثُمَّ أَفْرَدَ الْخِطَابَ بِقَوْلِهِ: (وَأَغْلِقْ بَابَكَ. . إِلَخْ) ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
٤٢٩٥ - وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: " «خَمِّرُوا الْآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الْأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ الْمَسَاءِ، فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ ; فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ» ".
ــ
٤٢٩٥ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: " خَمِّرُوا الْآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الْأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّ الْفَاءِ أَيْ رُدُّوا (الْأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا) : بِهَمْزِ وَصْلٍ وَكَسْرِ فَاءٍ وَضَمِّ فَوْقِيَّةٍ أَيْ ضُمُّوا (صِبْيَانَكُمْ) : إِلَى أَنْفُسِكُمْ وَامْنَعُوهُمْ مِنَ الِانْتِشَارِ (عِنْدَ الْمَسَاءِ) : أَيْ مِنْ أَوَّلِهِ (فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا) : أَيْ كَثِيرًا حِينَئِذٍ (وَخَطْفَةً) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ سَلْبًا سَرِيعًا أَيْضًا ( «وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ» ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ عِنْدَ النَّوْمِ أَيْ إِرَادَتِهِ (فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ) : تَصْغِيرُ فَاسِقَةٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْفَأْرَةُ لِخُرُوجِهَا مِنْ جُحْرِهَا عَلَى النَّاسِ وَإِفْسَادِهَا (رُبَّمَا) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفٍ أَيْ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا (اجْتَرَّتِ الْفَتِيلَةَ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ طَلَبَتْ جَرَّهَا (فَأَحْرَقَتْ) : أَيِ الْفَتِيلَةُ أَوِ الْفَأْرَةُ فَالنِّسْبَةُ مَجَازِيَّةٌ (أَهْلَ الْبَيْتِ) : إِمَّا بِإِعْيَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ نَائِمُونَ غَافِلُونَ عَنْهَا، أَوْ بِسَبَبِ إِحْرَاقِ بَعْضِ أَثْيَابِهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ " تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ ".
стр. 5959
٤٢٩٦ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ: " «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اللَّهَ فَلْيَفْعَلْ ; فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ» ".
ــ
٤٢٩٦ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ (قَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ ( «غَطَّوُا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ» ) : وَلَعَلَّ إِيرَادَهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ خُصُوصًا لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ (وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ) : بِضَمِّ الْحَاءِ (سِقَاءً وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً) : أَيْ بِشَرْطِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَفْعَالِ جَمِيعِهَا (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ) : أَيْ مَا يُغَطِّي بِهِ الْإِنَاءَ (إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ) : أَيْ يَضَعَ بِالْعَرْضِ (عَلَى إِنَائِهِ عُودًا وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ) : أَيْ عَلَيْهِ عِنْدَ وَضْعِهِ (فَلْيَفْعَلْ) : أَيْ نَدْبًا (فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ) : تَعْلِيلُ قَوْلِهِ: وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، وَاعْتَرَضَ بَيْنَهُمَا بِالْعِلَلِ لِلْأَفْعَالِ السَّابِقَةِ، وَلَوْ ثَبَتَ الرِّوَايَةُ هُنَا بِالْوَاوِ لَكَانَتِ الْعِلَلُ مُرَتَّبَةً عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْقَامُوسِ، أَنَّ الْفَاءَ تَجِيءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، الْمَعْنَى أَنَّ الْفَأْرَةَ، (تُضْرِمُ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِهَا أَيْ تُوقِدُ النَّارَ وَتَحْرِقُ (عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ السِّرَاجُ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الْقَنَادِيلُ الْمُعَلَّقَةُ، فَإِنْ خِيفَ بِسَبَبِهَا حَرِيقٌ دَخَلَتْ فِي ذَلِكَ "، وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ.
стр. 5960
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: جَمِيعُ أَوَامِرِ هَذَا الْبَابِ مِنْ بَابِ الْإِرْشَادِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلنَّدْبِ لَا سِيَّمَا فِيمَنْ يَنْوِي امْتِثَالَ الْأَمْرِ، وَالْإِغْلَاقُ مُقَيَّدٌ بِاللَّيْلِ، وَالْأَصْلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الشَّيْطَانِ؟ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسُوقُ الْفَأْرَةَ إِلَى الْإِحْرَاقِ.
стр. 5961
٤٢٩٧ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، قَالَ: " «لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ. حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْعَثُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ» "
ــ
٤٢٩٧ - (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) : أَيْ لِمُسْلِمٍ (قَالَ) : أَيْ جَابِرٌ مَرْفُوعًا (لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ مَوَاشِيَكُمْ مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَوَاشِي كُلُّ شَيْءٍ مُنْتَشِرٍ مِنَ الْأَمْوَالِ أَيْ لَا تُسَيِّبُوا سَوَائِمَكُمْ (وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ) : أَيْ أَوَّلَ ظُلْمَتِهِ وَسَوَادِهِ وَهُوَ أَشَدُّ اللَّيْلِ سَوَادًا (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ) : أَيْ جِنْسَهُ (يُبْعَثُ) : بِصِيَغةِ الْمَفْعُولِ أَيْ يُرْسَلُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، فَالْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ رَئِيسُهُمْ أَيْ يَبْعَثُ جُنُودَهُ (إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ) .
стр. 5962
٤٢٩٨ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، قَالَ: " «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ ; فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٌ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ» ".
ــ
٤٢٩٨ - (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) : أَيْ لِمُسْلِمٍ وَكَذَا لِأَحْمَدَ (قَالَ) : أَيْ مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَّصِلِ إِلَيْهِ ﷺ (غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ ; فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ وَيُقْصَرُ الطَّاعُونُ وَالْمَرَضُ الْعَامُّ (لَا يَمُرُّ) : أَيِ الْوَبَاءُ فَكَأَنَّهُ مُجَسَّدٌ (بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ) : وَفِي رِوَايَةٍ: " لَمْ يُغَطَّ " (أَوْ سِقَاءٍ) : بِالْجَرِّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ يَعْنِي أَوْ سِقَاءٍ (لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ) : أَيْ رِبَاطٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: " لَمْ يُوكَ " (إِلَّا نَزَلَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: " وَقَعَ " (فِيهِ) : أَيْ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ وَالسِّقَاءِ (مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ) : فَاعِلُ نَزَلَ أَيْ بَعْضُ ذَلِكَ الْوَبَاءِ أَوْ ذَلِكَ الْوَبَاءُ وَ " مِنْ " زَائِدَةٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جُمَلٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَالْآدَابِ الْجَامِعَةِ. جِمَاعُهَا تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، لِتَحْصِيلِ السَّلَامَةِ مِنَ الْآفَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ.
стр. 5963
٤٢٩٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: «جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ - رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ - مِنَ النَّقِيعِ بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَلَّا خَمَّرْتَهُ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٢٩٩ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (رَجُلٌ) : أَيْ هُوَ رَجُلٌ (مِنَ الْأَنْصَارِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ الْخَزْرَجِيُّ السَّاعِدِيُّ، غَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ، مَاتَ فِي آخِرِ وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ، (مِنَ النَّقِيعِ) : بِالنُّونِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُوَحَّدَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِيَ بِالنُّونِ وَالْبَاءِ، وَالصَّحِيحُ الْأَشْهَرُ الَّذِي قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ بِالنُّونِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِوَادِي الْعَقِيقِ، وَهُوَ الَّذِي حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ: وَمَنْ قَالَ بِالْبَاءِ وَهُوَ مَقْبَرَةُ الْمَدِينَةِ فَقَدْ صَحَّفَ، وَالْمَعْنَى جَاءَ مِنْهُ (بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) : أَيْ مَكْشُوفًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَلَّا) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ هَلَّا (خَمَّرْتَهُ) : أَيْ لِمَ لَا سَتَرْتَهُ وَغَطَّيْتَهُ؟ (وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَلَّا حَرْفُ التَّحْضِيضِ دَخَلَ عَلَى الْمَاضِي لِلَّوْمِ عَلَى التَّرْكِ، وَاللَّوْمُ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى مَطْلُوبِ تَرْكٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ جَاءَ بِالْإِنَاءِ مَكْشُوفًا غَيْرَ مُخَمَّرٍ ; فَوَبَّخَهُ، يُقَالُ: عَرَضْتُ الْعُودَ عَلَى الْإِنَاءِ أَعْرِضُهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ النَّاسِ إِلَّا الْأَصْمَعِيَّ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَعْرُضُهُ مَضْمُومَةُ الرَّاءِ فِي هَذَا خَاصَّةً، وَالْمَعْنَى هَلَّا تُغَطِّيهِ بِغِطَاءٍ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ شَيْئًا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5964
٤٣٠٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٠٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:، لَا تَتْرُكُوا النَّارَ) : أَيِ الَّتِي يُخَافُ مِنْ إِحْرَاقِهَا (فِي بُيُوتِكُمْ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا (حِينَ تَنَامُونَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 5965
٤٣٠١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: «احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَحُدِّثَ بِشَأْنِهِ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ هَذِهِ النَّارُ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٠١ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ) : إِمَّا حَالٌ أَيْ سَاقِطًا عَلَيْهِمْ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِاحْتِرَاقٍ أَيْ ضَرَرُهُ عَلَيْهِمْ (فَحُدِّثَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: فَحُكِيَ وَأُخْبِرَ (بِشَأْنِهِ) : أَيْ بِإِحْرَاقِ بَيْتِهِمْ (النَّبِيُّ ﷺ قَالَ) : كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ " فَقَالَ "، وَلَعَلَّهُ اسْتِئْنَافٌ جَوَابًا لِسُؤَالٍ مُقَدَّرٍ هُوَ مَا وَقَعَ مِنَ الْمَقَالِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِتِلْكَ الْحَالِ قَالَ: (إِنَّ هَذِهِ النَّارَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِهَذِهِ النَّارِ نَارٌ مَخْصُوصَةٌ، وَهِيَ الَّتِي يُخَافُ عَلَيْهَا مِنَ الِانْتِشَارِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ النَّارِ الْمَخْصُوصَةِ، وَأَمَّا فِي التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: (إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ) : فَالْمُرَادُ بِهَا جِنْسُهَا، وَمَعْنَى كَوْنِهَا عَدُوًّا لَنَا أَنَّهَا تُنَافِي أَبْدَانَنَا وَأَمْوَالَنَا، وَإِنْ كَانَتْ لَنَا فِيهَا مَنْفَعَةٌ، لَكِنْ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِوَاسِطَةٍ، فَأَطْلَقَ أَنَّهَا عَدُوٌّ لَنَا، وَأَتَى بِعِبَارَةِ الْقَصْرِ بِطَرِيقِ الِادِّعَاءِ مُبَالَغَةً فِي التَّحْذِيرِ عَنْ إِبْقَائِهَا، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَنَافِعِ مَرْبُوطٌ بِهَا فِي أَوْقَاتِهَا الْمَخْصُوصَةِ بِأَمْرِ الْمَعِيشَةِ (فَإِذَا نِمْتُمْ) : بِكَسْرِ النُّونِ مِنْ نَامَ يَنَامُ أَيْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَنَامُوا (فَأَطْفِئُوهَا) : وَقَوْلُهُ: (عَنْكُمْ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ مُجَاوِزِينَ إِضْرَارَهَا عَنْكُمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ، وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ مَرْفُوعًا " «إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا الْمِصْبَاحَ، فَإِنَّ الْفَأْرَةَ تَأْخُذُ الْفَتِيلَةَ فَتَحْرِقُ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَأَوْكُوا الْأَسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الشَّرَابَ» ".
стр. 5966
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٣٠٢ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلَابِ وَنَهِيقَ الْحَمِيرِ مِنَ اللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ; فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لَا تَرَوْنَ. وَأَقِلُّوا الْخُرُوجَ إِذَا هَدَأَتِ الْأَرْجُلُ ; فَإِنَّ اللَّهَ يَبُثُّ مِنْ خَلْقِهِ فِي لَيْلَتِهِ مَا يَشَاءُ. وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا إِذَا أُجِيفَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَغَطُّوا الْجِرَارَ، وَأَكْفِئُوا الْآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الْقِرَبَ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي.
٤٣٠٢ - (عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَسُولَ اللَّهِ ( ﷺ يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلَابِ) : بِضَمِّ النُّونِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ أَيْ صِيَاحَهَا، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " الْكَلْبِ " بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ وَالْمُرَادُ جِنْسُهُ (وَنَهِيقَ الْحَمِيرِ مِنَ اللَّيْلِ) : أَيْ فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ، وَهُوَ قَيْدٌ لَهُمَا أَوْ لِلْأَخِيرِ، وَلَعَلَّ الْقَيْدَ بِهِ لِأَنَّهُ أَقْبَحُ فِيهِ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأُصُولِ، فَفِي الْحِصْنِ الْحَصِينِ: " «وَإِذَا سَمِعَ نَهِيقَ الْحَمِيرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ قَالَ: " وَكَذَلِكَ إِذَا سَمِعَ نُبَاحَ الْكِلَابِ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
(فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَإِنَّهُنَّ) : أَيِ الْجِنْسَيْنِ عَلَى حَدِّ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] ، أَوْ كُلًّا مِنَ الْكِلَابِ وَالْحَمِيرِ (يَرَيْنَ) : أَيْ يُبْصِرْنَ مِنَ الشَّيَاطِينِ (مَا لَا تَرَوْنَ) : أَيْ مَا لَا تُبْصِرُونَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيَّ، وَالنَّسَائِيِّ: " «وَإِذَا سَمِعَ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ، فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ; فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا» ".
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: سَبَبُهُ رَجَاءُ تَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الدُّعَاءِ وَاسْتِغْفَارِهِمْ وَشَهَادَتِهِمْ بِالتَّضَرُّعِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ وَالْإِخْلَاصِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ حُضُورِ الصَّالِحِينَ وَالتَّبَرُّكُ بِهِمْ اهـ. وَكَذَا يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الظَّالِمِينَ وَالْفَاسِقِينَ، بَلِ الْمُبْتَلِينَ بِالدُّنْيَا، كَمَا كَانَ الشِّبْلِيُّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - إِذَا رَأَى أَحَدًا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ "، وَالْحَاصِلُ أَنَّ رُؤْيَةَ الصَّالِحِينَ وَالْفَاسِقِينَ بِمَنْزِلَةِ سَمَاعِ آيَاتِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَطْلُبَ فِي الْأَوَّلِ، وَيَسْتَعِيذَ فِي الثَّانِي.
стр. 5967
وَقَدْ جَاءَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: " «إِذَا سَمِعْتُمْ أَصْوَاتَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ؟ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحَمِيرِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؟ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا» " (وَأَقِلُّوا الْخُرُوجَ) : أَيْ مِنْ بُيُوتِكُمْ (إِذَا هَدَأَتِ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْهَمْزَةِ أَيْ سَكَنَتْ (الْأَرْجُلُ) : جَمْعُ رِجْلٍ أَيْ إِذَا قَلَّ تَرَدُّدُ النَّاسِ فِي الطُّرُقِ بِاللَّيْلِ وَسَكَنَ النَّاسُ عَنِ الْمَشْيِ مِنَ الْهَدْأَةِ وَالْهَدْءُ السُّكُونُ عَنِ الْحَرَكَةِ (فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ) : أَيْ شَأْنُهُ (وَجَلَّ) : أَيْ بُرْهَانُهُ (يَبُثُّ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ يَنْشُرُ وَيُفَرِّقُ (مِنْ خَلْقِهِ) : أَيْ مَخْلُوقَاتِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْحَيَوَانَاتِ الْمُضِرَّةِ وَغَيْرِهَا كَالْفَسَقَةِ وَالْحَرَامِيَّةِ (فِي لَيْلَتِهِ) : وَفِي رِوَايَةٍ: " فِي لَيْلَةٍ " (مَا يَشَاءُ) : مَفْعُولُ يَبُثُّ وَمِنْ خَلْقِهِ بَيَانُ " مَا " مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا (وَأَجِيفُوا الْأَبْوَابَ) : أَيْ رُدُّوهَا وَأَغْلِقُوهَا (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى إِغْلَاقِهَا، وَفِي حَالِ رَدِّهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَيْهَا أَيْ عَلَى الْأَبْوَابِ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا إِذَا أُجِيفَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: بَابًا أُجِيفَ أَيْ رُدَّ (وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : أَيْ حِينَ رَدِّهِ (وَغَطُّوا الْجِرَارَ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ الْجَرَّةِ أَيِ الظُّرُوفَ وَالْأَوَانِيَ إِذَا كَانَ فِيهَا الْمَشْيُ (وَأَكْفِئُوا الْآنِيَةَ) : بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ، وَقِيلَ بِوَصْلِهَا فَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ الْكِسَائِيُّ: يُقَالُ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ إِذَا كَبَبْتَهُ وَأَكْفَأْتَهُ وَكَفَأْتُهُ أَيْضًا إِذَا أَمَلْتَهُ لِيُفْرَغَ مَا فِيهَا، وَفِي الْغَرِيبَيْنِ: الْمُرَادُ بِإِكْفَاءِ الْآنِيَةِ هَاهُنَا قَلْبُهَا كَيْلَا يَدِبَّ عَلَيْهَا شَيْءٌ يُنَجِّسُهَا (وَأَوْكُوا الْقِرَبَ) : أَيْ شُدُّوا أَفْوَاهَهَا خُصُوصًا بِاللَّيْلِ، فَإِنَّهُ أَدْهَى لِلْوَيْلِ، وَفِي رِوَايَةٍ تَقْدِيمُ جُمْلَةِ أَوْكُوا عَلَى أَكْفِئُوا (رَوَاهُ) : أَيِ الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : وَغَالِبُ هَذِهِ الْمَعَانِي مَوْجُودَةٌ فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَعَ اخْتِلَافَاتٍ قَلِيلَةٍ أَشَرْتُ إِلَيْهَا فِي الْأَثْنَاءِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ جَابِرٍ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُخْرِجِينَ، وَلِهَذَا نَسَبَ الْحَدِيثَ إِلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ فِي كِتَابِهِ: (شَرْحِ السُّنَّةِ) : مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْأُصُولِ الْمَشْهُورَةِ.
стр. 5968
٤٣٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «جَاءَتْ فَأْرَةٌ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ، فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخَمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا، فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْلَ مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ. فَقَالَ: " إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا ; فَيَحْرِقُكُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ: عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ
ــ
٤٣٠٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: جَاءَتْ فَأْرَةٌ) : بِالْهَمْزِ وَيُبَدَّلُ بَلْ هُوَ أَشْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَأَكْثَرُ (تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافٌ (فَأَلْقَتْهَا) : عَطْفٌ عَلَى جَاءَتْ أَيْ فَرَمَتِ الْفَأْرَةُ الْفَتِيلَةَ الْمَجْرُورَةَ (بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخُمْرَةِ) : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ، وَهِيَ السَّجَّادَةُ وَهِيَ الْحُصْرُ الَّذِي يَسْجُدُ عَلَيْهِ سُمِّيَ بِهَا ; لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ الْأَرْضَ أَيْ تَسْتُرُهَا وَتَقِي الْوَجْهَ مِنَ التُّرَابِ.
وَفِي الْفَائِقِ: هِيَ السَّجَّادَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ الْحَصِيرِ ; لِأَنَّهَا مُرَمَّلَةٌ مُخَمَّرٌ خُيُوطُهَا بِسَعَفِهَا (الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا، فَأَحْرَقَتْ) : أَيِ الْفَتِيلَةُ، وَالْمَعْنَى نَارُهَا (مِنْهَا مِثْلَ مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ. فَقَالَ: إِذَا نِمْتُمْ) : قَيَّدَهُ بِالنَّوْمِ لِحُصُولِ الْغَفْلَةِ بِهِ غَالِبًا، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى وُجِدَتِ الْغَفْلَةُ حَصَلَ النَّهْيُ (فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ) : أَيِ الْفَأْرَةَ (عَلَى هَذَا) : أَيِ الْفِعْلِ وَهُوَ جَرُّ الْفَتِيلَةِ (فَيُحْرِقُكُمْ) : أَيِ الشَّيْطَانُ بِسَبَبِهَا، وَحَاصِلُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5969
[كِتَابُ اللِّبَاسِ]
стр. 5970
كِتَابُ اللِّبَاسِ
الْفَصْلُ الْأَوْلُ
٤٣٠٤ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: " «كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا - الْحِبَرَةُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
كِتَابُ اللِّبَاسِ
فِي الْقَامُوسِ: لَبِسَ الثَّوْبَ كَسَمِعَ لُبْسًا بِالضَّمِّ، وَاللِّبَاسُ بِالْكَسْرِ، وَأَمَّا لَبَسَ كَضَرَبَ لَبْسًا بِالْفَتْحِ، فَمَعْنَاهُ خَلَطَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِلِالْتِبَاسِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٣٠٤ - (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ) : بِالنَّصْبِ أَوِ الرَّفْعِ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا) : قِيلَ: بَدَلٌ مِنَ الثِّيَابِ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ بِدُونِ " أَنْ " فَقِيلَ: الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِأَحَبَّ أَوِ الثِّيَابِ وَخَرَجَ بِهِ مَا يَفْرِشُهُ وَنَحْوُهُ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلثِّيَابِ أَوْ لِأَحَبَّ، وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: " يَلْبَسُهُ "، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَنْ يَلْبَسَهَا مُتَعَلِّقٌ بِأَحَبَّ أَيْ كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ لِأَجْلِ اللُّبْسِ. (الْحِبَرَةُ) : لِاحْتِمَالِ الْوَسَخِ، ثُمَّ الْحِبَرَةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، فَفِي النِّهَايَةِ: الْحِبَرَةُ مِنَ الْبُرُودِ مَا كَانَ مَوْشِيًّا مُخَطَّطًا. يُقَالُ: بُرْدٌ حِبَرَةٌ بِوَزْنِ عِنَبَةٍ عَلَى الْوَصْفِ وَالْإِضَافَةِ، وَهُوَ بُرْدٌ يَمَانِيٌّ. قَالَ مِيرَكُ: وَالرِّوَايَةُ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ رَفْعُ الْحِبَرَةِ عَلَى أَنَّهَا اسْمُ كَانَ، وَ " أَحَبَّ " خَبَرُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحُوهُ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ. قُلْتُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ وَإِلَّا يُقَالُ: كَانَ الْحِبَرَةُ أَحَبَّ، وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ أَحَبَّ وَصْفٌ فَهُوَ أَوْلَى بِكَوْنِهِ حُكْمًا، وَسَيَأْتِي لِهَذَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي زِيَادَةٌ مِنَ التَّحْقِيقِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ، ثُمَّ الْحِبَرَةُ نَوْعٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ، رُبَّمَا تَكُونُ بِخُضْرٍ أَوْ زُرْقٍ، فَقِيلَ: هِيَ أَشْرَفُ الثِّيَابِ عِنْدَهُمْ تُصْنَعُ مِنَ الْقُطْنِ ; فَلِذَا كَانَ أَحَبَّ، وَقِيلَ لِكَوْنِهَا خَضْرَاءَ وَهِيَ مِنْ ثِيَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ: أَنَّهُ كَانَ أَحَبُّ الْأَلْوَانِ إِلَيْهِ الْخُضْرَةَ عَلَى مَا فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ، وَابْنِ السُّنِّيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: سُمِّيَتْ حِبَرَةً لِأَنَّهَا تُحَبِّرُ أَيْ تُزَيِّنُ وَالتَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ. قِيلَ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] ، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَتْ هِيَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَيْهِ ﷺ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ زِينَةٍ، وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ احْتِمَالًا لِلْوَسَخِ، قَالَ الْجَزَرِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ لُبْسِ الْحِبَرَةِ، وَعَلَى جِوَازِ لُبْسِ الْمُخَطَّطِ. قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ مُجْمِعٌ عَلَيْهِ اهـ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ، ثُمَّ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ أَحَبَّ الثِّيَابِ عِنْدَهُ كَانَ الْقَمِيصَ، إِمَّا بِمَا اشْتُهِرَ فِي مَثَلِهِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحَبِّ كَمَا قِيلَ فِيمَا وَرَدَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ: أَنَّهُ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ، وَإِمَّا بِأَنَّ التَّفْضِيلَ رَاجِعٌ إِلَى الصِّفَةِ، فَالْقَمِيصُ أَحَبُّ الْأَنْوَاعِ بِاعْتِبَارِ الصُّنْعِ، وَالْحِبَرَةُ أَحَبُّهَا بِاعْتِبَارِ اللَّوْنِ أَوِ الْجِنْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 5971
٤٣٠٥ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِسَ جُبَّةً رُومِيَّةً ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٠٥ - (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبِسَ،: أَيْ فِي السَّفَرِ (جُبَّةً) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ ثَوْبَانِ بَيْنَهُمَا قُطْنٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ صُوفٍ، فَقَدْ تَكُونُ وَاحِدَةً غَيْرَ مَحْشُوَّةٍ. وَقَدْ قِيلَ: جُبَّةُ الْبَرْدِ جُنَّةُ الْبَرْدِ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا (رُومِيَّةً) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، لَا غَيْرُ قَالَ مِيرَكُ: وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَلِأَبِي دَاوُدَ: " جُبَّةً مِنْ صُوفٍ مِنْ جِبَابِ الرُّومِ "، لَكِنْ وَقَعَ فِي أَكْثَرِ رِوَايَاتِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا " جُبَّةً شَامِيَّةً "، وَقَدْ ضَبَطَهَا الْعَسْقَلَانِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الشَّامَ حِينَئِذٍ دَاخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ، فَكَأَنَّهَا وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ الْمُلْكِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نِسْبَةُ هَيْئَتِهَا الْمُعْتَادِ لُبْسُهَا إِلَى أَحَدِهِمَا، وَنِسْبَةُ خِيَاطَتِهَا أَوْ إِتْيَانِهَا إِلَى الْأُخْرَى (ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ) : بَيَانُ رُومِيَّةٍ أَوْ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ، وَهَذَا كَانَ فِي سَفَرٍ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ ذَكَرِيَّا ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: " أَمَعَكَ مَاءٌ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ
стр. 5972
فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ الْأَدَاوَةَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَصْلِ الْجُبَّةِ» ، وَلَهُ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى: " «فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ، فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ، فَأَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ بَدَنِهِ» " بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ فَمُهْمَلَةٍ فَنُونٍ أَيْ جَنْبِهِ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَالْبَدَنُ بِفَتْحَتَيْنِ دِرْعٌ قَصِيرَةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ زَادَ مُسْلِمٌ: وَ " «أَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى كَتِفَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَخُفَّيْهِ» "، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. وَفِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ «عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ حَتَّى وَجَدَ النَّاسَ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتِمُّ صَلَاتَهُ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ النَّاسَ، وَفِي أُخْرَى قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (. . .» ) ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: الِانْتِفَاعُ بِثِيَابِ الْكُفَّارِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ نَجَاسَتُهَا، لِأَنَّهُ ﷺ لَبِسَ الْجُبَّةَ الرُّومِيَّةَ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى أَنَّ الصُّوفَ لَا يُنَجَّسُ بِالْمَوْتِ ; لِأَنَّ الْجُبَّةَ كَانَتْ شَامِيَّةً، وَكَانَتِ الشَّامُ إِذْ ذَاكَ دَارَ كُفْرٍ، وَمِنْهَا: جَوَازُ لُبْسِ الصُّوفِ، وَكَرِهَ مَالِكٌ لُبْسَهُ لِمَنْ يَجِدُ غَيْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ بِالزُّهْدِ ; لِأَنَّ إِخْفَاءَ الْعَمَلِ أَوْلَى قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَلَمْ يَنْحَصِرِ التَّوَاضُعُ فِي لُبْسِهِ، لِمَنْ فِي الْقُطْنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ بِدُونِ ثَمَنِهِ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنِ الشُّهْرَتَيْنِ رِقَّةِ الثِّيَابِ وَغِلَظِهَا وَلِينِهَا وَخُشُونَتِهَا وَطُولِهَا وَقِصَرِهَا، وَلَكِنْ سَدَادٌ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَاقْتِصَادٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ السَّادَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ، وَأَمَّا أَكْثَرُ طَوَائِفِ الصُّوفِيَّةِ فَاخْتَارُوا لُبْسَ الصُّوفِ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْبَسُوا لِحُظُوظِ النَّفْسِ مَا لَانَ مَسُّهُ وَحَسُنَ مَنْظَرُهُ، وَإِنَّمَا لَبِسُوا لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَدَفْعِ الْحَرِّ وَالْقُرِّ، فَاجْتَزُّوا بِالْخَشِنِ مِنَ الشَّعْرِ وَالْغَلِيظِ مِنَ الصُّوفِ، وَقَدْ وَصَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَفَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ، بِأَنَّهُمْ كَانَ لِبَاسَهُمُ الصُّوفَ حَتَّى إِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِيَعْرَقَ فِيهِ، فَيُوجَدُ مِنْهُ رِيحُ الضَّأْنِ إِذَا أَصَابَهُ الْمَطَرُ، وَقَدْ نَقَلَ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ لَبِسَ الصُّوفَ آدَمُ وَحَوَّاءُ لَمَّا هَبَطَا مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِي التَّعَرُّفِ قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «مَرَّ بِالصَّخْرَةِ مِنَ الرَّوْحَاءِ سَبْعُونَ نَبِيًّا حُفَاةً، عَلَيْهِمُ الْعَبَاءُ، يَؤُمُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ» "، وَالرَّوْحَاءُ مَوْضِعٌ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ عَلَى ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ عِيسَى ﵇ يَلْبَسُ الشَّعْرَ، وَيَأْكُلُ الشَّجَرَ، وَيَبِيتُ حَيْثُ أَمْسَى. «وَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَانَ ﵇ يَلْبَسُ الشَّعْرَ» ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا مَا كَانَ لِبَاسُهُمْ إِلَّا الصُّوفَ.
وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ أَنَّ فَرْقَدًا السَّبْخِيِّ دَخَلَ عَلَى الْحَسَنِ، وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ وَعَلَى الْحَسَنِ حُلَّةٌ، فَجَعَلَ يَلْمِسُهَا فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: مَا لَكَ تَنْظُرُ إِلَى ثِيَابِي؟ ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَثِيَابُكَ ثِيَابُ أَهْلِ النَّارِ. بَلَغَنِي أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ أَصْحَابُ الْأَكْسِيَةِ، ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ: جَعَلُوا الزُّهْدَ فِي ثِيَابِهِمْ، وَالْكِبْرَ فِي صُدُورِهِمْ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَأَحَدُكُمْ لِكِسَائِهِ أَعْظَمُ كِبْرًا مِنْ صَاحِبِ الْمِطْرَفِ. بِمِطْرَفِهِ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يُشِيرُ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ حَيْثُ قَالَ:
تَصَوَّفَ فَازْدَهَى بِالصُّوفِ جَهْلًا ... وَبَعْضُ النَّاسِ يَلْبَسُهُ مَجَانَةْ
يُرِيكَ مَهَانَةً وَيُرِيكَ كِبْرًا ... وَلَيْسَ الْكِبْرُ مِنْ شَكْلِ الْمَهَانَةْ
تَصَوَّفَ كَيْ يُقَالَ لَهُ أَمِينٌ ... وَمَا يُغْنِي تَصَوُّفُهُ الْأَمَانَةْ
وَلَمْ يُرِدِ الْإِلَهُ بِهِ وَلَكِنْ ... أَرَادَ بِهِ الطَّرِيقَ إِلَى الْخِيَانَةْ
هَذَا: وَقِيلَ فِيهِ نَدْبِ اتِّخَاذِ ضَيِّقِ الْكُمِّ فِي السَّفَرِ لَا فِي الْحَضَرِ ; لِأَنَّ أَكْمَامَ الصَّحَابَةِ ﵃ كَانَتْ وَاسِعَةً، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَحَرَّاهَا لِلسَّفَرِ، وَإِلَّا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَبِسَهَا لِلدِّفَاءِ مِنَ الْبَرْدِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنِ اتِّسَاعِ الْكُمِّ، فَمَبْنِيٌّ عَلَى تَوَهُّمِ أَنَّ الْأَكْمَامَ جَمْعُ كُمٍّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ جَمْعُ كُمَّةٍ، وَهِيَ مَا يُجْعَلُ عَلَى الرَّأْسِ كَالْقَلُنْسُوَةِ، فَكَأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ الْأَئِمَّةِ: إِنَّ مِنَ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ اتِّسَاعَ الْكُمَّيْنِ اهـ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى السِّعَةِ الْمُفْرِطَةِ وَمَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، بَلْ مُتَعَيِّنٌ ; وَلِذَا قَالَ فِي النَّتْفِ مَنْ كُتُبِ أَئِمَّتِنَا: إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ اتِّسَاعُ الْكُمِّ قَدْرَ شِبْرٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
стр. 5973
٤٣٠٦ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: «أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ ﵂ كِسَاءً مُلَبَّدًا وَإِزَارًا غَلِيظًا، فَقَالَتْ: قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَيْنِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٠٦ - (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهَمْزٍ فِي آخِرِهِ مَعْرُوفٌ (مُلَبَّدًا) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ. فِي النِّهَايَةِ: أَيْ مُرَقَّعًا. يُقَالُ: لَبَّدْتُ الْقَمِيصَ وَأَلْبَدْتُهُ (وَإِزَارًا غَلِيظًا) : وَفِي نُسْخَةٍ " رِدَاءً " وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْكِسَاءَ مَا يَسْتُرُ أَعَالِيَ الْبَدَنَ ضِدُّ الْإِزَارِ (فَقَالَتْ: قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَيْنِ) : أَيْ فِي الثَّوْبَيْنِ، وَكَأَنَّهُ إِجَابَةٌ لِدُعَائِهِ ﷺ : " «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا» ". قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي أَمْثَالِ هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْ مَتَاعِهَا وَمَلَاذِّهَا، فَيَجِبُ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ يَقْتَدُوا، وَأَنْ يَقْتَفُوا عَلَى أَثَرِهِ فِي جَمِيعِ سَيْرِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ: كَانَ لَهُ ﷺ كِسَاءٌ مُلَبَّدٌ يَلْبَسُهُ، يَقُولُ: " «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ أَلْبَسَ كَمَا يَلْبَسُ الْعَبْدُ» ".
стр. 5974
٤٣٠٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ فِرَاشُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمًا، حَشْوُهُ لِيفٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٠٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِكَسْرِ الْفَاءِ (الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمًا) : بِفَتْحَتَيْنِ اسْمُ الْأَدِيمِ، وَهُوَ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ (حَشْوُهُ لِيفٌ) : فِي الْقَامُوسِ: لِيفُ النَّخْلِ بِالْكَسْرِ مَعْرُوفٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي رِوَايَةِ الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ، عَنْ حَفْصَةَ: كَانَ فِرَاشُهُ مِسْحًا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ بَلَاسًا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ بَعْضِ آلِ أُمِّ سَلَمَةَ: كَانَ فِرَاشُهُ نَحْوًا مِمَّا يُوضَعُ لِلْإِنْسَانِ فِي قَبْرِهِ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عِنْدَ رَأْسِهِ.
стр. 5975
٤٣٠٨ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ وِسَادُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَتَّكِئُ عَلَيْهِ مَنْ أَدَمٍ، حَشْوُهُ لِيفٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٣٠٨ - (وَعَنْهَا) : أَيْ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - (قَالَتْ: كَانَ وِسَادُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : بِكَسْرِ الْوَاوِ (الَّذِي يَتَّكِئُ عَلَيْهِ) : أَيْ عِنْدَ الِاسْتِنَادِ، أَوْ يَتَوَسَّدُ عَلَيْهِ عِنْدَ الرُّقَادِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْوِسَادُ الْمُتَّكَأُ الْمُخَلَّدُ كَالْوِسَادَةِ وَيُثَلَّثُ (مَنْ أَدَمٍ، حَشْوُهُ لِيفٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: كَانَ وِسَادَتُهُ الَّتِي يَنَامُ عَلَيْهَا مَنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْفِرَاشِ وَالْوِسَادَةِ، وَالنَّوْمِ عَلَيْهَا وَالِارْتِفَاقِ بِهَا.
قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُقَالُ فِيهِ بِالِاسْتِحْبَابِ لِمُدَاوَمَتِهِ ﵇ وَلِأَنَّهُ أَكْمَلُ لِلِاسْتِرَاحَةِ الَّتِي قُصِدَتْ بِالنَّوْمِ لِلْقِيَامِ عَلَى النَّشَاطِ فِي الْعِبَادَةِ.
стр. 5976
٤٣٠٩ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي حَرِّ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤٣٠٩ - (وَعَنْهَا) : أَيْ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (قَالَتْ: بَيْنَمَا نَحْنُ) : أَيْ آلُ أَبِي بَكْرٍ (جُلُوسٌ) : أَيْ جَالِسُونَ، (فِي بَيْتِنَا) : أَيْ بِمَكَّةَ (فِي حَرِّ الظَّهِيرَةِ) : أَيْ شِدَّةِ الْحَرِّ نِصْفَ النَّهَارِ، وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْهِجْرَةِ (قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ) : أَيْ مُبَشِّرًا لَهُ (هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا) : أَيْ مُتَوَجِّهًا (مُتَقَنِّعًا) : بِكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مُغَطِّيًا رَأَّسَهُ بِالْقِنَاعِ أَيْ بِطَرَفِ رِدَائِهِ عَلَى مَا هُوَ عَادَةُ الْعَرَبِيِّ لِحَرِّ الظَّهِيرَةِ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَرَادَ لَهُ التَّسَتُّرَ لِكَيْلَا يَعْرِفَهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَهُمَا حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ أَوْ مُتَدَاخِلَانِ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى اسْمِ الْإِشَارَةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5977
٤٣١٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: " فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابِعُ. لِلشَّيْطَانِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٣١٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: أَيْ لِجَابِرٍ فَهُوَ الْمَقُولُ لَهُ فِي الْمَقُولِ (فِرَاشُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: مُبْتَدَأٌ مُخَصِّصُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الثَّالِثُ لِلضِّيقِ أَيْ فِرَاشٌ وَاحِدٌ كَافٍ (لِلرَّجُلِ وَفِرَاشٌ) : أَيْ آخَرُ (لِامْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ) : أَيْ لِأَنَّهُ يَرْتَضِيهُ وَيَأْمُرُ لَهُ، فَكَأَنَّهُ لَهُ، أَوْ
стр. 5978
لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ كَانَ مَبِيتُهُ وَمَقِيلُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَوْلَى، فَإِنَّهُ مَعَ إِمْكَانِ الْحَقِيقَةِ لَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ إِلَى الْمَجَازِ، وَكَانَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ غَفَلَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ هُنَا ; فَقَالَ: أَيْ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ وَاتِّخَاذٍ لِلْمُبَاهَاةِ وَالِاخْتِيَالِ وَالْإِلْهَاءِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَكُلُّ مَذْمُومٍ يُضَافُ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ يَرْتَضِيهِ، وَأَمَّا تَعْدِيدُ الْفِرَاشِ لِلزَّوْجِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى فِرَاشٍ عِنْدَ الْمَرَضِ وَنَحْوِهُ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ النَّوْمُ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَأَنَّ لَهُ الِانْفِرَادَ عَنْهَا بِفِرَاشٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ النَّوْمَ مِنَ الزَّوْجَةِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ بِدَلِيلٍ آخَرَ أَنَّ النَّوْمَ مَعَهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ أَفْضَلُ: هُوَ ظَاهِرُ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلِأَنَّ قِيَامَهُ مِنْ فِرَاشِهَا مَعَ مَيْلِ النَّفْسِ إِلَيْهَا مُتَوَجِّهًا إِلَى التَّهَجُّدِ أَصْعَبُ وَأَشَقُّ: وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ: " «عَجِبَ رَبُّنَا مِنَّ رَجُلَيْنِ، رَجُلٌ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي ثَارَ عَنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي وَشَفَقًا فِيمَا عِنْدِي» . " الْحَدِيثَ. قُلْتُ: لَا كَلَامَ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ وَعَدَمِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الْأَفْضَلِيَّةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ سَائِرِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ ﷺ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ: أَبُو دَاوُدَ: النَّسَائِيُّ.
стр. 5979
٤٣١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣١١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : أَيْ نَظَرَ رَحْمَةٍ، فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مَحْمُولًا، عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، أَوْ عَلَى الزَّجْرِ، أَوْ مُقَيَّدًا بِابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ يَنْظُرَ نَظَرَ لُطْفٍ وَعِنَايَةٍ (إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ تَكَبُّرًا أَوْ فَرَحًا وَطُغْيَانًا بِالْغِنَى قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ جَرَّهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، يَكُونُ حَرَامًا، لَكِنَّهُ مُكْرَهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْهُ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى مَنْ يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا» ". رَوَاهُ احْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى مُسْبِلِ إِزَارِهِ» ".
стр. 5980
٤٣١٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣١٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ( ﷺ قَالَ: " مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ) : وَهُوَ شَامِلٌ لِإِزَارِهِ وَرِدَائِهِ وَغَيْرِهِمَا (خُيَلَاءَ) : بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ: بِالْمَدِّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ وَالْمَخْيَلَةُ وَالْبَطَرُ وَالْكِبْرُ وَالزُّهْوِ وَالتَّبَخْتُرُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ (لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : أَيْ لَا يَرْحَمُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَكَذَا الْأَرْبَعَةُ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ.
стр. 5981
٤٣١٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤٣١٣ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ عُمَرَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ) : عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ: الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَالضَّمِيرُ لِلرِّجَالِ أَيْ أُدْخِلَ فِي الْأَرْضِ (فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ) : بِجِيمَيْنِ أَيْ يَتَحَرَّكُ مُضْطَرِبًا وَمُنْدَفِعًا مِنْ شَقٍّ إِلَى شَقٍّ: وَالْجَلْجَلَةُ الْحَرَكَةُ مَعَ الصَّوْتِ: وَمِنْهُ الْجَلَاجِلُ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى يَسُوخُ فِيهَا أَبَدًا (فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) : قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَأَخْبَرَ بِهِ ﷺ أَنَّهُ سَيَقَعُ: وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَاضِي لتَّحْقِيقِ وُقُوعِهِ: وَأَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا عَمَّنْ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ; وَلِذَلِكَ أَدْخَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ وَإِبْهَامِ الرَّجُلِ أَنَّهُ غَيْرُ قَارُونَ: (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5982
٤٣١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فِي النَّارِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤٣١٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا أَسْفَلَ) : بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ مَا نَزَلَ (مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ) : بَيَانٌ لِمَا أَيْ مِنْ إِزَارِ الرَّجُلِ (فِي النَّارِ) : أَيْ فَهُوَ أَيْ صَاحِبُهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ الْإِسْبَالِ النَّاشِئِ عَنِ التَّكَبُّرِ وَالِاخْتِيَالِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: " مَا " مَوْصُولَةٌ وَصِلَتُهُ مَحْذُوفَةٌ وَهُوَ كَانَ، وَأَسْفَلَ مَنْصُوبٌ خَبَرًا
стр. 5983
لِكَانَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ أَسْفَلَ أَيِ الَّذِي هُوَ أَسْفَلُ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ هُوَ أَفْعَلُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ فِعْلًا وَهُوَ مَعَ فَاعِلِهِ صِلَتُهُ أَيِ الَّذِي سَفَلَ مِنَ الْإِزَارِ مِنَ الْكَعْبَيْنِ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: وَيَجُوزُ كَوْنُ " مَا " شَرْطِيَّةً وَأَسْفَلَ فِعْلٌ مَاضٍ اهـ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَفِي غَيْرِهِ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَتُهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: (فَفِي النَّارِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُتَنَاوَلُ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ قَدَمِ صَاحِبِهِ فِي النَّارِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى فِعْلِهِ، وَالْآخَرُ: أَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ فِي النَّارِ أَيْ هُوَ مَعْدُودٌ وَمَحْسُوبٌ مِنْ أَفْعَالِ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْإِسْبَالُ يَكُونُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، وَلَا يَجُوزُ الْإِسْبَالُ تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ إِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ مَخْصُوصٌ بِالْخُيَلَاءِ لِدَلَالَةِ ظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مَنْعَ تَحْرِيمٍ، وَإِلَّا فَمَنْعُ تَنْزِيهٍ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْإِسْبَالِ لِلنِّسَاءِ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " لَهُنَّ فِي إِرْخَاءِ ذُيُولِهِنَّ "، وَأَمَّا الْقَدْرُ الْمُسْتَحَبُّ فِيمَا يَنْزِلُ إِلَيْهِ طَرَفُ الْقَمِيصِ وَالْإِزَارِ فَنِصْفُ السَّاقَيْنِ، وَالْجَائِزُ بِلَا كَرَاهَةٍ مَا تَحْتَهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَبِالْجُمْلَةِ يُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ، وَالْمُعْتَادُ فِي اللِّبَاسِ مِنَ الطُّولِ وَالسِّعَةِ اهـ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمُعْتَادُ الشَّرْعِيُّ لَا الْمُعْتَادُ الْعُرْفِيُّ. فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ قَمِيصًا قَصِيرَ الْكُمَّيْنِ وَالطُّولِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنْهُ: " «كَانَ يَلْبَسُ قَمِيصًا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ مُسْتَوِيَ الْكُمَّيْنِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ» "، وَسَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي أَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ.
стр. 5984
٤٣١٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، أَوْ يَجْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٣١٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ) : أَيْ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، وَقِيلَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ عَلَى مَا سَبَقَ، (أَوْ يَمْشِيَ) : عَطْفٌ عَلَى يَأْكُلَ وَ " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ (فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: لِأَنَّهُ تَشْوِيهٌ وَمُخَالِفٌ لِلْوَقَارِ، وَإِنَّ الرِّجْلَ الْمُنَعَّلَةَ تَصِيرُ أَرْفَعَ مِنَ الْأُخْرَى، فَيَعْسُرُ مَشْيُهُ، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِلْعِثَارِ (وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ) : بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتُشَدُّ الْمِيمُ وَبِالْمَدِّ أَيْ وَنَهَى عَنِ اللِّبْسَةِ الصَّمَّاءِ وَهِيَ عِنْدَ الْعَرَبِ تَجْلِيلُ الْجَسَدِ كُلِّهِ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ بِلَا رَفْعِ جَانِبٍ يَخْرُجُ مِنْهُ الْيَدُ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ يَجْعَلُ اللَّابِسِ كَالْمَغْلُولِ، وَسُمِّيَتْ صَمَّاءَ ; لِأَنَّهَا سَدَّتِ الْمَنَافِذَ كُلَّهَا كَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خَرْقٌ وَلَا صَدْعٌ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يُكْرَهُ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ أَنْ يَلُفَّ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ رَأْسَهُ وَسَائِرَ جَسَدِهِ، وَلَا يَدَعُ مَنْفَذًا لِيَدَيْهِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الْإِزَارِ مَعَ ذَلِكَ؟ عَنْ مُحَمَّدٍ يُشْتَرَطُ، وَعَنْ غَيْرِهِ لَا. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْفُقَهَاءُ: وَهُوَ أَنْ يَشْتَمِلَ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ فَيَضَعُهُ عَلَى أَحَدِ مَنْكِبَيْهِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ يَنْكَشِفُ بِهِ بَعْضُ عُرْوَتِهِ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، (أَوْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ) : أَيْ عَنْ عَوْرَتِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: الِاحْتِبَاءُ بِالْمَدِّ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَيَنْصُبَ سَاقَيْهِ، وَيَحْتَوِيَ عَلَيْهِمَا بِثَوْبٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ بِيَدِهِ، وَهُوَ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي مَجَالِسِهِمْ اهـ. فَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ بِقَيْدِ الْكَشْفِ، وَإِلَّا فَهُوَ جَائِزٌ، بَلْ مُسْتَحَبٌّ فِي غَيْرِ حَالَةِ الصَّلَاةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «نَهَىَ عَنِ الصَّمَّاءِ، وَالِاحْتِبَاءِ، فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ» ". وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: " «نُهِيَ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَأَنْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» ".
стр. 5985
٤٣١٦ -، ٤٣١٧، ٤٣١٨، ٤٣١٩ - وَعَنْ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي أُمَامَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣١٦ -، ٤٣١٧، ٤٣١٨، ٤٣١٩ - (وَعَنْ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي أُمَامَةَ) : رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِرِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ بِرِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ إِسْنَادًا مُتَّحِدَةً مَتْنًا (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ " مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ) : أَيْ غَيْرَ الْمَشْرُوعِ (فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ) : مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، أَوْ عَلَى الزَّجْرِ وَالتَّهْدِيدِ، أَوْ عَلَى مُدَّةٍ قَبْلَ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ، وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ: تَأْوِيلُ الْأَكْثَرِينَ هُوَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَعَ السَّابِقِينَ الْفَائِزِينَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ جُوَيْرِيَةَ: " «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبًا مِنْ نَارٍ» " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ.
стр. 5986
٤٣٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٢٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ) : أَيْ لَا حِصَّةَ أَوْ لَا حَظَّ كَامِلًا (فِي الْآخِرَةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا حَظَّ لَهُ فِي النَّعِيمِ، وَثَانِيهُمَا: لَا حَظَّ لَهُ فِي الِاعْتِقَادِ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ مَنْ لَا دِينَ لَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكُفَّارِ، وَعَلَى الْآخَرِ يَتَنَاوَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ لَا نَصِيبَ لَهُ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْكَافِرِ فَظَاهِرٌ، وَفِي الْمُؤْمِنِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ اهـ. أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ ابْتِدَاءً أَوْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَذَّبَ بِثَوْبٍ مِنْ نَارِ الْمَشِيئَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ اهـ. فَيُنْظَرُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ هُوَ ابْنُ عُمَرَ، أَوْ عُمَرُ، أَوِ ابْنُ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5987
٤٣٢١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: " «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٢١ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَيُفْتَحُ نَوْعٌ مِنْهُ مُخْتَصٌّ بِهَذَا الِاسْمِ، فَتَخْصِيصُهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ دُخُولِهِ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمُسَمَّى لَا بِالِاسْمِ كَمَا سَبَقَ فِي الْخَمْرِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدًا أَفْرَدَ الضَّمِيرَ الرَّاجِعَ إِلَى الْحَرِيرِ فِي قَوْلِهِ: (وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ) : أَيْ نَحْنُ وَغَيْرُنَا تَبَعٌ لَنَا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِيخَانَ: لُبْسُ الْحَرِيرِ الْمُصْمَتِ حَرَامٌ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ، وَكَمَا يُكْرَهُ فِي حَقِّ الْبَالِغِ يُكْرَهُ لِبَاسُ الصِّبْيَانِ الذُّكُورِ أَيْضًا، وَيَكُونُ الْإِثْمُ عَلَى مَنْ أَلْبَسَهُمْ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ لِلْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ سَدَاهُ غَيْرُ حَرِيرٍ وَلُحْمَتُهُ حَرِيرٌ يُكْرَهُ لُبْسُهُ عِنْدَهُمْ، وَجَازَ لُبْسُهُ فِي الْحَرْبِ، أَمَّا مَا كَانَ سَدَاهُ حَرِيرًا وَلُحْمَتُهُ غَيْرُ حَرِيرٍ جَازَ لُبْسُهُ فِي كُلِّ حَالٍ عِنْدَهُمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِافْتِرَاشِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهِمَا، وَكَذَا الْوَسَائِدُ وَالْمَرَافِقُ وَالْبُسُطُ وَالسُّتُورُ مِنَ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَمَاثِيلُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُكْرَهُ جَمِيعُ ذَلِكَ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْرِيمِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ عَلَى التَّنْزِيهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لَا بَأْسَ، فَإِنَّ الْوَرِعَ مَنْ يَدَعُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: " «دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ» ". وَكَأَنَّ الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ مَا حَصَلَ لَهُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى كَوْنِ نَهْيِهِ لِلتَّحْرِيمِ، وَالنُّصُوصُ فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ لَا تَشْمَلُهُ ; لِأَنَّ الْقُعُودَ عَلَى شَيْءٍ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لُبْسُهُ، فَلِهَذَا حَكَمَ بِالتَّنْزِيهِ، وَهَذَا مِنْ وَرَعِهِ فِي الْفَتْوَى، وَأَمَّا عَمَلُهُ بِالتَّقْوَى فَمَشْهُورٌ لَا يَخْفَى، وَمَذْكُورٌ فِي مَنَاقِبِهِ مِمَّا لَا يُحْصَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5988
٤٣٢٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: " «أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَيَّ فَلَبِسْتُهَا، فَعَرَفْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَيْنَ النِّسَاءِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٢٢ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (لَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةٌ) : بِالتَّنْوِينِ،: وَالْغَالِبُ أَنْ يَكُونَ إِزَارًا وَرِدَاءً، وَقَدْ يُنَوَّنُ ; وَلِذَا جَاءَ صِفَتُهُ (سِيَرَاءَ) : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِفْرَادُهَا مُرَاعَاةً لِلَفْظِ مَوْصُوفِهَا. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْإِضَافَةِ، وَهِيَ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ تَحْتِيَّةٍ، ثُمَّ رَاءٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ مَمْدُودَةٌ، بُرْدَةٌ يُخَالِطُهَا حَرِيرٌ، وَقِيلَ: هِيَ حَرِيرٌ مَحْضٌ وَهُوَ أَشْبَهُ لِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لِمُسْلِمٍ: " حُلَّةٌ مِنْ دِيبَاجٍ "، وَفِي أُخْرَى مِنْ سُنْدُسٍ، وَلِأَنَّهَا هِيَ الْمُحَرَّمَةُ، وَأَمَّا الْمُخْتَلِطَةُ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ، فَفِيهِ كَلَامٌ سَبَقَ (قَالَ) : عَلِيٌّ (فَبَعَثَ بِهَا) : أَيْ فَأَرْسَلَهَا (إِلَيَّ فَلَبِسْتُهَا) : أَيْ وَجِئْتُهُ، لَابِسًا (فَعَرَفْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ) : وَهُوَ إِمَّا لِأَنَّ أَكْثَرَهَا أَوْ كُلَّهَا إِبْرَيْسِيمٌ ; أَوْ لِأَنَّهُ ﵁ لَمْ يَتَفَكَّرْ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ثِيَابِ الْمُتَّقِينَ، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى فِيهَا وَيُقَسِّمَهَا، فَلَمَّا
стр. 5989
غَفَلَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى وَلَبِسَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُ لُبْسُهَا لَمَا أَرْسَلَهَا إِلَيْهِ غَضِبَ ﷺ (فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا) : بِكَسْرِ الْقَافِ الْأُولَى الْمُشَدَّدَةِ أَيْ لِتُقَطِّعَهَا (خُمُرًا) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ خِمَارٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهُ وَهُوَ الْمِقْنَعَةُ وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ كَقَوْلِهِ: خِطْتُهُ قَمِيصًا، وَقَوْلُهُ: (بَيْنَ النِّسَاءِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ، أَوْ صِفَةً لِخُمُرًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمَعْنَى لِتُقَطِّعَهَا قِطْعَةً قِطْعَةً، كُلُّ قِطْعَةٍ قَدْرَ خِمَارٍ، وَتُقَسِّمَهَا بَيْنَ النِّسَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ: " بَيْنَ الْفَوَاطِمِ "، وَهِيَ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ الْبَتُولُ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ أُمُّ عَلِيٍّ وَجَعْفَرَ وَعَقِيلٍ وَطَالِبٍ، وَهِيَ أَوَّلُ هَاشِمِيَّةٍ وَلَدَتْ بِهَاشِمِيٍّ، وَفَاطِمَةُ أُمُّ أَسْمَاءَ بِنْتِ حَمْزَةَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5990
٤٣٢٣ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِصْبَعَيْنِ: الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ وَضَمَّهُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٢٣ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا) : أَيْ قَدْرَ إِصْبَعَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ عَلَمًا أَوْ فَرَاوِيزَ (وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِصْبَعَيْهِ: السَّبَّابَةَ) : أَيِ الْمُسَبِّحَةَ (وَالْوُسْطَى) : بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِإِصْبَعَيْهِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِتَقَدُّمِ الْوُسْطَى عَلَى السَّبَّابَةِ (وَضَمِّهِمَا) : عَطْفٌ عَلَى " وَرَفَعَ "، وَهُوَ بِتَقْدِيرِ قَدْ حَالٌ وَفِي الْمَعْنَى عَطْفُ بَيَانٍ لِقَوْلِهِ " هَكَذَا " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
следующие страницы →