← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٣٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا. فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٠٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا» ) : أَيْ كَالْقَرْقَرَةِ بِأَنْ تَرَدَّدَ فِي بَطْنِهِ رِيحٌ (فَأُشْكِلَ) : أَيِ الْتَبَسَ (عَلَيْهِ أَخَرَجَ) : بِهَمْزَةِ اسْتِفْهَامٍ (مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ) : أَيْ لِلتَّوَضُّؤِ لِأَنَّ الْمُتَيَقَّنَ لَا يُبْطِلُهُ الشَّكُّ. قِيلَ: يُوهِمُ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِ الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ، لَكِنْ أُشِيرَ بِهِ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ مَكَانُهَا، فَعَلَى الْمُؤْمِنِ مُلَازَمَةُ الْجَمَاعَاتِ لِلْمَسْجِدِ (حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا) : أَيْ: صَوْتَ رِيحٍ يَخْرُجُ مِنْهُ ( «أَوْ يَجِدَ رِيحًا» ) : أَيْ: يَجِدَ رَائِحَةَ رِيحٍ خَرَجَتْ مِنْهُ، وَهَذَا مَجَازٌ عَنْ تَيَقُّنِ الْحَدَثِ

стр. 597

لِأَنَّهُمَا سَبَبُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، كَذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ يُحِسُّ بِخُرُوجِهِ وَإِنْ لَمْ يَشُمَّهُ، وَقَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَعْنَاهُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ الْحَدَثَ لَا أَنَّ سَمَاعَ الصَّوْتِ أَوْ وِجْدَانَ الرِّيحِ شَرْطٌ، إِذْ قَدْ يَكُونُ أَصَمَّ فَلَا يَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَقَدْ يَكُونُ أَخْشَمَ فَلَا يَجِدُ الرِّيحَ وَيَنْتَقِضُ طُهْرُهُ إِذَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ. قَالَ الْإِمَامُ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرِّيحَ الْخَارِجَةَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ تُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: خُرُوجُ الرِّيحِ مِنَ الْقُبُلِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الشَّرْعِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ اهـ. وَتَوْجِيهُ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّهُ نَادِرٌ فَلَا يَشْمَلُهُ النَّصُّ كَذَا قِيلَ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْهَمَّامِ مِنْ أَنَّ الرِّيحَ الْخَارِجَ مِنَ الذَّكَرِ اخْتِلَاجٌ لَا رِيحٌ فَلَا يَنْقُضُ كَالرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ جِرَاحَةٍ فِي الْبَطْنِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 598

٣٠٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ، وَقَالَ (إِنَّ لَهُ دَسَمًا» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٠٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ» ) ، زَادَ مُسْلِمٌ: ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ أَيْ: غَسَلَ فَمَهُ. ذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ قَالَ الشَّيْخُ: وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِلتَّنْظِيفِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِحْبَابِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ وَالْأَظْهَرُ اسْتِحْبَابُهُ لَا إِلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ نَظَافَةَ الْيَدَيْنِ مِنَ النَّجَاسَةِ وَالْوَسَخِ وَاسْتِحْبَابُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ إِلَّا أَنْ لَا يَبْقَى عَلَى الْيَدِ أَثَرُ الطَّعَامِ بِأَنْ كَانَ يَابِسًا أَوْ لَمْ يَمَسَّهُ بِهَا (وَقَالَ) ﷺ ( «إِنَّ لَهُ دَسَمًا» ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ زُهُومَةً. قَالَ الطِّيبِيُّ: جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ تَعْلِيلٌ لِلتَّمَضْمُضِ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ التَّمَضْمُضَ مُنَاسِبٌ، وَقِيلَ: الْمَضْمَضَةُ بِالْمَاءِ مُسْتَحَبَّةٌ عَنْ كُلِّ مَا لَهُ دُسُومَةٌ إِذْ يَبْقَى فِي الْفَمِ بَقِيَّةٌ تَصِلُ إِلَى بَاطِنِهِ فِي الصَّلَاةِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَضْمَضَ مِنْ كُلِّ مَا خِيفَ مِنْهُ الْوُصُولُ إِلَى الْبَاطِنِ طَرْدًا لِلْعِلَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ السَّوِيقِ اهـ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَفِي الظُّهَيْرِيَةِ لَوْ أَكَلَ السُّكَّرَ أَوِ الْحَلْوَاءَ، ثُمَّ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ وَالْحَلَاوَةُ فِي فَمِهِ فَدَخَلَ مَعَ الرِّيقِ لَا يُفْسِدُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِعُنْوَانِ الْبَابِ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ مُتَمِّمَاتِ الْوُضُوءِ أَوْ مُكَمِّلَاتِهِ.

стр. 599

٣٠٨ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ! فَقَالَ: (عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٠٨ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ) : أَيِ ابْنِ أَبِي الْحُصَيْبِ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِخُرَاسَانَ كَذَا فِي التَّهْذِيبِ وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَسْلَمِيٌّ أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا وَبَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَكَانَ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى خُرَاسَانَ غَازِيًا فَمَاتَ بِمَرْوَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ) : أَيِ الْخَمْسَ الْمَعْهُودَةَ (يَوْمَ الْفَتْحِ) : أَيْ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ (بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ) : حَالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ (عَلَى خُفَّيْهِ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَيْسَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِهِ مُسْتَدِلًّا بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا مَا لَمْ يُحْدِثْ» . (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟ فَقَالَ: (عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ) : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَذْكُورِ، وَهُوَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَعَمْدًا تَمْيِيزٌ

стр. 600

أَوْ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فَقُدِّمَ اهْتِمَامًا لِشَرْعِيَّةِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الدِّينِ أَوِ اخْتِصَاصًا رَدًّا لِزَعْمِ مَنْ لَا يَرَى جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَدَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ لَا تُكْرَهُ صَلَاتُهُ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْأَخْبَثَانِ، كَذَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ، لَكِنْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إِلَى مَجْمُوعِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ يُوهِمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَالْحَالُ إِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ إِلَى الْجَمْعِ فَقَطْ تَجْرِيدًا عَنِ الْحَالِ فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِلْقَضِيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ يُفِيدُ اسْتِمْرَارَ حُكْمِ الْمَسْحِ إِلَى آخِرِ الْإِسْلَامِ فَيَنْتَفِي تَوَهُّمُ نَسْخِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَلَعَلَّ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْبَابِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا أُرِيدَ الْقِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلِذَا قَالَ ﷺ : ( «عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ» ) وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ فَاغْسِلُوا إِلَخْ. وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ وُجُوبَ الْوُضُوءِ كَانَ لِكُلِّ فَرْضٍ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ، ثُمَّ نُسِخَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَبَعِيدٌ مِنَ السِّيَاقِ وَاللِّحَاقِ، مَعَ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَيَرُدُّهُ أَيْضًا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.

стр. 601

٣٠٩ - وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ ﵁ «أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِيَ مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ - صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِيَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ــ ٣٠٩ - (وَعَنْ سُوَيْدِ) مُصَغَّرًا (ابْنِ النُّعْمَانِ) : بِضَمِّ النُّونِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ إِلَّا سُوَيْدَ بْنَ قَيْسٍ وَقَالَ: يُكَنَّى أَبَا صَفْوَانَ رَوَى عَنْهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ وَعِدَادُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ (إِنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ) أَيْ: عَامَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ وَهِيَ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ (حَتَّى إِذَا كَانُوا) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ نَازِلِينَ (بِالصَّهْبَاءِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ (وَهِيَ) : أَيِ: الصَّهْبَاءُ (أَدْنَى خَيْبَرَ) : أَيْ: أَسْفَلُهَا أَوْ أَقْرَبُهَا، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ أَيِ الصَّهْبَاءِ، مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ خَيْبَرَ ( «صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَزْوَادِ» ) : جَمْعُ الزَّادِ ( «فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ» ) : وَهُوَ مَا يُحْرَشُ مِنَ الشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَغَيْرِهِمَا لِلزَّادِ (فَأَمَرَ بِهِ) : أَيْ: بِالسَّوِيقِ (فَثُرِيَ) : أَيْ: بُلَّ لِيَسْهُلَ أَكْلُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ بُلَّ مِنَ الثَّرَى وَهُوَ التُّرَابُ النَّدِيُّ الَّذِي تَحْتَ التُّرَابِ الظَّاهِرِ يُقَالُ: ثَرَى التُّرَابَ إِذَا رَشَّ عَلَيْهِ بِالْمَاءِ ( «فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا» ) فَتُسْتَحَبُّ الْمَضْمَضَةُ ( «ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ) : وَإِنْ كَانَ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمُسْلِمٌ وَمَرَّ مَا فِيهِ اهـ وَقَالَ فِيمَا مَرَّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ طَرَفٌ مِنْهُ. فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَا قَدَّمْنَاهُ فَلَيْسَ فِيهِ طَرَفٌ مِنْهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: " وَمُسْلِمٌ " الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، حَيْثُ ذَكَرَ الْمَضْمَضَةَ فِيهِ، فَلَيْسَ هَذَا مِنَ اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيُحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَى الْمُؤَلِّفِ فِي تَقْصِيرِ تَتَبُّعِهُ.

стр. 602

الْفَصْلُ الثَّانِي ٣١٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٣١٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا وُضُوءَ) : أَيْ: وَاجِبٌ (إِلَّا مِنْ صَوْتٍ) : أَيْ: إِلَّا مِنْ سَمَاعِ صَوْتٍ (أَوْ رِيحٍ) : أَيْ: وَجَدَ أَنَّ رَائِحَةَ رِيحٍ خَرَجَ مِنْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: نَفَى جِنْسَ أَسْبَابِ التَّوَضُّؤِ وَاسْتَثْنَى مِنْهَا الصَّوْتَ وَالرِّيحَ. وَالنَّوَاقِضُ كَثِيرَةٌ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ فِي صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ يَعْنِي بِحَسَبِ السَّائِلِ فَالْمُرَادُ نَفْيُ جِنْسِ الشَّكِّ وَإِثْبَاتُ الْيَقِينِ أَيْ: لَا يَتَوَضَّأُ عَنْ شَكٍّ مَعَ سَبْقِ ظَنِّ الطَّهَارَةِ إِلَّا بِيَقِينِ الصَّوْتِ أَوْ رَائِحَةِ الرِّيحِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا نَقَلَهُ مِيرَكُ.

стр. 603

٣١١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمَذْيِ، فَقَالَ: (مِنَ الْمَذْيِ الْوُضُوءُ، وَمِنَ الْمَنِيِّ الْغُسْلُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٣١١ - (وَعَنْ عَلِيٍّ) : رَضِيَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ) : أَيْ بِوَاسِطَةِ الْمِقْدَادِ كَمَا تَقَدَّمَ (عَنِ الْمَذْيِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: مِنَ الْمَذْيِ أَيْ حُكْمِهِ قَالَ مِيرَكُ: الْمَذْيُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ وَكَسْرِهِمَا مَعًا هُوَ الْمَاءُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَخْرُجُ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ وَالتَّقْبِيلِ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ الْمَذْيُ وَالْمَذِيُّ كَغَنِيٍّ وَالْمَذِي سَاكِنَةَ الْيَاءِ مَا يَخْرُجُ مِنْكَ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ وَالتَّقْبِيلِ اهـ. وَالْأَصَحُّ مِنَ النُّسَخِ هُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ غَيْرُ مَوْجُودٍ (فَقَالَ: ( «مِنَ الْمَذْيِ الْوُضُوءُ» ) : أَيْ: وَاجِبٌ ( «وَمِنَ الْمَنِيِّ الْغُسْلُ» ) وَهَذَا مِنْ زِيَادَةِ الْإِفَادَةِ وَنَوْعٌ مِنْ جَوَابِ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ عَلَى حَدِّ: «أَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مِيتَتُهُ» ) وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَمَا مَرَّ أَنَّهُ أَمَرَ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي السُّؤَالِ عَنْ خُصُوصِ نَفْسِهِ وَكَثْرَةِ إِمْذَائِهِ، وَالْحَيَاءُ مِنْ هَذَا الْخُصُوصِ وَاضِحٌ فَاسْتَنَابَ فِيهِ، وَهَذَا عَنْ مُطْلَقِ حُكْمِ الْمَذْيِ، وَهَذَا لَا حَيَاءَ فِي السُّؤَالِ عَنْهُ فَبَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ وَاخْتِلَافُ سِيَاقِ الْحَدِيثَيْنِ يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ اهـ. وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا.

стр. 604

٣١٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّبْكِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٣١٢ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ عَلِيٍّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ) : أَيْ: مُجَوِّزُ الدُّخُولِ فِيهَا (الطُّهُورُ) : بِالضَّمِّ وَيُفْتَحُ أَيْ بِالْمَاءِ أَوِ التُّرَابِ، فَفَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ لَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ فِي حَرَمِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ الْحَصْرُ بِتَعْرِيفِ جُزْأَيِ الْجُمْلَةِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا. وَاعْتَذَرَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ صِحَّتَهَا مَعَ فَقْدِهِمَا لِلضَّرُورَةِ (وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ) قَالَ الْمُظْهِرُ: سُمِّيَ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ تَحْرِيمًا لِأَنَّهُ يُحَرِّمُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَغَيْرَهُمَا عَلَى الْمُصَلِّي فَلَا يَجُوزُ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ مُقَارِنًا بِهِ النِّيَّةَ اهـ. وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَنَا وَرُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ " ثُمَّ الْمُرَادُ بِالتَّكْبِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] هُوَ التَّعْظِيمُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ خُصُوصِ " اللَّهُ أَكْبَرُ " وَغَيْرِهِ مِمَّا أَفَادَهُ التَّعْظِيمُ، وَالثَّابِتُ بِبَعْضِ الْأَخْبَارِ اللَّفْظُ الْمَخْصُوصُ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ حَتَّى يُكْرَهَ لِمَنْ يُحَسِّنُهُ تَرْكُهُ كَمَا قُلْنَا فِي الْقِرَاءَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَفِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ التَّعْدِيلِ كَذَا فِي الْكَافِي. قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: وَهَذَا يُفِيدُ وُجُوبَهُ ظَاهِرًا وَهُوَ مُقْتَضَى الْمُوَاظَبَةِ الَّتِي لَمْ تَقْتَرِنْ بِتَرْكٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى هَذَا ( «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» ) . التَّحْلِيلُ: جَعْلُ الشَّيْءِ الْمُحَرَّمِ حَلَالًا وَسُمِّيَ التَّسْلِيمُ بِهِ لِتَحْلِيلِ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَى الْمُصَلِّي لِخُرُوجِهِ عَنْ

стр. 605

الصَّلَاةِ وَهُوَ وَاجِبٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِضَافَةُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ إِلَى الصَّلَاةِ لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ:) أَيْ سَبَبُ كَوْنِ الصَّلَاةِ مُحَرِّمَةً مَا لَيْسَ مِنْهَا التَّكْبِيرُ وَمُحَلِّلَةً التَّسْلِيمُ أَيْ: إِنَّهَا صَارَتْ بِهِمَا كَذَلِكَ فَهُمَا مَصْدَرُ إِنَّ مُضَافَانِ إِلَى الْفَاعِلِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ قِيلَ شُبِّهَ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ بِالدُّخُولِ فِي حَرِيمِ الْمَلِكِ الْكَرِيمِ الْمَحْمِيِّ عَنِ الْأَغْيَارِ، وَجُعِلَ فَتْحُ بَابَ الْحَرَمِ بِالتَّطْهِيرِ عَلَى الْأَدْنَاسِ، وَجُعِلَ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْغَيْرِ وَالِاشْتِغَالُ بِهِ تَحْلِيلًا تَنْبِيهًا عَلَى التَّكْمِيلِ بَعْدَ الْكَمَالِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ (وَالدَّارِمِيُّ) أَيْ: رَوَى ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَلِيٍّ وَحْدَهُ.

стр. 606

٣١٣ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ. ــ ٣١٣ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ) : أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) .

стр. 607

٣١٤ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٣١٤ - (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ: طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِالْقَافِ ابْنُ الْمُنْذِرِ. قَالَ الْبَرْقِيُّ: وَبَعْضُ النَّاسِ يَرَى أَنَّهُ طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَا فِي التَّلْقِيحِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ طَلْقٍ الْحَنَفِيُّ الْيَمَامِيُّ، رَوَاهُ عَنْهُ مُسْلِمُ بْنُ سَلَامٍ: هُوَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَحَدِيثُهُ فِيهِمْ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ) : أَيْ: خَرَجَ الرِّيحُ الَّتِي لَا صَوْتَ لَهُ مِنْ أَسْفَلِ الْإِنْسَانِ (فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلَا تَأْتُوا النِّسَاءَ) : أَيْ: لَا تُجَامِعُوهُنَّ (فِي أَعْجَازِهِنَّ) : أَيْ: أَدْبَارِهِنَّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: لَا أَعْرِفُ لِعَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا أَعْرِفُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ السُّحَيْمِيِّ كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذَا رَجُلٌ آخَرُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ نَقَلَهُ مِيرَكُ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَخَبَرُ فَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ ضَعِيفٌ اتِّفَاقًا وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَخْلَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِهَذَا الْمَرَامِ.

стр. 608

٣١٥ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّمَا الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ» ) رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٣١٥ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) : وَهُمَا صَحَابِيَّانِ وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ مُعَاوِيَةَ وَتَرْجَمَتُهُ، وَأَمَّا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ الْأُمَوِيُّ الْقُرَشِيُّ، وُلِدَ قَبْلَ الْفِيلِ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ إِلَيْهِ رَايَةُ الرُّؤَسَاءِ فِي قُرَيْشٍ، أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَنَائِمِهَا مَائَةً وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فِيمَنْ أَعْطَاهُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَفُقِئَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَزَلْ أَعْوَرَ إِلَى يَوْمِ الْيَرْمُوكِ فَأَصَابَ عَيْنَهُ حَجَرٌ فَعُمِيَتْ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا الْعَيْنَانِ) : أَيِ: الْيَقَظَةُ فَهُمَا كِنَايَةٌ عَنْهَا (وِكَاءُ السَّهِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَتَخْفِيفِ الْهَاءِ. الْوِكَاءُ: مَا يُشَدُّ بِهِ الْكِيسُ وَغَيْرُهُ لِيُحْفَظَ بِهِ مَا فِيهِ عَنِ الْخُرُوجِ، وَالسَّهِ: أَيِ: الِاسْتُ أَوْ حَلْقَةُ الدُّبُرِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الدُّبُرُ، وَأَصْلُهُ سَتَةٌ فَحُذِفَتِ التَّاءُ وَلِذَا يُجْمَعُ عَلَى الِاسْتَاهِ وَيُصَغَّرُ عَلَى سُتَيْهَةٍ (فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ) : أَيْ: جِنْسُهَا (اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ) : أَيِ: انْحَلَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَيْنَانِ كَالْوِكَاءِ لِلسَّهِ، شَبَّهَ عَيْنَ الْإِنْسَانِ وَجَوْفَهُ وَدُبُرَهُ بِقِرْبَةٍ لَهَا فَمٌ مَشْدُودٌ بِالْخَيْطِ، وَشَبَّهَ مَا يُطْلِقُهُ بِالْغَفْلَةِ عِنْدَ النَّوْمِ بِحَلِّ ذَلِكَ الْخَيْطِ مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ، وَفِيهِ تَصْوِيرٌ لِقُبْحِ صُدُورِ هَذِهِ الْغَفْلَةِ. قَالَ الْقَاضِي: الْمَعْنَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَيَقَّظَ أَمْسَكَ مَا فِي بَطْنِهِ فَإِذَا نَامَ زَالَ اخْتِيَارُهُ وَاسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ، فَلَعَلَّ يَخْرُجُ مِنْهُ مَا يَنْقُضُ طُهْرَهُ وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ نَقْضَ الطَّهَارَةِ بِالنَّوْمِ، وَسَائِرِ مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ لَيْسَ لِأَنْفُسِهَا بَلْ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ خُرُوجِ مَا يَنْتَقِضُ بِهِ الطُّهْرُ، وَلِذَا خُصَّ نَوْمُ مُمَكَّنِ الْمَقْعَدِ مِنَ الْأَرْضِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ ضَعِيفٌ، وَقَالَ مِيرَكُ: لَيْسَ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ هَذَا فِي الْمَصَابِيحِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَعَلَّهُ أَوْرَدَهُ فِي بَابٍ آخَرَ.

стр. 609

٣١٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀: هَذَا فِي غَيْرِ الْقَاعِدِ لِمَا صَحَّ: ــ ٣١٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ: ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي سَنَدِهِ ضَعِيفٌ. وَقَالَ مِيرَكُ فِي إِسْنَادِهِ الْوَضِينُ بْنُ عَطَاءٍ وَبَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَفِيهِمَا مَقَالٌ. (قَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَقَالَ (الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) : وَفِي نُسْخَةٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ (هَذَا) : أَيْ: هَذَا الْحُكْمُ (فِي غَيْرِ الْقَاعِدَةِ) : أَيْ: مِنَ النَّائِمِينَ يَعْنِي هَذَا فِيمَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَأَمَّا مَنْ نَامَ قَاعِدًا مُمَكِّنًا مَقْعَدَهُ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَمَقْعَدُهُ مُمَكَّنٌ كَمَا كَانَ فَلَا يَبْطُلُ وُضُوءُهُ وَإِنْ طَالَ نَوْمُهُ (لِمَا صَحَّ) .

стр. 610

٣١٧ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ: يَنَامُونَ بَدَلَ: «يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ» . ــ ٣١٧ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتْنَظِرُونَ الْعِشَاءَ) : أَيْ: صَلَاتَهَا الْجَمَاعَةَ فَيَنَامُونَ أَيْ: جَالِسِينَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: حَتَّى تَخْفِقَ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ: تَتَحَرَّكَ وَتَضْطَرِبَ (رُءُوسُهُمْ) : مِنَ النَّوْمِ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْخَفْقَةُ النَّعْسَةُ الْخَفِيفَةُ، وَمَعْنَى تَخْفِقُ رُءُوسُهُمْ تَسْقُطُ أَذْقَانُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْخُفُوقِ وَهُوَ الِاضْطِرَابُ (ثُمَّ يُصَلُّونَ) : أَيْ: بِذَلِكَ الْوُضُوءِ (وَلَا يَتَوَضَّئُونَ) : أَيْ: وُضُوءًا جَدِيدًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ) : أَيِ: التِّرْمِذِيُّ ذَكَرَ فِيهِ) : أَيْ: فِي حَدِيثِهِ (يَنَامُونَ: أَيْ: قَاعِدِينَ (بَدَلَ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ) : أَيْ: بَدَلُ مَجْمُوعِ قَوْلِهِ: يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، لَا بَدَلَ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ فَقَطْ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الطَّلَبَةِ لِمَا فِي تَخْرِيجِ الْمَصَابِيحِ لِأَبِي إِسْحَاقَ السُّلَمِيِّ الشَّافِعِيِّ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ أَنَّهُ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ يَنَامُونَ بَدَلَ مَجْمُوعِ قَوْلِهِ: يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، وَأَمَّا رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ فَهِيَ مُوَافَقَةٌ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَكَانَ الْمُصَنِّفُ ذُهِلَ عَنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا، كَذَا حَقَّقَهُ مِيرَكُ شَاهْ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 611

٣١٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٣١٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (إِنَّ الْوُضُوءَ) : أَيْ: وُجُوبُهُ ( «عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ» ) : أَيْ: فَتَرَتْ وَضَعُفَتْ (مَفَاصِلُهُ: جَمْعُ مِفْصَلٍ وَهُوَ رُءُوسُ الْعِظَامِ وَالْعُرُوقِ فَلَا يَخْلُو حِينَئِذٍ عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَادَةً وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالْمُتَيَقَّنِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) وَقَالَ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ وَقْفَهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ مِيرَكُ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا يَزِيدُ الدَّالَانِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَتَادَةَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا، وَذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ يَزِيدَ الدَّالَانِيَّ كَانَ كَثِيرَ الْخَطَأِ فَاحِشَ الْوَهْمِ مُخَالِفَ الثِّقَاتِ.

стр. 612

٣١٩ - وَعَنْ بُسْرَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ» ) رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٣١٩ - (وَعَنْ بُسْرَةَ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بِنْتِ صَفْوَانَ صَحَابِيَّةٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: هِيَ بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيَّةُ الْأَسْدِيَةُ، وَهِيَ بِنْتُ أَخِي وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ» ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَذَكَرُ غَيْرِهِ كَذَكَرِهِ لِرِوَايَةِ مَنْ مَسَّ ذَكَرًا (فَلْيَتَوَضَّأْ) : هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ، وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا كَانَ بِالْكَفِّ بِلَا حِجَابٍ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ بِبَاطِنِ الْكَفِّ كَمَا اقْتَضَتْهُ رِوَايَةُ: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ» ، وَالْإِفْضَاءُ الْمَسُّ بِبَاطِنِ الْكَفِّ وَهُوَ الرَّاحَةُ وَالْأَصَابِعُ اهـ. لَكِنَّ الْإِفْضَاءَ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، بَلِ الْمَشْهُورُ مَعْنَاهُ مُطْلَقُ الْإِيصَالِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] ثُمَّ حَمَلَ الطَّحَاوِيُّ الْوُضُوءَ عَلَى غَسْلِ الْيَدِ اسْتِحْبَابًا (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ ذَكَرَهُ مِيرَكُ (وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 613

٣٢٠ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄، قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا يَتَوَضَّأُ. قَالَ: (وَهَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْهُ؟» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ هَذَا مَنْسُوخٌ ; لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ بَعْدَ قُدُومِ طَلْقٍ. ــ ٣٢٠ - (وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ) : يُكَنَّى أَبَا عَلِيٍّ الْحَنَفِيَّ الْيَمَانِيَّ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا طَلْقُ بْنُ ثُمَامَةَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ قَيْسٍ (قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا يَتَوَضَّأُ. قَالَ: (وَهَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ» ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ، أَيْ: قِطْعَةُ لَحْمٍ (مِنْهُ) : أَيْ: مِنَ الرَّجُلِ وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْكَ. أَيْ: فَهُوَ كَمَسِّ بَقِيَّةِ أَعْضَائِهِ فَلَا نَقْضَ بِهِ. نَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا أُبَالِي أَنْفِي مَسِسْتُ أَوْ أُذُنِي أَوْ ذَكَرِي. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: مَا أُبَالِي ذَكَرِي مَسِسْتُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ أُذُنِي أَوْ أَنْفِي. وَعَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ نَحْوُهُ، وَعَنْ سَعْدٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْكَ نَجِسًا فَاقْطَعْهُ وَلَا بَأْسَ بِهِ. وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ مَسَّ الْفَرْجِ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ وُضُوءًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) . أَيْ بِهَذَا اللَّفْظِ (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ) . أَيْ بِالْمَعْنَى. قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: الْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْحَدِيثَيْنِ لَا يُنَزَّلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ لَكِنْ يَتَرَجَّحُ حَدِيثُ طَلْقٍ بِأَنَّ حَدِيثَ الرِّجَالِ أَقْوَى لِأَنَّهُمْ أَحْفَظُ لِلْعِلْمِ وَأَضْبَطُ، وَلِذَا جَعَلَ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ اهـ. وَأَطَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي تَضْعِيفِ حَدِيثِ بُسْرَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ الشَّيْخُ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ (مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀: هَذَا) : أَيْ: مَا رَوَاهُ طَلْقٌ (مَنْسُوخٌ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ بَعْدَ قُدُومِ طَلْقٍ) : أَيْ: مِنَ الْيَمَنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ طَلْقًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَبْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَسْلَمَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَامَ خَيْبَرَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ.

стр. 614

٣٢١ - وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ فَلْيَتَوَضَّأْ» ) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. ــ ٣٢١ - (وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَفْضَى) : أَيْ: أَوْصَلَ (أَحْكُمُ بِيَدِهِ) : أَيْ: بِكَفِّهِ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ (إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) : أَيْ بَيْنَ ذَكَرِهِ وَبَيْنَ يَدِهِ (شَيْءٌ) : أَيْ: مَانِعٌ مِنَ الثِّيَابِ وَغَيْرِهِ، فَلْيَتَوَضَّأْ) قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ذَكَرَهُ مِيرَكُ (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ) . أَيْ: بِهَذَا اللَّفْظِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ، وَابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 615

٣٢٢ - وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ بُسْرَةَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ) . ــ ٣٢٢ - (وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ بُسْرَةَ إِلَّا أَنَّهُ) : أَيِ النَّسَائِيُّ لَمْ يَذْكُرْ (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ) : اعْتَرَضَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀ عَلَى الشَّيْخِ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀ بِأَنَّ ادِّعَاءَ النَّسْخِ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِمَالِ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الِاحْتِيَاطِ إِلَّا إِذَا أَثْبَتَ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ طَلْقًا تُوَفِّي قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ رَجَعَ إِلَى أَرْضِهِ وَلَمْ تَبْقَ لَهُ صُحْبَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَا يَدْرِي هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ طَلْقًا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةِ وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، وَكَانَ ابْنُ مَعِينٍ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنْ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لَهُمَا كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَنَقَلَ الْبَعْضُ عَنِ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَابْنَ مَعِينٍ مَعَ بُعْدِ شَأْوَيْهِمَا وَجَلَالَةِ قَدْرِهِمَا فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ وَرِجَالِهِ تَذَاكَرَا وَتَكَلَّمَا فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ فِي هَذَا الْبَابِ، وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِمَا أَنِ اتَّفَقَا عَلَى سُقُوطِ الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ طَلْقٍ وَبُسْرَةَ أَيْ: لِأَنَّهُمَا تَعَارَضَا فَتَسَاقَطَا وَهَذَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنْ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْهُمَا اهـ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِذَنِ الْأَخْذُ بِالْأَحْوَطِ أَوْلَى، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَخْذِ الْعَمَلُ فَلَا مُنَاقَشَةَ فِيهِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحُكْمُ، بِالنَّقْضِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ الْأَحْوَطُ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: عَلَى تَقْدِيرِ تَعَارُضِهِمَا نَعُودُ إِلَى قَوْلِ الصَّحَابَةِ. قَالَ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَحُذَيْفَةُ، وَعَمَّارٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: إِنَّ الْمَسَّ لَا يُبْطِلُ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ عُمَرُ وَابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: بِالْبُطْلَانِ. وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ. قُلْتُ: فَتَعَارَضَ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ أَيْضًا فَتَسَاقَطَتْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْضِ مَعَ أَنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ بِالْبُطْلَانِ قَابِلٌ لِلْحَمْلِ عَلَى الْأَحْوَطِ فِي الْعَمَلِ، فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، ثُمَّ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ مَسَّهُ بِشَهْوَةٍ انْتَقَضَ وَإِلَّا فَلَا.

стр. 616

٣٢٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بِحَالٍ إِسْنَادُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَيْضًا إِسْنَادُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْهَا. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مُرْسَلٌ، وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ عَائِشَةَ. ٣٢٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) . قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ. وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمُلَامَسَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ مَعْنَاهَا الْجِمَاعُ دُونَ اللَّمْسِ بِسَائِرِ الْبَدَنِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ ضَعَّفَهُ وَقَالَ: هُوَ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ ﵂، وَالْمُرْسَلُ أَنْوَاعٌ: فَالْمُرْسَلُ الْمُطْلَقُ هُوَ أَنْ يَقُولَ التَّابِعِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمِنْهُ قِسْمٌ يُسَمَّى بِالْمُنْقَطِعِ وَهُوَ غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَمِنْهُ قِسْمٌ يُسَمَّى بِالْمُعْضَلِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ

стр. 617

بَيْنَ الْمُرْسِلِ وَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ مِنْ رَجُلٍ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْمَسُّ لَا يُبْطِلُ بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُبْطِلُ بِلَمْسِ الْأَجْنَبِيَّاتِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ يُبْطِلُ بِالشَّهْوَةِ وَإِلَّا فَلَا (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا) : أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَوْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (بِحَالٍ) : أَيْ: مِنْ أَحْوَالِ الطُّرُقِ (إِسْنَادُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: أَعْلَمُ أَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ سَمَاعَ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، فَإِنَّهُ كَانَ تِلْمِيذَهَا (وَأَيْضًا) : أَيْ: لَا يَصِحُّ (إِسْنَادُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْهَا) . أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدُ: هَذَا مُرْسَلٌ) : أَيْ: نَوْعٌ مُرْسَلٌ وَهُوَ الْمُنْقَطِعُ لَكِنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ (وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ عَائِشَةَ) . وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ عَائِشَةَ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ: هَذَا كَلَامٌ لَا يَصِحُّ بِحَالٍ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَثِيرًا مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ سَمَاعِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَسَمَاعُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِمَّا لَا مَجَالَ عِنْدَ عُلَمَاءِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِلْمُنَاقَشَةِ فِيهِ، وَيَبْعُدُ عَنِ التِّرْمِذِيَّ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ، مَعَ أَنَّ كِتَابَهُ مَمْلُوءٌ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ سَمَاعِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَالْعَجَبُ مِنَ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَعْزُوَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِهِ كَذَلِكَ بَعْدَ إِيرَادِهِ الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا فِي كِتَابِهِ تَرَكَ أَصْحَابُنَا حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي هَذَا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمُ الْإِسْنَادُ بِحَالٍ، وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْعَطَّارَ الْبَصْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ضَعَّفَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ الْقَطَّانُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ: حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ يَعْنِي رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عُرْوَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ، وَقَدْ رَوَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَهَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَلَا نَعْرِفُ لِإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ سَمَاعًا عَنْ عَائِشَةَ، وَلَيْسَ يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ اهـ. فَتَوَهَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ بِحَالِ الْإِسْنَادِ، إِسْنَادُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَمَنْشَأُ هَذَا الْوَهْمِ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ عَلَّلَ الطَّرِيقَ الثَّانِيَ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ طَرِيقُ التَّيْمِيِّ عَنْ عَائِشَةَ بِعَدَمِ صِحَّةِ سَمَاعِهِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: وَهَذَا لَا يَصِحُّ أَيْضًا، وَلَا نَعْرِفُ لِإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ سَمَاعًا عَنْ عَائِشَةَ، فَفَهِمَ الْمُصَنِّفُ مِنْهُ أَنَّ تَضْعِيفَ الطَّرِيقِ الْأُولَى أَيْضًا مُعَلَّلٌ بِعَدَمِ سَمَاعِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَغَفَلَ عَنْ نَقْلِهِ عَنِ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِعَدَمِ سَمَاعِ ابْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ لَا سَمَاعِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَقَالَ نَجْلُهُ السَّعِيدُ مِيرَكُ شَاهْ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا ادَّعَى بَعْضُ مُحَدِّثِي زَمَانِنَا أَنَّ عُرْوَةَ هَذَا لَيْسَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ عُرْوَةُ الْمُزَنِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ صَرَّحَ بِأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَيُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عُرْوَةُ الْمَذْكُورُ هُنَا إِنْ كَانَ هُوَ الْمُزَنِيَّ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ فَهُوَ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ، وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ، فَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ لِكَوْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ رَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ وَهُوَ لَمْ يُدْرِكْهُ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا.

стр. 618

٣٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَكَلَ رَسُوُلُ اللَّهِ ﷺ كَتِفًا ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ بِمِسْحٍ كَانَ تَحْتَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٣٢٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ كَتِفًا) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ التَّاءِ، كَذَا ضَبَطَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْكَتِفُ كَفَرِحَ وَمِثْلٍ وَحَبْلٍ، وَالْمَعْنَى لَحْمُ كَتِفِ شَاةٍ مَشْوِيٍّ (ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِمِسْحٍ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: كِسَاءٍ (كَانَ تَحْتَهُ) : أَيْ: تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ (ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى) : أَيْ: وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ لَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ (وَابْنُ مَاجَهْ) . أَيْ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ كَمَا مَرَّ وَفِيهِ: أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي عَدَمِ غَسْلِ الْيَدِ مِنَ الطَّعَامِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُزَالَ مَا فِيهَا مِنْ أَثَرِهِ بِالْمَسْحِ.

стр. 619

٣٢٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: «قَرَّبْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ جَنْبًا مَشْوِيًّا فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٣٢٥ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَرَّبْتُ) : أَيْ: جَعَلْتُ قَرِيبًا (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ جَنْبًا) : أَيْ: ضِلْعًا (مَشْوِيًّا فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) أَيْ: لَا شَرْعِيًّا وَلَا لُغَوِيًّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

стр. 620

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٣٢٦ - عَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: «أَشْهَدُ لَقَدْ كُنْتُ أَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَطْنَ الشَّاةِ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٣٢٦ - (عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَشْهَدُ) : أَيْ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ (لَقَدْ كُنْتُ أَشْوِي) : لَمَّا كَانَ فِي " أَشْهَدُ " مَعْنَى الْقَسَمِ دَخَلَ اللَّامُ فِي قَدْ جَوَابًا لَهُ، وَإِنَّمَا ضَمَّنَ الشَّهَادَةَ مَعْنَى الْقَسَمِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِخْبَارٌ عَنْ مُوَاطَأَةِ الْقَلْبِ اللِّسَانَ وَاعْتِقَادُ ثُبُوتِ الْمُدَّعَى وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى إِثْبَاتِ هَذِهِ الدَّعْوَى فِي الْخِلَافِ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ (لِرَسُولِ اللَّهِ) : أَيْ: لِأَكْلِهِ ( ﷺ بَطْنَ الشَّاةِ) : يَعْنِي الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ وَمَا مَعَهُمَا مِنَ الْقَلْبِ وَغَيْرِهِمَا (ثُمَّ صَلَّى) : أَيْ: فَأَكَلَ ثُمَّ صَلَّى، وَكَانَ الْقِيَاسُ ثُمَّ يُصَلِّي لَكِنْ أَتَى بِهِ مَاضِيًا لِأَنَّ قَوْلَهُ: كُنْتُ أَشْوِي مَاضٍ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ لِصُورَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 621

٣٢٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: «أُهْدِيَتْ لَهُ شَاةٌ فَجَعَلَهَا فِي الْقِدْرِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (مَا هَذَا يَا أَبَا رَافِعٍ؟) فَقَالَ: شَاةٌ أُهْدِيَتْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَطَبَخْتُهَا فِي الْقِدْرِ. قَالَ: (نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ يَا أَبَا رَافِعٍ!) فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ. ثُمَّ قَالَ: (نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الْآخَرَ) فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ الْآخَرَ. ثُمَّ قَالَ (نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الْآخَرَ) فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا لِلشَّاةِ ذِرَاعَانِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِي ذِرَاعًا فَذِرَاعًا مَا سَكَتُّ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ فَاهُ، وَغَسَلَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ، فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ لَحْمًا بَارِدًا، فَأَكَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٣٢٧ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي رَافِعٍ (قَالَ: أُهْدِيَتْ لَهُ) : أَيْ لِأَبِي رَافِعٍ (شَاةٌ) : بِرَفْعِهَا عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، قِيلَ فِيهِ الْتِفَاتٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ نَقْلٌ بِالْمَعْنَى (فَجَعَلَهَا فِي الْقِدْرِ) : أَيْ: لِلطَّبْخِ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (مَا هَذَا) : أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هَذَا الَّذِي فِي الْقِدْرِ (يَا أَبَا رَافِعٍ) يُقْرَأُ بِالْهَمْزَةِ وَلَا تُكْتَبُ (فَقَالَ: شَاةٌ أُهْدِيَتْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَطَبَخْتُهَا فِي الْقِدْرِ فَقَالَ: (نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتُسَكَّنُ (يَا أَبَا رَافِعٍ!) فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ. فِي الْقَامُوسِ الذِّرَاعُ: بِالْكَسْرِ مِنْ طَرَفِ الْمِرْفَقِ إِلَى طَرَفِ الْإِصْبَعِ الْوُسْطَى وَالسَّاعِدُ، وَقَدْ يُذْكَرُ فِيهِمَا ثُمَّ قَالَ: (نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الْآخَرَ) فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ الْآخَرَ. ثُمَّ قَالَ: (نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الْآخَرَ) : لِمَحَبَّتِهِ لِلذِّرَاعِ تَقْوِيَةً لِلْبَدَنِ عَلَى عِبَادَةِ مَوْلَاهُ وَلِاسْتِغْرَاقِهِ فِي الْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ سِوَاهُ (فَقَالَ) : أَيْ: أَبُو رَافِعٍ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ أَوِ التَّقْدِيرِ فَقَالَ قَائِلٌ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا لِلشَّاةِ ذِرَاعَانِ) : وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: وَكَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اسْتِفْهَامُ اسْتِبْعَادٍ لَا إِنْكَارٍ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهَذَا الْمَقَامِ (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّكَ) : بِالْكَسْرِ (لَوْ سَكَتَّ) : أَيْ عَمَّا قُلْتَ لِي وَامْتَثَلْتَ أَدَبِي (لَنَاوَلْتَنِي ذِرَاعًا فَذِرَاعًا مَا سَكَتَّ) : أَيْ: مَا سَكَتَّ أَنْتَ وَطَلَبْتُ أَنَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي فَذِرَاعًا لِلتَّعَاقُبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، وَمَا فِي مَا سَكَتَّ لِلْمُدَّةِ وَالْمَعْنَى نَاوَلْتَنِي ذِرَاعًا عَقِبَ ذِرَاعٍ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ مَا دُمْتَ سَاكِتًا فَلَمَّا نَطَقْتَ انْقَطَعَتْ. اهـ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: مَا دَعَوْتُ أَيْ مَا طَلَبْتُ مِنَ الدَّعْوَةِ بِالْفَتْحِ، وَالْمَعْنَى مُدَّةَ دَوَامِ طَلَبِهِ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

стр. 622

يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، وَكَانَ يَخْلُقُ فِيهَا ذِرَاعًا بَعْدَ ذِرَاعٍ مُعْجِزَةً وَكَرَامَةً لَهُ ﷺ وَإِنَّمَا مَنَعَ كَلَامُهُ مِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِأَنَّهُ شَغَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى رَبِّهِ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى جَوَابِ سُؤَالِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ فَاهُ) : أَيْ: حَرَّكَ مَاءَ فَمِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَمَضْمَضَ. فِي الْقَامُوسِ: الْمَضْمَضَةُ تَحْرِيكُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ، وَتَمَضْمَضَ لِلْوُضُوءِ مَضْمَضَ (وَغَسَلَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ) : أَيْ: مَحَلَّ الدُّسُومَةِ وَالتَّلَوُّثِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ لَا عَلَى قَصْدِ التَّكْبِيرِ (ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ) : أَيْ: إِلَى أَبِي رَافِعٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ (فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ لَحْمًا بَارِدًا فَأَكَلَ) لِأَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ اللَّحْمَ وَمَا كَانَ يَجِدُهُ دَائِمًا، فَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا كَانَتِ الذِّرَاعُ أَحَبَّ اللَّحْمِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنَّهُ كَانَ لَا يَجِدُ اللَّحْمَ إِلَّا غِبًّا أَيْ: وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، وَكَانَ يُعَجِّلُ إِلَيْهَا أَيِ الذِّرَاعِ لِأَنَّهَا أَعْجَلُهَا أَيِ اللُّحُومِ نُضْجًا أَيْ طَبْخًا (ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ) : أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِ الْمَعَاشِ تَوَجَّهَ إِلَى السَّعْيِ فِي الْمَعَادِ (فَصَلَّى: أَيْ شَكَرَ اللَّهَ (وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً) . أَيْ: لِلْوُضُوءِ وَلَا لِغَسْلِ الْفَمِ قَبْلَ الصَّلَاةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . أَيْ عَنْ أَبِي رَافِعٍ.

стр. 623

٣٢٨ - وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ (ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ) إِلَى آخِرِهِ. ــ ٣٢٨ - (وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ) : وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ مَوْلَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابِيٌّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (إِلَّا أَنَّهُ) : أَيِ الدَّارِمِيُّ لَمْ يَذْكُرْ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ) إِلَى آخِرِهِ) .

стр. 624

٣٢٩ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ أَنَا وَأَبِي وَأَبُو طَلْحَةَ جُلُوسًا فَأَكَلْنَا لَحْمًا وَخُبْزًا، ثُمَّ دَعَوْتُ بِوَضُوءٍ، فَقَالَا: لِمَ تَتَوَضَّأُ؟ فَقُلْتُ: لِهَذَا الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْنَا. فَقَالَا: أَتَتَوَضَّأُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ؟ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٣٢٩ - (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِي) : أَيِ ابْنُ كَعْبٍ (وَأَبُو طَلْحَةَ) : قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ مِنَ الرُّمَاةِ الْمَذْكُورِينَ. «قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ فِئَةٍ» ) مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ يَرَوْنَ أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ وَمَاتَ وَدُفِنَ فِي جَزِيرَةٍ بَعْدَ تِسْعَةِ أَيَّامٍ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، ثُمَّ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. (جُلُوسًا) : أَيْ: جَالِسِينَ (فَأَكَلْنَا لَحْمًا وَخُبْزًا) : الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ (ثُمَّ دَعَوْتُ بِوَضُوءٍ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: طَلَبْتُ مَاءَ الْوُضُوءِ (فَقَالَا) : أَيْ أَبِي وَأَبُو طَلْحَةَ (لِمَ تَتَوَضَّأُ؟ فَقُلْتُ: لِهَذَا الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْنَا) : يَعْنِي اللَّحْمَ وَالْخُبْزَ فَإِنَّهُمَا مِمَّا مَسَّتْهُمَا النَّارُ (فَقَالَا: أَتَتَوَضَّأُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ؟) : فِيهِ أَنَّ نَقْضَ الْوُضُوءِ إِنَّمَا يَكُونُ بِخَبِيثٍ يُنَافِيهِ كَالْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، وَهُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى وَفِي مَعْنَاهُ خُرُوجُ الدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالْقَيْءِ عِنْدَنَا وَغَيْرُهُ أُلْحِقَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْقُولَ الْمَعْنَى كَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ وَالسُّكْرِ، لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ الْخَبِيثِ، وَلِذَا قُلْنَا نَقْضُ الْوُضُوءِ بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَوْرِدِ (لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْهُ) : أَيْ: مِنْ مِثْلِ هَذَا الطَّعَامِ (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ) . أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُوجِبَ مَنْفِيٌّ عَقْلًا وَنَقْلًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 625

٣٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، كَانَ يَقُولُ: قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ مِنَ الْمُلَامَسَةِ. وَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ، فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. ــ ٣٣٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) : ﵁ (كَانَ يَقُولُ: قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ) : نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَجَسُّهَا: بِالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ أَيْ: مَسُّهَا (بِيَدِهِ مِنَ الْمُلَامَسَةِ) : أَيِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] (وَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ) : فَقَدْ لَامَسَ، وَمَنْ لَامَسَ (فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: تَفْرِيعٌ عَلَى مَا أَصَّلَهُ مِنْ قَبْلُ أَيْ: إِذَا كَانَ التَّقْبِيلُ وَالْجَسُّ مِنَ الْمُلَامَسَةِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مَنْ قَبَّلَ أَوْ جَسَّ، وَالتَّرْتِيبُ مُفَوَّضٌ إِلَى ذِهْنِ السَّامِعِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الْأَحَقَّ هُنَا الْفَاءُ لَا الْوَاوُ فِي: وَمَنْ قَبَّلَ، لَكِنَّهَا تُرِكَتِ اتِّكَالًا عَلَى ذِهْنِ السَّامِعِ وَإِدْرَاكِهِ التَّرْتِيبَ بِأَدْنَى الْتِفَاتٍ إِلَيْهِ (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ) .

стр. 626

٣٣١ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كَانَ يَقُولُ: مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ الْوُضُوءُ. رَوَاهُ مَالِكٌ. ــ ٣٣١ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) : ﵁ (كَانَ يَقُولُ: مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ قُبْلَةٍ لِأَنَّهَا اسْمُ مَصْدَرٍ (الْوُضُوءُ) : مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَجِبُ مِنْهَا الْوُضُوءُ، وَفِي تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ الْمُعَرَّفِ إِشْعَارٌ بِالْخِلَافِ وَرَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ حُكْمُ التَّقْبِيلِ وَالْجَسِّ حُكْمُ سَائِرِ النَّوَاقِضِ فَرُدَّ، وَقِيلَ لَيْسَ حُكْمُهُ إِلَّا كَحُكْمِهَا فَيَكُونُ مِنْ قَصْرِ الْقَلْبِ (رَوَاهُ مَالِكٌ) .

стр. 627

٣٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄. أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁ قَالَ: إِنَّ الْقُبْلَةَ مِنَ اللَّمْسِ، فَتَوَضَّئُوا مِنْهَا. ــ ٣٣٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) : ﵁ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁ قَالَ: إِنَّ الْقُبْلَةَ مِنَ اللَّمْسِ) : أَيِ: الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ (فَتَوَضَّئُوا مِنْهَا) . هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ قَالَ بِنَقْضِ اللَّمْسِ، وَلَيْسَتْ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ إِذْ لِلرَّأْيِ فِيهِ مَجَالٌ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ - يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِلِاحْتِيَاطِ، وَلِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ مَا شَاءَ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَدَمُ النَّقْضِ بِاللَّمْسِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّخْصِيصِ مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَرَى تَقْلِيدَ الْمُجْتَهِدِ لِلصَّحَابِيِّ.

стр. 628

٣٣٣ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ» ) . رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَلَا رَآهُ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ مَجْهُولَانِ. ــ ٣٣٣ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) : هُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، يُكَنَّى أَبَا حَفْصٍ الْأُمَوِيَّ الْقُرَشِيَّ، أُمُّهُ أُمُّ عَاصِمٍ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَاسْمُهَا لَيْلَى، رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَرَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ، وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، وَمَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ فِي رَجَبٍ بِدَيْرِ سَمْعَانَ مِنْ أَرْضِ حِمْصٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ سَنَتَيْنِ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا، وَكَانَ عَلَى صِفَةٍ مِنَ الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالتُّقَى وَالْعِفَّةِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ، لَا سِيَّمَا أَيَّامَ وِلَايَتِهِ. قِيلَ: لَمَّا أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ سُمِعَ مِنْ مَنْزِلِهِ بُكَاءٌ عَالٍ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: إِنَّ عُمَرَ خَيَّرَ جَوَارِيَهُ فَقَالَ: نَزَلَ بِي مَا شَغَلَنِي عَنْكُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ أُعْتِقَهُ أَعْتَقْتُ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ أُمْسِكَهُ أَمْسَكْتُ وَلَمْ يَكُنْ لِي إِلَيْهَا شَيْءٌ وَسَأَلَ عُقْبَةُ بْنُ نَافِعٍ زَوْجَتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ: أَلَا تُخْبِرِينِي عَنْ عُمَرَ؟ فَقَالَتْ: لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ وَلَا مِنَ احْتِلَامٍ مُنْذُ اسْتَخْلَفَهُ

стр. 629

اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى قَبَضَهُ. وَقَالَتْ: قَدْ يَكُونُ مِنَ الرِّجَالِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ صَلَاةً وَصِيَامًا مِنْ عُمَرَ، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا قَطُّ أَشَدُّ خَوْفًا مِنْ رَبِّهِ مِنْهُ، كَانَ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي مَسْجِدِهِ فَلَا يَزَالُ يَبْكِي وَيَدْعُو حَتَّى تَغْلِبَهُ عَيْنَاهُ ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ وَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْلَهُ أَجْمَعَ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ ظَاهِرَةٌ (عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ) : نِسْبَةٌ إِلَى الْجَدِّ فَإِنَّ الدَّارَ اسْمُ وَاحِدٍ مِنْ أَجْدَادِهِ، وَهُوَ أَبُو رُقَيَّةَ مُصَغَّرًا تَمِيمُ بْنُ خَارِجَةَ صَحَابِيٌّ، كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، وَرُبَّمَا رَدَّدَ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ فِي اللَّيْلِ كُلِّهِ، لَزِمَ الْعِبَادَةَ وَسَكَنَ الشَّامَ وَمَاتَ بِهَا كَذَا فِي الْأَنْسَابِ لِلسَّمْعَانِيِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ تَمِيمُ بْنُ أَوْسٍ الدَّارِيُّ، أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ. قَالَ مُحَمَّدُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ نَامَ لَيْلَةً لَمْ يَقُمْ يَتَهَجَّدُ فِيهَا فَقَامَ سَنَةً لَمْ يَنَمْ فِيهَا عُقُوبَةً لِلَّذِي صَنَعَ سَكَنَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى الشَّامِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْرَجَ السِّرَاجَ فِي الْمَسْجِدِ، رَوَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ قِصَّةَ الدَّجَّالِ وَالْجَسَّاسَةِ، وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا جَمَاعَةٌ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ» ) أَيْ: إِلَى مَا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (رَوَاهُمَا) : أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ (الدَّارَقُطْنِيُّ) : وَرَوَى الْحَدِيثَ الثَّانِيَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي كَامِلِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّمَنِيُّ يَعْنِي مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا نَعْلَمُهُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ فَرُّوخٍ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ وَلَكِنَّهُ يُكْتَبُ، فَإِنَّ النَّاسَ مَعَ ضَعْفِهِ قَدِ احْتَمَلُوا حَدِيثَهُ اهـ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ: قَدْ كَتَبْنَا عَنْهُ وَمَحَلُّهُ عِنْدَنَا الصِّدْقُ. قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: وَقَدْ تَظَافَرَ مَعَهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَيْهِ ﷺ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ «إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ: (قَالَ: لَا إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ» ) قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ. قَالَ أَبِي: ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ أَيْ: وَقْتُ الْحَيْضِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ وَدُفِعَ بِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَلِكَ وَلَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَفْظُهُ: وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ وَصَحَّحَهُ، وَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ «أَنَّهُ ﷺ احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى غَسْلِ مَحَاجِمِهِ» فَضَعِيفٌ اهـ. كَلَامُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهَمَّامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَقَالَ) : أَيِ: الدَّارَقُطْنِيُّ (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يَسْمَعْ) : أَيْ: بِلَا وَاسِطَةٍ (مِنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَلَا رَآهُ) فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِخَوَاجَهْ عِصَامِ الدِّينِ، أَمَّا كَوْنُ الْحَدِيثِ مُرْسَلًا فَلَيْسَ بِطَعْنٍ عِنْدَنَا لِأَنَّا نَقْبَلُ الْمَرَاسِيلَ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ الْهَمَّامِ وَالْمَرَاسِيلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ حُجَّةٌ (وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ مَجْهُولَانِ) . قَالَ مِيرَكُ: أَيِ الرَّاوِيَانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ السَّمْعَانِيُّ: هُمَا ضَعِيفَانِ مَجْهُولَانِ. وَقَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ اهـ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ طَرِيقًا آخَرَ رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي كَامِلِهِ وَمَعَ ذَلِكَ اعْتِمَادُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، بَلْ عَلَى حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا سَبَقَ.

стр. 630

[بَابُ آدَابِ الْخَلَاءِ]

стр. 631

(٢) بَابُ آدَابِ الْخَلَاءِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٣٣٤ - عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ، ﵀: هَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَأَمَّا فِي الْبُنْيَانِ فَلَا بَأْسَ لِمَا رُوِيَ ــ (٢) - بَابُ آدَابِ الْخَلَاءِ الْآدَابُ: اسْتِعْمَالُ مَا يُحْمَدُ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَالْخَلَاءُ بِالْمَدِّ كُلُّ مَوْضِعٍ يَقْضِي الْإِنْسَانُ فِيهِ حَاجَتَهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَخْلُو فِيهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٣٣٤ - (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ) : شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا، وَأَقَامَ عِنْدَهُ شَهْرًا، تُوُفِّيَ بِالرُّومِ غَازِيًّا، وَقَبْرُهُ بِالْقُسْطُنْطِينِيَّةِ كَذَا فِي التَّهْذِيبِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، وَكَانَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي حُرُوبِهِ كُلِّهَا، وَمَاتَ بِالْقُسْطُنْطِينِيَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَكَانَ ذَلِكَ مَعَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَمَّا غَزَا أَبُوهُ الْقُسْطُنْطِينِيَّةَ خَرَجَ مَعَهُ فَمَرِضَ، فَلَمَّا ثَقُلَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِذَا أَنَا مِتُّ فَاحْمِلُونِي، فَإِذَا صَادَفْتُمُ الْعَدُوَّ فَادْفِنُونِي تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ فَفَعَلُوا وَدَفَنُوهُ قَرِيبًا مِنْ سُورِهَا، وَقَبْرُهُ مَعْرُوفٌ إِلَى الْيَوْمِ يَسْتَشْفُونَ بِهِ فَيَشْفُونَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. وَالْقُسْطُنْطِينِيَّةُ: هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ وَضَمِّ الطَّاءِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَغْرِبِيُّ فِي الْمَشَارِقِ عَنِ الْأَكْثَرِينَ زِيَادَةَ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ بَعْدَ النُّونِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ) : أَيْ: جِئْتُمْ وَحَضَرْتُمْ مَوْضِعَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْغَائِطُ فِي الْأَصْلِ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ، وَمِنْهُ قِيلِ لِمَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنْ يَقْضِيَ فِي الْمُنْخَفَضِ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُ، ثُمَّ اتُّسِعَ حَتَّى أُطْلِقَ عَلَى النَّجْوِ نَفْسِهِ أَيِ: الْخَارِجِ تَسْمِيَةً لِلْحَالِّ بِاسْمِ مَحَلِّهِ (فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ) : أَيْ: جِهَةَ الْكَعْبَةِ تَعْظِيمًا لَهَا (وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا) : تَكْرِيمًا لَهَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَكُلٌّ مِنْهُمَا حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْعِبْرَةُ بِالصَّدْرِ حَرَامٌ فِي الصَّحْرَاءِ، وَالْبُنْيَانُ لَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الْمَحَلُّ الْمُهَيَّأُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ، فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي، لَكِنْ إِنْ أَمْكَنَهُ الْمَيْلُ عَنِ الْقِبْلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ كَانَ الْمَيْلُ عَنْهَا أَفْضَلَ ( «وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» ) : أَيْ: تَوَجَّهُوا إِلَى جِهَةِ الشَّرْقِ أَوِ الْغَرْبِ. قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا خِطَابٌ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلِمَنْ كَانَتْ قِبْلَتُهُ عَلَى ذَلِكَ السَّمْتِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَتْ قِبْلَتُهُ جِهَةَ الْغَرْبِ أَوِ الشَّرْقِ، فَإِنَّهُ يَنْحَرِفُ إِلَى الْجَنُوبِ أَوِ الشَّمَالِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: ( «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالْأَرْبَعَةُ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ. (قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀: هَذَا الْحَدِيثُ) : أَيْ: حُكْمُهُ (فِي الصَّحْرَاءِ) : أَيْ: عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَذَا الْبُنْيَانُ غَيْرُ الْخَلَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ) أَنَّ الصَّحْرَاءَ لَا تَخْلُو مِنْ مُصَلٍّ مِنْ مَلَكٍ أَوْ إِنْسٍ أَوْ جِنٍّ، فَإِذَا قَعَدَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ أَوْ مُسْتَدْبِرَهَا، رُبَّمَا يَقَعُ نَظَرُ مُصَلٍّ عَلَى عَوْرَتِهِ، وَأَمَّا الْأَبْنِيَةُ فَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْحُشُوشَ لَا تَحْضُرُهُ إِلَّا الشَّيَاطِينُ (وَأَمَّا فِي الْبُنْيَانِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَعْنِي الْخَلَاءَ لِيُطَابِقَ الْحَدِيثَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ (فَلَا بَأْسَ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَسْتَوِي الصَّحْرَاءُ وَالْبُنْيَانُ فِي حُرْمَةِ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ لِاسْتِوَاءِ الْعِلَّةِ فِيهِمَا وَهُوَ احْتِرَامُ الْقِبْلَةِ (لِمَا رُوِيَ) : وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ. فِيهِ مُسَامَحَةٌ فَإِنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ أَيْ: وَلَا يُسْتَعْمَلُ " رُوِيَ " غَالِبًا إِلَّا فِي الضَّعِيفِ.

стр. 632

٣٣٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «ارْتَقَيْتُ فَوْقَ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٣٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّيْخِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ عُمُومَ الْحَدِيثِ لَا يُخْتَصُّ بِالْأَثَرِ اهـ. وَهُوَ غَرِيبٌ إِذِ الْأَثَرُ مَرْفُوعٌ (قَالَ: ارْتَقَيْتُ) : أَيْ: صَعِدْتُ (فَوْقَ بَيْتِ حَفْصَةَ) : أَيْ: سَطْحِهِ وَهِيَ أُخْتُ الرَّاوِي زَوْجَةُ النَّبِيِّ ﷺ (لِبَعْضِ حَاجَتِي) : يَحْتَمِلُ قَضَاءَ الْحَاجَةِ وَغَيْرَهُ ( «فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ» ) : أَيْ فِي الْخَلَاءِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ( «مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ» ) : وَفِيهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّهْيِ أَوْ لِعُذْرٍ كَانَ هُنَاكَ أَوْ لِكَوْنِهِ لَا حَرَجَ فِي حَقِّهِ سِيَّمَا فِي حَالَةِ اسْتِغْرَاقِهِ ( «مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ» ) : أَيْ: بَيْتَ الْمَقْدِسِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَلَفْظُهُمَا مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ فَوَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَلَبَ الْكَلَامَ وَكَتَبَ فِي الْأَصْلِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مُسْتَدْبِرَ الشَّامِ ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ، وَقَالَ وَإِذَا جَازَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْخَلَاءِ جَازَ الِاسْتِدْبَارُ فِيهِ بِالْأَوْلَى اهـ. فَالْغَلَطُ صَرِيحٌ وَالتَّفْرِيعُ غَيْرُ صَحِيحٍ، هَذَا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: الِاسْتِقْبَالُ مَمْنُوعٌ دُونَ الِاسْتِدْبَارِ، وَلَعَلَّ مَأْخَذَهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ.

стр. 633

٣٣٦ - وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: «نَهَانَا - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ــ ٣٣٦ - (وَعَنْ سَلْمَانَ) : قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَصْلُهُ مِنْ فَارِسٍ مِنْ رَامَهُرْمُزَ، وَيُقَالُ: بَلْ كَانَ أَصْلُهُ مِنْ أَصْفَهَانَ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا جُنٌّ سَافَرَ يَطْلُبُ الدِّينَ فَدَانَ أَوَّلًا بِدِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَقَرَأَ الْكُتُبَ وَصَبَرَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَشَقَّاتٍ مُتَتَالِيَةٍ فَأَخَذَهُ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ فَبَاعُوهُ مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ إِنَّهُ كُوتِبَ فَأَعَانَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كِتَابَتِهِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ تَدَاوَلَهُ بِضْعَةُ عَشَرَ سَيِّدًا حَتَّى أَفْضَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَسْلَمَ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ: (سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ) وَهُوَ أَحَدُ الَّذِينَ اشْتَاقَتْ إِلَيْهِمُ الْجَنَّةُ فَكَانَ مِنَ الْمُعَمِّرِينَ، قِيلَ: عَاشَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَلَاثُمِائَةَ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِعَطَائِهِ، مَاتَ بِالْمَدَائِنِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَرَوَى عَنْهُ أَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمَا. (قَالَ: نَهَانَا - يَعْنِي) : أَيْ يُرِيدُ سَلْمَانُ بِالنَّاهِي (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : وَإِنَّمَا قَالَ الرَّاوِي: عَنْ سَلْمَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يُطْلِقُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَأَنَّهُ نَفْسُهُ صَرَّحَ بِهِ فَقَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ» ) : قَالَ عُلَمَاؤُنَا: الِاسْتِقْبَالُ لَهُمَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَلِلِاسْتِنْجَاءِ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ (أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَوْ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ لِلْعَطْفِ اهـ. وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: هُنَا بِالْوَاوِ، وَأَمَّا فِيمَا بَعْدَهُ فَبِأَوِ اتِّفَاقًا وَهُوَ لِلتَّنْوِيعِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: الِاسْتِنْجَاءُ قَطْعُ النَّجَاسَةِ مِنْ نَجَوْتُ الشَّجَرَةَ وَأَنْجَاهَا وَاسْتَنْجَاهَا أَيْ: قَطَعَهَا مِنَ الْأَرْضِ (بِالْيَمِينِ) : نَهْيُ تَنْزِيهٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ( «أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ نَهْيُ تَنْزِيهٍ وَكَرَاهَةٍ لَا تَحْرِيمٍ، وَالِاسْتِنْجَاءُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ حَصُلَ النَّقَاءُ بِأَقَلَّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ النَّقَاءُ مُتَعَيَّنٌ لَا الْعَدَدُ اهـ. لِقَوْلِهِ ﷺ : ( «مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» ) مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ فَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ وَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ ( «أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ» ) : لِنَجَاسَتِهِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَالْمُرَادُ الرَّوْثُ وَالْعُذْرَةُ لِأَنَّهُ رَجْعٌ أَيْ: رَدٌّ مِنْ حَالٍ هِيَ الطَّهَارَةُ إِلَى أُخْرَى وَهِيَ النَّجَاسَةُ وَكُلُّ مَرْدُودٍ رَجِيعٌ (أَوْ بِعَظْمٍ) . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِعَظْمِ مَيْتَةٍ أَوْ مُذَكَّاةٍ. قِيلَ: عِلَّةُ النَّهْيِ مَلَاسَةُ الْعَظْمِ فَلَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ، وَقِيلَ عِلَّتُهُ أَنَّهُ يُمْكِنُ مَصُّهُ أَوْ مَضْغُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَقِيلَ قَوْلُهُ ﵊: ( «إِنَّ الْعَظْمَ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» ) اهـ. يَعْنِي: وَإِنَّهُمْ يَجِدُونَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّحْمِ أَوْفَرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَقِيلَ لِأَنَّ الْعَظْمَ رُبَّمَا يَجْرَحُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: فِي أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدٌ بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ أَيْ فَحْمٍ.

стр. 634

٣٣٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٣٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ» ) : أَيْ: إِذَا أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ، وَفِي شَرْحِ الْأَبْهَرِيِّ قَالَ الشَّيْخُ: مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يُفَصِّلُ وَيَقُولُ: أَمَّا فِي الْأَمْكِنَةِ الْمُعَدَّةِ لِذَلِكَ فَيَقُولُهُ قُبَيْلَ دُخُولِهَا، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَيَقُولُهُ فِي أَوَانِ الشُّرُوعِ كَتَشْمِيرِ ثِيَابِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَالُوا: مَنْ نَسِيَ يَسْتَعِيذُ بِقَلْبِهِ لَا بِلِسَانِهِ وَمَنْ يُجِيزُ مُطْلَقًا كَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّفْصِيلِ (يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي) : بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا ( «أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ» ) : بِضَمِّ الْبَاءِ وَتُسَكَّنُ جَمْعُ الْخَبِيثِ، وَهُوَ الْمَؤْذِي مِنَ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ (وَالْخَبَائِثِ) : جَمْعُ الْخَبِيثَةِ يَعْنِي: ذُكْرَانَ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثَهُمْ، وَخُصَّ الْخَلَاءُ لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ تَحْضُرُ الْأَخْلِيَةَ لِأَنَّهُ يُهْجَرُ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ، وَقِيلَ الْخُبْثُ بِسُكُونِ الْبَاءِ الْكُفْرُ أَوِ الشَّرُّ أَوِ الْفُجُورُ أَوِ الشَّيْءُ الْمَكْرُوهُ مُطْلَقًا، وَالْخَبَائِثُ الْأَفْعَالُ الذَّمِيمَةُ وَالْخِصَالُ الرَّدِيئَةُ وَالْعَقَائِدُ الزَّائِغَةُ وَالْأَحْوَالُ الدَّنِيَّةُ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْخُبْثُ سَاكِنُ الْبَاءِ مَصْدَرُ خَبُثَ الشَّيْءُ يَخْبُثُ خُبْثًا، وَفِي إِيرَادِ الْخَطَّابِيِّ فِي الْجُمْلَةِ الْأَلْفَاظِ التَّيْ يَرْوِيهَا الرُّوَاةُ مَلْحُونَةً نَظَرٌ، لِأَنَّ الْخَبِيثَ إِذَا جُمِعَ يَجُوزُ إِسْكَانُ الْبَاءِ لِلتَّخْفِيفِ كَمَا فِي سُبُلٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَجْمُوعِ، وَهَذَا مُسْتَفِيضٌ فِي كَلَامِهِمْ لَا يَجُوزُ إِنْكَارُهُ إِلَّا أَنْ يَزْعُمَ إِنَّ تَرْكَ التَّخْفِيفِ أَوْلَى لِئَلَّا يُشْتَبَهُ بِالْخُبْثِ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ عَنْهُ.

стр. 635

٣٣٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ - وَفِي رِوَايَةٍ: الْمُسْلِمُ لَا يَسْتَتْرِهُ مِنَ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ - ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٣٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: (إِنَّهُمَا» ) : أَيْ: صَاحِبَيِ الْقَبْرَيْنِ ( «لَيُعَذَّبَانِ» ) : قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: أَعَادَ الضَّمِيرَ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنَّهُ نُقِلَ بِالْمَعْنَى مَعَ أَنَّ تَقْدِيرَ الْمُضَافِ غَيْرَ عَزِيزٍ فِي كَلَامِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَيَصِحُّ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ وَخَبَرُ إِنَّ مَحْذُوفٌ اهـ. وَهُوَ غَرِيبٌ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِحَذْفِ خَبَرِ إِنَّ مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ الْقَسَمِيَّةُ خَبَرًا لِإِنَّ ( «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ قَوْلُهُ: فِي كَبِيرٍ شَاهِدٌ عَلَى وُرُودِ فِي لِلتَّعْلِيلِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ إِنَّهُمَا لَا يُعَذَّبَانِ فِي أَمْرٍ يَشُقُّ وَيَكْبُرُ عَلَيْهِمَا الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَإِلَّا لَكَانَا مَعْذُورَيْنِ كَسَلَسِ الْبَوْلِ وَالِاسْتِحَاضَةِ، أَوْ فِيمَا يَسْتَعْظِمُهُ النَّاسُ وَلَا يُجْتَرَأُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِمَا الِاسْتِتَارُ عِنْدَ الْبَوْلِ وَتَرْكُ النَّمِيمَةِ، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِمَا هَيِّنٌ غَيْرُ كَبِيرٍ فِي الدِّينِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: كَيْفَ لَا يَكُونُ كَبِيرًا وَهُمَا يُعَذَّبَانِ فِيهِ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْذِيبُ عَلَى الصَّغَائِرِ أَيْضًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْعَقَائِدِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، فَالْأَوْلَى يُسْتَدَلُّ عَلَى كَوْنِهِمَا كَبِيرَتَيْنِ بِقَوْلِهِ ﵊ فِي رِوَايَةٍ: ( «بَلَى إِنَّهُمَا كَبِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ» ) . «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ» ) : مِنَ الِاسْتِتَارِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِي بَابِ الِاسْتِتَارِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ «لَا يَسْتَنْتِرُ» . قَالَ الْأَشْرَفُ فِي الْغَرِيبَيْنِ وَالنِّهَايَةِ: يَسْتَنْتِرُ بِنُونٍ بَيْنَ التَّاءَيْنِ مِنَ الِاسْتِنْتَارِ وَهُوَ الِاجْتِذَابُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. قَالَ اللَّيْثُ: النَّتْرُ جَذْبُهُ فِيهِ قُوَّةٌ قِيلَ: هَذَا هُوَ الَّذِي يُسَاعِدُ عَلَيْهِ الْمَعْنَى لَا الِاسْتِتَارُ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ الْآتِي، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا يَسْتَتِرُ وَهُوَ غَلَطٌ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَفِيهِ: أَنِ الِاسْتِنْتَارَ وَالِاسْتِبْرَاءَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالتَّكَشُّفَ حَرَامٌ عِنْدَ الْكُلِّ، وَالْمَقَامُ مَقَامُ التَّعْذِيبِ لِكَوْنِهِ كَبِيرَةً عَلَى مَا حُرِّرَ، فَكَيْفَ هُوَ الَّذِي يُسَاعِدُهُ الْمَعْنَى دُونَ الِاسْتِتَارِ وَأَنَّهُ غَلَطٌ مَعَ أَنَّهُ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْبَغَوِيُّ فِي بَابِ الِاسْتِتَارِ، وَأَيْضًا لَا يُعْرَفُ أَصْلٌ فِي الْأَحَادِيثِ لِلِاجْتِذَابِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، بَلْ جَذْبُهُ بِعُنْفٍ يَضُرُّ بِالذَّكَرِ وَيُورِثُ الْوَسْوَاسَ الْمُتْعِبَ، بَلِ الْمُخْرِجُ عَنْ حَيِّزِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ، ثُمَّ وَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: لَا يَسْتَبْرِئُ مِنَ الِاسْتِبْرَاءِ وَجَعَلَهُ أَصْلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ أَصْلُ الشَّيْخَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ رِوَايَةُ ابْنِ عَسَاكِرَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَيْ لِمُسْلِمٍ كَمَا فِي نُسْخَةِ الْأَصْلِ «لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ» . قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِمُثَنَّاتَيْنِ مِنْ فَوْقِ، الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ: لَا يَسْتَبْرِئُ بِمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ مِنَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: لَا يَسْتَنْزِهُ بِنُونٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا زَايٌ ثُمَّ هَاءٌ. قَالَ الشَّيْخُ: فَعَلَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ مَعْنَى الِاسْتِتَارِ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَوْلِهِ سُتْرَةً يَعْنِي
следующие страницы →