← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

٤٤٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «إِنَّ نَعْلَ النَّبِيِّ كَانَ لَهَا قِبَالَانِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٤٠٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: إِنَّ نَعْلَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ لَهَا قِبَالَانِ) : الْقِبَالُ بِكَسْرِ الْقَافِ زِمَامُ النَّعْلِ وَهُوَ السَّيْرُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ لِنَعْلِهِ زِمَامَانِ يُجْعَلَانِ بَيْنَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالْأُصْبُعَيْنِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: يَعْنِي كَانَ لِكُلِّ نَعْلٍ زِمَامَانِ يُدْخِلُ الْإِبْهَامَ وَالَّتِي تَلِيهِ فِي قِبَالٍ، وَالْأَصَابِعَ الْأُخَرَ فِي قِبَالٍ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الشَّمَائِلِ عَنْ قَتَادَةَ، «قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كَيْفَ كَانَ نَعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هُمَا قِبَالَانِ» أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَالْإِفْرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِاعْتِبَارِ جِنْسِهَا، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْقِبَالُ هُوَ الزِّمَامُ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّسْعُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الرِّجْلِ. وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَيْرَانِ يَضَعُ أَحَدَهُمَا بَيْنَ إِبْهَامِ رِجْلِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا، وَيَضَعُ الْآخَرَ بَيْنَ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا، وَمَجْمَعُ السَّيْرَيْنِ إِلَى السَّيْرَيْنِ الَّذِي عَلَى وَجْهِ قَدَمِهِ ﷺ وَهُوَ الشِّرَاكُ اهـ. وَسَيَأْتِي أَنَّهُ كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَالَانِ مُثَنًّى شِرَاكُهُمَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6092

٤٤٠٩ - وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا يَقُولُ: " اسْتَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ ; فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٤٠٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا يَقُولُ: " اسْتَكْثِرُوا) : أَيِ اتَّخَذُوا كَثِيرًا (مِنَ النِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ) : أَيْ مَا دَامَ الرَّجُلُ لَابِسَ النَّعْلِ يَكُونُ كَالرَّاكِبِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالرَّاكِبِ فِي خِفَّةِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ وَقِلَّةِ تَعَبِهِ وَسَلَامَةِ رِجْلِهِ مِمَّا يَلْقَى فِي الطَّرِيقِ مِنْ خُشُونَةٍ وَشَوْكٍ وَأَذًى وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاسْتِظْهَارِ فِي السَّفَرِ بِالنِّعَالِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسَافِرُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. وَفِي الْأَوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، وَرَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا: " «نَعْلَانِ أُجَاهِدُ فِيهِمَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ وَلَدَ الزِّنَا» ".

стр. 6093

٤٤١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، لِتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤١٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ) : أَيْ أَرَادَ لُبْسَ النَّعْلِ (فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ بِالْيَمِينِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الشَّمَائِلِ (وَإِذَا نَزَعَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: خَلَعَ أَيْ أَرَادَ خَلْعَهَا (فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ بِالْيُسْرَى كَمَا فِي رِوَايَةٍ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضُ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلِاسْتِحْبَابِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحِذَاءُ كَرَامَةٌ لِلرِّجْلِ حَيْثُ إِنَّهُ وِقَايَةٌ مِنَ الْأَذَى، وَإِذَا كَانَتِ الْيُمْنَى أَفْضَلَ مِنَ الْيُسْرَى اسْتُحِبَّ الْبَدْءُ بِهَا فِي لُبْسِ النَّعْلِ، وَالتَّأْخِيرُ فِي نَزْعِهِ لِيَتَوَفَّرَ بِدَوَامِ لُبْسِهَا حَظُّهَا مِنَ الْكَرَامَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (لِتَكُنِ الْيُمْنَى) : وَفِي رِوَايَةٍ: فُلْتَكُنِ الْيُمْنَى وَفِي أُخْرَى فَلْتَكُنِ الْيَمِينَ وَيَنْصُرُهُ قَوْلُهُ: (أَوَّلَهُمَا) : وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (تُنْعَلُ) : عَلَى خِلَافٍ فِي تَأْنِيثِهِ وَتَذْكِيرِهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ، فَيَكُونُ تَذْكِيرُهُ عَلَى تَأْوِيلِ الْعُضْوِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، وَيُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَتُنْعَلُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ قَوْلُهُ: (وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ) : وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى خَبَرِ كَانَ أَوْ عَلَى الْحَالِ وَالْخَبَرُ تُنْعَلُ وَتُنْزَعُ وَضُبِطَا بِمُثَنَّاتَيْنِ فَوْقَانِيَّتَيْنِ وَبِتَحْتَانِيَّتَيْنِ مُذَكَّرَيْنِ. قَالَ مِيرَكُ: وَالْأَوَّلُ فِي رِوَايَتِنَا عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَيْنِ رَاجِعَانِ إِلَى الْيُمْنَى، وَالثَّانِي مِمَّا ضَبَطَهُ الشَّيْخُ، وَأَفَادَ بِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ النَّعْلِ وَالْخَلْعِ يَعْنِي بِهِمَا الْمَصْدَرَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ مِنَ الْفِعْلَيْنِ، وَهَذَا لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ، قَالَ الْعِصَامُ: وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَمْرُ بِجَعْلِ هَذِهِ الْخَصْلَةِ مَلَكَةً رَاسِخَةً ثَابِتَةً دَائِمَةً لِمَا أَنَّ النُّفُوسَ تَأْخُذُ هَذَا الْأَمْرَ هَيِّنًا، أَوْ أَنَّهَا اعْتَادَتْ بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى، فَكَانَتْ مَظِنَّةَ فَوْتِ تَقْدِيمِ الْيُسْرَى اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ مُجَرَّدَةٌ لِتَأْكِيدِ الْأُولَى، وَأَقُولُ: بَلْ فِيهِ زِيَادَةُ إِفَادَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْفِعْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ عَلَى النَّهْجَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ إِنَّمَا هُوَ رِعَايَةُ إِكْرَامِ الْيُمْنَى فَقَطْ نَعْلًا وَخَلْعًا، حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ سَاوَى بَيْنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، بِأَنْ أَعْطَى كُلًّا مِنْهُمَا ابْتِدَاءً فِي أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ، وَنَظِيرُهُ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَتَقْدِيمُ الْيُسْرَى فِي خُرُوجِهِ، وَعَكْسُهُ فِي دُخُولِ الْخَلَاءِ وَخُرُوجِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ثَبَتَ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ " «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي تَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَطَهُورِهِ» " وَبِهِ يَظْهَرُ ضَعْفُ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ إِنَّ فَائِدَتَهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى فِي الْأَوَّلِ لَا يَقْتَضِي تَأْخِيرُ نَزْعِهَا لِاحْتِمَالِ إِرَادَةِ نَزْعِهِمَا مَعًا، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ فَقَدْ وَهِمَ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَكَلَّفَ مَعْنًى غَيْرَ مَا قُلْتُ يُخْرِجُهُ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ، فَقَدْ أَتَى بِمَا يَمُجُّهُ السَّمْعُ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ اهـ. وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ نَزْعَهُمَا مَعًا وَلُبْسَهُمَا مَعًا مِمَّا لَا يَكَادُ يُتَصَوَّرُ فِي أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ، فَهُوَ أَوْلَى بِمَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا يَمُجُّهُ السَّمْعُ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، هَذَا وَقَدْ قَالَ مِيرَكُ: زَعَمَ بَعْضُ النُّقَّادِ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنَ الْحَدِيثِ انْتَهِي عِنْدَ قَوْلِهِ بِالشِّمَالِ، وَقَوْلُهُ فَلْتَكُنِ إِلَى قَوْلِهِ تُنْزَعُ مُدَرَّجٌ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرُّوَاةِ شَرْحًا وَتَأْكِيدًا لِمَا سَبَقَ اهـ، وَيَنْبَغِي فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَخُرُوجِهِ مِنْ مُرَاعَاةِ السُّنَّتَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَنْ عِلْمِهِ جَاهِلُونَ، وَعَنْ عَمَلِهِ غَافِلُونَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 6094

٤٤١١ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤١١ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ) : نَفِيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ لِلتَّنْزِيهِ، وَفِي الشَّمَائِلِ: " لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ ": وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّمَائِلِ: وَاحِدٍ بِالتَّذْكِيرِ لِتَأْوِيلِ النَّعْلِ بِالْمَلْبُوسِ (لِيُحْفِهِمَا) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِمَا، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ أَوْ مِنْ بَابِ عِلْمٍ. وَالْإِحْفَاءُ ضِدُّ الْإِنْعَالِ، وَهُوَ جَعْلُ الرِّجْلِ حَافِيَةً بِلَا نَعْلٍ وَخُفٍّ أَيْ لِيَمْشِ حَافِي الرِّجْلَيْنِ (جَمِيعًا أَوْ) : لِلتَّخْيِيرِ (لِيَنْعِلْهُمَا) : وَهُوَ بِالضَّبْطَيْنِ الْمَذْكُورِينَ (جَمِيعًا) : وَالضَّمِيرَانِ لِلْقَدَمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُمَا ذِكْرٌ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ، وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَجَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] ،

стр. 6095

وَقَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] ، لَكِنْ إِذَا رُوِيَ لِيَنْعَلَهُمَا بِفَتْحٍ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلنَّعْلَيْنِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ لِيَلْبَسَ نَعْلَ الْقَدَمَيْنِ، وَقَدْ بَسَطْنَا هَذَا الْمَبْحَثَ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ. قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِقِلَّةِ الْمُرُوءَةِ وَالِاخْتِلَالِ وَالْخَبْطِ فِي الْمَشْيِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: " «رُبَّمَا مَشَى النَّبِيُّ ﷺ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» " - إِنْ صَحَّ - فَشَيْءٌ نَادِرٌ لَعَلَّهُ اتَّفَقَ فِي دَارِهِ بِسَبَبٍ. قُلْتُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَعْدَ النَّهْيِ يُحْمَلُ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ أَوْ بَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَشْيُ يَشُقُّ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مَعَ سَمَاحَتِهِ فِي الشَّكْلِ، وَقُبْحِ مَنْظَرِهِ فِي الْعَيْنِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَ جَوَارِحِهِ، وَرُبَّمَا نُسِبَ فَاعِلُ ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَالِ الرَّأَيْ وَضَعْفِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّهَا مِشْيَةُ الشَّيْطَانِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْكَرَاهَةُ لِلشُّهْرَةِ فَتَمْتَدُّ الْأَبْصَارُ لِمَنْ يُرَى ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الشُّهْرَةِ فِي اللِّبَاسِ، وَكُلِّ شَيْءٍ يَصِيرُ صَاحِبُهُ مَشْهُورًا، فَحَقُّهُ أَنْ يَجْتَنِبَ. كَذَا حَقَّقَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقَالَ: قَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: " «لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ وَلَا فِي خُفٍّ وَاحِدٍ» " وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ إِخْرَاجَ أَحَدِ الْيَدَيْنِ مِنَ الْكُمِّ، وَإِلْقَاءَ الرِّدَاءِ عَلَى أَحَدِ الْمَنْكِبَيْنِ، وَلُبْسَ نَعْلٍ فِي رِجْلٍ وَخُفٍّ فِي أُخْرَى. ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا يُجْدِي. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6096

٤٤١٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ فَلَا يَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ، وَلَا يَمْشِ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ، وَلَا يَأْكُلْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَحْتَبِي بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَلَا يَلْتَحِفِ الصَّمَّاءَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٤١٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ) : بِكَسْرِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ أَيْ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. (فَلَا يَمْشِي) : بِصِيغَةِ النَّفْيِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: " فَلَا يَمْشِ " (فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) : أَيْ فِي الْأُخْرَى، كَمَا فِي رِوَايَةٍ (حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الْمَشْدُودِ فِي الزِّمَامِ، وَالزِّمَامُ هُوَ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّسْعُ، وَفِي رِوَايَةٍ " حَتَّى يُصْلِحَهَا ": أَيِ النَّعْلَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَعْنَى حَتَّى أَنَّهُ لَا يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ إِذَا قَطَعَ شِسْعَ نَعْلِهِ الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ فَيَمْشِي بِالنَّعْلَيْنِ. صُحِّحَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ هَذَا اللَّفْظُ، قَالَ مِيرَكُ: وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ أَوْ شِرَاكِهِ فَلَا يَمْشِي فِي إِحْدَاهُمَا بِنَعْلٍ وَالْأُخْرَى حَافِيَةً لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا» ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ حَتَّى يَدُلَّ عَلَى الْإِذْنِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ وَهُوَ التَّنْبِيهُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ; لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ مَعَ احْتِيَاجٍ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهَذَا دَالٌّ عَلَى ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «رُبَّمَا انْقَطَعَ شِسْعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ حَتَّى يُصْلِحَهَا» . قَالَ مِيرَكُ: هَكَذَا نَقَلَهُ الشِّيحُ عَنْ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَلَمْ أَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي أَصْلِ التِّرْمِذِيِّ، بَلْ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «رُبَّمَا مَشَى النَّبِيُّ ﷺ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» ، وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ، وَصَاحِبُ الْمِشْكَاةِ، وَالشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ عَنِ التِّرْمِذِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي فِي الْأَصْلِ، هَذَا وَذُكِرَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الرُّخْصَةِ بِالْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ أَحَادِيثُ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا. (وَلَا يَمْشِي) : بِالنَّفْيِ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (فِي خُفٍّ وَاحِدٍ وَلَا يَأْكُلْ) : بِالْخَبَرِ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ (بِشِمَالِهِ) : قِيلَ: هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ عَطْفٌ عَلَى مَجْمُوعِ الْمُقَيَّدِ وَالْقَيْدِ، لَا عَلَى الْمُقَيَّدِ بِقَيْدِهِ مُتَقَدِّمٍ، حَتَّى يَلْزَمَ مُشَارَكَةُ الْمَعْطُوفِ لِلْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ هُنَا، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى صِيغَةِ النَّفْيِ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ نَهْيًا مَعْطُوفًا عَلَى النَّهْيَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى النَّهْيِ السَّابِقِ مَأْخُوذًا مَعَ شَرْحِهِ كَيْلَا يَتَقَيَّدَ بِالشَّرْطِ، وَحِينَئِذٍ لَا إِشْكَالَ سَوَاءً جُعِلَ نَهْيًا أَوْ نَفْيًا. (وَلَا يَجْتَبِي) : بِالنَّفْيِ فَقَطْ (بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ) : أَيْ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى عَوْرَتِهِ شَيْءٌ (وَلَا يَلْتَحِفِ الصَّمَّاءَ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيِ الْتِحَافَ الصَّمَّاءِ وَهُوَ لُبْسُهَا، وَنَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُؤَدِّي إِلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَرَوَى الشَّرْطِيَّةَ الْأُولَى بِانْفِرَادِهَا مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ.

стр. 6097

وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ، وَابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ، فَلْيَسْتَرْجِعْ ; فَإِنَّهَا مِنَ الْمَصَائِبِ» ". وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَأَنْ يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ وَأَنْ يَجْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» .

стр. 6098

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٤١٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَالَانِ، مُثَنًّى شِرَاكُهُمَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٤١٣ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ (مِنْ نَعْلَيْهِ قِبَالَانِ، مُثَنًّى) : اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ التَّثْنِيَةِ أَوْ مِنَ الثَّنْيِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، وَهُوَ صِفَةٌ لَقِبَالَانِ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ: (شِرَاكُهُمَا) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى وَجْهِهَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : أَيْ فِي الْجَامِعِ، وَرَوَاهُ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ مِثْلَهُ، وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَالَانِ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄» - وَأَوَّلُ مَنْ عَقَدَ عَقْدًا وَاحِدًا أَيِ اتَّخَذَ قِبَالًا وَاحِدًا عُثْمَانُ ﵁ إِشَارَةً إِلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنَّ لُبْسَهُ ﷺ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُعْتَادِ لَا عَلَى قَصْدِ الْعِبَادَةِ لِلْعِبَادِ، لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ أَفْعَالَهُ ﷺ أَرْبَعَةٌ: مُبَاحٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَوَاجِبٌ وَفَرْضٌ، وَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ عُثْمَانُ لَتُوُهِّمَ كَرَاهَةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى قِبَالٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَنَّهُ خِلَافُ الْأُولَى ; لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَصَاحِبَاهُ، وَلَهُ يُعْلَمُ أَنَّ تَرْكَ لُبْسِ النَّعْلَيْنِ وَلُبْسَ غَيْرِهَا غَيْرُ مَكْرُوهٍ أَيْضًا.

стр. 6099

٤٤١٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائِمًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤١٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْتَعِلَ) : مِنْ بَابِ الِانْفِعَالِ أَيْ يَلْبَسُ نَعْلَهُ (الرَّجُلُ قَائِمًا) : قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا فِيمَا يَلْحَقُهُ التَّعَبُ فِي لُبْسِهِ قَائِمًا كَالْخُفِّ وَالنِّعَالِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى شَدِّ شِرَاكِهَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَرَوَاهُ الضِّيَاءُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَلَفْظُهُ: «نَهَى أَنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ وَهُوَ قَائِمٌ» .

стр. 6100

٤٤١٥ - وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ــ ٤٤١٥ - (وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) .

стр. 6101

٤٤١٦ - وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵃ قَالَتْ: «رُبَّمَا مَشَى النَّبِيُّ ﷺ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَا مَشَتْ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ. ــ ٤٤١٦ - (وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) : أَيِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَأَبُوهُ، وُلِدَ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَسَبَقَ ذِكْرُهُمْ ﵃، (عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رُبَّمَا) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِهَا وَهُوَ هُنَا لِلْقِلَّةِ أَيْ قَلِيلًا (مَشَى النَّبِيُّ ﷺ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) : وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. (وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَا) : أَيْ عَائِشَةَ (مَشَتْ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : أَيْ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا (وَقَالَ: هَذَا) : أَيِ الْمَرْوِيُّ الثَّانِي وَهُوَ الْمَوْقُوفُ (أَصَحُّ) : أَيْ إِسْنَادًا أَوْ مَعْنًى.

стр. 6102

٤٤١٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ إِذَا جَلَسَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ فَيَضَعَهُمَا بِجَنْبِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤١٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ) : خَبَرٌ مُقَدَّمٌ (إِذَا جَلَسَ الرَّجُلُ) : ظَرْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ فَيَضَعَهُمَا بِجَنْبِهِ) : أَيِ الْأَيْسَرِ تَعْظِيمًا لِلْأَيْمَنِ، وَلَا يَضَعُ قُدَّامَهُ تَعْظِيمًا لِلْقِبْلَةِ، وَلَا وَرَاءَهُ خَوْفًا مِنَ السَّرِقَةِ، وَكَانَ فِي أَصْلِ الطِّيبِيِّ أَنَّ (مِنْ) بِزِيَادَةِ (أَنَّ) فَقَالَ: اسْمُ (أَنَّ) قَوْلُهُ: أَنْ يَخْلَعَ وَ (إِذَا جَلَسَ) ظَرْفٌ لَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6103

٤٤١٨ - وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ، فَلَبِسَهُمَا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. (وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ) ــ ٤٤١٨ - (وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ، قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ اهـ. وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّهُ كُنْيَتُهُ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ (عَنْ أَبِيهِ) : أَيْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيِّ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، سَبَقَ ذِكْرُهُ (أَنَّ النَّجَاشِيَّ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَيُكْسَرُ وَبِتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَالْيَاءِ وَتُشَدَّدُ، وَقَدْ تُسَكَّنُ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَهُوَ أَصْخَمَةُ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ أَسْلَمَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا. (أَهَدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالِاسْتِعْمَالَانِ شَائِعَانِ. فَفِي الصِّحَاحِ الْهَدِيَّةُ وَاحِدَةُ الْهَدَايَا، يُقَالُ: أَهْدَيْتُ إِلَيْهِ وَلَهُ بِمَعْنًى. (خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ) : بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مُعَرَّبُ (سَادَةٍ) عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ أَيْ غَيْرَ مَنْقُوشَيْنِ، إِمَّا بِالْخِيَاطَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا، أَوْ لَا شِيَةَ فِيهِمَا تُخَالِفُ لَوْنَهُمَا، أَوْ مُجَرَّدَيْنِ عَنِ الشَّعْرِ كَمَا فِي رِوَايَةِ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ. (فَلَبِسَهُمَا) : أَيْ عَلَى الطَّهَارَةِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ (عَنْ أَبِيهِ:، ثُمَّ تَوَضَّأَ) : أَيْ بَعْدَمَا أَحْدَثَ أَوْ بَعْدَمَا جَدَّدَ (وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) : قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ دَلْهَمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: «أَنَّ النَّجَاشِيَّ كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي قَدْ زَوَّجْتُكَ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي، وَهِيَ عَلَى دِينِكَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَهْدَيْتُكَ هَدِيَّةً جَامِعَةَ قَمِيصٍ وَسَرَاوِيلَ وَعِطَافٍ وَخُفَّيْنِ سَاذَجَيْنِ، فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا» . قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: رَاوِيهِ عَنِ الْهَيْثَمِ. قُلْتُ لِلْهَيْثَمِ: مَا الْعِطَافُ ; قَالَ: الطَّيْلَسَانُ. وَفِي الشَّمَائِلِ: «أَهَدَى دِحْيَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُفَّيْنِ وَجُبَّةً فَلَبِسَهُمَا حَتَّى تَخْرَّقَا لَا يَدْرِي أَذَكَّاهُمَا أَمْ لَا» . وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَجْهُولَةِ هُوَ الطَّهَارَةُ، ثُمَّ نَفَى الصَّحَابِيُّ دِرَايَتَهُ ﷺ إِمَّا لِتَصْرِيحِهِ لَهُ بِذَلِكَ، أَوْ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ قَرِينَةِ عَدَمِ سُؤَالِهِ وَتَفَحُّصِ حَالِهِ. قَالَ مِيرَكُ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَبِسَ الْخُفَّ وَمَسَحَ عَلَيْهَا، وَقَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ حَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ.

стр. 6104

[بَابُ التَّرَجُّلِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٤١٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (٣) بَابُ التَّرَجُّلِ بِضَمِّ الْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ فِي النِّهَايَةِ: التَّرَجُّلُ وَالتَّرْجِيلُ تَسْرِيحُ الشَّعْرِ وَتَنْظِيفُهُ وَتَحْسِينُهُ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ: رَجَّلَ شَعْرَهُ أَيْ أَرْسَلَهُ بِالْمُشْطِ، وَتَرَجَّلَ فَعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ اهـ. أَوْ طَلَبَ مِنْ غَيْرِهِ ذَلِكَ. وَفِي الْقَامُوسِ: شَعْرٌ رَجِلٌ وَكَكَتِفٍ وَكَجَبِلٍ بَيْنَ السُّبُوطَةِ وَالْجُعُودَةِ، وَقَدْ رَجِلَ كَفَرِحَ وَرَجَّلْتُهُ تَرْجِيلًا، وَفِي تَنْوِيرِ الْمَصَابِيحِ: التَّرَجُّلُ التَّطَهُّرُ وَالتَّزَيُّنُ وَالتَّرْجِيلُ تَسْرِيحُ الشَّعْرِ بِالْمُشْطِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٤١٩ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ شَعْرَ رَأْسِهِ (وَأَنَا حَائِضٌ) : فِيهِ جَوَازُ الْمُخَالَطَةِ مَعَ الْحَائِضِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ. قَالَ مِيرَكُ: كَذَا عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ أَبُو حُذَيْفَةَ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ حَائِضٌ يُخْرِجُهُ إِلَيْهَا» . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى طَهَارَةِ بَدَنِ الْحَائِضِ وَعَرَقِهَا، وَأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ الْمَمْنُوعَةَ لِلْمُعْتَكِفِ هِيَ الْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ، وَأَنَّ الْحَائِضَ لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ كَذَا قَالُوا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُطْلَقًا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْوُضُوءُ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِلَا فَضْلٍ بِالصَّلَاةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فَمَسُّ الشَّعْرِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ.

стр. 6105

٤٤٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٢٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : الْفِطْرَةُ) : أَيْ فِطْرَةُ الْإِسْلَامِ (خَمْسٌ) : قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: فُسِّرَتِ الْفِطْرَةُ بِالسُّنَّةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا الْأَنْبِيَاءُ وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الشَّرَائِعُ، وَكَأَنَّهَا أَمْرٌ جَبْلِيٌّ فُطِرُوا عَلَيْهِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا وَأَجْمَعُهُ. (الْخِتَانُ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، فَفِي الْقَامُوسِ: خَتَنَهُ يَخْتِنُهُ فَهُوَ خَتِينٌ وَمَخْتُونٌ قُطِعَ غُرْلَتُهُ، وَالِاسْمُ كَكِتَابٍ، وَالْغُرْلَةُ بِالضَّمِّ الْقُلْفَةُ. قَالَ فِي شَرْحِ شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ: مِنَ السُّنَّةِ الْخِتَانُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ: أَنَّهُ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَشَدَّدَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيهِ وَقَالَ: الْأَقْلَفُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَصَلَاتُهُ وَذَبِيحَتُهُ، وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا، فَلَوْلَا وُجُوبُ الْخِتَانِ لَمْ يَجُزْ كَشْفُهَا، فَجَوَازُ الْكَشْفِ دَلِيلُ وُجُوبِهِ، كَذَا فِي التَّنْوِيرِ. وَيُمْكِنُ أَنَّ مُرَادَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ، لَا أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، لَكِنَّ غَالِبَ الْكُتُبِ مَشْحُونٌ بِأَنَّ الْخِتَانَ سُنَّةٌ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يُولَدْ مَخْتُونًا تَامًّا، وَإِنَّمَا قُيِّدْنَا بِهِ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَمَجْمَعِ الْفَتَاوَى: صَبِيٌّ وُلِدَ مَخْتُونًا بِحَيْثُ لَوْ رَآهُ إِنْسَانٌ يَرَاهُ كَأَنَّهُ خُتِنَ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِ الْخِتَانُ مَرَّةً أُخْرَى، وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْبَصِيرَةِ مِنَ الْحَجَّامِينَ تُرِكَ وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ. وَذَكَرَ زَيْنُ الْعَرَبِ: أَنَّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ نَبِيًّا وُلِدُوا مَخْتُونِينَ: آدَمُ، وَشَيْثُ، وَنُوحٌ، وَصَالِحٌ، وَشُعَيْبٌ، وَيُوسُفُ، وَمُوسَى، وَزَكَرِيَّا، وَسُلَيْمَانُ، وَعِيسَى، وَحَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ وَهُوَ نَبِيُّ أَصْحَابِ الرَّسِّ، وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الشِّرْعَةِ: أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ مَخْتُونِينَ مَسْرُورِينَ أَيْ مَقْطُوعِينَ السُّرَّةَ كَرَامَةً لَهُمْ، لِئَلَّا يَنْظُرَ أَحَدٌ إِلَى عَوْرَاتِهِمْ، إِلَّا إِبْرَاهِيمَ ﵊ فَإِنَّهُ قَدْ خَتَنَ نَفْسَهُ لِيُسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ بَعْدَهَا، هَذَا لِلرَّجُلِ، وَأَمَّا لِلنِّسَاءِ فَمَكْرُمَةٌ، فَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى: خِتَانُ الرِّجَالِ سُنَّةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ، قَالَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي: مَكْرُوهٌ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: سُنَّةٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَاجِبٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَرْضٌ. قُلْتُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ ﵊: " «الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَمَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ وَالِدِ أَبِي الْمَلِيحِ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالْمَكْرُمَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَاحِدَةُ الْمَكَارِمِ، وَفِي فَتَاوَى الصُّوفِيَّةِ: أَنَّ وَقْتَ الْخِتَانِ سَبْعُ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ اهـ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْوَقْتَ الْأَفْضَلَ الْأَعْدَلَ. (وَالِاسْتِحْدَادُ) : أَيْ حَلْقُ الْعَانَةِ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْحَدِيدِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْحَدِيدِ مِنْ نَحْوِ الْمُوسَى فِي حَلْقِ الْعَانَةِ ذِي الشَّعْرِ الَّذِي حَوَالَيْ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ. زَادَ ابْنُ شُرَيْحٍ: وَحَلْقَةُ الدُّبُرِ، فَجَعَلَ الْعَانَةَ مَنْبَتَ الشَّعْرِ مُطْلَقًا، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، فَإِنْ أَزَالَ شَعْرَهُ بِغَيْرِ الْحَدِيدِ لَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ. كَذَا فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ، وَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ شَيْئًا مِنْ شَعْرٍ وَهُوَ جُنُبٌ. (وَقَصُّ الشَّارِبِ) : وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى طَرَفِ الشَّفَةِ الْعُلْيَا، وَلِلنَّسَائِيِّ: وَحَلْقُ الشَّارِبِ، وَلَهُ أَيْضًا: وَتَقْصِيرُ الشَّارِبِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ فِي قَصِّ الشَّارِبِ أَنْ يَقُصَّهُ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَلَا يَحْفِيهُ، وَأَمَّا رِوَايَةُ: أَحِفُّوا فَمَعْنَاهَا أَزِيلُوا مَا طَالَ عَلَى الشَّفَتَيْنِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَصُّ الشَّارِبِ أَنْ يَأْخُذَ مَا طَالَ عَلَى الشَّفَةِ بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي الْآكِلَ، وَلَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْوَسَخُ. وَقَالَ: الْإِحْفَاءُ هُوَ الْقَصُّ الْمَذْكُورُ، وَلَيْسَ بِالِاسْتِئْصَالِ عِنْدَ مَالِكٍ. وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ: أَيْ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ الِاسْتِئْصَالُ، وَذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إِلَى التَّخْيِيرِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الْإِحْفَاءَ الِاسْتِئْصَالُ، وَكَذَا النَّهْكُ بِالنُّونِ وَالْكَافِ الْمُبَالَغَةُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ، وَلَا تَعَارُضَ ; فَإِنَّ الْقَصَّ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ، وَالْإِحْفَاءُ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِ الْكُلِّ، وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَرَجَّحَ ذَلِكَ ثُبُوتُ الْأَمْرَيْنِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ، كَذَا حَقَّقَهُ السُّيُوطِيُّ، وَفِي الْمُحِيطِ: لَا يَحْلِقُ شَعْرَ حَلْقِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ شَعْرَ الْحَاجِبَيْنِ وَشَعْرَ وَجْهِهِ مَا لَمْ يَتَشَبَّهْ بِالْمُخَنَّثِينَ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُكْرَهُ أَنْ يَحْلِقَ قَفَاهُ إِلَّا عِنْدَ الْحِجَامَةِ، وَأَمَّا حَلْقُ شَعْرِ الصَّدْرِ وَالظَّهْرِ، فَفِيهِ تَرْكُ الْأَدَبِ كَذَا فِي الْقِنْيَةِ. (وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ) : وَالْمُسْتَحَبُّ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي الْإِحْيَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْيَدَيْنِ قَبْلَ الرِّجْلَيْنِ، فَيَبْدَأُ بِمُسَبِّحَةِ يَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ الْبِنْصِرِ، ثُمَّ الْخِنْصِرِ، ثُمَّ الْإِبْهَامِ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْيُسْرَى، فَيَبْدَأُ بِخِنْصِرِهَا، ثُمَّ بِنْصِرِهَا إِلَى آخِرِهَا، ثُمَّ يَبْدَأُ بِخِنْصِرِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى، وَيَخْتِمُ بِبِنْصِرِ الْيُسْرَى، وَفِي الْقِنْيَةِ:

стр. 6106

إِذَا قَلَّمَ أَظَافِيرَهُ أَوْ جَزَّ شَعْرَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَدْفِنَ قُلَامَتَهُ، فَإِنْ رَمَى بِهِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي الْكَنِيفِ أَوِ الْمُغْتَسَلِ يُكْرَهُ. وَفِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ: «كَانَ ﷺ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّلَاةِ» . وَرَوَى النَّوَوِيُّ كَالْعِبَادِيِّ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْغِنَى عَلَى كُرْهٍ فَلْيُقَلِّمْ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَفِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ: «يَا عَلِيُّ! قُصَّ الْأَظْفَارَ، وَانْتِفِ الْإِبِطَ، وَاحْلِقِ الْعَانَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَالْغُسْلُ وَالطِّيبُ وَاللِّبَاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» . قِيلَ: وَلَمْ يَثْبُتْ فِي قَصِّ الظُّفْرِ يَوْمَ الْخَمِيسِ حَدِيثٌ، بَلْ كَيْفَمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي كَيْفِيَّتِهِ، وَلَا فِي تَعْيِينِ يَوْمٍ لَهُ شَيْءٌ وَمَا يُعْزَى مِنَ النَّظْمِ فِي ذَلِكَ لِعَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ بَاطِلٌ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَمِنَ الْفَوَائِدِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالظُّفْرِ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِبَاسُ آدَمَ الظُّفْرَ بِمَنْزِلَةِ الرِّيشِ عَلَى الطَّيْرِ، فَلَمَّا عَصَى سَقَطَ مِنْهُ لِبَاسُهُ، وَتُرِكَتِ الْأَظْفَارُ زِينَةً وَمَنَافِعَ. وَرَوَى أَيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: كَانَ آدَمُ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَكَسَاهُ اللَّهُ هَذَا الْجِلْدَ، وَأَعَانَهُ بِالظُّفْرِ يَحُكُّ بِهِ، كَذَا فِي إِتْمَامِ الدِّرَايَةِ لِقُرَّاءِ النُّقَايَةِ. (وَنَتْفُ الْإِبِطِ) : أَيْ نَتْفُ شَعْرِهِ، وَالْإِبِطُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ. وَحُكِيَ كَسْرُهَا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا أَيْ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا: الْآبَاطُ بِالْجَمْعِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْإِبِطُ بَاطِنُ الْمَنْكِبِ وَبِكَسْرِ الْبَاءِ وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَالْجَمْعُ آبَاطٌ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: الْمَفْهُومُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ حَلْقَ الْإِبِطِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، بَلِ السُّنَّةُ نَتْفُهُ لِأَنَّ شَعْرَهُ يَغْلُظُ بِالْحَلْقِ، وَيَكُونُ أَعْوَنَ لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: النَّتْفُ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ، لِمَا حُكِيَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يَحْلِقُ إِبِطَهُ فَقَالَ: عَلِمْتُ أَنَّ السُّنَّةَ نَتْفُهُ، لَكِنْ لَا أَقْوَى عَلَى الْوَجَعِ. وَفِي الْفِرْدَوْسِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَشِيرٍ ﵀ مَرْفُوعًا " «لَا تَنْتِفُوا الشَّعْرَ الَّذِي كُوِّنَ فِي الْأَنْفِ ; فَإِنَّهُ يُورِثُ الْآكِلَةَ وَلَكِنْ قُصُّوهُ قَصًّا» " ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ. . إِلَخْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ. قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ: الْفِطْرَةُ خُمْسٌ مَعْنَاهُ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ، وَلَيْسَتِ الْفِطْرَةُ مُنْحَصِرَةً فِي الْعَشْرِ، ثُمَّ إِنَّ مُعْظَمَ هَذِهِ الْخِصَالِ سُنَّةٌ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَفِي بَعْضِهَا خِلَافٌ كَالْخِتَانِ، وَلَا يُمْتَنَعُ قِرَانُ الْوَاجِبِ بِغَيْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ، فَالْإِيتَاءُ وَاجِبٌ، وَالْأَكْلُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالْخِتَانُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، ثُمَّ الْوَاجِبُ فِي الرَّجُلِ أَنْ يَقْطَعَ جَمِيعَ الْجِلْدَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ حَتَّى تَنْكَشِفَ، وَفِي الْمَرْأَةِ يَجِبُ قَطْعُ أَدْنَى جُزْءٍ مِنَ الْجِلْدَةِ الَّتِي فِي أَعْلَى الْفَرْجِ.

стр. 6107

٤٤٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ: أَوْفِرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «أَنْهِكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٢١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ) : أَيْ: فَإِنَّهُمْ يَقُصُّونَ اللِّحَى وَيَتْرُكُونَ الشَّوَارِبَ حَتَّى تَطُولَ، كَمَا فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (أَوْفِرُوا) : أَيْ أَكْثِرُوا (اللِّحَى) : بِكَسْرِ اللَّامِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا وَبِالْقَصْرِ جَمْعُ لِحْيَةٍ بِالْكَسْرِ مَا يَنْبُتُ عَلَى الْخَدَّيْنِ وَالذَّقَنِ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَالْمَعْنَى اتْرُكُوا اللِّحَى كَثِيرًا بِحَالِهَا وَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهَا وَاتْرُكُوهَا لِتَكْثُرَ. (وَأَحِفُّوا) : بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ أَيْ قُصُّوا (الشَّوَارِبَ) : فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: قَدَّمَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ عَلَى الْأُولَى، ثُمَّ فِي الْمُغْرِبِ: أَحْفَى شَارِبَهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ بَالَغَ فِي جَزِّهِ. قِيلَ: الْإِحْفَاءُ قَرِيبٌ مِنَ الْحَلْقِ، وَأَمَّا الْحَلْقُ فَلَمْ يَرِدْ، بَلْ كَرِهَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَرَآهُ بِدْعَةً. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: الْإِحْفَاءُ الِاسْتِقْصَاءُ فِي الْكَلَامِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلِاسْتِقْصَاءِ فِي أَخْذِ الشَّارِبِ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ: (وَفِي رِوَايَةٍ: " أَنْهِكُوا الشَّوَارِبَ) : وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَكْسُورَةٍ وَفَتْحِ الْهَاءِ، يُقَالُ: نَهِكَ كَفَرِحَ وَأَنْهَكَ بَالَغَ فِي قَصِّهِ. (وَأَعْفُوا اللِّحَى) : بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ. بِمَعْنَى أَوْفِرُوا، وَفِي الْإِحْيَاءِ عَشْرُ خِصَالٍ مَكْرُوهَةٌ، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، وَهُوَ خِضَابُهَا بِالسَّوَادِ، وَتَبْيِيضُهَا بِالْكَبْرِيتِ وَغَيْرِهِ، وَنَتْفُهَا وَنَتْفُ الشَّيْبِ، وَالنُّقْصَانُ مِنْهَا وَالزِّيَادَةُ فِيهَا، وَتَسْرِيحُهَا تَصَنُّعًا لِأَجْلِ الرِّيَاءِ، وَتَرْكُهَا شَعِثَةً إِظْهَارًا لِلزُّهْدِ، وَالنَّظَرُ إِلَى سَوَادِهَا عَجَبًا بِالشَّبَابِ، وَإِلَى بَيَاضِهَا تَكْبُّرًا بِعَلَقِ السِّنِ، وَخِضَابُهَا بِالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ تَشْبِيهًا بِالصَّالِحِينَ لَا لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ. وَزَادَ النَّوَوِيُّ: وَعَقْدُهَا وَتَصْفِيفُهَا طَاقَةً فَوْقَ طَاقَةٍ وَحَلْقُهَا إِلَّا إِذَا نَبَتَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا حَلْقُهَا، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَسَيَجِيءُ اسْتِحْبَابُ أَخْذِ اللِّحْيَةِ طُولًا وَعَرْضًا، لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ، وَهَذَا فِي الِابْتِدَاءِ، وَأَمَّا بَعْدَمَا طَالَتْ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ قَصُّهَا كَرَاهَةَ أَنْ تَصِيرَ مِثْلَهُ. وَأَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُدْرَجَ فِي أَخْذِهَا لِتَصِيرَ مِقْدَارَ قَبْضَةٍ عَلَى مَا هُوَ السُّنَّةُ وَالِاعْتِدَالُ الْمُتَعَارَفُ، لَا أَنَّهُ يَأْخُذُهَا بِالْمَرَّةِ فَيَكُونُ مِثْلَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6108

٤٤٢٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٤٢٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: وُقِّتَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّوْقِيتِ أَيْ وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَيَّنَ وَعَيَّنَ (لَنَا) : أَيْ لِأَجْلِنَا (فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ) : أَيْ نَحْنُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ (أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) : وَالْمَعْنَى أَنْ لَا نَتْرُكَ تَرْكًا يَتَجَاوَزُ أَرْبَعِينَ، لَا أَنَّهُ وُقِّتَ لَهُمُ التَّرْكُ أَرْبَعِينَ ; لِأَنَّ الْمُخْتَارَ أَنْ يُضْبَطَ الْحَلْقُ وَالتَّقْلِيمُ وَالْقَصُّ بِالطُّولِ، فَإِذَا طَالَ حَلَقَ وَقَصَّ وَقَلَّمَ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُصُّ شَارِبَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَظْفَارِهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ» اهـ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّ حَلْقَ الْعَانَةِ وَنَتْفَ الْإِبِطِ كَانَ يُؤَخِّرُهُمَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِعَدَمِ إِطَالَتِهِمَا فِي أُسْبُوعٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ أَظْفَارَهُ، وَيُحْفِي شَارِبَهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، وَيَحْلِقُ الْعَانَةَ فِي عِشْرِينَ يَوْمًا، وَيَنْتِفُ الْإِبِطَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» ، وَفِي الْقِنْيَةِ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ وَيُحْفِيَ شَارِبَهُ وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ وَيُنَظِّفَ بَدَنَهُ بِالِاغْتِسَالِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَا عُذْرَ فِي تَرْكِهِ وَرَاءَ الْأَرْبَعِينَ، فَالْأُسْبُوعُ هُوَ الْأَفْضَلُ، وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ هُوَ الْأَوْسَطُ، وَالْأَرْبَعُونَ هُوَ الْأَبْعَدُ، وَلَا عُذْرَ فِيمَا وَرَاءَ الْأَرْبَعِينَ، وَيَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ عِنْدَنَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ الْمَظْهِرُ: وَقَدْ جَاءَ فِي تَوْقِيتِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَحَادِيثُ لَيْسَتْ فِي الْمَصَابِيحِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُصُّ شَارِبَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَظْفَارِهِ كُلَّ جُمُعَةٍ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ» ، وَقِيلَ: كَانَ يَحْلِقُ الْعَانَةَ وَيَنْتِفُ الْإِبِطَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ فِي كُلِّ شَهْرٍ اهـ. وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ كَمَا لَا يَخْفَى. قَالَ قَاضِيخَانْ: رَجُلٌ وَقَّتَ لِقَلْمِ أَظَافِيرِهِ وَحَلْقِ رَأْسِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. قَالُوا: إِنْ كَانَ يَرَى جَوَازَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَأَخَّرَهُ إِلَى يَوْمِهَا تَأْخِيرًا فَاحِشًا كَانَ مَكْرُوهًا ; لِأَنَّ مَنْ كَانَ ظُفْرُهُ طَوِيلًا كَانَ رِزْقُهُ ضَيِّقًا، فَإِنْ لَمْ يُجَاوِزِ الْحَدَّ وَأَخَّرَهُ تَبَرُّكًا بِالْأَخْبَارِ، فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ مَرْفُوعًا: " «مَنْ قَلَّمَ أَظَافِيرَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنَ الْبَلَايَا إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَزِيَادَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» " اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَ حَلْقِ الرَّأْسِ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّهُ لَا تَعْيِينَ لَهُ بِلَا كَلَامٍ، وَالصَّوَابُ فِي عِلَّةِ كَرَاهَةِ تَأْخِيرِ قَلْمِ الظُّفْرِ مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ لَا التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ يُوجِبُ تَضْيِيقُ الرِّزْقِ، مَعَ أَنَّهُ إِنْ صَحَّ فَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى تِلْكَ الْمُخَالَفَةِ، لَا أَنَّهُ أَصْلٌ فِي التَّعْلِيلِ فَتَأَمَّلْ.

стр. 6109

٤٤٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٢٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ» ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا، وَفِي أُخْرَى بِكَسْرِهَا، فَفِي الْقَامُوسِ صَبَغَ كَمَنَعَ وَضَرَبَ وَنَصَرَ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى لَا يَخْضِبُونَ لِحَاهُمْ (فَخَالِفُوهُمْ) : أَيْ فَأَخْضِبُوهَا أَنْتُمْ بِالْحِنَّاءِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 6110

٤٤٢٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثُّغَامَةِ بَيَاضًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٤٢٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُتِيَ) : أَيْ جِيءَ (بِأَبِي قُحَافَةَ) : بِضَمِّ الْقَافِ وَهُوَ وَالِدُ الصِّدِّيقِ، وَاسْمُهُ عُثْمَانُ بْنُ عَامِرٍ قُرَشِيٌّ تَيْمِيٌّ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَاشَ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَلَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ الصِّدِّيقُ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ. (يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) : أَيْ أَوَّلَ مَا أَسْلَمَ (وَرَأَسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثُّغَامَةِ) : بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَكَذَا ضَبَطَهُ مِيرَكُ شَاهْ. " وَقِيلَ بِتَثْلِيثِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، لَكِنَّ فِي الْقَامُوسِ: الثَّغَامُ كَسَحَابٍ نَبْتٌ فَارِسِيَّتُهُ " دَرْمَثَهْ " وَاحِدَتُهُ بِهَاءٍ، وَالرَّأْسُ صَارَ كَالثُّغَامَةِ بَيَاضًا، وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ نَبْتٌ شَدِيدُ الْبَيَاضِ زَهْرُهُ وَثَمَرُهُ يُشَبَّهُ بِهِ الشَّيْبُ، وَقَوْلُهُ: (بَيَاضًا) : تَمْيِيزٌ عَنِ النِّسْبَةِ الَّتِي هِيَ التَّشْبِيهُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ. (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " غَيِّرُوا هَذَا) : أَيِ الْبَيَاضَ (بِشَيْءٍ) : أَيْ مِنَ الْخِضَابِ (وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قِيلَ هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْغُزَاةِ، وَأَمَّا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الْغُزَاةِ لِيَكُونَ أَهْيَبَ فِي عَيْنِ الْعَدُوِّ لَا لِلتَّزْيِينِ فَلَا بَأْسَ لَهُ، رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ خَضَبُوا لِحَاهُمْ بِالسَّوَادِ لِلْمَهَابَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ:

стр. 6111

«جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَحْمِلُهُ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ وَرَأَسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثُّغَامَةِ بَيَاضًا» . . إِلَخْ. وَزَادَ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ: فَذَهَبُوا بِهِ وَحَمَّرُوهُ وَرَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ الزُّبَيْرِ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِأَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِأَحْمَدَ عَنْ أَنَسٍ وَلَفْظُهُ: غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَلَا تُقَرِّبُوهُ السَّوَادَ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخِضَابِ أَقْوَالٌ، وَأَصَحُّهَا أَنَّ خِضَابَ الشَّيْبِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ يُسْتَحَبُّ وَبِالسَّوَادِ حَرَامٌ، وَقَدْ سَبَقَ عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي مُوَطِّئِهِ: لَا نَرَى بِالْخِضَابِ بِالْوَسْمَةِ وَالْحِنَّاءِ وَالصُّفْرَةِ بَأْسًا، وَإِنْ تَرَكَهُ أَبْيَضَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، كُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَفِي الشِّرْعَةِ: الْخِضَابُ سُنَّةٌ ثَبَتَ قَوْلًا وَفِعْلًا. قَالَ شَارِحُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَمَّا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَفِّرَ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ» ، وَسَيَأْتِي، وَفِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى: اخْتُلِفَتِ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَلْ فَعَلَ الْخِضَابَ فِي عُمْرَةٍ؟ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، يَعْنِي الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلِ الْخِضَابَ فِي لِحْيَتِهِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَأَمَّا خِضَابُ رَأْسِهِ بِالْحِنَّاءِ فَهُوَ مَشْهُورٌ وَقِيلَ: كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ لِدَفْعِ الصُّدَاعِ وَالْحَرَارَةِ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي الْخِضَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ مِنْهَا: «اخْتَضِبُوا بِالْحِنَّاءِ ; فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي شَبَابِكُمْ وَجَمَالِكُمْ وَنِكَاحِكُمْ» ، رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنْ أَنَسٍ. وَمِنْهَا: «اخْتَضِبُوا بِالْحِنَّاءِ ; فَإِنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ يُسَكِّنُ الرَّوْعَ» . رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالْحَاكِمُ فِي الْكُنَى عَنْ أَنَسٍ، وَمِنْهَا: «اخْتَضِبُوا وَافْرِقُوا وَخَالِفُوا الْيَهُودَ» ، رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا بَحْثٌ.

стр. 6112

٤٤٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُونَ أَشْعَارَهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرِقُونَ رُءُوسَهُمْ، فَسَدَلَ النَّبِيُّ ﷺ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٢٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا) : أَيْ فِي أَمْرٍ (لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ) : أَيْ بِشَيْءٍ مِنْ مُخَالَفَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ حُكْمٌ بِالْمُخَالَفَةِ (وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ) : أَيِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى (يَسْدُلُونَ) : بِضَمِّ الدَّالِّ وَيُكْسَرُ، فَفِي الْمُغْرِبِ: سَدَلَ مِنْ بَابِ (طَلَبَ) ، وَ (أَسْدَلَ) خَطَأٌ. وَفِي الْقَامُوسِ: سَدَلَهُ يَسْدُلُهُ وَأَسْدَلَهُ أَرْخَاهُ وَأَرْسَلَهُ. (أَشْعَارَهُمْ) : وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا إِرْسَالُ الشَّعْرِ حَوْلَ الرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَسَّمَ نِصْفَيْنِ، نِصْفٌ مِنْ جَانِبِ يَمِينِهِ وَنَحْوَ صَدْرِهِ، وَنِصْفٌ مِنْ جَانِبِ يَسَارِهِ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: سَدَلَ الشَّعْرَ إِذَا أَرْسَلَهُ وَلَمْ يَضُمَّ جَوَانِبَهُ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْمُرَادُ إِرْسَالُهُ عَلَى الْجَبِينِ وَاتِّخَاذُهُ كَالْقُصَّةِ وَالْفَرْقُ فَرْقُ الشَّعْرِ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، وَقِيلَ: السَّدْلُ أَنْ يُرْسِلَ الشَّخْصُ شَعْرَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَلَا يَجْعَلَهُ فِرْقَتَيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِرْقَتَيْنِ، كُلَّ فِرْقَةٍ ذُؤَابَةً. وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ: (وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرِقُونَ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِضَمٍّ وَرُوِيَ مِنَ التَّفْرِيقِ (رُءُوسَهُمْ) : أَيْ شَعْرَ رُءُوسِهِمْ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ وَيَكْشِفُوا عَنْ جَبِينِهِمْ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْفَرْقُ قِسْمَةُ الشَّعْرِ، وَالْمِفْرَقُ: وَسَطُ الرَّأْسِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ (فَسَدَلَ النَّبِيُّ ﷺ نَاصِيَتَهُ) : أَيْ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ (ثُمَّ فَرَقَ) : بِالتَّخْفِيفِ وَقَدْ يُشَدَّدُ وَزَادَ فِي الشَّمَائِلِ رَأْسَهُ أَيْ شَعْرَهُ (بَعْدُ) : بِضَمِّ الدَّالِّ أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الزَّمَانِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ - الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَتَاهُ وَأَمَرَهُ بِالْفَرْقِ فَفَرَقَ الْمُسْلِمُونَ رُءُوسَهُمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ، فَقِيلَ فَعَلَهُ ائْتِلَافًا لَهُمْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَمُوَافَقَةً لَهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ، فَلَمَّا أَغْنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ خَالَفَهُمْ فِي أُمُورٍ مِنْهَا: صَبْغُ الشَّيْبِ، وَقَالَ آخَرُونَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَمَرَ بِاتِّبَاعِ شَرَائِعِهِمْ فِيمَا لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُبَدِّلُوهُ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا ; لِأَنَّهُ قَالَ: يُحِبُّ مُوَافَقَتَهُمْ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِيهِ، وَلَوْ كَانَ شَرْعًا لَنَا لَتَحَتَّمَ اتِّبَاعُهُ. قَالُوا: وَالْفَرْقُ سُنَّةٌ ; لِأَنَّهُ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ ﷺ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ بِوَحْيٍ لِقَوْلِهِ: إِنَّمَا كَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ: نُسِخَ السَّدْلُ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ، وَلَا اتِّخَاذُ النَّاصِيَةِ وَالْجُمَّةِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ جَوَازُ الْفَرْقِ وَلَا وُجُوبُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْفَرْقَ كَانَ اجْتِهَادًا فِي مُخَالَفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا بِوَحْيٍ، فَيَكُونُ الْفَرْقُ مُسْتَحَبًّا. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ «كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِمَّةٌ، فَإِنِ افْتَرَقَتْ فَرَقَهَا وَإِلَّا تَرَكَهَا» . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ جَوَازُ السَّدْلِ، وَالْفَرْقُ أَفْضَلُ اهـ.

стр. 6113

وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: جَزَمَ الْحَازِمِيُّ أَنَّ السَّدْلَ نُسِخَ بِالْفَرْقِ، وَاسْتَدَلَّ بِرِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ: ثُمَّ أَمَرَ بِالْفَرْقِ، وَكَانَ الْفَرْقُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، هَذَا وَالْأُمُورُ الَّتِي وَافَقَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ الْكِتَابِ، ثُمَّ خَالَفَهُمُ السَّدْلُ، ثُمَّ الْفَرْقُ، وَتَرْكُ صَبْغِ الشَّعْرِ ثُمَّ فَعَلَهُ، وَصَوْمُ عَاشُورَاءَ، ثُمَّ خَالَفَهُمْ بِصَوْمِ يَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَاسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ الْكَعْبَةَ، وَتَرْكُ مُخَالَطَةِ الْحَائِضِ، ثُمَّ الْمُخَالَطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ، وَصَوْمُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَحْدَهُ، ثُمَّ النَّهْيُ عَنْهُ وَالْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ، ثُمَّ تَرْكُهُ. وَمِنْهَا: النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَنَاسِخُهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ يَتَحَرَّى ذَلِكَ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدِ الْكُفَّارِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» . وَفِي لَفْظِ: «مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صِيَامِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: يَوْمَا عِيدٍ، إِنَّ السَّبْتَ عِيدُ الْيَهُودِ وَالْأَحَدَ عِيدُ النَّصَارَى» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6114

٤٤٢٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنِ الْقَزَعِ. قِيلَ لِنَافِعٍ: مَا الْقَزَعُ؟ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ، وَيُتْرَكُ الْبَعْضُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمُ التَّفْسِيرَ بِالْحَدِيثِ. ــ ٤٤٢٦ - (وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَسُولَ اللَّهِ ( ﷺ يَنْهَى عَنِ الْقَزَعِ) : بِفَتْحِ قَافٍ وَزَايٍ فَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَصْلُ الْقَزَعِ قِطَعُ السَّحَابِ الْمُتَفَرِّقَةُ، شَبَّهَ تَفَارِيقَ الشَّعْرِ فِي رَأْسِهِ بِهَا. (قِيلَ لِنَافِعٍ: مَا الْقَزَعُ ; قَالَ: يُحْلَقُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ، وَيُتْرَكُ الْبَعْضُ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: الْقَزَعُ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّهُ تَفْسِيرُ الرَّاوِي وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلظَّاهِرِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى كَرَاهَةِ الْقَزَعِ إِذَا كَانَ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِمُدَاوَاةٍ وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ) : أَيْ بَعْضُ الرُّوَاةِ مِنَ الْمُحْدَثِينَ (التَّفْسِيرَ) : أَيِ الْمَوْقُوفَ (بِالْحَدِيثِ) : أَيِ الْمَرْفُوعِ بِأَنْ حُذِفَ قَوْلُهُ لِنَافِعٍ، وَسُرِدَ الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ.

стр. 6115

٤٤٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ رَأْسِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: " احْلِقُوا كُلَّهُ أَوِ اتْرُكُوا كُلَّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٤٢٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (بَعْضُ رَأْسِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهُمْ) : أَيْ أَهْلَ الصَّبِيِّ (عَنْ ذَلِكَ) : أَيْ عَمَّا ذُكِرَ مِنْ حَلْقِ الْبَعْضِ وَتَرْكِ الْبَعْضِ (فَقَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَقَالَ (احْلِقُوا كُلَّهُ) : أَيْ كُلَّ الرَّأْسِ أَيْ شَعْرَهُ (أَوِ اتْرُكُوا كُلَّهُ) : فِي إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ الْحَلْقَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَائِزٌ، وَأَنَّ الرَّجُلَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْحَلْقِ وَتَرْكِهِ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ لَا يَحْلِقَ إِلَّا فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ ﵃ وَانْفَرَدَ مِنْهُمْ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - كَمَا سَبَقَ أَوَّلُ الْكِتَابِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «احْلِقُوهُ كُلَّهُ أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ.

стр. 6116

٤٤٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: " أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٤٢٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ) : بِفَتْحِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَكَسْرِهَا، وَالْأَوَّلُ أَشْهُرُ أَيِ الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ (مِنَ الرِّجَالِ) : فِي الزِّيِّ وَاللِّبَاسِ وَالْخِضَابِ وَالصَّوْتِ وَالصُّورَةِ وَالتَّكَلُّمِ وَسَائِرِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ مِنْ خَنِثَ يَخْنَثُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ إِذَا لَانَ وَتَكَسَّرَ، فَهَذَا الْفِعْلُ مَنْهِيٌّ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ (وَالْمُتَرَجِّلَاتِ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ " الْمُتَشَبِّهَاتِ بِالرِّجَالِ (مِنَ النِّسَاءِ) : زِيًّا وَهَيْئَةً وَمِشْيَةً وَرَفْعَ صَوْتٍ وَنَحْوَهَا لَا رَأْيًا وَعِلْمًا، فَإِنَّ التَّشَبُّهَ بِهِمْ مَحْمُودٌ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ رَجُلَةَ الرَّأْيِ أَيْ: رَأْيُهَا كَرَأْيِ الرِّجَالِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. (وَقَالَ) : أَيْ خِطَابًا عَامًّا (أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ) : أَيْ مِنْ مَسَاكِنِكُمْ وَمِنْ بَلَدِكُمْ، فَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى الْبَقِيعِ» ، فَفِي شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ الْحِنَّاءُ سُنَّةٌ لِلنِّسَاءِ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِنَّ مِنَ الرِّجَالِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِهِنَّ اهـ.

стр. 6117

وَمَفْهُومُهُ أَنَّ تَخْلِيَةَ النِّسَاءِ عَنِ الْحِنَّاءِ مُطْلَقًا مَكْرُوهٌ أَيْضًا لِتُشَبُّهِهِنَّ بِالرِّجَالِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ اهـ. وَسَيَأْتِي فِي الْأَصْلِ وَالْعَجَبُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فِي أَنَّ رِجَالَهُمْ يَتَحَنَّوْنَ مَعَ أَنَّ هَذَا شِعَارُ الرَّافِضَةِ أَيْضًا، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

стр. 6118

٤٤٢٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٤٢٩ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَعَنَ اللَّهُ) : يَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ وَالدُّعَاءَ (الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخَنَّثُ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: مَنْ خُلِقَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَتَكَلَّفِ التَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِ النِّسَاءِ وَزِيِّهِنَّ وَكَلَامِهِنَّ وَحَرَكَاتِهِنَّ، وَهَذَا لَا ذَمَّ عَلَيْهِ وَلَا إِثْمَ وَلَا عَيْبَ وَلَا عُقُوبَةَ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَالثَّانِي مِنْ يَتَكَلَّفُ أَخْلَاقَ النِّسَاءِ وَحَرَكَاتِهِنَّ وَسَكَنَاتِهِنَّ وَكَلَامِهِنَّ وَزِيِّهِنَّ، فَهَذَا هُوَ الْمَذْمُومُ الَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ لَعْنُهُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 6119

٤٤٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ، وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٣٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ) : أَيِ الَّتِي تُوصِلُ شَعْرَهَا بِشِعْرٍ آخَرَ زُورًا وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَفْعَلَ بِنَفْسِهَا أَوْ تَأْمُرَ غَيْرَهَا بِأَنْ يَفْعَلَهُ، (وَالْمُسْتَوْصِلَةَ) : أَيِ الَّتِي تَطْلُبُ هَذَا الْفِعْلَ مِنْ غَيْرِهَا، وَتَأْمُرُ مَنْ يَفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ، وَهِيَ تَعُمُّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ، فَالتَّاءُ إِمَّا بِاعْتِبَارِ النَّفْسِ ; أَوْ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ أَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ الْآمِرَةُ وَالرَّاضِيَةُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي تَحْرِيمِ الْوَصْلِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ، وَقَدْ فَصَّلَهُ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا: إِنْ وَصَلَتْ بِشَعْرِ آدَمِيٍّ فَهُوَ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِشَعْرِ الْآدَمِيِّ وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ لِكَرَامَتِهِ، وَأَمَّا الشَّعْرُ الطَّاهِرُ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْحٌ وَلَا سَيِّدٌ فَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا ; وَإِنْ كَانَ فَثَلَاثَةُ أَوْجَهٍ، أَصَحُّهَا: إِنْ فَعَلَتْهُ بِإِذْنِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ جَازَ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالطَّبَرِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ: عَلَى أَنَّ الْوَصْلَ مَمْنُوعٌ بِكُلِّ شَيْءٍ شَعْرٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ خِرَقٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَاحْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ وَقَالَ اللَّيْثُ: النَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِالشَّعْرِ فَلَا بَأْسَ بِوَصْلِهِ بِصُوفٍ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ عَنْهَا كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ. (وَالْوَاشِمَةَ) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْوَشْمِ وَهُوَ غَرْزُ الْإِبْرَةِ أَوْ نَحْوِهَا فِي الْجِلْدِ حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ، ثُمَّ حَشْوُهُ بِالْكُحْلِ أَوِ النِّيلِ أَوِ النَّوْرَةِ فَيَخْضَرُّ ; (وَالْمُسْتَوْشِمَةَ) : أَيْ مَنْ أَمَرَ بِذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْفَاعِلَةِ وَالْمَفْعُولِ بِهَا، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي وُشِمَ يَصِيرُ نَجِسًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِزَالَتُهُ بِالْعِلَاجِ وَجَبَتْ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا بِالْجَرْحِ، فَإِنْ خَافَ مِنْهُ التَّلَفَ أَوْ فَوْتَ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَتَهُ أَوْ شَيْئًا فَاحِشًا فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ لَمْ يَجِبْ إِزَالَتُهُ، وَإِذَا تَابَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إِثْمٌ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ إِزَالَتُهُ وَيَعْصَى بِتَأْخِيرِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ.

стр. 6120

٤٤٣١ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ. فَقَالَ: مَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ، فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ. قَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّهُ قَالَ نَهَى عَنْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٣١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ هِيَ الَّتِي تَطْلُبُ إِزَالَةَ الشَّعْرِ مِنَ الْوَجْهِ بِالْمِنْمَاصِ أَيِ الْمِنْقَاشِ، وَالَّتِي تَفْعَلُهُ نَامِصَةٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ حَرَامٌ إِلَّا إِذَا نَبَتَ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ أَوْ شَوَارِبُ (وَالْمُتَفَلِّجَاتِ) : بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهِيَ الَّتِي تَطْلُبُ الْفَلَجَ، وَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ فُرْجَةٌ مَا بَيْنَ الثَّنَايَا وَالرُّبَاعِيَّاتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ السِّنِينَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِنَّ النِّسَاءُ اللَّاتِي تَفْعَلُ ذَلِكَ بِأَسْنَانِهِنَّ رَغْبَةً فِي التَّحْسِينِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الَّتِي تُبَاعِدُ مَا بَيْنَ الثَّنَايَا وَالرُّبَاعِيَّاتِ بِتَرْقِيقِ الْأَسْنَانِ بِنَحْوِ الْمِبْرَدِ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تُرَقِّقُ الْأَسْنَانَ وَتُزَيِّنُهَا، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: (لِلْحُسْنِ) : لِلتَّعْلِيلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّنَازُعُ فِيهِ بَيْنَ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْأَخِيرِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْحَرَامَ هُوَ الْمَفْعُولُ لِطَلَبِ الْحُسْنِ، أَمَّا لَوِ احْتَاجَتْ إِلَيْهِ لِعِلَاجٍ أَوْ عَيْبٍ فِي السِّنِّ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. (الْمُغَيِّرَاتِ) : صِفَةٌ لِلْمَذْكُورَاتِ جَمِيعًا وَمَفْعُولُهُ

стр. 6121

(خَلْقَ اللَّهِ) : وَالْجُمْلَةُ كَالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ اللَّعْنِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (فَجَاءَتْهُ) : أَيْ: ابْنَ مَسْعُودٍ (امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهُ) : أَيِ الشَّأْنَ (بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ) : أَيِ الْوَاشِمَاتِ وَمَا بَعْدَهُنَّ، وَالْمَعْنَى أُخْبِرْتُ أَنَّكَ أَخْبَرْتَ عَنْ لَعْنِ اللَّهِ، أَوْ أَنْشَأْتَ اللَّعْنَ مِنْ عِنْدِكَ عَلَى الْمَذْكُورَاتِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ لَعْنُهُنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا يَجُوزُ لَعْنُ مَنْ لَمْ يَلْعَنْهُ اللَّهُ، (فَقَالَ) : أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ (مَا لِي) : " مَا " نَافِيَةٌ أَوِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَالْمَعْنَى كَيْفَ (لَا أَلْعَنُ مِنْ لَعَنَ) : أَيْ لَعَنَهُ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : فَصَارَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا بَعْدَمَا كَانَ مَوْقُوفًا (وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ) : عَطْفٌ عَلَى الْمَوْصُولِ الْأَوَّلِ أَيْ وَمَنْ هُوَ مَلْعُونٌ فِيهِ أَيْ مَذْكُورٌ فِيهِ لَعْنُهُ ضِمْنًا، وَلَمَّا أَبْهَمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا سَارَعَتْ (فَقَالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُ) : فِي كِتَابِ اللَّهِ أَيْ (مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ) : أَيِ الدَّفَّتَيْنِ، الْمُرَادُ أَوَّلُ الْقُرْآنِ وَآخِرُهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِيعَابِ بِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ، وَكَأَنَّهَا أَرَادَتْ بِاللَّوْحَيْنِ جِلْدَيْ أَوَّلِ الْمُصْحَفِ وَآخِرِهِ أَيْ قَرَأْتُ جَمِيعَ الْقُرْآنِ (فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ) : أَيْ صَرِيحًا (قَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ) : بِإِشْبَاعِ كَسْرَةِ التَّاءِ إِلَى تَوَلُّدِ الْيَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّامُ الْأُولَى مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وَالثَّانِيَةُ لِجَوَابِ الْقَسَمِ الَّذِي سَدَّ مَسَدَّ جَوَابِ الشَّرْطِ أَيْ لَوْ قَرَأْتِيهِ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّأَمُّلِ لَعَرَفْتِ ذَلِكَ. (أَمَا قَرَأْتِ) : هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيَّةُ وَمَا النَّافِيَةُ وَمَفْعُولُهُ (قَوْلُهُ: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] : فَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ (قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّهُ) : أَيِ الرَّسُولَ الْمَذْكُورَ (قَدْ نَهَى عَنْهُ) : وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْعِبَادُ مَأْمُورِينَ بِانْتِهَاءِ مَا نَهَاهُمُ الرَّسُولُ، وَقَدْ نَهَاهُمْ عَنِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ، فَكَانَ جَمِيعُ مَنْهِيَّاتِهِ ﷺ مَنْهِيًّا مَذْكُورًا فِي الْقُرْآنِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ لَعْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَاشِمَاتِ. . إِلَخْ كَلَعْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى قَوْلِهِ: خَلْقَ اللَّهِ، وَقَالَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَةُ.

стр. 6122

٤٤٣٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعَيْنُ حَقٌّ " وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٤٣٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْعَيْنُ) : أَيْ إِصَابَتُهَا (حَقٌّ) : أَيْ أَمْرٌ مُتَحَقِّقُ الْوُقُوعِ لَهَا تَأْثِيرٌ مَقْضِيٌّ بِهِ فِي الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ فِي الْوَضْعِ الْإِلَهِيِّ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، كَذَا ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ. وَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: أَصَابَتْ فُلَانًا عَيْنٌ إِذَا نَطَرَ إِلَيْهِ عَدُوٌّ أَوْ حَسُودٌ، فَأَثَّرَتْ فِيهِ، فَمَرِضَ بِسَبَبِهَا. (وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ) : عَطْفٌ عَلَى قَالَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ اقْتِرَانَ النَّهْيِ عَنِ الْوَشْمِ بِإِصَابَةِ الْعَيْنِ رَدٌّ لِزَعْمِ الْوَاشِمَةِ أَنَّهُ يَرُدُّ الْعَيْنَ اهـ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اقْتِرَانِهِمَا فِي زَمَانِ تَكَلُّمِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِمَا فَتَأَمَّلْ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : أَيِ الْمُرَكَّبَ مِنَ الْجُمْلَتَيْنِ، وَإِلَّا فَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الْعَيْنُ حَقٌّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ: الْعَيْنُ حَقٌّ تَسْتَنْزِلُ الْحَالِقَ أَيِ الْجَبَلَ. وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَدِيٍّ أَيْضًا عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ: «الْعَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ وَتُدْخِلُ الْجَمَلَ الْقِدْرَ» . وَرَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: «الْعَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقُ الْقَدَرِ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَ (إِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» ) أَيْ إِذَا طَلَبَ مَنْ أَصَابَهُ الْعَيْنُ أَنْ يَغْتَسِلَ مَنْ أَصَابَهُ بِعَيْنِهِ فَلْيُجِبْهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَرَوَى الْكَجِّيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: «الْعَيْنُ حَقٌّ يُحْضِرُهَا الشَّيْطَانُ وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ» .

стр. 6123

٤٤٣٣ - «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُلَبِّدًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٤٣٣ - ( «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُلَبِّدًا» ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَيُفْتَحُ، فِي الْفَائِقِ: التَّلْبِيدُ أَنْ يَجْعَلَ فِي رَأْسِهِ لُزُوقًا صَمْغًا أَوْ عَسَلًا لِيَتَلَبَّدَ فَلَا يَقْمُلُ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: أَنْ يَجْعَلَ رَأْسَهُ كَاللُّبَدِ بِالصَّبْغِ لِأَجْلِ السَّفَرِ لِئَلَّا يَتَلَوَّثَ بِالْغُبَارِ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّلْبِيدِ فِي غَيْرِ حَالِ الْإِحْرَامِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6124

٤٤٣٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٣٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» ) : أَيْ يَسْتَعْمِلَ الزَّعْفَرَانَ فِي ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ ; لِأَنَّهُ عَادَةُ النِّسَاءِ، وَأَمَّا الْقَلِيلُ مِنْهُ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ، لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُنْكِرْهُ لَمَّا رَآهَ عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ، قَالَ أَبُو عِيسَى: مَعْنَى كَرَاهَةِ التَّزَعْفُرِ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَطَيَّبَ بِهِ، وَالنَّهْيُ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرَّجُلِ يَتَنَاوَلُ الْكَثِيرَ، أَمَّا الْقَلِيلُ مِنْهُ فَقَدْ رُوِيَ التَّرْخِيصُ فِيهِ لِلْمُتَزَوِّجِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ عَلَيْهِ دِرْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، قُلْتُ: لَعَلَّهُ الْتَصَقَ بِثَوْبِهِ مِنَ الْعَرُوسِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِهِ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ عَنِ التَّطَيُّبِ بِهِ الشَّامِلِ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَكَمَا يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ النَّهْيِ إِطْلَاقُ قَوْلِهِ ﷺ : «طِيبُ الرِّجَالِ مَا خَفِيَ لَوْنُهُ» " قَالَ: وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّقُونَ وَلَا يَرَوْنَ بِالْخَلُوقِ بَأْسًا. قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَالْمُرَادُ بِهِمُ الَّذِينَ مَا بَلَغَهُمُ النَّهْيُ أَوْ مَا صَحَّ عِنْدَهُمْ. قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: رَأَيْتُ الشَّعْبِيَّ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَخُلِّقَ بِخَلُوقٍ، ثُمَّ غَسَلَهُ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ كَانَ لِمُدَاوَاةٍ ; مَعَ أَنَّ تَخَلُّقَهُ ثُمَّ غَسْلَهُ لَا يُسَمَّى تَطَيُّبًا فِي الْعُرْفِ، وَسَيَأْتِي أَحَادِيثُ أُخَرُ فِي الْمَنْعِ عَنِ الْخَلُوقِ مُطْلَقًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

стр. 6125

٤٤٣٥ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ بِأَطْيَبِ مَا نَجِدُ، حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٣٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ) : بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ أُعَطِّرُ (النَّبِيَّ ﷺ بِأَطْيَبِ مَا نَجَدُ) : أَيْ نُصَادِفُ نَحْنُ مَعْشَرَ النِّسَاءِ مِنْ أَنْوَاعِ طِيبِ الرِّجَالِ، وَجُرَّ (أَطْيَبِ) بِالْإِضَافَةِ (حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ) : بِالصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ أَيْ بَرِيقَهُ وَلَمَعَانَهُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِقَوْلِهِ: «طِيبُ الرِّجَالِ مَا خَفِيَ لَوْنُهُ» ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا لَهُ لَوْنٌ يُظْهِرُ زِينَةً وَجَمَالًا كَالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ فَهُوَ جَائِزٌ اهـ. وَفِي مَعْنَاهُمَا الْكَافُورُ وَالزَّبَادُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: كَانَ يَأْخُذُ الْمِسْكَ فَيَمْسَحُ بِهِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ. رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ.

стр. 6126

٤٤٣٦ - وَعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ بِأَلُوَّةٍ غَيْرِ مُطَرَّاةٍ، وَبِكَافُورٍ يَطْرَحُهُ مَعَ الْأَلُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » -. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٤٣٦ - (وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ) : أَيْ تَبَخَّرَ وَتَعَطَّرَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ اسْتَعْمَلَ الْجَمْرَ وَحَصَلَ الْجَمْرُ فِيهِ لِلْبَخُورِ اهـ. وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْجَمْرَةِ، وَمِنْهُ الْمِجْمَرَةُ وَهِيَ وِعَاءٌ يُوضَعُ فِيهِ النَّارُ، ثُمَّ الْعُودُ وَيُتَبَخَّرُ بِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الِاسْتِجْمَارُ هُنَا اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ، وَالتَّبَخُّرُ بِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ مِجْمَرَةٍ وَهُوَ الْبَخُورُ اهـ. وَقَيَّدَهُ لِقَوْلِهِ هُنَا لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ أَوْ مُطْلَقًا (اسْتَجْمَرَ بِأَلُوَّةٍ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيُضَمُّ، بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ بِكَسْرِ اللَّامِ مَعَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتُشَدَّدُ وَتَخَفَّفُ. قَالَ الْفَارِسِيُّ: أَرَاهَا فَارِسِيَّةً مُعَرَّبَةً وَهِيَ عَوْدٌ يُتَخَبَّرُ بِهِ وَقَوْلُهُ: (غَيْرُ مُطَرَّاةٍ) : صِفَةٌ، وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ غَيْرُ مَخْلُوطَةٍ بِغَيْرِهَا مِنَ الطِّيبِ كَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَالْمُطَرَّاةُ هِيَ الْمُرَبَّاةُ بِمَا يَزِيدُ فِي الرَّائِحَةِ مِنَ الطِّيبِ، وَالْمَعْنَى اسْتَجْمَرَ بِهَذِهِ وَحْدَهَا تَارَةً (وَبِكَافُورٍ يَطْرَحُهُ) : صِفَةُ كَافُورٍ (مَعَ الْأَلُوَّةِ) : أَيْ تَارَةً أُخْرَى (ثُمَّ قَالَ) : أَيِ ابْنُ عُمَرَ (هَكَذَا) : أَيِ انْفِرَادًا وَاجْتِمَاعًا (كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6127

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٤٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُصُّ، أَوْ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ - صَلَوَاتُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ - يَفْعَلُهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٤٣٧ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُصُّ، أَوْ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ يَفْعَلُهُ) : أَيِ الْقَصَّ أَوِ الْأَخْذَ أَيْضًا، وَلَعَلَّ ذِكْرَهُ ﵊ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَصَّ الشَّارِبَ كَمَا سَيَأْتِي مُصَرَّحًا بِهِ فِي آخِرِ الْبَابِ، فَالِاقْتَدَاءُ بِالْحَبِيبِ بَعْدَ الْخَلِيلِ يُورِثُ الْأَجْرَ الْجَمِيلَ وَالثَّوَابَ الْجَزِيلَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ، يَعْنِي: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّبِعُ سُنَّةَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ ﵊ كَمَا يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] ، قِيلَ: الْكَلِمَاتُ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ الْفَرْقُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَالسِّوَاكُ وَغَيْرُ ذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 6128

٤٤٣٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٤٣٨ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» ) : أَيْ مِنْ مُوَافِقِينَا فِي هَذَا الْفِعْلِ كَذَا قِيلَ، وَهُوَ لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهُ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ، وَقِيلَ لَيْسَ مِنَّا فِي وُصُولِ ثَوَابِ هَذِهِ السُّنَّةِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ مِنْ كُمَّلِ أَهْلِ طَرِيقَتِنَا، أَوْ تَهْدِيدٌ لِتَارِكِ هَذِهِ السُّنَّةِ، أَوْ تَخْوِيفٌ لَهُ عَلَى الْمَوْتِ لِغَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 6129

٤٤٣٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٤٤٣٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا» ) : بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ ﷺ : " «أَعْفُوا اللِّحَى» " ; لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ هُوَ قَصُّهَا كَفِعْلِ الْأَعَاجِمِ أَوْ جَعْلُهَا كَذَنَبِ الْحَمَامِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِعْفَاءِ التَّوْفِيرُ مِنْهَا كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَالْأَخْذُ مِنَ الْأَطْرَافِ قَلِيلًا لَا يَكُونُ مِنَ الْقَصِّ فِي شَيْءٍ اهـ. وَعَلَيْهِ سَائِرُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ مِنْ زَيْنِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِ، وَقُيِّدَ الْحَدِيثُ فِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ بِقَوْلِهِ: إِذَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْقُبْضَةِ، وَجَعَلَهُ فِي التَّنْوِيرِ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِي الشِّرْعَةِ: وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْخَمِيسِ أَوِ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَتْرُكُهُ مُدَّةً طَوِيلَةً. وَفِي النِّهَايَةِ شَرْحُ الْهِدَايَةِ: وَاللِّحْيَةُ عِنْدَنَا طُولُهَا بِقَدْرِ الْقُبْضَةِ بِضَمِّ الْقَافِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَجِبُ قَطْعُهُ. رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنَ اللِّحْيَةِ مِنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا» . أَوْرَدَهُ أَبُو عِيسَى فِي جَامِعِهِ وَقَالَ: مِنْ سَعَادَةِ الرَّجُلِ خِفَّةُ لِحْيَتِهِ اهـ. وَقَوْلُهُ: يَجِبُ بِمَعْنَى يَنْبَغِي، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ قَرِيبَةٌ إِلَى الْوُجُوبِ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ عَلَى إِطْلَاقِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَسْوِيَةُ شَعْرِ اللِّحْيَةِ سُنَّةٌ وَهِيَ أَنْ يَقُصَّ كُلَّ شَعْرَةٍ أَطْوَلَ مِنْ غَيْرِهَا لِيَسْتَوِيَ جَمِيعُهَا. وَفِي الْإِحْيَاءِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا طَالَ مِنَ اللِّحْيَةِ، فَقِيلَ: إِنْ قَبَضَ الرَّجُلُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَأَخَذَ مَا تَحْتَ الْقُبْضَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَاسْتَحْسَنَهُ الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمَنْ تَبِعَهُمَا. وَقَالُوا: تَرْكُهَا عَافِيَةٌ أَحَبُّ لِقَوْلِهِ ﵊: ( «أَعْفُوا اللِّحَى» ) . لَكِنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الطُّولَ الْمُفْرِطَ يُشَوِّهُ الْخِلْقَةَ، وَيُطْلِقُ أَلْسِنَةَ الْمُغْتَابِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَلَا بَأْسَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْهُ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ. قَالَ النَّخَعِيُّ: عَجِبْتُ لِرَجُلٍ عَاقِلٍ طَوِيلِ اللِّحْيَةِ كَيْفَ لَا يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ فَيَجْعَلُهَا بَيْنَ لِحْيَتَيْنِ أَيْ طَوِيلٍ وَقَصِيرٍ، فَإِنَّ التَّوَسُّطَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحْسَنُ، وَمِنْهُ قِيلَ: خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: كُلَّمَا طَالَتِ اللِّحْيَةُ نَقَصَ الْعَقْلُ اهـ كَلَامُ الْإِمَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 6130

٤٤٤٠ - «وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَيْهِ خَلُوقًا، فَقَالَ: " أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: " فَاغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ، ثُمَّ لَا تَعُدْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٤٤٠ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ) : بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ، شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَيْهِ خَلُوقًا) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ لَهُ لَوْنٌ، وَقِيلَ: هُوَ طِيبٌ فِيهِ صُفْرَةٌ، وَقِيلَ: طِيبٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ. (فَقَالَ: " أَلَكَ امْرَأَةٌ؟) : قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي إِنْ كَانَ لَكَ امْرَأَةٌ أَصَابَكَ مِنْ بَدَنِهَا وَثَوْبِهَا الْخَلُوقُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقْصِدَ اسْتِعْمَالَهُ فَأَنْتَ مَعْذُورٌ، وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ: وَقِيلَ: رُخِّصَ لِلْمُتَزَوِّجِ قَلِيلُهُ لَا الْكَثِيرُ. قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ قَوْلُ الْمُظْهِرِ لِمَا سَبَقَ لِمَا سَيَأْتِي. (قَالَ: لَا) : أَيْ لَيْسَ لِي امْرَأَةٌ (قَالَ: " فَاغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ) قَالَ الْمُظْهِرُ: أَمَرَهُ بِغَسْلِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى لَوْنُهُ إِلَّا بِغَسْلِهِ ثَلَاثًا (ثُمَّ لَا تَعُدْ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ لَا تَرْجِعْ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالرِّجَالِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ)
следующие страницы →