Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
٤٣٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٢٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ) : أَيْ لَا حِصَّةَ أَوْ لَا حَظَّ كَامِلًا (فِي الْآخِرَةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا حَظَّ لَهُ فِي النَّعِيمِ، وَثَانِيهُمَا: لَا حَظَّ لَهُ فِي الِاعْتِقَادِ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ مَنْ لَا دِينَ لَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكُفَّارِ، وَعَلَى الْآخَرِ يَتَنَاوَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ لَا نَصِيبَ لَهُ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْكَافِرِ فَظَاهِرٌ، وَفِي الْمُؤْمِنِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ اهـ. أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ ابْتِدَاءً أَوْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَذَّبَ بِثَوْبٍ مِنْ نَارِ الْمَشِيئَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ اهـ. فَيُنْظَرُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ هُوَ ابْنُ عُمَرَ، أَوْ عُمَرُ، أَوِ ابْنُ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5987
٤٣٢١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: " «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٢١ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَيُفْتَحُ نَوْعٌ مِنْهُ مُخْتَصٌّ بِهَذَا الِاسْمِ، فَتَخْصِيصُهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ دُخُولِهِ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمُسَمَّى لَا بِالِاسْمِ كَمَا سَبَقَ فِي الْخَمْرِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدًا أَفْرَدَ الضَّمِيرَ الرَّاجِعَ إِلَى الْحَرِيرِ فِي قَوْلِهِ: (وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ) : أَيْ نَحْنُ وَغَيْرُنَا تَبَعٌ لَنَا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِيخَانَ: لُبْسُ الْحَرِيرِ الْمُصْمَتِ حَرَامٌ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ، وَكَمَا يُكْرَهُ فِي حَقِّ الْبَالِغِ يُكْرَهُ لِبَاسُ الصِّبْيَانِ الذُّكُورِ أَيْضًا، وَيَكُونُ الْإِثْمُ عَلَى مَنْ أَلْبَسَهُمْ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ لِلْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ سَدَاهُ غَيْرُ حَرِيرٍ وَلُحْمَتُهُ حَرِيرٌ يُكْرَهُ لُبْسُهُ عِنْدَهُمْ، وَجَازَ لُبْسُهُ فِي الْحَرْبِ، أَمَّا مَا كَانَ سَدَاهُ حَرِيرًا وَلُحْمَتُهُ غَيْرُ حَرِيرٍ جَازَ لُبْسُهُ فِي كُلِّ حَالٍ عِنْدَهُمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِافْتِرَاشِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهِمَا، وَكَذَا الْوَسَائِدُ وَالْمَرَافِقُ وَالْبُسُطُ وَالسُّتُورُ مِنَ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَمَاثِيلُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُكْرَهُ جَمِيعُ ذَلِكَ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْرِيمِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ عَلَى التَّنْزِيهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لَا بَأْسَ، فَإِنَّ الْوَرِعَ مَنْ يَدَعُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: " «دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ» ". وَكَأَنَّ الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ مَا حَصَلَ لَهُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى كَوْنِ نَهْيِهِ لِلتَّحْرِيمِ، وَالنُّصُوصُ فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ لَا تَشْمَلُهُ ; لِأَنَّ الْقُعُودَ عَلَى شَيْءٍ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لُبْسُهُ، فَلِهَذَا حَكَمَ بِالتَّنْزِيهِ، وَهَذَا مِنْ وَرَعِهِ فِي الْفَتْوَى، وَأَمَّا عَمَلُهُ بِالتَّقْوَى فَمَشْهُورٌ لَا يَخْفَى، وَمَذْكُورٌ فِي مَنَاقِبِهِ مِمَّا لَا يُحْصَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5988
٤٣٢٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: " «أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَيَّ فَلَبِسْتُهَا، فَعَرَفْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَيْنَ النِّسَاءِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٢٢ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (لَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةٌ) : بِالتَّنْوِينِ،: وَالْغَالِبُ أَنْ يَكُونَ إِزَارًا وَرِدَاءً، وَقَدْ يُنَوَّنُ ; وَلِذَا جَاءَ صِفَتُهُ (سِيَرَاءَ) : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِفْرَادُهَا مُرَاعَاةً لِلَفْظِ مَوْصُوفِهَا. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْإِضَافَةِ، وَهِيَ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ تَحْتِيَّةٍ، ثُمَّ رَاءٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ مَمْدُودَةٌ، بُرْدَةٌ يُخَالِطُهَا حَرِيرٌ، وَقِيلَ: هِيَ حَرِيرٌ مَحْضٌ وَهُوَ أَشْبَهُ لِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لِمُسْلِمٍ: " حُلَّةٌ مِنْ دِيبَاجٍ "، وَفِي أُخْرَى مِنْ سُنْدُسٍ، وَلِأَنَّهَا هِيَ الْمُحَرَّمَةُ، وَأَمَّا الْمُخْتَلِطَةُ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ، فَفِيهِ كَلَامٌ سَبَقَ (قَالَ) : عَلِيٌّ (فَبَعَثَ بِهَا) : أَيْ فَأَرْسَلَهَا (إِلَيَّ فَلَبِسْتُهَا) : أَيْ وَجِئْتُهُ، لَابِسًا (فَعَرَفْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ) : وَهُوَ إِمَّا لِأَنَّ أَكْثَرَهَا أَوْ كُلَّهَا إِبْرَيْسِيمٌ ; أَوْ لِأَنَّهُ ﵁ لَمْ يَتَفَكَّرْ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ثِيَابِ الْمُتَّقِينَ، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى فِيهَا وَيُقَسِّمَهَا، فَلَمَّا
стр. 5989
غَفَلَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى وَلَبِسَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُ لُبْسُهَا لَمَا أَرْسَلَهَا إِلَيْهِ غَضِبَ ﷺ (فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا) : بِكَسْرِ الْقَافِ الْأُولَى الْمُشَدَّدَةِ أَيْ لِتُقَطِّعَهَا (خُمُرًا) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ خِمَارٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهُ وَهُوَ الْمِقْنَعَةُ وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ كَقَوْلِهِ: خِطْتُهُ قَمِيصًا، وَقَوْلُهُ: (بَيْنَ النِّسَاءِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ، أَوْ صِفَةً لِخُمُرًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمَعْنَى لِتُقَطِّعَهَا قِطْعَةً قِطْعَةً، كُلُّ قِطْعَةٍ قَدْرَ خِمَارٍ، وَتُقَسِّمَهَا بَيْنَ النِّسَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ: " بَيْنَ الْفَوَاطِمِ "، وَهِيَ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ الْبَتُولُ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ أُمُّ عَلِيٍّ وَجَعْفَرَ وَعَقِيلٍ وَطَالِبٍ، وَهِيَ أَوَّلُ هَاشِمِيَّةٍ وَلَدَتْ بِهَاشِمِيٍّ، وَفَاطِمَةُ أُمُّ أَسْمَاءَ بِنْتِ حَمْزَةَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5990
٤٣٢٣ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِصْبَعَيْنِ: الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ وَضَمَّهُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٢٣ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا) : أَيْ قَدْرَ إِصْبَعَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ عَلَمًا أَوْ فَرَاوِيزَ (وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِصْبَعَيْهِ: السَّبَّابَةَ) : أَيِ الْمُسَبِّحَةَ (وَالْوُسْطَى) : بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِإِصْبَعَيْهِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِتَقَدُّمِ الْوُسْطَى عَلَى السَّبَّابَةِ (وَضَمِّهِمَا) : عَطْفٌ عَلَى " وَرَفَعَ "، وَهُوَ بِتَقْدِيرِ قَدْ حَالٌ وَفِي الْمَعْنَى عَطْفُ بَيَانٍ لِقَوْلِهِ " هَكَذَا " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5991
٤٣٢٤ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: أَنَّهُ خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ، فَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ» .
ــ
٤٣٢٤ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: أَنَّهُ) : أَيْ عُمَرَ (خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ) : بِالْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مَدِينَةٌ بِالشَّامِ (فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ) : أَيْ مِقْدَارَ إِصْبَعَيْنِ (أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ) : فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِبَاحَةُ الْعَلَمِ مِنَ الْحَرِيرِ فِي الثَّوْبِ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، قَالَ قَاضِيخَانُ: رَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْعَلَمِ مِنَ الْحَرِيرِ فِي الثَّوْبِ إِذَا كَانَ أَرْبَعَ أَصَابِعَ أَوْ دُونَهَا وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرْخَسِيُّ فِي السِّيَرِ: لَا بَأْسَ بِالْعَلَمِ لِأَنَّهُ تَبَعٌ وَلَمْ يُقَدِّرْ اهـ. وَلَعَلَّ عَدَمَ تَقْدِيرِهِ اعْتِمَادًا عَلَى الْمِقْدَارِ الْمُقَدَّرِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَرْبَابِ الشَّرْعِ.
стр. 5992
٤٣٢٥ - «وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄: أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفُرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ، وَقَالَتْ: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرَضِ نَسْتَشْفِي بِهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٣٢٥ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄: أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ) : بِالْإِضَافَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَصْفِ وَهِيَ بِكَسْرِ اللَّامِ جَمْعُ طَيْلَسَانٍ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ مُعَرَّبُ " تَالَسَانٍ "، وَهُوَ مِنْ لِبَاسِ الْعَجَمِ مُدَوَّرٌ أَسْوَدُ، وَجَمْعُ التَّفَارِيقِ الطَّيَالِسَةُ لُحْمَتُهَا وَسَدَاهَا صُوفٌ وَالتَّاءُ فِي جُبَّةٍ لِلْمُوَحَّدَةِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: جُبَّةُ صُوفٍ سَوْدَاءُ، هَذَا زُبْدَةُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا الْإِضَافَةِ لِلْبَيَانِ (كِسَرْوَانِيَّةٍ) : بِكَسْرِ الْكَافِ وَيُفْتَحُ مَنْسُوبٌ إِلَى كِسْرَى مَلَكِ فَارِسَ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ، وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ صِفَةٌ لِجُبَّةٍ، وَقِيلَ مَجْرُورَةٌ صِفَةُ طَيَالِسَةٍ عَلَى رِوَايَةِ الْإِضَافَةِ، هَذَا، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْجُبَّةُ ثَوْبَانِ بِطَارِقَانِ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا حَشْوٌ، وَقَدْ يُقَالُ لِمَا لَا حَشْوَ لَهُ إِذَا كَانَتْ ظِهَارَتُهُ مِنْ صُوفٍ. وَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ إِضَافَتُهَا إِلَى الطَّيَالِسَةِ، وَفُسِّرَتْ بِالْخَلِقِ كَأَنَّهُمْ كَنَّوْا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الطَّيَالِسَةِ عَنِ الْخِلِقِ ; لِأَنَّ صَاحِبَ الْخَلِقِ لَمْ يَكُنْ لِيَلْبَسَهُ إِلَّا بِطَيْلَسَانٍ لِيُوَارِيَ مَا تَخَرَّقَ مِنْهُ، (لَهَا) : أَيْ لِلْجُبَّةِ (لِبْنَةُ دِيبَاجٍ) : بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فَنُونٍ رُقْعَةٌ تُوضَعُ فِي جَيْبِ الْقَمِيصِ وَالْجُبَّةُ كَمَا مَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ شَارِحٌ: هِيَ مَا يُرَقَّعُ بِهِ قَبُّ الثَّوْبِ، وَيُقَالُ لَهُ الْجَرَيَانُ أَيْضًا وَهُوَ مُعَرَّبٌ كَرَبَيَانٍ، وَقِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّهَا تُوضَعُ تَحْتَ الْإِبِطِ (وَفُرْجَيْهَا) : بِضَمِّ الْفَاءِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ بِفَتْحِهَا أَيْ شِقَّيْهَا شِقٌّ مِنْ خَلْفُ وَشِقٌّ مِنْ قُدَّامُ (مَكْفُوفَيْنِ) : أَيْ مُخَيَّطِينِ (بِالدِّيبَاجِ) : أَيْ بِثَوْبٍ مِنْ حَرِيرٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ خُيِّطَ عَلَى طَرَفِ كُلِّ شِقٍّ قِطْعَةٌ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلُ: قَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ: أَيْ خُيِّطَ شِقَّاهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ، وَالْكَفُّ عَطْفُ أَطْرَافِ الثَّوْبِ. يُقَالُ: ثَوْبٌ مُكَفَّفٌ أَيْ مَوْقِعُ جَيْبِهِ، أَطْرَافُ كَفَّيْهِ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّيبَاجِ وَنَصَبَ
стр. 5993
فُرْجَيْهَا بِمُقَدَّرٍ مِثْلُ وَجَدْتُ، وَالرِّوَايَةُ الْفَاشِيَةُ بِالرَّفْعِ، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رُوِيَ فِي الْحِسَانِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: وَلَا أَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْمَكْفُوفَ بِالْحَرِيرِ أَنَّهُ رُبَّمَا رَأَى الْكَرَاهَةَ فِي الْكَرَاهَةِ ; لِأَنَّ فِيهِ مَزِيدَ تَرَفُّهٍ وَتَجَمُّلٍ، وَلَمْ يَرَهَا فِي الْجُبَّةِ الْمَكْفُوفَةِ اهـ. وَلَعَلَّ هَذَا مَأْخَذُ قَوْلٍ ضَعِيفٍ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَحْرُمُ لُبْسُ الْحَرِيرِ هَكَذَا إِذَا اتَّصَلَ بِالْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُمَا، هَذَا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ: وَفُرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ، وَهُمَا مَنْصُوبَانِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَرَأَيْتُ. وَوَافَقَهُ الْقَاضِي، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا إِخْرَاجُ أَسْمَاءَ جُبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ الْمَكْفُوفَةَ بِالْحَرِيرِ، فَقَصَدَتْ بِهِ بَيَانَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُحَرَّمًا مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ اهـ، وَفِيهِ أَنَّ مِقْدَارَ الْحَرِيرِ فِي الْجُبَّةِ غَيْرُ مُبَيَّنٍ وَمُعَيَّنٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنَ الْخَارِجِ، وَإِلَّا فَلَوْ قُدِّرَ قَدْرٌ زَائِدٌ لَقُلْنَا بِهِ كَمَا قُلْنَا بِأَرْبَعِ أَصَابِعَ بَعْدَ تَجْوِيزِهِ قَدْرَ إِصْبَعَيْنِ، مَرَّةً أَنَّ الْقَصْدَ الْمَذْكُورَ مِنْهَا مُحْتَمَلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَقَالَتْ) : عَطْفٌ عَلَى " أَخْرَجَتْ "، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ " فَقَالَتْ " (هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ) : لَعَلَّهَا بِالْهِبَةِ لَهَا مِنْهُ ﷺ لِعَدَمِ الْإِرْثِ فِي الْأَنْبِيَاءِ (فَلَمَّا قُبِضَتْ) : أَيْ تُوُفِّيَتْ (قَبَضْتُهَا) : أَيْ أَخَذْتُهَا بِالْوِرَاثَةِ لِأَنَّهَا أُخْتُهَا (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا) : أَيْ أَحْيَانًا (فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى) : وَنَسْقِي مَاءَ غَسْلِهَا لَهُمْ (نَسْتَشْفِي بِهَا) : أَيْ. بِمَائِهَا أَوْ بِالْجُبَّةِ نَفْسِهَا بِوَضْعِهَا عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَالتَّبَرُّكِ بِلَمْسِ الْيَدَيْنِ، وَتَقْبِيلِ الشَّفَتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5994
٤٣٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ بِهِمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: «إِنَّهُمَا شَكَوَا الْقَمْلَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ» .
ــ
٤٣٢٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ) : بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ أَيْ لِحُكَاكٍ (بِهِمَا) لِجَرَبٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْحِكَّةَ كَانَتْ حَاصِلَةً بِسَبَبِ الْقَمْلِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَيَأْتِي مِنَ الرِّوَايَةِ، مَعَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ اجْتِمَاعًا وَافْتِرَاقًا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ جَوَازُ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلْجَرَبِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: دَلَّ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِعُذْرٍ، وَأَمَّا لُبْسَهُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْجَرَبِ أَوْ دَفْعِ الْقَمْلِ فَلَا نِزَاعَ فِيهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَجُوزُ لُبْسُ الْحَرِيرِ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، كَمَا إِذَا فَاجَأَهُ الْجَرَبُ أَوِ احْتَاجَ إِلَيْهِ بِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، فَيَجُوزُ لِلْحَاجَةِ كَالْجَرَبِ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مُنْكَرٌ، وَيَجُوزُ لِدَفْعِ الْقَمْلِ فِي السَّفَرِ، وَكَذَا فِي الْحَضَرِ عَلَى الْأَصَحِّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ) : أَيْ أَنِّي (إِنَّهُمَا شَكَوَا الْقَمْلَ) : وَهُوَ أَفْصَحُ مَنْ شَكَيَا، فَفِي الْقَامُوسِ: شَكَيْتُ لُغَةً فِي شَكَوْتُ (فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ) : بِضَمِّ الْقَافِ وَالْمِيمِ جَمْعُ قَمِيصٍ، وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ لُبْسَ الْحَرِيرَ فَوْقَ الْقَمِيصِ لَا يَجُوزُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
стр. 5995
٤٣٢٧ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ. فَقَالَ: " إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهُمَا ". وَفِي رِوَايَةٍ: قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: " بَلْ أَحْرِقْهُمَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَائِشَةَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ فِي " بَابِ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ .
ــ
٤٣٢٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ) : أَيْ عَلَى بَدَنِي
(ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ مَصْبُوغَيْنِ بِالْعُصْفُرِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قِيلَ: الْمَنْهِيُّ الْمَصْبُوغُ بَعْدَ النَّسْجِ، دُونَ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ، ثُمَّ نُسِجَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَائِحَةٌ، فَإِنَّهُ مُرَخَّصٌ عِنْدَ الْبَعْضِ اهـ. وَسَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ (فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ) : إِشَارَةٌ إِلَى جِنْسِ الثِّيَابِ الْمُعَصْفَرَةِ (مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ) : أَيِ الَّذِينَ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ، وَلَا يُفَرِّقُونَ فِي اللِّبَاسِ بَيْنَ النِّسَاءِ، وَالرِّجَالِ (فَلَا تَلْبَسْهُمَا) : مَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنَّمَا نُهِيَ الرِّجَالُ عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ (وَفِي رِوَايَةٍ: قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟) : أَيْ لِتَرُوحَ رَائِحَتُهُمَا، وَتَذْهَبَ بَهْجَتُهُمَا وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرَةٌ فِي أَوَّلِهِ. (قَالَ: بَلْ أَحْرِقْهُمَا) : الْأَمْرُ لِلتَّغْلِيظِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْغَسْلِ ; لِأَنَّ الْمُعَصْفَرَ وَإِنْ كُرِهَ لِلرِّجَالِ لَمْ يُكْرَهْ لِلنِّسَاءِ، فَغَسْلُهُ
стр. 5996
تَضْيِيعٌ اهـ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالرَّائِحَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلَّوْنِ وَهُوَ لَا يَذْهَبُ بِالْغَسْلِ وَلَيْسَ فِيهِ تَضْيِيعٌ، هَذَا، وَفِي فَتَاوَىَ قَاضِيخَانَ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْبَسَ الْمَصْبُوغَ بِالْعُصْفُرِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ. قَالَ الْقَاضِي: قِيلَ أَرَادَ بِالْإِحْرَاقِ إِفْنَاءَ الثَّوْبَيْنِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، وَلَعَلَّهُ اسْتَعَارَ بِهِ عَنْهُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّشْدِيدِ فِي النَّكِيرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْذَنْ فِي الْغَسْلِ ; لِأَنَّ الْمُعَصْفَرَ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا لِلرِّجَالِ فَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِلنِّسَاءِ، فَيَكُونُ غَسْلُهُ تَضْيِيعًا وَإِتْلَافًا لِلْمَالِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَا رُوِيَ: أَنَّهُ أَتَى أَهْلَهُ وَهُمْ يَسْجُرُونَ التَّنُّورَ فَقَذَفَهَا فِيهِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا فَعَلْتَ؟ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: أَفَلَا كَسَوْتَهُمَا بَعْضَ أَهْلِكَ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِمَا لِلنِّسَاءِ؟ ، قُلْتُ: وَكَوْنُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ دَالَّةً عَلَى التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ مَحَلُّ بَحْثٍ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ مَا فَعَلَ لِمَا رَأَى مِنْ شِدَّةِ كَرَاهَةِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ لِفَهْمِهِ الظَّاهِرِ، أَوْ لِتَوَهُّمِهِ عُمُومَ الْكَرَاهَةِ اهـ. وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَخِيرِ أَوْلَى.
قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي الثِّيَابِ الَّتِي صُبِغَتْ بِالْعُصْفُرِ، فَأَبَاحَهَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: غَيْرُهَا أَفْضَلُ مِنْهَا. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى هَذَا ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ حُلَّةً حَمْرَاءَ قُلْتُ: هُوَ مُؤَوَّلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْبُرُودِ الْيَمَانِيَّةِ، وَسَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَحْمَرِ، قَالَ: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِالْعُصْفُرِ» "، قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ لِلرِّجَالِ. قَالَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: النَّهْيُ يُصْرَفُ إِلَى مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ، فَأَمَّا مَا صُبِغَ غَزْلُهُ، ثُمَّ نُسِجَ، فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي النَّهْيِ. قُلْتُ: وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، قَالَ: وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ هُنَا عَلَى الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ أَوِ الْمُعْتَمِرِ ; لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " «نُهِيَ الْمُحْرِمُ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ» ". قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ حُرْمَتُهُ بِالْغَسْلِ إِلَى أَنْ تَنْفَضَّ رَائِحَتُهُ، وَمَعَ إِبْقَائِهَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءِ. قَالَ: وَأَمَّا الْبَيْهَقِيُّ فَأَتْقَنَ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ: نَهْىَ الشَّافِعِيُّ الرَّجُلَ عَنِ الْمُزَعْفَرِ وَأَبَاحَ لَهُ الْمُعَصْفَرَ، فَقَالَ: أَيِ الشَّافِعِيُّ: وَإِنَّمَا رُخِّصَتْ فِي الْمُعَصْفَرِ ; لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ أَحَدًا يَحْكِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: نَهَانِي، وَلَا أَقُولُ: نَهَاكُمْ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَلَى الْعُمُومِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو هَذَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ أُخَرَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ بَلَغَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الشَّافِعِيَّ لَنَهَاهُ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادٍ مَا صَحَّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا صَحَّ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافَ قَوْلِي فَاعْمَلُوا بِالْحَدِيثِ وَدَعُوا قَوْلِي فَهُوَ مَذْهَبِي. قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مَذْهَبَ كُلِّ مُسْلِمٍ. قَالَ: وَأَمَّا الْأَمْرُ بِإِحْرَاقِهِمَا فَقِيلَ: هُوَ عُقُوبَةٌ وَتَغْلِيظٌ لِزَجْرِهِ وَزَجْرِ غَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ، وَنَظِيرُهُ أَمْرُهُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي لَعَنَتِ النَّاقَةَ فَأَرْسَلَهَا أَيْ وَأَخْرَجَهَا مِنَ الْقَافِلَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَأَمَّا مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِرِوَايَةِ الْخَطِيبِ، عَنْ أَنَسٍ: كَانَ لَهُ ﷺ مِلْحَفَةٌ مَصُوغَةٌ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ يَدُورُ بِهَا عَلَى نِسَائِهِ، فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ هَذِهِ رَشَّتْهَا بِالْمَاءِ، وَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ هَذِهِ رَشَّتْهَا، فَقَدْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَلْتَحِفُ بِهَا، أَوْ كَانَتْ تَفْتَرِشُ لَهُ أَوْ لَهُمَا، أَوْ تُسْتَثْنَى تِلْكَ الْهَيْئَةُ وَالْحَالَةُ، أَوْ تُعَدُّ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَائِشَةَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ) : أَيْ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ. . إِلَخْ، وَسَيَأْتِي ضَبْطُهُمَا وَمَعْنَاهُمَا أَيْضًا. (فِي بَابِ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَبْتِ النَّبِيِّ ﷺ ) .
стр. 5997
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٣٢٨ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَمِيصَ» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٣٢٨ - (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ) : بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ ; وَلِذَا لَمْ يَتَأَخَّرْ، وَالثَّوْبُ اسْمٌ لِمَا يَسْتُرُ بِهِ الشَّخْصُ نَفْسَهُ مَخِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَجَمْعُهُ الثِّيَابُ بِإِبْدَالِ الْوَاوِ يَاءً لِإِنْكَارِ مَا قَبْلَهَا، وَ " أَحَبُّ " أَفْعَلُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ أَفْضَلَهَا (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَمِيصَ) بِالنَّصْبِ أَوِ الرَّفْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ اسْمُ كَانَ، وَالثَّانِيَ خَبَرُهَا، أَوْ بِالْعَكْسِ. وَالْقَمِيصُ: اسْمٌ لِمَا يُلْبَسُ مِنَ الْمَخِيطِ
стр. 5998
الَّذِي لَهُ كُمَّانِ وَجَيْبٌ، هَذَا وَقَدْ قَالَ مِيرَكُ قِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: نَصْبُ الْقَمِيصِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَمِيصُ مَرْفُوعًا بِالِاسْمِيَّةِ، وَأَحَبَّ مَنْصُوبًا بِالْخَبَرِيَّةِ، وَنَقَلَ غَيْرُهُ مِنَ الشُّرَّاحِ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ. قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ تَعْيِينَ الْأَحَبِّ، فَالْقَمِيصُ خَبَرُهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ حَالِ الْقَمِيصِ عِنْدَهُ ﵇ فَهُوَ اسْمُهُ، وَرَجَّحَهُ الْعِصَامُ بِأَنَّ أَحَبَّ وَصْفٌ، فَهُوَ أَوْلَى بِكَوْنِهِ حُكْمًا، وَأَمَّا تَرْجِيحُهُ بِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِالْبَابِ لِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ لِإِثْبَاتِ أَحْوَالِ اللِّبَاسِ، فَجَعَلَ الْقَمِيصَ مَوْضُوعًا، وَإِثْبَاتُ الْحَالِ لَهُ أَنْسَبُ مِنَ الْعَكْسِ، فَلَيْسَ بِذَاكَ ; لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ لَمْ تَذْكُرِ الْحَدِيثَ فِي الْبَابِ الْمُنْعَقِدِ لِلِّبَاسِ، ثُمَّ الْمَذْكُورُ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّ الثَّوْبَ مَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ مِنَ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْخَزِّ وَالْفِرَاءِ، وَأَمَّا السُّتُورُ فَلَيْسَ مِنَ الثِّيَابِ وَالْقَمِيصِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ وَغَيْرُهُ ثَوْبٌ مَخِيطٌ بِكُمَّيْنِ غَيْرُ مُفَرَّجٍ يُلْبَسُ تَحْتَ الثِّيَابِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْقَمِيصُ مَعْلُومٌ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْقُطْنِ، وَأَمَّا الصُّوفُ فَلَا اهـ. وَلَعَلَّ حَصْرَهُ الْمَذْكُورَ لِلْغَالِبِ فِي الِاسْتِعْمَالِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ كَوْنَهُ مِنَ الْقُطْنِ مُرَادًا هُنَا؛ لِأَنَّ الصُّوفَ يُؤْذِي الْبَدَنَ وَيُدِرُّ الْعَرَقَ، وَرَائِحَتُهُ يُتَأَذَّى بِهَا، وَقَدْ أَخْرَجَ الدِّمْيَاطِيُّ: «كَانَ قَمِيصُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُطْنًا قَصِيرَ الطُّولِ وَالْكُمَّيْنِ» ، ثُمَّ قِيلَ وَجْهُ أَحَبِّيَّةِ الْقَمِيصِ إِلَيْهِ ﷺ أَنَّهُ أَسْتَرُ لِلْأَعْضَاءِ مِنَ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ ; لِأَنَّهُ أَقَلُّ مُؤْنَةً وَأَخَفُّ عَلَى الْبَدَنِ وَلَابِسُهُ أَكْثَرُ تَوَاضُعًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : أَيْ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ (وَأَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ.
стр. 5999
٤٣٢٩ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ كُمُّ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الرُّصْغِ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤٣٢٩ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) : أَيِ ابْنِ السَّكَنِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَسْمَاءِ (قَالَتْ: كَانَ كُمُّ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الرُّصْغِ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى الرُّسْغِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَكَذَا هُوَ بِالصَّادِّ فِي التِّرْمِذِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ وَفِي الْجَامِعِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ. قُلْتُ: أَرَادَ بِالتِّرْمِذِيِّ فِي جَامِعِهِ، وَإِلَّا فَنُسَخُ الشَّمَائِلِ بِالسِّينِ بِلَا خِلَافٍ، وَأَرَادَ بِالْجَامِعِ جَامِعَ الْأُصُولِ، ثُمَّ هُوَ كَذَا بِالسِّينِ فِي الْمَصَابِيحِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالصَّادُ لُغَةٌ فِيهِ، وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ هُوَ بِالسِّينِ وَالصَّادِ لُغَةً فِيهِ، وَهُوَ مِفْصَلُ مَا بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ اهـ، وَيُسَمَّى الْكُوعَ. وَفِي الْقَامُوسِ: الرُّسْغُ بِضَمٍّ وَضَمَّتَيْنِ، وَالرُّصْغُ بِالضَّمِّ الرُّسْغُ. قَالَ الْجَزَرِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ كُمُّ الْقَمِيصِ الرُّسْغَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْقَمِيصِ فَقَالُوا: السُّنَّةُ فِيهِ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ رُءُوسَ الْأَصَابِعِ - جُبَّةٌ وَغَيْرُهَا اهـ وَنُقِلَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَنَّ أَبَا الشَّيْخِ ابْنَ حِبَّانَ أَخْرَجَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ: «كَانَ يَدُ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْفَلَ مِنَ الرُّسْغِ» ، وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ قَمِيصًا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ مُسْتَوِيَ الْكُمَّيْنِ لِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ» ، هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ حِبَّانَ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ قَمِيصًا فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ» . الْحَدِيثَ. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْهُ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: كَانَ قَمِيصُهُ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ، وَكَانَ كُمَّهُ مَعَ الْأَصَابِعِ، فَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُتَجَاوَزَ بِكُمِّ الْقَمِيصِ إِلَى رُوُسِ الْأَصَابِعِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ الْكِتَابِ، إِمَّا بِالْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّدِ الْقَمِيصِ، أَوْ بِحَمْلِ رِوَايَةِ الْكِتَابِ عَلَى رِوَايَةِ التَّخْمِينِ، أَوْ بِحَمْلِ الرُّسْغِ عَلَى بَيَانِ الْأَفْضَلِ، وَحَمْلِ الرُّءُوسِ عَلَى نِهَايَةِ الْجَوَازِ، وَأَغْرَبَ الْعِصَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْكُمِّ، فَعَقِيبَ غَسْلِ الْكُمِّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَثَنٍّ فَيَكُونُ أَطْوَلَ، وَإِذَا بَعُدَ عَنِ الْغَسْلِ وَوَقَعَ فِيهِ الثَّنْيُ كَانَ أَقْصَرَ اهـ، وَلَوْ قَالَ: يَكُونُ الثَّوْبُ قَبْلَ الْغُسْلِ أَطْوَلَ، ثُمَّ بِالْغُسْلِ يَصِيرُ أَقْصَرَ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا هَذَا التَّفَاوُتُ فَتَأَمَّلْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
стр. 6000
٤٣٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَبِسَ قَمِيصًا بَدَأَ بِمَيَامِنِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٣٣٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا لَبِسَ قَمِيصًا) : أَيْ مَثَلًا (بَدَأَ) : بِالْهَمْزِ أَيِ ابْتَدَأَ فِي اللُّبْسِ (بِمَيَامِنِهِ) : أَيْ بِجَانِبِ يَمِينِ الْقَمِيصِ، وَلِذَلِكَ جَمَعَهُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنْ جَانِبِ يَمِينِ الْقَمِيصِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ لِإِرَادَةِ التَّعْظِيمِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ الْيَدَ الْيُمْنَى مِنَ الْكُمِّ قَبْلَ الْيُسْرَى (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 6001
٤٣٣١ - وَفِي أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ " قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " وَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٤٣٣١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ) : الْإِزْرَةُ بِكَسْرِ هَمْزٍ وَسُكُونِ زَايٍ الْحَالَةُ وَهَيْئَةُ الِاتِّزَارِ مِثْلَ الرُّكْبَةِ وَالْجِلْسَةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ (إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ) : أَيْ مُنْتَهِيَةً إِلَيْهَا يَعْنِي الْحُلَّةَ وَالْهَيْئَةَ الَّتِي يَرْتَضِي مِنْهَا الْمُؤْمِنُ فِي الِاتِّزَارِ هِيَ أَنْ يَكُونَ عَلَى هُذِهِ الصِّفَةِ: وَفِي جَمْعِ الْأَنْصَافِ إِشْعَارٌ بِالتَّوْسِعَةِ لَا التَّضْيِيقِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَدِّ: قَطَعْتُ رُءُوسَ الْكَبْشَيْنِ، وَمِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) : أَيْ لَا إِثْمَ أَوْ لَا بَأْسَ عَلَى الْمُؤْمِنَ الْكَامِلِ (فِيمَا بَيْنَهُ) : أَيْ بَيْنَ نِصْفِ السَّاقِ (وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِيمَا بَيْنَهُ رَاجِعٌ إِلَى ذَلِكَ الْحَدِّ الَّذِي تَقَعُ عَلَيْهِ الْإِزْرَةُ (وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ) : سَبَقَ بَيَانُهُ (قَالَ ذَلَكِ) : أَيْ قَوْلَهُ مَا أَسْفَلَ. . إِلَخْ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) : أَيْ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ (وَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا) : أَيْ تَكَبُّرًا، وَقَدْ مَرَّ أَيْضًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنُ عُمَرَ وَالضِّيَاءُ عَنْ أَنَسٍ صَدْرَ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُ: " «إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ» ". وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «الْإِزَارُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، لَا خَيْرَ فِي أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ» "
стр. 6002
٤٣٣٢ - وَعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، مِنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٤٣٣٢ - (وَعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) : أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْإِسْبَالُ) : يُقَالُ: أَسْبَلَ إِزَارَهُ إِذَا رَخَاهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (فِي الْإِزَارِ) : أَيِ الْإِسْبَالُ الَّذِي يُتَكَلَّمُ فِي جَوَازِهِ وَعَدَمِهِ كَائِنٌ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فِي الْإِزَارِ (وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ بِفَتْحِهَا عَلَى وَزْنِ الْغَمَامَةِ فَهُوَ سَهْوُ قَلَمٍ مِنَ الْعَلَّامَةِ، وَالْمُرَادُ عَذَبَتُهَا (مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا) : أَيْ أَرْخَى وَزَادَ عَلَى الْمِقْدَارِ الشَّرْعِيِّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (خُيَلَاءَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: " تَخَيُّلًا ": أَيْ تَبَخْتُرًا وَتَكَبُّرًا عَلَى مَا فِي خَيَالِهِ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ (لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : أَيْ نَظَرَ رَحْمَةٍ أَوْ بِعَيْنِ عِنَايَةٍ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 6003
٤٣٣٣ - «وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ كِمَامُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بُطْحًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرُ.
ــ
٤٣٣٣ - (وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ فَمُعْجَمَةٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، نَزَلَ بِالشَّامِ، رَوَى عَنْهُ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعَدِ، وَنَعِيمُ بْنُ زِيَادٍ (قَالَ: كَانَ كِمَامُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : بِكَسْرِ الْكَافِ جَمْعُ كُمَّةٍ بِالضَّمِّ كَقِبَابٍ وَقُبَّةٍ، وَهِيَ الْقَلَنْسُوَةُ الْمُدَوَّرَةُ سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّهَا
стр. 6004
تُغَطِّي الرَّأْسَ (بُطْحًا) : بِضَمِّ الْوَحْدَةِ فَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ بَطْحَاءَ أَيْ كَانَتْ مَبْسُوطَةً عَلَى رُءُوسِهِمْ لَازِقَةً غَيْرَ مُرْتَفِعَةٍ عَنْهَا قِيلَ: هِيَ جَمْعُ كُمٍّ بِالضَّمِّ كَقِفَافٍ وَقُفَّةٍ ; لِأَنَّهُمْ قَلَّمَا كَانُوا يَلْبَسُونَ الْقَلَنْسُوَةَ وَمَعْنَى بُطْحًا حِينَئِذٍ أَنَّهَا كَانَتْ عَرِيضَةً وَاسِعَةً، فَهُوَ جَمْعُ أَبْطَحَ مِنْ قَوْلِهِمْ لِلْأَرْضِ الْمُتَّسِعَةِ بَطْحَاءُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا مَا كَانَتْ ضَيِّقَةً رُومِيَّةً أَوْ هِنْدِيَّةً، بَلْ كَانَ وُسْعُهَا مِقْدَارَ شِبْرٍ كَمَا سَبَقَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ انْتِصَابَ الْقَلَنْسُوَةِ مِنَ السُّنَّةِ بِمَعْزِلٍ كَمَا يَفْعَلُهُ الْفَسَقَةُ. قُلْتُ: وَالْآنَ صَارَ شِعَارَ الْمَشَايِخِ مِنَ الْيَمَنِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: بُطْحًا بِالنَّصْبِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بُطْحٌ بِالرَّفْعِ، قِيلَ: فِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ بِالرَّفْعِ، لَكِنْ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ بِالنَّصْبِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَصْحَابُ الْحَدِيثِ رَوَوْهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَكَذَا لَفَظُ الْمَصَابِيحُ بِغَيْرِ أَلِفِ التَّنْوِينِ وَهُوَ خَطَأٌ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ فِي كِتَابِهِ كَذَلِكَ، فَاتَّبَعَ الرُّوَاةُ رَسْمَ خَطِّهِ، وَهَذَا دَأْبُهُمْ لَا يَتَخَطَّوْنَ لَفْظَ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ، فَلَا يَكُونُ لِلطَّعْنِ مَجَالٌ، فَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُوَجِّهَ الْكَلَامَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي " كَانَ " ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُهُ مُبَيِّنٌ لِلِاسْمِ، أَوْ يَكُونُ قَوْلُهُ: بُطْحٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَعْنِي هِيَ بُطْحٌ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ: قَالَ: نَعَمِ الرِّوَايَةُ بِالنَّصْبِ أَظْهَرُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرُ) : وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: كَانَ يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً بَيْضَاءَ» . وَرَوَى الرُّويَانِيُّ، وَابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ تَحْتَ الْعَمَائِمِ وَبِغَيْرِ الْعَمَائِمِ، وَيَلْبَسُ الْعَمَائِمَ بِغَيْرِ قَلَانِسَ، وَكَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ الْيَمَانِيَةَ، وَهُنَّ الْبِيضُ الْمُضَرِيَّةُ، وَيَلْبَسُ ذَوَاتَ الْآذَانِ فِي الْحَرْبِ، وَكَانَ رُبَّمَا نَزَعَ قَلَنْسُوَتَهُ فَجَعَلَهَا سُتْرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَكَانَ مِنْ خُلُقِهِ أَنْ يُسَمِّي سِلَاحَهُ وَدَوَابَّهُ وَمَتَاعَهُ» ، كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ.
стр. 6005
٤٣٣٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ «قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ الْإِزَارَ: فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " تُرْخِي شِبْرًا "، فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ عَنْهَا. قَالَ: " فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٤٣٣٤ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ) : أَيْ أُمُّ سَلَمَةَ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ الْإِزَارَ) : أَيْ ذَمَّ إِسْبَالَهُ (فَالْمَرْأَةُ) : عَطْفٌ عَلَى الْكَلَامِ الْمُقَدَّرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَعَلَّ الْمُقَدَّرَ قَوْلُهُ: " إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ ": أَيْ فَمَا تَصْنَعُ الْمَرْأَةُ؟ ، أَوْ فَالْمَرْأَةُ مَا حُكْمُهَا؟ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: تُرْخِي) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ تُرْسِلُ الْمَرْأَةُ مِنْ ثَوْبِهَا (شِبْرًا) : أَيْ مِنْ نِصْفِ السَّاقَيْنِ، وَقِيلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ (فَقَالَتْ: إِذًا) : بِالتَّنْوِينِ (تَنْكَشِفُ) : بِالرَّفْعِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ. وَفِي نَسْخِهِ السَّيِّدِ: بِالنَّصْبِ أَيْ تَظْهَرُ الْقَدَمُ (عَنْهَا) : أَيْ عَنِ الْمَرْأَةِ إِذَا مَشَتْ (قَالَ: فَذِرَاعًا) : أَيْ فَتُرْخِي ذِرَاعًا، وَالْمَعْنَى تُرْخِي قَدْرَ شِبْرٍ أَوْ ذِرَاعٍ بِحَيْثُ يَصِلُ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ إِلَى الْأَرْضِ ; لِتَكُونَ أَقْدَامُهُنَّ مَسْتُورَةً، ثُمَّ بَالَغَ فِي النَّهْيِ عَنِ الزِّيَادَةِ بِقَوْلِهِ: (لَا تَزِيدُ) : أَيِ الْمَرْأَةُ (عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى قَدْرِ الذِّرَاعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ الذِّرَاعُ الشَّرْعِيُّ إِذْ هُوَ أَقْصَرُ مِنَ الْعُرْفِيِّ (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 6006
٤٣٣٥ - وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: " فَيُرْخِينَ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» ".
ــ
٤٣٣٥ - (وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَتْ) : أَيْ أُمُّ سَلَمَةَ (إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: " فَيُرْخِينَ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ) .
стр. 6007
٤٣٣٦ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَبَايَعُوهُ وَإِنَّهُ لَمُطْلَقُ الْأَزْرَارِ، فَأَدْخَلْتُ يَدِي فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ، فَمَسِسْتُ الْخَاتَمَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٣٣٦ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) : بِضَمِّ قَافٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: يُكَنَّى أَبَا إِيَاسٍ الْبَصْرِيِّ، سَمِعَ أَبَاهُ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، وَرَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ وَشُعْبَةُ وَالْأَعْمَشُ (عَنْ أَبِيهِ) : أَيْ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ الْمُزَنِيِّ، سَكَنَ الْبَصْرَةَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ مُعَاوِيَةَ، قَتَلَهُ الْأَزَارِقَةُ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ. (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي رَهْطٍ) : أَيْ مَعَ طَائِفَةٍ (مِنْ مُزَيْنَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ مُضَرَ، وَالْجَارُّ صِفَةٌ لِرَهْطٍ وَهُوَ بِسُكُونِ الْهَاءِ وَيُحَرَّكُ، قَوْمُ الرَّجُلِ وَقَبِيلَتُهُ، أَوْ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَقِيلَ: إِلَى الْأَرْبَعِينَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ جَاءَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، وَهُمْ أَرْبَعُمِائَةِ رَاكِبٍ وَأَسْلَمُوا ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجِيئُهُمْ رَهْطًا رَهْطًا، أَوْ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مُطْلَقِ الْقَوْمِ كَمَا قَدَّمَهُ فِي الْقَامُوسِ، وَ " فِي " تَأْتِي بِمَعْنَى " مَعَ " كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨] ، (فَبَايَعُوهُ) : أَيِ الرَّهْطُ وَهُوَ مَعَهُمْ (وَإِنَّهُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ لِلْحَالِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ ﷺ (لَمُطْلَقُ الْأَزْرَارِ) : أَيْ مَحْلُولُهَا أَوْ مَتْرُوكُهَا مُرَكَّبَةً، وَالْأَزْرَارُ جَمْعُ زِرِّ الْقَمِيصِ. قَالَ مِيرَكُ: أَيْ غَيْرُ مَشْدُودِ الْأَزْرَارِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَيْ غَيْرُ مَزْرُورٍ، وَلَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فِي الشَّمَائِلِ عَنْ قُرَّةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ لِنُبَايِعَهُ، وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ أَوْ غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ بِزِرَارٍ، وَقَالَ: زِرُّ قَمِيصِهِ مُطْلَقٌ أَيْ غَيْرُ مَرْبُوطٍ، وَالشَّكُّ مِنْ شَيْخِ التِّرْمِذِيِّ. زَادَ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ سَعْدٍ قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا رَأَيْتُ مُعَاوِيَةَ وَلَا أَبَاهُ إِلَّا مُطْلَقَ الْأَزْرَارِ فِي شِتَاءٍ وَلَا خَرِيفٍ، وَلَا يَزِرَّانِ أَزْرَارَهُمَا. هَذَا وَفِي نُسَخِ الْمِشْكَاةِ جَمِيعِهَا بِالرَّاءَيْنِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَأَنَّهُ لَمُطْلَقُ الْأَزْرَارِ، قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: كَذَا وَقَعَ فِي أُصُولِنَا وَرِوَايَتِنَا الْأُزُرُ بِغَيْرِ رَاءٍ بَعْدَ الزَّايِ، وَهُوَ جَمْعُ الْإِزَارِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الثَّوْبُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ أَوْ أَكْثَرِهَا الْأَزْرَارُ جَمْعُ زِرٍّ بِكَسْرِ الزَّايِ وَشَدِّ الرَّاءِ، وَهُوَ خَرِيزَةُ الْجَيْبِ، وَبِهِ شَرَحَ شُرَّاحُهُ، وَجَيْبُ الْقَمِيصِ طَوْقُهُ الَّذِي يُخْرِجُ مِنْهُ الرَّأْسَ، وَعَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ يَجْعَلُوهُ وَاسِعًا وَلَا يَزِرُّونَهُ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْأَزْرَارَ لَا غَيْرُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ اهـ.
قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: " وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ "، وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى: " فَرَأَيْتُهُ مُطْلَقَ الْقَمِيصِ "، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ الْأَزْرَارِ بِرَائِينِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ زِرٌّ وَعُرْوَةٌ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ جَيْبَ قَمِيصِهِ ﷺ كَانَ مَفْتُوحًا بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ الْيَدَ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَا اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَمِيصًا لَهُ زِرٌّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْعِصَامِ: فِيهِ حِلُّ لُبْسِ الْقَمِيصِ وَحِلُّ الزِّرِّ فِيهِ وَحِلُّ إِطْلَاقِهِ، وَأَنَّ طَوْقَهُ كَانَ مَفْتُوحًا بِالطُّولِ ; لِأَنَّهُ الَّذِي يُتَّخَذُ لَهُ الْأَزْرَارُ عَادَةً اهـ. وَفِي الْأَخِيرِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْعَادَاتِ مُخْتَلِفَةٌ زَمَانًا وَمَكَانًا، وَفِي الْأَوَّلِ أَيْضًا بَحْثٌ لِأَنَّ مُقْتَضَى كَوْنِهِ أَحَبَّ أَنْ يُسْتَحَبَّ وَحُكْمُ مَا بَيْنَهُمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَأَدْخَلْتُ يَدِي) : بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ (فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ: فِيهِ أَنَّ جَيْبَهُ كَانَ عَلَى الصَّدْرِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ الْآنَ، فَظَنَّ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَيْبَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَا يُقْطَعُ مِنَ الثَّوْبِ لِيُخْرِجَ الرَّأْسَ أَوِ الْيَدَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، يُقَالُ: جَابَ الْقَمِيصَ يَجُوبُهُ وَيَجِيبُهُ أَيْ قَدَّرَ جَيْبَهُ، وَجَيَّبَهُ أَيْ جَعَلَ لَهُ جَيْبًا، وَأَصْلُ الْجَيْبِ الْقَطْعُ وَالْخَرْقُ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُجْعَلُ فِي صَدْرِ الثَّوْبِ لِيُوضَعَ فِيهِ الشَّيْءُ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجَيْبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ طَرَفُهُ الَّذِي يُحِيطُ بِالْعُنُقِ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: جَيْبُ الثَّوْبِ أَيْ جَعَلَهُ فِيهِ ثُقْبًا يُخْرِجُ مِنْهُ الرَّأْسَ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَوْلُهُ: فَأَدْخَلْتُ يَدِي. . إِلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ جَيْبَ قَمِيصِهِ كَانَ فِي صَدْرِهِ لِمَا فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ رُؤِيَ مُطْلَقَ الْقَمِيصِ أَيْ غَيْرَ مَزْرُورٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَمَسِسْتُ) : بِكَسْرِ السِّينِ الْأُولَى وَيُفْتَحُ، وَالْأُولَى هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أَيْ لَمَسْتُ (الْخَاتَمَ) : بِفَتْحِ التَّاءِ، وَيُكْسَرُ أَيْ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ سَعْدٍ.
стр. 6008
٤٣٣٧ - وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الْبَسُوا الثِّيَابَ الْبِيضَ ; فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٤٣٣٧ - (وَعَنْ سَمُرَةَ) : أَيِ ابْنُ جُنْدَبٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " الْبَسُوا الثِّيَابَ الْبِيضَ) : جَمْعُ الْأَبْيَضِ وَأَصْلُهُ فُعْلٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ كَحُمْرٍ وَصُفْرٍ وَسُودٍ، فَكَانَ الْقِيَاسُ بَوْضٍ لَكِنْ كُسِرَ أَوَّلُهُ إِبْقَاءً عَلَى أَصْلِ الْيَاءِ فِيهِ، (فَإِنَّهَا أَطْهَرُ) : أَيْ لَا دَنَسَ وَلَا وَسَخَ فِيهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ الْبِيضَ أَكْثَرُ تَأَثُّرًا مِنَ الثِّيَابِ الْمُلَوَّنَةِ، فَتَكُونُ أَكْثَرَ غَسْلًا مِنْهَا فَتَكُونُ أَطْهَرَ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا أَطْهَرُ لِكَوْنِهَا حَاكِيَةً عَنْ ظُهُورِ النَّجَاسَةِ فِيهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّبْغِ نَجَاسَةٌ، وَالْأَبْيَضُ بَرِيءٌ مِنْهَا (وَأَطْيَبُ) : أَيْ أَحْسَنُ طَبْعًا أَوْ شَرْعًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَا قَبْلَهُ، لَكِنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ فِي الْقَوْلِ السَّدِيدِ، وَقِيلَ: أَطْيَبُ لِدَلَالَتِهِ غَالِبًا عَلَى التَّوَاضُعِ، وَعَدَمِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالْعُجْبِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الطَّيِّبَةِ، (وَكَفِّنُوا) : عَطْفٌ عَلَى الْبَسُوا أَيِ الْبَسُوهَا فِي حَيَاتِكُمْ وَكَفِّنُوا (فِيهَا مَوْتَاكُمْ) : وَأَمَّا مَا جَاءَ نَصٌّ فِي اسْتِحْبَابِ تَغْيِيرِهِ كَخِضَابِ الْمَرْأَةِ يَدَهَا بِالْحِنَّاءِ، وَمَا كَانَ هُنَاكَ غَرَضٌ مُبَاحٌ أَوْ ضَرُورَةٌ، كَمَا اخْتَارَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ الثَّوْبَ الْأَزْرَقَ لِقِلَّةِ مُؤْنَةِ غَسْلِهِ وَرِعَايَةِ حَالِهِ، فَخَارِجٌ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ وَقِيلَ: إِنَّهَا أَطْهَرُ لِأَنَّهَا تُغْسَلُ مِنْ غَيْرِ مَخَافَةٍ عَلَى ذَهَابِ لَوْنِهَا، وَأَطْيَبُ أَيْ أَلَذُّ ; لِأَنَّ لَذَّةَ الْمُؤْمِنِ فِي طَهَارَةِ ثَوْبِهِ، وَأَمَّا مَا تَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: وَفِيهِ مِنَ الرَّكَاكَةِ مَا لَا يَخْفَى، فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْخَفَاءِ مَعَ ظُهُورِ الْخَفَاءِ، إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى أَطْيَبُ بِمَعْنَى أَحَلُّ، فَفِي النِّهَايَةِ: أَكْثَرُ مَا يَرِدُ الطَّيِّبُ بِمَعْنَى الْحَلَالِ، كَمَا أَنَّ الْخَبِيثَ بِمَعْنَى الْحَرَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا " «إِنَّ أَحْسَنَ مَا زُرْتُمُ اللَّهَ فِي قُبُورِكُمْ وَمَسَاجِدِكُمُ الْبَيَاضُ» " قَالَ مِيرَكُ: وَفِي إِسْنَادِهِ مَرْوَانُ بْنُ سَالِمٍ الْغِفَارِيُّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَبَاقِي رِجَالِهِ ثِقَاتٌ اهـ. قِيلَ: مَعْنَى أَطْيَبُ أَحْسَنُ لِبَقَائِهِ عَلَى اللَّوْنِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، كَمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ، وَهَذَا الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ جِدًّا لِاقْتِرَانِهِ بِقَوْلِهِ: " وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ " فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا - حَيًّا وَمَيِّتًا - بِالْفِطْرَةِ الْأَصْلِيَّةِ الْمُشَبَّهَةِ بِالْبَيَاضِ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ الْجِبِلِّيُّ بِحَيْثُ لَوْ خَلَى وَطَبْعُهُ لَاخْتَارَهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أَوْ نَقْلِيٍّ، وَإِنَّمَا يُغَيِّرُهُ الْعَوَارِضُ الْمَصْنُوعَةُ الْمُشَبَّهَةُ بِالْمَصْبُوغَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: " «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» " بِالتَّقْلِيدِ الْمَحْضِ الْغَالِبِ عَلَى عَامَّةِ الْأُمَّةِ حَيْثُ قَالُوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨] ، وَفِي الْبَيَاضِ إِشْعَارٌ إِلَى طَهَارَةِ الْبَاطِنِ أَيْضًا مِنَ الْغِلِّ وَالْغِشِّ وَالْعَدَاوَةِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ الدَّنِيَّةِ الْمُشَبَّهَةِ بِالنَّجَاسَاتِ الْحُكْمِيَّةِ، بَلِ الْحَقِيقِيَّةِ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] وَالْحَاصِلُ أَنَّ الظَّاهِرَ عِنْوَانُ الْبَاطِنِ، وَأَنَّ نَظَافَةَ الظَّاهِرِ مِنَ الْبَدَنِ وَمَا يُلَاقِيهِ مِنَ الثِّيَابِ، لِطَهَارَتِهِ وَتَزْيِينِهِ لَهُ تَأْثِيرٌ بَلِيغٌ فِي أَمْرِ الْبَاطِنِ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٣] فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى أَنَّ أَطْيَبِيَّةَ لُبْسِ الْبَيَاضِ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا تَكُونُ لِتَذْكِيرِ لُبْسِ أَهْلِ الْعُقْبَى، إِيمَاءً إِلَى أَنَّ مَآلَهُ إِلَى الْبِلَى، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَحَمَّلَ فِي تَحْصِيلِهِ الْبَلَاءَ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْبَيَاضَ فِي الْكَفَنِ أَفْضَلُ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ بِصَدَدِ مُوَاجَهَةِ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا أَنَّ لُبْسَهُ أَفْضَلُ لِمَنْ يَحْضُرُ الْمَحَافِلَ، كَدُخُولِ الْمَسْجِدِ لِلْجَمَاعَةِ وَمُلَاقَاةِ الْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءِ، وَأَمَّا فِي الْعِيدِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَفْضَلُ فِيهِ مَا يَكُونُ أَرْفَعَ قِيمَةً نَظَرًا إِلَى إِظْهَارِ مَزِيدِ النِّعْمَةِ وَآثَارِ الزِّينَةِ وَمَزِيَّةِ الْمِنَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ، عَنْ جَابِرٍ: «إِنَّهُ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ» ، وَالْمُرَادُ بِالْأَحْمَرِ كَوْنُ خُطُوطِهِ حُمْرًا، فَإِنَّ الْبُرْدَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِخُطُوطٍ حُمْرٍ وَصُفْرٍ أَوْ نَحْوِهَا، عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومُ لُغَةً وَعُرْفًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَفِي الشَّمَائِلِ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا " «عَلَيْكُمْ بِالْبَيَاضِ مِنَ الثِّيَابِ لِيَلْبَسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ ; فَإِنَّهَا مِنْ خِيَارِ ثِيَابِكُمْ» ". وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَسْنَدَ هَذَا اللَّفْظَ إِلَى سَمُرَةَ أَيْضًا وَقَالَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ.
стр. 6009
٤٣٣٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤٣٣٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اعْتَمَّ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ لَفَّ الْعِمَامَةَ عَلَى رَأْسِهِ (سَدَلَ) : أَيْ أَرْسَلَ وَأَرْخَى (عِمَامَتَهُ) : أَيْ طَرَفَهَا الَّذِي يُسَمَّى الْعَلَامَةَ وَالْعَذَبَةَ (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) : بِالتَّثْنِيَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: " أَرْسَلَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ "، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ: «قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَمُّ؟ ، قَالَ: يُدِيرُ كَوْرَ الْعِمَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَفْرِشُهَا مِنْ وَرَائِهِ، وَيُرْخِي لَهَا ذُؤَابَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ» . وَفِي التِّرْمِذِيِّ قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ قَالَ عُبَيْدِ اللَّهِ: وَرَأَيْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَالِمًا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ. أَيْ مَا ذُكِرَ مِنَ إِسْدَالِ طَرَفِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
стр. 6010
٤٣٣٩ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: «عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٣٣٩ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: عَمَّمَنِي) . بِيَمِينٍ أَيْ لَفَّ عِمَامَتِي عَلَى رَأْسِي (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدِي وَمِنْ خَلْفِي) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ أَرْسَلَ لِعِمَامَتِي طَرَفَيْنِ أَحَدُهَا عَلَى صَدْرِي وَالْآخَرُ مِنْ خَلْفِي. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْجَامِعِ بِسَنَدِهِمَا عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ: «سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَقُولُ: عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدِي وَمِنْ خَلْفِي» . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، «عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: أَنَّهُ ﷺ عَمَّمَهُ بِعِمَامَةٍ وَأَسْدَلَ طَرَفَيْهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ» ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ مُعْتَمًّا قَدْ أَرْسَلَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي السِّيَرِ بِرِوَايَاتٍ صَحِيحَةٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرْخِي عَلَامَتَهُ أَحْيَانًا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَحْيَانًا يَلْبَسُ الْعِمَامَةَ مِنْ غَيْرِ عَلَامَةٍ» ، فَعَلِمَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ سُنَّةٌ.
стр. 6011
٤٣٤٠ - وَعَنْ رُكَانَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ.
ــ
٤٣٤٠ - (وَعَنْ رُكَانَةَ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَبِالنُّونِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ ابْنُ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْقُرَشِيُّ، كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ حَدِيثًا فِي الْحِجَازِيِّينَ، بَقِيَ إِلَى زَمَنِ عُثْمَانَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " فَرْقُ مَا بَيْنَنَا) : أَيِ الْفَارِقُ فِيمَا بَيْنَنَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ (وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ قَلَنْسُوَةٍ، وَهِيَ الطَّاقِيَّةُ وَغَيْرُهَا مِمَّا يُلَفُّ الْعِمَامَةُ عَلَيْهَا أَيْ نَحْنُ نَتَعَمَّمُ عَلَى الْقَلَانِسِ، وَهُمْ يَكْتَفُونَ بِالْعَمَائِمِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّرَّاحِ، وَتَبِعَهُمَا ابْنُ الْمَلَكِ وَسَيَأْتِي مَا يُنَافِيهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ) . قُلْتُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ، وَلَعَلَّ إِسْنَادَهُ قَائِمًا وَيَحْصُلُ الْقِيَامُ بِهِ. وَعَنِ الْجَزَرِيِّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ السُّنَّةُ: أَنْ يَلْبَسَ الْقَلَنْسُوَةَ وَالْعِمَامَةَ، فَأَمَّا لُبْسُ الْقَلَنْسُوَةِ فَهُوَ زِيُّ الْمُشْرِكِينَ لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيَّ عَنْ رُكَانَةَ. الْحَدِيثَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ يُنَافِيهِ مَا سَبَقَ مِنَ الشُّرَّاحِ، لَكِنْ قَالَ مِيرَكُ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ الْقَلَانِسَ تَحْتَ الْعَمَائِمِ وَيَلْبَسُ بِغَيْرِ الْقَلَانِسِ اهـ.
وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ الْقَلَنْسُوَةَ بِغَيْرِ الْعِمَامَةِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا زِيُّ الْمُشْرِكِينَ، وَرَوَى الْقُضَاعِيُّ وَالدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - مَرْفُوعًا " «الْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ وَالِاحْتِبَاءُ حِيطَانُهُا وَجُلُوسُ الْمُؤْمِنِ فِي الْمَسْجِدِ رِبَاطٌ» ".
стр. 6012
وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: الْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ، فَإِذَا وَضَعُوا الْعَمَائِمَ وَضَعُوا عِزَّهُمْ» . وَرَوَى الْبَارُودِيُّ عَنْ رُكَانَةَ بِلَفْظِ: " «الْعِمَامَةُ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ فَصْلُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، يُعْطَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِكُلِّ كَوْرَةٍ يُدَوِّرُهَا عَلَى رَأْسِهِ نُورًا» ، وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «صَلَاةُ تَطَوُّعٍ أَوْ فَرِيضَةٍ بِعِمَامَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً بِلَا عِمَامَةٍ، وَجُمُعَةٌ بِعِمَامَةٍ تَعْدِلُ سَبْعِينَ جُمُعَةً بِلَا عِمَامَةٍ» ". فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعِمَامَةِ مُطْلَقًا، نَعَمِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا مَعَ الْقَلَنْسُوَةِ أَفْضَلُ إِمَّا لِيَحْصُلَ بِهَا الْبَهَاءُ الزَّائِدُ، أَوْ لِأَنَّ الْقَلَنْسُوَةَ تَقِيهَا مِنَ الْعَرَقِ، وَلِهَذَا تُسَمَّى عَرَقِيَّةً، فَلُبْسُهَا وَحْدَهَا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، كَيْفَ وَهِيَ زِيُّ الْكَفَرَةِ، وَكَذَا الْمُبْتَدَعِةُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ، لَكِنْ صَارَ شِعَارًا لِبَعْضِ مَشَايِخِ الْيَمَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَقَاصِدِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ، هَذَا وَقَدْ قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ قَدْ تَتَبَّعْتُ الْكُتُبَ وَتَطَلَّبْتُ مِنَ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ لِأَقِفَ عَلَى قَدْرِ عِمَامَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ، حَتَّى أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ، ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ «كَانَ لَهُ ﷺ عِمَامَةٌ قَصِيرَةٌ، وَعِمَامَةٌ طَوِيلَةٌ، وَأَنَّ الْقَصِيرَةَ كَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، وَالطَّوِيلَةَ اثْنَى عَشَرَ ذِرَاعًا» اهـ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدْخِلِ أَنَّ عِمَامَتَهُ كَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ، وَقَدْ كَانَتْ سِيرَتُهُ فِي مَلْبَسِهِ كَسَائِرِ سِيَرِهِ عَلَى وَجْهٍ أَتَمَّ، وَنَفْعُهُ لِلنَّاسِ أَعَمُّ، إِذْ كِبَرُ الْعِمَامَةِ يُعَرِّضُ الرَّأْسَ لِلْآفَاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي الْفُقَهَاءِ الْمَكِّيَّةِ وَالْقُضَاةِ الرُّومِيَّةِ، وَصِغَرُهَا لَا يَقِي مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، فَكَانَ يَجْعَلُهَا وَسَطًا بَيْنَ ذَلِكَ ; تَنْبِيهًا عَلَى أَنْ تَعْتَدِلَ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِكَ.
قَالَ صَاحِبُ الْمُدْخِلِ: وَعَلَيْكَ أَنْ تَتَسَرْوَلَ قَاعِدًا وَتَتَعَمَّمَ قَائِمًا، وَفِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ لِابْنِ حَجَرٍ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ، عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ تَيْمِيَةَ: أَنَّهُ ذَكَرَ شَيْئًا بَدِيعًا، وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا رَأَى رَبَّهُ وَاضِعًا يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ أَكْرَمَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِالْعَذَبَةِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ نَجِدْ لِذَلِكَ أَصْلًا يَعْنِي مِنَ السُّنَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ:، بَلْ هَذَا مِنْ قَبِيلِ رَأْيِهِمَا وَضَلَالِهِمَا، إِذْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَهَبَا إِلَيْهِ وَأَطَالَا فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ، وَالْحَطِّ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فِي نَفْيِهِمْ لَهُ، وَهُوَ إِثْبَاتُ الْجِهَةِ وَالْجِسْمِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَهُمَا فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنَ الْقَبَائِحِ وَسُوءِ الِاعْتِقَادِ مَا تُصَمُّ عَنْهُ الْآذَانُ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ، قَبَّحَهُمَا اللَّهُ وَقَبَّحَ مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَجِلَّاءُ مَذْهَبِهِ مُبَرَّءُونَ عَنْ هَذِهِ الْوَصْمَةِ الْقَبِيحَةِ، كَيْفَ وَهِيَ كُفْرٌ عِنْدَ كَثِيرِينَ.
أَقُولُ: صَانَهُمَا اللَّهُ عَنْ هَذِهِ السِّمَةِ الشَّنِيعَةِ وَالنِّسْبَةِ الْفَظِيعَةِ، وَمَنْ طَالَعَ شَرْحَ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ لِنَدِيمٍ الْبَارِيِّ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ الْحَنْبَلِيُّ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعَالَى سِرَّهُ الْجَلِيَّ - وَهُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ حَالَ الْإِطْلَاقِ بِالِاتِّفَاقِ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بَلْ وَمِنْ أَوْلِيَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمِمَّا ذُكِرَ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ مَا نَصُّهُ عَلَى وَفْقِ الْمَسْطُورِ هُوَ قَوْلُهُ عَلَى بَعْضِ صُبَاةِ الْمَنَازِلِ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ يُبَيِّنُ مَرْتَبَتَهُ مِنَ السُّنَّةِ، وَمِقْدَارَهُ فِي الْعِلْمِ، وَأَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا رَمَاهُ أَعْدَاؤُهُ الْجَهْمِيَّةُ مِنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ عَلَى عَادَاتِهِمْ فِي رَمْيِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ بِذَلِكَ، كَرَمْيِ الرَّافِضَةِ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ نَوَاصِبُ، وَالنَّوَاصِبِ بِأَنَّهُمْ رَوَافِضُ، وَالْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّهُمْ نَوَائِبُ حَشْوِيَّةٌ، وَذَلِكَ مِيرَاثٌ مِنْ أَعْدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمْيِهِ وَرَمْيِ أَصْحَابِهِ، بِأَنَّهُمْ صُرَاةٌ قَدِ ابْتَدَعُوا دِينًا مُحْدَثًا، وَهَذَا مِيرَاثٌ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمَيْمَنَةِ مِنْ نَبِيِّهِمْ بِتَلْقِيبِ أَهْلِ الْبَاطِلِ لَهُمْ بِالْأَلْقَابِ الْمَذْمُومَةِ، وَقَدَّسَ اللَّهُ رُوحَ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ يَقُولُ، وَقَدْ نُسِبَ إِلَيْهِ الرَّفْضُ:
إِنْ كَانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ... فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلَانِ أَنِّي رَافِضِيٌّ
وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تَيْمِيَةَ حَيْثُ يَقُولُ:
إِنْ كَانَ نَصْبًا حُبُّ صَحْبِ مُحَمَّدٍ ... فَلْيَشْهَدِ الثِّقْلَانِ أَنِّي نَاصِبِيُّ
وَعَفَا اللَّهُ عَنِ الثَّالِثِ حَيْثُ يَقُولُ:
فَإِنْ كَانَ تَجْسِيمًا ثُبُوتُ صِفَاتِهِ ... وَتَنْزِيهُهَا عَنْ كُلِّ تَأْوِيلٍ مُفْتَرٍ
فَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ رَبِّي مُجَسِّمٌ ... هَلُمُّوا شُهُودًا وَامْلَئُوا كُلَّ مَحْضَرِ
стр. 6013
ثُمَّ بُيِّنَ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ مَا يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنَ التَّشْنِيعِ الْمَسْطُورِ، وَالتَّقْبِيحِ الْمَزْبُورِ، وَهُوَ مَا نَصُّهُ: إِنَّ حِفْظَهُ حُرْمَةُ نُصُوصِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ بِإِجْرَاءِ أَخْبَارِهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَهُوَ اعْتَقِادُ مَفْهُومِهَا الْمُتَبَادِرِ إِلَى أَفْهَامِ الْعَامَّةِ، وَلَا نَعْنِي بِالْعَامَّةِ الْجُهَّالَ، بَلْ عَامَّةَ الْأُمَّةِ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوَى؟ ، فَأَطْرَقَ مَالِكٌ رَأْسَهُ حَتَّى عَلَاهُ الرَّحَضَاءُ، ثُمَّ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.
فَرْقٌ بَيْنَ الْمَعْنَى الْمَعْلُومِ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَبَيْنَ الْكَيْفِ الَّذِي لَا يَعْقِلُهُ الْبَشَرُ، وَهَذَا الْجَوَابُ مِنْ مَالِكٍ ﵀ شَافٍ عَامٍّ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالنُّزُولِ وَالْغَضَبِ وَالرَّحْمَةِ وَالضَّحِكِ، فَمَعَانِيهَا كُلُّهَا مَعْلُومَةٌ، وَأَمَّا كَيْفِيَّتُهَا فَغَيْرُ مَعْقُولَةٍ، إِذْ تَعَقُّلُ الْكَيْفِ فَرْعُ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ الذَّاتِ وَكُنْهِهَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَعْلُومٍ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ لَهُمْ كَيْفِيَّةُ الصِّفَاتِ؟ وَالْعِصْمَةُ النَّافِعَةُ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَنْ يَصِفَ اللَّهَ - بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ: وَوَصَفَ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيرٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، بَلْ يُثْبِتُ لَهُ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ، وَيَنْفِي عَنْهُ مُشَابَهَةَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَيَكُونُ إِثْبَاتُكُ مُنَزَّهًا عَنِ التَّشْبِيهِ، وَنَفْيُكَ مُنَزَّهًا عَنِ التَّعْطِيلِ، فَمَنْ نَفَى حَقِيقَةَ الِاسْتِوَاءِ فَهُوَ مُعَطِّلٌ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِاسْتِوَاءِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى الْمَخْلُوقِ فَهُوَ مُشَبِّهٌ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ اسْتِوَاءٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَهُوَ الْمُوَحِّدُ الْمُنَزِّهُ اهـ كَلَامَهُ. وَتَبَيَّنَ مَرَامُهُ، وَظَهَرَ أَنَّ مُعْتَقَدَهُ مُوَافِقٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ مِنَ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْخَلَفِ، فَالطَّعْنُ الشَّنِيعُ وَالتَّقْبِيحُ الْفَظِيعُ غَيْرُ مُوَجَّهٍ عَلَيْهِ وَلَا مُتَوَجِّهٍ إِلَيْهِ، فَإِنَّ كَلَامَهُ بِعَيْنِهِ مُطَابِقٌ لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَالْمُجْتَهِدُ الْأَقْدَمُ فِي فِقْهِهِ الْأَكْبَرِ مَا نَصُّهُ: " وَلَهُ تَعَالَى يَدٌ وَوَجْهٌ وَنَفْسٌ، فَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالنَّفْسِ فَهُوَ لَهُ صِفَاتٌ بِلَا كَيْفٍ، وَلَا يُقَالُ إِنَّ يَدَهُ قُدْرَتُهُ أَوْ نِعْمَتُهُ ; لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالَ الصِّفَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْقَدَرِ وَالِاعْتِزَالِ، وَلَكِنَّ يَدَهُ صِفَتُهُ بِلَا كَيْفٍ، وَغَضَبُهُ وَرِضَاهُ صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِهِ بِلَا كَيْفٍ اهـ.
وَحَيْثُ انْتَفَى عَنْهُ اعْتِقَادُ التَّجْسِيمِ، بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ الْكَرِيمِ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ ظَاهِرٌ، وَتَوْجِيهٌ لِأَهْلِ - التَّنْبِيهِ بَاهِرٌ، سَوَاءٌ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ فِي الْمَنَامِ، أَوْ تَجَلَّى اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - عَلَيْهِ بِالتَّجَلِّي الصُّورِيِّ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَالِ وَالْمَقَامِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُذَكِّرًا بِهَيْئَتِهِ، وَمُفَكِّرًا بِرُؤْيَتِهِ الْحَاصِلَةِ مِنْ كَمَالِ تَجْلِيَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ أَنْبِيَائِهِ أَوْ أَصْفِيَائِهِ الَّذِينَ رَبَّاهُمْ بِحُسْنِ تَرْبِيَتِهِ، وَجَلَّى مَرَائِيَ قُلُوبِهُمْ بِحُسْنِ تَجْلِيَتِهِ، حَتَّى شَهِدُوا مَقَامَ الْحُضُورِ وَالْبَقَاءِ، وَتَخَلَّصُوا عَنْ صِدَاءِ الْحُظُورِ وَالْفَنَاءِ، رَزَقَنَا اللَّهُ أَشْوَاقَهُمْ، وَأَذَاقَنَا أَحْوَالَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ، وَأَحْيَانًا عَلَى طَرِيقَتِهِمْ، وَأَمَاتَنَا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ.
стр. 6014
٤٣٤١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ــ
٤٣٤١ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " أُحِلَّ) : بِصِيغَةِ الْمَاضِي أَيْ أُبِيحَ (الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ) : بِكَسْرِ الْهَمْزِ (مِنْ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ) : أَيْ مَا ذُكِرَ أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا (عَلَى ذُكُورِهَا) : أَيْ ذُكُورِ أُمَّتِي وَالذُّكُورُ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ الصِّبْيَانَ أَيْضًا، لَكِنَّهُمْ حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ حَرُمَ عَلَى مَنْ أَلْبَسَهُمْ، وَالْمُرَادُ مِنَ الذَّهَبِ حُلِيَّهُ،: وَإِلَّا فَالْأَوَانِي مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَكَذَا حُلِيُّ الْفِضَّةِ مُخْتَصٌّ بِالنِّسَاءِ، إِلَّا مَا اسْتُثْنَى لِلرِّجَالِ مِنَ الْخَاتَمِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا سَبَقَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) : وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ.
стр. 6015
٤٣٤٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ، عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً، ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، كَمَا كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَمَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٣٤٢ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا) : أَيْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا، وَأَصْلُهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ: صَيَّرَ ثَوْبَهُ جَدِيدًا، وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ: طَلَبَ ثَوْبًا جَدِيدًا، وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا لَبِسَ يَوْمَ الْجُمُعَةَ» ، وَكَذَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، فَالْمَعْنَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا جَدِيدًا أَلْبَسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ: (سَمَّاهُ) : أَيِ الثَّوْبَ الْمُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ (بِاسْمِهِ) : أَيِ الْمُتَعَارَفُ الْمُتَعَيَّنُ الْمُشَخَّصُ الْمَوْضُوعُ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ (عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا، أَوْ رِدَاءً) : أَيْ أَوْ غَيْرَهَا، كَالْإِزَارِ وَالسِّرْوَالِ وَالْخُفِّ وَنَحْوِهَا، وَالْمَقْصُودُ التَّعْمِيمُ، فَالتَّخْصِيصُ لِلتَّمْثِيلِ بِأَنْ يَقُولَ: رَزَقَنِي اللَّهُ أَوْ أَعْطَانِي أَوْ كَسَانِي هَذِهِ الْعِمَامَةَ أَوِ الْقَمِيصَ أَوِ الرِّدَاءَ، وَ " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ. أَوْ يَقُولُ: هَذَا قَمِيصٌ أَوْ رِدَاءٌ أَوْ عِمَامَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَالْفَائِدَةُ لَهُ أَتَمُّ وَأَكْثَرُ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُظْهِرِ، وَالثَّانِي مُخْتَارُ الطِّيبِيِّ فَتَدَبَّرْ.
(ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، كَمَا كَسَوْتَنِيهِ) : الْكَافُ تَعْلِيلِيَّةٌ، أَوْ بِمَعْنَى " عَلَى " وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُسَمَّى، قَالَ الْمُظْهِرُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ تَسْمِيَتَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا كَسَوْتَنِي هَذَا الْقَمِيصَ أَوِ الْعِمَامَةَ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِدَلَالَةِ الْعَطْفِ بِثُمَّ اهـ.
وَتَوْضِيحُهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّسْمِيَةِ أَنْ يَقُولَ فِي ضِمْنِ كَلَامِهِ بَدَلٌ عَنْ ضَمِيرِ كَسَوْتَنِيهِ، وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ لَا يُلَائِمُ، ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ لَفْظِ الدُّعَاءِ، قَالَ: وَقَوْلُهُ: " كَمَا كَسَوْتَنِيهِ " مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ بِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ (أَسْأَلُكَ) :. . إِلَخْ. وَهُوَ الْمُشَبَّهُ أَيْ مِثْلَ مَا كَسَوْتَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ أَسْأَلُكَ (خَيْرَهُ) : أَيْ أَنْ تُوصِلَ. . إِلَخْ. (وَخَيْرَ مَا صُنِعَ) : أَيْ خُلِقَ (لَهُ) : مِنَ الشُّكْرِ بِالْجَوَارِحِ وَالْقَلْبِ وَالْحَمْدُ لِمُوَلِّيهِ بِاللِّسَانِ اهـ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوْلَى فَقَوْلُهُ: أَسْأَلُكَ اسْتِئْنَافٌ بَعْدَ تَقَدُّمِ ثَنَاءٍ، (وَأَعُوذُ بِكَ) : عَطْفٌ عَلَى أَسْأَلُكَ، أَيْ أَسْتَعِيذُ بِكَ (مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ) : أَيْ مِنَ الْكُفْرَانِ، هَذَا وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُ قَوْلِهِ: " كَمَا " بِقَوْلِهِ: " أَسْأَلُكَ "، وَالْمَعْنَى أَسْأَلُكَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى خُلُقِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَهُوَ الْعِبَادَةُ بِهِ، وَصَرْفُهُ فِيمَا فِيهِ رِضَاكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمَّا لَا تَرْضَى بِهِ مِنَ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَكَوْنِي أُعَاقَبُ بِهِ لِحُرْمَتِهِ، وَقَالَ مِيرَكُ: خَيْرُ الثَّوَابِ بَقَاؤُهُ وَنَقَاؤُهُ وَكَوْنُهُ مَلْبُوسًا لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ، وَخَيْرُ مَا صُنِعَ لَهُ هُوَ الضَّرُورَاتُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا يُصْنَعُ اللِّبَاسُ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالْمُرَادُ سُؤَالُ الْخَيْرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ، وَأَنْ يَكُونَ مُبَلِّغًا إِلَى الْمَطْلُوبِ الَّذِي صُنِعَ لِأَجْلِهِ الثَّوْبُ مِنَ الْعَوْنِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ لِمُوَلِّيهِ، وَفِي الشَّرِّ عَكْسُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، وَهُوَ كَوْنُهُ حَرَامًا وَنَجِسًا وَلَا يَبْقَى زَمَانًا طَوِيلًا، أَوْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْمَعَاصِي وَالشُّرُورِ وَالِافْتِخَارِ وَالْعُجْبِ وَالْغُرُورِ، وَعَدَمِ الْقَنَاعَةِ بِثَوْبِ الدُّونِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْهُ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عُمَرَ قَمِيصًا أَبْيَضَ فَقَالَ: " أَجَدِيدٌ قَمِيصُكَ هَذَا أَمْ غَسِيلٌ؟ " قَالَ: بَلْ غَسِيلٌ، فَقَالَ ﷺ : (الْبَسْ جَدِيدًا وَعِشْ حَمِيدًا وَمُتْ شَهِيدًا» ) .
стр. 6016
٤٣٤٣ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ لِي وَلَا قُوَّةٍ، غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: ( «وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» .
ــ
٤٣٤٣ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ) : أَيِ الْجُهَنِيِّ مَعْدُودٌ فِي أَهْلِ مِصْرَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ سَهْلٌ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ هُنَا لَفْظٌ وَمَا
стр. 6017
تَأَخَّرَ فِي التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ، وَقَدْ أُلْحِقَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ تَوَهُّمًا مِنَ الْقَرِينَةِ الْأَخِيرَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: (وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: " مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا) : أَيْ هَذَا الثَّوْبَ (وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ) : قَالَ مِيرَكُ: أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْمُؤَلِّفُ فِي جَامِعِهِ، وَحَسَّنَهُ وَأَبُو دَاوُدَ، الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ: " وَمَا تَأَخَّرَ " اهـ.
وَذُكِرَ فِي الْقَرِينَةِ الْأُولَى أَنَّهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ اهـ، وَكَذَلِكَ فِي الْحِصْنِ، فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ: وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ مُوهِمٌ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى لَمْ يَرْوِهَا التِّرْمِذِيُّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. هَذَا وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ثَوْبًا بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ إِلَّا لَمْ يَبْلُغْ رُكْبَتَيْهِ حَتَّى يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ» .
قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا أَعْلَمُ فِي إِسْنَادِهِ أَحَدًا ذُكِرَ بِجَرْحٍ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي السُّوقَ فَيَبْتَاعُ الْقَمِيصَ بِنِصْفِ أَوْ ثُلُثِ دِينَارٍ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا لَبِسَهُ فَلَا يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.
стр. 6018
٤٣٤٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَا عَائِشَةُ إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الْأَغْنِيَاءِ، وَلَا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ حَسَّانَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: صَالِحُ بْنُ حَسَّانَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
ــ
٤٣٤٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي) : أَيْ خَاطَبَنِي بِالْخُصُوصِ (رَسُولُ اللَّهِ " ﷺ يَا عَائِشَةُ إِنْ أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي) : أَيِ الْوِصَالَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فِي مَنَصَّةِ الْجَمَالِ (فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ) : أَيْ مِثْلَهُ وَهُوَ فَاعِلُ يَكُفُّ أَيِ اقْتَنِعِي بِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَإِنَّكَ عَابِرُ سَبِيلٍ إِلَى مَنْزِلِ الْعُقْبَى (وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الْأَغْنِيَاءِ) : أَيْ فَضْلًا أَنْ تَكُونَ مِنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا ; لِأَنَّ مُجَالَسَتَهُمْ تَجُرُّ إِلَى مَحَبَّةِ الشَّهَوَاتِ وَاللَّهَوَاتِ ; وَلِذَا قِيلَ: " لَا تَنْظُرُوا إِلَى أَرْبَابِ الدُّنْيَا ; فَإِنَّ بَرِيقَ أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ، يَذْهَبُ بِرَوْنَقِ حَلَاوَةِ الْفُقَرَاءِ "، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] الْآيَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ: " اتَّقُوا مُجَالَسَةَ الْمَوْتَى " قِيلَ: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " الْأَغْنِيَاءُ "، وَذَكَرَ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " اتْرُكُوا الدُّنْيَا لِأَهْلِهَا ; فَإِنَّهُ مَنْ أَخَذَ مِنْهَا فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ أَخَذَ مِنْ حَتْفِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ "، (وَلَا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا) : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ أَيْ لَا تَعُدِّيهِ خَلِقًا مِنِ اسْتَخْلَقَ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ اسْتَجَدَّ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ.
وَقَالَ الْأَشْرَفُ: وَرُوِيَ بِالْفَاءِ مِنِ اسْتَخْلَفَ لَهُ إِذَا طَلَبَ لَهُ خَلَفًا، أَيْ عِوَضًا، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَصْلِ بِمِنْ، لَكِنِ اتَّسَعَ فِيهِ بِحَذْفِهَا كَمَا اتَّسَعَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ، (حَتَّى تُرَقِّعِيهِ) : بِتَشْدِيدِ الْقَافِ أَيْ تُخِيطِي عَلَيْهِ رُقْعَةً، ثُمَّ تَلْبَسِيهِ مَرَّةً، وَفِيهِ تَحْرِيضٌ لَهَا عَلَى الْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ، وَالِاكْتِفَاءِ بِالثَّوْبِ الْحَقِيرِ، وَالتَّشْبِيهِ بِالْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، قَالَ أَنَسٌ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ رَقَّعَ ثَوْبَهُ بِرِقَاعٍ ثَلَاثٍ لَبَّدَ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: خَطَبَ عُمَرُ ﵁ وَهُوَ خَلِيفَةٌ، وَعَلَيْهِ إِزَارٌ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً اهـ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ حَسَّانَ) : بِتَشْدِيدِ السِّينِ يَنْصَرِفُ وَلَا يَنْصَرِفُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) : أَيِ الْبُخَارِيُّ (صَالِحُ بْنُ حَسَّانَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ) : وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيَخْصِفُ النَّعْلَ، وَيُرَقِّعُ الْقَمِيصَ، وَيَلْبَسُ الصُّوفُ، وَيَقُولُ: " مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي» ".
стр. 6019
٤٣٤٥ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ إِيَاسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا تَسْمَعُونَ؟ أَلَا تَسْمَعُونَ أَنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الْإِيمَانِ، أَنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الْإِيمَانِ» ؟ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٣٤٥ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ إِيَاسِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (ابْنِ ثَعْلَبَةَ) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَلَا تَسْمَعُونَ؟) : بِتَخْفِيفِ اللَّامِ (أَلَا تَسْمَعُونَ؟) : أَيِ اسْمَعُوا وَكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ (أَنَّ الْبَذَاذَةَ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالذَّالَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ (مِنَ الْإِيمَانِ) : أَيْ مِنْ كَمَالِ أَهْلِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُقَالُ رَجُلٌ بَذُّ الْهَيْئَةِ أَيْ رَثُّ اللِّبْسَةِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ التَّوَاضُعَ فِي اللِّبَاسِ وَالتَّوَقِّيَ عَنِ الْفَائِقِ فِي الزِّينَةِ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ هُوَ الْبَاعِثُ عَلَيْهِ. (أَنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الْإِيمَانِ) : كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، فَفِيهِ اخْتِيَارُ الْفَقْرِ وَالْكَسْرِ، فَلُبْسُ الْخَلِقِ مِنَ الثِّيَابِ مِنْ خُلُقِ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِالْكِتَابِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " «الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْحَارِثِيِّ.
стр. 6020
٤٣٤٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٤٣٤٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ) : أَيْ ثَوْبَ تَكَبُّرٍ وَتَفَاخُرٍ وَتَجَبُّرٍ، أَوْ مَا يَتَّخِذُهُ الْمُتَزَهِّدُ لِيُشْهِرَ نَفْسَهُ بِالزُّهْدِ، أَوْ مَا يَشْعُرُ بِهِ الْمُتَسَيِّدُ مِنْ عَلَامَةِ السِّيَادَةِ كَالثَّوْبِ الْأَخْضَرِ، أَوْ مَا يَلْبَسُهُ الْمُتَفَقِهَةُ مِنْ لُبْسِ الْفُقَهَاءِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ السُّفَهَاءِ. (فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبُ مَذَلَّةٍ) : ضِدُّ الْمَعَزَّةِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : أَيْ جَزَاءً وِفَاقًا ; فَإِنَّ الْمُعَالَجَةَ بِالْأَضْدَادِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنِ اخْتَارَ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ وَتَوَاضُعٍ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَعَزَّةٍ فِي الْعُقْبَى، قَالَ الْقَاضِي: الشُّهْرَةُ ظُهُورُ الشَّيْءِ فِي شَيْئِهِ بِحَيْثُ يُشْهَرُ بِهِ صَاحِبُهُ، وَالْمُرَادُ بِثَوْبِ شُهْرَةٍ مَا لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ، وَإِلَّا لَمَا رَتَّبَ الْوَعِيدَ عَلَيْهِ، أَوْ مَا يُقْصَدُ بِلُبْسِهِ التَّفَاخُرُ وَالتَّكَبُّرُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْإِذْلَالُ بِهِمْ وَكَسْرُ قُلُوبِهِمْ، أَوْ مَا يَتَّخِذُهُ الْمُسَاخِرُ لِيَجْعَلَ بِهِ نَفْسَهُ ضُحَكَةً بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ مَا يُرَائِي بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَكُنِّيَ بِالثَّوْبِ عَنِ الْعَمَلِ وَهُوَ شَائِعٌ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ وَفِي النِّهَايَةِ: أَيْ أَيْ أَشْمَلَهُ بِالذُّلِّ كَمَا يَشْمَلُ الثَّوْبُ الْبَدَنَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالضِّيَاءُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِلَفْظِ: " «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى يَضَعَهُ» ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا بِلَفْظِ: " «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبًا مِثْلَهُ، ثُمَّ يُلْهِبُ فِيهِ النَّارَ» "، وَرَوَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي سُنَنِ الصُّوفِيَّةِ، وَالدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا " «احْذَرُوا الشُّهْرَتَيْنِ: الصُّوفَ وَالْخَزَّ» ". وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: " «لَيْسَ الْبِرُّ فِي حُسْنِ اللِّبَاسِ وَالزِّيِّ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ» "، وَتَحْقِيقُ هَذَا الْمَقَامِ قَدْ تَقَدَّمَ.
стр. 6021
٤٣٤٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٣٤٧ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ) : أَيْ مَنْ شَبَّهَ نَفْسَهُ بِالْكُفَّارِ مَثَلًا فِي اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ، أَوْ بِالْفُسَّاقِ أَوِ الْفُجَّارِ أَوْ بِأَهْلِ التَّصَوُّفِ وَالصُّلَحَاءِ الْأَبْرَارِ. (فَهُوَ مِنْهُمْ) : أَيْ فِي الْإِثْمِ وَالْخَيْرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا عَامٌّ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ وَالشِّعَارِ، وَلِمَا كَانَ الشِّعَارُ أَظْهَرُ فِي التَّشَبُّهِ ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ. قُلْتُ: بَلِ الشِّعَارُ هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّشَبُّهِ لَا غَيْرُ، فَإِنَّ الْخُلُقَ الصُّورِيَّ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّشَبُّهُ، وَالْخُلُقَ الْمَعْنَوِيَّ لَا يُقَالُ فِيهِ التَّشَبُّهُ، بَلْ هُوَ التَّخَلُّقُ، هَذَا وَقَدْ حَكَى حِكَايَةً غَرِيبَةً وَلَطِيفَةً عَجِيبَةً، وَهِيَ أَنَّهُ لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - فِرْعَوْنَ وَآلَهُ لَمْ يُغْرِقْ مَسْخَرَتَهُ الَّذِي كَانَ يُحَاكِي سَيِّدَنَا مُوسَى ﵊ فِي لُبْسِهِ وَكَلَامِهِ وَمَقَالَاتِهِ، فَيَضْحَكُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مِنْ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ ; فَتَضَرَّعَ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ: يَا رَبِّ! هَذَا كَانَ يُؤْذِي أَكْثَرَ مِنْ بَقِيَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ، فَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى: مَا أَغْرَقْنَاهُ ; فَإِنَّهُ كَانَ لَابِسًا مِثْلَ لِبَاسِكَ، وَالْحَبِيبُ لَا يُعَذِّبُ مَنْ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْحَبِيبِ، فَانْظُرْ مَنْ كَانَ مُتَشَبِّهًا بِأَهْلِ الْحَقِّ عَلَى قَصْدِ الْبَاطِلِ حَصَلَ لَهُ نَجَاةٌ صُورِيَّةٌ، وَرُبَّمَا أَدَّتْ إِلَى النَّجَاةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَشَبَّهُ بِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ عَلَى قَصْدِ التَّشَرُّفِ وَالتَّعْظِيمِ، وَغَرَضِ الْمُشَابِهَةِ الصُّورِيَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّكْرِيمِ؟ ، وَقَدْ بَسَطَ أَنْوَاعَ التَّشَبُّهِ بِالْمَعَارِفِ فِي تَرْجَمَةِ عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6022
٤٣٤٨ - وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ " وَفِي رِوَايَةٍ تَوَاضُعًا، كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ تَزَوَّجَ لِلَّهِ تَوَجَّهُ اللَّهُ تَاجَ الْمُلْكِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٣٤٨ - (وَعَنْ سُوَيْدِ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ وَهْبٍ) : شَيْخٌ لِابْنِ عَجْلَانَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولِ اللَّهِ ( ﷺ عَنْ أَبِيهِ) : وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ الصَّحَابِيِّ عَدْلٌ كَأَبِيهِ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ أَيْضًا، فَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ) : أَيْ زِينَةٍ (وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ) : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى لُبْسِ ذَلِكَ الثَّوْبِ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ خَوْفًا لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ رَجَاءً لِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَقَامِ الْأَعْلَى، أَوِ اسْتِحْقَارًا لِزِينَةِ الدُّنْيَا. (وَفِي رِوَايَةٍ: " تَوَاضُعًا) : وَهُوَ مَفْعُولٌ لَهُ لِتَرَكَ (كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ) : أَيْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ وَأَلْبَسَهُ مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ (وَمَنْ تَزَوَّجَ لِلَّهِ) : أَيْ بِأَنْ يَنْزِلَ عَنْ دَرَجَتِهِ فَيَتَزَوَّجَ مَنْ هِيَ أَدْنَى مَرْتَبَةً مِنْهُ، كَيَتِيمَةٍ حَقِيرَةٍ، أَوْ مِسْكِينَةٍ فَقِيرَةٍ، أَوْ مَعْتُوقَةٍ صَالِحَةٍ ابْتِغَاءً لِمَرْضَاةِ رَبِّهِ، أَوْ أَرَادَ بِالتَّزَوُّجِ صِيَانَةَ دِينِهِ، وَحِفْظَ نَسْلِهِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى حِكْمَةِ رَبِّهِ (تَوَّجَهُ اللَّهُ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ أَلْبَسَهُ (تَاجَ الْمُلْكِ) : وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِجْلَالِهِ وَتَوْقِيرِهِ، أَوْ أُعْطِيَ تَاجًا وَمَمْلَكَةً فِي الْجَنَّةِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَوْءُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أُلْبِسَ وَالِدَاهُ حُلَّةً لَا تَقُومُ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: مَنْ تَزَوَّجَ لِلَّهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَنْ تَصَدَّقَ بِزَوْجَيْنِ أَيْ بِصِنْفَيْنِ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ابْتَدَرَتْهُ حَجَبَةُ الْجَنَّةِ» " قِيلَ: وَمَا زَوْجَانِ. . إِلَخْ؟ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاوِي، وَأَمَّا شَرْحُ تَزَوَّجَ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ، فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، بَلْ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحَالِ، نَعَمْ ذَكَرَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ: مَنْ زَوَّجَ بِغَيْرِ تَاءٍ، فَقَالَ أَيْ أَعْطَى لِلَّهِ اثْنَيْنِ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَقِيلَ: مَنْ زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6023
٤٣٤٩ - وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ حَدِيثَ اللِّبَاسِ.
ــ
٤٣٤٩ - (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْهُ) : أَيْ مِنَ الْحَدِيثِ (عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ) : أَيْ لَا عَنْ سُوَيْدٍ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابِيَّ الْمُبْهَمَ (حَدِيثَ اللِّبَاسِ) : أَيْ دُونَ حَدِيثِ التَّزَوُّجِ، لَكِنْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، أَنَّهُ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ بِلَفْظِ: " «مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الْإِيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا» ".
стр. 6024
٤٣٥٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُرَى آثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٣٥٠ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُرَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُبْصَرَ وَيَظْهَرُ (أَثَرُ نِعَمَهِ) : أَيْ إِحْسَانِهِ وَكَرَمِهِ تَعَالَى (عَلَى عَبْدِهِ) : فَمِنْ شُكْرِهَا إِظْهَارُهَا، وَمِنْ كُفْرَانِهَا كِتْمَانُهَا. قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي إِذَا آتَى اللَّهُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا فَلْيُظْهِرْهَا مِنْ نَفْسِهِ، بِأَنْ يَلْبَسَ لِبَاسًا يَلِيقُ بِحَالِهِ، لِإِظْهَارِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَلِيَقْصِدَهُ الْمُحْتَاجُونَ لِطَلَبِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ يُظْهِرُوا عِلْمَهُمْ لِيَسْتَفِيدَ النَّاسُ مِنْهُمُ اهـ.
فَإِنْ قُلْتَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ حَثَّ عَلَى الْبَذَاذَةِ؟ قُلْتُ: إِنَّمَا حَثَّ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَعْدِلَ عَنْهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلَا يَتَكَلَّفُ لِلثِّيَابِ الْمُتَكَلِّفَةِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي عَادَةِ النَّاسِ، حَتَّى فِي الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ، فَأَمَّا مَنِ اتَّخَذَ ذَلِكَ دَيْدَنًا وَعَادَةً مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْجَدِيدِ وَالنَّظَافَةِ، فَلَا ; لِأَنَّهُ خِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْهُ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُؤْمِنَ الْمُتَبَذِّلَ الَّذِي لَا يُبَالِي مَا لَبِسَ» " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
стр. 6025
٤٣٥١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَائِرًا، فَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ، فَقَالَ: أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ رَأْسَهُ؟ وَرَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ فَقَالَ: أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ؟» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٤٣٥١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَائِرًا، فَرَأَى) : أَيْ فِي الطَّرِيقِ أَوْ عِنْدَنَا (رَجُلًا شَعِثًا) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَتَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ (قَدْ تَفَرَّقَ شَعَرُهُ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ (فَقَالَ: مَا كَانَ) " مَا " نَافِيَةٌ وَهَمْزَةُ الْإِنْكَارِ مُقَدَّرَةٌ أَيْ أَلَمْ يَكُنْ (يَجِدُ هَذَا) : أَيِ الرَّجُلُ (مَا يُسَكِّنُ بِهِ رَأْسَهُ؟) : أَيْ مَا يُلِمُّ شَعَثَهُ وَيَجْمَعُ تَفَرُّقَهُ فَعَبَّرَ بِالتَّسْكِينِ عَنْهُ (وَرَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (فَقَالَ: " أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ) : أَيْ مِنَ الصَّابُونِ أَوِ الْأُشْنَانِ أَوْ نَفْسِ الْمَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَنْكَرَ عَلَيْهِ بَذَاذَتَهُ لِمَا يُؤَدِّي إِلَى ذِلَّتِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: " الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ " فَإِثْبَاتُ التَّوَاضُعِ لِلْمُؤْمِنِ، كَمَا جَاءَ: الْمُؤْمِنُ مُتَوَاضِعًا وَلَيْسَ بِذَلِيلٍ، وَلَهُ الْعِزَّةُ دُونَ التَّكَبُّرِ "، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ: " إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ " قُلْتُ: الصَّوَابُ أَنَّ الْبَذَاذَةَ وَهِيَ الْقَنَاعَةُ بِالدُّونِ مِنَ الثِّيَابِ لَا تُنَافِي النَّظَافَةَ الَّتِي وَرَدَ: أَنَّهَا مِنَ الدِّينِ، وَلَا تَسْتَلْزِمُ الْمَذَلَّةَ عِنْدَ أَرْبَابِ الْيَقِينَ، كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ) .
следующие страницы →