← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

٤٥٤٢ - وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحْتَجِمُ عَلَى هَامَتِهِ، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: " مَنْ أَهْرَاقَ مِنْ هَذِهِ الدِّمَاءِ، فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَتَدَاوَى بِشَيْءٍ لِشَيْءٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٥٤٢ - (وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ ﵁ : بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ (الْأَنْمَارِيُّ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَضْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، نَزَلَ بِالشَّامِ، رَوَى عَنْهُ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، وَنَعِيمُ بْنُ زِيَادَةَ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحْتَجِمُ عَلَى هَامَتِهِ) : أَيْ: رَأَسِهِ، وَقِيلَ وَسَطُ رَأْسِهِ أَيْ: لِلسُّمِّ كَمَا سَيَأْتِي، وَرَفَعَهُ مَعْمَرٌ بِغَيْرِ سُمٍّ وَقَدْ أَضَرَّهُ (وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ هَذَا مَرَّةً وَذَاكَ مَرَّةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَهُمَا (وَهُوَ يَقُولُ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُؤَيِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ (مَنْ أَهْرَقَ) : أَيْ: أَرَاقَ وَصَبَّ (مِنْ هَذِهِ الدِّمَاءِ) . أَيْ: بَعْضِ هَذِهِ الدِّمَاءِ الْمُجْتَمِعَةِ فِي الْبَدَنِ الْمَحْسُوسِ آثَارُهَا عَلَى الْبَشَرَةِ، وَهُوَ الْمِقْدَارُ الْفَاسِدُ الْمَعْرُوفُ بِعَلَامَةٍ يَعْلَمُهَا أَهْلُهَا، (فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَتَدَاوَى بِشَيْءٍ) : أَيْ: آخَرُ (لِشَيْءٍ) : أَيْ مِنَ الْأَمْرَاضِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا هُوَ بِزِيَادَةِ الشَّيْءِ فِي أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ اهـ. وَلَعَلَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، فَعَلَى صَاحِبِهَا اعْتِرَاضٌ وَارِدٌ بَيَّنَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ بِالْفِعْلِ. وَصَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ.

стр. 6267

٤٥٤٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ عَلَى وَرِكِهِ مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٥٤٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ عَلَى وَرِكِهِ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَفِي الْقَامُوسِ: الْوَرِكُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ كَكَتِفِ مَا فَوْقَ الْفَخْذِ (مِنْ وَثْءٍ) . بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ فَهَمْزٌ أَيْ: مِنْ أَجْلِ وَجَعٍ يُصِيبُ الْعُضْوَ مِنْ غَيْرِ كَسْرٍ، وَقِيلَ هُوَ مَا يَعْرِضُ لِلْعُضْوِ مِنْ حَدَرٍ، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يُصِيبَ الْعَظْمَ وَهَنٌ وَمِنَ الرُّوَاةِ مَنْ يَكْتُبُهَا بِالْيَاءِ وَيَتْرُكُ الْهَمْزَةَ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمَصَابِيحِ وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ كِتَابَةِ الْيَاءِ وَالْهَمْزِ، وَلَا يُقْرَأُ إِلَّا بِالْهَمْزِ أَوْ يُكْتَفَى بِالْهَمْزِ مِنْ غَيْرِ كِتَابَةِ الْيَاءِ وَهُوَ أَبْعَدُ مِنَ الِاشْتِبَاهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَذَا هُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَقَوْلُهُ: (كَانَ) أَيْ. الْوَثْءُ (بِهِ) : صِفَةٌ لِلْوَثْءِ: وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْوَثْءُ وَجَعٌ يُصِيبُ اللَّحْمَ لَا يَبْلُغُ الْعَظْمَ، أَوْ وَجَعٌ فِي الْعَظْمِ بِلَا كَسْرٍ أَوْ هُوَ الْفَكُّ وَبِهِ وَثْءٌ، وَلَا تَقُلْ: وَثْيٌّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6268

٤٥٤٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ: أَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا أَمَرُوهُ: " مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٤٥٤٤ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَيْلَةَ) : بِالتَّنْوِينِ فِي نُسْخَةٍ، وَالصَّحِيحُ بِفَتْحِهَا مُضَافَةً إِلَى قَوْلِهِ: (أُسْرِيَ بِهِ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (أَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَى مَلَأٍ) : أَيْ: جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ تَمْلَأُ الْعَيْنَ (مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا أَمَرُوهُ) : وَهَذَا نَقْلٌ بِالْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَوْلُهُ: (مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ) : بَيَانٌ لِلْأَمْرِ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ، وَيَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِهِ أَمْرُهُمْ جَمِيعًا، وَتَقْرِيرُهُ ﷺ وَنَقْلُهُ عَنْهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ أَيْضًا، هَذَا وَقَدْ تَجِبُ الْحِجَامَةُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .

стр. 6269

٤٥٤٥ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ: «إِنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٥٤٥ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ تَيْمِيٌّ قُرَشِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، صَحَابِيٌّ وَقِيلَ: أَنَّهُ أَدْرَكَ وَلَيْسَ لَهُ رِوَايَةٌ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ اهـ. فَعَلَى مَا قِيلَ رِوَايَاتُهُ مُرْسَلَةٌ وَهُوَ لَا يَضُرُّ إِذْ

стр. 6270

مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ مَقْبُولَةٌ اتِّفَاقًا، بِخِلَافِ مَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ، فَإِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ إِلَّا فِيمَا يَعْتَضِدُ (أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ، وَرُوِيَ بِفَتْحِ الدَّالِّ أَيْضًا. قَالَ الْقَاضِي. هُوَ بِكَسْرِ الدَّالِّ عَلَى مِثَالِ الْخِنْصَرِ وَالْعَامَّةُ بِفَتْحِهَا. وَقَالَ شَارِحٌ: فَتْحُ الدَّالِّ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: الضِّفْدَعُ كَزِبْرِجٍ وَجَعْفَرٍ وَجُنْدَبٍ وَدِرْهَمٍ، وَهَذَا أَقَلُّ أَوْ مَرْدُودٌ دَابَّةٌ نَهْرِيَّةٌ، وَلَحْمُهَا مَطْبُوخًا بِزَيْتٍ وَمِلْحٍ تِرْيَاقٌ لِلْهَوَامِّ وَبَرِّيَّةٌ وَشَحْمُهَا عَجِيبٌ لِقَلْعِ الْأَسْنَانِ (يَجْعَلُهَا) : أَيْ هُوَ وَغَيْرُهُ (فِي دَوَاءٍ) : بِأَنْ يَجْعَلَهَا مُرَكَّبَةً مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَدْوِيَةِ، وَالْمَعْنَى يَسْتَعْمِلُهَا لِأَجْلِ دَوَاءٍ وَشِفَاءِ دَاءٍ (فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا) أَيْ: وَجَعْلِهَا فِي الدَّوَاءِ، وَبِهِ تَحْصُلُ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ السُّؤَالَيْنِ وَالْجَوَابِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: «نَهَى عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ لِلدَّوَاءِ» ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ أَوْ عَنْ قَتْلِهَا فَقَطْ قَالَ شَارِحٌ: وَلَمْ يَكُنِ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِهَا إِبْقَاءً عَلَيْهَا وَتَكْرُمَةً لَهَا، بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ التَّدَاوِيَ بِهَا لِرِجْسِهَا وَقَذَارَتِهَا. قَالَ الْقَاضِي: وَلَعَلَّ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ التَّدَاوِيَ بِهَا لِنَجَاسَتِهَا وَحُرْمَتِهَا إِذْ لَمْ يُجَوِّزِ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ لِاسْتِقْذَارِ الطَّبْعِ وَتَنَفُّرِهِ عَنْهَا، أَوْ لِأَنَّهُ رَأَى فِيهَا مِنَ الْمَضَرَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا رَأَى الطَّبِيبُ فِيهَا مِنَ الْمَنْفَعَةِ. قُلْتُ: وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: " «لَا تَقْتُلُوا الضِّفَادِعَ، فَإِنَّ نَعِيقَهُنَّ تَسْبِيحٌ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُطَابِقُ النَّهْيُ عَنِ الْقَتْلِ جَوَابًا عَنِ السُّؤَالِ بِالتَّدَاوِي؟ قُلْتُ: الْقَتْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ إِمَّا لِكَوْنِهِ مِنَ الْفَوَاسِقِ وَلَيْسَ بِهَا، وَإِمَّا لِإِبَاحَةِ الْأَكْلِ وَلَيْسَ بِذَلِكَ لِنَجَاسَتِهِ وَتَنَفُّرِ الطَّبْعِ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَجُزِ الْقَتْلُ لَمْ يَجُزِ الِانْتِفَاعُ بِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَتَقَدَّمَ رِوَايَاتٌ غَيْرُهُ.

стр. 6271

٤٥٤٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵄ قَالَ؟ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْتَجِمُ فِي الْأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ. ــ ٤٥٤٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْتَجِمُ فِي الْأَخْذَعَيْنِ» ) وَهُمَا عِرْقَانِ فِي جَانِبَيِ الْعُنُقِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ شَارِحٌ: عِرْقَانِ فِي مَوْضِعِ الْحِجَامَةِ مِنَ الْعُنُقِ وَفِي الْقَامُوسِ: الْأَخْدَعُ عِرْقٌ فِي الْمَحْجَمَتَيْنِ وَهُوَ شُعْبَةٌ مِنَ الْوَرِيدِ (وَالْكَاهِلُ) : مَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَاءِ، فَفِي الْقَامُوسِ الْكَاهِلُ: كَصَاحِبٍ، الْحَارِكُ وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ: يَالٌ، وَبِالْعَرَبِيَّةِ: الْغَارِبُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي مَحَلِّهِ، أَوْ مُقَدَّمُ أَعْلَى الظَّهْرِ مِمَّا يَلِي الْعُنُقَ، وَهُوَ الثُّلُثُ الْأَعْلَى وَهُوَ سِتٌّ فِقَرٍ وَمَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، أَوْ مَوْصِلُ الْعُنُقِ مِنَ الصُّلْبِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ) .

стр. 6272

٤٥٤٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَحِبُّ الْحِجَامَةَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. ــ ٤٥٤٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَحِبُّ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ: يُحِبُّ (الْحِجَامَةَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ) رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ)

стр. 6273

٤٥٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ كَانَ شِفَاءً لَهُ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٥٤٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ) : أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنَ الشَّهْرِ (كَانَ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ) : وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ لَهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ.

стр. 6274

٤٥٤٩ - وَعَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكَرَةَ ﵂: «أَنَّ أَبَاهَا كَانَ يُنْهِي أَهْلَهُ عَنِ الْحِجَامَةِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَيَزْعُمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " أَنَّ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ يَوْمُ الدَّمِ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَرْقَأُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ــ ٤٥٤٩ - (وَعَنْ كَبْشَةَ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَتَاءِ تَأْنِيثٍ (بِنْتِ أَبِي بَكَرَةَ) : لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْأَسْمَاءِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ كَبْشَةَ بِنْتَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَحَدِيثَهَا فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ. قَالَ مِيرَكُ: صَوَابُهُ عَنْ كَيِّسَةَ بِتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ مُهْمَلَةٍ بِنْتِ أَبِي بَكَرَةَ الثَّقَفِيَّةِ لَهَا عَنْ أَبِيهَا حَدِيثٌ فِي الْحِجَامَةِ، لَا يُعْرَفُ حَالُهَا مِنَ الثَّالِثَةِ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ قُلْتُ: وَفِي تَحْرِيرِ الْمُشْتَبَهِ كَبْشَةُ أَيْ: بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ جَمَاعَةُ نِسْوَةٍ، وَبِيَاءٍ ثَقِيلَةٍ وَمُهْمَلَةٍ بِنْتُ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيِّ (أَنَّ أَبَاهَا كَانَ يُنْهِي أَهْلَهُ عَنِ الْحِجَامَةِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءَ، وَيَزْعُمُ) : أَيْ: يَدَّعِي وَيَقُولُ وَيَرْوِي (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : فِي النِّهَايَةِ: وَإِنَّمَا يُقَالُ: زَعَمَ فِي حَدِيثٍ لَا سَنَدَ لَهُ وَلَا ثَبْتَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُحْكَى عَنِ الْأَلْسُنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَلَاغِ، وَالزَّعْمُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ قَرِيبٌ مِنَ الظَّنِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّهُ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى الظَّنِّ وَالِاعْتِقَادِ، وَعْدَّاهُ بِعَنْ لِتَضَمُّنِ مَعْنَى الرِّوَايَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهَا: كَانَ يُنْهِي يُوهِمُ أَنَّ الْحَدِيثَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ فَأَتْبَعْتُهُ بِقَوْلِهَا: وَيَزْعُمُ لِتُشْعِرَ بِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ (أَنَّ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ نَظَرٌ لِلَّفْظِ يَزْعُمُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالْكَسْرِ عَلَى الْحِكَايَةِ، فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ مُنْقَطِعًا عَمَّا قَبْلَهُ، وَقَالَ: إِنَّ يَوْمَ الثُّلَاثَاءَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ مَمْدُودًا وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (يَوْمُ الدَّمِ) : أَيْ: يَوْمُ غَلَبَتِهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: يَوْمٌ كَانَ فِيهِ الدَّمُ أَيْ: قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ. قُلْتُ: وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، وَأَنَّ أَحَدَهُمَا سَبَبٌ لِلْآخَرِ. (وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَرْقَأُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْقَافِ فَهَمْزٍ أَيْ: لَا يَسْكُنُ الدَّمُ فِيهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوِ احْتَجَمَ أَوِ اقْتَصَدَ فِيهِ لَرُبَّمَا يُؤَدِّي إِلَى هَلَاكِهِ لِعَدَمِ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَلَعَلَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا عَدَا السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ، لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ مَرْفُوعًا: " «مَنِ احْتَجَمَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ كَانَ دَوَاءً لِدَاءِ سَنَةٍ» .

стр. 6275

٤٥٥٠ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «مَنِ احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ، فَأَصَابَهُ وَضَحٌ؟ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: وَقَدْ أُسْنِدَ وَلَا يَصِحُّ. ــ ٤٥٥٠ - (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا) : أَيْ: بِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مَنِ احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مَمْدُودًا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْأَرْبِعَاءُ مُثَلَّثَةُ الْبَاءِ مَمْدُودَةٌ (أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ) : أَوْ لِلتَّنْوِيعِ (فَأَصَابَهُ وَضَحٌ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ فَمُهْمَلَةٍ أَيْ: بَرَصٌّ، وَالْوَضَحُ الْبَيَاضُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) : أَيْ: حَيْثُ جَهِلْتَ أَوْ عَمِلَ بِخِلَافِ عِلْمِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَدْ أُسْنِدَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ اتَّصَلَ الْحَدِيثُ أَيْ: رِجَالُهُ فِي إِسْنَادٍ آخَرَ (وَقَالَ) : أَيْ: أَبُو دَاوُدَ (وَلَا يَصِحُّ) : أَيْ: ذَلِكَ الْإِسْنَادُ. قُلْتُ: لَكِنْ حَصَلَ لَهُ الِاعْتِضَادُ عَلَى أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا عِنْدَ جُمْهُورِ النُّقَّادِ.

стр. 6276

٤٥٥١ - وَعَنْهُ مُرْسَلًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنِ احْتَجَمَ أَوِ اطَّلَى يَوْمَ السَّبْتِ أَوِ الْأَرْبِعَاءِ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ، فِي الْوَضَحِ» ) . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " ــ ٤٥٥١ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنِ الزُّهْرِيِّ (مُرْسَلًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنِ احْتَجَمَ أَوِ اطَّلَى) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ: لَطَّخَ عُضْوًا بِدَوَاءٍ، وَأَصْلُهُ اطْتَلَى قُلِبَتِ التَّاءُ طَاءً وَأُدْغِمَ. يُقَالُ: طَلَيْتُهُ بِالنَّوْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا لَطَّخْتُهُ، وَأَطْلَيْتُ عَلَى افْتَعَلْتُ بِتَرْكِ الْمَفْعُولِ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ. كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. وَفِي الْمُغْرِبِ: وَعَلَى هَذَا أَطْلَيْتُ شِقَاقَ رِجْلَيْهِ، خَطَأٌ. وَالصَّوَابُ طَلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (يَوْمَ السَّبْتِ) : ظَرْفٌ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ، فَإِنَّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (أَوِ الْأَرْبِعَاءِ؟ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ، فِي الْوَضَحِ) : أَيْ: فِي حُصُولِهِ أَوْ لِأَجْلِ وُصُولِهِ (رَوَاهُ) : أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ سَنَدَيْنِ مُعَاضِدَيْنِ لِلْمُرْسَلِ، وَقَدْ جَاءَ مُسْنَدًا فِي سَنَدٍ آخَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَفِي الْجَامِعِ بِرِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ، وَالْحَاكِمِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " مَنِ احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ فَرَأَى فِي جَسَدِهِ وَضَحًا فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ " فَبِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأَسَانِيدِ صَحَّ مُرْسَلُ الزُّهْرِيِّ. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى خَلْقِهِ تَعَالَى فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ مِنَ الشَّهْرِ وَالْأُسْبُوعِ خَوَاصًّا مِنْ أَسْبَابِ التَّأْثِيرِ وَيَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.

стр. 6277

٤٥٥٢ - وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَأَى فِي عُنُقِي خَيْطًا، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقُلْتُ: خَيْطٌ رُقِيَ لِي فِيهِ قَالَتْ: فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتُمْ آلَ عَبْدَ اللَّهِ لَأَغْنِيَاءٌ عَنِ الشِّرْكِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ " فَقُلْتُ: لِمَ تَقُولُ هَكَذَا؟ لَقَدْ كَانَتْ عَيْنِي تُقْذَفُ، وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ، فَإِذَا رَقَاهَا سَكَنَتْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّمَا ذَلِكِ عَمَلُ الشَّيْطَانِ، كَانَ يَنْخَسُهَا بِيَدِهِ، فَإِذَا رُقِيَ كُفَّ عَنْهَا، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولِي كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " اذْهِبِ الْبَأْسَ، رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءٌ لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٥٥٢ - (وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) : قَالَ الْمُصِنِّفُ: هِيَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الثَّقَفِيَّةُ، رَوَى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ ﵃. (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ) : أَيِ: ابْنَ مَسْعُودٍ، فَإِنَّهُ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ (رَأَى فِي عُنُقِي خَيْطًا) : أَيْ: مُعَلَّقًا (فَقَالَ: مَا هَذَا؟) : أَيِ: الْخَيْطُ أَوِ الْفِعْلُ (قَالَتْ: خَيْطٌ رُقِيَ لِي فِيهِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَالَتْ: فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتُمْ آلَ عَبْدِ اللَّهِ) : بِنَصْبِ آلٍ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ أَيْ: يَا آلَ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَنْتُمْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ (لْأَغْنِيَاءٌ عَنِ الشِّرْكِ) : وَيَجُوزُ دُخُولُ لَامِ الِابْتِدَاءِ لِلتَّأْكِيدِ فِي الْخَبَرِ كَمَا فِي حَدِيثِ " أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي عِنْدِي الْمُؤْمِنُ خَفِيفُ الْحَاذِّ، وَالْجُمْلَةُ النِّدَائِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَنْصُوبَةٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ، قَالَ النُّحَاةُ: أَصْلُ هَذِهِ اللَّامِ أَنْ تَقَعَ فِي الِابْتِدَاءِ وَوُقُوعُهَا فِي الْخَبَرِ جَائِزٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ الْمُبْتَدَأُ أَيْ: مُبْتَدَأٌ آخَرُ، أَيْ: لَأَنْتُمْ أَغْنِيَاءٌ كَمَا قَرَّرَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] أَيْ: لَهُمَا سَاحِرَانِ اهـ. قَالَ مَنْصُوبٌ بَأَعْنِي أَوِ الِاخْتِصَاصِ أَوْ بِحَرْفِ النِّدَاءِ وَالْمُبْتَدَأِ الثَّانِي مُؤَكِّدٌ لِلْأَوَّلِ، وَقِيلَ خَبَرُهُ " آلَ عَبْدِ اللَّهِ " عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، وَلَأَغْنِيَاءٌ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَالْمُرَادُ بِالشِّرْكِ اعْتِقَادُ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ قَوِيٌّ وَلَهُ تَأْثِيرٌ، فَإِنَّهُ شِرْكٌ خَفِيٌّ، وَأَمَّا إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ، فَإِنَّهُ شِرْكٌ جَلِيٌّ. (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ الرُّقَى) : أَيْ: رُقْيَةٌ فِيهَا اسْمُ صَنَمٍ أَوْ شَيْطَانٍ أَوْ كَلِمَةِ كُفْرٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ شَرْعًا، وَمِنْهَا مَا لَمْ يُعْرَفْ مَعْنَاهَا (وَالتَّمَائِمَ) : جَمْعُ التَّمِيمَةِ وَهِيَ التَّعْوِيذَةُ الَّتِي تُعَلَّقُ عَلَى الصَّبِيِّ أَطْلَقَهُ الطِّيبِيُّ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى، وَآيَاتُهُ الْمَتْلُوَّةُ، وَالدَّعَوَاتُ الْمَأْثُورَةُ، وَقِيلَ: هِيَ خَرَزَاتٌ كَانَتْ لِلْعَرَبِ تُعَلَّقُ عَلَى الصَّبِيِّ لِدَفْعِ الْعَيْنِ بِزَعْمِهِمْ، وَهُوَ بَاطِلٌ، ثُمَّ اتْسَعُوا فِيهَا حَتَّى سَمُّوا بِهَا كُلَّ عَوَذَةٍ ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ، وَتَحْقِيقٌ مُسْتَحْسَنٌ. (وَالتِّوَلَةَ) : بِكَسْرِ التَّاءِ وَيُضَمِّ وَفَتْحِ الْوَاوِ نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ مَا يُحَبَّبُ بِهِ الْمَرْأَةُ إِلَى زَوْجِهَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ خَيْطٌ يُقْرَأُ فِيهِ مِنَ السِّحْرِ، أَوْ قِرْطَاسٌ يُكَعَّبُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ السِّحْرِ لِلْمَحَبَّةِ أَوْ غَيْرِهَا. قِيلَ: وَأَمَّا التُّوَلَةُ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ فَهِيَ الدَّاهِيَةُ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ بِإِبْطَالِ الشَّرْعِ إِيَّاهَا، وَلِذَا قَالَ: (شِرْكٌ) : أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا قَدْ يُفْضِي إِلَى الشِّرْكِ إِمَّا جَلِيًّا وَإِمَّا خَفِيًّا. قَالَ الْقَاضِي: وَأُطْلِقَ الشِّرْكُ عَلَيْهَا إِمَّا لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ مِنْهَا فِي عَهْدِهِ مَا كَانَ مَعْهُودًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى مَا يَضْمَنُ الشِّرْكَ، أَوْ لِأَنَّ اتِّخَاذَهَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِقَادِ تَأْثِيرِهَا وَهُوَ يُفْضِي إِلَى الشِّرْكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالشِّرْكِ اعْتِقَادُ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ قَوِيٌّ، وَلَهُ تَأْثِيرٌ، وَكَانَ يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَالِانْخِرَاطَ فِي الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وَمِنْ ثَمَّ حَسُنَ مِنْهُ قَوْلُهُ: أَنْتُمْ آلَ عَبْدِ اللَّهِ

стр. 6278

لَأَغْنِيَاءٌ أَيْ: أَعْنِي وَأَخُصُّ آلَ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنَامِ، وَمِنْهَا قَوْلُهَا (فَقُلْتُ: لِمَ تَقُولُ هَكَذَا؟) : أَيْ: وَتَأْمُرُنِي بِالتَّوَكُّلِ وَعَدَمِ الِاسْتِرْقَاءِ، فَإِنِّي وَجَدْتُ فِي الِاسْتِرْقَاءِ فَائِدَةً، لَقَدْ كَانَتْ عَيْنِي تُقْذَفُ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: تُرْمَى بِمَا يُهَيِّجُ الْوَجَعَ ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهَا الْآتِي: فَإِذَا رَقَاهَا سَكَنَتْ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ: تُرْمَى بِالرَّمَصِ أَوِ الدَّمْعِ، وَهُوَ مَاءُ الْعَيْنِ مِنَ الْوَجَعِ، وَالرَّمَصُ: بِالصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ مَا جَمَدَ مِنَ الْوَسَخِ فِي مُؤَخِّرِ الْعَيْنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ بِنَاءُ الْفَاعِلِ وَلَا أُحَقِّقُ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الرِّوَايَةِ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ أَكْثَرُ ظَنِّي. (وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ) : أَيْ: أَتَرَدَّدُ بِالرَّوَاحِ وَالْمَجِيءِ (إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ، فَإِذَا رَقَاهَا سَكَنَتْ) أَيِ: الْعَيْنُ يَعْنِي وَجَعَهَا (فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّمَا ذَلِكِ) : بِكَسْرِ الْكَافِ (عَمَلُ الشَّيْطَانِ) : أَيْ: مِنْ فِعْلِهِ وَتَسْوِيلِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْوَجَعَ الَّذِي كَانَ فِي عَيْنَيْكِ لَمْ يَكُنْ وَجَعًا فِي الْحَقِيقَةِ، بَلْ ضَرْبٌ مِنْ ضَرَبَاتِ الشَّيْطَانِ وَنَزَغَاتِهِ (كَانَ) : أَيِ: الشَّيْطَانُ (يَنْخَسُهَا) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: يَطْعَنُهَا (بِيَدِهِ، فَإِذَا رُقِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: إِذَا رَقَى الْيَهُودِيُّ (كُفَّ عَنْهَا) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ: كَفُّ الشَّيْطَانِ عَنْ نَخْسِهَا وَتَرْكِ طَعْنِهَا (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولِي) : أَيْ: عِنْدَ وَجَعِ الْعَيْنِ وَنَحْوِهَا (كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اذْهِبِ) : أَمْرٌ مِنَ الْإِذْهَابِ أَيْ: أَزِلْ (الْبَأْسَ) : بِالْهَمْزِ السَّاكِنِ، وَقَدْ يُبْدَلُ أَيِ: الشِّدَّةُ، وَفِي الْمَوَاهِبِ مُطَابِقًا لِشَيْخِهِ الْعَسْقَلَانِيِّ هُوَ بِغَيْرِ هَمْزٍ لِمُؤَاخَاةِ قَوْلِهِ: (رَبَّ النَّاسِ) : أَيْ: يَا خَالِقَهُمْ وَمُرَبِّيهِمْ (وَاشْفِ) : بِهَمْزِ وَصْلٍ مَعْطُوفًا عَلَى " اذْهِبِ " عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولَى وَهُمَا مُمَهِّدَتَانِ لِلثَّالِثَةِ (أَنْتَ الشَّافِي) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ بِتَعْرِيضِ الْخَبَرِ (لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ) : بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ مَوْضِعِ لَا شِفَاءَ عَلَى مَا فِي الْمَوَاهِبِ (شِفَاءَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ لِقَوْلِهِ: اشْفِ، وَالْجُمْلَتَانِ مُعْتَرِضَتَانِ (لَا يُغَادِرُ) : أَيْ: لَا يَتْرُكُ (سَقَمًا) : بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمٍّ وَسُكُونٍ أَيْ مَرَضًا، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ قَوْلِهِ " شِفَاءً "، فَالتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ رَدٌّ لِاعْتِقَادِهَا أَنَّ رُقْيَةَ الْيَهُودِيِّ شَافِيَةٌ وَإِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ الشِّفَاءَ الَّذِي لَا يُغَادِرُ سُقْمًا هُوَ شِفَاءُ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ شِفَاءَ الْيَهُودِيِّ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا تَسْكِينٌ مَا، يَعْنِي بِمُعَاوَنَةِ فِعْلِ الشَّيْطَانِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : أَيِ: الْحَدِيثُ بِكَمَالِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَرْفُوعَيْنِ وَعَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي، فَقَدْ ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ وَقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَعُودُ بَعْضَ أَهْلِهِ وَيَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ: " اللَّهُمَّ اذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءٌ لَا يُغَادِرُ سُقْمًا» ". قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ قَوْلُهُ: وَأَنْتَ الشَّافِي كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِالْوَاوِ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِحَذْفِهَا، وَالضَّمِيرُ. فِي اشْفِهِ لِلتَّعْلِيلِ، أَوْ هِيَ هَاءُ السَّكْتِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ بِشَرْطَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَا يُوهِمُ نَقْصًا، وَالثَّانِي أَنَّ لَهُ أَصْلًا فِي الْقُرْآنِ، وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ فِيهِ: " ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] ". وَقَوْلُهُ: لَا شِفَاءَ بِالْمَدِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَقَوْلُهُ: إِلَّا شِفَاؤُكَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ مَوْضِعِ لَا شِفَاءَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَقَعُ مِنَ الدَّاءِ وَالتَّدَاوِي لَا يَنْجَحُ إِنْ لَمْ يُصَادِفْ تَقْدِيرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلُهُ: شِفَاءً، مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ لِقَوْلِهِ اشْفِهِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، أَيْ: هَذَا أَوْ هُوَ، وَقَوْلُهُ: لَا يُغَادِرُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: لَا يَتْرُكُ، وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ الشِّفَاءُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ، فَيُخْلِفُهُ مَرَضٌ آخَرُ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مَثَلًا، فَكَانَ يَدْعُو بِالشِّفَاءِ الْمُطْلَقِ لَا بِمُطْلَقِ الشِّفَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ، أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَرْقِي الْمَحْرُوقَ بِقَوْلِهِ: " اذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ» "، وَرَوَى النَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَالْحَاكِمُ عَنْ فُضَيْلَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَرْقِي مَنِ احْتَبَسَ بَوْلُهُ أَوْ أَصَابَتْهُ حَصَاةٌ بِقَوْلِهِ: " رَبَّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ، فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ، وَاغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، فَأَنْزِلْ شِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ وَرَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ» " فَيَبْرَأُ.

стр. 6279

٤٥٥٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النُّشْرَةِ فَقَالَ: " هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٥٥٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النُّشْرَةِ) : بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ شِينٍ مُعْجَمَةٍ فَرَاءٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ضَرْبٌ مِنَ الرُّقْيَةِ وَالْعِلَاجِ يُعَالَجُ بِهَا مَنْ كَانَ يُظَنُّ بِهِ مَسُّ الْجِنِّ، وَسُمِّيَتْ نُشْرَةً " لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ يُنْشَرُ بِهَا الْجِنُّ عَنِ الْمَمْسُوسِ مَا خَامَرَهُ مِنَ الدَّاءِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «فَلَعَلَّ طِبًّا أَصَابَهُ» ، يَعْنِي سِحْرًا، «ثُمَّ نَشَرَهُ بِقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» ، أَيْ: رَقَاهُ وَنَشَرَهُ أَيْضًا إِذَا كَتَبَ لَهُ النُّشْرَةَ، وَهِيَ كَالتَّعْوِيذِ. وَالرُّقْيَةِ، وَالْمُرَادُ بِالضَّمِيرِ الْبَارِزِ فِي قَوْلِهِ: (فَقَالَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ : (هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) : النَّوْعُ الَّذِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعَالِجُونَ بِهِ وَيَعْتَقِدُونَ فِيهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَالدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَلَا بَأْسَ، بَلْ يُسْتَحَبُّ سَوَاءٌ كَانَ تَعْوِيذًا أَوْ رُقْيَةً أَوْ نَشْرَةً، وَأَمَّا عَلَى لُغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ وَنَحْوِهَا، فَيَمْتَنِعُ لِاحْتِمَالِ الشِّرْكِ فِيهَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَرَوَى أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِيَ ابْنًا وَبِهِ وَجَعٌ. قَالَ: " مَا وَجَعُهُ؟ " قَالَ: بِهِ لَمَمٌ وَهُوَ بِفَتْحَتَيْنِ الْجُنُونُ عَلَى مَا فِي الْمُهَذَّبِ قَالَ: " فَأْتِنِي بِهِ " فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَوَّذَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةِ الْبَقَرَةِ إِلَى ﴿الْمُفْلِحُونَ - وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ٥ - ١٦٣] الْآيَةُ وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ وَ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] إِلَى آخِرِ الْبَقَرَةِ وَ ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨] الْآيَةَ وَ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] فِي الْأَعْرَافِ الْآيَةَ وَ ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ [المؤمنون: ١١٦] إِلَى آخِرِ الْمُؤْمِنُونَ وَثَلَاثٍ مِنْ آخِرِ الْحَشْرِ ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾ [الجن: ٣] الْآيَةُ مِنَ الْجِنِّ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَقَامَ الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَشْكُ شَيْئًا» . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ، عَنْ عِلَاقَةَ بْنِ صَحَارٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْقِي الْمَعْتُوهَ بِالْفَاتِحَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، كُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ، ثُمَّ نَقَلَهُ» ، وَفِي الْمُغْرِبِ: أَنَّ الْمَعْتُوهَ هُوَ النَّاقِصُ فِي الْعَقْلِ، وَقِيلَ: الْمَدْهُوشُ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ.

стр. 6280

٤٥٥٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا أُبَالِي مَا أَتَيْتُ إِنْ أَنَا شَرِبْتُ تِرْيَاقًا أَوْ تَعَلَّقْتُ تَمِيمَةً أَوْ قُلْتُ الشِّعْرَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٥٥٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄) : قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ: صَوَابُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، كَمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا أُبَالِي مَا أَتَيْتُ) أَيْ: " مَا فَعَلْتُ " مَا الْأُولَى نَافِيهٌ، وَالثَّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ، وَالرَّاجِعُ مَحْذُوفٌ وَالْمَوْصُولُ مَعَ الصِّلَةِ مَفْعُولُ أُبَالِي وَقَوْلُهُ (إِنْ أَنَا شَرِبْتُ تِرْيَاقًا) : إِلَى آخِرِهِ شَرْطٌ جَزَاؤُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ، وَالْمَعْنَى إِنْ صَدَرَ مِنِّي أَحَدُ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ كُنْتُ مِمَّنْ لَا يُبَالِي بِمَا يَفْعَلُ وَلَا يَنْزَجِرُ عَمَّا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ شَرْعًا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ الْمَعْنَى: إِنْ فَعَلْتُ هَذَا فَمَا أُبَالِي كُلَّ شَيْءٍ أَتَيْتُ بِهِ، لَكِنْ أُبَالِي مِنْ إِتْيَانِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، ثُمَّ التِّرْيَاقُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَجُوِّزَ ضَمُّهُ وَفَتْحُهُ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، لَكِنِ الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الْأَشْرَفُ: التِّرْيَاقُ مَا يُسْتَعْمَلُ لِدَفْعِ السُّمِّ مِنَ الْأَدْوِيَةِ وَالْمَعَاجِينِ وَهُوَ مُعَرَّبٌ، وَيُقَالُ بِالدَّالِ أَيْضًا وَرُوِيَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الدِّرْيَاقِ بِالْكَسْرِ وَيُفْتَحُ: التِّرْيَاقُ وَهُوَ بِكَسْرٍ دَوَاءٌ مُرَكَّبٌ اخْتَرَعَهُ مَاغَنِيسُ وَتَمَّمَهُ أَنْدِرُ وَمَاغِسُ الْقَدِيمُ بِزِيَادَةِ لُحُومِ الْأَفَاعِي، وَبِهِ كَمُلَ الْغَرَضُ. وَهُوَ سَمَّاهُ بِهَذِهِ لِأَنَّهُ نَافِعٌ مِنْ لَدْغِ الْهَوَامِّ السَّبْعِيَّةِ وَهُوَ بِالْيُونَانِيَّةِ تِرْيَادٌ نَافِعٌ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْمَشْرُوبَةِ السُّمِّيَّةِ، وَهِيَ بِالْيُونَانِيَّةِ فَاءٌ مَمْدُودَةٌ، ثُمَّ خُفِّفَ وَعُرِّبَ، وَهُوَ طِفْلٌ إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ مُتَرَعْرِعٌ إِلَى عَشْرَةِ سِنِينَ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَعِشْرِينَ فِي غَيْرِهَا. ثُمَّ يَقِفُ عَشْرًا فِيهَا وَعِشْرِينَ فِي غَيْرِهَا، ثُمَّ يَمُوتُ وَيَصِيرُ كَبَعْضِ الْمَعَاجِينِ.

стр. 6281

قَالَ الْأَشْرَفُ: وَكَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْأَفَاعِي وَالْخَمْرِ، وَهِيَ حَرَامٌ نَجِسَةٌ وَالتِّرْيَاقُ أَنْوَاعٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَقِيلَ: الْحَدِيثُ مُطْلَقٌ وَالْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ كُلِّهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الِانْتِزَاعِ عَنِ التَّوَكُّلِ. (أَوْ تَعَلَّقْتُ تَمِيمَةً) : أَيْ: أَخَذْتُهَا عَلَاقَةً، وَالْمُرَادُ مِنَ التَّمِيمَةِ مَا كَانَ مِنْ تَمَائِمِ الْجَاهِلِيَّةِ وَرُقَاهَا، فَإِنَّ الْقِسْمَ الَّذِي اخْتَصَّ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلِمَاتِهِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي جُمْلَتِهِ، بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ مَرْجُوُّ الْبَرَكَةِ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِ السُّنَّةِ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ نَوْعُ قَدْحٍ فِي التَّوَكُّلِ، وَيُؤَيِّدُهُ صَنِيعُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (أَوْ قُلْتُ الشِّعْرَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي) : أَيْ: قَصَدْتُهُ وَتَقَوَّلْتُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَذَلِكَ صَدَرَ لَا عَنْ قَصْدٍ وَلَا الْتِفَاتٍ مِنْهُ إِلَيْهِ أَنْ جَاءَ مَوْزُونًا، بَلْ كَانَ كَلَامًا مِنْ جِنْسِ كَلَامِهِ الَّذِي كَانَ يَرْمِي بِهِ عَلَى السَّلِيقَةِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا صَنْعَةٍ، وَلَا يُسَمَّى الْكَلَامُ الْمَوْزُونُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْوَزْنِ شِعْرًا عَلَى أَنَّ الرَّجَزَ لَيْسَ بِشِعْرٍ عِنْدَ الْخَلِيلِ أَيْضًا، وَأَمَّا الشِّعْرُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ﷺ فَمِنْ جِنْسِ سَائِرِ الْكَلَامِ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ، نَعَمْ تَوَجُّهُ الْبَاطِنِ إِلَيْهِ وَتَضْيِيعُ الْعُمْرِ الشَّرِيفِ وَالتَّفْكِيرُ الْكَثِيرُ الْمَانِعُ عَنِ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ الدِّينِيَّةِ فِيهِ مَذْمُومٌ، وَلِذَا قَالَ ﷺ عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «لِأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا حَتَّى يُرِيَهُ أَيْ: يُفْسِدَهُ - خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي إِنَّ إِنْشَاءَ الشِّعْرِ حَرَامٌ عَلَيَّ، وَكَذَا شُرْبُ التِّرْيَاقِ وَتَعْلِيقُ التَّمَائِمِ حَرَامَانِ عَلَيَّ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ فَالتَّمَائِمُ وَإِنْشَاءُ الشِّعْرِ غَيْرُ حَرَامٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَذِبٌ، وَلَا هَجْوُ مُسْلِمٍ، أَوْ شَيْءٌ مِنَ الْمَعَاصِي، وَكَذَا التِّرْيَاقُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مُحَرَّمٌ شَرْعًا مِنْ لُحُومِ الْأَفَاعِي وَالْخَمْرِ وَنَحْوِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو بِالْوَاوِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ.

стр. 6282

٤٥٥٥ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٥٥٥ - (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَنِ اكْتَوَى) : أَيْ: بَالَغَ فِي أَسْبَابِ الصِّحَّةِ إِلَى أَنِ اكْتَوَى مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مُلْجِئَةٍ (أَوِ اسْتَرْقَى) : أَيْ: بَالَغَ فِي دَفْعِ الْأَمْرَاضِ بِاسْتِعْمَالِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلِمَاتِ كِتَابِهِ، وَلَا مِنَ الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ (فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ) : أَيْ: سَقَطَ مِنْ دَرَجَةِ التَّوَكُّلِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] وَفِي مُبَالَغَةِ مُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ دَلَالَةٌ عَلَى غَفْلَتِهِ عَنْ رَبِّ الْأَرْبَابِ، وَلِذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ بِقُفْلَيْنِ أَوْ بِقُفْلٍ، ثُمَّ وَصَّى الْجَارَ بِمُحَافَظَتِهِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُتَوَكِّلًا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ رَأَى الشِّفَاءَ مِنَ الْكَيَّةِ وَالرُّقْيَةِ) اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ رَأَى ذَلِكَ بَرِئَ مِنَ الدِّينِ لَا مِنَ التَّوَكُّلِ فَقَطْ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ مُرَادُهُ أَنَّ مَنْ رَأَى الشِّفَاءَ مِنْهُ مُنْحَصِرًا فِيهِ مِنَ الْأَسْبَابِ وَإِلَّا فَهُوَ سُبْحَانُهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَشْفِيَهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، وَقَدْ سَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَقَامِ مِنْ كَلَامِ الْمُحَاسَبِيِّ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. وَفِي النِّهَايَةِ: قَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ النَّهْيُ عَنِ الْكَيِّ فَقِيلَ: إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ أَمْرَهُ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ يَحْسِمُ الدَّاءَ، وَإِذَا لَمْ يُكْوَ الْعُضْوُ بَطَلَ وَعَطَبَ. فَنَهَاهُمْ إِذَا كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَبَاحَهُ إِذَا جُعِلَ سَبَبًا لِلشِّفَاءِ لَا عِلَّةً لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُبْرِئُهُ وَيَشْفِيهِ لَا الْكَيَّ وَالدَّوَاءَ، فَهُوَ أَمْرٌ يَكْثُرُ فِيهِ سُلُوكُ النَّاسِ يَقُولُونَ: لَوْ شَرِبَ الدَّوَاءَ لَمْ يَمُتْ، وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدِهِ لَمْ يُقْتَلْ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ. أَنْ يَكُونَ. نَهْيُهُ عَنِ الْكَيِّ إِذَا اسْتُعْمِلَ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِرَازِ مِنْ حُدُوثِ الْمَرَضِ، وَقَبْلَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ التَّدَاوِي وَالْعِلَاجُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مِنْ قَبِيلِ التَّوَكُّلِ لِقَوْلِهِ: " «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» " وَالتَّوَكُّلُ دَرَجَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْجَوَازِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقُلْ: لَا يَتَدَاوُونَ، فَلَا بُدَّ لِتَخْصِيصٍ.

стр. 6283

ذَكَرَ الْكَيَّةَ وَالرُّقْيَةَ مِنْ زِيَادَةِ فَائِدَةٍ، وَهِيَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ.

стр. 6284

٤٥٥٦ - وَعَنْ عِيسَى بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ وَبِهِ حُمْرَةٌ، فَقُلْتُ: أَلَا تُعَلِّقُ تَمِيمَةً؟ فَقَالَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٥٥٦ - (وَعَنْ عِيسَى بْنِ حَمْزَةَ) : قِيلَ صَوَابُهُ عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى إِذْ لَيْسَ فِي كُتُبِ أَسْمَاءِ السِّتَّةِ عِيسَى بْنُ حَمْزَةَ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَوْ يُقَالُ: صَوَابُهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ بْنِ إِسْحَاقَ، فَإِنَّهُ مِنْ رِجَالِ الْمِشْكَاةُ دُونَ الْأَوَّلِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ. وَقَالَ: هُوَ أَحَدُ الْأَعْلَامِ فِي الْحِفْظِ وَالْعِبَادَةِ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَالْأَعْمَشِ وَخَلْقٍ سِوَاهُمَا، وَعَنْهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ مَعَ جَلَالَتِهِ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ يَحُجُّ سَنَةً وَيَغْزُو سَنَةً، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ) : بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: جُهَنِيٌّ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ رُؤْيَةٌ وَلَا رِوَايَةَ، وَقَدْ خَرَّجَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الْمَغَازِي فِي عِدَادِ الصَّحَابَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَابِعِيٌّ، سَمِعَ عُمَرَ، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (وَبِهِ) : أَيْ: بِعَبْدِ اللَّهِ وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ (حُمْرَةٌ) : أَيْ: مِمَّا يَعْلُو الْوَجْهَ وَالْجَسَدَ (فَقُلْتُ: أَلَا تُعَلِّقْ تَمِيمَةً؟ فَقَالَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ) : وَسَبَبُهُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الشِّرْكِ كَمَا سَبَقَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا عَاذَ بِاللَّهِ مِنْ تَعْلِيقِ الْعُوذَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُتَوَكِّلِينَ، وَإِنْ جَازَ لِغَيْرِهِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا) : أَيْ: مَنْ جَعَلَ شَيْئًا مُعَلَّقًا عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي النِّهَايَةِ: مَنْ عَلَّقَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ التَّعَاوِيذِ وَالتَّمَائِمِ وَأَشْبَاهِهِمَا مُعْتَقِدًا أَنَّهَا تَجْلِبُ نَفْعًا أَوْ تَدْفَعُ عَنْهُ ضُرًّا. (وُكِلَ إِلَيْهِ) : بِضَمِّ وَاوٍ تَخْفِيفُ كَافٍ مَكْسُورَةٍ أَيْ: خُلِّيَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ وَتُرِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَغَيْرُهُ أَيْ مَنْ تَمَسَّكَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُدَاوَاةِ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ الشِّفَاءَ مِنْهُ لَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَشْفِهِ اللَّهُ، بَلْ وَكَّلَ شِفَاءَهُ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَحْصُلُ شِفَاؤُهُ، لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ. وَقَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَاعْتَقَدَ أَنَّ الشِّفَاءَ مِنْهُ لَا مِنَ اللَّهِ اعْتِقَادُ كُفْرٍ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِي مِثْلِهِ لَا يُقَالُ وُكِلَ إِلَيْهِ، بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودٍ مِنَ الشِّفَاءِ وَتَرْكِ إِعَانَتِهِ تَعَالَى فِي دَفْعِ الدَّاءِ وَالْعَنَاءِ، وَنَظِيرُهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ» " وَقَدْ قَالَ: إِنَّ شَيْئًا مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ مَنْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وُكِلَ إِلَيْهِ وَجُعِلَ أَمْرُهُ لَدَيْهِ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ أَمْرَ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَأَغْنَاهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا سِوَاهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : أَيْ: مُرْسَلًا عَلَى الصَّحِيحِ لِمَا سَبَقَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ، لِأَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَيُقَوِّيهِ أَنَّهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ أَيْضًا.

стр. 6285

٤٥٥٧ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٥٥٧ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ) : أَيْ: مِنْ إِصَابَتِهَا أَوْ وَجَعِهَا (أَوْ حُمَةٍ) : بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَتَخْفِيفِ مِيمٍ أَيْ سُمٌّ مِنْ لَدْغَةِ عَقْرَبٍ، وَنَحْوِهَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَمْ يُرِدْ بِهِ جَوَازَ الرُّقْيَةِ مِنْ غَيْرِهِمَا، بَلْ تَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِ الْأَوْجَاعِ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ لَا رُقْيَةَ أَوْلَى وَأَنْفَعُ مِنْ رُقْيَتِهِمَا، كَمَا تَقُولُ: لَا فَتًى إِلَّا عَلِيٌّ، لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ، وَقَالَ شَارِحٌ: لَمْ يُرِدْ بِهِ الْحَصْرَ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَرْقِي أَصْحَابَ الْأَوْجَاعِ وَالْأَمْرَاضِ بِالْكَلِمَاتِ التَّامَّةِ وَالْآيَاتِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لَا رُقْيَةَ ضَرُورَةٍ مُلْجِئَةٍ مِنْ جِهَةِ شَيْءٍ مِنَ الْأَوْجَاعِ وَالْأَمْرَاضِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ إِصَابَةِ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ، فَإِنَّهَا مُهْلِكَتَانِ بِسُرْعَةٍ أَوْ مُوقِعَتَانِ فِي مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : أَيْ: عَنْ عِمْرَانَ.

стр. 6286

٤٥٥٨ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ بُرَيْدَةَ. ــ ٤٥٥٨ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ بُرَيْدَةَ) . وَكَذَا مُسْلِمٌ.

стр. 6287

٤٥٥٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ أَوْ دَمٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٥٥٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ أَوْ دَمٍ) . أَيْ رُعَافٌ قِيلَ: إِنَّمَا خَصَّهَا بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ رُقْيَتَهَا أَشْفَى وَأَفْشَى بَيْنَ النَّاسِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : كَانَ عَلَى الْمُصِنِّفِ أَنْ يُلْحِقَ هَذَا بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَيَقُولَ: وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: أَوْ دَمٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَنَسٍ.

стр. 6288

٤٥٦٠ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂ قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ تُسْرِعُ إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ، أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ قَالَ: " نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقُ الْقَدَرِ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٥٦٠ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂ . بِالتَّصْغِيرِ وَمَرَّ قَرِيبًا تَرْجَمَتُهَا. (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ) : بِضَمِّ وَاوٍ فَسُكُونِ لَامٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا أَيْ: أَوْلَادُ جَعْفَرٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (تُسْرِعُ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتُفْتَحُ أَيْ تَعْجَلُ (إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ) وَتُؤَثِّرُ فِيهِمْ سَرِيعًا لِكَمَالِ حُسْنِهِمُ الصُّورِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، وَالْعَيْنُ نَظَرٌ بِالِاسْتِحْسَانِ مَشُوبٌ بِحَسَدٍ مِنْ خَبِيثِ الطَّبْعِ يَحْصُلُ لِلْمَنْظُورِ فِيهِ ضَرَرٌ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مِنْ سُمٍّ يَصِلُ مِنْ عَيْنِ الْعَائِنِ فِي الْهَوَاءِ إِلَى بَدَنِ الْمَعْيُونِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَائِضَ تَضَعُ يَدَهَا فِي إِنَاءِ اللَّبَنِ فَيَفْسَدُ، وَلَوْ وَضَعَتْهَا بَعْدَ طُهْرِهَا لَمْ يَفْسَدْ. قُلْتُ: وَضِدُّ هَذَا الْعَيْنُ نَظَرُ الْعَارِفِينَ الْوَاصِلِينَ إِلَى مَرْتَبَةِ الرَّافِعِينَ مِنَ الْبَيْنِ حِجَابَ الْعَيْنِ، فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ التَّأْثِيرِ الْإِكْسِيرُ يَجْعَلُ الْكَافِرَ مُؤْمِنًا، وَالْفَاسِقَ صَالِحًا، وَالْجَاهِلَ عَالِمًا، وَالْكَلْبَ إِنْسَانًا، وَهَذَا كُلُّهُ لِأَنَّهُمْ مَنْظُرُونَ بِنَظَرِ الْجَمَالِ وَالْأَغْيَارِ تَحْتَ أَسْتَارِ نَظَرِ الْجَلَالِ، وَمَا أَحْسَنَ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْحَالِ: لَوْ كَانَ لِإِبْلِيسَ سَعَادَةٌ أَزَلِيَّةٌ دُونَ الشَّقَاوَةِ الْأَبَدِيَّةِ لَمَا قَالَ: أَنْظِرْنِي، بَلْ قَالَ: أَنْظِرْ إِلَيَّ أَوْ أَرِنِي أَنْظُرُ إِلَيْكَ، لَكِنْ كُلُّهُ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ، تَحَيَّرَ فِيهِ عُقُولُ أَرْبَابِ الْفُحُولِ وَتَطَمْئِنُ قُلُوبُهُمْ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ، وَإِنَّمَا طَارَ عَقْلِي فِيمَا ذَكَرْتُ مِنْ نَقْلِي لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ الطَّيَّارِ أَخِي الْكَّرَّارِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْأَسْرَارِ. (أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟) : أَيْ أَطْلُبُ الرُّقْيَةَ أَوْ مَنْ يَرْقِي لَهُمْ (قَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّهُ) : تَعْلِيلٌ لِلْجَوَابِ، وَمَعْنَاهُ نَعَمِ اسْتَرْقِي عَنِ الْعَيْنِ، فَإِنَّهَا أَوْلَى وَأَحْرَى بِأَنْ تُسْتَرْقَى لِأَنَّهُ (لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَيَجُوزُ الِاسْتِرْقَاءُ عَنْهُ مِنْ رَبٍّ كَرِيمٍ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) . وَقَدْ سَبَقَ الْمَرْفُوعُ مِنَ الْحَدِيثِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَزَادَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا ". وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْغُسْلِ.

стр. 6289

٤٥٦١ - وَعَنِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ، فَقَالَ: أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ؟» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٥٦١ - (وَعَنِ الشِّفَاءِ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ وَالْمَدِّ (بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: قُرَشِيَّةٌ عَدَوِيَّةٌ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمُضَرِيُّ: اسْمُهَا لَيْلَى، وَالشِّفَاءُ لَقَبٌ غَلَبَ عَلَيْهَا، أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ مِنْ عُقَلَاءِ النِّسَاءِ وَفُضَلَائِهِنَّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيهَا وَيُقِيلُ عِنْدَهَا، وَكَانَتِ اتَّخَذَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرَاشًا وَإِزَارًا يَنَامُ فِيهِ. (قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةٍ) أَيْ بِنْتُ الْفَارُوقِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (فَقَالَ) : أَيْ لِلشِّفَاءِ (أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ) : أَيْ حَفْصَةُ (رُقْيَةَ النَّمْلَةِ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَقْرِيرَ التَّعْلِيمِ، وَيُحْتَمَلُ إِنْكَارُهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِمَا سَيَأْتِي (كَمَا عَلَّمْتِيهَا) : وَفِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ وَالنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ بِالْيَاءِ النَّاشِئَةِ مِنْ إِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ.

стр. 6290

(الْكِتَابَةَ؟) : مَفْعُولٌ ثَانٍ. قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى حَفْصَةَ، وَالنَّمْلَةُ قُرُوحٌ تُرْقَى وَتَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَعَلُّمَ النِّسَاءِ الْكِتَابَةَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ. قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا لِلسَّلَفِ دُونَ الْخَلَفِ لِفَسَادِ النِّسْوَانِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، ثُمَّ رَأَيْتُ قَالَ بَعْضُهُمْ: خُصَّتْ بِهِ حَفْصَةُ لِأَنَّ نِسَاءَهُ ﷺ خُصِصْنَ بِأَشْيَاءٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] ، وَخَبَرُ: " لَا تَعَلَّمْنَّ الْكِتَابَةَ "، يُحْمَلُ عَلَى عَامَّةِ النِّسَاءِ خَوْفَ الِافْتِتَانِ عَلَيْهِنَّ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يَرَى أَكْثَرُ النَّاسِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ النَّمْلَةِ هَا هُنَا هِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا الْمُتَطَيِّبُونَ الزُّنَابَ، وَقَدْ خَالَفَهُمْ فِيهِ الْمُلَقَّبِ بِالذَّكِيِّ الْمَغْرِبِيِّ النَّحْوِيِّ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ شَيْءٌ كَانَتْ نِسَاءُ الْعَرَبِ تَزْعُمُ أَنَّهُ رُقْيَةُ النَّمْلَةِ، وَهُوَ مِنَ الْخُرَافَاتِ الَّتِي كَانَ يُنْهِي عَنْهَا، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بِتَعْلِيمِهَا إِيَّاهُ؟ وَإِنَّمَا عَنَى بِرُقْيَةِ النَّمْلَةِ قَوْلًا كُنَّ يُسَمِّينَهُ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُنَّ: الْعَرُوسُ تَنْتَعِلُ وَتَخْتَضِبُ وَتَكْتَحِلُ وَكُلُّ شَيْءٍ تَفْتَعِلُ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَعْصِي الرَّجُلَ، فَأَرَادَ ﷺ بِهَذَا الْمَقَالِ تَأْنِيبَ حَفْصَةَ وَالتَّعَرُّضَ بِتَأْدِيبِهَا حَيْثُ أَشَاعَتِ السِّرَّ الَّذِي اسْتَوْدَعَهُ إِيَّاهَا عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ التَّنْزِيلُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] . وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى نَقْلَهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى فِي كِتَابِهِ عَنْهُ قَالَ: فَإِنْ يَكُنِ الرَّجُلُ مُتَحَقِّقًا بِهَذَا عَارِفًا بِهِ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ، فَالتَّأْوِيلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: يُمْكِنُ أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ بِرُقْيَةِ النَّمْلَةِ آخِرَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: غَيْرَ أَنْ لَا تَعْصِيَ إِطْلَاقًا لِلْكُلِّ، وَإِرَادَةً لِلْجُزْءِ أَيْ: أَلَا تُعَلِّمِينَ حَفْصَةَ أَنَّ الْعَرُوسَ لَا تَعْصِي الرَّجُلَ، فَإِنَّهَا قَدْ عَصَتْنِي بِإِفْشَاءِ السِّرِّ، وَلَوْ كَانَتْ تَعْلَمُ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ لَمَا عَصَتْنِي. قُلْتُ: الْكِنَايَةُ أَبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِرُقْيَةِ تَمَامِهَا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ فِي ضِمْنِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَحْتَمِلُ الْحَدِيثُ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: التَّخْصِيصُ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّقْيَةِ لِإِنْكَارِ الْكِتَابَةِ أَيْ: هَلَا عَلَّمْتِهَا مَا يَنْفَعُهَا مِنَ الِاجْتِنَابِ عَنْ عِصْيَانِ الزَّوْجِ كَمَا عَلَّمْتِيهَا مَا يَضُرُّهَا مِنَ الْكِتَابَةِ. قُلْتُ: وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا لِأَنَّهُ إِذَا أُرِيدَ التَّخْصِيصُ وَحُمِلَ الِاسْتِفْهَامُ عَلَى التَّقْرِيرِ، فَمِنْ أَيْنَ يُفْهَمُ إِنْكَارُ تَعْلِيمِ الْكِتَابَةِ؟ مَعَ أَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِتَعْلِيمِ الرُّقْيَةِ. قَالَ: وَثَانِيهِمَا أَنْ يَتَوَجَّهَ الْإِنْكَارُ إِلَى الْجُمْلَتَيْنِ جَمِيعًا، وَالْمُرَادُ بِالنَّمْلَةِ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَهُمْ لِأَنَّهَا مُنَافِيَةٌ لِحَالِ الْمُتَوَكِّلِينَ. قُلْتُ: لَوْ أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى لَقِيلَ: أَتُعَلِّمِينَ إِلَى آخِرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6291

٤٥٦٢ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ قَالَ: «رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ. قَالَ: فَلُبِطَ سَهْلٌ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ؟ وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. قَالَ: " هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا ". فَقَالُوا: نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامِرًا، فَتُغُلِّظَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: " عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ أَلَا بَرَّكْتَ؟ اغْتَسِلْ لَهُ) . فَغَسَلَ لَهُ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ، فَرَاحَ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ " ــ ٤٥٦٢ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ ﵃ بِالتَّصْغِيرِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَوْسِيٌّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامَيْنِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ سَمَّاهُ بِاسْمِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، وَكَنَّاهُ بِكُنْيَتِهِ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْءٌ لِصِغَرِهِ، وَلِذَلِكَ قَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الَّذِينَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، وَأَثْبَتَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الصَّحَابَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ أَحَدُ الْجُلَّةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ، سَمَعَ أَبَاهُ وَأَبَا سَعِيدٍ وَغَيْرَهُمَا. وَرَوَى عَنْهُ نَفَرٌ، مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ، وَلَهُ اثْنَانِ وَتِسْعُونَ سَنَةً. (قَالَ: رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْغَزِيَّ، هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَكَانَ أَسْلَمَ قَدِيمًا، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. (سَهْلُ بْنُ حَنِيفٍ) : وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَصَحِبَ عَلِيًّا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ وَلَّاهُ فَارِسَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ أَبُو أُمَامَةَ وَغَيْرُهُ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ. (يَغْتَسِلُ) : أَيْ حَالُ كَوْنِ سَهْلٍ يَغْتَسِلُ وَبَعْضُ بَدَنِهِ مَكْشُوفٌ (فَقَالَ) : أَيْ عَامِرٌ (وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ، وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ فَهَمْزَةٍ مِنَ التَّخْبِيَةِ وَهُوَ السِّتْرُ، وَهِيَ الْجَارِيَةُ الَّتِي فِي خِدْرِهَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بَعْدُ، لِأَنَّ صِيَانَتَهَا أَبْلَغُ مِمَّنْ قَدْ تَزَوَّجَتْ وَجِلْدُهَا أَنْعَمُ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ هُوَ مَفْعُولُ رَأَيْتُ أَيْ مَا رَأَيْتُ جِلْدًا غَيْرَ مُخَبَّأٍ كَجِلْدِ، رَأَيْتُ الْيَوْمَ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ، فَعَلَى هَذَا كَالْيَوْمِ صِفَةٌ، وَإِذَا قُدِّرَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مُؤَخَّرًا كَانَ حَالًا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَأَوْضَحُ مِنْهُ كَلَامُ ابْنِ الْمَلَكِ أَنَّ الْكَافَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ: مَا رَأَيْتُ فِي وَقْتٍ مَا جِلْدَ غَيْرَ مُخْبَّأَةٍ، أَوْ مَا رَأَيْتُ جِلْدَ رَجُلٍ فِي اللَّطَافَةِ وَلَا جِلْدَ مُخْبَّأَةٍ فِي الْبَيَاضِ وَالنُّعُومَةِ مِثْلَ رُؤْيَتَيَ الْيَوْمَ أَيْ مِثْلُ الْجِلْدِ الَّذِي رَأَيْتُهُ الْيَوْمَ، وَهُوَ جِلْدٌ سَهْلٌ لِأَنَّ جِلْدَهُ كَانَ لَطِيفًا اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَا رَأَيْتُ يَوْمًا كَهَذَا الْيَوْمِ، وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ كَهَذَا الْجِلْدِ، وَهُوَ أَقْرَبُ مَأْخَذًا وَأَبْعَدُ تَكَلُّفًا.

стр. 6292

(قَالَ) : أَيِ الرَّاوِي (فَلُبِطَ) : بِضَمِّ لَامٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ. أَيْ صُرِعَ وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ (سَهْلٌ) مِنْ إِصَابَةِ عَيْنِ عَامِرٍ (فَأُتِي بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْ فَجِيءَ (فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ لَكَ) : أَيْ: رَغْبَةٌ (فِي سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ؟) : أَيْ فِي مُدَاوَاتِهِ أَوْ هَلْ لَكَ دَوَاءٌ فِي شَأْنِهِ أَوْ دَائِهِ (وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. فَقَالَ: هَلْ تَتَّهِمُونَ) بِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ تَظُنُّونَ (لَهُ) : أَيْ لِإِصَابَةِ عَيْنِهِ (أَحَدًا؟ فَقَالُوا: نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامِرًا) أَيْ فَطَلَبَهُ فَجَاءَهُ (فَتُغُلِّظَ عَلَيْهِ) أَيْ كَلَّمَهُ بِكَلَامٍ غَلِيظٍ (وَقَالَ: عَلَامَ) : أَيْ عَلَى مَا، يَعْنِي عَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَوْ لِمَ (يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِلْعَائِنِ اخْتِيَارًا مَا فِي الْإِصَابَةِ أَوْ فِي دَفْعِهَا وَيَدُلُّ عَلَى الثَّانِي قَوْلُهُ: (أَلَّا) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ لِلتَّنْدِيمِ (بَرَّكْتَ؟) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: هَلَا قُلْتَ بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ، حَتَّى لَا تُؤَثِّرَ فِيهِ الْعَيْنُ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: " أَلَا بَرَّكْتَ " لِلتَّحْضِيضِ أَيْ: هَلَا دَعَوْتَ لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُقَالَ: عَلَامَ تَقْتُلُ؟ كَأَنَّهُ مَا الْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَعَمَّ الْخِطَابُ أَوَّلًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ تَأْنِيبًا وَتَوْبِيخًا (اغْتَسِلْ لَهُ) . أَيْ لِسَهْلٍ (فَغَسَلَ لَهُ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي غَسْلِ دَاخِلَةِ الْإِزَارِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْمَذَاكِيرِ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى الْأَفْخَاذِ وَالْوَرِكِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِنَّمَا أَرَادَ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ طَرَفُ إِزَارِهِ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ مِمَّا يَلِي الْجَانِبَ الْأَيْمَنِ، فَهُوَ الَّذِي يُغْسَلُ. قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ هَكَذَا. (فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ) : أَيْ ذَلِكَ الْمَاءُ (عَلَيْهِ، فَرَاحَ) : أَيْ فَشُفِيَ سَهْلٌ فَذَهَبَ (مَعَ النَّاسِ) : أَيْ مَعَ سَائِرِهِمْ أَوْ مَعَ الْمُتَعَافِينَ مِنْهُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ سُرْعَةِ بُرْئِهِ (لَيْسَ لَهُ) : أَيْ لِسَهْلٍ. وَفِي نُسْخَةٍ: بِهِ فَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ (بَأْسٌّ) . أَيْ أَلَمٌ (رَوَاهُ) : أَيِ الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) .

стр. 6293

٤٥٦٣ - وَرَوَاهُ مَالِكٌ. وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: " «إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ. تَوَضَّأْ لَهُ "، فَتَوَضَّأَ لَهُ» . ــ ٤٥٦٣ - (وَرَوَاهُ مَالِكٌ. وَفِي رُوَاتِهِ) : أَيْ رِوَايَةِ مَالِكٍ (قَالَ: إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ تَوَضَّأْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَتَوَضَّأْ (لَهُ) : أَيْ لِسَهْلٍ (فَتَوَضَّأْ لَهُ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَصْفُ وُضُوءِ الْعَائِنِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُؤْتَى بِقَدَحِ مَاءٍ، وَلَا يُوضَعُ الْقَدَحُ عَلَى الْأَرْضِ فَيَأْخُذُ غَرْفَةً فَيَتَمَضْمَضُ، ثُمَّ يَمُجُّهَا فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا يَغْسِلُ بِهِ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِشِمَالِهِ مَا يَغْسِلُ بِهِ كَفَّهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ بِيَمِينِهِ مَا يَغْسِلُ بِهِ كَفَّهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ بِشِمَالِهِ مَا يَغْسِلُ بِهِ مِرْفَقَهُ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ بِيَمِينِهِ مَا يَغْسِلُ بِهِ مَرْفِقَهُ الْأَيْسَرَ وَلَا يَغْسِلُ مَا بَيْنَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ الْيُسْرَى، ثُمَّ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ الْيُسْرَى عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ، وَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ صَبَّهُ مِنْ خَلْفِهِ عَلَى رَأْسِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ وَمَعْرِفَةُ وَجْهِهِ، إِذْ لَيْسَ فِي قُوَّةِ الْعَقْلِ الِاطِّلَاعُ عَلَى أَسْرَارِ جَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، وَلَا يُدْفَعُ هَذَا بِأَنْ لَا يُعْقَلَ مَعْنَاهُ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا أَمْرُّ وُجُوبٍ وَيُجْبَرُ الْعَائِنُ عَلَى الْوُضُوءِ لِلْمَعِينِ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ: وَيَبْعُدُ الْخِلَافُ فِيهِ إِذَا خُشِيَ عَلَى الْمَعِينِ الْهَلَاكُ، وَكَانَ وُضُوءُ الْعَائِنِ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْبُرْءِ بِهِ، أَوْ كَانَ الشَّرْعُ أَخْبَرَ بِهِ خَبَرًا عَامًّا، وَلَمْ يَكُنْ زَوَالُ الْهَلَاكِ إِلَّا بِهِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِنْ بَابِ مَنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إِحْيَاءُ نَفْسٍ مُشْرِفَةٍ عَلَى الْهَلَاكِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي إِذَا عُرِفَ أَحَدٌ بِالْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ أَنْ يُجْتَنِبَ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ مَنْعُهُ مِنْ مُدَاخَلَةِ النَّاسِ، وَأَنْ يَأْمُرَهُ بِلُزُومِ بَيْتِهِ، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا رَزَقَهُ مَا يَكْفِيهِ، وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنِ النَّاسِ، فَضَرَرُهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ آكِلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ الَّذِي نَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، لِئَلَّا يُؤْذِيَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ضَرَرِ الْمَجْذُومِ الَّذِي مَنَعَهُ عُمَرُ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ لِلِاحْتِيَاطِ بِالنَّاسِ، وَمِنْ ضَرَرِ الْمُؤْذِيَاتِ مِنَ الْمَوَاشِي الَّتِي يُؤْمَرُ بِتَغْرِيبِهَا إِلَى حَيْثُ لَا يَتَأَذَّى بِهَا أَحَدٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ صَحِيحٌ مُتَعَيَّنٌ، وَلَا يُعْرَفُ مِنْ غَيْرِهِ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ اهـ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 6294

٤٥٦٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ، حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٤٥٦٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ) : أَيْ بِالْأَدْعِيَةِ وَالْأَذْكَارِ بِأَنْ يَقُولَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْجَانِّ، وَفِي الْمُغْرِبِ: الْجَانُّ أَبُو الْجِنِّ وَحَيَّةٌ صَغِيرَةٌ (وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ) أَيْ: وَمِنْ إِصَابَةِ عَيْنِ الْإِنْسَانِ الْحَاسِدِ (حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَيُفْتَحُ (فَلَمَّا نَزَلَتْ) : أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (أَخَذَ بِهِمَا) : أَيْ عَمَلَ بِقِرَاءَتِهِمَا وَالتَّعَوُّذِ بِهِمَا غَالِبًا (وَتَرَكَ، مَا سِوَاهُمَا) . أَيْ: مِنَ الرُّقْيَاتِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) . وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْهُ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: " «مَا سَأَلَ سَائِلٌ وَلَا اسْتَعَاذَ مُسْتَعِيذٌ بِمِثْلِهِمَا» ". وَالْمَعْنَى لَيْسَ تَعْوِيذٌ مِثْلَهُمَا، بَلْ هُمَا أَفْضَلُ التَّعَاوِيذِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُ: " «إِقْرَأْ بِهِمَا كُلَّمَا نِمْتَ وَكُلَّمَا قُمْتَ»

стр. 6295

٤٥٦٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَلْ رُئِيَ فِيكُمُ الْمُغَرِّبُونَ؟ " قُلْتُ: وَمَا الْمُغَرِّبُونَ؟ قَالَ: " الَّذِينَ يَشْتَرِكُ فِيهِمُ الْجِنُّ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: " خَيْرُ مَا تَدَوَايْتُمْ " فِي " بَابِ التَّرَجُّلِ ". ــ ٤٥٦٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ رُئِيَ فِيكُمْ) : أَيْ فِي جِنْسِ الْإِنْسَانِ، وَغَلَّبَ الذُّكُورَ عَلَى الْإِنَاثِ، وَالْخِطَابُ عَلَى الْغَيْبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَذْرَؤُكُمْ، فِيهِ غَلَّبَ الْعُقَلَاءَ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى الْأَنْعَامِ الْغُيَّبِ، وَالسُّؤَالُ سُؤَالُ تَوْقِيفٍ وَتَشْبِيهٍ، وَهَلْ بِمَعْنَى قَدْ فِي الِاسْتِفْهَامِ خَاصَّةً، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] الْكَشَّافُ: أَقَدْ أَتَى عَلَى التَّقْرِيرِ جَمِيعًا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَوْلُهُ: (الْمُغَرِّبُونَ؟) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيِ الْمُبْعِدُونَ، وَلَمَّا كَانَ لِلتَّبْعِيدِ مَعْنًى مُجْمَلٍ مُبْهَمٍ احْتَاجَتْ إِلَى بَيَانِهَا فَقَالَتْ: (قُلْتُ: وَمَا الْمُغَرِّبُونَ؟) : وَقَعَ السُّؤَالُ عَنِ الصِّفَةِ أَعْنِي التَّغْرِيبَ وَلِذَلِكَ لَمْ تَقُلْ: وَمَنِ الْمُغَرِّبُونَ: فَأَجَابَ: بِأَنَّ التَّغْرِيبَ الْحَقِيقِيَّ الْمُعْتَدَّ بِهِ اشْتِرَاكُ الْجِنِّ. (قَالَ: الَّذِينَ يَشْتَرِكُ فِيهِمُ الْجِنُّ) أَيْ فِي نُطَفِهِمْ أَوْ فِي أَوْلَادِهِمْ لِتَرْكِهِمْ ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ الْوِقَاعِ، فَيَلْوِي الشَّيْطَانُ إِحْلِيلَهُ عَلَى إِحْلِيلِهِ فَيُجَامِعُ مَعَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤] فَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: " إِذَا خَالَطَ امْرَأَتَهُ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا "، فَإِذَا تُرِكَ هَذَا الدُّعَاءُ أَوِ التَّسْمِيَةُ شَارَكَهُ الشَّيْطَانُ فِي الْوِقَاعِ، وَيُسَمَّى هَذَا الْوَلَدُ مُغْرِبًا لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ عِرِقٌ غَرِيبٌ، أَوْ جَاءَ مِنْ نَسَبٍ بَعِيدٍ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِمُشَارَكَةِ الْجِنِّ فِيهِمْ أَمْرَهُمْ إِيَّاهُمْ بِالزِّنَا وَتَحْسِينِهِ لَهُمْ، فَجَاءَ أَوْلَادُهُمْ مِنْ غَيْرِ رُشْدِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ، مَنْ كَانَ لَهُ قَرِينٌ مِنَ الْجِنِّ يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارَ وَأَصْنَافَ الْكِهَانَةِ: (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . (وَذُكِرَ) : أَيْ تَقَدَّمَ (حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ: (خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ) : أَيِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ هُنَا (فِي بَابِ التَّرَجُّلِ) : أَيْ فَأَسْقَطْنَاهُ لِتَكْرَارِهِ.

стр. 6296

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٥٦٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمَعِدَةُ حَوْضُ الْبَدَنِ، وَالْعُرُوقُ إِلَيْهَا وَارِدَةٌ، فَإِذَا صَحَّتِ الْمَعِدَةُ صَدَرَتِ الْعُرُوقُ بِالصِّحَّةِ، وَإِذَا فَسَدَتِ الْمَعِدَةُ صَدَرَتِ الْعُرُوقُ بِالسَّقَمِ» ". ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٥٦٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْمَعِدَةُ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَتَخْفِيفٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وَهِيَ مَقَرُّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْمَعِدَةُ كَكَلِمَةٍ وَبِالْكَسْرِ مَوْضِعُ الطَّعَامِ قَبْلَ انْحِدَارِهِ إِلَى الْأَمْعَاءِ، وَهُوَ لَنَا بِمَنْزِلَةِ الْكَرِشِ لِلْأَظْلَافِ وَالْأَخْفَافِ. (حَوْضُ الْبَدَنِ) أَيْ بِمَنْزِلَةِ حَوْضٍ فِيهِ.

стр. 6297

(وَالْعُرُوقُ إِلَيْهَا وَارِدَةٌ) أَيْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (فَإِذَا صَحَّتِ الْمَعِدَةُ صَدَرَتْ) : أَيْ رَجَعَتِ (الْعُرُوقُ بِالصِّحَّةِ) أَيْ عَنْهَا (وَإِذَا فَسَدَتِ الْمَعِدَةُ صَدَرَتِ الْعُرُوقُ بِالسَّقَمِ) . بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيِ: الْمَرَضُ وَالْأَلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَيْضًا فِي كِتَابِ " لَقْطِ الْمَنَافِعِ " شَبَّهَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ الْمَعِدَةَ بِالْحَوْضِ، وَالْبَدَنَ بِالشَّجَرِ، وَالْعُرُوقَ الْوَارِدَةَ إِلَيْهَا بِعُرُوقِ الشَّجَرِ الضَّارِبَةِ إِلَى الْحَوْضِ الْجَاذِبَةِ مَاءَهُ إِلَى الْأَغْصَانِ وَالْأَوْرَاقِ، فَمَتَى كَانَ الْمَاءُ صَافِيًا وَلَمْ يَكُنْ مِلْحًا أُجَاجًا كَانَ سَبَبًا لِنَضَارَةِ الْأَشْجَارِ وَخَضَارَتِهَا، وَإِلَّا كَانَ سَبَبًا لِذُبُولِهَا وَجَفَافِهَا، فَكَذَا حُكْمُ الْبَدَنِ مَعَ الْمَعِدَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ وَبَدِيعِ فِطْرَتِهِ جَعَلَ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيَّةَ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ مُتَسَلِّطَةً تُحَلِّلُ الرُّطُوبَاتِ تَسْلِيطَ الرَّاحِ عَلَى السَّلِيطِ، وَخَلَقَ فِيهِ أَيْضًا قُوَّةً جَاذِبَةً سَارِيَةً فِي مَجَارِي عُرُوقٍ وَارِدَةٍ إِلَى الْكَبِدِ طَالِبَةً مِنْهُ مَا صَفَا مِنَ الْأَخْلَاطِ الَّتِي حَصَلَتْ فِيهِ بِسَبَبِ عُرُوقٍ وَارِدَةٍ مِنْهُ إِلَى الْمَعِدَةِ جَاذِبَةً مِنْهَا مَا انْهَضَمَ مِنَ الْمَشْرُوبِ وَالْمَطْعُومِ لِيَنْطَبِخَ فِي الْكَبِدِ مَرَّةً أُخْرَى، فَيَصِيرُ بَدَلًا لِمَا تَحَلَّلَ مِنْهُ، هَذَا مَعْنَى الصُّدُورِ بَعْدَ الْوُرُودِ، لِأَنَّ الْعُرُوقَ مَجَارٍ لِمَا يَرِدُ فِيهَا وَيَصْدُرُ مِنْهَا، كَعُرُوقِ الشَّجَرِ، فَالْأُسْلُوبُ مِنْ بَابِ سَالَ الْوَادِي وَجَرَى الْمِيزَابُ، فَإِذَا كَانَ فِي الْمَعِدَةِ غِذَاءٌ صَالَحٌ، وَانْحَدَرَ فِي تِلْكَ الْعُرُوقِ إِلَى الْكَبِدِ تَحَصَّلَ مِنْهُ الْغِذَاءُ الْمَحْمُودُ لِلْأَعْضَاءِ خَلَفًا لِمَا تَحَلَّلَ مِنْهَا، وَإِذَا كَانَ فَاسِدًا إِمَّا بِكَثْرَةِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ أَوْ إِدْخَالِ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَانَ سَبَبًا لِتَوَلُّدِ الْأَخْلَاطِ الرَّدِيَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْأَمْرَاضِ الْمُرْدِيَةِ، وَذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَرَّرَهُ عَلَى قَوَاعِدَ الطِّبِّ. وَالْأَظْهَرُ حَمْلُهُ عَلَى الطِّبِّ النَّبَوِيِّ بِأَنْ يُقَالَ: أَنَّ أَفْعَالَ الرَّجُلِ وَأَقْوَالَهُ وَآدَابَهُ عَلَى حَسَبِ مُرَاعَاةِ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، فَإِنْ دَخَلَ الْحَرَامُ خَرَجَ الْحَلَالُ، وَإِنْ دَخَلَ الْفُضُولُ خَرَجَ الْمَفْضُولُ مِنْ كُلِّ أُصُولٍ وَفُصُولٍ وَكَانَ الطَّعَامُ بَذْرُ الْأَفْعَالِ وَالْأَفْعَالُ بِمَنْزِلَةِ نَبْتٍ يَبْدُو مِنْهُ فِي الْحَالِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا قِيلَ: كُلُّ إِنَاءٍ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] ، وَقَالَ ﷺ «مَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَدِيثُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي الْإِحْيَاءِ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالْعُقَيْلِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ وَقَالَ: بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ اهـ. وَلَعَلَّ الْبُطْلَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُسْنَدِ الْعُقَيْلِيِّ وَإِلَّا فَمَعَ تَعَدُّدِ الطُّرُقِ وَتَقْوِيَتِهِ بِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَابْنِ الْجَوْزِيِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ يَكُونُ حَسَنًا أَوْ ضَعِيفًا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي حَقِّهِ: أَنَّهُ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ.

стр. 6298

٤٥٦٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ يُصَلِّي، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَلَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ، فَنَاوَلَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَعْلِهِ فَقَتَلَهَا. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: " لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ، مَا تَدَعُ مُصَلِّيًا وَلَا غَيْرَهُ - أَوْ نَبِيًّا وَغَيْرَهُ " - ثُمَّ دَعَا بِمِلْحٍ وَمَاءٍ، فَجَعَلَهُ فِي إِنَاءٍ، جَعَلَ يَصُبُّهُ عَلَى أُصْبُعِهِ حَيْثُ لَدَغَتْهُ وَيَمْسَحُهَا وَيُعَوِّذُهَا بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ» . رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " ــ ٤٥٦٧ - (وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ يُصَلِّي، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ جَوَابُ بَيْنَا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ بَيْنَا وَبَيْنَمَا ظَرْفَانِ مُتَضَمِّنَانِ بِمَعْنَى الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ اقْتَضَيَا جَوَابًا، وَقَدْ سَبَقَ تَمَامُ تَقْرِيرِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ، (فَلَدَغَهُ) أَيْ: أُصْبُعَهُ ﷺ (عَقْرَبٌ، فَنَاوَلَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيْ ضَرَبَهَا (بِنَعْلِهِ فَقَتَلَهَا) . وَفِي الْحَدِيثِ: " «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ عَقْرَبًا وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَقْتُلْهَا بِنَعْلِهِ الْيُسْرَى» ". عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِلِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. (فَلَمَّا انْصَرَفَ) : أَيْ عَنِ الصَّلَاةِ (قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ مَا تَدَعُ مُصَلِّيًا) : أَيْ مَا تَتْرُكُ عَنْ أَذَاهَا مُصَلِّيًا مِنْ نَبِيٍّ وَوَلِيٍّ (وَلَا غَيْرَهُ) : أَيْ وَلَا غَيْرَ مُصَلٍّ، أَوِ الْمَعْنَى لَا تَدَعُ أَحَدًا لَا حَالَ صَلَاتِهِ وَلَا غَيْرِهَا بِغَيْرِ لَدْغٍ، وَالْجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِاسْتِحْقَاقِ اللَّعْنِ (أَوْ نَبِيًّا وَغَيْرَهُ) . شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، لَكِنْ فِي الْجَامِعِ بِرِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ: " «لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ مَا تَدَعُ الْمُصَلِّيَ وَغَيْرَ الْمُصَلِّي، اقْتُلُوهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» " وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ: «لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ مَا تَدَعُ نَبِيًّا وَلَا غَيْرَهُ إِلَّا لَدَغَتْهُمْ» . (، ثُمَّ دَعَا) : أَيْ طَلَبَ (بِمَاءٍ وَمِلْحٍ، فَجَعَلَهُ) : أَيْ كُلًّا مِنْهُمَا أَوِ الْمَجْمُوعَ أَوِ الْمَذْكُورَ (فِي إِنَاءٍ، ثُمَّ جَعَلَ) : أَيْ شَرَعَ (يَصُبُّهُ) : أَيْ مَا

стр. 6299

فِي الْإِنَاءِ (عَلَى أُصْبُعِهِ حَيْثُ لَدَغَتْهَا) : أَيْ فِي مَكَانِ لَدْغِهَا (وَيَمْسَحُهَا) : أَيِ الْأُصْبُعُ أَوْ مَوْضِعَ لَدْغِهَا (وَيُعَوِّذُهَا بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ رَوَاهُمَا) : أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ، وَالَّذِي قَبْلَهُ (الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّهُ قَالَ: «لَدَغَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَقْرَبٌ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: " لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ لَا تَدَعُ مُصَلِّيًا وَلَا غَيْرَهُ ". ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ وَمِلْحٍ فَجَعَلَ يَمْسَحُ عَلَيْهَا وَيَقْرَأُ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ، وَ، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] ، وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] ثُمَّ ذَكَرَ الْجَزَرِيُّ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَرْقِي اللَّدِيغَ بِالْفَاتِحَةِ» . رَوَاهُ أَصْحَابُ الصِّحَاحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: سَبْعَ مَرَّاتٍ.

стр. 6300

٤٥٦٨ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ، فَأَخْرَجَتْ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ تُمْسِكُهُ فِي جُلْجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَخَضْخَضَتْهُ لَهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ، قَالَ: فَاطَّلَعْتُ فِي الْجُلْجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حَمْرَاءَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٥٦٨ - (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْهَاءِ صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ، وَكَذَا فِي الْمُغْنِي وَالْقَامُوسِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: تَيْمِيٌّ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَأَبُو عِوَانَةَ. (قَالَ: أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، وَكَانَ) : أَيِ الشَّأْنُ وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ حَالِيَّةٌ (إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ عَيْنٌ) : أَيْ إِصَابَةٌ، أَوْ رَمَدٌ (أَوْ شَيْءٌ) : أَيْ مِنْ سَائِرِ الْأَوْجَاعِ وَالْأَمْرَاضِ (بَعَثَ) : أَيْ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ (إِلَيْهَا) : أَيْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ (مِخْضَبَهُ) :. بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ مُضَافًا أَيْ: مِرْكَنَهُ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، وَقِيلَ: هُوَ إِجَّانَةٌ يُغْسَلُ فِيهَا الثِّيَابُ (فَأَخْرَجَتْ) : أَيْ أُمُّ سَلَمَةَ (مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْ بَعْضُ شَعْرِهِ (وَكَانَتْ تُمْسِكُهُ) : جُمْلَةٌ أُخْرَى مُعْتَرِضَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ: وَكَانَتْ تَحْفَظُ ذَلِكَ الْبَعْضَ مِنَ الشَّعْرِ (فِي جُلْجُلٍ) : بِضَمِّ جِيمَيْنٍ أَيْ فِي حَقِّهِ وَفِي الْمُقَدِّمَةِ لَمْ يُفَسِّرْهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَالْمَطَالِعِ وَلَا صَاحِبُ النِّهَايَةِ. وَأَظُنُّهُ الْجُلْجُلَ الْمَعْرُوفَ، وَهُوَ الْجَرَسُ الصَّغِيرُ الَّذِي يُعَلَّقُ بِعُنُقِ الدَّابَّةِ اهـ. وَقَدْ يُعَلَّقُ بِرِجْلِ الْبَازِيِّ، وَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ بِأَنَّ الْجُلْجُلَ بِالضَّمِّ الْجَرَسُ الصَّغِيرُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَخْرَجَ مِنْهُ مَا يَحْصُلُ بِهِ الصَّوْتُ فَصَارَ كَحُقَّةٍ، وَوَضَعَ فِي وَسَطِهِ الشَّعْرَ الشَّرِيفَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا عَمِلَتْ حُقَّةً عَلَى شِبْهِ الْجَرَسِ فِي الصِّغَرِ، وَالْكَبْكَبَةِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: (مِنْ فِضَّةٍ) . قَالَ الطِّيبِيُّ وَاسْتِعْمَالُ الْفِضَّةِ هُنَا كَاكْتِسَاءِ الْكَعْبَةِ بِالْحَرِيرِ تَعْظِيمًا وَتَبْجِيلًا (فَخَضْخَضْتُهُ) : بِالْمُعْجَمَاتِ عَلَى وَزْنِ دَحْرَجْتُهُ مِنَ الْخَضْخَضَةِ، وَهُوَ تَحْرِيكُ الْمَاءِ وَنَحْوُهُ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى فَأَخْرَجَتْ أَيْ حَرَّكَتِ الْجُلْجُلَ فِي الْمَاءِ (لَهُ) : أَيْ لِذَلِكَ الْإِنْسَانِ (فَشَرِبَ مِنْهُ، قَالَ) : أَيْ عُثْمَانُ (فَاطَّلَعْتُ) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ: أَشْرَفْتُ وَطَالَعْتُ (فِي الْجُلْجُلِ فَرَأَيْتُ شُعَيْرَاتٍ حَمْرَاءَ) . أَيْ خِلْقِيَّةٌ أَوْ مُقَدِّمَةٌ لِلْبَيَاضِ أَوْ مَصْبُوغَةٌ بِالْحِنَّاءِ، أَوْ مُتَغَيِّرَةٌ مِنْ أَثَرِ الْبُخُورِ، هَذَا وَقَوْلُهُ: فَاطَّلَعَتْ عَطْفٌ عَلَى أَرْسَلَنِي وَإِعَادَةُ قَالَ لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِالْجُمَلِ الْمُعْتَرِضَةِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، هُوَ التَّشَرُّفُ بِرُؤْيَةِ الشَّعْرِ الْمُنِيفِ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: فَاطَّلَعَتْ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ إِلَخْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6301

٤٥٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : الْكَمْأَةُ جُدَرِيُّ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَخَذْتُ ثَلَاثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ، وَجَعَلْتُ مَاءَهُنَّ فِي قَارُورَةٍ، وَكَحَّلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي عَمْشَاءَ، فَبَرَأَتْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ــ ٤٥٦٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : الْكَمْأَةُ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (جُدَرِيُّ الْأَرْضِ؟) : بِضَمِّ جِيمٍ وَفَتْحِ دَالٍ وَكَسْرِ رَاءٍ وَتَشْدِيدِ يَاءٍ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْجُدَرِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا الْقُرُوحُ فِي الْبَدَنِ تُنَفَّطُ وَتُقَيَّحُ، وَفِي النِّهَايَةِ: شَبَّهَ الْكَمْأَةَ بِالْجُدَرِيِّ وَهُوَ الْحَبُّ الَّذِي يَظْهَرُ فِي جَسَدِ الصَّبِيِّ لِظُهُورِهَا مِنْ بَطْنِ الْأَرْضِ، كَمَا يَظْهَرُ الْجُدَرِيُّ مِنْ بَطْنِ الْجِلْدِ، وَأَرَادَ بِهِ ذَمَّهَا. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ) أَيْ مِمَّا مَنَّ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَقِيلَ: شَبَّهَهَا بِالْمَنِّ، وَهُوَ الْعَسَلُ الْحُلْوُ الَّذِي نَزَلَ مِنْ

стр. 6302

السَّمَاءِ صَفْوًا بِلَا عِلَاجٍ، وَكَذَلِكَ الْكَمْأَةُ لَا مُؤْنَةَ فِيهَا بِبَذْرٍ وَسَقْيٍ اهـ. وَالْأَظْهَرُ هُوَ الثَّانِي لِمَا فِي رِوَايَةِ الْكَمْأَةِ مِنَ الْمَنِّ وَالْمَنُّ مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُمْ لَمَّا ذَمُّوهَا وَجَعَلُوهَا مِنَ الْفَضَلَاتِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الْمَضَرَّةَ وَتَدْفَعُهَا الْأَرْضُ إِلَى ظَاهِرِهَا، كَمَا تَدْفَعُ الطَّبِيعَةُ الْفَضَلَاتِ بِالْجُدَرِيِّ قَابَلَهُ ﷺ بِالْمَدْحِ أَيْ: لَيْسَتْ مِنَ الْفَضَلَاتِ، بَلْ هِيَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمِنَّةٌ عَلَى عِبَادِهِ، وَلَيْسَتْ مِمَّا تَتَضَمَّنُ الْمَضَرَّةَ، بَلْ هِيَ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ كَالْمَنِّ النَّازِلِ. (وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ) فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قِيلَ: هُوَ نَفْسُ الْمَاءِ مُجَرَّدًا، وَقِيلَ: مَخْلُوطًا بِدَوَاءٍ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لِتَبْرِيدِ مَا فِي الْعَيْنِ مِنْ حَرَارَةٍ فَمَاؤُهَا مُجَرَّدُ إِشْفَاءٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَمُرَكَّبَةٌ مَعَ غَيْرِهِ، وَالصَّحِيحُ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ مَاءَهَا مُجَرَّدُ إِشْفَاءٍ لِلْعَيْنِ مُطْلَقًا، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا وَغَيْرِي فِي زَمَانِنَا مَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فَكَحَّلَ عَيْنَهُ بِمَاءِ الْكَمْأَةِ مُجَرَّدًا فَشُفِيَ وَعَادَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ، وَهُوَ الشَّيْخُ الْعَدْلُ الْأَمِينُ الْكَمَالُ الدِّمَشْقِيُّ صَاحِبُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ، وَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ الْمَاءَ الْكَمْأَةَ اعْتِقَادًا بِالْحَدِيثِ وَتَبَرُّكًا بِهِ. (وَالْعَجْوَةُ) : وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ فَفِي الْقَامُوسِ: الْعَجْوَةُ بِالْحِجَازِ التَّمْرُ الْمَحْشِيُّ وَتَمْرٌ بِالْمَدِينَةِ (مِنَ الْجَنَّةِ) أَيْ مِنْ ثِمَارِهَا الْمَوْجُودَةِ فِيهَا، أَوِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْهَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ مَادَّتِهَا بِغَرْزِ نَوَاهَا عَلَى أَيْدِي مَنْ أَرَادَهُ اللَّهُ. (وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ) بِتَثْلِيثِ السِّينِ وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ لُغَةً وَالضَّمُّ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ فَوَاقِعٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ، يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالِ الْأَصْحَابِ، وَإِلَّا فَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرَةٌ، وَكَذَا مُلَاءَمَتُهُمَا لِلْبَابِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: فَأَخَذْتُ ثَلَاثَةَ أَكْمُؤٍ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمِّ مِيمٍ فَهَمْزٍ أَيْ ثَلَاثَةُ أَشْخُصٍ مِنْهَا (أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (فَعَصَرْتُهُنَّ) أَيْ فِي وِعَاءٍ (وَجَعَلْتُ مَاءَهُنَّ فِي قَارُورَةٍ، وَكَحَّلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي عَمْشَاءَ) تَأْنِيثُ الْأَعْمَشِ مِنَ الْعَمَشِ مُحَرَّكَةٌ، وَهُوَ ضَعْفٌ فِي الرُّؤْيَةِ مَعَ سَيَلَانِ الْمَاءِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ، ذَكَرَهُ فِي الْقَامُوسِ. (فَبَرَأَتْ) . بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتُكْسَرُ أَيْ شُفِيَتْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) . أَرَادَ الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ، وَإِلَّا فَجُمْلَةُ الْكَمْأَةِ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ صَحِيحٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَذَا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ عَائِشَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَالْمَنُّ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، عَنْ بُرَيْدَةَ: «الْعَجْوَةُ مِنْ فَاكِهَةِ الْجَنَّةِ» . وَرَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ، عَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْمَدِينِيِّ وَلَفْظُهُ: «الْعَجْوَةُ وَالصَّخْرَةُ وَالشَّجَرَةُ مِنَ الْجَنَّةِ» . وَالْمُرَادُ بِالصَّخْرَةِ صَخْرَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالشَّجَرَةُ هِيَ الْكَرْمَةُ، وَقِيلَ: الشَّجَرَةُ هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ تَحْتَهَا بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَذَا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ بِلَفْظِ: الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ، وَالْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ.

стр. 6303

٤٥٧٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَعِقَ الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمٌ مِنَ الْبَلَاءِ» . ــ ٤٥٧٠ - (وَعَنْهُ) : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ لَعِقَ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ لَحَسَ (الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ) : بِفَتَحَاتٍ أَيْ أَوَائِلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (فِي كُلِّ شَهْرٍ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ: كُلُّ شَهْرٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ (لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمٌ مِنَ الْبَلَاءِ) .

стр. 6304

٤٥٧١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : " «عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ: الْعَسَلِ وَالْقُرْآنِ» ". رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَخِيرَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ. ــ ٤٥٧١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ) أَيْ: أَحَدُهُمَا حِسِّيٌّ وَالْآخَرُ مَعْنَوِيٌّ، أَوْ أَحَدُهُمَا لِلْأَمْرَاضِ الْحِسِّيَّةِ وَالْآخَرُ لِلْعَوَارِضِ الْمَعْنَوِيَّةِ، أَوْ لِعُمُومِ الْبَلَايَا الْبَدَنِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ (الْعَسَلِ وَالْقُرْآنِ) : بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَجُوِّزَ رَفْعُهُمَا وَنَصْبُهُمَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ.

стр. 6305

الْعَسَلِ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وَقَالَ فِي صِفَةِ الْقُرْآنِ ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى﴾ [يونس: ٥٧] قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: الْعَسَلُ وَالْقُرْآنُ تَقْسِيمٌ لِلْجَمْعِ، فَجُعِلَ جِنْسُ الشِّفَاءِ نَوْعَيْنِ. حَقِيقِيٌّ وَغَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ثُمَّ قَسَّمَهُ. وَنَحْوُهُ قَوْلُكَ: الْقَلَمُ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ، وَالْخَالُ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ. قُلْتُ: وَكَذَا الْمَرَقُ أَحَدُ اللَّحْمَيْنِ، لَكِنَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْقُرْآنُ الشَّامِلُ لِشِفَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، كَمَا أُطْلِقَ فِي آيَةٍ، وَأَمَّا التَّقْيِيدُ فِي آيَةٍ أُخْرَى إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ شِفَاءَ الْبَاطِنِ هُوَ الْأَصْلُ الْأَهَمُّ، فَالِاعْتِنَاءُ بِهِ أَتَمٌّ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ أَهَمٌّ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ كَلَامِ الطِّيبِيِّ مُوهِمٌ خِلَافَ ذَلِكَ، وَهُوَ يُوَافِقُ كَلَامَ أَرْبَابِ الْعَرَبِيَّةِ بِخِلَافِ اصْطِلَاحَاتِ الصُّوفِيَّةِ حَيْثُ يَقُولُونَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] ، حَقِيقَةً، وَ ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] مَجَازٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُمَا) : أَيِ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ (ابْنُ مَاجَهْ) أَيْ فِي سُنَنِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. وَقَالَ) : أَيِ الْبَيْهَقِيُّ (الصَّحِيحُ أَنَّ الْأَخِيرَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَخِيرَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. وَلَعَلَّ الْبَيْهَقِيَّ لَهُ إِسْنَادَانِ، وَالصَّحِيحُ إِسْنَادُ الْمَوْقُوفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →