Полный текст (8 767 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَفِي تَخْرِيجِ الْمَصَابِيحِ لِلْقَاضِي عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيِّ الشَّافِعِيِّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا فِي مُسْلِمٍ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، فَظَاهِرُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ فِيهِ الْجَمْعَ لَا التَّبْدِيلَ، وَأَمَّا ظَاهِرُ رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ فَالتَّبْدِيلُ اهـ.
стр. 562
٢٨٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: (إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» )
ــ
٢٨٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَلَا أَدُلُّكُمْ) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَلَا نَافِيَةٌ وَلَيْسَ أَلَا لِلتَّنْبِيهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ بَلَى، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّهُ حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ غَفْلَةٌ مِنْهُ ( «عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: مَحْوُ الْخَطَايَا كِنَايَةٌ عَنْ غُفْرَانِهَا، وَيُحْتَمَلُ الْمَحْوُ عَنْ كِتَابِ الْحَفَظَةِ دَلَالَةً عَلَى غُفْرَانِهَا ( «وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ» ؟) : أَعْلَى الْمَنَازِلِ فِي الْجَنَّاتِ (قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ!) : وَفَائِدَةُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ بِحُكْمِ الْإِبْهَامِ وَالتَّبْيِينِ قَالَ: (إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ) : بِضَمِّ الْوَاوِ، وَقِيلَ بِالْفَتْحِ أَيْ تَكْمِيلُهُ وَإِتْمَامُهُ بِاسْتِيعَابِ الْمَحَلِّ بِالْغُسْلِ وَتَطْوِيلُ الْغُرَّةِ وَتَكْرَارُ الْغُسْلِ ثَلَاثًا، وَقِيلَ: إِسْبَاغُهُ مَا لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهِ. كَذَا فِي زَيْنِ الْعَرَبِ نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَهَذَا بَعِيدٌ يَأْبَى عَنْهُ لَفْظُ الْإِسْبَاغِ وَمَعْنَى رَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَأَصْلُ الْوُضُوءِ مِنَ الْوَضَاءَةِ لِأَنَّهُ يُحَسِّنُ الْمُتَوَضِّئَ وَفِي النِّهَايَةِ أَثْبَتَ سِيبَوَيْهِ الْوَضُوءَ وَالطَّهُورَ وَالْوَقُودَ بِالْفَتْحِ فِي الْمَصَادِرِ وَهِيَ تَقَعُ عَلَى الِاسْمِ وَالْمَصْدَرِ (عَلَى الْمَكَارِهِ) : جَمْعُ مَكْرَهٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ مِنَ الْكُرْهِ بِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ وَالْأَلَمِ قِيلَ: مِنْهَا إِعْوَازُ الْمَاءِ وَالْحَاجَةُ إِلَى طَلَبِهِ أَوِ ابْتِيَاعِهِ بِالثَّمَنِ الْغَالِي، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ حَالُ مَا يَكْرَهُ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ كَالتَّوَضُّؤِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الشِّتَاءِ أَوْ أَلَمِ الْجِسْمِ (وَكَثْرَةُ الْخُطَا) : جَمْعُ خُطْوَةٍ بِضَمِّ الْخَاءِ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ وَكَثْرَتِهَا إِمَّا لِبُعْدِ الدَّارِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّكْرَارِ (إِلَى الْمَسَاجِدِ) : لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى فَضْلِ الدَّارِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَرِيبَةِ مِنْهُ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، فَإِنَّهُ لَا فَضِيلَةَ لِلْبُعْدِ فِي ذَاتِهِ، بَلْ فِي تَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ، وَلِذَا لَوْ كَانَ لِلدَّارِ طَرِيقَانِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَيَأْتِي مِنَ الْأَبْعَدِ لَيْسَ لَهُ ثَوَابٌ عَلَى قَدْرِ الزِّيَادَةِ، وَإِنَّمَا رَغَّبَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى كَثْرَةِ الْخُطَا تَسْلِيَةً لِمَنْ بَعُدَ دَارُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: ( «دِيَارُكُمْ تَكْتُبُ آثَارَكُمْ» ) لِمَنْ بَعُدَتْ دِيَارُهُمْ عَنْ مَسْجِدِهِ؛ فَأَرَادُوا الْقُرْبَ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْقُرْبَ مِنْهُ أَفْضَلُ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ وَعَدَمِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ، فَسَلَّاهُمْ ﵊ بِقَوْلِهِ: (تَكْتُبُ آثَارَكُمْ) يَعْنِي إِنْ فَاتَكُمْ بَعْضُ الْفَوَائِدِ يَحْصُلُ لَكُمْ بَعْضُ الْعَوَائِدِ، وَالْأَمْرُ بِلُزُومِ الدِّيَارِ لِمَا يَتَرَتَّبُ مِنْ تَغْيِيرِ الدَّارِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَكْدَارِ مَعَ أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّمَا أَمْرَهُمْ بِالِاسْتِمْرَارِ لِئَلَّا يَخْلُوَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَصِيرَ مَحَلَّ الْإِمْكَارِ، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا عَدُّهُ ﵊ مِنْ شُؤْمِ الدَّارِ بُعْدَهَا مِنَ الْمَسْجِدِ (وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ) : أَيْ: وَقْتُهَا أَوْ جَمَاعَتُهَا (بَعْدَ الصَّلَاةِ) : يَعْنِي إِذَا صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ أَوْ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ يَنْتَظِرُ صَلَاةً أُخْرَى وَيُعَلِّقُ فِكْرَهُ بِهَا بِأَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بَيْتِهِ يَنْتَظِرُهَا، أَوْ يَكُونَ فِي شُغْلِهِ وَقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِهَا (فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ يُقَالُ: رَابَطْتُ أَيْ لَازَمْتُ الثَّغْرَ وَهُوَ أَيْضًا اسْمٌ لِمَا يُرْبَطُ بِهِ وَسُمِّيَ مَكَانُ الْمُرَابَطَةِ رِبَاطًا قَالَ الْقَاضِي: إِنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ هِيَ الْمُرَابَطَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِأَنَّهَا تَسُدُّ طُرُقَ الشَّيْطَانِ عَلَى النَّفْسِ وَتَقْهَرُ الْهَوَى وَتَمْنَعُهَا مِنْ قَبُولِ الْوَسَاوِسِ فَيَغْلِبُ بِهَا حِزْبُ اللَّهِ جُنُودَ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ.
стр. 563
٢٨٣ - وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: ( «فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) رَدَّدَ مَرَّتَيْنِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ثَلَاثًا.
ــ
٢٨٣ - (وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: ( «فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» ) قِيلَ: اسْمُ الْإِشَارَةِ يَدُلُّ عَلَى بُعْدِ مَنْزِلَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَكَذَا إِيقَاعُ الرِّبَاطِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ الْجِنْسِيَّةِ خَبَرًا لِاسْمِ الْإِشَارَةِ أَيْ: هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى رِبَاطًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] كَأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الِاسْمَ، وَلِزِيَادَةِ التَّقْرِيرِ وَالتَّأْكِيدِ (رَدَّدَ مَرَّتَيْنِ) : أَيْ: كَرَّرَ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ الرِّبَاطُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وَالرِّبَاطُ (الْجِهَادُ أَيْ ثَوَابُ هَذِهِ كَثَوَابِ الْجِهَادِ إِذْ فِيهِ مُجَاهَدَةُ
стр. 564
النَّفْسِ بِإِذَاقَتِهَا الْمَكَارِهَ وَالشَّدَائِدَ كَمَا فِي الْجِهَادِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: ثَلَاثًا) أَيْ: كَرَّرَهُ ثَلَاثًا لِأَجْلِ زِيَادَةِ الْحَثِّ، وَقِيلَ: يُرِيدُ بِالْأَوَّلِ رَبْطُ الْخَيْلِ، وَبِالثَّانِي جِهَادُ النَّفْسِ، وَبِالثَّالِثِ طَلَبُ الْحَلَالِ.
стр. 565
٢٨٤ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» : مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٨٤ - (وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ بِمَنْزِلَةِ ثُمَّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تَرَاخِي الرُّتْبَةِ، فَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْإِجَادَةَ مِنْ تَطْوِيلِ الْغُرَّةِ وَتَكْرَارِ الْغُسْلِ ثَلَاثًا وَمُرَاعَاةِ الْأَدَبِ مِنَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَالدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ أَفْضَلُ مِنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ مُطْلَقًا، وَفِيهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ مِنْ أَنَّ ثَوَابَ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ أَجْرِ النَّفْلِ: نَعَمْ يُقَالُ: إِحْسَانُ الْوُضُوءِ وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِالْمُكَمِّلَاتِ أَفْضَلُ مِنْ مَرْتَبَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَاجِبَاتِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْفَاءَ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ وَالْجَزَاءُ الْمَذْكُورُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى مَجْمُوعِ الشَّرْطِ مِنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، (خَرَجَتْ خَطَايَاهُ) تَمْثِيلٌ وَتَصْوِيرٌ لِبَرَاءَتِهِ، لَكِنَّ هَذَا الْعَامَّ خُصَّ بِالصَّغَائِرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا سَيَأْتِي مَا لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً، وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَلَى أَنَّ الْكَبَائِرَ لَا تُغْفَرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ وَأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مَنُوطَةٌ بِرِضَاهُمْ، كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَفِيهِ: أَنَّهُ بِظَاهِرِهِ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ الْقَاطِعِ الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وَالتَّقْيِيدُ بِالتَّوْبَةِ فِي الثَّانِي مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ الْمَدْفُوعُ بِأَنَّ الشِّرْكَ أَيْضًا يُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ (مِنْ جَسَدِهِ) أَيْ: جَمِيعِ بَدَنِهِ أَوْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ ( «حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» ) أَيْ: مَثَلًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَاقْتَصَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِهِ عَلَى عَزْوِهِ لِمُسْلِمٍ.
стр. 566
٢٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ - أَوِ الْمُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٨٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ - أَوِ الْمُؤْمِنُ» ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي فِي لَفْظِ النُّبُوَّةِ وَإِلَّا فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي حُكْمِ الْمُؤْمِنِ (فَغَسَلَ وَجْهَهُ) : عَطْفٌ عَلَى تَوَضَّأَ عَطْفَ تَفْسِيرٍ، أَوِ الْمُرَادُ إِذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمَثُوبَةِ ( «خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ» ) جَوَابُ إِذَا ( «كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا» ) إِلَى الْخَطِيئَةِ يَعْنِي إِلَى سَبَبِهَا إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ مُبَالَغَةً (بِعَيْنَيْهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: تَأْكِيدٌ، وَزَادَ ابْنُ حَجَرٍ لِلْمُبَالَغَةِ وَإِلَّا فَالنَّظَرُ لَا يَكُونُ بِغَيْرِ الْعَيْنِ اهـ. وَهُوَ مُوهِمٌ أَنَّهُ مِنْ بَابِ رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِنَظَرٍ بِإِحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَقَدْ يَكُونُ بِهِمَا (مَعَ الْمَاءِ) : أَيْ: مَعَ انْفِصَالِهِ وَالْجُمْلَةُ الْمَجْرُورَةُ الْمَحَلِّ صِفَةُ الْخَطِيئَةِ مَجَازًا، وَكَذَا أَخَوَاتُهُ (أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ) قِيلَ: أَوْ لِشَكِّ الرَّاوِي، وَقِيلَ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَالْقَطْرُ إِجْرَاءُ الْمَاءِ وَإِنْزَالُ قَطْرِهِ (فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ) : أَيْ: ذَهَبَ وَمُحِيَ (كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا) : أَيْ: أَخَذَتْهَا (يَدَاهُ) كَمُلَامَسَةِ الْمُحَرَّمَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: يَدَاهُ لِلتَّأْكِيدِ وَفِيهِ مَا سَبَقَ (مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا: الضَّمِيرُ لِلْخَطِيئَةِ وَنُصِبَتْ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: مَشَتْ بِهَا
стр. 567
إِلَى الْخَطِيئَةِ أَوْ يَكُونُ مَصْدَرًا أَيْ: مَشَتِ الْمِشْيَةَ كَقَوْلِهِ ﵊ (وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ) أَيِ اجْعَلِ الْجَعْلَ. (رِجْلَاهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: تَأْكِيدٌ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ (مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ) أَيْ: ذُنُوبِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ مِنَ الصَّغَائِرِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ يَفْرُغُ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ وُضُوئِهِ طَاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ أَيِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَغْفُورَ ذُنُوبُ أَعْضَائِهِ الْمَغْسُولَةِ، فَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ غُفْرَانَ جَمِيعِ الْجَسَدِ يَكُونُ عِنْدَ التَّوَضُّؤِ بِالتَّسْمِيَةِ يُشِيرُ إِلَيْهِ إِحْسَانُ الْوُضُوءِ وَغُفْرَانُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ نَصٌّ عَلَى غُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: مِنْ جَسَدِهِ يَحْتَمِلُ جَمِيعَ بَدَنِهِ، أَوْ أَعْضَاءَ الْوُضُوءَ يُشِيرُ إِلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: ذَكَرَ لِكُلِّ عُضْوٍ مَا يُخَصُّ بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَمَا يُزِيلُهَا عَنْ ذَلِكَ وَالْوَجْهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ فَلِمَ خُصَّتِ الْعَيْنُ بِالذِّكْرِ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْعَيْنَ طَلِيعَةُ الْقَلْبِ وَرَائِدُهُ، فَإِذَا ذُكِرَتْ أَغْنَتْ عَنْ سَائِرِهَا، وَيُعَضِّدُهُ الْخَبَرُ الْآتِي: فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَنْفَ وَاللِّسَانَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالْأُذُنَ بِالْمَسْحِ فَيَتَعَيَّنُ الْعَيْنُ وَسَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مَا هُوَ كَالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ، أَوْ يُقَالُ: خُصَّتِ الْعَيْنُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ خُرُوجِ ذُنُوبِهَا لِعَدَمِ غَسْلِ دَاخِلِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ ذَكَرَ مَا يُؤَيِّدُ قَوْلِي حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الطِّيبِيِّ: وَجَعْلُ الْأُذُنِ مِنَ الْوَجْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَنَا، بَلْ هِيَ لَيْسَتْ مِنَ الْوَجْهِ وَلَا مِنَ الرَّأْسِ وَخَبَرُ «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» ضَعِيفٌ، وَكَوْنُ الْعَيْنِ طَلِيعَةً كَمَا ذُكِرَ لَا يُنْتِجُ الْجَوَابَ عَنْ تَخْصِيصِ خَطِيئَتِهَا بِالْمَغْفِرَةِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ، بَلِ الَّذِي يَتَّجِهُ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّخْصِيصِ هُوَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ لَهُ طَهَارَةٌ مَخْصُوصَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ طَهَارَةِ الْوَجْهِ، فَكَانَتْ مُتَكَلِّفَةً بِإِخْرَاجِ خَطَايَاهُ بِخِلَافِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا طَهَارَةٌ إِلَّا فِي غَسْلِ الْوَجْهِ فَخُصَّتْ خَطِيئَتُهَا بِالْخُرُوجِ عِنْدَ غَسْلِهِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ فَتَأَمَّلْهُ اهـ.
وَقَوْلُهُ: خَبَرُ الْأُذُنَانِ ضَعِيفٌ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» ) أَيْ حُكْمُهُمَا إِذْ لَمْ يُبْعَثْ لِبَيَانِ الْخِلْقَةِ، وَقَدْ نَصَّ «ابْنُ الْقَطَّانِ» عَلَى صِحَّتِهِ أَيْضًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 568
٢٨٦ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَا مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٨٦ - (وَعَنْ عُثْمَانَ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) : مِنْ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّصِّ عَلَى الْعُمُومِ ( «تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ» ) : أَيْ: مَفْرُوضَةٌ أَيْ يَأْتِي وَقْتُهَا أَوْ يَقْرُبُ دُخُولُ وَقْتِهَا ( «فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا» ) : بِأَنْ يَأْتِيَ بِفَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ (وَخُشُوعَهَا) : بِإِتْيَانِ كُلِّ رُكْنٍ عَلَى وَجْهٍ هُوَ أَكْثَرُ تَوَاضُعًا وَإِخْبَاتًا، أَوْ خُشُوعُهَا خَشْيَةُ الْقَلْبِ وَإِلْزَامُ الْبَصَرِ مَوْضِعَ السُّجُودِ، وَجَمْعُ الْهِمَّةِ لَهَا وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهَا وَمِنَ الْخُشُوعِ أَنْ يَتَوَقَّى كَفَّ الثَّوْبِ وَالِالْتِفَاتِ وَالْعَبَثِ وَالتَّثَاؤُبِ وَالتَّغْمِيضِ وَنَحْوِهَا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] وَهُوَ يَكُونُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَلِذَا قَالَ ﵊ لِمَنْ كَانَ يَعْبَثُ فِي الصَّلَاةِ بِلِحْيَتِهِ أَوْ ثَوْبِهِ ( «لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» (وَرُكُوعَهَا) ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: اكْتُفِيَ بِذِكْرِ الرُّكُوعِ
стр. 569
عَنِ السُّجُودِ لِأَنَّهُمَا رُكْنَانِ مُتَعَاقِبَانِ، فَإِذَا حُثَّ عَلَى إِحْسَانِ أَحَدِهِمَا حُثَّ عَلَى الْآخَرِ، وَفِي تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ أَشَدُّ فَافْتُقِرَ إِلَى زِيَادَةِ تَوْكِيدٍ، لِأَنَّ الرَّاكِعَ يَحْمِلُ نَفْسَهُ فِي الرُّكُوعِ وَيَتَحَامَلُ فِي السُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِنَّمَا خُصَّ الرُّكُوعُ بِالذِّكْرِ دُونَ السُّجُودِ! لِاسْتِتْبَاعِهِ السُّجُودَ، إِذْ لَا يَسْتَقِلُّ عِبَادَةً وَحْدَهُ بِخِلَافِ السُّجُودِ فَإِنَّهُ يَسْتَقِلُّ عِبَادَةً كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: تَخْصِيصُ الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ الْمُسْلِمِينَ فَأَرَادَ التَّحْرِيضَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ هَذَا فِي الْأَغْلَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ مَرْيَمَ: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] قِيلَ: أُمِرَتْ أَنْ تَرْكَعَ مَعَ الرَّاكِعِينَ، وَلَا تَكُنْ مَعَ مَنْ لَا يَرْكَعُ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ انْقَادِي وَصَلِّي مَعَ الْمُصَلِّينَ فَحِينَئِذٍ لَا إِشْكَالَ (إِلَّا كَانَتْ) : أَيِ: الصَّلَاةُ (كَفَّارَةً) : أَيْ: سَاتِرَةً (لِمَا قَبْلَهَا) : أَيْ: لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهَا (مِنَ الذُّنُوبِ) : وَإِذَا أَتَى الْكَبِيرَةَ لَمْ يَكُنْ كَفَّارَةً لِلْجَمِيعِ، وَلِذَا قَالَ (مَا لَمْ يُؤْتِ) : بِكَسْرِ التَّاءِ مَعْلُومًا مِنَ الْإِيتَاءِ، وَقِيلَ: مَجْهُولٌ أَيْ مَا لَمْ يَعْمَلْ (كَبِيرَةً) بِالنَّصْبِ لَا غَيْرَ كَانَ الْفَاعِلُ يُعْطَى الْعَمَلَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ يُعْطِيهِ غَيْرَهُ مِنَ الدَّاعِي، أَوِ الْمُحَرِّضِ عَلَيْهِ، أَوِ الْمُمَكِّنِ لَهُ مِنْهُ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] بِالْمَدِّ لَأَعْطَوْهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَفِي نُسْخَةٍ: مَا لَمْ يَأْتِ مِنَ الْإِتْيَانِ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ أَيْ: مَا دَامَ لَمْ يَعْمَلْ كَبِيرَةً قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِثْبَاتُ يَأْتِ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ فِي كِتَابِ الْمَصَابِيحِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ مَفَارِيدِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا مِنَ الْإِتْيَانِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْتِ أَوْضَحَ مَعْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ: أَتَى فُلَانٌ مُنْكَرًا لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ مِنْ جِهَةِ الرَّاوِيَةِ الْإِيتَاءُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، وَالْمَعْنَى مَا لَمْ يَعْمَلْ كَبِيرَةً وَضَعَ الْإِيتَاءَ مَوْضِعَ الْعَمَلِ لِأَنَّ الْعَامِلَ يُعْطِي الْعَمَلَ مِنْ نَفْسِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ مَا لَمْ يُصَبْ بِكَبِيرَةٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: أُتِيَ فُلَانٌ فِي بَدَنِهِ أَيْ أَصَابَتْهُ عِلَّةٌ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (وَذَلِكَ) أَيِ: التَّكْفِيرُ بِسَبَبِ الصَّلَاةِ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ وَذُو الْحَالِ مُسْتَتِرٌ فِي خَبَرِ كَانَتْ وَهُوَ كَفَّارَةٌ قَالَ الطِّيبِيُّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَ اسْتِئْنَافِيَّةٌ (الدَّهْرَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ أَيْ: حَاصِلٌ فِي جَمِيعِ الدَّهْرِ (كُلَّهُ) : تَأْكِيدٌ لَهُ أَيْ: لَا وَقْتٌ دُونَ وَقْتٍ قَالَ الْأَشْرَفُ: الْمُشَارُ إِلَيْهِ إِمَّا تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ أَيْ تَكْفِيرُ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ الصَّغَائِرَ لَا يَخْتَصُّ بِفَرْضٍ وَاحِدٍ، بَلْ فَرَائِضُ الدَّهْرِ تُكَفِّرُ صَغَائِرَهُ، وَأَمَّا مَعْنَى مَا لَمْ يُؤْتِ أَيْ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِالْكَبِيرَةِ فِي الدَّهْرِ كُلِّهِ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْمَكْتُوبَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا قَبْلَهَا وَأَمَّا مَا قِيلَ أَيِ الْمَكْتُوبَةُ تُكَفِّرُ مَا قَبْلَهَا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ذُنُوبُ الْعُمْرِ، وَالْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ لِمَا وَرَدَ: ( «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» ) وَانْتَصَبَ الدَّهْرُ بِالظَّرْفِيَّةِ أَيْ: وَذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ فِي جَمِيعِ الدَّهْرِ. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ: كَفَّارَةٌ لِمَا قَبْلَهَا إِلَخْ، أَنَّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا تُغْفَرُ إِلَّا الْكَبَائِرَ فَإِنَّهَا لَا تُغْفَرُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ الذُّنُوبَ تُغْفَرُ مَا لَمْ تَكُنْ كَبِيرَةً فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَا يُغْفَرُ شَيْءٌ مِنَ الصَّغَائِرِ فَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا فَلَا يُذْهَبُ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَمَا أَشْبَهَهُ صَالِحٌ لِلتَّكْفِيرِ فَإِنْ وُجِدَ مَا يُكَفِّرُهُ مِنَ الصَّغَائِرِ كَفَّرَهُ، وَإِنْ صَادَفَ كَبِيرَةً وَلَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً يَعْنِي غَيْرَ مُكَفَّرَةٍ رَجَوْنَا أَنْ يُخَفَّفَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَإِلَّا كُتِبَ لَهُ بِهِ حَسَنَاتٌ وَرُفِعَ بِهِ دَرَجَاتٌ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَقَوْلُ الْأَشْرَفِ: أَيِ الْمَكْتُوبَةُ تُكَفِّرُ مَا قَبْلَهَا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ذُنُوبُ الْعُمْرِ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى إِطْلَاقِهِ فَتَأَمَّلْهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 570
٢٨٧ - وَعَنْهُ، أَنَّهُ «تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا. ثُمَّ قَالَ: (مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
ــ
٢٨٧ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ عُثْمَانَ (أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ) : مِنَ الْإِفْرَاغِ عُطِفَ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ عَلَى الْمُبَيَّنِ أَيْ: صَبَّ الْمَاءَ (عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا) : أَيْ: فَغَسَلَهُمَا إِلَى رُسْغَيْهِ (ثُمَّ تَمَضْمَضَ) : أَيْ: رَدَّدَ الْمَاءَ فِي فَمِهِ (وَاسْتَنْثَرَ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْثَارَ هُوَ إِخْرَاجُ الْمَاءِ مِنَ الْأَنْفِ بَعْدَ الِاسْتِنْشَاقِ، وَهُوَ جَذْبُ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ إِلَى الْأَقْصَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى اسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّثْرَةِ طَرَفِ الْأَنْفِ وَقَدْ
стр. 571
أَجْمَعُوا عَلَى كَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمُسْتَوْعِبَةِ لِلْعُضْوِ، وَإِذَا لَمْ يُسْتَوْعَبْ إِلَّا بِغُرْفَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَلَمْ يُذْكَرِ الْعَدَدُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، فَالظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ اهـ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَلِأَنَّ تَكْرَارَ الْمَسْحِ يُفْضِي إِلَى الْغُسْلِ. (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا) : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ لِكُلٍّ مِنَ الثَّلَاثَةِ (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَضُبِطَ بِالْعَكْسِ أَيْضًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا: مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّيَامُنِ، وَإِلَى بِمَعْنَى (مَعَ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) : أَيْ: بَعْضَهُ أَوْ كُلَّهُ وَالظَّاهِرُ الْأَخِيرُ (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، وَلَيْسَتْ ثُمَّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِلتَّرَاخِي الْمُنَافِي لِلْمُوَالَاةِ، بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ (ثُمَّ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا» ) : لَمْ يَقُلْ مِثْلَهُ لِأَنَّ حَقِيقَةَ مُمَاثَلَةِ وُضُوئِهِ ﵊ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ. هَذَا كَلَامُ النَّوَوِيِّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَعَقُّبِهِ بِقَوْلِهِ. وَقَوْلُهُ ﵊: ( «مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا» ) أَيْ مِثْلَهُ صَرِيحٌ فِي رَدِّهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ فِي شَيْءٍ الْمُمَاثَلَةُ فِي جَمِيعِ أَوْصَافِهِ اهـ. وَهُوَ غَيْرُ صَرِيحٍ، بَلْ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ كَلَامَ النَّوَوِيِّ إِنَّهُ آثَرَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَفْظَ نَحْوِهِ عَلَى مِثْلِهِ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِخِلَافِ مِثْلِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ فِي الْأَغْلَبِ سِيَّمَا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ رُوِيَ مِثْلُهُ أَيْ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَإِذَا قِيلَ: رُوِيَ نَحْوُهُ أَيْ مَعْنًى لَا لَفْظًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : (مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا لَيْسَ الْمُرَادُ إِلَّا نَحْوَهُ بِالْإِجْمَاعِ فَتَقْدِيرُ مِثْلِهِ مِنْهُ مَرْدُودٌ بِلَا نِزَاعٍ فَإِنَّ عُثْمَانَ مَعَ جَلَالَتِهِ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ فَيَرْضَى كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَأْتِيَ بِنَحْوِهِ فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِ سُنَنِهِ ﷺ تَعِزُّ عَلَى أَكْثَرِ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ، فَضْلًا عَنِ الْعَوَامِّ وَالسُّوقَةِ. (ثُمَّ قَالَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ حِينَ فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ ( «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا» ) أَيْ جَامِعًا لِفَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) : فِيهِ اسْتِحْبَابُ رَكْعَتَيْنِ عَقِيبَ كُلِّ وُضُوءٍ وَلَوْ صَلَّى فَرِيضَةً حَصُلَتْ لَهُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ كَمَا تَحْصُلُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِذَلِكَ (لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ) : أَيْ: لَا يُكَلِّمُهَا (فِيهِمَا بِشَيْءٍ) مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ، وَلَوْ عَرَضَ لَهُ حَدِيثٌ فَأُعْرِضَ عَنْهُ عُفِيَ لَهُ ذَلِكَ وَحَصُلَتْ لَهُ الْفَضِيلَةُ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَفَا عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْخَوَاطِرَ الَّتِي تَعْرِضُ وَلَا تَسْتَقِرُّ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقِيلَ: أَيْ بِشَيْءٍ غَيْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ صَلَاتِهِ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْآخِرَةِ وَقِيلَ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يُجَهِّزُ الْجَيْشَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ يَعْنِي يَكُونُ قَلْبُهُ حَاضِرًا وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِخْلَاصُ الصَّلَاةِ لِلَّهِ يَعْنِي لَا تَكُونُ صَلَاتُهُ لِلرِّيَاءِ وَالطَّمَعِ (غُفِرَ لَهُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) : أَيْ: مِنَ الصَّغَائِرِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْغُفْرَانَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْوُضُوءِ مَعَ الصَّلَاةِ. وَمِنَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ تَرَتُّبُهُ عَلَى مُجَرَّدِ الْوُضُوءِ لِمَزِيدِ فَضْلِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ. وَفِيهِ أَنَّ لِلصَّلَاةِ مَزِيَّةً عَلَى الْوُضُوءِ دُونَ الْعَكْسِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مُقَرَّرٌ، فَإِنَّهُ وَسِيلَةٌ وَشَرْطٌ لَهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُكَفِّرٌ أَوِ الْوُضُوءُ الْمُجَرَّدُ مُكَفِّرٌ لِذُنُوبِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَمَعَ الصَّلَاةِ مُكَفِّرٌ لِذُنُوبِ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، أَوِ الْوُضُوءُ مُكَفِّرٌ لِلذُّنُوبِ الظَّاهِرَةِ، وَمَعَ الصَّلَاةِ مُكَفِّرٌ لِلذُّنُوبِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) .
стр. 572
٢٨٨ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلًا عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٨٨ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ» ) : أَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: أَيْ بِأَنْ يَأْتِيَ بِوَاجِبَاتِهِ وَيَحْتَمِلَ مُكَمِّلَاتِهِ اهـ. فَإِنَّ إِحْسَانَ الْوُضُوءِ بَعْدَ التَّوَضُّؤِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْمُكَمِّلَاتِ مَعَ أَنَّ فِي لَفْظِهِ الْإِحْسَانَ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ وَإِشَارَةٌ إِلَيْهِ (ثُمَّ يَقُومُ) : أَيْ: حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا سِيَّمَا إِذَا كَانَ يُعْذَرُ فَإِطْلَاقُهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ لَا أَنَّهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ، وَثُمَّ لِلتَّرَقِّي (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا) : أَيْ: عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ (بِقَلْبِهِ) : أَيْ: بَاطِنِهِ (وَوَجْهِهِ) : أَيْ ظَاهِرِهِ أَوْ ذَاتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مُقْبِلٌ، وُجِدَ بِالرَّفْعِ فِي الْأُصُولِ وَفِي
стр. 573
بَعْضِ النُّسَخِ مُقْبِلًا مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ يَعْنِي حَالَ كَوْنِهِ مُتَوَجِّهًا، وَكَوْنُهُ مَرْفُوعًا مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ إِمَّا صِفَةٌ لِمُسْلِمٍ عَلَى أَنَّ مِنْ زَائِدَةٌ فَفِيهِ فَصْلٌ، وَإِمَّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَهُوَ أَيْضًا بَعِيدٌ لِعَدَمِ الْوَاوِ إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ مِنْ قَبِيلِ فُوهٍ إِلَى فِي، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ مُبَالَغَةً اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ صِفَةُ مُسْلِمٍ وَلَيْسَ الْفَصْلُ أَجْنَبِيًّا (إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) أَيْ: إِنَّهُ تَعَالَى يُدْخِلُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ بِحَيْثُ لَا يُخَالِفُ وَعْدَهُ أَلْبَتَّةَ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 574
٢٨٩ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» . هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحِمْيَرِيُّ فِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ. وَكَذَا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي آخِرِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا رَوَيْنَاهُ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ» .
وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي الصِّحَاحِ: ( «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ» ) إِلَى آخِرِهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي (جَامِعِهِ) بِعَيْنِهِ إِلَّا كَلِمَةَ (أَشْهَدُ) فِي (أَنَّ مُحَمَّدًا) .
ــ
٢٨٩ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) : رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْكُمْ) : مِنْ بَيَانِيَّةٌ، وَقِيلَ تَبْعِيضِيَّةٌ وَهُوَ حَالٌ عَلَى ضَعْفٍ (مِنْ أَحَدٍ) : الَّذِي هُوَ مُبْتَدَأٌ عَلَى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، وَمِنْ زَائِدَةٌ (يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ) : مِنَ الْإِبْلَاغِ (- أَوْ فَيُسْبِغُ -) : مِنَ الْإِسْبَاغِ، وَهُوَ لِلشَّكِّ (الْوَضُوءَ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَقِيلَ بِالضَّمِّ أَيْ: مَاءُ الْوُضُوءِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ هُنَا أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: أَنْ يَأْتِيَ بِوَاجِبَاتِهِ وَيَحْتَمِلَ مُكَمِّلَاتِهِ اهـ. لِأَنَّ عَطْفَ الْإِبْلَاغِ وَالْإِسْبَاغِ عَلَى التَّوَضُّؤِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِرَادَةِ الْمُكَمِّلَاتِ فَإِنَّ أَصْلَ الْوُضُوءِ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْوَاجِبَاتِ (ثُمَّ يَقُولُ) : أَيْ: عَقِيبَ وُضُوئِهِ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُ الشَّهَادَتَيْنِ عُقَيْبِ الْوُضُوءِ إِشَارَةٌ إِلَى إِخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَطَهَارَةُ الْقَلْبِ مِنَ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ بَعْدَ طَهَارَةِ الْأَعْضَاءِ مِنَ الْحَدَثِ وَالْخُبْثِ. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ عَقِيبَ الْوُضُوءِ كَلِمَتَا الشَّهَادَةِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِمَا مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيُّ ( «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ» ) وَيُضَمُّ إِلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرْفُوعًا: ( «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» ) قَالَ أَصْحَابُنَا: وَتُسْتَحَبُّ هَذِهِ الْأَذْكَارُ لِلْمُغْتَسِلِ أَيْضًا اهـ.
(وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ: لِمُسْلِمٍ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ) : أَيْ: وَاحِدًا بِالذَّاتِ مُنْفَرِدًا بِالصِّفَاتِ (لَا شَرِيكَ لَهُ) فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ (وَأَشْهَدُ) : وَلَعَلَّ تَكْرَارَهُ هُنَا لِطُولِ الْفَصْلِ (أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ) الْأَفْضَلُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْحُمَيْدِيُّ فِي (أَفْرَادِ مُسْلِمٍ) وَكَذَا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي (جَامِعِ الْأُصُولِ) وَذَكَرَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي آخِرِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا رَوَيْنَاهُ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ ( «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ» ) . وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي الصِّحَاحِ: ( «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ» ) إِلَى آخِرِهِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي (جَامِعِهِ) بِعَيْنِهِ إِلَّا كَلِمَةَ (أَشْهَدُ) قَبْلَ (أَنَّ مُحَمَّدًا) (وَرَسُولُهُ) : الْأَكْمَلُ (إِلَّا فُتِحَتْ) : بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ (لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ) : بِالرَّفْعِ (يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ) : الْأَظْهَرُ أَنَّهَا اسْتِئْنَافِيَّةٌ لِصِحَّةِ قِيَامِ " لِيَدْخُلَ " مَقَامَهَا. قِيلَ: فَيُخَيَّرُ إِظْهَارًا لِمَزِيدِ شَرَفِهِ، لَكِنَّهُ لَا يُلْهَمُ إِلَّا اخْتِيَارَ الدُّخُولِ مِنَ الْبَابِ الْمُعَدِّ لِعَامِلِي نَظِيرِ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِهِ كَالرَّيَّانِ لِلصَّائِمِينَ. (هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْحُمَيْدِيُّ فِي إِفْرَادِ مُسْلِمٍ وَكَذَا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ.
(وَذَكَرَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ) : لَا يُنَافِي مَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَجْعَلُ فِي حِلٍّ مَنْ يُسَمِّينِي مُحْيِي الدِّينِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ (النَّوَوِيُّ) : بِوَاوَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُونَ النَّوَاوِيُّ بِالْأَلِفِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى نَوَى قَرْيَةٌ قُرْبَ دِمَشْقَ كَذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ (فِي آخِرِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا رَوَيْنَاهُ) : مُتَعَلِّقٌ بِآخِرِ وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَقِيلَ مَجْهُولٌ أَيْ: عَلَى وَقْفِهِ (وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ) هَذَا مَذْكُورُ النَّوَوِيِّ ( «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ
стр. 575
التَّوَّابِينَ» ) : أَيْ: لِلذُّنُوبِ وَالرَّاجِعِينَ عَنِ الْعُيُوبِ، وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاءً صَرِيحًا وَلَا لُزُومًا بِإِكْثَارِ وُقُوعِ الذُّنُوبِ مِنْهُ، بَلْ بِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ ذَنْبٌ أُلْهِمَ التَّوْبَةَ عَنْهُ، وَإِنْ كَثُرَ وَفِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ كَمَا وَرَدَ: «كُلُّكُمْ خَطَّاءُونَ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» . وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَيِ الَّذِينَ لَمْ يَرْجِعُوا عَنْ بَابِ مَوْلَاهُمْ، وَلَمْ يَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ( «وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ» ) : أَيْ: بِالْخَلَاصِ مِنْ تَبِعَاتِ الذُّنُوبِ السَّابِقَةِ، وَعَنِ التَّلَوُّثِ بِالسَّيِّئَاتِ اللَّاحِقَةِ، أَوْ مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، فَيَكُونُ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ طَهَارَةَ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ لَمَّا كَانَتْ بِيَدِنَا طَهَّرْنَاهَا، وَأَمَّا طَهَارَةُ الْأَحْوَالِ الْبَاطِنَةِ فَإِنَّمَا هِيَ بِيَدِكَ فَأَنْتَ تُطَهِّرُهَا بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ.
(وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (فِي الصِّحَاحِ) ( «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ» إِلَى آخِرِهِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، ثُمَّ قَالَ: ( «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» رَوَاهُ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ اهـ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِعَيْنِهِ إِلَّا كَلِمَةَ " أَشْهَدُ " قَبْلَ أَنَّ مُحَمَّدًا) وَالْحَاصِلُ وُرُودُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ حَيْثُ ذَكَرَ رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ فِي الصِّحَاحِ لِإِيهَامِهَا أَنَّهُ كُلَّهُ فِي أَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ أَوْ كِلَيْهِمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَ فِي الْأَزْهَارِ هَذَا حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ وَمُنْقَطِعٌ، وَإِلْحَاقُ الضَّعِيفِ بِالصَّحِيحِ غَيْرُ مَقْبُولٍ مَعَ تَغْيِيرِ الْعِبَارَةِ لَفْظًا وَمَعْنًى.
стр. 576
٢٩٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٩٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أُمَّتِي) : يَعْنِي أُمَّةَ الْإِجَابَةِ بَلِ الْخَوَاصَّ مِنْهُمْ وَهُمْ أَهْلُ الْعِبَادَةِ (يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: يُسَمَّوْنَ (غُرًّا مُحَجَّلِينَ) وَقِيلَ يُنَادَوْنَ: أَيُّهَا الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ هَلُمُّوا إِلَى الْجَنَّةِ، وَقِيلَ يُدْعَوْنَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، أَوْ يُطْلَبُونَ إِلَى الْمَوْقِفِ أَوْ إِلَى الْجَنَّةِ حَالَ كَوْنِهِمْ غُرًّا مُحَجَّلِينَ. قَالَ الْأَشْرَفُ: الْغُرُّ جَمْعُ الْأَغَرِّ وَهُوَ الْأَبْيَضُ الْوَجْهِ، وَالْمُحَجَّلُ مِنَ الدَّوَابِّ الَّتِي قَوَائِمُهَا بِيضٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَجَلِ، وَهُوَ الْقَيْدُ كَأَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِالْبَيَاضِ، وَأَصْلُ هَذَا فِي الْخَيْلِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ إِذَا دُعُوا عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ أَوْ إِلَى الْجَنَّةِ كَانُوا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَانْتِصَابُهُمَا عَلَى الْحَالِ إِذَا كَانَ يُدْعَوْنَ بِمَعْنَى يُنَادَوْنَ أَوْ يُطْلَبُونَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غُرًّا مَفْعُولًا ثَانِيًا لِيُدْعَوْنَ بِمَعْنَى يُسَمَّوْنَ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ يُدْعَى لَيْثًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُسَمَّوْنَ بِهَذَا الِاسْمِ لِمَا يُرَى عَلَيْهِمْ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ وَالْمَعْنَى هُوَ الْأَوَّلُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊: ( «يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ» ) لِأَنَّهَا الْعَلَامَةُ الْفَارِقَةُ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ وَقِيلَ: لَا يَبْعُدُ التَّسْمِيَةُ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ الظَّاهِرِ كَمَا يُسَمَّى رَجُلٌ بِهِ حُمْرَةٌ أَحْمَرُ لِلْمُنَاسَبَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْقَصْدَ هُوَ الشُّهْرَةُ وَالتَّمْيِيزُ ( «مِنْ آثَارِ الْوَضُوءِ» ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي وَصَلَ إِلَى أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ، وَقِيلَ بِالضَّمِّ قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، وَلَكِنَّ الْفَتْحَ هُوَ أَصْلُ السَّيِّدِ وَهُوَ أَظْهَرُ مَعْنًى ( «فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ» ) : أَيْ: وَتَحْجِيلَهُ بِإِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى أَكْثَرِ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَحُذِفَ اكْتِفَاءً (فَلْيَفْعَلْ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: قَوْلُهُ: فَمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَخْ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامٍ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ اهـ.
وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: لَا أَدْرِي قَوْلَهُ: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَخْ. مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ عَشْرَةٌ وَلَا مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرَ رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ هَذِهِ وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَدَعْوَى أَنَّ: فَمِنْ. . إِلَخْ، مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَا يَسُنُّ غُرَّةً وَلَا تَحْجِيلَ، يَرُدُّهَا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِدْرَاجِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ إِذْ لَوْ كَانَ ثَمَّةَ إِدْرَاجٍ لَبَيَّنَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ
стр. 577
وَاحْتِمَالُهُ لَا يُجْدِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ كَلَامَ مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ تَحَقُّقٌ مِنَ اصْطِلَاحِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ الْمُسْتَدِلِّينَ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ كَوْنَ قَوْلِهِ: فَمَنِ اسْتَطَاعَ. . إِلَخْ. مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَسُنَّ غُرَّةً وَلَا تَحْجِيلَ فَإِنَّ اسْتِحْبَابَهُ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ ( «يُدْعَوْنَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ» ) وَيُعْلَمُ إِطَالَتُهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْآتِي. وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّ حُفَّاظَ الْحَدِيثِ إِذَا قَالُوا فِي كَلَامٍ أَنَّهُ مُدْرَجٌ أَوْ مَوْقُوفٌ وَجَبَ عَلَى الْفُقَهَاءِ مُتَابَعَتُهُمْ، بَلْ إِذَا تَرَدَّدُوا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ أَوْ مَرْفُوعٌ فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ مَرْفُوعًا مَجْزُومًا بِهِ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ الْفِقْهِيَّةَ، وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: لَبَيَّنَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، غَيْرُ مُتَّجِهٍ إِذِ الْكَلَامُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِ، فَكَيْفَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ قَوْلُهُ أَوْ قَوْلُ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا بَيَّنَهُ مَنْ بَعْدَهُ، وَيَكْفِي تَرَدُّدُ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَهُوَ نُعَيْمٌ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِ مَوْقُوفًا أَوْ مَرْفُوعًا، مَعَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ شُذُوذِهِ وَانْفِرَادِهِ عَمَّنْ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ سَائِرِ الطُّرُقِ الْوَاصِلَةِ إِلَى حَدِّ الْعَشَرَةِ الْكَامِلَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 578
٢٩١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنَ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٩١ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ) : أَيِ: الْبَيَاضُ، وَقِيلَ الزِّينَةُ فِي الْجَنَّةِ ( «مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ» ) : بِالْفَتْحِ أَيْ: مَاؤُهُ، وَقِيلَ بِالضَّمِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ضُمِّنَ " يَبْلُغُ " مَعْنَى " يَتَمَكَّنُ " وَعُدِّيَ بِمِنْ أَيْ تَتَمَكَّنُ مِنَ الْمُؤْمِنَ الْحِلْيَةُ مَبْلَغًا يَتَمَكَّنُهُ الْوُضُوءُ مِنْهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَدِ اسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ الْوُضُوءُ مُخْتَصًّا وَإِنَّمَا الْمُخْتَصُّ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ لِقَوْلِهِ ﵊: ( «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» ) وَرُدَّ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ مَعْرُوفُ الضَّعْفِ، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَ الْأَنْبِيَاءِ دُونَ الْأُمَمِ، لَكِنْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ سَارَةَ وَجُرَيْجًا تَوَضَّأَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَخْتَصَّ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَهَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأُمَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 579
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٩٢ - عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ (اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ) رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٩٢ - (عَنْ ثَوْبَانَ) : مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ثَوْبَانُ بْنُ بُجْدُدٍ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، اشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَعْتَقَهُ وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ سَفَرًا وَحَضَرًا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَنَزَلَ إِلَى الرَّمْلَةِ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى حِمْصَ وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَقِيمُوا) : قَالَ الْقَاضِي: الِاسْتِقَامَةُ اتِّبَاعُ الْحَقِّ وَالْقِيَامُ بِالْعَدْلِ وَمُلَازِمَةُ الْمَنْهَجِ الْمُسْتَقِيمِ وَذَلِكَ خَطْبٌ جَسِيمٌ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْأَمْرُ بِالْمُسْتَطَاعِ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ (وَلَنْ تُحْصُوا) : أَيْ: لَنْ تُطِيقُوا أَنْ تَسْتَقِيمُوا حَقَّ الِاسْتِقَامَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ خَطْبٌ عَظِيمٌ وَتَوْفِيَةُ حَقِّهَا عَلَى الدَّوَامِ عُسْرٌ، وَكَانَ الْقَصْدُ فِيهِ التَّنْبِيهَ لِلْمُكَلَّفِينَ عَلَى رُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَتَحْرِيضِهِمْ عَلَى الْجِدِّ لِكَيْلَا يَتَّكِلُوا عَلَى مَا يَأْتُونَ بِهِ وَلَا يَغْفَلُونَ عَنْهُ، وَلَا يَيْأَسُوا مِنْ رَحْمَتِهِ فِيمَا يَذَرُونَ عَجْزًا لَا تَقْصِيرًا، وَقِيلَ: لَنْ تُحْصُوا أَيْ ثَوَابَهَا مِنَ الْإِحْصَاءِ وَهُوَ الْعَدُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِحْصَاءُ التَّحْصِيلُ بِالْعَدِّ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَصَى لِاسْتِعْمَالِهِمْ ذَلِكَ فِيهِ كَاعْتِمَادِنَا عَلَى الْأَصَابِعِ اهـ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَنْ تُطِيقُوا وَلَكِنِ ابْذُلُوا جُهْدَكُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ بِقَدْرِ مَا تُطِيقُونَ، وَهُوَ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفِينَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ يَبْذُلُ جُهْدَهُ يَصِلُ إِلَى غَايَتِهَا (وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ) أَيْ أَفْضَلُهَا وَأَتَمُّهَا دَلَالَةً عَلَى الِاسْتِقَامَةِ (الصَّلَاةُ) : أَيِ: الْمَكْتُوبَةُ: أَوْ جِنْسُهَا لِأَنَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ عِبَادَةٍ شَيْئًا كَالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَتَرْكِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهِيَ أُمُّ الْعِبَادَاتِ وَنَاهِيَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ (وَلَا يُحَافِظُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: جُمْلَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ أَيْ لَا يُوَاظِبُ (عَلَى الْوُضُوءِ) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِيَشْمَلَ حَالَةَ النَّوْمِ (إِلَّا مُؤْمِنٌ) : الْمُرَادُ الْجِنْسُ وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أَيْ: لَا يُدَاوِمُ عَلَيْهِ إِلَّا مُؤْمِنٌ كَامِلٌ فِي إِيمَانِهِ دَائِمُ الشُّهُودِ بِقَلْبِهِ وَبَدَنِهِ فِي حَضْرَةِ رَبِّهِ، لِأَنَّ الْحُضُورَ فِي الْحَضْرَةِ الْقُدْسِيَّةِ بِدُونِ الطَّهَارَةِ الْحِسِّيَّةِ بَعِيدٌ مِنَ الْآدَابِ، بَلْ صَاحِبُهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُطْرَدَ مِنَ الْبَابِ (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ ثَوْبَانَ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، وَالطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُبَادَةَ وَلَفْظُهُمَا: ( «اسْتَقِيمُوا وَنِعِمَّا إِنِ اسْتَقَمْتُمْ وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ» ) الْحَدِيثَ.
стр. 580
٢٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ، كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢٩٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ، كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ مُسْتَحَبٌّ إِذَا كَانَ قَدْ صَلَّى بِالْوُضُوءِ الْأَوَّلِ صَلَاةً وَكَرِهَهُ قَوْمٌ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِالْأَوَّلِ صَلَاةً ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا يُسْتَحَبُّ قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي مَعْنَاهَا الطَّوَافَ وَالتِّلَاوَةَ، وَلَعَلَّ سَبَبَ الْكَرَاهَةِ هُوَ الْإِسْرَافُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 581
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٩٤ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٩٤ - (عَنْ جَابِرٍ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ» ) أَيْ: مِفْتَاحُ دَرَجَاتِهَا وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِفْتَاحَهَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ ( «وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ» ) : بِالضَّمِّ وَيُفْتَحُ أَيْ: مِفْتَاحُهَا الْأَعْظَمُ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ شُرُوطِهَا قَالَ الطِّيبِيُّ: فَكَمَا لَا تَتَأَتَّى الصَّلَاةُ بِدُونِ الْوُضُوءِ كَذَلِكَ لَا يَتَهَيَّأُ دُخُولُ الْجَنَّةِ بِدُونِ الصَّلَاةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يُكَفِّرُ تَارِكَ الصَّلَاةِ وَأَنَّهَا الْفَارِقَةُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ حَثٌّ عَلَيْهَا وَأَنَّهَا مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا قَطُّ فَإِنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوَّلًا مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ عَذَابٍ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَقَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ. قُلْتُ: وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
стр. 582
٢٩٥ - وَعَنْ شَبِيبِ بْنِ أَبِي رَوْحٍ ﵁ «عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَقَرَأَ الرُّومَ فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُصَلُّونَ مَعَنَا لَا يُحْسِنُونَ الطَّهُورَ؟ ! وَإِنَّمَا يُلَبِّسُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ أُولَئِكَ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
٢٩٥ - (وَعَنْ شَبِيبِ بْنِ أَبِي رَوْحٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِدُونِ ابْنٍ قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ أَبُو رَوْحٍ شَبِيبُ بْنُ نُعَيْمٍ، وَيُقَالُ ابْنُ أَبِي رَوْحٍ، وُحَاظِيٌّ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ مِنْ تَابِعِي الشَّامِيِّينَ، رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ صَالِحُ الْحَدِيثِ مَعَ قِلَّتِهِ، وَرَوْحٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَنُعَيْمٌ بِضَمِّ النُّونِ اهـ. وَشَبِيبٌ كَحَبِيبٍ، وَفِي التَّقْرِيبِ شَبِيبُ بْنُ نُعَيْمٍ أَبُو رَوْحٍ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ، وَأَخْطَأَ مَنْ عَدَّهُ فِي الصَّحَابَةِ اهـ.
وَالْعَجَبُ مِنَ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي أَسْمَائِهِ لَا فِي التَّابِعِينَ وَلَا فِي الصَّحَابَةِ (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَكُلُّهُمْ عُدُولٌ، وَلِذَا جَهَالَتُهُ لَا تَضُرُّ رِوَايَتَهُ، وَقَالَ مِيرَكُ اسْمُهُ أَغَرُّ الْغِفَارِيُّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَقَرَأَ) : أَيْ: فِيهَا (الرُّومَ) : أَيْ: سُورَةَ الرُّومِ كُلِّهَا أَوْ بِضْعِهَا فِي رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ (فَالْتَبَسَ) : أَيِ: الْقُرْآنُ أَوِ الرُّومُ يَعْنِي قِرَاءَتَهُ اشْتَبَهَتْ (عَلَيْهِ فَلَمَّا صَلَّى) : أَيْ: فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ (قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ) : أَيْ: مَا حَالُ جَمَاعَاتٍ ( «يُصَلُّونَ مَعَنَا لَا يُحْسِنُونَ الطُّهُورَ» ؟) بِالضَّمِّ وَيُفْتَحُ أَيْ: لَا يَأْتُونَ بِوَاجِبَاتِهِ وَسُنَنِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى إِحْسَانِ الْوُضُوءِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ السُّنَنَ وَالْآدَابَ مُكْمِلَاتٌ لِلْوَاجِبِ يُرْجَى بَرَكَتُهَا، وَفِي فُقْدَانِهَا سَدُّ بَابِ الْفُتُوحَاتِ الْغَيْبِيَّةِ، وَإِنَّ بَرَكَتَهَا تَسْرِي إِلَى الْغَيْرِ كَمَا أَنَّ التَّقْصِيرَ فِيهَا يَتَعَدَّى إِلَى حِرْمَانِ الْغَيْرِ. تَأَمَّلْ أَيُّهَا النَّاظِرُ إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَأَثَّرُ مِنْ مِثْلِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ، فَكَيْفَ بِالْغَيْرِ مِنْ صُحْبَةِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ؟ أَعَاذَنَا اللَّهُ وَرَزَقَنَا صُحْبَةَ الصَّالِحِينَ (وَإِنَّمَا يُلَبِّسُ) : بِالتَّشْدِيدِ (عَلَيْنَا الْقُرْآنَ) : أَيْ: يَخْلِطُهُ وَيُغَلِّطُهُ (أُولَئِكَ) : أَيِ: الَّذِينَ لَا يُحْسِنُونَ الطُّهُورَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
стр. 583
٢٩٦ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: عَدَّهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِي - أَوْ فِي يَدِهِ قَالَ: ( «التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ، وَالتَّكْبِيرُ يَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ، وَالطُّهُورُ نِصْفُ الْإِيمَانِ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ــ
٢٩٦ - (وَعَنْ رَجُلٍ) : أَيْ: مِنَ الصَّحَابَةِ (مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ) : مُصَغَّرًا (قَالَ: عَدَّهُنَّ) : أَيِ الْخِصَالَ الْآتِيَةَ، فَهُوَ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] وَالْمُفَسِّرُ هُنَا قَوْلُهُ: التَّسْبِيحُ إِلَخْ. (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِي) أَيْ: أَخَذَ أَصَابِعَ يَدِي، وَجَعَلَ يَعْقِدُهَا فِي الْكَفِّ خَمْسَ مَرَّاتٍ عَلَى عَدِّ الْخِصَالِ لِمَزِيدِ التَّفْهِيمِ وَالِاسْتِحْضَارِ (أَوْ فِي يَدِهِ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (قَالَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَيَجُوزُ رَجْعُهُ إِلَى الرَّاوِي تَفْسِيرًا لِلضَّمِيرِ الْمُبْهَمِ (التَّسْبِيحُ) : أَيْ: ثَوَابُهُ أَوْ نَفْسُهُ بِاعْتِبَارِ جِسْمِهِ ( «نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُهُ» ) بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ أَيِ: الْمِيزَانُ كُلُّهُ أَوْ نِصْفُهُ الْآخَرُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: جُعِلَ الْحَمْدُ ضِعْفُ التَّسْبِيحِ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ مِنَ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ، وَالتَّسْبِيحُ مِنَ السَّلْبِيَّةِ (وَالتَّكْبِيرُ يَمْلَأُ) : بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ (مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) : أَيْ: جِنْسَيْهِمَا يَعْنِي ثَوَابَهُ أَنْ قُدِّرَ جِسْمًا يَمْلَأُهُمَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: التَّكْبِيرُ أَنْ يَنْفِيَ عَنِ الْغَيْرِ صِفَةَ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ، لِأَنَّ " أَفْعَلَ " مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَالْكِبْرِيَاءُ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى فَيَمْتَلِئُ الْعَارِفُ عِنْدَ ذَلِكَ هَيْبَةً وَجَلَالًا فَلَا يَنْظُرُ إِلَى مَا سِوَاهُ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُشَاهِدُ كِبْرِيَاءَهُ فِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ ( «وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» ) : وَهُوَ الصَّبْرُ عَلَى الطَّاعَةِ فَبَقِيَ النِّصْفُ الْآخَرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ أَوِ الْمُصِيبَةِ أَوِ الصَّوْمُ صَبْرٌ عَنِ الْحَلْقِ وَالْفَرْجِ، فَبَقِي نِصْفُهُ الْآخَرُ مِنَ الصَّبْرِ عَنْ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَانَ وَجْهُهُ أَنَّ الصَّبْرَ إِمَّا بِالْبَاطِنِ وَإِمَّا بِالظَّاهِرِ، وَالصَّوْمُ جَامِعٌ لِصَبْرِ الْبَاطِنِ بِحِفْظِهِ عَنْ تَعَاطِي أَكْثَرِ الشَّهَوَاتِ، فَجُعِلَ نِصْفًا لِذَلِكَ اهـ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الصَّبْرَ مِنْ أَحْوَالِ الْبَاطِنِ لَا غَيْرَ ( «وَالطَّهُورُ نِصْفُ الْإِيمَانِ» ) : وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِلشَّطْرِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
стр. 584
٢٩٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ، خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ. وَإِذَا اسْتَنْثَرَ، خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ وَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ. فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ. فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ، خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ. فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً لَهُ» ) رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٢٩٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ: بِضَمِّ الصَّادِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، مَنْسُوبٌ إِلَى صُنَابِحِ بْنِ ظَاهِرٍ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ، وَحَدِيثُهُ أَنَّهُ هَاجَرَ مِنْ قَبْلِ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَصَلَ إِلَى الْجَحْفَةِ فَبَلَغَتْهُ وَفَاتُهُ ﵊، وَالْمَعْرُوفُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْكُنَى وَغَيْرِهَا فِي نَسَبِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ، وَعُسَيْلَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ فَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ سُكُونِ الْيَاءِ، كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: قِيلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: عِنْدِي أَنَّ الصُّنَابِحِيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّابِعِيُّ لَا الصَّحَابِيُّ. قَالَ: وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الصَّحَابَةِ، وَالصُّنَابِحِيُّ قَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ فِي الْمُوَطَّأِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ اهـ.
قَالَ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ، لَيْسَ لَهُ سَمَاعٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ اهـ. فَتَحَصَّلَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ تَابِعِيُّ، فَكَانَ حَقُّ الْمُؤَلِّفِ أَنْ يَقُولَ: مُرْسَلًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ) : أَيْ: أَرَادَ الْوُضُوءَ (فَمَضْمَضَ) أَيْ: غَسَلَ فَمَهُ
стр. 585
فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ الْمَضْمَضَةُ الْمَصْمَصَةُ، وَقِيلَ الْمُهْمَلَةُ بِطَرَفِ اللِّسَانِ وَالْمُعْجَمَةُ بِالْفَمِ كُلِّهِ وَفِي الْقَامُوسِ الْمَضْمَضَةُ أَيْ بِالْمُعْجَمَةِ تَحْرِيكُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ، فَزِيَادَةُ النُّقْطَةِ لِإِفَادَةِ النُّكْتَةِ، فَالتَّعْبِيرُ بِالْمَضْمَضَةِ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّطْهِيرِ (خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ) : أَيْ: بَعْضُ الْخَطَايَا أَوِ الْخَطَايَا الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْفَمِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِالصَّغَائِرِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِذَا اسْتَنْثَرَ) : أَيْ: غَسَلَ أَنْفَهُ وَبَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ قَالَ الطِّيبِيُّ: خُصَّ الِاسْتِنْثَارُ لِأَنَّ الْقَصْدَ خُرُوجُ الْخَطَايَا وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِلِاسْتِنْثَارِ لِأَنَّهُ إِخْرَاجُ الْمَاءِ مِنْ أَقْصَى الْأَنْفِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَخْدِشُهُ التَّعْبِيرُ بِالْمَضْمَضَةِ وَهِيَ لَا تَسْتَلْزِمُ إِخْرَاجَ مَاءٍ لِحُصُولِ أَصْلِ سُنَّتِهَا وَإِنِ ابْتَلَعَهُ فَيُسْتَفَادُ مِنْهَا حُصُولُ التَّكْفِيرِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ، وَكَذَا الِاسْتِنْشَاقُ فَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْتِنْثَارِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِأَنَّهُ الْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنَ الِاسْتِنْشَاقِ، إِذْ هُوَ إِخْرَاجُ الْمَاءِ مِنْ أَقْصَى الْأَنْفِ الْمُسْتَلْزِمِ لِمَزِيدِ تَنْظِيفِهِ مِنْ أَقْذَارِهِ الَّتِي لَا يُسْتَقْصَى إِخْرَاجُهَا كُلُّهَا إِلَّا بِهِ اهـ.
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ كَلَامَ الطِّيبِيِّ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ، بَلْ هُوَ عَيْنُهُ مَعَ زِيَادَةِ النُّكْتَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْمَقَامِ، وَلَا يَلْزَمُ اطِّرَادُهَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَضْمَضَةِ إِخْرَاجَ الْمَاءِ مِنَ الْفَمِ اكْتُفِيَ بِهِ بِخِلَافِ الِاسْتِنْشَاقِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِنْثَارِ (خَرَجَتِ الْخَطَايَا) : كَشَمِّ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ (مِنْ أَنْفِهِ) : أَيْ مَعَ الْمَاءِ (وَإِذَا) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِالْفَاءِ ( «غَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ» ) : أَيْ: أَهْدَابِهِمَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَرَّ أَنَّ الْخَطَايَا إِنَّمَا تَخْرُجُ مِنْ عَيْنَيْهِ فَقَطْ، وَجَعْلُ الْخُرُوجِ مِنْهَا هُنَا غَايَةً يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَا هُنَا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ إِنِ اكْتَسَبَ بِمَا عَدَا فَمِهِ وَأَنْفِهِ وَعَيْنِهِ مِنْ بَقِيَّةِ وَجْهِهِ خَطِيئَةً خَرَجَتْ بِغَسْلِهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُلَائِمُهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَقُولَ مِنْ ذَقْنِهِ (فَإِذَا) : هُنَا وَفِيمَا بَعْدَ الْفَاءِ لَا غَيْرَ (غَسَلَ يَدَيْهِ) : أَيْ: إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ ( «خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ. فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ» ) ظَاهِرُهُ الِاسْتِيعَابُ ( «خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ» ) بِضَمِّ الذَّالِ وَسُكُونِهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ وَأَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ بِمَائِهِ لَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَتَكَلَّفَ لَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا يَنْبُو عَنْهُ السَّمْعُ (فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ) : أَيْ: إِلَى الْكَعْبَيْنِ ( «خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ. ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ» ) : سَوَاءٌ كَانَتْ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً (نَافِلَةً لَهُ) أَيْ: زَائِدَةً عَلَى تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَهِيَ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. أَوْ زَائِدَةً عَنْ تَكْفِيرِ سَيِّئَاتِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَهِيَ لِسَيِّئَاتٍ أُخَرَ إِنْ وُجِدَتْ وَإِلَّا فَلِتَخْفِيفِ الْكَبَائِرِ ثُمَّ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِيمَا سَبَقَ (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالنَّسَائِيُّ) . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
стр. 586
٢٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَتَى الْمَقْبَرَةَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا) قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: (أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ، بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟) قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: (فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٩٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى الْمَقْبَرَةَ) : بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ قَلِيلٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مَقْبَرَةُ الْبَقِيعِ (فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) : إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ الزَّائِرَ وَيُدْرِكُونَ كَلَامَهُ وَسَلَامَهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ سَوَاءٌ فِي تَقْدِيمِ السَّلَامِ عَلَى عَلَيْكُمْ (دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) : نَصَبَ دَارَ عَلَى الِاخْتِصَاصِ أَوِ النِّدَاءِ لِأَنَّهُ مُضَافٌ، وَالْمُرَادُ بِالدَّارِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْجَمَاعَةُ وَالْأَهْلُ، وَيُحْتَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ الْمَنْزِلُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَحَدُ الْمَجَازَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ تَعْيِينُ التَّخْصِيصِ فِي الدُّعَاءِ لِأَهْلِ مَقْبَرَةٍ وَنَحْوِهِمْ مِمَّا يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ( «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» ) : فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ مَعَ أَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ أَقْوَالٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ مَنْ يُحْسِنُ الْكَلَامَ بِهِ، الثَّالِثُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَائِدٌ عَلَى اللُّحُوقِ بِالْمَكَانِ الْمُتَبَرِّكِ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] (وَدِدْتُ) : بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ تَمَنَّيْتُ وَأَحْبَبْتُ (أَنَا) : أَيْ: أَنَا وَأَصْحَابِي (قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا) : تَمَنَّى رُؤْيَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ، وَقِيلَ: بَعْدَ الْمَمَاتِ (قَالُوا: أَوَلَسْنَا) : أَيْ: أَتَقُولُ هَذَا وَلَسْنَا (إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي) : لَيْسَ هَذَا نَفْيًا لِأُخُوَّتِهِمْ لَكِنْ ذَكَرَ لَهُمْ مَزِيَّةً بِالصُّحْبَةِ عَلَى الْأُخُوَّةِ فَهُمْ إِخْوَةٌ وَصَحَابَةٌ، وَاللَّاحِقُونَ إِخْوَةٌ فَحَسْبُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٢] (وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ) أَيْ: لَمْ يَلْحَقُوا إِلَى الْآنَ، أَوْ لَمْ يَأْتُوا إِلَيْنَا. قِيلَ: وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اللَّاحِقِينَ بَعْدَ مَوْتِهِ ﵊ مِنَ التَّابِعِينَ، لَكِنْ يَأْبَاهُ سُؤَالُهُمُ الْآتِي الشَّامِلُ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، فَإِنْ قُلْتَ: فَأَيُّ اتِّصَالٍ لِهَذِهِ الْوِدَادَةِ بِذِكْرِ أَصْحَابِ الْقُبُورِ؟ قُلْتُ: عِنْدَ تَصَوُّرِ السَّابِقِينَ تَصَوُّرُ اللَّاحِقِينَ، أَوْ كُشِفَ لَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ عَالَمُ الْأَرْوَاحِ، فَشَاهَدَ الْأَرْوَاحَ الْمُجَنَّدَةَ السَّابِقِينَ مِنْهُمْ وَاللَّاحِقِينَ ( «فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» ؟) . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَسُؤَالُهُمْ بِقَوْلِهِمْ: كَيْفَ تَعْرِفُ أَيْ فِي الْمَحْشَرِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّكَ تَمَنَّيْتَ رُؤْيَتَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا يُتَمَنَّى مَا لَمْ يَكُنْ حُصُولُهُ. فَإِذَنْ كَيْفَ تَعْرِفُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْآخِرَةِ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ الْآتِيَ: غَيْرُ مُحَجَّلَةٍ لِظُهُورِهِمَا حِينَئِذٍ (فَقَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِدُونِ الْفَاءِ (أَرَأَيْتَ) : أَيْ: أَخْبِرْنِي أَيُّهَا الْمُخَاطِبُ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ أَيْ: مَثَلًا (غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ) قِيلَ: الظَّهْرُ مُقْحَمٌ. فِي النِّهَايَةِ: أَقَامُوا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ: أَيْ: أَقَامُوا بَيْنَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِظْهَارِ وَالِاسْتِنَادِ إِلَيْهِمْ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ ظَهْرًا مِنْهُمْ قُدَّامَهُ وَظَهْرًا وَرَاءَهُ، فَهُوَ مَكْنُوفٌ مِنْ جَانِبَيْهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي الْإِقَامَةِ بَيْنَ الْقَوْمِ مُطْلَقًا كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. أَقُولُ: ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْإِقَامَةِ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ مَجَازًا (دُهْمٍ) : أَيْ: سُودٍ (بُهْمٍ) : الْبُهْمُ: السُّودُ، وَقِيلَ: الَّذِي لَا يُخَالِطُ لَوْنُهُ لَوْنَ سِوَاهُ قَرَنَهُ بِالدُّهْمِ مُبَالَغَةً فِي السَّوَادِ (أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟) الْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ (قَالُوا: بَلَى) يَعْرِفُهَا (يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (فَإِنَّهُمْ) : أَيْ: أُمَّةُ الْإِجَابَةِ جَمِيعًا ( «يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوَضُوءِ» ) بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ أَيْ: مِنْ أَجْلِهِ ( «وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ» ) : أَيْ: مُتَقَدِّمُهُمْ إِلَى حَوْضِي فِي الْمَحْشَرِ فَإِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا يُقَالُ: فَرَطَ يَفْرُطُ فَهُوَ فَارِطٌ، وَفَرَطٌ إِذَا تَقَدَّمَ وَسَبَقَ الْقَوْمَ لِيَرْتَادَ لَهُمُ الْمَاءَ وَيُهَيِّئَ لَهُمُ الدِّلَاءَ وَالْأَرْشِيَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 587
٢٩٩ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِالسُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَأَنْظُرُ إِلَى مَا بَيْنَ يَدِي فَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ، وَمِنْ خَلْفِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ يَمِينِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ شِمَالِي مِثْلُ ذَلِكَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: هُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، لَيْسَ أَحَدٌ كَذَلِكَ غَيْرَهُمْ، وَأَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ تَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٢٩٩ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ) : بِالْهَمْزِ وَيُبَدَّلُ (بِالسُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ رُوحَهُ أَوْ نُورَهُ (وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ) إِشَارَةً إِلَى مَقَامِ الشَّفَاعَةِ كَمَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ: (فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا) إِلَى قَوْلِهِ: (فَيَقُولُ لِيَ ارْفَعْ مُحَمَّدُ) (فَأَنْظُرُ) : الْفَاءُ فَصِيحَةٌ، أَوْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَنْظُرُ (إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيَّ) : أَيْ قُدَّامِي (فَأَعْرِفُ) : أَيْ: أُمَيِّزُ لِيَسْتَقِيمَ تَعَلُّقُ مَنْ بِهِ (أُمَّتِي) : أَيِ: الَّذِينَ أَجَابُوا (مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ وَمِنْ خَلْفِي) : أَيْ: وَأَنْظُرُ مِنْ وَرَائِي (مِثْلَ ذَلِكَ) : بِالنِّصْفِ أَيْ: فَأَعْرِفُ أُمَّتِي وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ جُمْلَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَجْمُوعِ الْجُمْلَتَيْنِ قَبْلَهَا خِلَافَ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ تَقْدِيرِنَا (وَعَنْ يَمِينِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ شِمَالِي مِثْلُ ذَلِكَ) يَعْنِي مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَتِهِمْ وَتَفَاوُتِ مَرَاتِبِهِمْ «فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ» ) : أَيْ: سَائِرِهِمْ (فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ) : بَيَانٌ لِلْأُمَمِ حَالٌ مِنْهُ أَيِ: الْأُمَمُ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ، وَلَوْ قِيلَ: هُوَ ظَرْفٌ لِـ " تَعْرِفُ " لَرَجَعَ الْمَعْنَى كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ؟ وَلَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ مِنَ الْأُمَمِ مَعْنًى، وَإِنَّمَا خَصَّ نُوحًا مَعَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَآدَمَ وَشِيثٍ وَإِدْرِيسَ قَدْ بُعِثُوا قَبْلَهُ لِشُهْرَتِهِ أَوْ لِكَثْرَةِ أُمَّتِهِ وَإِلَى فِي قَوْلِهِ (إِلَى أُمَّتِكَ؟) : لِلِانْتِهَاءِ أَيْ: مُبْتَدِئًا مِنْ نُوحٍ مُنْتَهِيًا إِلَى أُمَّتِكَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَانَ الْقِيَاسُ وَأُمَّتُكَ لِتَعَيُّنِ عَطْفِ مَا بَعْدَ بَيْنَ بِالْوَاوِ فَيُقَدَّرُ مَحْذُوفٌ بَعْدَ نُوحٍ، وَقِيلَ إِلَى لِدَلَالَةِ كُلٍّ مِنْ " بَيْنَ " " وَإِلَى " عَلَى ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ، وَالتَّقْدِيرُ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ وَغَيْرِهِ مُبْتَدِئًا ذَلِكَ مِنْ أُمَّتِهِ أَوْ زَمَنِهِ إِلَى أُمَّتِكَ أَوْ زَمَنِهِمْ (قَالَ: هُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، لَيْسَ أَحَدٌ كَذَلِكَ) وَفِي: نُسْخَةٍ كَذَاكَ (غَيْرُهُمْ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْغُرَّةَ وَالتَّحْجِيلَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ أُمَّتِهِ ﵊ (وَأَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ) : وَلَعَلَّ هَذَا فِي وَقْتٍ خَاصٍّ لَهُمْ قَبْلَ إِيتَاءِ الْكُتُبِ لِلْأُمَمِ السَّالِفَةِ، أَوْ لِكُتُبِهِمْ نُورٌ زَائِدٌ عَلَى كُتُبِ غَيْرِهِمْ ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِمْ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ ذَلِكَ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، أَوْ عَلَى صِفَةٍ لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِمْ، إِذِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ وَبَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ الْعُمُومُ، وَأَنَّ الْفَاسِقَ يُؤْتَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ أَيْضًا، وَهُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ أَيْضًا، وَمَا اقْتَضَتْهُ الْآيَةُ مِنْ أَنَّ مَنْ يُؤْتَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ لَا يَصْلَى النَّارَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصْلَاهَا صُلُوَّ الْكَافِرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥] الْآيَةَ. وَنَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الْفَاسِقَ الَّذِي أُرِيدَ تَعْذِيبُهُ يُعْطَاهُ بِيَمِينِهِ أَوَّلًا قَبْلَ دُخُولِهِ النَّارَ، ثُمَّ خَالَفَهُ وَقَالَ: إِنَّمَا يُعْطَاهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا، وَرُدَّ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْأَوَّلَ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّقَّاشُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا مَا يَقْتَضِيهِ اهـ. لَكِنَّ قَوْلَهُ: دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ أَيْضًا غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ مَسْكُوتَةٌ عَنْ حَالِ الْفَاسِقِ فِي إِعْطَاءِ الْكُتُبِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَفِي ثِقَلِ الْمِيزَانِ وَخِفَّتِهِ أَيْضًا، وَلَعَلَّهُ لَيَكُونُ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَأَعْرِفُهُمْ تَسْعَى) : بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ) يَحْتَمِلُ الِاخْتِصَاصَ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يَأْتِ بِالْوَصْفَيْنِ هَذَيْنِ تَفْصِلَةً وَتَمْيِيزًا كَالْأَوَّلِ، بَلْ أَتَى بِهِمَا مَدْحًا لِأُمَّتِهِ وَابْتِهَاجًا بِمَا أُوتُوا مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْفَضِيلَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
стр. 588
[بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ]
стр. 589
[١] بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٠٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[١]- بَابُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ
أَيْ: أَسْبَابُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَالْمُوجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٠٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تُقْبَلُ) : أَيْ: قَبُولَ إِجَابَةٍ وَإِثَابَةٍ بِخِلَافِ الْمُسْبِلِ وَالْآبِقِ، فَإِنَّ صَلَاتَهُمَا لَا تُقْبَلُ أَيْضًا لَكِنَّهَا لَا تُقْبَلُ بِتَرْكِ الْإِثَابَةِ، وَتُقْبَلُ إِجَابَةً فَلَا يُرَدُّ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ عَدَمَ الْجَوَازِ وَالصِّحَّةِ مَعَ أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطُ الصِّحَّةِ ( «صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ) » : أَيْ: صَارَ ذَا حَدَثٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْمُضَافَةِ صُورَتُهَا أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَتْ (حَتَّى يَتَوَضَّأَ) : أَيْ: حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، أَوْ يَتَوَضَّأُ بِمَعْنَى يَتَطَهَّرُ فَيَشْمَلُ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ. قَالَ الْمُظْهِرُ: الْمَعْنَى لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِلَا وُضُوءٍ إِلَّا إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فَيَقُومُ التَّيَمُّمُ مَقَامَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التُّرَابَ أَيْضًا يُصَلِّي الْفَرْضَ الْوَقْتِيَّ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، ثُمَّ إِنْ مَاتَ قَبْلَ وِجْدَانِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ لَمْ يَأْثَمْ وَإِنْ وَجَدَهُمَا يَقْضِي اهـ.
وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَا يُصَلِّي لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ سَوَاءٌ ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْعُدِمَ الصَّعِيدُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لِلضَّرُورَةِ وَلِقَوْلِهِ ﵊: ( «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ) مَدْفُوعٌ بِأَنَّ مَضْمُونَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ صَلَاتُهُ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ أَنْ يُصَلِّيَ بِلَا وُضُوءٍ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ( «وَإِذَا نُهِيتُمْ عَنْ أَمْرٍ فَاجْتَنِبُوهُ» ) أَيْ: مُطْلَقًا. وَفِي شَرْحِ الشَّمَنِيِّ: وَالْمَحْبُوسُ الَّذِي لَا يَجِدُ طَهُورًا لَا يُصَلِّي عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ يُعِيدُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ تَشْبِيهًا بِالْمُصَلِّينَ قَضَاءً لِحَقِّ الْوَقْتِ كَمَا فِي الصَّوْمِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْأَدَاءِ لِمَكَانِ الْحَدَثِ، فَلَا يَلْزَمُهُ التَّشَبُّهُ كَالْحَائِضِ، وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ الطَّهَارَةِ مُتَعَمِّدًا لَيْسَ بِكُفْرٍ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كُفْرًا لَمَا أَمَرَ أَبُو يُوسُفَ بِهِ، وَقِيلَ: كُفْرٌ كَالصَّلَاةِ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجِسِ عَمْدًا لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَخِفِّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجِسِ لَا يُكَفَّرُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَدَاؤُهُ بِحَالٍ، وَلَوْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا يُكَفَّرُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ لِكُلِّ حَالٍ فَيَكُونُ مُسْتَخِفًّا اهـ.
وَالظَّاهِرُ إِنَّهُ إِذَا قُصِدَ بِهِ حُرْمَةُ الْوَقْتِ لَا يُكَفَّرُ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ اجْتِهَادِيَّةٌ وَلِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُسْتَخِفٌّ، بِخِلَافِ مَا إِذَا صَلَّى مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ عَمْدًا لَا لِهَذَا الْقَصْدِ فَإِنَّهُ يُكَفَّرُ لِأَنَّهُ مُسْتَخِفٌّ بِالشَّرْعِ حِينَئِذٍ، وَلَوْ صَلَّى بِلَا طَهَارَةٍ حَيَاءً أَوْ رِيَاءً أَوْ كَسَلًا فَهَلْ يَكُونُ مُسْتَخِفًّا أَمْ لَا؟ مَحَلُّ بَحْثٍ، وَالْأَظْهَرُ فِي الْمُسْتَحْيِي أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَخِفًّا بِخِلَافِ الْآخَرِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: وَإِعَادَةُ الضَّمِيرِ يَتَوَضَّأُ لِلْمُحْدِثِ بِمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ التَّقْدِيرَ فَإِذَا تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ أَيْ: صَلَاةُ الْمُحْدِثِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ، وَهُنَا تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، ثُمَّ حَتَّى هُنَا إِمَّا غَائِيَّةٌ أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ أَوِ اسْتِثْنَائِيَّةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 590
٣٠١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٠١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ» ) : وَهُوَ بِالضَّمِّ الطُّهْرُ، وَبِالْفَتْحِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ نُسْخَتَانِ، وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُمَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: لَا تَصِحُّ إِذَا نُفِيَ الْقَبُولُ أَمَّا بِمَعْنَى نَفْيِ الصِّحَّةِ كَمَا هُنَا، وَأَمَّا بِمَعْنَى نَفْيِ الثَّوَابِ كَمَا فِي خَبَرِ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَيْ مُنَجِّمًا لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» (وَلَا صَدَقَةٌ) : أَيِ: الَّتِي هِيَ طَهَارَةُ النَّفْسِ مِنْ رَذِيلَةِ الْبُخْلِ وَقِلَّةِ الرَّحْمَةِ (مِنْ غُلُولٍ) : بِالضَّمِّ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ أَيْ: مَالٌ حَرَامٌ، وَأَصْلُ الْغُلُولِ الْخِيَانَةُ فِي الْغَنِيمَةِ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالٍ حَرَامٍ وَيَرْجُو الثَّوَابَ كَفَرَ، وَوَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ أَوْ ظَنَّ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ فَقَالَ: أَيْ كَثِيرُ الْغَلِّ أَيِ الْخِيَانَةُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ، وَلِذَا قَالَ: وَالْمُرَادُ هُنَا مَنْ تَصَدَّقَ بِمَا خَانَ بِأَنْ تَصَدَّقَ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ فَلَا يُثَابُ عَلَى التَّصَدُّقِ بِهِ، بَلْ يُعَاقَبُ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ حَرَامٌ وَثَوَابُهُ لِمَالِكِهِ اهـ. وَمَحَلُّ هَذَا إِذَا كَانَ يَعْرِفُ مَالِكَهُ أَوْ وَارِثَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ. وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 591
٣٠٢ - «وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٠٢ - (وَعَنْ عَلِيٍّ) : رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) : بِالتَّشْدِيدِ وَالْمَدِّ: أَيْ كَثِيرَ الْمَذْيِ بِالْمُعْجَمَةِ مِنْ أَمْذَى وَهُوَ أَرَقُّ مِنَ الْمَنِيِّ يَخْرُجُ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوِ النَّظَرِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ مَاءٌ رَقِيقٌ أَصْفَرُ يَخْرُجُ عِنْدَ الشَّهْوَةِ الضَّعِيفَةِ وَفِي حُكْمِهِ الْوَدْيُ بِالْمُهْمَلَةِ. وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ ثَخِينٌ يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ أَوْ عِنْدَ حَمْلِ شَيْءٍ ثَقِيلٍ (فَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسَالَ النَّبِيَّ ﷺ ) . أَيْ: عَنْ حُكْمِ الْمَذْيِ هَلْ هُوَ نَجِسٌ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ أَمْ لَا؟ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ) : أَيْ: فَاطِمَةُ ﵂ لِكَوْنِهَا تَحْتَهُ وَالْمَذْيُ كَثِيرًا مَا يَخْرُجُ بِسَبَبِ مُلَاعَبَةِ الزَّوْجَةِ، وَكَانَ فِي السُّؤَالِ عَنْ كَثْرَتِهِ تَعْرِيضٌ بِشَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ ابْنَتِهِ الَّتِي يَسْتَحْيِي مِنْ إِظْهَارِهَا، لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَكَادُ يُفْصِحُ بِهِ أُولُو الْأَحْلَامِ خُصُوصًا بِحَضْرَةِ الْأَكَابِرِ الْعِظَامِ وَعَلَّلَ الْحَيَاءَ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَرُدَّ عَلَيْهِ أَنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ السُّؤَالِ وَالتَّعَلُّمِ مَذْمُومٌ (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ) : أَيِ؟ الْتَمَسْتُ مِنْهُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ (فَسَأَلَهُ) : أَيْ: مُبْهِمًا بِأَنْ قَالَ مَثَلًا: رَجُلٌ خَرَجَ مِنْ ذَكَرِهِ مَذْيٌ مَا الْحُكْمُ فِيهِ؟ (فَقَالَ ﷺ : (يَغْسِلُ ذَكَرَهُ) : لِنَجَاسَتِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مَا مَسَّهُ مِنْهُ لَا غَيْرَ قِيَاسًا عَلَى نَحْوِ الْبَوْلِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَتَعَيَّنُ غَسْلُهُ، وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ لِنُدُورِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَأَحَدُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ اهـ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: إِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَتَقَلَّصَ الْعُرُوقُ وَيَنْقَطِعَ الْمَذْيُ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرِ الْإِنْسَانُ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنَ الْبَوْلِ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ لَا يُؤْمَرَ بِغَسْلِهِ مِنَ الْمَذْيِ اهـ. وَقَالَ أَحْمَدُ: يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِ الذَّكَرِ، وَقِيلَ: يَجِبُ غَسْلُ الْأُنْثَيَيْنِ أَيْضًا لِرِوَايَةٍ، كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ (وَيَتَوَضَّأُ) قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَنَزَّهُونَ عَنْهُ تَنَزُّهَهُمْ عَنِ الْبَوْلِ ظَنًّا أَنَّهُ أَخَفُّ مِنْهُ اهـ. وَهَذَا لَا يُجْدِي فِي صَرْفِ مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ الْخَبَرِ مِنْ وُجُوبِ غَسْلِ جَمِيعِ الذَّكَرِ وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 592
٣٠٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» ) (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَّلُ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀ هَذَا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
ــ
٣٠٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» ) : أَيْ مِنْ كُلِّ مَا مَسَّتْهُ، وَهُوَ الَّذِي أَثَّرَتْ فِيهِ النَّارُ كَاللَّحْمِ وَالدِّبْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
(قَالَ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ مُحْيِي السُّنَّةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) : وَفِي نُسْخَةٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ (هَذَا مَنْسُوخٌ) : أَيْ: قَوْلُ مَنْ حَمَلَ الْوُضُوءَ عَلَى الشَّرْعِيِّ الْوَاجِبِ وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ (بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ) .
стр. 593
٣٠٤ - قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٠٤ - (قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْوُضُوءُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى اللُّغَوِيِّ أَوِ الشَّرْعِيِّ وَالْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. قَالَ الْقَاضِي: الْوُضُوءُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ غَسْلُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ وَتَنْظِيفُهُ مِنَ الْوَضَاءَةِ بِمَعْنَى النَّظَافَةِ، وَالشَّرْعُ نَقَلَهَا إِلَى الْفِعْلِ الْمَخْصُوصِ، وَقَدْ جَاءَ هُنَا عَلَى أَصْلِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ وَمِنْ نَظَائِرِهِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِإِزَالَةِ الزُّهُومَةِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَنَحْوِهِمَا. وَمَنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنَّمَا يَتَقَرَّرُ ذَلِكَ لَوْ عُلِمَ تَارِيخُهُمَا وَتَقَدُّمُ الْأَوَّلِ، لَا يُقَالُ صُحْبَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَأَخِّرَةٌ لِأَنَّ تَأَخُّرَ الصُّحْبَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِ الرِّوَايَةِ إِلَّا
стр. 594
إِذَا كَانَتْ صُحْبَةُ الْمُتَأَخِّرِ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُتَقَدِّمِ أَوْ غَيْبَتِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوِ اجْتَمَعَا. قِيلَ: وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِهِ بِالنَّسْخِ حَيْثُ قَالَ: وَمِمَّا يُعْرَفُ بِهِ النَّسَخُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى غَسْلِ الْيَدَيْنِ بَعِيدٌ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَدْلُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّهُ ﵊ إِنَّمَا بُعِثَ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ، وَالْوَجْهُ إِنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا اسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ: «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» .
стр. 595
٣٠٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄، «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ (إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَتَوَضَّأْ) قَالَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: (نَعَمْ! فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ) قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: (نَعَمْ) . قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ قَالَ (لَا» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٠٥ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) : كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ ابْنِ أُخْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَتَوَضَّأُ) : بِالنُّونِ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِالْيَاءِ مَجْهُولًا وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ أَتَوَضَّأُ بِالْمُتَكَلِّمِ الْمُفْرَدِ مَعَ الِاسْتِفْهَامِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْكَازَرُونِيُّ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: أَيُتَوَضَّأُ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَتَوَضَّأُ، وَالْكُلُّ غَيْرُ مُتَّبِعٍ رِوَايَةً مُطَابِقَةً وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ أَأَتَوَضَّأُ بِهَمْزَتَيْنِ لَكِنْ حُذِفَ إِحْدَاهُمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ( «مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟» ) أَيْ: مِنْ أَكْلِهَا ( «قَالَ: إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَتَوَضَّأْ» ) . وَفِي نُسْخَةٍ: بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ( «قَالَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» ) وَفِيهِ تَأْكِيدُ الْوُضُوءِ مِنْ أَكْلِ لَحْمِ الْإِبِلِ وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ أَقْوَى دَلِيلًا وَعِنْدَ غَيْرِهِ الْمُرَادُ مِنْهُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالْفَمِ لِمَا فِي لَحْمِ الْإِبِلِ مِنْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ وَدُسُومَةِ غَلِيظَةِ بِخِلَافِ لَحْمِ الْغَنَمِ أَوْ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ جَابِرٍ (قَالَ) : أَيِ الرَّجُلُ (أُصَلِّي) : بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ وَفِي نُسْخَةٍ بِإِثْبَاتِهِ ( «فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟» ) : جَمْعُ مَرْبِضٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ مَوْضِعُ رُبُوضِ الْغَنَمِ وَهُوَ لِلْغَنَمِ بِمَنْزِلَةِ الِاضْطِجَاعِ لِلْإِنْسَانِ وَالْبُرُوكِ لِلْإِبِلِ وَالْجُثُومِ لِلطَّيْرِ (قَالَ (نَعَمْ) . فَلَا كَرَاهَةَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا نِفَارَ لَهَا بِحَيْثُ يُشَوَّشُ عَلَى الْمُصَلِّي الْخُشُوعُ وَالْحُضُورُ ( «قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟» ) : جَمْعُ مَبْرَكٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ (قَالَ (لَا) كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ لِمَا لَا يُؤْمَنُ مِنْ نِفَارِهَا فَيَلْحَقُ الْمُصَلِّيَ ضَرَرٌ مِنْ صَدْمَةٍ وَغَيْرِهَا فَلَا يَكُونُ لَهُ حُضُورٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْبَقَرُ كَالْغَنَمِ وَفِيهِ بَحْثٌ وَمَحَلُّ الْفَرْقِ حَيْثُ خَلَتِ الْمَرَابِضُ وَالْمَبَارِكُ عَنِ النَّجَاسَةِ وَإِلَّا فَكُرِهَتْ فِي الْمَرَابِضِ أَيْضًا لَكِنْ لِلنَّجَاسَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُهُ ( «وَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، وَتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ وَصَلُّوا فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ» ) .
стр. 596
٣٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا. فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٠٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا» ) : أَيْ كَالْقَرْقَرَةِ بِأَنْ تَرَدَّدَ فِي بَطْنِهِ رِيحٌ (فَأُشْكِلَ) : أَيِ الْتَبَسَ (عَلَيْهِ أَخَرَجَ) : بِهَمْزَةِ اسْتِفْهَامٍ (مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ) : أَيْ لِلتَّوَضُّؤِ لِأَنَّ الْمُتَيَقَّنَ لَا يُبْطِلُهُ الشَّكُّ. قِيلَ: يُوهِمُ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِ الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ، لَكِنْ أُشِيرَ بِهِ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ مَكَانُهَا، فَعَلَى الْمُؤْمِنِ مُلَازَمَةُ الْجَمَاعَاتِ لِلْمَسْجِدِ (حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا) : أَيْ: صَوْتَ رِيحٍ يَخْرُجُ مِنْهُ ( «أَوْ يَجِدَ رِيحًا» ) : أَيْ: يَجِدَ رَائِحَةَ رِيحٍ خَرَجَتْ مِنْهُ، وَهَذَا مَجَازٌ عَنْ تَيَقُّنِ الْحَدَثِ
стр. 597
لِأَنَّهُمَا سَبَبُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، كَذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ يُحِسُّ بِخُرُوجِهِ وَإِنْ لَمْ يَشُمَّهُ، وَقَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَعْنَاهُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ الْحَدَثَ لَا أَنَّ سَمَاعَ الصَّوْتِ أَوْ وِجْدَانَ الرِّيحِ شَرْطٌ، إِذْ قَدْ يَكُونُ أَصَمَّ فَلَا يَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَقَدْ يَكُونُ أَخْشَمَ فَلَا يَجِدُ الرِّيحَ وَيَنْتَقِضُ طُهْرُهُ إِذَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ. قَالَ الْإِمَامُ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرِّيحَ الْخَارِجَةَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ تُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: خُرُوجُ الرِّيحِ مِنَ الْقُبُلِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الشَّرْعِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ اهـ. وَتَوْجِيهُ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّهُ نَادِرٌ فَلَا يَشْمَلُهُ النَّصُّ كَذَا قِيلَ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْهَمَّامِ مِنْ أَنَّ الرِّيحَ الْخَارِجَ مِنَ الذَّكَرِ اخْتِلَاجٌ لَا رِيحٌ فَلَا يَنْقُضُ كَالرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ جِرَاحَةٍ فِي الْبَطْنِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 598
٣٠٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ، وَقَالَ (إِنَّ لَهُ دَسَمًا» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٠٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ» ) ، زَادَ مُسْلِمٌ: ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ أَيْ: غَسَلَ فَمَهُ. ذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ قَالَ الشَّيْخُ: وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِلتَّنْظِيفِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِحْبَابِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ وَالْأَظْهَرُ اسْتِحْبَابُهُ لَا إِلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ نَظَافَةَ الْيَدَيْنِ مِنَ النَّجَاسَةِ وَالْوَسَخِ وَاسْتِحْبَابُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ إِلَّا أَنْ لَا يَبْقَى عَلَى الْيَدِ أَثَرُ الطَّعَامِ بِأَنْ كَانَ يَابِسًا أَوْ لَمْ يَمَسَّهُ بِهَا (وَقَالَ) ﷺ ( «إِنَّ لَهُ دَسَمًا» ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ زُهُومَةً. قَالَ الطِّيبِيُّ: جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ تَعْلِيلٌ لِلتَّمَضْمُضِ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ التَّمَضْمُضَ مُنَاسِبٌ، وَقِيلَ: الْمَضْمَضَةُ بِالْمَاءِ مُسْتَحَبَّةٌ عَنْ كُلِّ مَا لَهُ دُسُومَةٌ إِذْ يَبْقَى فِي الْفَمِ بَقِيَّةٌ تَصِلُ إِلَى بَاطِنِهِ فِي الصَّلَاةِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَضْمَضَ مِنْ كُلِّ مَا خِيفَ مِنْهُ الْوُصُولُ إِلَى الْبَاطِنِ طَرْدًا لِلْعِلَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ السَّوِيقِ اهـ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَفِي الظُّهَيْرِيَةِ لَوْ أَكَلَ السُّكَّرَ أَوِ الْحَلْوَاءَ، ثُمَّ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ وَالْحَلَاوَةُ فِي فَمِهِ فَدَخَلَ مَعَ الرِّيقِ لَا يُفْسِدُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِعُنْوَانِ الْبَابِ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ مُتَمِّمَاتِ الْوُضُوءِ أَوْ مُكَمِّلَاتِهِ.
стр. 599
٣٠٨ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ! فَقَالَ: (عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٠٨ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ) : أَيِ ابْنِ أَبِي الْحُصَيْبِ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِخُرَاسَانَ كَذَا فِي التَّهْذِيبِ وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَسْلَمِيٌّ أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا وَبَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَكَانَ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى خُرَاسَانَ غَازِيًا فَمَاتَ بِمَرْوَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ) : أَيِ الْخَمْسَ الْمَعْهُودَةَ (يَوْمَ الْفَتْحِ) : أَيْ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ (بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ) : حَالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ (عَلَى خُفَّيْهِ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَيْسَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِهِ مُسْتَدِلًّا بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا مَا لَمْ يُحْدِثْ» . (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟ فَقَالَ: (عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ) : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَذْكُورِ، وَهُوَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَعَمْدًا تَمْيِيزٌ
стр. 600
أَوْ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فَقُدِّمَ اهْتِمَامًا لِشَرْعِيَّةِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الدِّينِ أَوِ اخْتِصَاصًا رَدًّا لِزَعْمِ مَنْ لَا يَرَى جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَدَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ لَا تُكْرَهُ صَلَاتُهُ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْأَخْبَثَانِ، كَذَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ، لَكِنْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إِلَى مَجْمُوعِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ يُوهِمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَالْحَالُ إِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ إِلَى الْجَمْعِ فَقَطْ تَجْرِيدًا عَنِ الْحَالِ فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِلْقَضِيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ يُفِيدُ اسْتِمْرَارَ حُكْمِ الْمَسْحِ إِلَى آخِرِ الْإِسْلَامِ فَيَنْتَفِي تَوَهُّمُ نَسْخِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وَلَعَلَّ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْبَابِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا أُرِيدَ الْقِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلِذَا قَالَ ﷺ : ( «عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ» ) وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ فَاغْسِلُوا إِلَخْ. وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ وُجُوبَ الْوُضُوءِ كَانَ لِكُلِّ فَرْضٍ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ، ثُمَّ نُسِخَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَبَعِيدٌ مِنَ السِّيَاقِ وَاللِّحَاقِ، مَعَ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَيَرُدُّهُ أَيْضًا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
следующие страницы →