Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.
стр. 6231
لَا تَنْحَسِمُ مَادَّتُهُ إِلَّا بِهِ، وَلِذَا قِيلَ: آخِرُ الطِّبِّ الْكَيُّ. (وَأَنَا أُنْهِي أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ) : وَلَعَلَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، فَإِنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي تَعَاطِي الْأَسْبَابِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَالِاعْتِمَادَ بِظَاهِرِهِ ; وَلِذَا خُصَّ فِي الْحَدِيثِ: مَنِ اكْتَوَى وَاسْتَرْقَى فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ تَدَاوٍ، بَلْ قَالَ: " «تَدَاوُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ ; فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» " عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شُرَيْكٍ. وَجَاءَ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْكَيِّ بِانْفِرَادِهِ عَلَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عِمْرَانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَعْدٍ الظُّفُرِيِّ بِضَمٍّ، نَعَمْ إِذَا كَانَ الْكَيُّ مُتَعَيَّنًا فِي ذَلِكَ الدَّاءِ خَرَجَ عَنْ مَوْضِعِ الْكَرَاهَةِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ صَرِيحًا أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُدَاوَاةِ بِدَوَاءٍ آخَرَ، وَالنَّهْيُ قَبْلَ بُلُوغِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إِلَيْهِ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ يَعْظُمُ خَطَرُهُ، أَوِ الْكَيُّ الْفَاحِشُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: أَوْ كَيَّةٌ وَاحِدَةٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ، وَقِيلَ النَّهْيُ تَنْزِيهِيٌّ اهـ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْكَيُّ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْعِلَاجِ وَالتَّدَاوِي الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْكَيِّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ أَمْرَهُ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ يَحْسِمُ الدَّاءَ وَيُبْرِئُهُ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ هَلَكَ صَاحِبُهُ، وَيَقُولُونَ: آخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَبَاحَ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى مَعْنَى طَلَبِ الشِّفَاءِ وَالتَّرَجِّي لِلْبُرْءِ بِمَا يُحْدِثُ اللَّهُ مِنْ صُنْعِهِ فِيهِ، فَيَكُونُ الْكَيُّ وَالدَّوَاءُ سَبَبًا لَا عِلَّةً. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُهُ تَخْصِيصُ ذِكْرِ الْأُمَّةِ أَيْ: أَنَا أَنْهَاهُمْ لِئَلَّا يَعُدُّوا الْكَيَّ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.
стр. 6232
٤٥١٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «رُمِيَ أَبِي يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ، فَكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٥١٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: رُمِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ جِيءَ يَرْمِي سَهْمًا (أُبَيٌّ) أَيْ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَهُوَ سَيِّدُ الْقُرَّاءِ أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيَ، وَهُوَ أَحَدُ السِّتَّةِ الَّذِينَ حَفِظُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَنَّاهُ النَّبِيُّ ﵇ أَبَا الْمُنْذِرِ وَعُمَرُ أَبَا الطُّفَيْلِ، وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَيِّدَ الْأَنْصَارِ، وَعُمَرُ سَيِّدَ الْمُسْلِمِينَ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعَةَ عَشَرَ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (يَوْمَ الْأَحْزَابِ) : أَيْ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ هَكَذَا صَوَابُهُ، وَهُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ أَبَا جَابِرٍ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ قَبْلَ الْأَحْزَابِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ. (عَلَى أَكْحَلِهِ) : الْأَكْحَلُ بِفَتْحِ هَمْزٍ وَسُكُونِ كَافٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ عِرْقُ الْحَيَاةِ. قَالَ الْخَلِيلُ: وَهُوَ عِرْقٌ مَعْرُوفٌ فِي وَسَطِ الْيَدِ، وَمِنْهُ يُفْصَدُ، وَلَا يُقَالُ عِرْقُ الْأَكْحَلِ، وَقِيلَ نَهْرُ الْحَيَاةِ، وَيُقَالُ نَهْرُ الْبَدَنِ، وَفِي كُلِّ عُضْوٍ شُعْبَةٌ مِنْهُ، وَلَهُ فِيهَا اسْمٌ مُفْرَدٌ يُقَالُ لَهُ فِي الْيَدِ الْأَكْحَلُ، وَفِي الْفَخْذِ النِّسَا وَفِي الظَّهْرِ الْأَبْهَرُ، فَإِذَا قُطِعَ فِي الْيَدِ لَمْ يَرْقَأِ الدَّمُ وَحَسْمُهُ يَقْطَعُ الدَّمَ. (فَكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ أَمَرَهُ بِالْكَيِّ أَوْ كَوَاهُ بِيَدِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6233
٤٥١٨ - وَعَنْهُ قَالَ: «رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ، فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ، ثُمَّ وَرِمَتْ، فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٥١٨ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ جَابِرٍ ﵁ (قَالَ رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ، فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَيْ كَوَاهُ (بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ، وَهُوَ نَصْلُ السَّهْمِ إِذَا كَانَ طَوِيلًا غَيْرَ عَرِيضٍ، فَإِذَا كَانَ عَرِيضًا فَهُوَ مِعْبَلَةٌ (ثُمَّ وَرِمَتْ) : أَيْ يَدُ سَعْدٍ (فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6234
٤٥١٩ - وَعَنْهُ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ــ
٤٥١٩ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ» ) : أَيْ عَلَى عِرْقِهِ وَيَجُوزُ إِسْنَادُ الْفِعْلَيْنِ إِلَى الطَّبِيبِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا أَيْ أَمَرَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا وَفَعَلَ الْآخَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6235
٤٥٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلَّا السَّامَ» " قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: السَّامُ: الْمَوْتُ. وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ: الشُّونِيزُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٥٢٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» ) : قِيلَ أَيْ مِنْ كُلِّ دَاءٍ مِنَ الرُّطُوبَةِ وَالْبَلْغَمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَارٌّ يَابِسٌ فَيَنْفَعُ فِي الْأَمْرَاضِ الَّتِي تُقَابِلُهُ، فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى عُمُومِهِ وَأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي كُلِّ دَاءٍ بِالتَّرْكِيبِ.
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْعُمُومِ الِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ: (إِلَّا السَّامَ) : بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ، ثُمَّ أَلَّفٍ وَمِيمٍ مُخَفَّفَةٍ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْقَامُوسِ. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) : أَيِ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (السَّامُ: الْمَوْتُ. وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ: الشُّونِيزُ) : بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفَسَّرَهَا بِهِ لِشُهْرَتِهِ إِذْ ذَاكَ، وَتَفْسِيرُهَا بِهِ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ الْكَمُّونُ الْأَسْوَدُ أَوِ الْخَرْدَلُ أَوْ ثَمْرُ الْبُطْمِ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ الْحَبَّةُ الصَّفْرَاءُ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْأَصْفَرَ أَسْوَدَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا أَيِ الشُّونِيزُ هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ. قَالَ الْقَاضِي: وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهَا الْخَرْدَلُ، وَقِيلَ وَهِيَ الْحَبَّةُ الْخَضْرَاءُ وَهُوَ الْبُطْمُ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْأَخْضَرَ أَسْوَدَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي أَعْلَامِ السُّنَنِ: وَهَذَا مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، وَلَيْسَ يُجْمَعُ فِي طَبْعِ شَيْءٍ مِنَ النَّبَاتِ وَالشَّجَرِ جَمِيعُ الْقُوَى الَّتِي تُقَابِلُ الطَّبَائِعَ كُلَّهَا فِي مُعَالَجَةِ الْأَدْوَاءِ عَلَى اخْتِلَافِهَا مِنْ تَبَايُنِ طَبَائِعِهَا قُلْتُ: لَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدٍ، قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يَحْدُثُ مِنَ الرُّطُوبَةِ وَالْبُرُودَةِ وَالْبَلْغَمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَارٌّ يَابِسٌ، فَهُوَ شِفَاءٌ بِإِذْنِ اللَّهِ لِلدَّاءِ الْمُقَابِلِ لَهُ فِي الرُّطُوبَةِ وَالْبُرُودَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّوَاءَ أَبَدًا بِالْمُضَادِّ وَالْغِذَاءَ بِالْمُشَاكِلِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَقِّ بِلْقِيسَ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] إِطْلَاقُ الْعُمُومِ وَإِرَادَةُ الْخُصُوصِ. قُلْتُ: لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ هَذَا، لَكِنَّ الْإِتْيَانَ يَمْنَعُ حَمْلَهُمَا عَلَى الْعُمُومِ عَلَى مَا هُوَ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ مَعْلُومٍ، وَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِعْيَارَ الْعُمُومِ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٣] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ قِيلَ: وَزَادَ الْأَرْبَعَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا دَاءً وَاحِدًا الْهَرَمُ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ: عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6236
٤٥٢١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اسْقِهِ عَسَلًا ". فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: سُقِيَ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا. فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: " اسْقِهِ عَسَلًا ". فَقَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُهُ، فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ ". فَسَقَاهُ، فَبَرَأَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٥٢١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي اسْتُطْلِقَ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِمَا أَيْ مَشَى (بَطْنُهُ) : وَهُوَ بِالرَّفْعِ لَا غَيْرِهِ وَاسْتِطْلَاقُ الْبَطْنِ مَشْيُهُ وَهُوَ تَوَاتُرُ الْإِسْهَالِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (اسْقِهِ) : بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَجُوِّزَ فَتَحُهَا أَيْ أَطْعِمْ أَخَاكَ (عَسَلًا) : وَظَاهِرُ الْأَمْرِ بِسَقْيِهِ أَنَّهُ كَانَ صِرْفًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَمْزُوجًا. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " «عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ الْعَسَلِ وَالْقُرْآنِ» "، كَمَا سَيَأْتِي. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَوْهِبْ مِنِ امْرَأَتِهِ مِنْ صَدَاقِهَا فَلْتَشْتَرِ لَهُ عَسَلًا، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ فَيَجْتَمِعُ هَنِيئًا مَرِيئًا شِفَاءً مُبَارَكًا.
(فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا. فَقَالَ لَهُ: ثَلَاثُ مَرَّاتٍ) : أَيِ اسْقِهِ عَسَلًا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَمْرُهُ ﷺ كَانَ بِعِلْمِهِ أَنَّ السَّبَبَ اجْتِمَاعُ الْفَضَلَاتِ الْبَلْغَمِيَّةِ اللَّزِجَةِ الَّتِي تَدْفَعُهَا بِذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِيَسْهُلَ بَاقِيهَا. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَابَ: الْحِكْمَةُ فِي تَكْرَارِ الْأَمْرِ أَنَّ سَقْيَ الْعَسَلِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ كَمِّيَّةٍ وَكَيْفِيَّةٍ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمَرِيضِ، فَإِنَّهُ إِنْ زِيدَ يَسْقُطُ فِي قُوَّتِهِ، وَإِنْ نَقَصَ لَا يُزِيلُ الْمَرَضَ وَلَا يُفِيدُهُ، وَلَمَّا لَمْ يَسْقِهِ.
стр. 6237
الْمِقْدَارُ الْمَطْلُوبُ الْمُقَاوِمُ لِلْمَرَضِ أَمَرَهُ بِالزِّيَادَةِ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ الشِّفَاءُ. (ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ) : أَيْ جَاءَ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ، وَقَالَ مَا سَبَقَ (فَقَالَ: اسْقِهِ عَسَلًا فَقَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُهُ) : أَيْ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، وَهُوَ الْمِقْدَارُ الْمُتَعَارَفُ فِي تَكْرَارِ الْعِلَاجِ (فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَدَقَ اللَّهُ) : أَيْ فِيمَا قَالَ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. وَقَالَ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ كَوْنُ شِفَاءِ ذَلِكَ الْبَطْنِ فِي شُرْبِهِ الْعَسَلَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى صَادِقٌ فِيهِ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ. قُلْتُ: ظَاهِرَهُ الْإِطْلَاقُ وَإِثْبَاتُ الْوَحْيِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ (وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ) : أَيْ أَخْطَأَ تَقُولُ الْعَرَبُ: كَذَبَ سَمْعِي إِذَا أَخْطَأَ، وَأَرَادَ بِخَطَئِهِ عَدَمَ حُصُولِ الشِّفَاءِ لَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ نِيَّتَهُ فِي شُرْبِهِ لَمْ تَكُنْ خَالِصَةً أَوْ لِأَنَّ الدَّوَاءَ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَعْنِي صَدَقَ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ بِأَنَّ الْعَسَلَ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلُ لَهُ الشِّفَاءُ بِالْعَسَلِ اهـ.
وَالْمَعْنَى عَلَى الْمَجَازِ أَيْ: أَنَّهُ لَمْ يَصْلُحْ لِقَبُولِ الشِّفَاءِ فِي أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ الدَّوَاءُ بَعْدَ خَطَئِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] يَعُودُ إِلَى الشَّرَابِ الَّذِي هُوَ الْعَسَلُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْقُرْآنِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَلِصَرِيحِ هَذَا الْحَدِيثِ. قُلْتُ: وَأَصْرَحُ مِنْهُ الْحَدِيثُ: " «عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ الْعَسَلِ وَالْقُرْآنِ» "، قَالَ: وَالْآيَةُ عَلَى الْخُصُوصِ أَيْ شِفَاءٌ مِنْ بَعْضِ الدَّاءِ أَوْ لِبَعْضِ النَّاسِ، فِي التَّنْكِيرِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ تَنْكِيرَ شِفَاءٍ لِلتَّعْظِيمِ لَا لِلتَّقْلِيلِ، وَالْعُمُومُ يُسْتَفَادُ مِنْ جِنْسِ النَّاسِ.
(فَسَقَاهُ) : أَيْ مَرَّةً أُخْرَى (فَبَرَأَ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِكَسْرٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، فَإِنْ قِيلَ: الْعَسَلُ مُسْهِلٌ مُطْلَقًا، فَكَيْفَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ فِي دَفْعِ الْإِسْهَالِ؟ قُلْنَا: لَعَلَّهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنِ اجْتِمَاعِ الْفَضَلَاتِ الْبَلْغَمِيَّةَ الَّتِي دَفَعَتْهَا الطَّبِيعَةُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَكَانَ مِنْهَا بَقِيَّةٌ مِنَ الْمَادَّةِ مُحْتَاجَةٌ إِلَى قَلْعِهَا بِمُلَيِّنٍ، فَأَمَرَهُ بِشُرْبِ الْعَسَلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَلَمَّا شَرِبَ انْقَطَعَتْ بِالْكُلِّيَّةِ. قُلْتُ: قَوْلُهُ لَعَلَّهُ. . إِلَخْ. يُنَافِيهِ مَا جَزَمَ بِهِ أَوَّلًا مِنْ أَنَّهُ "، إِنَّمَا وَقَعَ أَمْرُهُ بِالْوَحْيِ، ثُمَّ تَوْضِيحُ هَذَا الْكَلَامِ مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا مِمَّا يَحْسَبُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الطِّبِّ وَالْعِلَاجِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إِنَّمَا جَاءَ يَشْكُو إِلَيْهِ اسْتِطْلَاقَ الْبَطْنِ، فَكَيْفَ يَصِفُ لَهُ الْعَسَلَ وَهُوَ يُطْلِقُ، وَمَنْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ أُصُولِ الطِّبِّ وَمَعَانِيهِ عَلِمَ صَوَابَ هَذَا التَّدْبِيرِ، وَذَلِكَ أَنَّ اسْتِطْلَاقَ بَطْنِ هَذَا الرَّجُلِ إِنَّمَا كَانَ هَيْضَةً حَدَثَتْ مِنَ الِامْتِلَاءِ وَسُوءِ الْهَضْمِ، وَالْأَطِبَّاءُ كُلُّهُمْ يَأْمُرُونَ صَاحِبَ الْهَيْضَةِ بِأَنْ يَتْرُكَ الطَّبِيعَةَ وَسَوْقَهَا لَا يُمْسِكُهَا، وَرُبَّمَا امْتَدَّتْ بِقُوَّةٍ مُسْهِلَةٍ حَتَّى تُسْتَفْرَغَ تِلْكَ الْفُضُولُ، فَإِذَا فَرَغَتْ تِلْكَ الْأَوْعِيَةُ مِنْ تِلْكَ الْفُضُولِ، فَرُبَّمَا أَمْسَكَتْ مِنْ دَائِهَا، وَرُبَّمَا عُولِجَتْ بِالْأَشْيَاءِ الْقَابِضَةِ وَالْمُقَوِّيَةِ إِذَا خَافُوا سُقُوطَ الْقُوَّةِ، فَخَرَجَ الْأَمْرُ فِي هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ مُسْتَقِيمًا حِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُمِدَّ الطَّبِيعَةَ بِالْعَسَلِ لِيَزْدَادَ الشِّفَاءُ، حَتَّى إِذَا انْتَزَحَتْ تِلْكَ الْفُضُولُ وَتَنَقَّتْ مِنْهَا وَقَفَتْ وَأَمْسَكَتْ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ نَاحِيَةِ التَّبَرُّكِ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وَمَا يَصِفُهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الدَّوَاءِ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِدُعَائِهِ وَبِبَرَكَتِهِ وَحُسْنِ أَمْرِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حُكْمًا فِي الْأَعْيَانِ كُلِّهَا، فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ يَجِبُ حَمْلُ مَا لَا يَخْرُجُ عَلَى مَذْهَبِ الطِّبِّ الْقِيَاسِيِّ، وَإِلَيْهِ يَجِبُ تَوْجِيهُهُ كَذَا فِي أَعْلَامِ السُّنَنِّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6238
٤٥٢٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ، وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٥٢٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ) : أَيْ أَفْضَلُهُ وَأَنْفَعُهُ وَأَوْلَاهُ، فَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: هَذَا أَمْثَلُ مِنْ هَذَا أَيْ أَفْضَلُ وَأَدْنَى إِلَى الْخَيْرِ، وَأَمَاثِلُ النَّاسِ خِيَارُهُمْ (الْحِجَامَةُ) :
стр. 6239
بِكَسْرِ أَوَّلِهِ اسْتِعْمَالُهَا، أَوِ الْمُرَادُ بِهَا الِاحْتِجَامُ (وَالْقُسْطُ) : بِضَمِّ الْقَافِ مِنَ الْعَقَاقِيرِ مَعْرُوفٌ فِي الْأَدْوِيَةِ طَبَبُ الرِّيحِ تَتَبَخَّرُ بِهِ النُّفَسَاءُ. (الْبَحْرِيُّ) : أَيِ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْبَحْرِ، فَإِنَّ الْقُسْطَ نَوْعَانِ: بَحْرِيٌّ وَهُوَ أَبْيَضُ، وَهِنْدِيٌّ وَهُوَ أَسْوَدُ، وَمِنْهَا نَوْعٌ طَيِّبٌ يُتَبَخَّرُ بِهِ يُقَالُ: عَنْبَرٌ خَامٌ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عُودٌ هِنْدِيٌّ يُتَدَاوَى بِهِ، وَقِيلَ هُوَ خِيَارُ شَنْبُرَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الْقِسْطُ بِالْكَسْرِ الْعَدْلُ وَالْحِصَّةُ وَالنَّصِيبُ، وَمِكْيَالٌ يَسَعُ نِصْفَ صَاعٍ، وَقَدْ يُتَوَضَّأُ فِيهِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «إِنَّ النِّسَاءَ مِنْ أَسْفَهِ السُّفَهَاءِ إِلَّا صَاحِبَةَ الْقِسْطِ وَالسِّرَاجِ» ، كَأَنَّهُ أَرَادَ الَّتِي تَخْدِمُ بَعْلَهَا وَتُوَضِّئُهُ وَتَزْدَهِرُ بِمِيضَأَتِهِ، وَتَقُومُ عَلَى رَأْسِهِ بِالسِّرَاجِ، وَبِالضَّمِّ عُودٌ هِنْدِيٌّ وَعَرَبِيٌّ مُدِرٌّ نَافِعٌ لِلْكَبِدِ جِدًّا وَلِلْمَغَصِ وَالدُّودِ وَحُمَّى الرِّبْعِ شُرْبًا، وَلِلزُّكَامِ وَالنَّزَلَاتِ وَالْوَبَاءِ بَخُورًا، وَلِلْبَهَقِ وَالْكَلَفَ طِلَاءً (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 6240
٤٥٢٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنَ الْعُذْرَةِ، عَلَيْكُمْ بِالْقُسْطِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٥٢٣ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَنَسٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ) : بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ مِيمٍ فَزَايٍ أَيِ الْعَصْرُ، وَقِيلَ: إِدْخَالُ الْأُصْبُعِ فِي حَلْقِ الْمَعْذُورِ لِغَمْزِ دَاخِلِهِ فَيَعْصِرُ بِهَا الْعُذْرَةُ. فِي النِّهَايَةِ: هُوَ أَنْ يُسْقَطَ لِلشَّاةِ فَتُغْمَزَ بِالْيَدِ (مِنَ الْعُذْرَةِ) : أَيْ مِنْ أَجْلِهَا وَهِيَ بِضَمِّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فَسُكُونِ دَالٍّ مُعْجَمَةٍ: وَجَعٌ فِي الْحَلْقِ يَهِيجُ مِنَ الدَّمِ، وَقِيلَ: هِيَ قُرْحَةٌ تَخْرُجُ فِي الْخُرْمِ الَّذِي مَا بَيْنَ الْأَنْفِ وَالْحَلْقِ تَعْرِضُ لِلصِّبْيَانِ عِنْدَ طُلُوعِ الْعُذْرَةِ، فَتَعْمِدُ الْمَرْأَةَ إِلَى خِرْقَةٍ فَتَفْتِلُهَا فَتْلًا شَدِيدًا وَتُدْخِلُهَا فِي أَنْفِهِ فَتَطْعَنُ ذَلِكَ فَيَنْفَجِرُ مِنْهُ دَمٌ أَسْوَدٌ، وَرُبَّمَا أَقْرَحُهُ، وَذَلِكَ الطَّعْنُ يُسَمَّى الدَّغْرُ، يُقَالُ: دَغَرَتِ الْمَرْأَةُ الصَّبِيَّ إِذَا غَمَزَتْ حَلْقَهُ مِنَ الْغُدْرَةِ أَوْ فَعَلَتْ بِهِ ذَلِكَ، وَكَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهِ عَلَاقًا كَالْعُوذَةِ، وَقَوْلُهُ عِنْدَ طُلُوعِ الْعُذْرَةِ وَهِيَ خَمْسَةُ كَوَاكِبَ تَحْتَ الشِّعْرَى الْعَبُورِ وَتُسَمَّى الْعَذَارَى، وَتَطْلَعُ فِي وَسَطِ الْحَرِّ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (عَلَيْكُمْ بِالْقُسْطِ) : بِأَنْ يُؤْخَذَ مَاؤُهُ فَيُسْعَطُ بِهِ ; لِأَنَّهُ يَصِلُ إِلَى الْعُذْرَةِ فَيَقْبِضُهَا، فَإِنَّهَا حَارٌّ يَابِسٌ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
стр. 6241
٤٥٢٤ - وَعَنْ أُمِّ قَيْسٍ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَلَى مَا تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلَاقِ؟ عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ؟ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ يُسْعَطُ مِنَ الْعُذْرَةِ، وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٥٢٤ - (وَعَنْ أُمِّ قَيْسٍ ﵂) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ بِنْتُ مِحْصَنٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ فَنُونٍ، أَسَدِيَّةٌ أُخْتُ عُكَاشَةَ، أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ قَدِيمًا، وَبَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَهَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ اهـ. وَهِيَ الَّتِي وَرَدَ بِسَبَبِهَا حَدِيثُ: (" «وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا» ") فَكَانَ رَجُلٌ تَبِعَهَا فِي الْهِجْرَةِ وَكَانَ يُسَمَّى مُهَاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ. (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَى مَا تَدْغَرْنَ) : بِفَتْحِ الْغَيْنِ مِنَ الدَّغَرِ وَبِفَتْحِ الدَّالِّ وَسُكُونِ عَيْنٍ مُعْجَمَةٍ فَرَاءٍ الدَّفْعُ وَالْغَمْزُ، وَمَا: اسْتِفْهَامٌ فِي مَعْنَى الْإِنْكَارِ لَهُ وَلِنَفْعِهِ، وَالِاسْتِعْمَالُ الْكَثِيرُ عَلَى حَذْفِ الْأَلِفِ تَخْفِيفًا وَالْأَصْلُ قَلِيلٌ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: عَلَامَ يُحْذَفُ الْأَلِفُ، وَالْمَعْنَى عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُعَالِجْنَ أَوْلَادَكُنَّ وَتَغْمِزْنَ حُلُوقَهُمْ؟ فَبِهَذَا الْعُلَاقُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفَتْحِهَا، وَفِي بَعْضِهَا بِكَسْرِهَا وَالْكُلُّ بِمَعْنَى الْعَصْرِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: هُوَ بِالْكَسْرِ الدَّاهِيَةُ يَعْنِي لَا تَعْصِرْنَ عُذْرَةَ الْأَوْلَادِ بِالشِّدَّةِ.
وَبِالضَّمِّ مَا تُعْصَرُ بِهِ الْعُذْرَةُ مِنْ أُصْبُعٍ أَوْ غَيْرِهَا أَيْ لَا تَعْصِرْنَ (أَوْلَادَكُنَّ) : بِأُصْبُعٍ وَنَحْوِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ (بِهَذَا الْعُلَاقُ؟) : وَهُوَ الدَّغَرُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ قَوْلُهُ: بِهَذَا الْعُلَاقُ؟ كَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ أَيْضًا بِهَذَا الْإِعْلَاقِ، وَهُوَ أَوْلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأَصْوَبُهُمَا، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلُ أُمِّ قَيْسٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ، وَفَسَّرُهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَهُوَ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَعْلَقَتْ غَمَزَتْ، هَذَا لَفْظُ كِتَابِ مُسْلِمٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْعَلَاقُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْإِعْلَاقُ وَهُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ حَتَّى زَعَمُوا أَنَّهُ الصَّوَابُ، وَإِنَّ الْعَلَاقَ لَا يَجُوزُ قَالُوا: وَالْأَعْلَاقُ مَصْدَرُ أَعْلَقَتْ عَنْهُ، وَمَعْنَاهُ أَزَالَتِ الْعُلُوقَ: وَهِيَ الْآفَةُ وَالدَّاهِيَةُ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعُلَاقُ هُوَ الِاسْمُ مِنْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ:
стр. 6242
وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الْكَلَامَ مَعْنَى الْإِنْكَارِ أَيْ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُعَالِجْنَ بِهَذَا الدَّاءِ الدَّاهِيَةِ وَالْمُدَاوَاةِ الشَّنِيعَةِ اهـ. وَالْمَعْنَى عَلَى الْإِعْلَاقِ لِمَ تُعَالِجْنَ هَذِهِ الْمُعَالَجَةَ الْخَشِنَةَ؟ (عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ) : أَيْ بَلْ عَلَيْكُنَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِاسْتِعْمَالِ الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فِي عُذْرَةِ أَوْلَادِكُنَّ، وَالْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى الْجِنْسِ الْمُسْتَحْضَرِ فِي الذِّهْنِ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُسْطِ الْبَحْرِيِّ هُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نَافِعٌ (فَإِنَّ فِيهِ) : أَيْ فِي هَذَا الْعُودِ (سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ) : جَمْعُ شِفَاءٍ (مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ) : أَيْ مِنْ تِلْكَ الْأَشْفِيَةِ شِفَاءُ ذَاتِ الْجَنْبِ، أَوِ التَّقْدِيرُ: فِيهِ سَبْعَةُ أَشْفِيَةِ أَدْوَاءٍ مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: سَبْعَةُ أَشْفِيَةٍ مِنْ سَبْعَةِ أَدْوَاءٍ مِنْهَا: ذَاتُ الْجَنْبِ، وَخُصَّ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَصْعَبُ الْأَدْوَاءِ، وَقَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْهُ مَنِ ابْتُلِيَ لَهُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمُرَادُ هُنَا رِيَاحٌ غَلِيظَةٌ فِي نَوَاحِي الْجَنْبِ، فَإِنَّ الْعُودَ الْهِنْدِيَّ إِنَّمَا يُدَاوَى بِهِ الرِّيَاحُ وَقَوْلُهُ: (يُسْعَطُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُخَفَّفًا وَرُوِيَ مُشَدَّدًا وَفِي الْجَامِعِ بَسْطٌ بِهِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّوْطِ، وَهُوَ مَا يُصَبُّ فِي الْأَنْفِ. بَيَانُ كَيْفِيَّةِ التَّدَاوِي بِهِ أَنْ يُدَقَّ الْعُودُ نَاعِمًا، وَيُدْخَلُ فِي الْأَنْفِ، وَقِيلَ يُبَلُّ وَيُقَطَّرُ فِيهِ.
(مِنَ الْعُذْرَةِ) : أَيْ مِنْ أَجْلِهَا (وَيُلَدُّ) : بِصِيَغِهِ الْمَجْهُولِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ: مِنْ لَدَّ الرَّجُلُ إِذَا صَبَّ الدَّوَاءَ فِي أَحَدِ شِقَّيِ الْفَمِ، وَمِنْهُ اللَّدُودُ، وَفِي الْجَامِعِ مَنْ يَلِدُّ لَهُ. (مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ) : أَيْ مِنْ أَجْلِهَا، وَسَكَتَ ﷺ عَنْ خَمْسَةٍ مِنْهَا لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى تَفْصِيلِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُهِمِّ وَالْمُنَاسِبِ لِلْمَقَامِ كَمَا هُوَ دَأْبُ أَرْبَابِ بُلَغَاءِ الْكَلَامِ، وَلَعَلَّ الْبَقِيَّةَ كَانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَهُمْ مَعْرُوفَةً فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْقَامُوسِ بَعْضُ خَوَاصِّهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَدِ اعْتَرَضَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، فَقَالَ الْأَطِبَّاءُ: مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مُدَاوَاةَ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْحَرَارَةِ الشَّدِيدَةِ خَطَرٌ.
قَالَ الْمَازَرِيُّ: فِي هَذَا الْقَوْلِ جَهَالَةٌ بَيِّنَةٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] ، وَقَدْ ذَكَرَ جَالِينُوسُ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْقُسْطَ يَنْفَعُ مِنْ وَجَعِ الصَّدْرِ، وَقَالَ بَعْضُ الْقُدَمَاءِ مِنَ الْأَطِبَّاءِ: وَيُسْتَعْمَلُ حَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُجْذَبَ الْخَلْطُ مِنْ بَاطِنِ الْبَدَنَ إِلَى ظَاهِرِهِ، وَهَذَا يُبْطِلُ مَا زَعَمَ الْمُعْتَرِضُ الْمُلْحِدُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَفِيهِ سَبْعَةُ أَشْفِيَةٍ فَقَدْ أَطْبَقَ الْأَطِبَّاءُ فِي كُتُبِهِمْ عَلَى أَنَّهُ يُدِرُّ الطَّمْثَ وَالْبَوْلَ، وَيَنْفَعُ مِنَ السُّمُومِ، وَيُحَرِّكُ شَهْوَةَ الْجِمَاعِ، وَيَقْتُلُ الدُّودَ، وَحَبُّ الْقَرْعِ فِي الْأَمْعَاءِ إِذَا شُرِبَ بِعَسَلٍ، وَيُذْهِبُ الْكَلْفَ إِذَا طُلِيَ عَلَيْهِ، وَيَنْفَعُ مِنْ بَرْدِ الْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ، وَمِنْ حُمَّى الْوَرْدِ وَالرِّبْعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهُوَ صِنْفَانِ: بَحْرِيٌّ وَهِنْدِيُّ الْبَحْرِيِّ هُوَ الْقُسْطُ الْأَبْيَضُ، وَالْبَحْرِيُّ أَفْضَلُ مِنَ الْهِنْدِيِّ، وَأَقَلُّ حَرَارَةً مِنْهُ، وَإِنَّمَا عَدَدْنَا مَنَافِعَهُ مِنْ كُتُبِ الْأَطِبَّاءِ لِأَنَّهُ ﷺ ذَكَرَ مِنْهَا عَدَدًا مُجْمَلًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّبْعَةَ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْكَثْرَةُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ كَذَا فِي الْجَامِعِ.
стр. 6243
٤٥٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرِدُوهَا بِالْمَاءِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٥٢٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ، أَنْصَارِيٌّ أَصَابَهُ سَهْمٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَنَا أَشْهَدُ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". وَأَنْقَضَتْ جِرَاحَتُهُ زَمَنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَهُ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ قِيلَ: هُوَ حَقِيقَةٌ، وَاللَّهَبُ الْحَاصِلُ فِي جِسْمِ الْمَحْمُومِ قِطْعَةٌ مِنْهَا أَظْهَرَهَا اللَّهُ بِأَسْبَابٍ تَقْتَضِيهَا لِيَعْتَبِرَ الْعِبَادُ بِذَلِكَ، وَرَوَى الْبَزَّارُ حَدِيثَ: " «الْحُمَّى حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ» "، وَقِيلَ: هـ عَلَى جِهَةِ التَّشْبِيهِ، أَيْ حَرُّ الْحُمَّى شَبِيهٌ بِحَرِّ جَهَنَّمَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: أَيْ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهَا أَوْ مِنْ شِدَّةِ حَرَارَةِ الطَّبِيعَةِ، وَهِيَ تُشْبِهُ نَارَ جَهَنَّمَ فِي كَوْنِهَا مُعَذِّبَةً وَمُذِيبَةً لِلْجَسَدِ اهـ. فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَيْحُ سُطُوعُ الْحَرِّ وَفَوَرَانُهُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَشْبِيهٌ قَالَ الْمُظْهِرُ: شَبَّهَ اشْتِعَالَ حَرَارَةِ الطَّبِيعَةِ فِي كَوْنِهَا مُذْهِبَةً لِلْبُرُودَةِ، وَثَانِيهِمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْحُمَّى مَأْخُوذٌ مِنْ حَرَارَةِ جَهَنَّمَ حَقِيقَةً أُرْسِلَتْ إِلَى الدُّنْيَا نَذِيرًا لِلْجَاحِدِينَ وَبَشِيرًا لِلْمُعْتَبِرِينَ ; لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِمْ وَجَابِرَةٌ عَنْ تَقْصِيرِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: " مَنْ " لَيْسَتْ.
стр. 6244
بَيَانِيَّةٌ حَتَّى يَكُونَ تَشْبِيهًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، جَعَلَ فَهِيَ إِمَّا ابْتِدَائِيَّةٌ أَيِ الْحُمَّى نَشَأَتْ وَحَصَلَتْ مِنْ " فَيْحِ جَهَنَّمَ "، أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ أَيْ: بَعْضٌ مِنْهَا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ: " «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٌ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٌ فِي الصَّيْفِ» ". الْحَدِيثُ، فَكَمَا أَنَّ حَرَارَةَ الصَّيْفِ أَثَرٌ مِنْ فَيْحِهَا كَذَلِكَ الْحُمَّى، (فَابْرِدُوهَا بِالْمَاءِ) : بِهَمْزِ الْوَصْلِ وَفِي نُسْخَةٍ بِقَطْعِهَا أَيْ بَرِّدُوا شِدَّةَ حَرَارَتِهَا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْبَارِدِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الشُّرْبَ وَالِاغْتِسَالَ وَالصَّبَّ عَلَى بَعْضِ الْبَدَنِ كَالْجَبِينِ وَكُفُوفِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، قِيلَ: وَهُوَ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْحُمِّيَاتِ الْحَادِثَةِ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَرَارَةِ، وَبِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ كَأَهْلِ الْحِجَازِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحُمِّيَاتِ الَّتِي يَعْرِضُ لَهُمْ عَنْ كَثْرَةِ الْحَرَارَةِ وَشِدَّتِهَا فَيَنْفَعُهَا الْمَاءُ الْبَارِدُ شُرْبًا وَغُسْلًا، فَإِنَّهُ ﷺ «كَانَ " إِذَا حُمَّ دَعَا بِقِرْبَةِ مَاءٍ فَأَهْرَقَهَا عَلَى بَدَنِهِ» " ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَهُوَ شِفَاءٌ لِكُلِّ سَقَمٍ عَلَى مَا وَرَدَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: أَيِ اسْقُوا الْمَحْمُومَ الْمَاءَ لِيَقَعَ بِهِ التَّبْرِيدُ، وَقَدْ وُجِدَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَطِبَّاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ: إِنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ الْأَدْوِيَةَ وَأَنْجَعُهَا فِي التَّبْرِيدِ عَنِ الْحُمَّيَاتِ الْحَارَّةِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْسَابُ بِسُهُولَةٍ فَيَصِلُ إِلَى أَمَاكِنِ الْعِلَّةِ، وَيَدْفَعُ حَرَارَتَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى مُعَاوَنَةِ الطَّبِيعَةِ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِذَلِكَ عَنْ مُقَاوَمَةِ الْعِلَّةِ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: أَيِ أَسْكِنُوا حَرَّهَا بِهِ مَعَ هَمْزِ وَصْلٍ وَقَطْعِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْغُسْلَ، بَلِ الرَّشَّ بَيْنَ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ، كَمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ، وَهِيَ أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَبِضَمِّ الرَّاءِ كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَاطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَنَّهُ يُقَالُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ فِي لُغَةٍ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ اهـ.
وَفِي الْقَامُوسِ: بَرَّدَهُ بَرْدًا جَعْلَهُ بَارِدًا، أَوْ خَلَطَهُ بِالثَّلْجِ، وَأَبْرَدَهُ جَاءَ بِهِ بَارِدًا، وَلَهُ سَقَاهُ بَارِدًا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ غَلَطَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ، فَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ لَمَّا أَصَابَتْهُ الْحُمَّى، فَاحْتَقَنَتِ الْحَرَارَةُ فِي بَاطِنِ بَدَنِهِ فَأَصَابَتْهُ عِلَّهٌ صَعْبَةٌ كَادَ يَهْلَكُ فِيهَا، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِلَّتِهِ قَالَ قَوْلًا فَاحِشًا لَا يُحْسِنُ ذِكْرُهُ، وَذَلِكَ لِجَهْلِهِ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ، وَذَهَابِهِ عَنْهُ، فَتَبْرِيدُ الْحُمَّى الصَّفْرَاوِيَّةِ بِسَقْيِ الْمَاءِ الصَّادِقِ الْبَرْدِ، وَوَضْعُ أَطْرَافِ الْمَحْمُومِ فِيهِ مِنْ أَنْفَعِ الْعِلَاجِ وَأَسْرَعِهِ إِلَى إِطْفَاءِ نَارِهَا وَكَسْرِ لَهِيبِهَا، فَإِنَّمَا أُمِرَ بِإِطْفَاءِ الْحُمَّى وَتَبْرِيدِهَا بِالْمَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ دُونَ الِانْغِمَاسِ فِيهِ، وَغَطِّ الرَّأْسِ فِيهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: أَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ لَيْسَ فِيهِ مَا يُبَيِّنُ صِفَتَهُ وَحَالَتَهُ، وَالْأَطِبَّاءُ يُسَلِّمُونَ أَنَّ الْحُمَّى الصَّفْرَاوِيَّةَ يُدَبَّرُ صَاحِبُهَا بِسَقْيِ الْمَاءِ الْبَارِدِ الشَّدِيدِ الْبُرُودَةِ، وَيَسْقُونَهُ الثَّلْجَ، وَيَغْسِلُونَ أَطْرَافَهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْحُمَّى وَالْغُسْلُ نَحْوَ مَا قَالُوهُ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ هُنَا فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَسْمَاءَ: «أَنَّهُ يُؤْتَى بِالْمَرْأَةِ الْمَوْعُوكَةِ فَتَصُبُّ الْمَاءَ فِي جَيْبِهَا، وَتَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ» " فَهَذِهِ أَسْمَاءُ رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ، وَقُرْبُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَعْلُومٌ، وَتُؤَوِّلُ الْحَدِيثَ عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَاهُ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْمُلْحِدِ الْمُعْتَرِضِ إِلَّا اخْتِرَاعُهُ الْكَذِبَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمَّا مَا رَوَيْنَاهُ عَنِ التِّرْمِذِيَّ، عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا أَصَابَ أَحَدُكُمُ الْحُمَّى، فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ، فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي نَهْرٍ جَارٍ، وَلِيَسْتَقْبِلْ جَرْيَتَهُ فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ وَصَدِّقْ رَسُولَكَ» " إِلَى قَوْلِهِ: " فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ "، وَالْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ مَذْكُورٌ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَنَائِزِ فَشَيْءٌ خَارِجٌ عَنْ قَوَاعِدِ الطَّبِيعَةِ دَاخِلٌ فِي قِسْمِ الْمُعْجِزَاتِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ. أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ: صَدِّقْ رَسُولَكَ، وَفِي آخِرِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَقَدْ شُوهِدَ وَجُرِّبَ، وَوُجِدَ كَمَا نَطَقَ بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ وَصَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُ قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي مَحَلِّهِ مَبْسُوطًا، لَكِنْ جَعْلُ الطِّيبِيِّ هُنَا قَوْلَهُ ﷺ وَفِي آخِرِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِهِ خَارِقًا لِلْعَادَةِ عَجِيبٌ غَرِيبٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، فَإِنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا سَوَاءٌ الْمُعْجِزَاتُ وَالْكَرَامَاتُ وَمَوَافِقُ الْعَادَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ بِالْإِجْمَاعِ بِلَا نِزَاعٍ، وَأَمَّا قَوْلُ عِيسَى ﵇: وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، فَإِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى الْإِذْنِ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَإِمَّا إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا اسْتِقْلَالَ لِلْعَبْدِ فِي فِعْلِهِ، وَرَدًّا عَلَى مَنْ يَدَّعِي فِيهِ الْأُلُوهِيَّةَ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6245
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ جَهَنَّمَ فَنَحُّوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ» ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنْ أَنَسٍ: " «الْحُمَّى حَظُّ أُمَّتِي مِنْ جَهَنَّمَ» "، وَفِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ: " الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ جَهَنَّمَ وَهِيَ نَصِيبُ الْمُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ عَائِشَةَ " «الْحُمَّى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النَّارِ» ". وَفِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ لِلدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَنَسٍ " «الْحُمَّى شَهَادَةٌ» ". وَرَوَى الْقُضَاعِيُّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ " «الْحُمَّى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النَّارِ وَحُمَّى لَيْلَةٍ تُكَفِّرُ خَطَايَا سَنَةٍ مُجَرَّمَةٍ» ": بِالْجِيمِ أَيْ تَامَّةٌ. وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ أَسَدِ بْنِ كَرَزٍ " «الْحُمَّى تَحُتُّ الْخَطَايَا كَمَا تَحُتُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» ". وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنْ أَنَسٍ " «الْحُمَّى رَائِدَةُ الْمَوْتِ وَسِجْنُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» ". وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا: «الْحُمَّى زَائِدُ الْمَوْتِ، وَهِيَ سِجْنُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ لِلْمُؤْمِنِ، يَحْبِسُ بِهَا عَبْدَهُ إِذَا شَاءَ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ إِذَا شَاءَ، فَغَيِّرُوهَا بِالْمَاءِ» ، وَكَذَا ذَكَرَهُ هُنَا وَالزُّهْدُ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الْمَرَضِ وَالْكَفَّارَاتِ.
стр. 6246
٤٥٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَّةِ وَالنَّمْلَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٥٢٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرُّقْيَةِ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرُّخْصَةُ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ النَّهْيِ، وَكَانَ ﷺ قَدْ نَهَى عَنِ الرُّقَى لِمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ فِيهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الرُّقَى، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِيهَا إِذَا عَرِيَتْ عَنِ الْأَلْفَاظِ الْجَاهِلِيَّةِ. قُلْتُ: وَسَيَجِيءُ هَذَا الْمَعْنَى قَرِيبًا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ. (مِنَ الْعَيْنِ) : أَيْ مِنْ أَجْلِ إِصَابَةِ عَيْنِ الْجِنِّ أَوِ الْإِنْسِ، وَالْمُرَادُ بِالرُّقْيَةِ هُنَا مَا يُقْرَأُ مِنَ الدُّعَاءِ وَآيَاتِ الْقُرْآنِ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ مِنْهَا: مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا " «بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ» " وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ: «بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يُشْفِيكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ عَيْنٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَنِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي فَقَالَ: " أَلَا أَرْقِيَكَ بِرُقْيَةٍ رَقَانِي بِهَا جِبْرِيلُ ﵇؟ فَقُلْتُ: بَلَى بِأَبِي وَأُمِّي. فَقَالَ: " بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ وَاللَّهُ يُشْفِيكَ مِنْ كُلِّ دَاءٍ فِيكَ مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ: ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ: مِنَ الْعَيْنِ مِنْ أَجْلِ وَجَعِهَا وَرَمَدِهَا لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ مَرْفُوعًا " «مَنْ أُصِيبَ بِعَيْنٍ رُقِيَ بِقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ حَرَّهَا وَبَرْدَهَا وَوَصَبَهَا ". ثُمَّ قَالَ: " قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ» ".
(وَالْحُمَةُ) : أَيْ: وَمِنَ الْحُمَةِ وَهُوَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ السُّمُّ وَقَدْ يُشَدَّدُ، وَأَنْكَرَهُ الْأَصْمَعِيُّ، وَيُطْلَقُ عَلَى إِبْرَةِ الْعَقْرَبِ لِلْمُجَاوَرَةِ، لِأَنَّ السُّمَّ مِنْهَا يَخْرُجُ وَأَصْلُهَا حُمَّى أَوَحَمْوٌ بِوَزْنِ صَرْدٍ، وَالْهَاءُ فِيهِ عِوَضٌ مِنَ الْوَاوِ أَوِ الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ. وَفِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «عَرَضْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُقْيَةً مِنَ الْحُمَةِ فَأَذِنَ لَنَا. وَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ مِنْ مَوَاثِيقِ الْجِنِّ بِسْمِ اللَّهِ شَجَّةٌ قَرْنِيَّةٌ مُلْحَةُ بَحْرِ قَفْطَا» ، أَمَّا أَلْفَاظُهَا فَكَمَا ضَبَطْنَاهُ بِالْقَلَمِ عَلَى مَا سَمِعْنَا مِنْ أَفْوَاهِ الْمَشَايِخِ وَرَأَيْنَاهُ بِخُطُوطِهِمْ، وَأَمَّا مَعَانِيهَا فَلَا تُعْرَفُ صَرَّحَ بِهِ الْعُلَمَاءُ، لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مَعْرُوضَةً لَدَيْهِ ﷺ جَازَ أَنْ يُرْقَى بِهَا.
(وَالنَّمْلَةُ) : أَيْ: وَمِنَ النَّمْلَةِ وَهِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمِيمِ عَلَى مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَهِيَ قُرُوحٌ تَخْرُجُ بِالْجَنْبِ وَغَيْرِهِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَكَأَنَّهَا سُمِّيَتْ نَمْلَةٌ لِتَغَشِّيهَا وَانْتِشَارِهَا شَبَّهَ ذَلِكَ بِالنَّمْلَةِ وَدَبِيبِهَا. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: هِيَ بُثُورٌ صِغَارٌ مَعَ وَرَمٍ يَسِيرٍ، ثُمَّ تَتَقَرَّحُ فَتُشْفَى وَتَتَّسِعُ، وَيُسَمِّيهَا الْأَطِبَّاءُ الذُّبَابَ، وَيُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ نَارُ فَارِسِيِّ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُدَاوِي مَنْ بِهِ قُرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ بِأَنْ يَضَعَ أُصْبُعَهُ السَّبَّابَةُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا قَائِلًا " بِاسْمِ اللَّهِ هَذِهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» "، وَالتَّقْدِيرُ أَتَبَرَّكُ بِاسْمِ اللَّهِ هَذِهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا مَعْجُونَةٌ بِرَيْقَةِ بَعْضِنَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتْفِلُ عِنْدَ الرُّقْيَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الرُّقَى مِنْ كُلِّ الْآلَامِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَمْرًا فَاشِيًّا مَعْلُومًا بَيْنَهُمْ. قَالَ: وَوَضْعُ النَّبِيُّ ﷺ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ وَوَضْعُهَا عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّقَى اهـ.
стр. 6247
وَالْمُرَادُ بِأَرْضِنَا جُمْلَةُ الْأَرْضِ كَذَا قَالُوا، وَقِيلَ أَرْضُ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً لِبَرَكَتِهَا. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِأَرْضِنَا أَرْضَ الْإِسْلَامِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رِيقِ نَفْسِهِ عَلَى أُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ، ثُمَّ يَضَعَهَا عَلَى التُّرَابِ لِيَتَعَلَّقَ بِهَا شَيْءٌ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ بِهِ عَلَى الْمَوْضِعِ الْعَلِيلِ أَوِ الْجَرِيحِ، وَيَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ فِي حَالِ الْمَسْحِ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ بَدْءَ خَلْقِنَا مِنْ طِينٍ، وَأَنَّهُ تَعَالَى كَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِنَا سَوِيًّا فِي الِابْتِدَاءِ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى صِحَّةِ أَبْدَانِنَا مِنْ خُرُوجٍ وَقُرُوحٍ فِي الِانْتِهَاءِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6248
٤٥٢٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَسْتَرْقِيَ مِنَ الْعَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٥٢٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَسْتَرْقِيَ) : بِالنُّونِ. عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْيَاءِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: نَطْلُبَ الرُّقْيَةَ أَوْ نَسْتَعْمِلَهَا. (مِنَ الْعَيْنِ) : أَيْ: مِنْ رَمَدِهَا أَوْ إِصَابَتِهَا فَانْدَفَعَ، مَا قِيلَ هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَنْ أَصَابَتْهُ عَيْنٌ مِنَ الْإِنْسِ أَوِ الْجِنِّ يُسْتَحَبُ أَنْ يُرْقَى اهـ. وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِرُقِيِّ الْعَيْنِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ الْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ،» وَالْمُرَادُ بِالْمُعَوَّذَاتِ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَقِيلَ بِكَسْرِهَا سُورَةُ الْفَلَقِ وَالنَّاسِ. وَجُمِعَ إِمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تَقَعُ بِهَا مِنَ السُّورَتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُعَوَّذَاتِ هَاتَانِ السُّورَتَانِ مَعَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَأَطْلَقَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُضَمَّ مَعَهَا قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ قِرَاءَةً وَكِتَابَةً وَتَعْلِيقًا وَشُرْبًا. وَفِي الْبُخَارِيِّ قَالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: كَيْفَ يَنْفُثُ؟ قَالَ: يَنْفُثُ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ؟ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَجَسَدَهُ اهـ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي دَفْعِ الْعَيْنِ قِرَاءَةَ آيَةِ ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [القلم: ٥١] إِلَى آخِرَ السُّورَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6249
٤٥٢٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ - تَعْنِي صُفْرَةً - فَقَالَ: " اسْتَرْقُوا لَهَا، فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٥٢٨ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً) : أَيْ: بِنْتًا أَوْ مَمْلُوكَةً (فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيَجُورُ ضَمُّهُ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: عَلَامَةٌ، مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقِيلَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُ، وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنَ السَّفْعِ، وَهُوَ الْأَخْذُ، وَقِيلَ السَّفْعَةُ الْعَيْنُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ تَفْسِيرُ الرَّاوِي (تَعْنِي صُفْرَةً) : أَيْ: تُرِيدُ أَمُّ سَلَمَةَ بِقَوْلِهَا سَفْعَةً صُفْرَةً بِضَمِّ أَوَّلِهِ (فَقَالَ: اسْتَرْقُوا) ؟ أَيِ: اطْلُبُوا الرُّقْيَةَ أَوْ مَنْ يَرْقِي: (لَهَا) أَيْ: لِلْجَارِيَةِ (فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ) : وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَعْنَى أَنَّ السَّفْعَةَ أَدْرَكَتْهَا مِنْ قِبَلِ النَّظْرَةِ فَاطْلُبُوا لَهَا الرُّقْيَةَ اهـ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهَا أَصَابَتْهَا الْعَيْنُ مِنَ الْجِنِّ قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَقَدْ قِيلَ: عُيُونُ الْجِنِّ أَنْفَذُ مِنْ أَسِنَّةِ الرِّمَاحِ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: أَنَّ الْعَيْنَ مِنَ الْإِنْسِ أَوِ الْجِنِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ فِي النِّهَايَةِ: جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَمْرِ بِالرُّقْيَةِ وَمِنَ النَّهْيِ قَوْلُهُ: " لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ ". وَالْأَحَادِيثُ فِي الْقِسْمَيْنِ كَثِيرَةٌ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرُّقَى يُكْرَهُ مِنْهَا مَا كَانَ بِغَيْرِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَبِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ فِي كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ، وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الرُّقْيَةَ نَافِعَةٌ لَا مَحَالَةَ فَيَتَّكِلُ عَلَيْهَا وَإِيَّاهَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: مَا تَوَكَّلَ مَنِ اسْتَرْقَى، وَلَا يُكْرَهُ مِنْهَا مَا كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَالتَّعَوُّذِ بِالْقُرْآنِ، وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالرُّقَى بِالْمَرْوِيَّةِ. لِذَلِكَ قَالَ ﷺ لِلَّذِي رَقَى بِالْقُرْآنِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَجْرًا: " «مَنْ أَخَذَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ فَقَدْ أَخَذْتُ بِرُقْيَةِ حَقٍّ» ".
стр. 6250
٤٥٢٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَأَنْتَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: " مَا أَرَى بِهَا بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٥٢٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّقَى» ) : أَيْ: جَمْعُ رُقْيَةٍ (فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) : أَيْ: أَوْلَادُهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكْنَى أَبَا الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ، وَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَجْرَانَ سَنَةَ عَشْرٍ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ) : أَيِ: الشَّأْنُ (كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ) : أَيْ: مَحْفُوظَةٌ مُجَرَّبَةٌ (نَرْقِي) : بِفَتْحِ النُّونِ.
стр. 6251
وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ: نَدْعُوا (بِهَا) : أَيْ: بِتِلْكَ الرُّقْيَةِ (مِنَ الْعَقْرَبِ) : أَيْ: مِنْ أَجْلِ سُمِّهَا أَوْ لَدْغِهَا (وَأَنْتَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى) : وَبِهَا مُقَدَّرٌ أَيْ: فَقَالَ: " اعْرِضُوا رُقْيَتَكُمْ عَلَيَّ وَاتْلُوهَا لَدَيَّ " (فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَرَى) : أَيْ مَا أَعْلَمُ (بِهَا بَأْسًا) : أَيْ: كَرَاهِيَةً (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ) : أَيْ: بِشَيْءٍ مُبَاحٍ (فَلْيَنْفَعْهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) :. كَذَا أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 6252
٤٥٣٠ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: " اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٥٣٠ - (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ خَيْبَرُ، وَكَانَ، مَعَ رَايَةِ أَشْجَعَ يَوْمَ الْفَتْحِ، سَكَنَ الشَّامَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (قَالَ: «كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ» ) : بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ رُقْيَةٍ (لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ) : أَيْ: كُفْرٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6253
٤٥٣١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْعَيْنُ حَقٌّ، فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرِ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٥٣١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْعَيْنُ) : أَيْ: أَثَرُهَا (حَقٌّ) : وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يُعَانُ إِلَّا بَعْدَ كَمَالِهِ وَكُلُّ كَامِلٍ يَعْقُبُهُ النَّقْصُ وَلَمَّا كَانَ ظُهُورُ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْعَيْنِ أُضِيفَ ذَلِكَ إِلَيْهَا (فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ) : أَيْ: غَالِبَهُ فِي السَّبْقِ (سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) : أَيْ: لَغَلَبَتْهُ الْعَيْنُ، وَالْمَعْنَى: لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَسْبِقَ الْقَدَرَ شَيْءٌ، فَيُؤَثِّرُ فِي إِفْنَاءِ شَيْءٍ وَزَوَالِهِ قَبْلَ أَوَانِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ سَبَقَتِ الْعَيْنُ الْقَدَرَ، وَحَاصِلُهُ: أَنْ لَا هَلَاكَ وَلَا ضَرَرَ بِغَيْرِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، فَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لِكَوْنِهَا سَبَبًا فِي شِدَّةِ ضَرَرِهَا، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْعَيِنَ يَفْسَدُ وَيَهْلَكُ عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ أَنَّ يُخْلَقَ الضَّرَرُ عِنْدَ مُقَابَلَةِ هَذَا الشَّخْصِ بِشَخْصٍ آخَرَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ إِثْبَاتُ الْقَدَرِ، وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ فَرْضَ شَيْءٍ لَهُ قُوَّةٌ وَتَأْثِيرٌ عَظِيمٌ سَبَقَ الْقَدَرَ لَكَانَ عَيْنًا. وَالْعَيِنُ لَا يُسْبَقُ فَكَيْفَ لِغَيْرِهَا؟ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ قَوْلُهُ: " الْعَيْنُ حَقٌّ " أَيِ: الْإِصَابَةُ بِالْعَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَحَقَّقَ كَوْنُهُ، وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ " كَالْمُؤَكِّدِ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى سُرْعَةِ نُفُوذِهَا وَتَأْثِيرِهَا فِي الذَّوَاتِ، (وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَاغْسِلُوا) : كَانُوا يَرَوْنَ أَنْ يُؤْمَرَ الْعَائِنُ فَيَغْسِلُ أَطْرَافَهُ وَمَا تَحْتَ الْإِزَارِ، فَتُصَبُّ غُسَالَتُهُ عَلَى الْمَعْيُونِ يَسْتَشْفُونَ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يَمْتَنِعُوا عَنِ الِاغْتِسَالِ إِذَا أُرِيدَ مِنْهُمْ ذَلِكَ، وَأَدَّى مَا فِي ذَلِكَ دَفْعُ الْوَهْمِ الْحَاصِلِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُنْكِرَ الْخَوَاصَّ الْمُودَعَةَ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ، وَيَسْتَبْعِدَهَا مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ شَهِدَ بِهَا الرَّسُولُ ﷺ وَأَمَرَ بِهَا، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الْحِسَانِ مِنْ هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ لِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ؟ رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ رَأَى صَبِيًّا مَلِيحًا فَقَالَ: دَسِّمُوا نُونَتَهُ كَيْلَا تُصِيبَهُ الْعَيْنُ، وَمَعْنَى دَسِّمُوا: سَوِّدُوا، وَالنُّونَةُ النَّقْرَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي ذَقَنِ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، وَرُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى مِنْ مَالِهِ شَيْئًا يُعْجِبُهُ أَوْ دَخَلَ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِهِ قَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ [الكهف: ٤٠] الْآيَةُ.
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْمَازِرِيُّ: الْعَيْنُ حَقٌّ، لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَنْكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ: أَنَّ كُلَّ مَعْنًى لَا يُؤَدِّي إِلَى قَلْبِ حَقِيقَةٍ وَلَا فَسَادِ دَلِيلٍ، فَإِنَّهُ مِنْ مُجَوَّزَاتِ الْعُقُولِ، فَإِذَا أَخْبَرَ الشَّرْعُ بِوُقُوعِهِ وَجَبَ اعْتِقَادُهُ وَلَا يَجُوزُ تَكْذِيبُهُ. قُلْتُ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَكْذِيبِهِمْ هَذَا وَتَكْذِيبِهِمْ بِالْخَبَرِيَّةِ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَدْ زَعَمَ الطَّبِيعِيُّونَ الْمُتَتَبِّعُونَ الْعَيْنَ: أَنَّ الْعَائِنَ يَنْبَعِثُ عَنْ عَيْنِهِ قُوَّةٌ سُمِّيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالْمَعِينِ فَتُهْلِكُ أَوْ تُفْسِدُ. قَالُوا: وَلَا يَمْتَنِعُ هَذَا كَمَا لَا يَمْتَنِعُ انْبِعَاثُ قُوَّةٍ سُمِّيَّةٍ مِنَ الْأَفْعَى، وَالْعَقْرَبُ تَتَّصِلُ بِاللَّدِيغِ فَتَهْلِكُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْسُوسٍ لَنَا.
стр. 6254
قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّا بَيَّنَا فِي الْكُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ أَنْ لَا فَاعِلَ إِلَّا اللَّهُ، وَبَيَّنَّا فَسَادَ الْقَوْلِ بِالطَّبَائِعِ، وَأَقْرَبُ الطُّرُقِ مَا قَالَهُ بَعْضُ مَنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ مِنْهُمْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَنْبَعِثَ مِنَ الْعَائِنِ جَوَاهِرُ لَطِيفَةٌ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ مِنَ الْعَيْنِ، فَتَتَّصِلُ بِالْمَعِينِ وَتَتَخَلَّلُ مَسَامَ جِسْمِهِ، فَيَخْلُقُ اللَّهُ الْهَلَاكَ عِنْدَهَا، كَمَا يَخْلُقُ الْهَلَاكَ عِنْدَ شُرْبِ السُّمُومِ عَادَةً أَجْرَاهَا اللَّهُ ، وَالْمَازِرِيُّ أَحَدُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ أَطْنَبَ فِي إِثْبَاتِهِ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِّيُّ فِي سُورَةِ يُوسُفَ ﵇ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧] فَلْيَنْظُرْ هُنَاكَ مَنْ أَرَادَ زِيَادَةَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَأَمَّا الْجُمْلَةُ الْأُولَى وَهِيَ " الْعَيْنُ حَقٌّ " فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " الْعَيْنُ حَقٌّ تَسْتَنْزِلُ الْحَالِقَ " أَيِ: الْجَبَلُ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَدِيٍّ وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا: " الْعَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَتُدْخِلُ الْجَمَلَ الْقِدْرَ ". وَفِي رِوَايَةِ الْكَحَجِيِّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " الْعَيْنُ حَقٌّ وَيَحْضُرُ بِهَا الشَّيْطَانُ وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ.
стр. 6255
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٥٣٢ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَنَتَدَاوَى؟ قَالَ: " نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ! تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ، الْهَرَمُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٥٣٢ - (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ) : صَحَابِيٌّ ﵁، قَالَ: قَالُوا) : أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَنَتَدَاوَى؟) : أَيْ: أَنَتْرُكُ تَرْكَ الْمُعَالَجَةِ فَنَطْلُبُ الدَّوَاءَ إِذَا عُرِضَ الدَّاءُ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَى خَالِقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ؟ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ، وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِرِوَايَةِ الرَّاوِي. أَنَّهُ ﷺ قَالَ: (نَعَمْ) : وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيِّ: الْفَاءُ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ تَسْتَدْعِيهِ الْهَمْزَةُ يَعْنِي: أَنَعْتَبِرُ الطِّبَّ فَنَتَدَاوَى أَوْ نَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَنَتْرُكُ التَّدَاوِيَ؟ فَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَا يُلَائِمُهُ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، وَأَيْضًا جَعْلُ التَّوَكُّلِ مِنْ قِسْمِ تَرْكِ التَّدَاوِي غَيْرَ صَحِيحٍ فِي الْمَعْنَى. (يَا عِبَادَ اللَّهِ) : إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّدَاوِيَ لَا يُنَافِي الْعُبُودِيَّةَ، وَلَا يَدَعُ التَّوَكُّلَ عَلَى صَاحِبِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ: " اعْقِلْ وَتَوَكَّلْ ".
(تَدَاوُوا) : تَأْكِيدًا لِمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: " نَعَمْ "، وَالْمَعْنَى تَدَاوُوا وَلَا تَعْتَمِدُوا فِي الشِّفَاءِ عَلَى التَّدَاوِي، بَلْ كُونُوا عِبَادَ اللَّهِ مُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ، وَمُفَوِّضِينَ الْأُمُورَ إِلَيْهِ، وَكَذَا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: (فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ، الْهَرَمِ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالرَّاءِ وَهُوَ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ دَاءٍ، وَقِيلَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُوَ، أَوْ مَنْصُوبٍ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَالْمُرَادُ بِهِ الْكِبَرُ، وَجَعَلَهُ دَاءً تَشْبِيهًا لَهُ، فَإِنَّ الْمَوْتَ يَعْقُبُهُ كَالْأَدْوَاءِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَنْبَعُ الْأَدْوَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَطِبَّاءِ: سَمْعِي ضَعِيفٌ، فَقَالَ: مِنَ الْكِبَرِ. قَالَ فِي بَصَرِي غَشَيَانٌ، فَقَالَ: مِنَ الْكِبَرِ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي قُوَّةٌ عَلَى الْمَشْيِ وَعَلَى الْبَطْشِ، وَلِي انْكِسَارٌ فِي الظَّهْرِ، وَوَجَعٌ فِي الْجَنْبِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. فَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهَا: إِنَّهُ مِنَ الْكِبَرِ، فَسَاءَ خُلُقُهُ، فَقَالَ: مَا أَجْهَلَكَ كُلُّهُ مِنَ الْكِبَرِ، فَقَالَ: هَذَا أَيْضًا مِنَ الْكِبَرِ، وَقَدْ قَالُوا: مَنِ ابْتُلِيَ بِالْكِبَرِ فَقَدِ ابْتُلِيَ بِأَلْفِ دَاءٍ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ: الدَّاءُ: خُرُوجُ الْبَدَنِ وَالْعُضْوِ عَنِ اعْتِدَالِهِ بِإِحْدَى الدَّرَجِ الْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا إِلَّا وَلَهُ ضِدٌّ وَشِفَاءُ الضِّدِّ بِضِدِّهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَذَّرُ اسْتِعْمَالُهُ لِلْجَهْلِ بِهِ، أَوْ فَقْدِهِ، أَوْ مَوَانِعَ أُخْرَى، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَهُوَ اضْمِحْلَالٌ طَبِيعِيٌّ وَطَرِيقٌ إِلَى الْفَنَاءِ ضَرُورِيٌّ، فَلَمْ يُوضَعْ لَهُ شِفَاءٌ، وَالْمَوْتُ أَجْلٌ مَكْتُوبٌ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «تَدَاوُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ» " إِلَخْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ، وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي شَرْحِ النَّقَايَةِ أَنَّهُ: رَوَى الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ عَنْهُ قَالَ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَهَلْ عَلَيْنَا جُنَاحٌ أَنْ نَتَدَاوَى؟ قَالَ: " تَدَاوُوا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً» ". وَفِي لَفْظَةٍ: " «إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» "
стр. 6256
٤٥٣٣ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ؟ فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤٥٣٣ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تُكْرِهُوا) : نَهْيٌ مِنَ الْإِكْرَاهِ (مَرْضَاكُمْ) : جَمْعُ مَرِيضٍ (عَلَى الطَّعَامِ) : أَيْ: عَلَى تَنَاوُلِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِلْغِذَاءِ وَفِي مَعْنَاهَا مَا يُعْطِي لَهُمْ لِلدَّوَاءِ (فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ أَيْ: يَمُدُّهُمْ بِمَا يَقَعُ مَوْقِعَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَيَرْزُقُهُمْ صَبْرًا عَلَى أَلَمِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ وَالْقُوَّةَ مِنَ اللَّهِ حَقِيقَةً لَا مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ. قَالَ الْقَاضِي: أَيْ يَحْفَظُ قُوَاهُمْ وَيَمُدُّهُمْ بِمَا يُفِيدُ فَائِدَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي حِفْظِ الرُّوحِ وَتَقْوِيمِ الْبَدَنِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﷺ : " «أَبَيْتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» " وَإِنْ كَانَ مَا بَيْنَ الْإِطْعَامَيْنِ وَالطَّعَامَيْنِ بَوْنًا بَعِيدًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا الْحَاكِمُ، (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 6257
٤٥٣٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنَ الشَّوْكَةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤٥٣٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَوَى) : أَيْ: بِيَدِهِ أَوْ أَمَرَ بِأَنْ يُكْوَى أَحَدٌ (أَسْعَدَ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْعَيْنِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ (ابْنَ زُرَارَةَ) : بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ الرَّاءَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، وَفِي آخِرِهِ تَاءٌ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (مِنَ الشَّوْكَةِ) : أَيْ: مِنْ أَجْلِهَا وَهِيَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ: حُمْرَةٌ تَعْلُو الْوَجْهَ وَالْجَسَدَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 6258
٤٥٣٥ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَدَاوَى مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ الْبَحْرِيِّ وَالزَّيْتِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٥٣٥ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكْنَى أَبَا عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ، سَكَنَ الْكُوفَةَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، رَوَى عَنْهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ. (قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَدَاوَى مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ الْبَحْرِيِّ» ) : وَقَدْ سَبَقَ (وَالزَّيْتِ) : إِمَّا يَأْكُلُهُ وَإِمَّا بِتَدْهِينِهِ أَوْ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا؟ لِمَا وَرَدَ: " «كُلُوا الزَّيْتَ وَادْهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» " عَلَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي غَيْرِهِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " كُلُوا الزَّيْتَ وَادْهِنُوا بِهِ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ سَبْعِينَ دَاءً مِنْهَا الْجُذَامُ ". وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَامِرٍ: " عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُبَارَكَةِ زَيْتِ الزَّيْتُونِ فَتَدَاوُوا بِهِ فَإِنَّهُ مَصَحَّةٌ مِنَ الْبَاسُورِ ". ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ أَنْ يُتَدَاوَى بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي اللَّدُودِ كَمَا سَبَقَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 6259
٤٥٣٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْعَتُ الزَّيْتَ وَالْوَرْسَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٥٣٦ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْعَتُ الزَّيْتَ وَالْوَرْسَ) : أَيْ: يَصِفُ حُسْنَهُمَا وَيَمْدَحُ التَّدَاوِيَ بِهِمَا (مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ) : أَيْ: مِنْ أَجْلِ مُدَاوَاتِهَا، وَمِنِ ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ يَنْعَتُ بِهِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْوَرْسُ نَبْتٌ أَصْفَرٌ يُصْبَغُ بِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْوَرْسُ: شَيْءٌ يُشْبِهُ الزَّعْفَرَانَ يَحْسُنُ فِي مُدَاوَاةِ ذَاتِ الْجَنْبِ وَفِي الْقَامُوسِ: الْوَرْسُ نَبَاتٌ كَالسِّمْسِمِ، لَيْسَ إِلَّا بِالْيَمَنِ، يُزْرَعُ فَيَبْقَى عِشْرِينَ سَنَةً، نَافِعٌ لِلْكُلَى طِلَاءٌ، وَلِلْبَهَقِ شُرْبًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 6260
٤٥٣٧ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهَا: " بِمَ تَسْتَمْشِينَ؟ " قَالَتْ: بِالشُّبْرُمِ. قَالَ: " حَارٌّ جَارٌّ " قَالَتْ: ثُمَّ اسْتَمْشَيْتُ بِالسَّنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَوْ أَنَّ شَيْئًا كَانَ فِيهِ الشِّفَاءُ مِنَ الْمَوْتِ؟ لَكَانَ فِي السَّنَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤٥٣٧ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ) : بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هَاجَرَتْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ مُحَمَّدًا وَعَبْدَ اللَّهِ وَعَوْنًا، ثُمَّ هَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا قُتِلَ جَعْفَرٌ تَزَوَّجَهَا.
стр. 6261
أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا، فَلَمَّا مَاتَ الصِّدِّيقُ تَزَوَّجَهَا عَلَيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَوَلَدَتْ لَهُ يَحْيَى، رَوَى عَنْهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ اهـ. وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ﵃ أَجْمَعِينَ - (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: بِمَ تَسْتَمْشِينَ) أَيْ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَطْلُبِينَ الْإِسْهَالَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ شُرْبُ الْمَشْيِ، وَفِي النِّهَايَةِ: أَيْ بِمَا تُسَهِّلِينَ بَطْنَكِ؟ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَشْيُ الَّذِي يَعْرِضُ عِنْدَ شُرْبِ الدَّوَاءِ. (قَالَتْ بِالشُّبْرُمِ) : بِضَمِّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ فَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ مَضْمُومَةٍ نَبْتٌ يُسْهِلُ الْبَطْنَ، وَقِيلَ: هُوَ نَوْعٌ مِنَ الشِّيحِ يُقَالُ لَهُ بِالْعَجَمِيِّ دَرْمَنَهْ، وَقِيلَ حَبٌّ يُشْبِهُ الْحِمَّصَ يُطْبَخُ وَيُشْرَبُ مَاؤُهُ لِلتَّدَاوِي، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْعَقَاقِيرِ الْمُسَهِّلَةِ. (قَالَ: حَارٌّ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ (جَارٌّ) : وَكَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ، لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالْإِسْهَالِ، وَهُوَ عَلَى مَا ضَبَطْنَاهُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ. وَفِي الْكَاشِفِ: وَرُوِيَ حَارٌّ جَارٌّ بِالْجِيمِ اتِّبَاعًا لِلْحَارِّ أَوْ يَارٌّ بِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَالرَّاءُ مُشَدَّدَةٌ. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ: الْأَوَّلُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مِنَ الْحَرِّ، وَالثَّانِي بِجِيمٍ مِنَ الْجَرِّ وَفِي نُسْخَةٍ هُمَا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لِلتَّأْكِيدِ، وَفِي نُسْخَةٍ حَارٌّ يَارٌّ عَلَى أَنَّ يَارًّا تَابِعُ حَارٍّ، وَهُوَ فِي كَلَامِهِمْ أَكْثَرُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: جَارٌّ بِالْجِيمِ اتْبَاعٌ لِلْحَارِّ بِالْحَاءِ، وَكَذَلِكَ يَارٌّ بِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَالرَّاءُ الْمُشَدَّدَةُ، وَحَرَّانُ يَرَّانُ. وَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: حَارٌّ حَارٌّ أَيْ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِيهَا اهـ.
وَأَغْرَبَ مَنْ جَعَلَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى الْوَاقِعَةَ فِي الْمَصَابِيحِ أَصْلًا لِلْمِشْكَاةِ، وَقَدْ عَدَلَ عَنْهَا الْمُصَنِّفُ إِلَى مَا طَابَقَ الْأُصُولَ (قَالَتْ: ثُمَّ اسْتَمْشَيْتُ بِالسَّنَا) : بِفَتْحِ السِّينِ مَقْصُورًا وَهُوَ السَّنَا الْمَكِّيُّ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَفِي النِّهَايَةِ: السَّنَا بِالْقَصْرِ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ مِنَ الْأَدْوِيَةِ لَهُ خَمْلٌ إِذَا يَبِسَ، فَإِذَا حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ سُمِعَ لَهُ زَجَلٌ. الْوَاحِدَةُ سَنَاةٌ. وَفِي الْفَائِقِ: وَقَدْ يُرْوَى بِالْمَدِّ، وَفِي الْقَامُوسِ: بِالْمَدِّ نَبْتٌ مُسْهِلٌ لِلصَّفْرَاءِ وَالسَّوْدَاءِ وَالْبَلْغَمِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيْ بَعْدَمَا سَأَلَنِي ثَانِيًا أَوْ حِينَ ذَكَرْتُ لَهُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ اسْتِعْلَامًا وَاسْتِكْشَافًا (لَوْ أَنَّ شَيْئًا كَانَ فِيهِ الشِّفَاءُ مِنَ الْمَوْتِ؟ لَكَانَ فِي السَّنَا) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) : وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ حَرَامٍ: ( «عَلَيْكُمْ بِالسَّنَا وَالسَّنُّوتِ، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ» ) وَهُوَ الْمَوْتُ، وَالسَّنُّوتُ قِيلَ الْعَسَلُ، وَقِيلَ الرُّبُّ، وَقِيلَ الْكَمُّونُ. وَفِي الْقَامُوسِ: السَّنُّوتُ، كَتَنُّورٍ وَسِنَّوْرِ الزُّبْدِ، وَالْجُبْنُ، وَالْعَسَلُ، وَضَرْبٌ مِنَ التَّمْرِ، وَالرُّبُّ، وَالشِّبِتُّ، وَالرَّازِيَانِجُ، وَالْكَمُّونُ.
стр. 6262
٤٥٣٨ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوُوا، وَلَا تَدَاوُوا بِحَرَامٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٥٣٨ - (وَعَى أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ) : أَيْ: أَحْدَثَهُمَا وَأَوْجَدَهُمَا (وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً) : أَيْ: حَلَالًا (فَتَدَاوُوا) : أَيْ: بِحَلَالٍ (وَلَا تَدَاوُوا) . بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ (بِحَرَامٍ) : أَيْ: نَحْوَ بَوْلٍ وَخَمْرٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: دَوَاءٌ مُطْلَقٌ لَهُ شُيُوعٌ، فَلِذَلِكَ قَالَ: " وَلَا تَدَاوُوا بِحَرَامٍ " يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً حَرَامًا كَانَ أَوْ حَلَالًا فَلَا تَدَاوُوا بِالْحَرَامِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ كَلَامُهُ: أَنَّ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً حَلَالًا فَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ التَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ: فَتَدَاوُوا وَلَا تَدَاوُوا بِحَرَامٍ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ: خُلِقَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ مِنْ حَرَامٍ وَحَلَالٍ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، لَكِنْ يُخَالِفُ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، «أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوِيدٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْخَمْرِ، فَنَهَاهُ فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ. فَقَالَ: " إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهَا دَاءٌ» ". وَفِي لَفْظٍ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا» ". وَقَالَ السُّبْكِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] لِأَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَلَمَّا حُرِّمَتْ سُلِبَتِ الْمَنَافِعُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6263
٤٥٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٤٥٣٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ» ) : أَيْ: النَّجِسِ أَوِ الْحَرَامِ وَهُوَ أَعَمٌّ، وَفِي الْمَعْنَى أَتَمٌّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ زِيَادَةٍ: يَعْنِي السُّمَّ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقِيلَ. أَرَادَ بِهِ خُبْثَ النَّجَاسَةِ بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ مُحَرَّمٌ مِنْ خَمْرٍ أَوْ لَحْمِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ إِلَّا مَا خَصَّتْهُ السُّنَّةُ مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ. قُلْتُ: عَلَى خِلَافٍ فِيهِ؟ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَحِلُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَيَجُوزُ لِلتَّدَاوِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْخَبِيثَ مِنْ جِهَةِ الْمَطْعَمِ وَالْمَذَاقِ، وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ كُرْهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الطِّبَاعِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ طُعُومَ الْأَدْوِيَةِ كَرِيهَةٌ، وَلَكِنَّ بَعْضَهَا أَيْسَرُ احْتِمَالًا وَأَقَلُّ كَرَاهَةً اهـ. وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي النِّهَايَةِ.
قُلْتُ. وَقَدْ تَكُونُ الْكَرَاهَةُ لِلرَّائِحَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا هُوَ أَقَلُّ كَرَاهَةً أَقْرَبُ إِلَى قَبُولِ الطَّبِيعَةِ، مَعَ أَنَّ الطَّبَائِعَ مُخْتَلِفَةٌ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا الْحَاكِمُ.
стр. 6264
٤٥٤٠ - وَعَنْ سَلْمَى خَادِمَةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «مَا كَانَ أَحَدٌ يَشْتَكِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا فِي رَأْسِهِ إِلَّا قَالَ: " احْتَجِمْ " وَلَا وَجَعًا فِي رِجْلَيْهِ إِلَّا قَالَ: " اخْتَضِبْهُمَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٥٤٠ - (وَعَنْ سَلْمَى ﵂ : بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا لَامٌ سَاكِنَةٌ (خَادِمَةِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ أُمُّ رَافِعٍ صَحَابِيَّةٌ، رَوَى عَنْهَا ابْنُهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، وَهِيَ قَابِلَةُ إِبْرَاهِيمَ ابْنُ النَّبِيِّ ﷺ (قَالَتْ: مَا كَانَ أَحَدٌ يَشْتَكِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا فِي رَأْسِهِ) أَيْ: نَاشِئًا مِنْ كَثْرَةِ الدَّمِ (إِلَّا قَالَ) : أَيْ: لَهُ (احْتَجِمْ وَلَا وَجَعًا فِي رِجْلَيْهِ) أَيْ نَاشِئًا مِنَ الْحَرَارَةِ (إِلَّا قَالَ؟ اخْتَضِبْهُمَا) : أَيْ: بِالْحِنَّاءِ، وَالْحَدِيثُ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، لَكِنْ يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْتَفِيَ بِاخْتِضَابِ كُفُوفِ الرِّجْلِ، وَيَجْتَنِبَ صَبْغَ الْأَظْفَارِ احْتَرِازًا مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ مَا أَمْكَنَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6265
٤٥٤١ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «مَا كَانَ يَكُونُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُرْحَةٌ وَلَا نَكْبَةٌ إِلَّا أَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ عَلَيْهَا الْحِنَّاءَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٥٤١ - (وَعَنْهَا) : أَيْ. عَنْ سَلْمَى ﵂ (مَا كَانَ) : أَيِ: الشَّأْنُ (يَكُونُ) : بِالتَّذْكِيرِ. وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّأْنِيثِ أَيْ يُوجَدُ وَيَقَعُ. (بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُرْحَةً) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي زَائِدًا بِقَرِينَةِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مَا كَانَ أَحَدٌ يَشْتَكِي، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ زَائِدٍ بِالتَّأْوِيلِ أَيْ: مَا كَانَ قُرْحَةً تَكُونُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ.
وَالْقُرْحَةُ: بِفَتْحِ الْقَافِ وَيُضَمُّ، جِرَاحَةٌ مِنْ سَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وَقَدْ قُرِئَ فِيهِ بِالْوَجْهَيْنِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْفَتْحِ، وَفِي الْمُقَدِّمَةِ الْقَرْحُ: أَلَمُ الْجِرَاحِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْجِرَاحِ وَالْقُرُوحِ الْخَارِجِيَّةِ فِي الْجَسَدِ، وَمِنْهُ: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ، وَمِنْهُ: قُرِحَتْ أَشْدَاقُنَا أَيْ: أَصَابَتْهَا الْقُرُوحُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ: قَرَحَ الرَّجُلُ: أَلَمْ يَقْرَحْ قَرْحًا خَرَجَتْ بِهِ قُرُوحٌ، وَالِاسْمُ الْقُرْحُ بِالضَّمِّ، وَقِيلَ الْمَضْمُومُ وَالْمَفْتُوحُ لُغَتَانِ، كَالْجَهْدِ وَالْجُهْدِ، وَالْمَفْتُوحُ لُغَةُ الْحِجَازِ (وَلَا نَكْبَةٌ) : بِفَتْحِ النُّونِ جِرَاحَةٌ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَوْكٍ، وَلَا: زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ نُكِبَتْ أُصْبُعُهُ أَيْ: نَالَتْهَا الْحِجَارَةُ. (إِلَّا أَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ عَلَيْهَا الْحِنَّاءَ) : لِأَنَّهُ بِبُرُودَتِهِ يُخَفِّفُ حَرَارَةَ الْجِرَاحَةِ وَأَلَمَ الدَّمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)
стр. 6266
٤٥٤٢ - وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحْتَجِمُ عَلَى هَامَتِهِ، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: " مَنْ أَهْرَاقَ مِنْ هَذِهِ الدِّمَاءِ، فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَتَدَاوَى بِشَيْءٍ لِشَيْءٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٤٥٤٢ - (وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ ﵁ : بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ (الْأَنْمَارِيُّ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَضْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، نَزَلَ بِالشَّامِ، رَوَى عَنْهُ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، وَنَعِيمُ بْنُ زِيَادَةَ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحْتَجِمُ عَلَى هَامَتِهِ) : أَيْ: رَأَسِهِ، وَقِيلَ وَسَطُ رَأْسِهِ أَيْ: لِلسُّمِّ كَمَا سَيَأْتِي، وَرَفَعَهُ مَعْمَرٌ بِغَيْرِ سُمٍّ وَقَدْ أَضَرَّهُ (وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ هَذَا مَرَّةً وَذَاكَ مَرَّةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَهُمَا (وَهُوَ يَقُولُ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُؤَيِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ (مَنْ أَهْرَقَ) : أَيْ: أَرَاقَ وَصَبَّ (مِنْ هَذِهِ الدِّمَاءِ) . أَيْ: بَعْضِ هَذِهِ الدِّمَاءِ الْمُجْتَمِعَةِ فِي الْبَدَنِ الْمَحْسُوسِ آثَارُهَا عَلَى الْبَشَرَةِ، وَهُوَ الْمِقْدَارُ الْفَاسِدُ الْمَعْرُوفُ بِعَلَامَةٍ يَعْلَمُهَا أَهْلُهَا، (فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَتَدَاوَى بِشَيْءٍ) : أَيْ: آخَرُ (لِشَيْءٍ) : أَيْ مِنَ الْأَمْرَاضِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا هُوَ بِزِيَادَةِ الشَّيْءِ فِي أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ اهـ. وَلَعَلَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، فَعَلَى صَاحِبِهَا اعْتِرَاضٌ وَارِدٌ بَيَّنَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ بِالْفِعْلِ. وَصَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ.
стр. 6267
٤٥٤٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ عَلَى وَرِكِهِ مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٥٤٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ عَلَى وَرِكِهِ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَفِي الْقَامُوسِ: الْوَرِكُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ كَكَتِفِ مَا فَوْقَ الْفَخْذِ (مِنْ وَثْءٍ) . بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ فَهَمْزٌ أَيْ: مِنْ أَجْلِ وَجَعٍ يُصِيبُ الْعُضْوَ مِنْ غَيْرِ كَسْرٍ، وَقِيلَ هُوَ مَا يَعْرِضُ لِلْعُضْوِ مِنْ حَدَرٍ، وَقِيلَ هُوَ أَنْ يُصِيبَ الْعَظْمَ وَهَنٌ وَمِنَ الرُّوَاةِ مَنْ يَكْتُبُهَا بِالْيَاءِ وَيَتْرُكُ الْهَمْزَةَ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمَصَابِيحِ وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ كِتَابَةِ الْيَاءِ وَالْهَمْزِ، وَلَا يُقْرَأُ إِلَّا بِالْهَمْزِ أَوْ يُكْتَفَى بِالْهَمْزِ مِنْ غَيْرِ كِتَابَةِ الْيَاءِ وَهُوَ أَبْعَدُ مِنَ الِاشْتِبَاهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَذَا هُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَقَوْلُهُ: (كَانَ) أَيْ. الْوَثْءُ (بِهِ) : صِفَةٌ لِلْوَثْءِ: وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْوَثْءُ وَجَعٌ يُصِيبُ اللَّحْمَ لَا يَبْلُغُ الْعَظْمَ، أَوْ وَجَعٌ فِي الْعَظْمِ بِلَا كَسْرٍ أَوْ هُوَ الْفَكُّ وَبِهِ وَثْءٌ، وَلَا تَقُلْ: وَثْيٌّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6268
٤٥٤٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ: أَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا أَمَرُوهُ: " مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤٥٤٤ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَيْلَةَ) : بِالتَّنْوِينِ فِي نُسْخَةٍ، وَالصَّحِيحُ بِفَتْحِهَا مُضَافَةً إِلَى قَوْلِهِ: (أُسْرِيَ بِهِ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (أَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَى مَلَأٍ) : أَيْ: جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ تَمْلَأُ الْعَيْنَ (مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا أَمَرُوهُ) : وَهَذَا نَقْلٌ بِالْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَوْلُهُ: (مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ) : بَيَانٌ لِلْأَمْرِ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ، وَيَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِهِ أَمْرُهُمْ جَمِيعًا، وَتَقْرِيرُهُ ﷺ وَنَقْلُهُ عَنْهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ أَيْضًا، هَذَا وَقَدْ تَجِبُ الْحِجَامَةُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
стр. 6269
٤٥٤٥ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ: «إِنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٥٤٥ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ تَيْمِيٌّ قُرَشِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، صَحَابِيٌّ وَقِيلَ: أَنَّهُ أَدْرَكَ وَلَيْسَ لَهُ رِوَايَةٌ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ اهـ. فَعَلَى مَا قِيلَ رِوَايَاتُهُ مُرْسَلَةٌ وَهُوَ لَا يَضُرُّ إِذْ
стр. 6270
مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ مَقْبُولَةٌ اتِّفَاقًا، بِخِلَافِ مَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ، فَإِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ إِلَّا فِيمَا يَعْتَضِدُ (أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ، وَرُوِيَ بِفَتْحِ الدَّالِّ أَيْضًا. قَالَ الْقَاضِي. هُوَ بِكَسْرِ الدَّالِّ عَلَى مِثَالِ الْخِنْصَرِ وَالْعَامَّةُ بِفَتْحِهَا. وَقَالَ شَارِحٌ: فَتْحُ الدَّالِّ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: الضِّفْدَعُ كَزِبْرِجٍ وَجَعْفَرٍ وَجُنْدَبٍ وَدِرْهَمٍ، وَهَذَا أَقَلُّ أَوْ مَرْدُودٌ دَابَّةٌ نَهْرِيَّةٌ، وَلَحْمُهَا مَطْبُوخًا بِزَيْتٍ وَمِلْحٍ تِرْيَاقٌ لِلْهَوَامِّ وَبَرِّيَّةٌ وَشَحْمُهَا عَجِيبٌ لِقَلْعِ الْأَسْنَانِ (يَجْعَلُهَا) : أَيْ هُوَ وَغَيْرُهُ (فِي دَوَاءٍ) : بِأَنْ يَجْعَلَهَا مُرَكَّبَةً مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَدْوِيَةِ، وَالْمَعْنَى يَسْتَعْمِلُهَا لِأَجْلِ دَوَاءٍ وَشِفَاءِ دَاءٍ (فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا) أَيْ: وَجَعْلِهَا فِي الدَّوَاءِ، وَبِهِ تَحْصُلُ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ السُّؤَالَيْنِ وَالْجَوَابِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: «نَهَى عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ لِلدَّوَاءِ» ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ أَوْ عَنْ قَتْلِهَا فَقَطْ قَالَ شَارِحٌ: وَلَمْ يَكُنِ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِهَا إِبْقَاءً عَلَيْهَا وَتَكْرُمَةً لَهَا، بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ التَّدَاوِيَ بِهَا لِرِجْسِهَا وَقَذَارَتِهَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَعَلَّ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ التَّدَاوِيَ بِهَا لِنَجَاسَتِهَا وَحُرْمَتِهَا إِذْ لَمْ يُجَوِّزِ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ لِاسْتِقْذَارِ الطَّبْعِ وَتَنَفُّرِهِ عَنْهَا، أَوْ لِأَنَّهُ رَأَى فِيهَا مِنَ الْمَضَرَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا رَأَى الطَّبِيبُ فِيهَا مِنَ الْمَنْفَعَةِ. قُلْتُ: وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: " «لَا تَقْتُلُوا الضِّفَادِعَ، فَإِنَّ نَعِيقَهُنَّ تَسْبِيحٌ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُطَابِقُ النَّهْيُ عَنِ الْقَتْلِ جَوَابًا عَنِ السُّؤَالِ بِالتَّدَاوِي؟ قُلْتُ: الْقَتْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ إِمَّا لِكَوْنِهِ مِنَ الْفَوَاسِقِ وَلَيْسَ بِهَا، وَإِمَّا لِإِبَاحَةِ الْأَكْلِ وَلَيْسَ بِذَلِكَ لِنَجَاسَتِهِ وَتَنَفُّرِ الطَّبْعِ عَنْهُ، وَإِذَا لَمْ يَجُزِ الْقَتْلُ لَمْ يَجُزِ الِانْتِفَاعُ بِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَتَقَدَّمَ رِوَايَاتٌ غَيْرُهُ.
следующие страницы →