← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

٤٤٣٦ - وَعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ بِأَلُوَّةٍ غَيْرِ مُطَرَّاةٍ، وَبِكَافُورٍ يَطْرَحُهُ مَعَ الْأَلُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » -. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٤٣٦ - (وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ) : أَيْ تَبَخَّرَ وَتَعَطَّرَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ اسْتَعْمَلَ الْجَمْرَ وَحَصَلَ الْجَمْرُ فِيهِ لِلْبَخُورِ اهـ. وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْجَمْرَةِ، وَمِنْهُ الْمِجْمَرَةُ وَهِيَ وِعَاءٌ يُوضَعُ فِيهِ النَّارُ، ثُمَّ الْعُودُ وَيُتَبَخَّرُ بِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الِاسْتِجْمَارُ هُنَا اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ، وَالتَّبَخُّرُ بِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ مِجْمَرَةٍ وَهُوَ الْبَخُورُ اهـ. وَقَيَّدَهُ لِقَوْلِهِ هُنَا لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ أَوْ مُطْلَقًا (اسْتَجْمَرَ بِأَلُوَّةٍ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيُضَمُّ، بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ بِكَسْرِ اللَّامِ مَعَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتُشَدَّدُ وَتَخَفَّفُ. قَالَ الْفَارِسِيُّ: أَرَاهَا فَارِسِيَّةً مُعَرَّبَةً وَهِيَ عَوْدٌ يُتَخَبَّرُ بِهِ وَقَوْلُهُ: (غَيْرُ مُطَرَّاةٍ) : صِفَةٌ، وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ غَيْرُ مَخْلُوطَةٍ بِغَيْرِهَا مِنَ الطِّيبِ كَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَالْمُطَرَّاةُ هِيَ الْمُرَبَّاةُ بِمَا يَزِيدُ فِي الرَّائِحَةِ مِنَ الطِّيبِ، وَالْمَعْنَى اسْتَجْمَرَ بِهَذِهِ وَحْدَهَا تَارَةً (وَبِكَافُورٍ يَطْرَحُهُ) : صِفَةُ كَافُورٍ (مَعَ الْأَلُوَّةِ) : أَيْ تَارَةً أُخْرَى (ثُمَّ قَالَ) : أَيِ ابْنُ عُمَرَ (هَكَذَا) : أَيِ انْفِرَادًا وَاجْتِمَاعًا (كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6127

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٤٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُصُّ، أَوْ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ - صَلَوَاتُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ - يَفْعَلُهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٤٣٧ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُصُّ، أَوْ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ يَفْعَلُهُ) : أَيِ الْقَصَّ أَوِ الْأَخْذَ أَيْضًا، وَلَعَلَّ ذِكْرَهُ ﵊ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَصَّ الشَّارِبَ كَمَا سَيَأْتِي مُصَرَّحًا بِهِ فِي آخِرِ الْبَابِ، فَالِاقْتَدَاءُ بِالْحَبِيبِ بَعْدَ الْخَلِيلِ يُورِثُ الْأَجْرَ الْجَمِيلَ وَالثَّوَابَ الْجَزِيلَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ، يَعْنِي: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّبِعُ سُنَّةَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ ﵊ كَمَا يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] ، قِيلَ: الْكَلِمَاتُ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ الْفَرْقُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَالسِّوَاكُ وَغَيْرُ ذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 6128

٤٤٣٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٤٣٨ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» ) : أَيْ مِنْ مُوَافِقِينَا فِي هَذَا الْفِعْلِ كَذَا قِيلَ، وَهُوَ لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهُ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ، وَقِيلَ لَيْسَ مِنَّا فِي وُصُولِ ثَوَابِ هَذِهِ السُّنَّةِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ مِنْ كُمَّلِ أَهْلِ طَرِيقَتِنَا، أَوْ تَهْدِيدٌ لِتَارِكِ هَذِهِ السُّنَّةِ، أَوْ تَخْوِيفٌ لَهُ عَلَى الْمَوْتِ لِغَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 6129

٤٤٣٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٤٤٣٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا» ) : بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ ﷺ : " «أَعْفُوا اللِّحَى» " ; لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ هُوَ قَصُّهَا كَفِعْلِ الْأَعَاجِمِ أَوْ جَعْلُهَا كَذَنَبِ الْحَمَامِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِعْفَاءِ التَّوْفِيرُ مِنْهَا كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَالْأَخْذُ مِنَ الْأَطْرَافِ قَلِيلًا لَا يَكُونُ مِنَ الْقَصِّ فِي شَيْءٍ اهـ. وَعَلَيْهِ سَائِرُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ مِنْ زَيْنِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِ، وَقُيِّدَ الْحَدِيثُ فِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ بِقَوْلِهِ: إِذَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْقُبْضَةِ، وَجَعَلَهُ فِي التَّنْوِيرِ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِي الشِّرْعَةِ: وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْخَمِيسِ أَوِ الْجُمُعَةِ، وَلَا يَتْرُكُهُ مُدَّةً طَوِيلَةً. وَفِي النِّهَايَةِ شَرْحُ الْهِدَايَةِ: وَاللِّحْيَةُ عِنْدَنَا طُولُهَا بِقَدْرِ الْقُبْضَةِ بِضَمِّ الْقَافِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَجِبُ قَطْعُهُ. رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنَ اللِّحْيَةِ مِنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا» . أَوْرَدَهُ أَبُو عِيسَى فِي جَامِعِهِ وَقَالَ: مِنْ سَعَادَةِ الرَّجُلِ خِفَّةُ لِحْيَتِهِ اهـ. وَقَوْلُهُ: يَجِبُ بِمَعْنَى يَنْبَغِي، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ قَرِيبَةٌ إِلَى الْوُجُوبِ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ عَلَى إِطْلَاقِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَسْوِيَةُ شَعْرِ اللِّحْيَةِ سُنَّةٌ وَهِيَ أَنْ يَقُصَّ كُلَّ شَعْرَةٍ أَطْوَلَ مِنْ غَيْرِهَا لِيَسْتَوِيَ جَمِيعُهَا. وَفِي الْإِحْيَاءِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا طَالَ مِنَ اللِّحْيَةِ، فَقِيلَ: إِنْ قَبَضَ الرَّجُلُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَأَخَذَ مَا تَحْتَ الْقُبْضَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَاسْتَحْسَنَهُ الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمَنْ تَبِعَهُمَا. وَقَالُوا: تَرْكُهَا عَافِيَةٌ أَحَبُّ لِقَوْلِهِ ﵊: ( «أَعْفُوا اللِّحَى» ) . لَكِنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الطُّولَ الْمُفْرِطَ يُشَوِّهُ الْخِلْقَةَ، وَيُطْلِقُ أَلْسِنَةَ الْمُغْتَابِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَلَا بَأْسَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْهُ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ. قَالَ النَّخَعِيُّ: عَجِبْتُ لِرَجُلٍ عَاقِلٍ طَوِيلِ اللِّحْيَةِ كَيْفَ لَا يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ فَيَجْعَلُهَا بَيْنَ لِحْيَتَيْنِ أَيْ طَوِيلٍ وَقَصِيرٍ، فَإِنَّ التَّوَسُّطَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحْسَنُ، وَمِنْهُ قِيلَ: خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: كُلَّمَا طَالَتِ اللِّحْيَةُ نَقَصَ الْعَقْلُ اهـ كَلَامُ الْإِمَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 6130

٤٤٤٠ - «وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَيْهِ خَلُوقًا، فَقَالَ: " أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: " فَاغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ، ثُمَّ لَا تَعُدْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٤٤٠ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ) : بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ، شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَيْهِ خَلُوقًا) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ لَهُ لَوْنٌ، وَقِيلَ: هُوَ طِيبٌ فِيهِ صُفْرَةٌ، وَقِيلَ: طِيبٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ. (فَقَالَ: " أَلَكَ امْرَأَةٌ؟) : قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي إِنْ كَانَ لَكَ امْرَأَةٌ أَصَابَكَ مِنْ بَدَنِهَا وَثَوْبِهَا الْخَلُوقُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقْصِدَ اسْتِعْمَالَهُ فَأَنْتَ مَعْذُورٌ، وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ: وَقِيلَ: رُخِّصَ لِلْمُتَزَوِّجِ قَلِيلُهُ لَا الْكَثِيرُ. قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ قَوْلُ الْمُظْهِرِ لِمَا سَبَقَ لِمَا سَيَأْتِي. (قَالَ: لَا) : أَيْ لَيْسَ لِي امْرَأَةٌ (قَالَ: " فَاغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ) قَالَ الْمُظْهِرُ: أَمَرَهُ بِغَسْلِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى لَوْنُهُ إِلَّا بِغَسْلِهِ ثَلَاثًا (ثُمَّ لَا تَعُدْ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ لَا تَرْجِعْ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالرِّجَالِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ)

стр. 6131

٤٤٤١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ رَجُلٍ فِي جَسَدِهِ شَيْءٌ مِنْ خَلُوقٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤٤١ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ رَجُلٍ فِي جَسَدِهِ شَيْءٌ مِنْ خَلُوقٍ» ) : وَفِي تَنْكِيرِ شَيْءٍ الشَّامِلِ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ رَدٌّ لِمَنْ تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْكَثِيرِ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الْمُرَادُ نَفْيُ ثَوَابِ الصَّلَاةِ الْكَامِلَةِ لِلتَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ تَهْدِيدٌ وَزَجْرٌ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْخَلُوقِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6132

٤٤٤٢ - «وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ تَشَقَّقَتْ يَدَايَ، فَخَلَّقُونِي بِزَعْفَرَانٍ، فَغَدَوْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ وَقَالَ: " اذْهَبْ فَاغْسِلْ هَذَا عَنْكَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤٤٢ - ( «وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ تَشَقَّقَتْ يَدَايَ، فَخَلَّقُونِي» ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ جَعَلُوا الْخَلُوقَ فِي شُقُوقِ يَدَيَّ لِلْمُدَاوَاةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، فَقَوْلُهُ: (بِزَعْفَرَانٍ) ، لِلتَّأْكِيدِ أَوْ بِنَاءً عَلَى التَّجْرِيدِ (فَغَدَوْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) : أَيْ جِئْتُهُ وَقْتَ الْغُدْوَةِ (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ) : وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ رَدٍّ عَلَى مَنْ جَوَّزَ الْقَلِيلَ بِغَيْرِ عُذْرٍ (وَقَالَ: اذْهَبْ فَاغْسِلْ هَذَا عَنْكَ) . وَلَعَلَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ عُذْرُهُ، أَوْ مَا أَعْجَبَهُ خُرُوجُهُ بِهِ، أَوْ إِبْقَاؤُهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ غَسْلِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6133

٤٤٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٤٤٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : طِيبُ الرِّجَالِ) : الطِّيبُ قَدْ جَاءَ مَصْدَرًا وَاسْمًا وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَمَعْنَاهُ: مَا يُتَطَيَّبُ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ. (مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ) : كَمَاءِ الْوَرْدِ وَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالْكَافُورِ. ( «وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ، وَخَفِيَ رِيحُهُ» ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ سَعْدٌ: أَرَاهُمْ حَمَلُوا قَوْلَهُ: وَطِيبُ النِّسَاءِ عَلَى مَا إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا فَلْتَتَطَيَّبْ بِمَا شَاءَتْ. رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ، فَالْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ وَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي زَانِيَةً اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: " «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدُ مَعَنَا الْعِشَاءَ» " قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا خَفِيَ رِيحُهُ كَالزَّعْفَرَانِ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: وَكَالْحِنَّاءِ، وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُمْ إِذْ هُمْ شَافِعِيُّونَ، وَالْمُقَرَّرُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْحِنَّاءَ لَيْسَتْ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَحَسَّنَهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَجْهُولٌ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ، وَالرَّاوِي ثِقَةٌ عَنْهُ، فَجَهَالَتُهُ تَنْتَفِي مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. قُلْتُ: أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى تَعَدُّدِ أَسَانِيدِهِ فَيَكُونُ حَسَنًا لِغَيْرِهِ. (وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَأَبُو دَاوُدَ بَيْنَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، وَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ اهـ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ أَنَسٍ.

стр. 6134

٤٤٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُكَّةٌ يَتَطَيَّبُ مِنْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤٤٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ) : وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُكَّةٌ،: بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ: نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ عَزِيزٌ، قِيلَ: يُتَّخَذُ مِنَ الْمِسْكِ، وَفِي الصِّحَاحِ: الْمِسْكُ مِنَ الطِّيبِ عَرَبِيٌّ، وَقِيلَ: هُوَ مَعْجُونٌ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ، وَفِي الْقَامُوسِ: السُّكَّةُ بِالضَّمِّ طِيبٌ يُتَّخَذُ مِنَ الرَّامِكِ مَدْقُوقًا مَنْخُولًا مَعْجُونًا بِالْمَاءِ وَيُعْرَكُ شَدِيدًا وَيُقْرَصُ وَيُتْرَكُ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ يُثْقَبُ بِمِسَلَّةٍ وَيُنَظَمُ فِي خَيْطِ قُنَّبٍ، وَيُتْرَكُ سَنَةً، وَكُلَّمَا عُتِّقَ طَابَتْ رَائِحَتُهُ. قَالَ: وَالرَّامِكُ كَصَاحِبٍ وَيُفْتَحُ، شَيْءٌ أَسْوَدُ يَخْلَطُ بِالْمِسْكِ وَالْقُنَّبُ كَدُنَّمِ وَسُكَّرٍ نَوْعٌ مِنَ الْكَتَّانِ. وَفِي النِّهَايَةِ: السُّكَّةُ طِيبٌ مَعْرُوفٌ يُضَافُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الطِّيبِ وَيُسْتَعْمَلُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هِيَ طِيبٌ مُرَكَّبٌ، وَقِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا ظَرْفٌ فِيهَا طِيبٌ وَيُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: يَتَطَيَّبُ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِهَا نَفْسَ الطِّيبِ لَقَالَ: (تَطَيَّبَ بِهَا) : قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: السُّكُّ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ طِيبٌ مَجْمُوعٌ مِنْ أَخْلَاطِ وَالسُّكَّةُ قِطْعَةٌ مِنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وِعَاءً. قَالَ مِيرَكُ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا نَفْسَ الطِّيبِ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: كَلِمَةُ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ لِيُشْعِرَ بِأَنَّهُ كَانَ يُسْتَعْمَلُ مِنْهَا بِدُفْعَاتٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِهَا، فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهَا بِدُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الْوِعَاءَ فَمِنْ لِلِابْتِدَاءِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.

стр. 6135

٤٤٤٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ، وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ، وَيُكْثِرُ الْقِنَاعَ، كَأَنَّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. ــ ٤٤٤٥ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ) : مِنَ الْإِكْثَارِ (دَهْنَ رَأْسِهِ) : بِفَتْحِ الدَّالِ اسْتِعْمَالُ الدُّهْنِ بِضَمِّهَا (وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ) : مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى دَهْنَ وَمَنْ جَرَّهُ بِالْعَطْفِ عَلَى رَأْسِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَالْمُرَادُ تَمْشِيطُهَا وَإِرْسَالُ شَعْرِهَا، وَحَلُّهَا يُمَشِّطُهَا، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ وَمُشْطَهُ، فَإِذَا نَبَّهَهُ اللَّهُ مِنَ اللَّيْلِ. . الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَمْسٌ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَدَعُهُنَّ فِي سِفْرٍ وَلَا حَضَرٍ: الْمِرْآةُ وَالْمُكْحُلَةُ وَالْمُشْطُ وَالْمِدْرَى وَالسِّوَاكُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: وَقَارُورَةُ دُهْنٍ بَدَلُ الْمِدْرَى، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ لَا يُفَارِقُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سِوَاكُهُ وَمُشْطُهُ، وَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ إِذَا سَرَّحَ لِحْيَتَهُ» . وَرَوَى الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ عِلْوَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «سَبْعٌ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتْرُكُهُنَّ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ: الْقَارُورَةُ وَالْمُشْطُ وَالْمِرْآةُ وَالْمُكْحُلَةُ وَالسِّوَاكُ وَالْمِقَصُّ وَالْمِدْرَى. قُلْتُ لِهِشَامٍ: الْمِدْرَى مَا بَالُهُ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَهُ وَفْرَةٌ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، فَكَانَ يُحَرِّكُهَا بِالْمِدْرَى» ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، عُودٌ تُدْخِلُهُ الْمَرْأَةُ فِي رَأْسِهَا لِئَلَّا يَنْضَمَّ بَعْضُ الشُّعُورِ إِلَى بَعْضٍ، وَالْمِقَصُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ آلَةُ الْقَصِّ بِمَعْنَى الْقَطْعِ وَهِيَ الْمِقْرَاضُ، هَذَا وَذَكَرَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ هُوَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ فَيُجْتَنَبُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ» . قَالَ، فَإِنْ قُلْتَ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ دُهْنَ رَأْسِهِ وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ» . قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِكْثَارِ التَّسْرِيحُ كُلَّ يَوْمٍ، بَلِ الْإِكْثَارُ قَدْ يَصْدُقُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي يُفْعَلُ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ. فَإِنْ قُلْتَ: نُقِلَ أَنَّهُ كَانَ يُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ. قُلْتُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا بِإِسْنَادٍ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ إِلَّا الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا. (وَيُكْثِرُ الْقِنَاعَ) : أَيْ لُبْسَهُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، وَلَعَلَّ هَذَا وَجْهُ إِعَادَةِ الْعَامِلِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَخِفَّةِ النُّونِ وَفِي آخِرِهِ مُهْمَلَةٍ: خِرْقَةٌ تُلْقَى عَلَى الرَّأْسِ تَحْتَ الْعِمَامَةِ بَعْدَ اسْتِعْمَالِ الدُّهْنِ وِقَايَةً لِلْعِمَامَةِ مِنْ أَثَرِ الدُّهْنِ وَاتِّسَاخِهَا بِهِ، شُبِّهَتْ بِقِنَاعِ الْمَرْأَةِ. وَفِي الصِّحَاحِ: هُوَ أَوْسَعُ مِنَ الْمِقْنَعَةِ، وَهُوَ الَّذِي تُلْقِيهِ الْمَرْأَةُ فَوْقَ الْمِقْنَعَةِ. قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي يُكْثِرُ اتِّخَاذَهُ أَوِ اسْتِعْمَالَهُ بَعْدَ الدُّهْنِ.

стр. 6136

(كَأَنَّ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَفِي الشَّمَائِلِ: حَتَّى كَانَ وَهِيَ غَايَةٌ لِيُكْثِرَ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: (ثَوْبَهُ) : أَيْ قِنَاعَهُ (ثَوْبُ زَيَّاتٍ) : بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ بَائِعِ الزَّيْتِ أَوْ صَانِعِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِثَوْبِهِ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى بَدَنِهِ لِإِكْثَارِ دَهْنِهِ وَلِمُلَابَسَةِ قِنَاعِهِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ أَنْظَفَ النَّاسِ ثَوْبًا، وَأَحْسَنَهُمْ هَيْئَةً، وَأَجْمَلَهُمْ سَمْتًا، وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ ﷺ رَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ فَقَالَ: أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ» ، وَقَالَ ﷺ : «أَصْلِحُوا ثِيَابَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ بَيْنَ النَّاسِ» ". وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ: كَانَ مِلْحَفَتُهُ مِلْحَفَةَ زَيَّاتٍ، أَوْرَدَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، وَيُقَوِّيهِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ التَّقَنُّعَ بِثَوْبٍ حَتَّى كَأَنَّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ أَوْ دَهَّانٍ» ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعَيُّنِ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ هَذَا لَمَا كَانَ لِذِكْرِ الْقِنَاعِ فَائِدَةٌ، وَلَا لِغَايَةِ حَتَّى كَأَنَّ ثَوْبَهُ (ثَوْبُ زَيَّاتٍ) : لِقَوْلِهِ: كَانَ يُكْثِرُ الْقِنَاعَ نَتِيجَةً، بَلْ كَانَ الْمُنَاسِبُ حِينَئِذٍ أَنْ يَقُولَ: كَانَ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ حَتَّى كَأَنَّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ، هَذَا وَكَأَنَّهُ عَدَلَ عَنِ الْمُضْمَرِ إِلَى الْمُظْهَرِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَكَأَنَّهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْقِنَاعِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَيْهِ ﷺ أَوْ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِثَوْبِهِ ثَوْبُهُ الْخَاصُّ الْمُسْتَعْمَلُ لِلدَّهْنِ لَا مُطْلَقَ ثَوْبِهِ، فَتَأَمَّلْ لِيَرْتَفِعَ الْخَلَلُ، لَكِنْ بَقِيَ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ سَوْقَ الْكَلَامِ وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي إِكْثَارِ الدُّهْنِ مَعَ التَّشْبِيهِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ (كَأَنَّ) يُفِيدُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ اللَّابِسَ، فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقِنَاعَ الَّذِي يُغَطَّى بِهِ الْمَدْهُونُ يُشْبِهُ ثَوْبَ الزَّيَّاتِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ ثَوْبُهُ عَلَى ثَوْبٍ خَاصٍّ أَيْضًا، وَهُوَ الَّذِي لَابَسَهُ حِينَ اسْتِعْمَالِ الدُّهْنِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِيهِ ﷺ لِيُخِلَّ بِالنَّظَافَةِ، بَلْ كَانَ يَقْلَعُهُ وَيَلْبَسُ غَيْرَهُ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْهُ خَادِمُهُ الْمَخْصُوصُ بِهِ الْمُطَّلِعُ عَلَى سِرِّهِ وَهَذَا التَّجْوِيلُ أَتَمُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ) : أَيِ الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : أَيْ مَعَ إِيرَادِهِ فِي الْمَصَابِيحِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِضَعْفِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَشَمَائِلِهِ، وَكَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ، فَلَا يَضُرُّ مَا قَالَهُ الْجَزَرِيُّ فِي الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ أَحَدِ رُوَاةِ التِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ، أَنَّهُ كَانَ عَابِدًا، وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ، وَعَدُّوا مِنْ مَنَاكِيرِهِ قَوْلَهُ: كَانَ ثَوْبُهُ ثَوْبَ زَيَّاتٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ عَادَتِهِ مِنَ النَّظَافَةِ، وَقَدْ عَرَفْتَ تَأْوِيلَهُ، فَارْتَفَعَ وَجْهُ الْإِنْكَارِ، وَإِنَّمَا الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ قَرَّرَهُ عَلَى الْمَعْنَى الْفَاسِدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 6137

٤٤٤٦ - وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵂ قَالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْنَا بِمَكَّةَ قَدْمَةً، وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٤٤٦ - (وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ) : مَرَّ ذِكْرُهَا (قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْنَا بِمَكَّةَ) : أَيْ يَوْمَ الْفَتْحِ (قَدْمَةً) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنَ الْقُدُومِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ (قَدِمَ) ، وَكَانَ لَهُ ﷺ قَدُومَاتٌ أَرْبَعَةٌ: بِمَكَّةَ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ، وَفَتْحُ مَكَّةَ، وَعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ، وَحَجَّةُ الْوَدَاعِ. وَبَعْضُ الرِّوَايَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَقْدِمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ اغْتَسَلَ وَصَلَّى الضُّحَى فِي بَيْتِهَا. (وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ) : بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ جَمْعُ غَدِيرَةٍ بِمَعْنَى ضَفِيرَةٍ، وَيُقَالُ: لَهَا ذُؤَابَةٌ أَيْضًا، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : أَيْ فِي جَامِعِهِ، وَكَذَا فِي الشَّمَائِلِ (وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 6138

٤٤٤٧ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِذَا فَرَقْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ صَدَّعْتُ فَرْقَهُ عَنْ يَافُوخِهِ، وَأَرْسَلْتُ نَاصِيَتَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤٤٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِذَا فَرَقْتُ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ قَسَمْتُ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ) : أَيْ شَعْرَ رَأْسِهِ قِسْمَيْنِ. أَحَدُهُمَا: مِنْ جَانِبِ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ: مِنْ جَانِبِ يَسَارِهِ (صَدَّعْتُ فَرْقَهُ) : بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ الْخَطُّ الَّذِي يَظْهَرُ بَيْنَ شَعْرِ الرَّأْسِ إِذَا قُسِمَ قِسْمَيْنِ، وَذَلِكَ الْخَطُّ هُوَ بَيَاضُ بَشْرَةِ الرَّأْسِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الشَّعْرِ، ذَكَرَهُ

стр. 6139

الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْمَعْنَى شَقَقْتُ وَفَرَقْتُ فَرْقَةً، أَيْ: جَعَلْتُ شَعْرَهُ الْمَفْرُوقَ نِصْفَيْنِ (عَنْ يَافُوخِهِ) : أَيْ جُلِّهِ وَمُعْظَمِهِ عَنْ جَانِبِ مُؤَخَّرِ رَأْسِهِ مِمَّا يَلِي الْقَفَا أَوْ صَدْعًا صَادِرًا عَنْ يَافُوخِهِ، (وَأَرْسَلْتُ نَاصِيَتَهُ) : وَهِيَ شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ (بَيْنَ عَيْنَيْهِ) : أَيْ مُحَاذِيًا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ قِبَلِ الْوَجْهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْيَافُوخُ وَسَطُ الرَّأْسِ وَمَوْضِعُ مَا يَتَحَرَّكُ مِنْ رَأْسِ الطِّفْلِ، وَالْمَعْنَى كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْ ذَلِكَ الْخَطِّ عِنْدَ الْيَافُوخِ، وَالطَّرْفُ الْآخَرُ عِنْدَ جَبْهَتِهِ مُحَاذِيًا لِمَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَوْلُهَا: وَأَرْسَلْتُ نَاصِيَتَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، أَيْ جَعَلْتُ رَأْسَ فَرْقِهِ مُحَاذِيًا لِمَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ نِصْفُ شَعْرِ نَاصِيَتِهِ مِنْ جَانِبِ يَمِينِ ذَلِكَ الْفَرْقِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرِ مِنْ جَانِبِ يَسَارِ ذَلِكَ الْفَرْقِ اهـ. وَتَأَمَّلْ فِيمَا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ مِنَ الْفَرْقِ، فَإِنَّهُ فَرْقٌ دَقِيقٌ، بِالتَّأَمُّلِ حَقِيقٌ لِمَنْ لَهُ تَوْفِيقٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6140

٤٤٤٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًّا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٤٤٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّرَجُّلِ) : أَيِ التَّمَشُّطِ (إِلَّا غِبًّا) : بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ. قَالَ الْقَاضِي: الْغِبُّ أَنْ يَفْعَلَ يَوْمًا وَيَتْرُكَ يَوْمًا، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ عَنِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ وَالِاهْتِمَامُ بِهِ ; لِأَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي التَّزْيِينِ وَتَهَالُكٌ فِي التَّحْسِينِ. وَقَالَ شَارِحٌ: الْغِبُّ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا حِينًا بَعْدَ حِينٍ، وَالْمَعْنَى نَهَى عَنْ دَوَامِ تَسْرِيحِ الرَّأْسِ وَتَدْهِينِهِ ; لِأَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي التَّزْيِينِ اهـ. وَالظَّاهِرُ عَنْ عِبَارَتِهِ أَنَّ تَمْشِيطَ اللِّحْيَةِ كُلَّ يَوْمٍ لَيْسَ دَاخِلًا فِي النَّهْيِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْغِبُّ بِالْكَسْرِ عَاقِبَةُ الشَّيْءِ، وَوِرْدُ يَوْمٍ وَظَمْءُ آخَرَ، وَفِي الزِّيَارَةِ أَنْ تَكُونَ كُلَّ أُسْبُوعٍ اهـ. فَالْغِبُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَفْعَالِ وَالْأَشْخَاصِ كَمَا وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ: زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْغِبُّ مِنْ أَوْرَادِ الْإِبِلِ أَنْ تُورِدَ الْإِبِلُ يَوْمًا وَتَدَعَهُ يَوْمًا، ثُمَّ تَعُودُ فَنُقِلَ إِلَى الزِّيَارَةِ أَنْ جَاءَ بَعْدَ أَيَّامٍ يُقَالُ: غِبُّ الرَّجُلِ إِذَا جَاءَ زَائِرًا بَعْدَ أَيَّامٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ اهـ. وَبِهِ ظَهَرَ الْمُدَّعِي ; لِأَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مُغَفَّلٍ فَلَا تَغْفَلْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : أَيْ فِي جَامِعِهِ، وَكَذَا فِي شَمَائِلِهِ بِإِسْنَادَيْنِ (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ. قَالَ مِيرَكُ: وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَرْبَعَ سِنِينَ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ» .

стр. 6141

٤٤٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لِفَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ: مَا لِي أَرَاكَ شَعِثًا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْإِرْفَاهِ. قَالَ: مَا لِي لَا أَرَى عَلَيْكَ حِذَاءً؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤٤٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَسْلَمِيٌّ قَاضِي مَرْوَ، تَابِعِيٌّ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ، سَمِعَ أَبَاهُ وَغَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَوَى عَنِ ابْنِهِ سَهْلٍ وَغَيْرِهِ، مَاتَ بِمَرْوَ، وَلَهُ حَدِيثٌ كَثِيرٌ (قَالَ) : أَيْ أَبُو بُرَيْدَةَ (قَالَ رَجُلٌ لِفَضَالَةَ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ (ابْنِ عُبَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ أَيِ الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ أُحُدُ، ثُمَّ شَهِدَ مَا بَعْدَهَا، وَبَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الشَّامِ، سَكَنَ دِمَشْقَ وَقَضَى بِهَا لِمُعَاوِيَةَ زَمَنَ خُرُوجِهِ إِلَى صِفِّينَ، وَمَاتَ بِهَا فِي عَهْدِ مُعَاوِيَةَ. (مَا لِي) : بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا، وَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ تَعَجُّبِيَّةٌ: أَيْ كَيْفَ الْحَالُ إِنِّي (أَرَاكَ) : أَيْ أَحْيَانًا لِمَا سَيَأْتِي (شَعِثًا) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ مُتَفَرِّقَ الشَّعْرِ غَيْرَ مُتَرَجِّلٍ فِي شَعْرِكَ وَلَا مُتَمَشْطٍ فِي لِحْيَتِكَ (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْإِرْفَاهِ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْمَصْدَرِ بِمَعْنَى التَّنَعُّمِ ; فَإِنَّ التَّعَوُّذَ بِهِ يَجْعَلُ النَّفْسَ مُتَكَبِّرَةً غَافِلَةً بَطْرَانَةً كَالْفَرَسِ الْجَمُوحِ، وَحِينَئِذٍ تَغَلِبُ عَلَى رَاكِبِهِ الَّذِي بِمَنْزِلَةِ الرُّوحِ، وَلِأَنَّ اعْتِيَادَ ذَلِكَ يُحَوِّجُ صَاحِبَهُ إِلَى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ وَمَعَاصٍ كَثِيرَةٍ ; وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْدُثُ بِهِ فَقْرٌ وَسُوءُ عَيْشٍ، فَيَشُقُّ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَيَضُرُّهُ حَالُهُ، وَالِاقْتِصَادُ هُوَ

стр. 6142

التَّوَسُّطُ الْعَدْلُ الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ فِعْلٍ مِنْ جَمِيعِ الْعِبَادِ، وَفِي الْغَرِيبَيْنِ: أَصْلُهُ مِنْ وُرُودِ الْإِبِلِ فِي الْمَاءِ مَتَى شَاءَ، وَأَرْفَهَ الْقَوْمُ إِذَا فَعَلَتْ إِبِلُهُمْ ذَلِكَ، شَبَّهَ كَثْرَةَ التَّدَهُّنِ وَادِّهَانِهِ بِهِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: الْإِرْفَاهُ التَّنَعُّمُ وَمُظَاهَرَةُ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ، وَاللِّبَاسِ عَلَى اللِّبَاسِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَمِنْهُ أُخِذَتِ الرَّفَاهِيَةُ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِفْرَاطَ فِي التَّنَعُّمِ مِنَ التَّدْهِينِ وَالتَّرْجِيلِ عَلَى مَا هُوَ عَادَةُ الْأَعَاجِمِ، وَأَمَرَ بِالْقَصْدِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهُ الطَّهَارَةُ وَالتَّنْظِيفُ ; فَإِنَّ النَّظَافَةَ مِنَ الدِّينِ (قَالَ) : أَيِ الرَّجُلُ (مَا لِي لَا أَرَى عَلَيْكَ حِذَاءً؟) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَمْدُودًا أَيْ نَعْلًا (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ) : أَيْ نَمْشِيَ حُفَاةً تَوَاضُعًا وَكَسْرًا لِلنَّفْسِ وَتَمَكُّنًا مِنْهُ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إِلَيْهِ، وَلِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: (أَحْيَانًا) : أَيْ حِينًا بَعْدَ حِينٍ، وَهُوَ أَوْسَعُ مَعْنًى مِنْ غِبًّا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6143

٤٤٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤٥٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ كَانَ لَهُ شَعَرٌ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَعْرُ الرَّأْسِ (فَلْيُكْرِمْهُ) : أَيْ فَلْيُزَيِّنْهُ وَلْيُنَظِّفْهُ بِالْغَسْلِ وَالتَّدْهِينِ وَلَا يَتْرُكُهُ مُتَفَرِّقًا ; فَإِنَّ النَّظَافَةَ وَحُسْنَ الْمَنْظَرِ مَحْبُوبٌ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6144

٤٤٥١ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَحْسَنَ مَا غُيِّرَ بِهِ الشَّيْبُ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٤٥١ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَحْسَنَ مَا غُيِّرَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَالْبَاءِ فِي قَوْلِهِ (بِهِ) : لِلسَّبَبِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: (الشَّيْبُ) : نَائِبُ الْفَاعِلِ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِنَّ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ هَذَا الشَّيْبَ (الْحِنَّاءُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ خَبَرُ إِنَّ (وَالْكَتَمُ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَتَخْفِيفُ التَّاءِ، فَفِي النِّهَايَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْكَتَّمُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، وَالْمَشْهُورُ التَّخْفِيفُ، وَهُوَ نَبْتٌ يُخْلَطُ مَعَ الْوَسْمَةِ وَيُصْبَغُ بِهِ الشَّعْرُ أَسْوَدَ، وَقِيلَ: هُوَ الْوَسْمَةُ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَصْبُغُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُرَادَ اسْتِعْمَالُ الْكَتَمِ مُفْرَدًا عَنِ الْحِنَّاءِ، فَإِنَّ الْحِنَّاءَ إِذَا خُضِّبَ بِهِ، مَعَ الْكَتَمِ جَاءَ أَسْوَدَ، وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنِ السَّوَادِ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ بِالْحِنَّاءِ أَوِ الْكَتَمِ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَلَكِنَّ الرِّوَايَاتِ عَلَى اخْتِلَافِهَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ اهـ. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِالْحِنَّاءِ تَارَةً فَيَكُونُ لَوْنُهُ أَحْمَرَ، وَبِالْكَتَمِ أُخْرَى فَيَكُونُ لَوْنُهُ أَخْضَرَ. وَالْوَاوُ قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى " أَوْ " وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَاهَا فِي التَّقْسِيمِ كَقَوْلِهِمْ: الْكَلِمَةُ اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ، وَثَانِيهَا: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَاهَا فِي الْإِبَاحَةِ، كَقَوْلِكَ: جَالَسَ الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ، وَثَالِثُهَا: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَاهَا فِي التَّخْيِيرِ: وَقَالُوا نَأْتِ فَاخْتَرْ لَهَا الصَّبْرَ وَالْبُكَا ... فَقُلْتُ الْبُكَا أَشْفَى إِذًا لِغَلِيلِي فَإِنَّ مَعْنَاهُ: أَوِ الْبُكَاءُ إِذْ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الصَّبْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاطِبِيِّ ﵀: وَصِلْ وَاسْكُتْنَ إِذْ لَا جَمْعَ بَيْنَ الْوَصْلِ وَالسَّكْتِ، فَإِنَّهُ وَقْفٌ بِلَا تَنَفُّسٍ، وَبِهِ حَصَلَ الْفَصْلُ. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ تَفَضُّلُهُمَا فِي تَغْيِيرِ الشَّيْبِ بِهِمَا عَلَى غَيْرِهَا لَا لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ التَّغْيِيرِ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْكَتَمُ الصَّرَفُ يُوجِبُ سَوَادًا مَائِلًا إِلَى الْحُمْرَةِ، وَالْحِنَّاءُ تُوجِبُ الْحُمْرَةَ فَاسْتِعْمَالُهُمَا يُوجِبُ مَا بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الصِّحَاحِ: الْكَتَمُ نَبْتٌ يُخْلَطُ مَعَ الْوَسْمَةِ لِلْخِضَابِ، وَالْمَكْتُومَةُ دُهْنٌ لِلْعَرَبِ أَحْمَرُ، وَيُجْعَلُ مِنْهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الْكَتَمُ، وَيُقَوِّيهِ مَا فِي الْمُغْرِبِ عَنِ الْأَزْهَرِيِّ: أَنَّ الْكَتَمَ نَبْتٌ فِيهِ حُمْرَةٌ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ كَانَ يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: قَدْ جَرَّبَ الْحِنَّاءَ وَالْكَتَمَ جَمِيعًا فَلَمْ يُسَوِّدْ، بَلْ يُغَيِّرُ صُفْرَةَ الْحِنَّاءِ وَحُمْرَتَهُ إِلَى الْخُضْرَةِ وَنَحْوِهَا فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْلُغَ إِلَى السَّوَادِ، كَذَا رَأَيْنَاهُ وَشَاهَدْنَاهُ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْخَلْطَ يَخْتَلِفُ، فَإِنْ غَلَبَ

стр. 6145

الْكَتَمُ اسْوَدَّ، وَكَذَا إِنِ اسْتَوَيَا، إِنْ غَلَبَ الْحِنَّاءُ احْمَرَّ، هَذَا وَفِي الشَّمَائِلِ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ» ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: لَمْ يَبْلُغِ الْخِضَابَ إِنَّمَا كَانَ شَيْئًا، وَفِي رِوَايَةٍ شَيْبًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: إِنَّمَا كَانَ شَيْءٌ فِي صُدْغَيْهِ، أَيْ فِيمَا بَيْنَ عَيْنِهِ وَأُذُنِهِ، وَلَكِنْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. قَالَ مِيرَكُ: الْحَدِيثُ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ، وَوَافَقَهُ ابْنُ سِيرِينَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْهُ يَذْكُرُ أَبِي بَكْرٍ فَقَطْ، وَلَفْظُهُ: قُلْتُ لَهُ: أَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَخْضِبُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بِلَفْظٍ، مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ خَضَبَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَأَظُنُّ أَنَّ ذِكْرَ عُمَرَ فِيهِ وَهْمٌ، لِمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: وَقَدِ اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ بَحْتًا، أَيْ صِرْفًا. قُلْتُ: الْحَمْلُ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ هَذَا مَرَّةً، وَوَافَقَ أَبَا بَكْرٍ أُخْرَى أَفْضَلُ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى الْوَهْمِ، وَبِهَذَا قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا دَائِمًا، لَكِنَّ الدَّوَامَ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنَ الْكَلَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) ، وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.

стр. 6146

٤٤٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُونَ بِهَذَا السَّوَادِ، كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ، لَا يَجِدُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٤٥٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُونَ) : بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يُغَيِّرُونَ الشَّعْرَ الْأَبْيَضَ مِنَ الشَّيْبِ الْوَاقِعِ فِي الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ (بِهَذَا السَّوَادِ) : أَرَادَ جِنْسَهُ لَا نَوْعَهُ الْمُعَيَّنَ، فَمَعْنَاهُ بِاللَّوْنِ الْأَسْوَدِ وَكَأَنَّهُ كَانَ مُتَعَارَفًا فِي زَمَانِهِ الشَّرِيفِ، وَلِهَذَا عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذَا السَّوَادِ، أَوْ أَرَادَ بِهِ السَّوَادَ الصِّرْفَ لِيُخْرِجَ الْأَحْمَرَ الَّذِي يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ كَالْكَتَمِ وَالْحِنَّاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَقْيِيدُهُ لِقَوْلِهِ: (كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ) : أَيْ كَصُدُورِهَا ; فَإِنَّهَا سُودٌ غَالِبًا، وَأَصْلُ الْحَوْصَلَةِ الْمَعِدَةُ، وَالْمُرَادُ هُنَا صَدْرُهُ الْأَسْوَدُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَيْسَ لِجَمِيعِ حَوَاصِلِ الْحَمَامِ سَوَادٌ، بَلْ لِبَعْضِهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَاهُ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ فِي الْغَالِبِ ; لِأَنَّ حَوَاصِلَ بَعْضِ الْحَمَامَاتِ لَيْسَ بِسُودٍ. (لَا يَجِدُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ) : يَعْنِي وَرِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ كَمَا فِي حَدِيثٍ. فَالْمُرَادُ بِهِ التَّهْدِيدُ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، أَوْ مُقَيَّدٌ بِمَا قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ مِنَ الْقَبْرِ أَوِ الْمَوْقِفِ أَوِ النَّارِ. قَالَ مِيرَكُ: ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى كَرَاهَةِ الْخِضَابِ بِالسَّوَادِ، وَجَنَحَ النَّوَوِيُّ إِلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ فِي الْجِهَادِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ; فَأَجَازَهُ لَهَا دُونَ الرَّجُلِ، وَاخْتَارَهُ الْحَلِيمِيُّ. وَأَمَّا خَضْبُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَيُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَيَحْرُمُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ إِلَّا لِلتَّدَاوِي. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) . قَالَ مِيرَكُ: وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ: " «مَنْ خَضَبَ بِالسَّوَادِ سَوَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " وَسَنَدُهُ لَيَّنٌ.

стр. 6147

٤٤٥٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَيَصْفِرُّ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. ــ ٤٤٥٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ» ) : بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فَفَوْقِيَّةٍ وَيَاءِ نِسْبَةٍ. فِي النِّهَايَةِ: السِّبْتُ بِالْكَسْرِ جُلُودُ الْبَقَرِ الْمَدْبُوغَةُ بِالْقَرَظِ يُتَّخَذُ مِنْهَا النِّعَالُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ شَعْرَهَا قَدْ سُبِتَ عَنْهَا أَيْ حُلِقَ وَأُزِيلَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا سَبِتَتْ بِالدِّبَاغِ أَيْ لَانَتْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي تَسْمِيَتِهِمْ لِلنَّعْلِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ السِّبْتِ سِبْتِيًّا اتِّسَاعٌ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يَلْبَسُ الصُّوفَ وَالْقُطْنَ وَالْإِبْرَيْسَمَ أَيِ الثِّيَابَ الْمُتَّخَذَةَ مِنْهَا اهـ. وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْهُ لِأَنَّ مَعَ وُجُودِ يَاءِ النِّسْبَةِ يَمْتَنِعُ مَعْنَى الِاتِّسَاعِ، كَمَا إِذَا قِيلَ: لَبِسَ الْقُطْنِيَّةَ (وَيَصْفِّرُ لِحْيَتَهُ) : بِتَشْدِيدِ

стр. 6148

الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ يَجْعَلُهَا أَصْفَرَ (بِالْوَرْسِ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ نَبْتٌ أَصْفَرُ بِالْيَمَنِ (وَالزَّعْفَرَانِ) . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَخْلِطُ بَيْنَهُمَا وَيَخْضِبُ بِهِمَا لِحْيَتَهُ، لَكِنْ يُنَافِيهِ مَا سَبَقَ عَنْ أَنَسٍ بِطُرُقٍ صَحِيحَةٍ، وَمِنْهَا مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَخْضِبْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ فِي عَنْفَقَتِهِ، وَهِيَ مَا بَيْنَ الذَّقْنِ وَالشَّفَةِ السُّفْلَى، وَفِي الصُّدْغَيْنِ، وَفِي الرَّأْسِ نُبَذٌ: بِضَمٍّ فَفَتْحٍ أَوْ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ شَعَرَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَجَمَعَ الْعَسْقَلَانِيُّ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ مُرَادَ أَنَسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَعْرِهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخِضَابِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَضَبَ؟ قَالَ: لَمْ يَبْلُغِ الْخِضَابَ» ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ عَنْ ثَابِتٍ «عَنْ أَنَسٍ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ لَفَعَلْتُ» . زَادَ ابْنُ سَعْدٍ وَالْحَاكِمُ: مَا شَأْنُهُ بِالشَّيْبِ؟ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «قَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَكَانَ إِذَا دَهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ، فَإِنْ لَمْ يَدْهُنْ تَبَيَّنَ» اهـ. كَلَامُهُ. قَالَ مِيرَكُ: لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ الْجَمْعِ بِمَا ذَكَرَ فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ. أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ مُقْتَطَعٌ، فَالْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ مَعَ تَضَمُّنِ الْجَوَابِ عَنِ الْإِشْكَالِ الْوَاقِعِ فِي الْبَابِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ الْخِضَابُ، فَأَشَارَ إِلَى دَفْعِهِ بِأَنَّ مُرَادَ أَنَسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَعْرِهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْخِضَابِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الْخِضَابَ الثَّابِتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ» ، وَحَاصِلُ الْجَمْعِ أَنَّهُ صَبَغَ تِلْكَ الشَّعَرَاتِ الْقَلِيلَةَ فِي حِينٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَتَرَكَهُ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ، فَأَخْبَرَ كُلٌّ بِمَا رَأَى، وَكِلَاهُمَا صَادِقَانِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَنْ نَفَى الصَّبْغَ أَرَادَ نَفْيَهُ بِصِفَةِ الدَّوَامِ وَالْأَغْلَبِيَّةِ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ أَرَادَ إِثْبَاتَهُ عَلَى سَبِيلِ النُّدْرَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: رِوَايَةُ أَنَسٍ لَمْ يَخْضِبْ بِنَاءً عَلَى عِلْمِهِ فَبَعِيدٌ جِدًّا، فَإِنَّهُ خَادِمُهُ اللَّازِمُ لَهُ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى، وَمَا أَبْعَدَ مَنْ قَالَ يُرِيدُ الْمُثْبِتَ أَيِ ابْنَ عُمَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ أَنَّهُ يَصْبُغُ ثَوْبَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ كَانَ يَصْفِّرُ لِحْيَتَهُ. (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) : أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ لُبْسِ النِّعَالِ السِّبْتِيَّةِ وَتَصْفِيرِ اللِّحْيَةِ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِلَى قَوْلِهِ: لِحْيَتَهُ، فَتَدَبَّرْ.

стр. 6149

٤٤٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ. فَقَالَ: " مَا أَحْسَنَ هَذَا ". قَالَ: فَمَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ فَقَالَ: " هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا ". ثُمَّ مَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالصُّفْرَةِ. فَقَالَ: " هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤٥٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ قَدْ خَضَبَ) : بِفَتْحِ الضَّادِ أَيْ صَبَغَ رَأْسَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ (بِالْحِنَّاءِ. فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا) : وَهُوَ إِحْدَى صِيغَتَيِ التَّعَجُّبِ، (قَالَ) : أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (فَمَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ) : أَيْ بِحَيْثُ مَا وَصَلَ إِلَى السَّوَادِ، وَهُوَ يُرِيدُ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا اخْتَرْنَاهُ أَنَّ الْوَاوَ عَلَى بَابِهَا مِنْ مَعْنَى الْجَمْعِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَسْطُورِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ وَبَيْنَ انْفِرَادِ الْحِنَّاءِ، أَنَّ فِي الْأَوَّلِ حُمْرَةً تَضْرِبُ إِلَى الْخُضْرَةِ، وَفِي الثَّانِي حُمْرَةً تَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ. (فَقَالَ: هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا) : أَيْ بَقَاءً أَوْ بَهْجَةً (ثُمَّ مَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالصُّفْرَةِ) : أَيْ بِخَلْطِ الْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ كَمَا سَبَقَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ (فَقَالَ: هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا) : أَيْ مِنْ جِنْسِ مَا سَبَقَ مِنَ الْجِنْسَيْنِ (كُلِّهِ) : لِلتَّأْكِيدِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 6150

٤٤٥٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٤٥٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : غَيِّرُوا الشَّيْبَ) : أَيْ بِالْخِضَابِ (وَلَا تَشْبَّهُوا) : حَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ (بِالْيَهُودِ) : أَيْ فِي تَرْكِ خِضَابِ الشَّيْبِ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ اخْتَصَّ بِالْحَالَةِ الَّتِي يَخْتَلِطُ الشَّعْرُ الْأَبْيَضُ فِيهَا بِالْأَسْوَدِ، لِمَا فِي اخْتِلَافِ اللَّوْنَيْنِ مِنْ قُبْحِ التَّضَادِّ، وَمُشَابَهَةِ الْمُوَافَقَةِ بِأَهْلِ

стр. 6151

النِّفَاقِ، فَأَمَّا إِذَا ابْيَضَّ كُلُّهُ وَصَارَ اللَّوْنُ وَاحِدًا فَلَا يُغَيَّرُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ تَغْيِيرُ الشَّيْبِ يَخْتَصُّ بِمَنْ شَابَ فِي الْكُفْرِ، ثُمَّ أَسْلَمَ لِيَشِيبَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ التَّغْيِيرِ، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَضِيَّةُ أَبِي قُحَافَةَ أَوَّلَ مَا أَسْلَمَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِأَهْلِ الْجِهَادِ إِظْهَارًا لِلْهَيْبَةِ وَتَرْهِيبًا لِلْعَدُوِّ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ غَالِبِ الْأُمَّةِ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ. قَالَ: وَاحْتَمَلَ أَنَّ تَغْيِيرَ الشَّيْبِ أَنْ يُغَيِّرَ عَلَى نَفْسِهِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ مِنَ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَيُقْبِلُ عَلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ. قُلْتُ: وَهَذَا بِالْإِشَارَةِ الصُّوفِيَّةِ أَشْبَهُ مِنَ الْعِبَارَاتِ الصُّورِيَّةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 6152

٤٤٥٦ -، ٤٤٥٧ - وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالزُّبَيْرِ. ــ ٤٤٥٦ -، ٤٤٥٧ - (وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالزُّبَيْرِ) : وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، لَكِنْ بِزِيَادَةِ: وَالنَّصَارَى، وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: «غَيِّرُوا الشَّيْبَ وَلَا تُقَرِّبُوهُ السَّوَادَ» ، وَفِي الْإِحْيَاءِ: الْخِضَابُ بِالسَّوَادِ خِضَابُ الْكُفَّارِ، وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَنْ خَضَبَ بِالسَّوَادِ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللَّهُ.

стр. 6153

٤٤٥٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ ; فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ. مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَكَفَّرَ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤٥٨ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَنْتِفُوا) : بِكَسْرِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ (الشَّيْبَ) : أَيِ الشَّعْرَ الْأَبْيَضَ (فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ) : الْإِضَافَةُ لِلِاخْتِصَاصِ، أَيْ وَقَارُهُ الْمَانِعُ مِنَ الْغُرُورِ بِسَبَبِ انْكِسَارِ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَالْفُتُورِ، وَهُوَ الْمُؤَدِّي إِلَى نُورِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَيَصِيرُ نُورًا فِي قَبْرِهِ، وَيَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ فِي ظُلُمَاتِ حَشْرِهِ، وَلَا يُنَافِيهِ التَّغْيِيرُ السَّابِقُ لِإِرْغَامِ الْأَعْدَاءِ وَإِظْهَارِ الْجَلَّادَةِ لَهُمْ كَيْلَا يَظُنُّوا بِهِمُ الضَّعْفَ فِي سِنِّهِمْ، وَالْقَدْحَ فِي شَجَاعَتِهِمْ وَطَعْنِهِمْ (مَنْ شَابَ شَيْبَةً) : أَيْ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ (فِي الْإِسْلَامِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَكَفَّرَ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ شَابَ مِنْ بَنِي آدَمَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ فَلَمَّا رَأَى الشَّيْبَ فِي لِحْيَتِهِ قَالَ: مَا هَذَا يَا رَبِّ؟ قَالَ: هَذَا وَقَارٌ. قَالَ: رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا. فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ قَلَّ هَذَا الْوَقَارُ الصُّورِيُّ فِي الشَّعْرِ الْمُصْطَفَوِيِّ؟ قُلْتُ: لِأَنَّهُ كَانَ مُولَعًا بِحُبِّ النِّسَاءِ، وَهُنَّ يَكْرَهْنَ الشَّيْبَ بِالصَّبْغِ، فَحُفِظْنَ بِهَذَا عَنِ الْكَرَاهَةِ الطَّبِيعِيَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَسْرَارِ النُّبُوَّةِ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِبَيْضَاءَ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ ; لِمَا سَبَقَ أَنَّهُ شَابَ بَعْضَ الشَّيْبِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الشَّعَرَاتِ الْبِيضَ لَمْ تُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ حُسْنِهِ، بَلْ زَادَتْ جَمَالًا وَكَمَالًا لِحُصُولِ الْوَقَارِ مَعَ نُورِ الْأَنْوَارِ، فَصَارَ نُورًا عَلَى نُورٍ، وَسُرُورًا عَلَى سُرُورٍ. قَالَ مِيرَكُ: نَتْفُ الشَّيْبِ يُكْرَهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا " «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ» ; فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ " رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ. وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ يُكْرَهُ نَتْفُ الرَّجُلِ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّزَيُّنِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ النَّتْفِ دُونَ الْخَضْبِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرَ الْخِلْقَةِ مِنْ أَصْلِهَا بِخِلَافِ الْخَضْبِ، فَإِنَّهُ لَا يُغَيِّرُ الْخِلْقَةَ عَلَى النَّاظِرِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 6154

٤٤٥٩ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٤٥٩ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا» ) : أَيْ ضِيَاءً وَمَخْلَصًا عَنْ ظُلُمَاتِ الْمَوْقِفِ وَشَدَائِدِهِ. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ أَيْضًا وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ تَغْيِيرَ الشَّيْبِ» . قَالَ مِيرَكُ: وَلِهَذَا لَمْ يَخْضِبْ عَلِيٌّ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَجَمٌّ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ خَضَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ كُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ بِيضٌ لِحَاهُمْ، فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ حَمِّرُوا أَوْ صَفِّرُوا، وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ» " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَبِأَحَادِيثَ أُخَرَ تَقَدَّمَتْ فِي الْكِتَابِ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَجَمَعَ الطَّبَرِيُّ بَيْنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى الْخِضَابِ، وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى خِلَافِهِ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِمَنْ يَكُونُ شَيْبُهُ مُسْتَبْشَعًا، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْخِضَابُ، وَمَنْ كَانَ خِلَافَهُ فَلَا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ، وَلَكِنَّ الْخِضَابَ مُطْلَقًا أَوْلَى ; لِأَنَّ فِيهِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ فِي مُخَالَفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِيهِ صِيَانَةً لِلشَّعْرِ عَنْ تَعَلُّقِ الْغُبَارِ وَغَيْرِهِ، إِلَّا إِنْ كَانَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ تَرْكُ الصَّبْغِ، فَالتَّرْكُ فِي حَقِّهِ أَوْلَى اهـ. وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: مَا لَمْ يُغَيِّرْهَا أَيْ تَكَبُّرًا عَنِ الْكِبَرِ، وَتَسَتُّرًا عَنِ الْعِبَرِ، وَتَجَبُّرًا عَنِ الْغَيْرِ، فَلَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنَ اسْتِحْبَابِ التَّغْيِيرِ فِي الْجِهَادِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: " «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ فَهِيَ لَهُ نُورٌ إِلَّا أَنْ يَنْتِفَهَا أَوْ يَخْضِبَهَا» " لَكِنْ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ الِاسْتِثْنَاءَ الْمَذْكُورَ.

стр. 6155

٤٤٦٠ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ لَهُ شَعْرٌ فَوْقَ الْجُمَّةِ، وَدُونَ الْوَفْرَةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٤٦٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالنَّصْبِ. قَالَ مِيرَكُ شَاهْ قَوْلُهُ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وَبِالرَّفْعِ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، وَأَبْرَزَ الضَّمِيرَ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ أَيْ: أَغْتَسِلُ أَنَا وَيَغْتَسِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ عَطْفٌ عَلَى الْمُسْتَتِرِ، وَفِيهِ تَغْلِيبُ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الْغَائِبِ، وَفِيهِ: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ، تَغْلِيبُ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْغَائِبِ. فَإِنْ قُلْتَ: الْفَائِدَةُ فِي تَغْلِيبِ " اسْكُنْ " أَنَّ آدَمَ كَانَ أَصْلًا فِي سُكْنَى الْجَنَّةِ، وَحَوَّاءَ تَابِعَةٌ لَهُ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؟ قُلْنَا: وَكَذَلِكَ هُنَا، فَإِنَّ النِّسَاءَ مَحَلُّ الشَّهَوَاتِ، أَوْ حَامِلَاتٌ لِلْغُسْلِ، فَكَأَنَّهُنَّ أَصْلٌ فِي هَذَا الْبَابِ اهـ. وَتَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا عَنِ الطِّيبِيِّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، أَوْ لِأَنَّ الْأَصْلَ إِخْبَارُ الشَّخْصِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُعَدًّا لِغُسْلِهَا، وَشَارَكَهَا النَّبِيُّ ﷺ كَذَا قِيلَ. وَلَكِنْ مَعَ بُعْدِهِ يَأْبَى عَنْهُ قَوْلُهَا: كُنْتُ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عُرْفًا أَوْ لُغَةً عَلَى الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ، ثُمَّ قَوْلُهَا: (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَغْتَسِلُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ الْغُسْلَانِ مُتَعَاقِبَيْنِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ تَقَدُّمُهُ ﷺ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْأَدَبِ، وَيَحْتَمِلُ الْمَعِيَّةَ، وَعَلَى تَقْدِيرِهَا يَحْتَمِلُ التَّسَتُّرَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ جَمَالِ حَالِهِمَا وَكَمَالِ حَيَائِهِمَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّكَشُّفِ يَحْتَمِلُ عَدَمَ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَةِ، بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ ﷺ » - كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْهَا، وَقَدْ جَاءَ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: «مَا رَأَيْتُ مِنْهُ وَلَا رَأَى مِنِّي يَعْنِي الْفَرْجَ» ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مِنْ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى عَوْرَةِ امْرَأَتِهِ وَبِالْعَكْسِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ لَا يَصِحُّ مَعَ الِاحْتِمَالِ. قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَعْنِي عَنِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى عَوْرَةِ امْرَأَتِهِ فَقَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً، فَقَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَذَكَرَتْ هَذَا الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ اهـ. وَفِي كَوْنِهِ نَصًّا مَحَلَّ نَظَرٍ إِذْ عَلَى تَقْدِيرِهِ يُنَاقِضُ مَا سَبَقَ عَنْهَا، فَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ يُحْمَلُ عَلَى مَا عَدَا الْفَرْجَ مِنَ الْأَفْخَاذِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَنْكَشِفُ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ، وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. ثُمَّ قِيلَ: فِي

стр. 6156

الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يَجْعَلُ الْمَاءَ مُسْتَعْمَلًا، وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِمَا غَسْلُ أَيْدِيهِمَا خَارِجَ الْإِنَاءِ، ثُمَّ تَنَاوَلُهُمَا الْمَاءَ. قَالَ مِيرَكُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ فَقِيلَ: " مِنْ " الْأُولَى ابْتِدَائِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ بَيَانِيَّةٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: مِنْ قَدَحٍ بَدَلَ مِنْ إِنَاءٍ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ، فَـ " مِنَ " الثَّانِيَةُ تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ مِنْ أَجْلِهَا وَبِسَبَبِهَا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَانَ هَذَا الْإِنَاءُ مِنْ شَبَهٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ نُحَاسٌ أَصْفَرُ، وَكَانَ مُسْتَنَدُهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ وَلَفْظُهُ: مِنْ تَوْرٍ مِنْ شَبَهٍ، وَالتَّوْرُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ إِنَاءٌ يُشْرَبُ فِيمَا يُذْكَرُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: مِنْ إِنَاءٍ يُقَالُ لَهُ الْفَرَقُ، وَهُوَ بِفَتْحَتَيْنِ، وَيُرْوَى بِتَسْكِينِ الرَّاءِ. وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِهِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَقِيلَ: صَاعَانِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلُ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: قَدْرُهُ سِتَّةُ أَقْسَاطٍ، وَالْقِسْطُ بِكَسْرِ الْقَافِ نِصْفُ صَاعٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ التَّوْرِ وَالْفَرَقِ أَنَّ الْفَرَقَ كَانَ مَوْضُوعًا، وَالتَّوْرُ جُعِلَ آلَةً لِلْفَرَقِ، وَبِهِ بَطَلَ اسْتِدْلَالُ عَدَمِ الِاسْتِعْمَالِ بِكُلِّ حَالٍ، هَذَا وَاخْتَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ جَوَازَ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَعَكْسِهِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَبَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ طَهَارَةِ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ دُونَ الْعَكْسِ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الْمَنْعَ فِيمَا إِذَا خَلَيَا بِهِ، وَالْجَوَازُ فِيمَا إِذَا اجْتَمَعَا، وَتَمَسَّكَ كُلٌّ بِظَاهِرِ خَبَرٍ دَلَّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْجَمِيعِ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَا تَسَاقَطَ مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَالْجَوَازِ عَلَى مَا بَقِيَ فِي الْإِنَاءِ بِذَلِكَ جَمَعَ الْخَطَّابِيُّ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْجَوَازَ فِيمَا إِذَا اغْتَرَفَا مَعًا، وَالْمَنْعُ فِيمَا إِذَا اغْتَرَفَ أَحَدُهَا قَبْلَ الْآخَرِ. قُلْتُ: وَلَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: يُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى مَا إِذَا تَسَاقَطَ الْمَاءُ مِنَ الْأَعْضَاءِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْإِنَاءِ، وَالْجَوَازُ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَقَعْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ وَالْفِعْلَ عَلَى الْجَوَازِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَكَانَ لَهُ) : أَيْ لِرَأْسِهِ الشَّرِيفِ (شَعْرٌ) : أَيْ نَازِلٌ (فَوْقَ الْجُمَّةِ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَا سَقَطَ مِنَ الْمَنْكِبَيْنِ (وَدُونَ الْوَفْرَةِ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهُ رَاءٌ مَا وَصَلَ إِلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ، كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَالنِّهَايَةِ وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَعْرَهُ ﷺ كَانَ أَمْرًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْجُمَّةِ وَالْوَفْرَةِ، وَلَيْسَ بِجُمَّةٍ وَلَا وَفْرَةٍ إِذْ مَعْنَى فَوْقَ الْجُمَّةِ أَنَّ شَعْرَهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى مَحَلِّ الْجُمَّةِ وَهُوَ الْمَنْكِبُ، وَمَعْنَى (دُونَ الْوَفْرَةِ) أَنَّ شَعْرَهُ كَانَ أَنْزَلَ مِنْ شَحْمَةِ الْأُذُنِ، لَكِنْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ» ، وَهَذَا ظَاهِرُ أَنَّ شَعْرَهُ كَانَ جُمَّةً، وَعَلَى أَنَّ جُمَّتَهُ مَعَ عِظَمِهَا إِلَى أُذُنَيْهِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ اهـ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : أَيْ فِي جَامِعِهِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَرَوَاهُ فِي شَمَائِلِهِ أَيْضًا بِهَذَا اللَّفْظِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَتْ: «كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوْقَ الْوَفْرَةِ دُونَ الْجُمَّةِ» ، كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي الشَّمَائِلِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: فَوْقَ الْوَفْرَةِ دُونَ الْجُمَّةِ، قِيلَ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: فَوْقَ وَدُونَ تَارَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَحَلِّ، وَتَارَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمِقْدَارِ، فَقَوْلُهُ: فَوْقَ الْجُمَّةِ أَيْ أَرْفَعَ مِنْهَا فِي الْمَحَلِّ، وَدُونَ الْجُمَّةِ أَيْ أَقَلَّ مِنْهَا فِي الْمِقْدَارِ، وَكَذَا فِي الْعَكْسِ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَهُوَ جَمْعٌ جَيِّدٌ لَوْلَا أَنَّ مَخْرَجَ الْحَدِيثِ مُتَّحِدٌ مَعْنًى اهـ. قَالَ الْحَنَفِيُّ: فِيهِ بَحْثٌّ لِأَنَّ مَآلَ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مُتَّحِدٌ مَعْنًى، وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْعِبَارَةِ، فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ اتِّحَادُ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَوْ مَنْ دُونَهَا أَدَّتْ أَوْ أَدَّى مَعْنًى وَاحِدًا لِعِبَارَتَيْنِ وَلَا غُبَارَ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّ اغْتِسَالَ عَائِشَةَ وَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَقَعَ مُتَعَدِّدًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ نَاشِئًا مِنِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ جُمْلَةَ: وَكَانَ. . إِلَخْ. حَالٌ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مَعْطُوفَةً عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ، فَلَا تَعَلُّقَ بِهِ بِالِاغْتِسَالِ، وَيَكُونُ الْمَرْوِيُّ حَدِيثَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ، وَإِنْ كَانَا وَقَعَا مُتَعَاطِفَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ مَا قَالَ مِنَ الْحَالِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ اغْتِسَالٍ يَخْتَلِفُ الْحَالُ، وَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي النَّهْيِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ ابْنَ حَجْرٍ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي شَمَائِلِهِ بِلَفْظِ: وَأَنْزَلَ مِنَ الْوَفْرَةِ. قَالَ: أَيْ مِنْ مَحَلِّهَا وَهُوَ شَحْمَةُ الْأُذُنِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ بِمَعْنَى رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ فِي نَسْخٍ هُنَا فَوْقَ الْجُمَّةِ دُونَ الْوَفْرَةِ، وَهَذِهِ عَكْسُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ اهـ. وَقَوْلُهُ: " أَنْزَلَ مِنَ الْوَفْرَةِ " غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَلَا أَحَدَ مِنَ الشُّرَّاحِ أَيْضًا ذَكَرَهُ.

стр. 6157

٤٤٦١ - وَعَنِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ ﵁ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيْمٌ الْأَسْدِيُّ، لَوْلَا طُولُ جُمَّتِهِ، وَإِسْبَالُ إِزَارِهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْمًا، فَأَخَذَ شَفْرَةً، فَقَطَعَ بِهَا جُمَّتَهُ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَرَفَعَ إِزَارَهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤٦١ - (وَعَنِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ، وَهِيَ أُمُّ جَدِّهِ، وَقِيلَ أُمُّهُ وَبِهَا يُعْرَفُ، وَإِلَيْهَا يُنْسَبُ وَاسْمُ أَبِيهِ الرَّبِيعُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ سَهْلُ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَكَانَ فَاضِلًا مُعْتَزِلًا عَنِ النَّاسِ كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَكَانَ عَقِيمًا لَا يُولَدُ لَهُ، سَكَنَ الشَّامَ وَمَاتَ بِدِمَشْقَ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ. (رَجُلٍ) : بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ مِنِ (ابْنِ) ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا لِقَوْلِهِ: (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) : وَنُطِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ [العلق: ١٥] وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيْمٌ) : بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ فَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُصَغَّرًا كَذَا فِي الْمُغْنِي، وَالْقَامُوسِ، وَتَحْرِيرِ الْمُشْتَبَهِ لِلْعَسْقَلَانِيِّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالزَّايِ، وَلَعَلَّهُ أُخِذَ مِنْ سِيَاقِ ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ إِيَّاهُ بَعْدَ أَسْمَاءِ خُزَيْمَةَ بِالزَّايِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ أَسْمَاءَ رِجَالِهِ مَا وَقَعَتْ مُرَتَّبَةً، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَتَبُّعِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ رَاعَى أَوَّلَ الْحُرُوفِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَلَا نَظَرَ إِلَى سَائِرِ الْأَشْيَاءِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهَا خُرَيْمَ بْنَ الْأَخْرَمِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ فَاتِكٍ، عِدَادُهُ فِي الشَّامِيِّينَ، وَقِيلَ فِي الْكُوفِيِّينَ. رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَاكَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ قَوْلِهِ: (الْأَسْدِيُّ) ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ السِّينِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْأَسْدُ الْأَزْدُ أَبُو حَيٍّ مِنَ الْيَمَنِ، وَهُوَ أَزْدُ بْنُ الْغَوْثِ وَبِالسِّينِ أَفْصَحُ، وَمِنْ أَوْلَادِهِ الْأَنْصَارُ كُلُّهُمْ، وَيُقَالُ أَزْدُ شَنُوءَةَ وَعُمَانَ وَالسَّرَاةِ. (لَوْلَا طُولُ جُمَّتِهِ) ، لَا شَكَّ أَنَّ طُولَ الشَّعْرِ لَيْسَ مَذْمُومًا وَلَا جَاءَ أَمْرٌ بِقَطْعِ مَا زَادَ عَلَى مِقْدَارٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ، فَلَعَلَّهُ ﷺ رَأَى هَذَا الرَّجُلَ يَتَبَخْتَرُ بِطُولِ جُمَّتِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَإِسْبَالُ إِزَارِهِ) : أَيْ إِطَالَةُ ذَيْلِهِ، قَالُوا: وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ الْغَائِبَ بِمَا فِيهِ مِنْ مَكْرُوهٍ شَرْعًا إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ يَرْتَدِعُ عَنْهُ وَيَتْرُكُهُ عِنْدَ سَمَاعِهِ، (فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْمًا فَأَخَذَ شَفْرَةً) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ سِكِّينًا (فَقَطَعَ بِهَا جُمَّتَهُ إِلَى أُذُنَيْهِ) : أَيْ دَفْعًا لِمَا يُورِثُ الْخُيَلَاءَ وَالتَّبَخْتُرَ، وَمِنْ لَطَائِفِ مَا حُكِيَ أَنَّ شَيْخًا كَانَ يَشْتَغِلُ دَائِمًا بِتَحْسِينِ لِحْيَتِهِ، فَأُلْهِمَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا تَعَلُّقُهُ بِذَقْنِهِ، فَبَقِيَ يَنْتِفُ شَعْرَهُ نَدَمًا عَلَى فِعْلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: الْآنَ أَيْضًا مُتَعَلِّقٌ بِمَا كُنْتَ مُتَعَلِّقًا بِهِ قَبْلَ هَذَا الزَّمَانِ. قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا أَيْ جَوَازُ قَطْعِ الْجُمَّةِ إِلَى الْأُذُنِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ، فَإِنَّهُنَّ يُرْسِلْنَ شُعُورَهُنَّ لَا يَتَّخِذْنَ جُمَّةً. (وَرَفَعَ) : أَيْ خُرَيْمٌ (إِزَارَهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ) : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6158

٤٤٦٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ لِي ذُؤَابَةٌ، فَقَالَتْ لِي أُمِّي: لَا أَجُزُّهَا، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمُدُّهَا، وَيَأْخُذُهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤٦٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ لِي ذُؤَابَةٌ) : بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ هَمْزَةٍ وَفَتْحِ هَمْزَةٍ وَيُبْدَلُ وَاوًا وَهِيَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ: النَّاصِيَةُ أَوْ مَنْبَتُهَا مِنَ الرَّأْسِ (فَقَالَتْ لِي أُمِّي: لَا أَجُزُّهَا) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَالزَّايِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ لَا أَقْطَعُهَا (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمُدُّهَا) : أَيِ الذُّؤَابَةَ (وَيَأْخُذُهَا) : أَيْ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ وَيَلْعَبُ بِهَا ; لِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَسِطُ مَعَهُ، وَقِيلَ: يَمُدُّهَا حَتَّى تَصِلَ إِلَى الْأُذُنِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الزَّائِدَ مِنَ الْأُذُنِ فَيَقْطَعُهُ، وَجُمْلَةُ (كَانَ) اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا لَا يُخَالِفُ الْحَدِيثَ السَّابِقَ ; لِأَنَّهَا عَلَّلَتْ عَدَمَ الْجَزِّ بِأَخْذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا تَبَرُّكًا وَتَيَمُّنًا اهـ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْجَزَّ مَا هُوَ أَمْرٌ مَحْتُومٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ لِعُرُوضِ حَادِثٍ وَهُوَ التَّبَخْتُرُ، فَالْقَطْعُ الْمَخْصُوصُ مَخْصُوصٌ فِيهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ، أَوْ بِمَنْ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ فِيهَا لَا عَلَى طَرِيقِ الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّ إِرْسَالَ الشَّعْرِ الْمُتَجَاوِزِ عَنِ الْأُذُنِ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6159

٤٤٦٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: " لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدِ الْيَوْمِ ". ثُمَّ قَالَ: " ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي " فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ. فَقَالَ: " ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ " فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رُءُوسَنَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٤٦٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) : أَيِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ) : أَيْ تَرَكَ أَهْلَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ يَبْكُونَ وَيَحْزَنُونَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا) : أَيْ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُنَاسِبُ لِظُلُمَاتِ الْحُزْنِ مَعَ أَنَّ اللَّيَالِيَ وَالْأَيَّامَ مُتَلَازِمَانِ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا ﵊ مَوْضِعَ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَفِي مَكَانِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ الْعُدُولِ عَنْ هَذَا التَّفْسِيرِ لِلطِّيبِيِّ إِلَى قَوْلِهِ: أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تَبَعًا لِلشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ، إِنَّمَا قَالَ ثَلَاثًا عِنَايَةً لِلَّيَالِي مَعَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَدْعَاهُ، بَلْ هُوَ مُشِيرٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ كَمَا يَظْهَرُ بِأَدْنَى عِنَايَةٍ، ثُمَّ الثَّالِثُ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا يُزَادَ فِي الْبُكَاءِ وَالتَّحَزُّنِ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَا التَّعْزِيَةِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. (ثُمَّ أَتَاهُمْ) : أَيْ مُسَلِّيًا لَهُمْ (فَقَالَ: لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي) : أَيْ فِي الدِّينِ، أَوْ فِي النَّسَبِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْقَرِيبَ أَخًا (بَعْدَ الْيَوْمِ) : أَيْ هَذَا الْيَوْمِ أَوِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا يُزَادَ فِي الْبُكَاءِ وَالتَّحَزُّنِ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَا التَّعْزِيَةِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. (ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي) : أَيْ لِأَجْلِي (بَنَى أَخِي) : وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ وَعَوْنٌ وَمُحَمَّدٌ أَوْلَادُ جَعْفَرٍ. (فَجِيءَ بِنَا) : أَيْ وَكُنَّا صِغَارًا (كَأَنَّا أَفْرُخٌ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ جَمْعُ فَرْخٍ، وَهُوَ وَلَدُ الطَّيْرِ، (فَقَالَ: ادْعُوا لِي) : أَيْ لِأَمْرِي (الْحَلَّاقَ) : أَيِ الْمُزَيِّنَ (فَأَمَرَهُ) : أَيْ بَعْدَ مَجِيئِهِ (فَحَلَقَ رُءُوسَنَا) . وَإِنَّمَا حَلَقَ رُءُوسَهُمْ مَعَ أَنَّ إِبْقَاءَ الشَّعْرِ أَفْضَلُ إِلَّا بَعْدَ فَرَاغِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَادُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ لِمَا رَأَى مِنِ اشْتِغَالِ أُمِّهِمْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عَنْ تَرْجِيلِ شُعُورِهِمْ بِمَا أَصَابَهَا مِنْ قَتْلِ زَوْجِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَشْفَقَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْوَسَخِ وَالْقَمْلِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْوَلِيِّ التَّصَرُّفَ فِي الْأَطْفَالِ حَلْقًا وَخِتَانًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 6160

٤٤٦٤ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂: «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَخْتِنُ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : " لَا تُنْهِكِي، فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ، وَأَحَبُّ إِلَى الْبَعْلِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَفِي رُوَاتِهِ مَجْهُولٌ. ــ ٤٤٦٤ - (وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ) : بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَتُمَرِّضُ الْمَرْضَى وَتُدَاوِي الْجَرْحَى (أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَخْتِنُ بِالْمَدِينَةِ) : بِكَسْرِ التَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ تَخْتِنُ الْبَنَاتَ وَتُطَهِّرُهُنَّ بِالْخِتَانِ (فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُنْهِكِي) : بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِمَا أَيْ لَا تُبَالِغِي فِي قَطْعِ مَوْضِعِ الْخِتَانِ، بَلِ اتْرُكِي بَعْضَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَيُرْوَى: أَشِمِّي وَلَا تُنْهِكِي، فَقَوْلُهُ: لَا تُنْهِكِي تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: أَشِمِّي أَيْ لَا تَسْتَقْصِي (فَإِنَّ ذَلِكِ) : بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ عَدَمَ الْمُبَالَغَةِ وَالِاسْتِقْصَاءِ (أَحْظَى) : بِسُكُونِ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ مُعْجَمَةٍ أَيْ أَنْفَعُ (لِلْمَرْأَةِ وَأَحَبُّ) : أَيْ أَلَذُّ (إِلَى الْبَعْلِ) : أَيِ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ إِذَا بُولِغَ فِي خِتَانِهَا لَا تَلْتَذُّ هِيَ وَلَا هُوَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: هَذَا حَدِيثٌ (ضَعِيفٌ. وَفِي رُوَاتِهِ مَجْهُولٌ) : وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِرُوَاتِهِ جِنْسَ رُوَاتِهِ، وَيُؤَيِّدَهُ مَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَرَاوِيهِ مَجْهُولٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أَحَدَ رُوَاتِهِ مَجْهُولٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ، وَفِي رُوَاتِهِ مَجْهُولٌ، لَكِنْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ وَلَفْظُهُ: " «اخْفِضِي وَلَا تُنْهِكِي، فَإِنَّهُ أَنْضَرُ لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» ".

стр. 6161

٤٤٦٥ - وَعَنْ كَرِيمَةَ بِنْتِ هَمَّامٍ أَنَّ «امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ خِضَابِ الْحِنَّاءِ. فَقَالَتْ: لَا بَأْسَ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ، كَانَ حَبِيبِي يَكْرَهُ رِيحَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٤٦٥ - (وَعَنْ كَرِيمَةَ بِنْتِ هُمَامٍ) : بِضَمِّ هَاءٍ وَتَخْفِيفِ مِيمٍ، كَذَا ضَبَطَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، فِي الْمُغْنِي (هَمَّامٍ) مَفْتُوحَةٌ وَشَدَّةُ مِيمٍ جَمَاعَةٌ وَبِضَمِّ هَاءٍ وَخِفَّةِ مِيمٍ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَمَّامٍ، وَكَذَا فِي تَحْرِيرِ الْمُشْتَبَهِ لِلْعَسْقَلَانِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ، عَنْ خِضَابِ الْحِنَّاءِ) :

стр. 6162

الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي الرَّأْسِ (فَقَالَتْ: لَا بَأْسَ) : أَيْ لَا بَأْسَ بِفِعْلِهِ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ لَا خِلَافَ فِيهِ (وَلَكِنِّي) : وَفِي نُسْخَةٍ وَلَكِنْ (أَكْرَهُهُ) : أَيْ أَكْرَهُ فِعْلَهُ لِعَارِضٍ بَيَّنَتْهُ بِقَوْلِهَا: (كَانَ حَبِيبِي ﷺ : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ يَكْرَهُ رِيحَهُ) : اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحِنَّاءَ لَيْسَ بِطِيبٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الطِّيبَ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الطِّيبِ لَمْ يَكُنْ يُلَائِمُ طَبْعَهُ الطَّيِّبَ، كَمَا لَا يُلَائِمُ الزَّبَادُ مَثَلًا طَبْعَ الْبَعْضِ، وَكَمَا كَانَ يُحِبُّ اللَّحْمَ، وَامْتَنَعَ عَنْ أَكْلِ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ لِمَا تَعَافُّهُ نَفْسُهُ الشَّرِيفَةُ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ كُرْهَهُ مُخْتَصٌّ بِالشَّعْرِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى فِيهِ زُهُومَتُهُ وَخَمَاجَتُهُ، وَلِذَا عَدَلَ عَنِ الْحِنَّاءِ فِي صَبْغِ لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ إِلَى الْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَأَمَّا فِي يَدِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُهُ، لِمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي، وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الْإِنْكَارِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي لَمْ تُكُنْ مُتَحَنِّيَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 6163

٤٤٦٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بَايِعْنِي. فَقَالَ: " لَا أُبَايِعُكِ حَتَّى تُغَيِّرِي كَفَّيْكِ، فَكَأَنَّهُمَا كَفَّا سَبُعٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤٦٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيِ ابْنِ رَبِيعَةَ امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ أُمَّ مُعَاوِيَةَ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ بَعْدَ إِسْلَامِ زَوْجِهَا، فَأَقَرَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَكَانَ لَهَا فَصَاحَةٌ وَعَقْلٌ، فَلَمَّا بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ النِّسَاءُ قَالَ لَهُنَّ: " «لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ". قَالَتْ: مَا رَضِيتُ بِالشِّرْكِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَكَيْفَ فِي الْإِسْلَامِ! فَقَالَ: " وَلَا تَسْرِقْنَ " قَالَتْ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ شَحِيحٌ. قَالَ: " خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ ". فَقَالَ: " وَلَا تَزْنِينَ ". قَالَتْ: وَهَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ؟ ، فَقَالَ: " لَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ ". قَالَتْ: فَهَلْ تَرَكْتَ لَنَا وَلَدًا إِلَّا قَتَلْتَهُ يَوْمَ بَدْرٍ رَبَّيْنَاهُمْ صِغَارًا وَقَتَلَتَهُمْ كِبَارًا، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » - مَاتَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، يَوْمَ مَاتَ أَبُو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ ﵃ رَوَتْ عَنْهَا عَائِشَةُ (قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! بَايِعْنِي) : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْمُبَايَعَةَ غَيْرُ مُبَايَعَةِ يَوْمِ الْفَتْحِ حِينَ أَسْلَمَتْ عَلَى مَا سَبَقَ (فَقَالَ: لَا أُبَايِعُكِ) : أَيْ بِاللِّسَانِ (حَتَّى تُغَيِّرِي كَفَّيْكِ) ، أَيْ بِالْحِنَّاءِ (فَكَأَنَّهُمَا كَفَّا سَبُعٍ) : شَبَّهَ يَدَيْهَا حِينَ لَمْ تَخْضِبْهُمَا بِكَفَّيْ سَبُعٍ فِي الْكَرَاهِيَةِ ; لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ شَبِيهَةٌ بِالرِّجَالِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ، وَفِيهِ بَيَانُ كَرَاهِيَةِ خِضَابِ الْكَفَّيْنِ لِلرِّجَالِ تَشَبُّهًا بِالنِّسَاءِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6164

٤٤٦٧ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «أَوَمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ، بِيَدِهَا كِتَابٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ. فَقَالَ: " مَا أَدْرِي أَيَدُ رَجُلٍ أَمْ يَدُ امْرَأَةٍ؟ " قَالَتْ: بَلْ يَدُ امْرَأَةٍ، قَالَ: " لَوْ كُنْتِ امْرَأَةً لَغَيَّرْتِ أَظْفَارَكِ " يَعْنِي الْحِنَّاءَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٤٦٧ - (وَعَنْهَا) : أَيْ عَنْ عَائِشَةَ. (قَالَتْ: أَوْمَتِ) : هَكَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ بِلَا هَمْزٍ بَعْدَ الْمِيمِ، وَهُوَ مُومٍ إِلَى أَنَّهُ مُعْتَلُّ اللَّامِ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الْقَامُوسِ مَادَّتَهُ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِي الْمَهْمُوزَاتِ وَمَأَ كَوَضَعَ أَشَارَ كَأَوَمَا وَوَمَأَ، فَوَجَّهَهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ مِنْ أَنَّ أَصْلَهُ أَوْمَاتْ بِالْهَمْزِ فَخَفَّفَ بِإِبْدَالِهِ أَلْفًا، فَحُذِفَ بِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَالْمَعْنَى أَشَارَتْ (امْرَأَةٌ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ حِجَابٍ (بِيَدِهَا كِتَابٌ) : الْجُمْلَةُ مِنَ الْمُبْتَدَأِ الْمُؤَخَّرِ وَالْخَبَرِ الْمُقَدَّمِ صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالًا مِنْهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ،: وَالْوَجْهُ أَنْ يُحْمَلَ أَنَّ كِتَابًا فَاعِلٌ لِلْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ لَا مُبْتَدَأٌ لِلُزُومِ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ حَالًا بِغَيْرِ وَاوٍ، وَإِنْ جَازَ عَلَى ضَعْفٍ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ صِحَّةَ الْحَالِ هُنَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مَوْصُوفَةٌ بِقَوْلِهَا مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ﷺ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهَا أَوْمَتِ عَلَى أَنَّهَا لِلِابْتِدَاءِ، كَمَا تَعَلَّقَ بِهَا لِلِانْتِهَاءِ قَوْلُهَا: (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ) : أَيْ كَفَّ كُمَّهُ عَنْ كَفِّهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ مُبَايَعَتُهُ لِلنِّسَاءِ بِالْيَدِ أَيْضًا، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَمُدُّ يَدَهُ فِي الْجُمْلَةِ إِيمَاءً إِلَى الْمُبَايَعَةِ الْفِعْلِيَّةِ، وَيَكْتَفِي بِالْمُبَايَعَةِ اللِّسَانِيَّةِ فِي النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَصِلَ يَدُهُ إِلَى يَدِ الْمَرْأَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ مَلْفُوفَةٌ، فَكُنَّ يَتَبَرَّكْنَ بِأَخْذِ كُمِّهِ الْقَائِمِ مَقَامَ يَدِهِ، كَمَا وَرَدَ فِي حَقِّ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ الْأَسْعَدِ أَنَّهُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، يُصَافِحُ بِهِ عِبَادَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا، وَالْأَزْرَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْقُوفًا، وَلَفْظُهُمَا: الْحَجَرُ يَمِينُ اللَّهِ فَمَنْ مَسَحَهُ فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ.

стр. 6165

(فَقَالَ) : أَيْ فِي سَبَبِ قَبْضِ قَبْضَتِهِ عَنِ الْيَدِ الْمَمْدُودَةِ (مَا أَدْرِي أَيَدُ رَجُلٍ) : أَيْ هِيَ (أَمْ يَدُ امْرَأَةٍ؟ قَالَتْ) : أَيِ الْمَرْأَةُ (بَلِ امْرَأَةٌ) : بِالرَّفْعِ أَيْ صَاحِبَتُهَا أَوْ أَنَا امْرَأَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ، بَلْ يَدُ امْرَأَةٍ بِالْإِضَافَةِ (قَالَ: لَوْ كُنْتِ امْرَأَةً) : أَيْ مُرَاعِيَةً شِعَارَ النِّسَاءِ (لَغَيَّرْتِ أَظْفَارَكِ) : أَيْ لَخَضَبْتِ لَوْنَهَا بِالْحُمْرَةِ أَوِ السَّوَادِ بِاسْتِعْمَالِ الْحِنَّاءِ أَوِ الْعَفْصِ. (يَعْنِي) : تَفْسِيرٌ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الرُّوَاةِ أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ (تَغْيِيرَهَا بِالْحِنَّاءِ) : إِمَّا لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ، أَوْ لِكَوْنِهِ الْمُعْتَادَ الْمُتَعَارَفَ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْحِنَّاءُ مَثَلًا، فَيَشْمَلُ تَغْيِيرَهَا بِغَيْرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «لَوْ كُنْتِ امْرَأَةً لَغَيَّرْتِ أَظْفَارَكِ بِالْحِنَّاءِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ، وَبِهَذَا، يُعْرَفُ أَنَّ التَّفْسِيرَ السَّابِقَ مِنْ غَيْرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →