Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.
стр. 6336
تَعَالَى: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١] ، فَتَكُونُ الدَّجَاجَةُ أَنْسَبَ مِنَ الْقَارُورَةِ لِحُصُولِ التَّرْشِيحِ فِي الِاسْتِعَارَةِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبْتُ إِلَيْهِ مَا ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِهِ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ قَرُّ الدَّجَاجَةِ بِالدَّالِ فَصُحِّفَ إِلَى قَرِّ الزُّجَاجَةِ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّجَاجَةَ فِي أَصْلِ الْمِشْكَاةِ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ لَا غَيْرَ، وَهِيَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الدَّجَاجَةُ مَعْرُوفٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَأَمَّا الزُّجَاجَةُ فَهِيَ بِضَمِّ الزَّايِ كَمَا لَا يَخْفَى إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: فَيَقُرُّهَا، أَيْ: يَصُبُّ الْجِنِّيُّ تِلْكَ الْكَلِمَةَ بِمَعْنَى: يُلْقِيهَا أَوْ يُصَوِّتُ بِهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، أَيْ: مِنَ الْكُهَّانِ. قَرَّ الدَّجَاجَةِ أَيْ: مِثْلُ صَوْتِهَا، وَقِيلَ: مَعْنَى يَقُرُّهَا يَصُبُّهَا، وَكَقَرِّ الدَّجَاجَةِ، أَيْ: كَصَبِّهَا الْمَنِيَّ فِي صَاحِبَتِهِ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُ النَّاسُ، فَكَذَا الْجِنِّيُّ يَصُبُّهَا فِي أُذُنِ وَلَيِّهِ بِحَيْثُ لَا يُطْلِعُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّ الزُّجَاجَةَ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهَا: يَصُبُّ فِي أُذُنِ صَاحِبِهِ كَصَبِّ الزُّجَاجَةِ، أَيْ: كَمَا يُصَبُّ مَاءُ قَارُورَةٍ فِي أُخْرَى (فَيَخْلِطُونَ) : بِكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ: الْكُهَّانُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيِ: الْأَوْلِيَاءُ جَمَعَ بَعْدَ الْإِفْرَادِ نَظَرًا إِلَى الْجِنْسِ (فِيهَا) أَيْ: فِي تِلْكَ الْكَلِمَةِ (أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الذَّالِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْكَافِ، فَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْكِذْبَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا وَالذَّالُ سَاكِنَةٌ فِيهِمَا. قَالَ الْقَاضِي: وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمُ الْكَسْرَ إِلَّا إِذَا أَرَادُوا بِهِ الْحَالَةَ وَالْهَيْئَةَ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا.
قُلْتُ: هَذَا مَوْضِعُهَا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ بِمِائَةِ نَوْعٍ مِنَ الْكَذِبِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَيَخْلِطُونَ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ مِائَةَ مَرَّةٍ، لِأَنَّهُ صَادِقٌ عَلَى تَكْرَارِ كَذِبِ وَاحِدٍ مِائَةَ مَرَّةٍ. مَعَ أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى لَاكْتَفَى بِمِائَةٍ، أَوْ قِيلَ: مِائَةُ كَذِبٍ، فَالْعُدُولُ إِلَى الْإِتْيَانِ بِالتَّاءِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إِفَادَةٍ زَائِدَةٍ، هَذَا وَفِي الْقَامُوسِ: كَذَبَ يَكْذِبُ كَذِبًا وَكِذْبًا وَكِذْبَةً وَكَذْبَةً بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ، وَكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الذَّالِ فِيهِمَا. فَمَا ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ فَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ مَعَ وُجُودِ التَّاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَيُخْشَى عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يَدْخُلَ فِي وَعِيدِ مَنْ كَذِبَ عَلَيْهِ ﷺ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6337
٤٥٩٤ - وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ - وَهُوَ السَّحَابُ - فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتُسْمِعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤٥٩٤ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ) أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ (تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ " وَهُوَ السَّحَابُ ". قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي تَفْسِيرًا لِلْعَنَانِ، فَالسَّحَابُ مَجَازٌ عَنِ السَّمَاءِ، كَمَا أَنَّ السَّمَاءَ مَجَازٌ عَنِ السَّحَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [المؤمنون: ١٨] فِي وَجْهٍ. قُلْتُ: ارْتِكَابُ الْمَجَازِ فِي الْآيَةِ لَهُ وَجْهٌ، وَأَمَّا ارْتِكَابُهُ فِي الْحَدِيثِ فَلَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ، إِذْ لَا يُعْدَلُ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، مَعَ أَنَّهُ يُؤَوَّلُ الْكَلَامُ إِلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي السَّمَاءِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ سَمَاءُ الدُّنْيَا عَلَى أَنَّ سَمَاعَ الْجِنِّيِّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّحَابِ أَقْرَبُ، فَهُوَ بِالِاعْتِبَارِ أَنْسَبُ، وَهَذَا لَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْمَعُ فِي السَّمَاءِ مَا يَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي الدُّنْيَا فَيُحَدِّثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَسْتَرِقُهُ الشَّيْطَانُ، فَيُلْقِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ، وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ، وَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا، فَيُصْعَقُونَ، فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ، فَإِذَا جَاءَ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ! مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيَقُولُ: الْحَقَّ اهـ.
(فَتَذْكُرُ) أَيِ: الْمَلَائِكَةُ (الْأَمْرَ قُضِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ حَالٌ أَوْ صِفَةٌ عَلَى أَنَّ الْ فِي الْأَمْرِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ أَوْ صِلَةُ الْمَوْصُولِ الْمَحْذُوفِ، أَيِ: الْأَمْرُ الَّذِي قَضَى اللَّهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي الدُّنْيَا، وَقَوْلُهُ: (فِي السَّمَاءِ) ظَرْفٌ لِقُضِيَ لَا لِتَذْكُرُ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَنَانِ السَّحَابُ، إِذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ مِنَ
стр. 6338
السَّمَاءِ فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ الَّذِي قُضِيَ فِي السَّمَاءِ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَنْزِلُوا مِنَ السَّمَاءِ فِي السَّحَابِ، فَيَحْكِي بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ الْأُمُورَ الَّتِي قُضِيَتْ فِي السَّمَاءِ، وَسَمِعُوا حَالَ كَوْنِهِمْ فِيهَا (فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ) أَيْ: مَسْمُوعُ الْمَلَائِكَةِ (فَتَسْمَعُهُ) أَيْ: الشَّيَاطِينُ أَوَّلًا (فَتُوحِيهِ) أَيْ: فَتُلْقِيهِ (إِلَى الْكُهَّانِ) مِنَ الْإِيحَاءِ وَهُوَ " الْإِعْلَامُ بِالْخِفْيَةِ "، وَعَنِ الزَّجَّاجِ: أَنَّ الْإِيمَاءَ يُسَمَّى وَحْيًا. (فَيَكْذِبُونَ) أَيْ: الْكُهَّانُ (مَعَهَا) أَيْ: مَعَ الْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الْوَاحِدَةِ (مِائَةَ كَذْبَةٍ، مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) . وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذَا سَبَبُ مُوَافَقَتِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ لِلْوَاقِعِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبَ سَدَّ الشَّارِعُ بَابَ الِاسْتِفَادَةِ مِنْهُمْ، وَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ وَلِهَذَا مَا اعْتُبِرَ شَهَادَةُ الْكَاذِبِ مَعَ أَنَّ الْكَذُوبَ قَدْ يَصْدُقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 6339
٤٥٩٥ - وَعَنْ حَفْصَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٥٩٥ - (وَعَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا) أَيْ: بِنْتُ عُمَرَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَتَى عَرَّافًا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهُوَ مُبَالَغَةُ (الْعَارِفِ) ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ الْكَاهِنُ وَالطَّبِيبُ، وَفِي الْمُغْرِبِ: هُوَ الْمُنَجِّمُ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْعَرَّافُ مِنْ جُمْلَةِ أَنْوَاعِ الْكُهَّانِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: الْعَرَّافُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى مَعْرِفَةَ مَكَانِ الْمَسْرُوقِ وَمَكَانَ الضَّالَّةِ وَنَحْوِهِمَا. (فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ) أَيْ: عَلَى وَجْهِ التَّصْدِيقِ بِخِلَافِ مَنْ سَأَلَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ أَوِ التَّكْذِيبِ، وَأُطْلِقَ مُبَالِغَةً فِي التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وَالْجُمْلَةُ احْتِرَازٌ عَمَّنْ أَتَاهُ لِحَاجَةٍ أُخْرَى. (لَمْ تُقْبَلْ لَهُ) : بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ وَجُوِّزَ تَذْكِيرُهُ أَيْ: قَبُولُ كَمَالٍ حَيْثُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ أَوْ تَضَاعُفُهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ الْأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ (صَلَاةٌ) : بِالتَّنْوِينِ، فَقَوْلُهُ: (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) . ظَرْفٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ إِلَى قَوْلِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَيْ مِنَ الْأَزْمِنَةِ اللَّاحِقَةِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ وَلَفْظُهُ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ حُجِبَتْ عَنْهُ التَّوْبَةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإِنْ صَدَّقَهُ بِمَا قَالَ كَفَرَ» ، فَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَعْمَالَ التَّائِبِ لَهَا دَرَجَةُ كَمَالِ الْقَبُولِ يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] .
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا عَدَمُ قَبُولِ صَلَاتِهِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا ثَوَابَ لَهُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَةً فِي سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْهُ، وَلَا يَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى إِعَادَةٍ، وَنَظِيرُ هَذَا الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ مُجْزِئَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلْقَضَاءِ، وَلَكِنْ لَا ثَوَابَ لَهُ فِيهَا، كَذَا قَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا.
قَالُوا: فَصَلَاةُ الْفَرْضِ وَغَيْرُهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ إِذَا أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِهَا الْكَامِلِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا شَيْئَانِ: سُقُوطُ الْفَرْضِ عَنْهُ، وَحُصُولُ الثَّوَابِ، فَإِذَا أَدَّاهَا فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ حَصَلَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ عَلَى مَنْ أَتَى الْعَرَّافَ إِعَادَةَ صَلَاةِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ. قُلْتُ: وُجُوبُ تَأْوِيلِهِ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ تَأْوِيلُهُ الْمَذْكُورُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، فَإِنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْحَسَنَاتِ لَا تُبْطِلُهَا السَّيِّئَاتُ إِلَّا الرِّدَّةَ مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الْإِعَادَةِ حَتَّى فِي الرِّدَّةِ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَى الْحَجِّ، فَإِنَّهُ فَرْضُ الْعُمْرِ، ثُمَّ مَفْهُومُ التَّأْوِيلِ السَّابِقِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى النَّفْلَ يَكُونُ لَهُ ثَوَابٌ، وَكَذَا الْفَرْضُ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، نَعَمْ، التَّضَاعُفُ مِنْ فَضْلِهِ ، فَإِذَا فَعَلَ الْعَبْدُ مَا يُوجِبُ غَضَبَهَ تَعَالَى، فَلَهُ إِسْقَاطُ الْمُضَاعَفَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى مُقْتَضَى الْعَدْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ تَخْصِيصُ الصَّلَاةِ مِنْ بَيْنِ الْأَعْمَالِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهَا عِمَادَ الدِّينِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُفَوَّضَ عِلْمُهُ إِلَى الشَّارِعِ، وَذِكْرُ الْعَدَدِ يَحْتَمِلُ التَّحْدِيدَ، وَالتَّكْثِيرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
стр. 6340
٤٥٩٦ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٥٩٦ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةِ جُهَيْنَةَ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، وَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي أَسْمَاءِ الْمُؤَلِّفِ. (قَالَ: صَلَّى لَنَا) أَيْ: إِمَامًا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ (عَلَى أَثَرِ سَمَاءٍ) أَيْ: عَقِبَ مَطَرٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ وَفَتْحِهِمَا جَمِيعًا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالسَّمَاءُ الْمَطَرُ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: خَرَجَ فِي إِثْرِهِ، وَأَثَرِهِ: بَعْدَهُ، وَقَالَ السَّمَاءُ مَعْلُومٌ وَالسَّحَابُ الْمَطَرُ أَوِ الْمَطَرَةُ الْجَيِّدَةُ. (كَانَتْ) أَيْ: كَانَ الْمَطَرُ وَتَأْنِيثُهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الرَّحْمَةِ أَوْ لَفْظِ السَّمَاءِ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ سَمَاءٍ. وَقَوْلُهُ: (مِنَ اللَّيْلِ) ظَرْفٌ لَهَا أَيْ: فِي بَعْضِ أَجْزَائِهِ وَأَوْقَاتِهِ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أَيْ: عَنِ الصَّلَاةِ (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ (قَالَ رَبُّكُمْ؟) أَيْ: فِي هَذَا الْوَقْتِ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (قَالَ) أَيْ: (أَصْبَحَ) أَيِ: الشَّأْنُ (مِنْ عِبَادِي) أَيْ: بَعْضُهُمْ (مُؤْمِنٌ بِي) : فَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُهُ (وَكَافِرٌ) أَيْ: بِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ يَعْنِي: وَبَعْضُهُمْ كَافِرٌ بِي، أَوِ التَّقْدِيرُ بَعْضُهُمْ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِغَيْرِي، وَبَعْضُهُمْ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِغَيْرِي، وَتُرِكَ اكْتِفَاءً بِتَفْصِيلِ الْمُجْمَلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا) أَيْ: بِسُقُوطِ نَجْمٍ وَطُلُوعِ نَظِيرِهِ عَلَى مَا سَبَقَ (فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: هَدَّا تَفْصِيلٌ لِلْمُجْمَلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ فِيهِ لِيُطَابِقَهُ الْمُفَصَّلُ، فَالتَّقْدِيرُ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَكَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ مَعَ التَّقْسِيمِ. وَفِي الْكَشَّافِ قِيلَ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أَيْ: وَتَجْعَلُونَ شُكْرَ مَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الْغَيْثِ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ كَوْنَهُ مِنَ اللَّهِ حَيْثُ تَنْسُبُونَهُ إِلَى النُّجُومِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاخْتَلَفُوا فِي كُفْرِ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ كُفْرٌ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ سَالِبٌ لِأَصْلِ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَنْ قَالَهُ مُعْتَقِدًا بِأَنَّ الْكَوْكَبَ فَاعِلٌ مُدَبِّرٌ مُنْشِئٌ لِلْمَطَرِ كَزَعْمِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْجَمَاهِيرِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ مَنْ قَالَ مُعْتَقِدًا بِأَنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِفَضْلِهِ، وَأَنَّ النَّوْءَ عَلَامَةٌ لَهُ وَمَظَنَّةٌ بِنُزُولِ الْغَيْثِ، فَهَذَا لَا يَكْفُرُ لِأَنَّهُ بِقَوْلِهِ هَذَا كَأَنَّهُ قَالَ: مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ; لِأَنَّهُ كَلِمَةٌ مُوهِمَةٌ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، فَيُسَاءُ الظَّنُّ بِصَاحِبِهَا ; وَلِأَنَّهَا شِعَارُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: كُفْرَانٌ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِاقْتِصَارِهِ عَلَى إِضَافَةِ الْغَيْثِ إِلَى الْكَوْكَبِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ الرِّوَايَةُ " الْأُخْرَى: «أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرًا وَكَافِرًا» ، وَفِي أُخْرَى: «مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ بِهَا كَافِرِينَ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6341
٤٥٩٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللَّهُ الْغَيْثَ، فَيَقُولُونَ: بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٥٩٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ) أَيْ: مَطَرٍ، أَوْ مِنْ نَعْمَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا) أَيْ: بِسَبَبِهَا (كَافِرِينَ) : مِنَ الْكُفْرِ أَوِ الْكُفْرَانِ (يُنْزِلُ اللَّهُ الْغَيْثَ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ تِمْثَالُ بُرْهَانٍ (فَيَقُولُونَ) أَيْ: فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ (بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا) أَيْ: هَذَا بِسَبَبِ طُلُوعِ نَجْمِ كَذَا، وَغُرُوبِ نَجْمِ كَذَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6342
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٥٩٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٥٩٨ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنِ اقْتَبَسَ) أَيْ: أَخَذَ وَحَصَلَ وَتَعَلَّمَ (عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ) أَيْ: عِلْمٌ مِنْ عُلُومِهَا أَوْ مَسْأَلَةٌ مِنْ عِلْمِهَا. (اقْتَبَسَ شُعْبَةً) أَيْ: قِطْعَةٌ (مِنَ السِّحْرِ زَادَ) أَيِ: الْمُقْتَبِسُ مِنَ السِّحْرِ (مَا زَادَ) أَيْ: مُدَّةَ زِيَادَتِهِ مِنَ النُّجُومِ، فَمَا بِمَعْنَى مَا دَامَ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ شَارِحٌ حَيْثُ قَالَ أَيْ: زَادَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْهُ فِي حَقِّ عِلْمِ النُّجُومِ، كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: زَادَ اقْتِبَاسَ شُعْبَةِ السِّحْرِ مَا زَادَ اقْتِبَاسَ عِلْمِ النُّجُومِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: نَكَّرَ " عِلْمًا " لِلتَّقْلِيلِ، وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَ الِاقْتِبَاسَ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْقِلَّةِ، وَمِنَ النُّجُومِ صِفَةُ عِلْمًا وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ. وَفَاعِلُ زَادَ الشُّعْبَةُ، ذَكَّرَهَا بِاعْتِبَارِ السِّحْرِ، وَزَادَ مَا زَادَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ وَالتَّأْنِيبِ، أَيْ: يَزِيدُ السِّحْرُ مَا يَزِيدُ الِاقْتِبَاسُ، فَوَضَعَ الْمَاضِيَ مَوْضِعَ الْمُضَارِعِ لِلتَّحْقِيقِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْمَنْهِيُّ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ مَا يَدَّعِيهِ أَهْلُهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ، وَرُبَّمَا تَقَعُ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ مِثْلَ إِخْبَارِهِمْ بِوَقْتِ هُبُوبِ الرِّيَاحِ، وَمَجِيءِ مَاءِ الْمَطَرِ، وَوُقُوعِ الثَّلْجِ، وَظُهُورِ الْحَرِّ وَالْبَرَدِ، وَتَغْيِيرِ الْأَسْعَارِ وَنَحْوِهَا. وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَسْتَدْرِكُونَ مَعْرِفَتَهَا بِسَيْرِ الْكَوَاكِبِ، وَاجْتِمَاعِهَا وَافْتِرَاقِهَا، وَهَذَا عِلْمٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤] ، فَأَمَّا مَا يُدْرَكُ مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الزَّوَالُ وِجْهَةَ الْقِبْلَةِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيمَا نَهَى عَنْهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ النُّجُومَ طُرُقٌ لِمَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ وَالْمَسَالِكِ، وَلَوْلَاهَا لَمْ يَهْتَدِ النَّاسُ إِلَى اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ. رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: تَعْلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ الْقِبْلَةَ وَالطَّرِيقَ، ثُمَّ أَمْسِكُوا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 6343
٤٥٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ حَائِضًا، أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٥٩٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَاهِنِ وَالْعَرَّافِ أَنَّ الْكَاهِنَ إِنَّمَا يَتَعَاطَى الْخَبَرَ عَنِ الْغَيْبِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ، وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ، وَالْعَرَّافُ: هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ وَمَكَانَ الضَّالَّةِ وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْأُمُورِ. (أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ) أَيْ: بِالْوَطْءِ، وَفِي التَّفْخِيذِ خِلَافٌ (حَائِضًا) قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مُنْتَقِلَةٌ، وَلِهَذَا جَازَ حَذْفُ التَّاءِ، وَلَوْ كَانَتْ صِفَةً كَانَتِ التَّاءُ لَازِمَةً اهـ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْوَصْفُ الْقَائِمُ بِهَا لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ الْآتِي، وَإِنَّمَا تَرَكَ التَّاءَ لِأَنَّهَا مِنْ أَوْصَافِ النِّسَاءِ خَاصَّةً كَطَالِقٍ. (أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا) أَيْ: حَائِضًا أَوْ طَاهِرَةً (فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ . أَيْ كَفَرَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ أَوْ عَلَى التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالْحَاكِمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» ".
стр. 6344
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٦٠٠ - عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. فَسَمِعَهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا، بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ " وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَّفَهَا، وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ " فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ. فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ. فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيَصْدُقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٦٠٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ) أَيْ: قَدَّرَهُ أَوْ حَكَمَ بِهِ، وَالْمَعْنَى: أَظْهَرَ قَضَاءً (فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا) أَيْ: مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ (خُضْعَانًا) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ، أَيْ: تَوَاضُعًا وَتَخَاشُعًا (لِقَوْلِهِ) : وَانْقِيَادًا لِحُكْمِهِ، فَفِي النِّهَايَةِ: الْخُضْعَانُ مَصْدَرُ خَضَعَ يَخْضَعُ خُضُوعًا وَخُضْعَانًا، وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالْمُطَاوَعَةُ كَالْغُفْرَانِ وَالْكُفْرَانِ، وَيُرْوَى بِالْكَسْرِ كَالْوِجْدَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعُ خَاضِعٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا كَانَ جَمْعًا كَانَ حَالًا، وَإِذَا كَانَ مَصْدَرًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمَا فِي ضَرْبِ الْأَجْنِحَةِ مِنْ مَعْنَى الْخُضُوعِ، أَوْ مَفْعُولًا لَهُ. قُلْتُ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ. قَالَ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّائِرَ إِذَا اسْتَشْعَرَ خَوْفًا أَرْخَى جَنَاحَيْهِ مُرْتَعِدًا. قُلْتُ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِكَيْفِيَّةِ ضَرْبِ جَنَاحِهِمْ وَسَبَبِيَّتِهِ مِنَ الْخَوْفِ أَوْ غَيْرِهِ. (كَأَنَّهُ) أَيْ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ (سِلْسِلَةٌ) : بِكَسْرِ السِّينَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (عَلَى صَفْوَانٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: حَجَرٌ أَمْلَسُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ. وَنَظِيرُهُ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ فِي صِفَةِ الْوَحْيِ النَّازِلِ عَلَيْهِ: أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ. (فَإِذَا فُزِّعَ) : بِضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ أَيْ: أُزِيلَ الْفَزَعُ وَكُشِفَ (عَنْ قُلُوبِهِمْ) . وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَزَوَالُ الْفَزَعِ عَنْهُمْ هُنَا بَعْدَ سَمَاعِهِمُ الْقَوْلَ، كَالْفَصْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ سَمَاعِ الْوَحْيِ اهـ.
وَلَعَلَّهُ نَظِيرُهُ، وَإِلَّا فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ ﷺ يُفْصَمُ عَنْهُ وَقَدْ وَعَى مَا قَالَ، وَهُمْ يُكْشَفُ الْفَزَعُ عَنْهُمْ وَلَمْ يَدْرُوا مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَرِينَةِ السُّؤَالِ، أَوْ يُقَالُ يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِبَعْضِهِمْ مِنْ أَرْبَابِ الْكَمَالِ، فَقَوْلُهُ: (قَالُوا) أَيْ: بَعْضُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَدْرِ إِمَّا لِغَلَبَةِ الْفَزَعِ عَلَيْهِ، أَوْ لِقِلَّةِ الْكَشْفِ لَهُ (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا) : وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ لِلسَّائِلِينَ وَهُمْ سَائِرُ الْمَلَائِكَةِ (لِلَّذِي قَالَ) أَيْ: (الْحَقَّ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: قَالُوا الْحَقَّ لِأَجْلِ مَا قَالَهُ تَعَالَى، أَيْ: عَبَّرُوا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى، وَمَا قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ بِلَفْظِ الْحَقِّ، فَالْحَقُّ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: الْقَوْلَ الْحَقَّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، فَالتَّقْدِيرُ قَوْلُهُ الْحَقُّ، وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ إِمَّا كَلِمَةُ كُنْ أَوْ مَا يُقَابِلُ الْبَاطِلَ، فَالْمُرَادُ بِكُنْ مَا هُوَ سَبَبُهَا مِنَ الْحَوَادِثِ الْيَوْمِيَّةِ بِأَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، وَيُفَرِّجَ كَرْبًا، وَيَرْفَعَ قَوْمًا، وَيَضَعَ آخَرِينَ، وَيُولِجَ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، وَيُولِجَ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ، وَيُخْرِجَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَيُشْفِي سَقِيمًا، وَيُسْقِمَ صَحِيحًا، وَيَبْتَلِيَ مُعَافًى، وَيُعَافِيَ مُبْتَلًى، وَيُعِزَّ ذَلِيلًا وَيُذِلَّ عَزِيزًا، وَيُفْقِرَ غَنِيًّا وَيُغْنِيَ فَقِيرًا، فَسُبْحَانَ الَّذِي إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْكَلِمَةُ حَقًّا لَا بَاطِلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] ، أَيْ: عَبَثًا، بَلْ هُوَ صَوَابٌ وَحِكْمَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقَوْلُ الْمَسْطُورُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَالْحَقُّ بِمَعْنَى الثَّابِتِ، أَيْ: قَضَى وَقَدَّرَ وَحَكَمَ فِي الْكَائِنَاتِ بِمَا كَانَ مُقَرَّرًا فِي الْأَزَلِ ثَابِتًا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. (وَهُوَ) أَيِ: اللَّهُ سُبْحَانَهُ (الْعَلِيُّ) أَيِ: الرَّفِيعُ شَأْنُهُ (الْكَبِيرُ) أَيِ: الْعَظِيمُ بُرْهَانُهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ تَأْنِيثُ الْكِنَايَةِ فِي قَوْلِهِ: (فَسَمِعَهَا) أَيِ: الْكَلِمَةُ الْحَقَّةُ (مُسْتَرِقُو السَّمْعِ) وَإِنَّمَا عَدَلُوا عَنْ صَرِيحِ الْقَوْلِ، وَهُوَ التَّفْصِيلُ وَالتَّصْرِيحُ بِالْمَقْضِيِّ مِنَ الشُّؤُونِ وَالْأُمُورِ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمُجْمَلِ الْمُوجَزِ ; لِأَنَّ قَصْدَهُمْ فِي ذَلِكَ إِزَالَةُ الْفَزَعِ عَنْ قُلُوبِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ، يَعْنِي لَا تَفْزَعُوا وَتُبْقُوا عَلَى قُلُوبِكُمْ، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ مَا عَهِدْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ قَضَاءِ الشُّؤُونِ لَا مَا تَظُنُّونَهُ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ، هَذَا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُجِيبِينَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ كَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَغَيْرِهِمَا، مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ تَسْمَعُ أَهْلُ
стр. 6345
السَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا، فَيُصْعَقُونَ فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ، فَإِذَا جَاءَ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ! مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيَقُولُ: الْحَقَّ، فَيَقُولُونَ: الْحَقَّ. (وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ) : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (هَكَذَا) وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا صَنَعَهُ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّنْدِيدِ وَرُكُوبِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. وَقَوْلُهُ: (بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ) . تَوْضِيحٌ أَوْ بَدَلٌ وَفِيهِ مَعْنَى التَّشْبِيهِ، أَيْ: مُسْتَرِقُو السَّمْعِ بَعْضُهُ رَاكِبٌ بَعْضَهُ مُرْدَفِينَ كَرُكُوبِ أَصَابِعِي هَذِهِ بَعْضِهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَإِفْرَادُ الضَّمِيرِ فِي بَعْضِهِ، وَالْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ جَمْعٌ لِإِرَادَةِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] الضَّمِيرُ فِي مِنْهُ جَارٍ مَجْرَى اسْمِ الْإِشَارَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ.
(وَوَصَفَ سُفْيَانُ) أَيِ: ابْنُ عُيَيْنَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ (بِكَفِّهِ) أَيْ: بِأَصَابِعِهِ. (فَحَرَّفَهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ فَفَرَّجَ كَفَّهُ (وَبَدَّدَ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْأُولَى أَيْ وَفَرَّقَ (بَيْنَ أَصَابِعِهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ بَيَّنَ كَيْفِيَّةِ رُكُوبِ بَعْضِهَا فَوْقَ بَعْضٍ بِأَصَابِعِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] ، وَقَوْلِكَ: وَجْهُهُ يَصِفُ الْجَمَالَ. (فَيَسْمَعُ) أَيْ: أَحَدُهُمْ، أَوِ الْمُسْتَرِقُ (الْكَلِمَةَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَكَلَامُ الرَّاوِي مُعْتَرِضٌ، بَيْنَهُمَا اهـ. وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ هَذَا إِعَادَةٌ لِقَوْلِهِ: فَسَمِعَهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ لِطُولِ الْفَصْلِ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ إِلَخْ، وَبَيَانٌ لِتَفْسِيرِ التَّابِعِيِّ بِقَوْلِهِ وَوَصَفَ إِلَخْ. وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ أَوِ اسْتِحْضَارًا لِلْحَالِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ. (فَيُلْقِيهَا) أَيْ: يَرْمِيهَا وَيَقْذِفُهَا (إِلَى مَنْ تَحْتَهُ) أَيْ مِنَ الْجِنِّ (ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ) : وَإِنَّمَا عَدَلَ مِنْ " إِلَى " إِلَى " عَلَى " لِلْإِشَارَةِ إِلَى انْتِهَاءِ الْأَمْرِ وَاسْتِقْلَالِ ظُهُورِ الْمَقْصُودِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالسَّاحِرُ الْمُنَجِّمُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: الْمُنَّجِمُ سَاحِرٌ ; لِأَنَّ السَّاحِرَ لَا يُخْبِرُ عَنِ الْغَيْبِ اهـ. فَأَوْ فِي قَوْلِهِ (أَوِ الْكَاهِنِ) . لِلتَّنْوِيعِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْكَاهِنَ سَاحِرٌ، فَالسَّاحِرُ كَاهِنٌ فَأَوْ لِلشَّكِّ (فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ) : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ (قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا وَمَرْفُوعًا يَعْنِي: الْجِنِّيَّ قَدْ يَسْتَرِقُ السَّمْعَ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهُ إِلَى وَلِيِّهِ، أَدْرَكَ الشِّهَابَ أَوْ أَدْرَكُهُ الشِّهَابُ. قُلْتُ: الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] أَيْ: لَحِقَهُ وَأَدْرَكَهُ، وَالشِّهَابُ مَا يُرَى كَأَنَّ كَوْكَبًا انْقَضَّ، ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ. (وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ) وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِدْرَاكَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ. قَالَ الْقَاضِي: وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْمَرْجُومَ هَلْ يَتَأَذَّى بِهِ فَيَرْجِعُ أَوْ يَحْتَرِقُ، لَكِنْ قَدْ يُصِيبُ الصَّاعِدَ مَرَّةً وَقَدْ لَا يُصِيبُ، كَالْمَوْجِ لِرَاكِبِ السَّفِينَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَرْتَدِعُونَ عَنْهُ رَأْسًا، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ مِنَ النَّارِ فَلَا يَحْتَرِقُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّارِ الصِّرْفِ، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ مِنَ التُّرَابِ الْخَالِصِ، مَعَ أَنَّ النَّارَ الْقَوِيَّةَ إِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَى الضَّعِيفَةِ اسْتَهْلَكَتْهَا. (فَيَكْذِبُ) أَيِ: الْكَاهِنُ (مَعَهَا) أَيْ: مَعَ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الْمَسْمُوعَةِ الصَّادِقَةِ الْوُقُوعِ (مِائَةَ كَذْبَةٍ) أَيْ: وَيُخْبِرُ النَّاسَ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلِمَاتِ الْكَاذِبَةِ، فَإِذَا أَكْذَبَهُ أَحَدٌ بِبَعْضِ كِذْبَاتِهِ (فَيُقَالُ) أَيْ: فَيَقُولُ النَّاسُ، وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ، أَيْ: مَنْ يُصَدِّقُ الْكَاهِنَ (أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا) أَيْ: مِنَ الشَّهْرِ وَالسَّنَةِ (كَذَا وَكَذَا؟) أَيْ: مِنَ الْخَبَرِ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ (فَيُصَدَّقُ) : بِصِيغَةٍ الْمَجْهُولِ مُشَدَّدَةِ الدَّالِ، أَيِ: الْكَاهِنُ، فِي جَمِيعِ كَلِمَاتِهِ وَكِذْبَاتِهِ (بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ) أَيْ: بِسَبَبِهَا، وَهَذَا مِنْ أَغْرَبِ الْغَرَائِبِ، وَأَعْجَبِ الْعَجَائِبِ أَنَّ الْكَاذِبَ فِي مِائَةِ كَلِمَةٍ يُعَدُّ صَادِقًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَاقِعَةٍ، وَمَعَ هَذَا مَا يُصَدِّقُونَ مَنْ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ فِي جَمِيعِ عُمُرِهِ إِلَّا الصِّدْقُ، فَالتَّصْدِيقُ فِي التَّحْقِيقِ مِنَ التَّوْفِيقِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 6346
٤٦٠١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَّهُمْ بَيْنَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُمِيَ بِنَجْمٍ وَاسْتَنَارَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ اسْمُهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَا قَالَ فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَيَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ، فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ، فَمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٦٠١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ) أَيِ: الْأَصْحَابُ (بَيْنَا هُمْ جُلُوسٌ) أَيْ: ذَوُو جُلُوسٍ أَوْ جَالِسُونَ (لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: مُصَاحِبِينَ لَهُ (رُمِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: قُذِفَ (بِنَجْمٍ وَاسْتَنَارَ) أَيِ: الْجَوُّ بِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ جَوَابُ بَيْنَا وَلَمْ يُؤْتَ بِإِذْ كَمَا يَسْتَفْصِحُهُ الْأَصْمَعِيُّ وَأَنْشَدَ:
وَبَيْنَا نَحْنُ نَرْقُبُهُ أَتَانَا.
(وَهُمْ جُلُوسٌ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ; لِأَنَّ بَيْنَا وَبَيْنَمَا يَسْتَدْعِيَانِ أَنْ يَلِيَهُمَا جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، وَبَيْنَا مَعَ الْجَوَابِ خَبَرُ إِنَّ (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟) : وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ سُؤَالُهُ لِلِاسْتِعْلَامِ ; لِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ، بَلْ لِأَنْ يُجِيبُوا عَمَّا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُزِيلُهُ عَنْهُمْ وَيُقْلِعُهُ عَنْ أَصْلِهِ. (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُولَدُ (اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ) أَيْ: بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ (وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى " أَوْ "، أَوِ الْمَعْنَى: كُنَّا نَقُولُ تَارَةً كَذَا وَأُخْرَى كَذَا. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنَّهَا) أَيِ: النُّجُومُ بِدَلَالَةِ النَّجْمِ الْمُرَادِ بِهِ الْجِنْسُ (لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ) أَيْ: وَلَا لِحَيَاةِ أَحَدٍ آخَرَ (وَلَكِنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ اسْمُهُ) أَيْ: تَكَاثَرَ خَيْرُ اسْمِهِ فَكَيْفَ مُسَمَّاهُ (إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ) أَيْ: صَوْتُهُ أَوْ نَوْبَتُهُ (أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِذَا قُلْتَ: الدُّنْيَا صِفَةٌ لِلسَّمَاءِ وَالسَّمَاءُ صِفَةٌ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ وَصْفُ الْوَصْفِ؟ قُلْتُ: إِنَّمَا لَا يَصِحُّ حَيْثُ كَانَتِ الصِّفَةُ مَفْهُومًا لَا ذَاتًا وَأَوْصَافُ اسْمِ الْإِشَارَةِ ذَوَاتٌ فَيَصِحُّ وَصْفُهَا. (ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ) : بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ: يَقْرُبُونَ (حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ) : وُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رَجْعُ الضَّمِيرِ لِبَعْضِ الَّذِينَ يَلُونَ (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَا قَالَ) أَيْ: بِمَا قَالَ تَعَالَى (فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ) أَيِ: التَّحْتَانِيَّةُ (بَعْضًا) أَيْ: مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ الْفَوْقَانِيَّةِ (حَتَّى يَبْلُغَ) أَيْ: يَصِلُ الْخَبَرُ (هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا) أَيْ أَهْلَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ (فَيَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ) أَيِ الْمَسْمُوعَ، وَضَبْطُ الْفِعْلِ بِالتَّذْكِيرِ وَفَتْحِ الطَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّأْنِيثِ وَكَسْرِ الطَّاءِ، فَفِي الْقَامُوسِ: خَطَفَ. كَسَمَعَ وَضَرَبَ وَهَذِهِ قَلِيلَةٌ أَوْ رَدِيئَةٌ اسْتَلَبَهُ وَالشَّيْطَانُ السَّمْعَ اسْتَرَقَهُ كَاخْتَطَفَهُ (فَيَقْذِفُونَ) أَيِ: الْجِنُّ يَرْمُونَ مَسْمُوعَ الْمَلَائِكَةِ (إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) مِنَ الْكَهَنَةِ وَالْمُنَجِّمِينَ (وَيُرْمَوْنَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: الْجِنُّ يُقْذَفُونَ بِالشُّهُبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى يَقْذِفُونَ، وَهَذَا رَمْيُهُمْ بِالشِّهَابِ بَعْدَ إِلْقَائِهِمُ الْكَلِمَةَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ، وَهُوَ إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَالرَّمْيُ شَامِلٌ لِلْحَالَتَيْنِ (فَمَا جَاءُوا) أَيْ: أَوْلِيَاؤُهُمْ (بِهِ عَلَى وَجْهِهِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِيهِ (فَهُوَ حَقٌّ) أَيْ: كَائِنٌ وَاقِعٌ (وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: يَكْذِبُونَ (فِيهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: عَدَّاهُ بِفِي عَلَى تَضْمِينِ مَعْنَى الْكَذِبِ اهـ. فَفِي الْقَامُوسِ: قَرَفَ عَلَيْهِمْ بَغَى، وَلِعِيَالِهِ كَسَبَ وَخَلَطَ وَكَذَبَ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ هُنَا يُوقِعُونَ الْكَذِبَ فِي الْمَسْمُوعِ الصَّادِقِ، وَيَخْلِطُونَهُ وَلَا يَتْرُكُونَهُ عَلَى وَجْهٍ غَالِبًا (وَيَزِيدُونَ) . أَيْ: دَائِمًا كِذْبَاتٍ أُخَرَ مُنْضَمَّةً إِلَيْهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6347
٤٦٠٢ - وَعَنْ قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: خَلْقَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ قَالَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخَطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْلَمُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا - وَفِي رِوَايَةِ رَزِينٍ: (وَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْنِيهِ وَمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَمَا عَجَزَ عَنْ عِلْمِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ) .
ــ
٤٦٠٢ - (وَعَنْ قَتَادَةَ) : رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ مَشْهُورٌ، سَبَقَ ذِكْرُهُ وَهُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ الْمُفَسِّرِينَ. (قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ) أَيْ: مِنَ الْحِكَمِ (جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) أَيْ: كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] (وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] (فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ: مَنْ ذَكَرَ فِي النُّجُومِ فَائِدَةً أُخْرَى مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ (أَخْطَأَ) أَيْ: حَيْثُ تَكَلَّمَ رَجْمًا بِالْغَيْبِ (وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ) أَيْ: حَظَّهُ مِنْ عُمُرِهِ وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِمَا يَعْنِيهِ، وَيَنْفَعُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْلَمُ) أَيْ: شَيْئًا يُتَصَوَّرُ عِلْمُهُ ; لِأَنَّ أَخْبَارَ السَّمَاءِ لَا تُعْلَمُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَيْسَ فِيهِمَا أَزْيَدُ مِمَّا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ حِكَايَاتِ الظُّرَفَاءِ أَنَّ مُنَجِّمًا سُرِقَ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: أَنْتَ لَا تَعْرِفُ مَا فِي الْأَرْضِ كَيْفَ تَدَّعِي مَعْرِفَةَ مَا فِي السَّمَاءِ؟ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا) أَيْ: بِلَا إِسْنَادٍ. (وَفِي رِوَايَةِ رَزِينٍ: وَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْنِيهِ) أَيْ: وَمِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ. (وَمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ نَفْيًا لِمَا يَتَعَانَاهُ الْمُنَجِّمُ مِنَ الْأَحْكَامِ وَإِثْبَاتًا لِغَيْرِهِ، بَلْ نَفْيُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا اتَّبَعَهُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَمَا عَجَزَ عَنْ عِلْمِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ) أَيْ: حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وَإِلَّا فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنُّجُومِ أَمْ لَا.
стр. 6348
٤٦٠٣ - وَعَنِ الرَّبِيعِ ﵁ مِثْلُهُ، وَزَادَ: وَاللَّهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي نَجْمٍ حَيَاةَ أَحَدٍ، وَلَا رِزْقَهُ، وَلَا مَوْتَهُ، وَإِنَّمَا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَيَتَعَلَّلُونَ بِالنُّجُومِ.
ــ
٤٦٠٣ - (وَعَنِ الرَّبِيعِ) أَيِ: ابْنِ زِيَادٍ، يَرْوِي عَنْ عُمَرَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَيَرْوِي عَنْهُ قَتَادَةُ وَأَبُو نَضْرَةَ، كَذَا قِيلَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ. (مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ قَتَادَةَ (وَزَادَ) أَيِ: الرَّبِيعُ عَلَى مَا سَبَقَ (وَاللَّهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي نَجْمٍ حَيَاةَ أَحَدٍ) أَيْ: وِلَادَتَهُ أَوْ طُولَ بَقَائِهِ. (وَلَا رِزْقَهُ) أَيْ: مَالًا وَلَا جَاهًا (وَلَا مَوْتَهُ، وَإِنَّمَا يَفْتَرُونَ) أَيِ: الْمُنَجِّمُونَ (عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَيَتَعَلَّلُونَ بِالنُّجُومِ) أَيْ: وَيَجْعَلُونَ طُلُوعَ نَجْمٍ مَثَلًا عِلَّةً لِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، أَوِ الْمَعْنَى: يَتَسَتَّرُونَ فِي كَذِبِهِمْ بِتَعَلُّقِهِمْ بِالنُّجُومِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا الْقَاسِمِ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيَّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِمَفَاتِيحِ الْحُجَجِ فِي إِبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُنَجِّمِينَ، أَطْنَبَ فِيهِ وَذَكَرَ أَقْوَالَهُمْ. قَالَ: وَأَقْرَبُهَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ يُحْدِثُهَا اللَّهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً بِقُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَلَكِنْ أَجْرَى الْعَادَةَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَخْلُقُهَا عِنْدَ كَوْنِ هَذِهِ الْكَوَاكِبِ فِي الْبُرُوجِ الْمَخْصُوصَةِ، وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سَيْرِهَا وَاتِّصَالَاتِهَا وَمَطَارِحِ أَشِعَّتِهَا فِي جِهَةِ الْعَادَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَجْرَى الْعَادَةَ بِخَلْقِ الْوَلَدِ عَقِيبَ الْوَطْءِ وَخَلْقِ الشَّبَعِ عَقِيبَ الْأَكْلِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا فِي الْقُدْرَةِ جَائِزٌ، لَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَلَا الْقَطْعُ بِهِ سَبِيلٌ ; لِأَنَّ مَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الْعَادَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ فِيهِ مُسْتَمِرًّا، وَأَقَلُّ مَا فِيهِ أَنْ يَحْصُلَ التَّكْرَارُ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَحْصُلُ التَّكْرَارُ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَحْصُلُ وَقْتٌ فِي الْعَالَمِ مُكَرَّرٌ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي سَنَةٍ: الشَّمْسُ مَثَلًا فِي دَرَجَتِهِ مِنْ بُرْجٍ، فَإِذَا عَادَتْ إِلَيْهَا فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى، فَالْكَوَاكِبُ لَا يَتَّفِقُ كَوْنُهَا فِي بُرُوجِهَا كَمَا كَانَتْ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَالْأَحْكَامُ تَخْتَلِفُ بِالْقَرَائِنِ وَالْمُقَابَلَاتِ، وَنَظَرُ الْكَوَاكِبِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَلَا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُكَرَّرًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْأَحْكَامِ، وَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ عَلَى الْبَتِّ لِتَعَذُّرِ الْإِحَاطَةِ بِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي حُكْمِ الزِّيجِ، فَلِأَهْلِ هِنْدٍ وَسِنْدٍ طَرِيقٌ يُخَالِفُ طَرِيقَ أَرْبَابِ الزِّيجِ الْمُمْتَحِنِ، وَفَصَّلَ الشَّيْخُ فِي الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ تَفْصِيلًا، ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ: أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا عَنْ مَوْلُودَيْنِ وُلِدَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَيْسَ يَجِبُ تَسَاوِيهِمَا فِي كُلِّ وَجْهٍ،
стр. 6349
وَلَا تَمْيِيزَ بَيْنَهُمَا فِي الصُّورَةِ وَالْقَدِّ وَالْمَنْظَرِ، وَحَتَّى لَا يُصِيبَ أَحَدًا نَكْبَةٌ إِلَّا أَصَابَ الْآخَرَ، وَحَتَّى لَا يَفْعَلَ هَذَا شَيْئًا إِلَّا وَالْآخَرُ يَفْعَلُ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ فِي الْعَالَمِ اثْنَانِ هَذَا صِفَتُهُمَا. قَالُوا: مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُوجَدَ مَوْلُودَانِ فِي الْعَالَمِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَيُقَالُ: أَمُحَالٌ ذَلِكَ فِي الْعَقْلِ وَالتَّقْدِيرِ، أَمْ فِي الْوُجُودِ؟ فَإِنْ قَالُوا: بِالْأَوَّلِ بَانَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ، وَإِنْ قَالُوا بِالثَّانِي قِيلَ: وَمَا مَثَلُكُمْ مِنْهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ أَمْرُ الْكُسُوفَيْنِ يُصَدَّقُ. قُلْنَا: لَيْسَ أَمْرُ الْكُسُوفَيْنِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُنْكَرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمْرُ سَيْرِ الْكَوَاكِبِ عَلَى مَا قَالُوهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الشَّرِيعَةِ فِي أَمْرِ الْكُسُوفَيْنِ بِأَنَّهُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ قَوْلَكُمْ فِي الْمُنَجِّمِينَ أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِي جَمِيعِ مَا يَحْكُمُونَ مُكَابِرُونَ لِلْعُقُولِ.
قُلْنَا: إِنَّا نَقُولُ إِنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِي أُصُولِهِمْ عَنْ شُبَهٍ وَقَعَتْ لَهُمْ، فَلَا يَعْرِفُونَ بُطْلَانَ قَوْلِهِمْ مُكَابَرَةً لِلْعُقُولِ وَلَا بِالضَّرُورَةِ، بَلْ جَزَمُوا عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدَ بَنَوْهَا عَلَى أُصُولٍ فَاسِدَةٍ وَقَعَتِ الشُّبْهَةُ لِسَلَفِهِمْ فِي أُصُولِ قَوَاعِدِهِمْ، فَرُبَّمَا يُصِيبُونَ فِي تَرْكِيبِ الْفُرُوعِ عَلَى تِلْكَ الْأُصُولِ، فَمَنْزِلَتُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ كَمَنْزِلَةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالتَّخْمِينِ، وَأَصْحَابِ الزَّوْجِ وَالْفَرْدِ، فَرُبَّمَا يُصِيبُونَ اتِّفَاقًا لَا عَنْ ضَرُورَةٍ، وَرُبَّمَا يُخْطِئُونَ، وَكَثِيرًا مَا نَجِدُ مِنَ الْفَلَّاحِينَ وَالْمَلَّاحِينَ يَعْتَبِرُونَ نَزْعَ مَا اعْتَادُوا مِنْ تَوَقُّعِ الْمَطَرِ وَهُبُوبِ الرِّيَاحِ فِي أَوْقَاتٍ رَاعَوْهَا بِدَلَالَاتٍ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ جَرَّبُوهَا فِي السَّمَاءِ وَالْهَوَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَيَحْصُلُ بَعْضُ أَحْكَامِهِمُ اتِّفَاقًا لَا تَحْقِيقًا.
стр. 6350
٤٦٠٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنِ اقْتَبَسَ بَابًا مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ لِغَيْرِ مَا ذَكَرَ اللَّهُ، فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، الْمُنَجِّمُ كَاهِنٌ، وَالْكَاهِنُ سَاحِرٌ، وَالسَّاحِرُ كَافِرٌ» ". رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
٤٦٠٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنِ اقْتَبَسَ بَابًا مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ) أَيْ: تَعَلَّمَ نَوْعًا مِنْ عُلُومِهَا (لِغَيْرِ مَا ذَكَرَ اللَّهُ) وَهُوَ الثَّالِثُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ (فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ) أَيْ: أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ عِلْمِ السِّحْرِ، وَهُوَ الْعِلْمُ الْمَذْمُومُ الَّذِي بَعْضُهُ فِسْقٌ وَبَعْضُهُ كُفْرٌ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا (الْمُنَجِّمُ كَاهِنٌ، وَالْكَاهِنُ سَاحِرٌ) ; لِأَنَّهُ يَسْحَرُ النَّاسَ بِكَلَامِهِ (وَالسَّاحِرُ كَافِرٌ) . مِنَ الْكُفْرِ أَوِ الْكُفْرَانِ، أَيْ: فَكَذَلِكَ الْكَاهِنُ، وَكَذَا الْمُنَجِّمُ كَافِرٌ. (رَوَاهُ رَزِينٌ) .
стр. 6351
٤٦٠٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْ أَمْسَكَ اللَّهُ الْقَطْرَ عَنْ عِبَادِهِ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ، لَأَصْبَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: سُقِينَا بِنَوْءِ الْمِجْدَحِ» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
٤٦٠٥ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - رِضَى اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ أَمْسَكَ اللَّهُ الْقَطْرَ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَيْ: لَوْ مَنَعَ اللَّهُ الْمَطَرَ (عَنْ عِبَادِهِ خَمْسَ سِنِينَ) أَيْ: مَثَلًا، أَوِ الْمُرَادُ مُدَّةً تُورِثُ الْإِقْنَاطَ عَنْ إِنْزَالِ الْغَيْثِ، وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيِّ: لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّحْدِيدَ، بَلْ طُولَ الزَّمَانِ، فَفِيهِ بُعْدٌ ; لِأَنَّ عَدَدَ الْخَمْسِ لَيْسَ مُتَعَارَفًا فِي التَّكْثِيرِ (ثُمَّ أَرْسَلَهُ) أَيْ: أَنْزَلَ الْقَطْرَ بَعْدَهَا (لَأَصْبَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ كَافِرِينَ) وَهُمُ الْمُنَجِّمُونَ وَمُصَدِّقُوهُمْ (يَقُولُونَ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالٌ (سُقِينَا) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: مُطِرْنَا (بِنَوْءِ الْمِجْدَحِ) . بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فَمُهْمَلَةٍ مِنَ الْأَنْوَاءِ الَّتِي لَا تَكَادُ تُخْطِئُ وَهُوَ ثَلَاثَةُ كَوَاكِبَ كَالْأَثَافِيِّ، كَأَنَّهَا مِجْدَحٌ، وَهُوَ خَشَبَةٌ فِي رَأْسِهَا خَشَبَتَانِ مُعْتَرِضَتَانِ يُجْدَحُ بِهَا السَّوِيقُ، أَيْ: يُضْرَبُ وَيُخْلَطُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ نَجْمٌ مِنَ النُّجُومِ، وَقِيلَ: هُوَ ثَلَاثَةُ كَوَاكِبَ كَالْأَثَافِيِّ تَشْبِيهًا بِالْمِجْدَحِ الَّذِي لَهُ ثَلَاثُ شُعَبٍ، وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنَ الْأَنْوَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَطَرِ اهـ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ: فَأَيْنَ كَانَ هَذَا النَّوْءُ فِي مُدَّةِ خَمْسِ سِنِينَ مَثَلًا، هَلْ كَانَ يَطْلُعُ كُلَّ سَنَةٍ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لَهُ تَأْثِيرٌ دَائِمًا أَوْ فِي بَعْضِ السِّنِينَ؟ هَذَا يُظْهِرُ بُطْلَانَ قَوْلِهِمْ بِالْيَقِينِ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
стр. 6352
[كِتَابُ الرُّؤْيَا]
стр. 6353
كِتَابُ الرُّؤْيَا
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٦٠٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ " قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: " الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
كِتَابُ الرُّؤْيَا
قَالَ النَّوَوِيُّ: مَقْصُورَةٌ مَهْمُوزَةٌ وَيَجُوزُ تَرْكُهَا تَخْفِيفًا. قُلْتُ: الصَّوَابُ إِبْدَالُهَا أَوْ تَخْفِيفُهَا، وَأَمَّا تَرْكُهَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ رِوَايَةً وَدِرَايَةً. وَقَالَ الْكَشَّافُ: الرُّؤْيَا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ إِلَّا أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْمَنَامِ دُونَ الْيَقَظَةِ، فَلَا جَرَمَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِحَرْفِ التَّأْنِيثِ فِيهَا مَكَانَ تَاءِ التَّأْنِيثِ لِلْفَرْقِ، كَمَا قِيلَ فِي الْقُرْبَى وَالْقُرْبَةِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الرُّؤْيَةُ النَّظَرُ بِالْعَيْنِ وَالْقَلْبِ، رَأَيْتُهُ رُؤْيَةً وَرُؤْيَا، وَالرُّؤْيَا مَا رَأَيْتَهُ فِي مَنَامِكَ.
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: الرُّؤْيَا مَصْدَرٌ كَالْبُشْرَى وَالسُّقْيَا وَالشُّورَى، إِلَّا أَنَّهُ صَارَ اسْمًا لِهَذَا الْمُتَخَيَّلِ فِي الْمَنَامِ جَرَى مَجْرَى الْأَسْمَاءِ، وَقَالَ الْمَازَرِيُّ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ حَقِيقَةَ الرُّؤْيَا خَلْقُ اللَّهِ فِي قَلْبِ النَّائِمِ اعْتِقَادَاتٍ كَخَلْقِهَا فِي قَلْبِ الْيَقِظَانِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا يَمْنَعُهُ نَوْمٌ وَلَا يَقَظَةٌ، وَخَلْقُ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ فِي النَّائِمِ عِلْمٌ عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ تَلْحَقُهَا فِي ثَانِي الْحَالِ كَالْغَيْمِ عَلَى الْمَطَرِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٦٠٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ) أَيْ: مِنْ أَجْزَائِهَا (إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُشَدَّدَةِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: أَيِ: الْوَحْيُ مُنْقَطِعٌ بِمَوْتِي، وَلَا يَبْقَى مَا يُعْلَمُ مِنْهُ مَا سَيَكُونُ إِلَّا الرُّؤْيَا، وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُبَشِّرَاتِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْأَغْلَبِ، فَإِنَّ مِنَ الرُّؤْيَا مَا تَكُونُ مُنْذِرَةً وَهِيَ صَادِقَةٌ يُرِيهَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ رِفْقًا بِهِ، لِيَسْتَعِدَّ لِمَا يَقَعُ قَبْلَ وُقُوعِهَا. (قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) ، أَيِ: الْحَسَنَةُ أَوِ الصَّادِقَةُ، وَهِيَ مَا فِيهِ بِشَارَةٌ أَوْ تَنْبِيهٌ عَنْ غَفْلَةٍ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَعْنَى الصَّالِحَةِ الْحَسَنَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجْرِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَأَنْ تَجْرِيَ عَلَى الصَّادِقَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا صِحَّتُهَا، وَتَفْسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُبَشِّرَاتِ عَلَى الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْبِشَارَةَ كُلُّ خَبَرِ صِدْقٍ يَتَغَيَّرُ بِهِ بَشَرَةُ الْوَجْهِ وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْخَيْرِ أَكْثَرُ، وَعَلَى الثَّانِي مُؤَوَّلٌ إِمَّا عَلَى التَّغْلِيبِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 6354
٤٦٠٧ - وَزَادَ مَالِكٌ بِرِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: " «يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ» ".
ــ
٤٦٠٧ - (وَزَادَ مَالِكٌ بِرِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ) ، أَيْ: لِنَفْسِهِ (أَوْ تُرَى) : عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: يَرَاهَا مُسْلِمٌ آخَرُ (لَهُ) أَيْ: لِأَجْلِهِ أَوْ لِأَجْلِ مُسْلِمٍ آخَرَ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ كَلَامٌ يُكَلِّمُ الْعَبْدَ رَبُّهُ فِي الْمَنَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6355
٤٦٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٦٠٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ) : هُوَ مَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا: مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا. وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: مِنْ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَعِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ. وَعِنْدَ النَّوَوِيِّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَهَذِهِ أَقَلُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ، وَأَكْثَرُهَا رِوَايَةُ: سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ، وَبَقِيَتْ رِوَايَاتٌ أُخَرُ. كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَفِي جَامِعِ الصَّغِيرِ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْعَبَّاسِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ، وَسَيَأْتِي رِوَايَاتٌ أُخَرُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ، وَالنُّبُوَّةُ غَيْرُ بَاقِيَةٍ وَعِلْمُهَا بَاقٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ " «ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» ". قُلْتُ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ
стр. 6356
كُرْزٍ قَالَ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (" «السَّمْتُ الْحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ") أَيْ: مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ النُّبُوَّةِ. قُلْتُ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ، وَفِي رِوَايَةِ الضِّيَاءِ عَنْ أَنَسٍ: «السَّمْتُ الْحَسَنُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ، قَالَ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَجِيءُ عَلَى مُوَافَقَةِ النُّبُوَّةِ لَا أَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَصَرَ الْأَجْزَاءَ عَلَى سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ ; لِأَنَّ زَمَانَ الْوَحْيِ كَانَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَكَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، وَذَلِكَ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ سِنِيِّ الْوَحْيِ، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى سَائِرِهَا نِسْبَةُ جُزْءٍ إِلَى سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا. قَالَ: وَأَمَّا حَصْرُ سِنِيِّ الْوَحْيِ فِي ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِنَّهُ وَرَدَ بِهِ الرِّوَايَاتُ الْمُعْتَدُّ بِهَا مَعَ اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا كَوْنُ زَمَانِ الرُّؤْيَا فِيهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَشَيْءٌ قَدَّرَهُ هَذَا الْقَائِلُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُسَاعِدْهُ فِيهِ النَّقْلُ، وَأَرَى الذَّاهِبِينَ إِلَى التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَدْ هَالَهُمُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ قَالَ " ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ "، وَلَا حَرَجَ عَلَى أَحَدٍ فِي الْأَخْذِ بِظَاهِرِ هَذَا الْقَوْلِ، فَإِنَّ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ لَا يَكُونُ نُبُوَّةً، كَمَا أَنَّ جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الِانْفِرَادِ لَا يَكُونُ صَلَاةً، وَكَذَلِكَ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَشُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا وَجْهُ تَحْدِيدِ الْأَجْزَاءِ بِسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ، فَأَرَى ذَلِكَ مِمَّا يُجْتَنَبُ الْقَوْلُ فِيهِ وَيُتَلَقَّى بِالتَّسْلِيمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِ النُّبُوَّةِ الَّتِي لَا تُقَابَلُ بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِالْقِيَاسِ، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا قَالَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ فِي: «السَّمْتُ الْحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ إِنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ، وَقَلَّمَا يُصِيبُ مُؤَوِّلٌ فِي حَصْرِ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ، وَلَئِنْ قُيِّضَ لَهُ الْإِصَابَةُ فِي بَعْضِهَا لِمَا يَشْهَدُ لَهُ الْأَحَادِيثُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْهَا لَمْ يَسْلَمْ لَهُ ذَلِكَ فِي الْبَقِيَّةِ اهـ. وَوَافَقَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي قَدْحِهِ فِي كَوْنِ زَمَانِ الرُّؤْيَا فِيهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ رُؤْيَاهُ ﷺ قَبْلَ النُّبُوَّةِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. اهـ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ، أَيْ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ خَصْلَةً، وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْهَا، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقُ مَعَ زِيَادَةِ مَالِكٍ مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ اللَّاحِقِ، وَيَنْصُرُهُ أَيْضًا حَدِيثُ: " «السَّمْتُ الْحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» "، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَسْطُورَةِ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ بِقَرِينَةِ حَدِيثِ: " «السَّمْتُ الْحَسَنُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» " كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَحْمَدَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ: " «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ". وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ النَّجَّارِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ".
стр. 6357
٤٦٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٦٠٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ رَآنِي) أَيْ: مِثَالِي (فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) أَيْ: فَكَأَنَّهُ قَدْ رَآنِي فِي عَالَمِ الشُّهُودِ وَالنِّظَامِ، لَكِنْ لَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ لِيَصِيرَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلِيَعْمَلَ بِمَا سَمِعَ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِ، أَيْ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِرُؤْيَتِي فِي الْيَقَظَةِ إِمَّا فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي: فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي تَنْزِيلًا لِلْمُسْتَقْبَلِ مَنْزِلَةَ الْمُحَقَّقِ الْوَاقِعِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ فِي الْمَآلِ، وَقِيلَ: يَرَاهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى وَفْقِ مَنَامِهِ بِحَسَبِ مَقَامِهِ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ، أَيْ: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَأَخْبِرُوهُ بِأَنَّ رُؤْيَتَهُ حَقِيقَةٌ وَحَقَّةٌ لَيْسَتْ بِأَضْغَاثِ أَحْلَامٍ. ( «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَثَمَّلُ فِي صُورَتِي» ) : أَرَادَ بِهِ صِفَتَهُ الْمَعْرُوفَةَ لَهُ ﷺ فِي حَيَاتِهِ، وَقِيلَ: مَنْ رَآنِي عَلَى أَيِّ صُورَةٍ كَانَتْ فَقَدْ رَآنِي حَقِيقَةً ; لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي وَلَا يَتَرَاءَى بِي كَمَا فِي رِوَايَةٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَلَفْظُهُ: لَا يَتَمَثَّلُ بِي، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ لَا يَتَصَوَّرُ، أَوْ قَالَ: لَا يَتَشَبَّهُ بِي، وَفِي أُخْرَى لَا يَتَمَثَّلُنِي، هَذَا وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ اتَّحَدَا، فَدَلَّ عَلَى التَّنَاهِي فِي الْمُبَالَغَةِ كَمَا يُقَالُ: مَنْ أَدْرَكَ الضَّمَانَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْمَرْعَى، أَيْ: أَدْرَكَ مَرْعًى مُتَنَاهِيًا فِي بَابِهِ، أَيْ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى حَقِيقَتِي عَلَى كَمَالِهِ لَا شُبْهَةَ وَلَا ارْتِيَابَ فِيمَا رَأَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ، أَيْ: فِي الْحَدِيثِ الْآتِي: فَقَدْ رَآنِي الْحَقَّ، وَالْحَقُّ هُنَا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أَيْ: مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي رُؤْيَةَ الْحَقِّ، وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ: فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ مَفْعُولٌ بِهِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَالتَّتْمِيمِ لِلْمَعْنَى وَالتَّعْلِيلِ لِلْحُكْمِ.
стр. 6358
قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: مَعْنَاهُ أَنَّ رُؤْيَاهُ صَحِيحَةٌ لَيْسَتْ بِأَضْغَاثِ أَحْلَامٍ، وَلَا مِنْ تَشْبِيهَاتِ الشَّيْطَانِ أَوْ تَسْوِيلَاتِهِ. قَالَ: وَقَدْ يَرَاهُ الرَّائِي عَلَى خِلَافِ صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ كَمَنْ يَرَاهُ أَبْيَضَ اللِّحْيَةِ، وَقَدْ يَرَاهُ شَخْصَانِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ. أَحَدُهُمَا فِي الْمَشْرِقِ، وَالْآخَرُ فِي الْمَغْرِبِ، وَيَرَاهُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَكَانِهِ، حَكَاهُ الْمَازَرِيُّ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَلِ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ يَرَاهُ فَقَدْ أَدْرَكَهُ، وَلَيْسَ لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُهُ حَتَّى يُضْطَرَّ إِلَى التَّأْوِيلِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ قَدْ يُرَى عَلَى خِلَافِ صِفَتِهِ، أَوْ فِي مَكَانَيْنِ مَعًا، فَإِنَّهُ تَغْيِيرٌ فِي صِفَاتِهِ لَا فِي ذَاتِهِ، فَتَكُونُ ذَاتُهُ ﷺ مَرْئِيَّةً وَصِفَاتُهُ مُتَخَيَّلَةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ، وَالْإِدْرَاكُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَحْدِيقُ الْأَبْصَارِ، وَلَا قُرْبُ الْمَسَافَةِ، وَلَا كَوْنُ الْمَرْئِيِّ مَدْفُونًا فِي الْأَرْضِ، وَلَا ظَاهِرًا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا، فَلَوْ رَآهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ مَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَانَ هَذَا مِنْ صِفَاتِهِ الْمُتَخَيَّلَةِ لَا الْمَرْئِيَّةِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَقَدْ رَآنِي، إِذَا رَآهُ عَلَى صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ لَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنْ رُؤِيَ عَلَى خِلَافِهَا كَانَتْ رُؤْيَا تَأْوِيلٍ لَا رُؤْيَا حَقِيقَةٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ أَوْ غَيْرِهَا، كَمَا ذَكَرَهُ الْمَازَرِيُّ اهـ. كَلَامُ النَّوَوِيِّ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا، فَإِنَّ مُرَادَهُمَا أَنَّهُ ﷺ إِذَا رُؤِيَ عَلَى صِفَتِهِ الْمَسْطُورَةِ، وَهَيْئَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، بَلْ يُقَالُ: إِنَّهُ قَدْ رَآهُ عَلَى وَجْهِ الْإِطْلَاقَ، وَأَمَّا إِذَا رَآهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ كَمَا إِذَا رَآهُ مَيِّتًا فِي قِطْعَةٍ مِنْ أَرْضِ الْمَسْجِدِ، عَلَى مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ رَآهُ كَذَلِكَ، فَاحْتَاجَ إِلَى تَأْوِيلٍ وَتَعْبِيرٍ بِمَا قِيلَ أَنَّ تِلْكَ الْقِطْعَةَ مِنْ أَرْضِ الْمَسْجِدِ مَغْصُوبَةٌ، أَوْ مَمْلُوكَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عَلَى قَوَاعِدِ شَرْعِهِ ﷺ فَكَأَنَّهُ أُمِيتَ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ مَا رَآهُ إِمَامُنَا الْأَعْظَمُ فِي مَنَامِهِ الْأَكْرَمِ مِنْ جَمْعِ أَعْظُمِهِ الْمُبَارَكَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ، فَعَبَرَّ لَهُ ابْنُ سِيرِينَ بِأَنَّكَ تَصِيرُ إِمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَامِعًا لِمَعَانِي الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْمُتَفَرِّقَةِ بَيْنَ التَّابِعِينَ، وَكَثُرَ أَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَ فِي رُؤْيَاهُ ﷺ لِطَبَقَاتِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَّالِيُّ: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَأَى جِسْمِي وَبَدَنِي، بَلْ رَأَى مِثَالًا صَارَ ذَلِكَ الْمِثَالُ آلَةً يَتَأَدَّى بِهَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي نَفْسِي إِلَيْهِ، بَلِ الْبَدَنُ الْجُسْمَانِيُّ فِي الْيَقَظَةِ أَيْضًا لَيْسَ إِلَّا آلَةَ النَّفْسِ، وَالْآلَةُ تَارَةً تَكُونُ حَقِيقِيَّةً وَتَارَةً خَيَالِيَّةً، وَالنَّفْسُ غَيْرُ الْمِثَالَاتِ الْمُتَخَيَّلَةِ إِذْ لَا يُتَخَيَّلُ إِلَّا ذُو لَوْنٍ أَوْ ذُو قَدْرٍ بَعِيدٍ مِنَ الْمُتَخَيَّلِ أَوْ قَرِيبٍ، وَالْحَقُّ أَنَّ مَا يَرَاهُ مِثَالُ رُوحِهِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ النُّبُوَّةِ، فَمَا رَآهُ مِنَ الشَّكْلِ لَيْسَ هُوَ رُوحُ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا شَخْصُهُ، بَلْ هُوَ مِثَالٌ لَهُ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَمَعْنَى فَقَدْ رَآنِي مَا رَآهُ صَارَ وَاسِطَةً بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي تَعْرِيفِ الْحَقِّ إِيَّاهُ، وَكَذَلِكَ ذَاتُ اللَّهِ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الشَّكْلِ وَالصُّورَةِ، وَلَكِنْ تَنْتَهِي تَعْرِيفَاتُهُ إِلَى الْعَبْدِ بِوَاسِطَةِ مِثَالٍ مَحْسُوسٍ مِنْ نُورٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مِثَالًا لِلْجَمَالِ الْحَقِيقِيِّ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي لَا صُورَةَ فِيهِ وَلَا لَوْنَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمِثَالُ صَادِقًا وَحَقًّا وَوَاسِطَةً فِي التَّعْرِيفِ، فَيَقُولُ الرَّائِي: رَأَيْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ لَا بِمَعْنَى أَنِّي رَأَيْتُ ذَاتَهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ قَدْ يَرَاهُ ﷺ بَعْضُ النَّاسِ كَأَنَّهُ عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ، وَيَرَاهُ بَعْضُهُمْ كَأَنَّهُ عَلَى صُورَةِ أَمْرَدَ، وَوَاحِدٌ كَأَنَّهُ مَرِيضٌ، وَآخَرُ كَأَنَّهُ مَيِّتٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ، ثُمَّ يَكُونُ مَعْنَى الْخَبَرِ أَنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَا جَمْعٌ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ ; لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَاتِ جَمِيعًا، فَكَذَلِكَ لَوْ رَأَى أَحَدٌ فِي الْمَنَامِ رَبَّهُ عَلَى وَصْفٍ يَتَعَالَى عَنْهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَعْتَقِدُ فِي صِفَتِهِ تَعَالَى ذَلِكَ لَا تَضُرُّهُ تِلْكَ الرُّؤْيَا، بَلْ يَكُونُ لَهَا وَجْهٌ مِنَ التَّأْوِيلِ، قَالَ الْوَاسِطِيُّ: مَنْ رَأَى رَبَّهُ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ عَادَ تَأْوِيلُهُ إِلَى الرَّائِي، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى وَقَارِهِ وَقَدْرِ مَحِلِّهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا رَآهُ شَخْصٌ سَاكِنٌ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ وَيَكْفِي شَأْنَهُ اهـ. كَلَامُ الْقُشَيْرِيِّ.
وَهُوَ لُبُّ التَّحْقِيقِ، وَقَدْ نَشَأَ مِنَ التَّوْفِيقِ ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ فِي الْمَنَامِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ أَنَّهُ رَأَى اللَّهَ تَعَالَى بِكُفْرِهِ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي رُؤْيَةِ الْمَنَامِ اخْتِيَارٌ، وَلَمْ يَقَعْ نَصٌّ فِي النَّهْيِ عَنْ ذِكْرِ مِثْلِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِأَنْ لَا يَعْتَقِدَ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى مَا يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، فَإِذَا نَزَّهَهُ سُبْحَانَهُ سَوَاءٌ عَلِمَ تَأْوِيلَ رُؤْيَاهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَضُرَّهُ، فَفِي قَاضِيخَانَ لَوْ قَالَ: رَأَيْتُ اللَّهَ فِي الْمَنَامِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ: هَذَا الرَّجُلُ شَرٌّ مِنْ عَابِدِ الْوَثَنِ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا يَكُونُ شَرًّا مِنْهُ لِكَوْنِهِ يُثْبِتُ لِلَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ فِي الْهَوِيَّةِ الْأُلُوهِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ، وَصُدُورِ الْمَكَانِ، وَمُرُورِ الزَّمَانِ، وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ وَالصِّفَاتِ التَّنْزِيهِيَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ عَابِدُ الْوَثَنِ خَالِيًا عَنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كُفْرُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِشْرَاكِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا مَشَايِخُ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ. قَالَ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ: رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ بَاطِلٌ لَا تَكُونُ ; لِأَنَّ مَا يُرَى فِي الْمَنَامِ لَا يَكُونُ عَيْنَ الْمَوْلَى، بَلْ خَيَالٌ لَهُ
стр. 6359
وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَمَا أَظُنُّ أَنَّ قَوْلَ مَشَايِخِ بُخَارَى يَكُونُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَيَتَحَصَّلُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ رُؤْيَاهُ عَلَى وَجْهِ مَا رَآهُ بَاطِلَةٌ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَصْلِهَا لَا حَقَّةَ وَلَا حَقِيقَةَ لِشَأْنِهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ بِبُطْلَانِهَا مُطْلَقًا، فَإِذَا قَالَ الشَّخْصُ: رَأَيْتُ مَنَامًا وَيَكُونُ بَاطِلًا فَمَا وَجْهُ تَكْفِيرِهِ، مَعَ أَنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ صَادِقٌ فِي رُؤْيَاهُ، وَلَمْ يَكْفُرْ مَنْ يَكْذِبُ وَيَفْتَرِي وَيَنْسُبُ إِلَى عَيْنِهِ مَا لَمْ تَرَهُ. هَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ» "، وَذَكَرْنَا تَوْجِيهَاتِهِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَا حَالَ الْيَقَظَةِ، وَمِنْ جُمْلَةِ تَأْوِيلَاتِهِ أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى رُؤْيَا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَإِنَّهُ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: «احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْغَدْوَةِ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ، فَلَمَّا صَلَّى الْغَدْوَةَ، قَالَ: " إِنِّي صَلَّيْتُ اللَّيْلَةَ مَا قُضِيَ لِي وَوَضَعْتُ جَنْبِي فِي الْمَسْجِدِ فَأَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ» ". قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا: فَعَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِشْكَالٌ إِذِ الرَّائِي قَدْ يَرَى غَيْرَ الْمُتَشَكَّلِ مُتَشَكَّلًا وَالْمُتَشَكَّلَ بِغَيْرِ شَكْلِهِ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ خَلَلًا فِي الرُّؤْيَا، وَلَا فِي الرَّائِي، بَلْ لِأَسْبَابٍ أُخَرَ، وَلَوْلَا تِلْكَ الْأَسْبَابُ لَمَا افْتَقَرَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ إِلَى تَعْبِيرٍ اهـ. كَلَامُهُ. وَهُوَ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ثُمَّ قَالَ: وَتَرْكُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحْسَنُ. قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، بَلِ التَّحْقِيقُ وَالتَّثْبِيتُ فِيهَا أَفْضَلُ، بَلْ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِأَنَّهَا كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ، فَيُحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلِهَا وَتَبْيِينِهَا حَتَّى لَا يَقَعَ الْمُفْتِي فِي تَكْفِيرِ مُسْلِمٍ، وَلَا مُسْلِمٌ فِي كُفْرٍ مِنِ اعْتِقَادٍ بَاطِلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُ الْمَازِرِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَجَّحَ قَوْلُ الْبَاقِلَّانِيِّ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَثْبَتَ الرِّوَايَاتِ هِيَ فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَقَعَ الْجَزَاءُ مُسَبَّبًا مِنَ الشَّرْطِ، وَيَتَرَتَّبَ عَلَى الْعِلَلِ الْمُعَلَّلَةِ، فَالْمَعْنَى: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ فَلْيَسْتَبْشِرْ، وَلِيَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّؤْيَا الْحَقَّ الَّتِي هِيَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ الْمُبَشِّرَاتُ لَا الْبَاطِلُ، الَّذِي هُوَ الْحُلْمُ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْبَاطِلِ الَّذِي هُوَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يَتَمَثَّلْ بِي، وَكَيْفَ لَا تَكُونُ مُبَشِّرَاتٍ وَهُوَ الْبَشِيرُ النَّذِيرُ وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ، وَهُوَ الرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . وَعَلَى هَذَا أَيْضًا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، فَقَدْ رَآنِي الْحَقَّ، أَيْ رُؤْيَةَ الْحَقِّ لَا الْبَاطِلِ، وَكَذَا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ إِذَا اتَّحَدَا دَلَّ عَلَى الْكَمَالِ وَالْغَايَةِ، أَيْ: فَقَدْ رَآنِي رُؤْيَا لَيْسَ بَعْدَهَا كَقَوْلِهِ: " «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، فَهَجَرَتُهُ إِلَى اللَّهِ» "، وَلَا كَمَالَ أَكْمَلُ مِنَ الْحَقِّ كَمَا لَا نَقْصَ أَنْقَصُ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالْبَاطِلُ هُوَ الْكَذِبُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ، وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ، فَحِينَئِذٍ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى تِلْكَ التَّكَلُّفَاتِ وَالتَّمَحُّلَاتِ، وَلَا يَكْشِفُ الْأَسْتَارَ عَنْ تِلْكَ الْأَسْرَارِ إِلَّا مَنْ تَدَرَّبَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي، وَاعْتَلَى شَامِخَ الْبَيَانِ، وَعَرَفَ كَيْفَ يُؤَلِّفُ الْكَلَامَ وَيُصَنِّفُ، وَيُرَتِّبُ النِّظَامَ وَيَرْصُفُ.
قُلْتُ: هَذَا خُطْبَةٌ بَلِيغَةٌ عَظِيمَةٌ فِيهَا مُبَالَغَةٌ جَسِيمَةٌ وَسِيمَةٌ، لَكِنْ لَا نَعْرِفُ مَا الْمُرَادُ مِنَ التَّكَلُّفَاتِ وَالتَّمَحُّلَاتِ، وَسَائِرُ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْأَسْتَارِ عَنِ الْأَسْرَارِ الْمُغَيَّبَاتِ، فَإِنَّهُ مَا سَبَقَ إِلَّا كَلَامُ السَّابِقِينَ فِي مَيْدَانِ الْبَلَاغَةِ، وَالْمَصْدَرَيْنِ فِي دِيوَانِ الْفَصَاحَةِ مِنَ الشَّارِحِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْعَلَمُ الْأَكْمَلُ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَمِنْ شَارِحِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ الْإِمَامُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ الْمُشْتَمِلُ كَلَامُهُ عَلَى نَقْلِ مَقُولِ ابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْمَارِزِيِّ وَكَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ، وَهُمْ عُمْدَةُ الْمُحَقِّقِينَ، وَزُبْدَةُ الْمُدَقِّقِينَ، ثُمَّ خَتَمَ الْمَبْحَثَ بِقَوْلِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالْقُشَيْرِيُّ مُقْتَدَى الْأَنَامِ، فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَنْصَفَ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ قَدْرَهُ وَلَمْ يَتَعَسَّفْ، وَمَعَ هَذَا نَقُولُ: التَّسْلِيمُ أَسْلَمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6360
٤٦١٠ - وَعَنْ أَبَى قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٦١٠ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ» ) : الْمُرَادُ بِالْحَقِّ هُنَا ضِدُّ الْبَاطِلِ فَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ خِلَافِهِ هُوَ الْبَاطِلُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ هُنَا الصِّدْقُ الَّذِي ضِدُّهُ الْكَذِبُ، أَيْ: فَقَدْ صَدَقَتْ رُؤْيَاهُ، فَإِنَّهُ قَدْ رَآنِي لَا غَيْرِي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ قَوْلِهِ: فَقَدْ رَآنِي الْحَقَّ، أَيْ: رُؤْيَةَ الْحَقِّ، أَوْ مَعْنَاهُ: فَقَدْ رَأَى رُؤْيَا الْحَقِّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَرَاءَانِي» ".
стр. 6361
٤٦١١ - وَعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٦١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ» ) ، أَيْ: فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ أَقْوَالٌ. أَحَدُهَا: أَنْ يُرَادَ بِهِ أَهْلُ عَصْرِهِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ رَآهُ فِي النَّوْمِ وَلَمْ يَكُنْ هَاجَرَ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ لِلْهِجْرَةِ، وَرُؤْيَتِهِ ﷺ فِي الْيَقَظَةِ عِيَانًا. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يَرَى تَصْدِيقَ تِلْكَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَةِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ; لِأَنَّهُ يَرَاهُ فِي الْآخِرَةِ جَمِيعُ أُمَّتِهِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يَرَاهُ فِي الْآخِرَةِ رُؤْيَةً خَاصَّةً فِي الْقُرْبِ مِنْهُ، وَحُصُولِ شَفَاعَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي) : فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: خَصَّ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِأَنَّ رُؤْيَةَ النَّاسِ إِيَّاهُ صَحِيحَةٌ، وَكُلُّهَا صِدْقٌ، وَمَنَعَ الشَّيْطَانَ أَنْ يَتَصَوَّرَ فِي خِلْقَتِهِ لِئَلَّا يَكْذِبَ عَلَى لِسَانِهِ فِي النَّوْمِ، كَمَا أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعَادَةَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالْمُعْجِزَةِ، فَكَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَتَصَوَّرَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فِي الْيَقَظَةِ، وَلَوْ وَقَعَ لَاشْتَبَهَ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَلَمْ يُوثَقْ بِمَا جَاءَ بِهِ مَخَافَةً مِنْ هَذَا التَّصْوِيرِ، فَحَمَاهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الشَّيْطَانِ وَنَزْغِهِ وَوَسْوَسَتِهِ وَإِغْوَائِهِ وَكَيْدِهِ. وَكَذَلِكَ حَمَى رُؤْيَاهُمْ عَنْهُ بِالنَّوْمِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
стр. 6362
٤٦١٢ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ؟ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثُ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفُلْ ثَلَاثًا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٦١٢ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَيُضَمُّ، مَا يُرَى فِي الْمَنَامِ مِنَ الْخَيَالَاتِ الْفَاسِدَةِ (مِنَ الشَّيْطَانِ) : أَضَافَهَا إِلَيْهِ لِكَوْنِهَا عَلَى مُرَادِهِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْحُلْمُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ، لَكِنْ غَلَبَتِ الرُّؤْيَا عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّيْءِ الْحَسَنِ، وَغَلَبَ الْحُلْمُ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ الشَّرِّ، وَالْأَمْرِ الْقَبِيحِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] ، وَيُسْتَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ وَتُضَمُّ لَامُ الْحُلْمِ وَتُسَكَّنُ اهـ. لَكِنْ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بِمَعْنَى: أَخْلَاطُهَا حَيْثُ خُلِطَ بَعْضُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخَيْرِ بِبَعْضِ مَا يَدُلُّ عَلَى الشَّرِّ، فَحِينَئِذٍ يَعْجِزُ عَنْهُ أَكْثَرُ الْمُعَبِّرِينَ الَّذِينَ هُمْ لَيْسُوا بِحَاذِقِينَ بِخِلَافِ الْحُلْمِ الْخَاصِّ بِالْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ، فَإِنَّهُ يُدْرِكُهُ الْمُعَبِّرُ وَقَدْ يُدْرِكُهُ غَيْرُهُ أَيْضًا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، وَلِذَا قَالَ الْمُعَبِّرُونَ فِي زَمَنِ يُوسُفَ ﵇: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾ [يوسف: ٤٤] أَيْ: تِلْكَ الْأَحْلَامِ (بِعَالِمِينَ) ، أَوْ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ مُطْلَقًا، فَإِنَّ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُعَبِّرُ مِنْ غَيْرِهِ هُوَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْأَحْلَامِ، وَلِذَا كَادَ أَنْ يَقْرُبَ تَأْوِيلُهُ إِلَى الْمُعْجِزَةِ أَوِ الْكَرَامَةِ، وَلِذَا مَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى يُوسُفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] وَعَمَّمَ هَذِهِ الْمِنَّةِ عَلَى نَبِيِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ ﷺ جَمِيعِهَا بِقَوْلِهِ : ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] زَادَهُ تَبْجِيلًا وَتَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، وَسَيَأْتِي بَعْضُ تَأْوِيلَاتِهِ ﷺ لِبَعْضِ أَحْلَامِهِ، أَوْ أَحْلَامِ بَعْضِ أَعْلَامِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ لِلرُّؤْيَا وَالْحُلْمِ، لَكِنْ جَعَلَ الرُّؤْيَا وَالِاعْتِقَادَاتِ الَّتِي هِيَ أَعْلَامٌ عَلَى مَا يَسُرُّ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الشَّيْطَانِ مَحْبُوبَةً، وَجَعَلَ مَا هُوَ عَلَامَةٌ عَلَى مَا يَضُرُّ بِحَضْرَةِ الشَّيْطَانِ مَكْرُوهَةً، فَتُنْسَبُ إِلَى الشَّيْطَانِ مَجَازًا لِحُضُورِهِ عِنْدَهَا، لَا عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَقِيلَ: إِضَافَةُ الرُّؤْيَا الْمَحْبُوبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ، وَإِضَافَةُ الْمَكْرُوهَةِ إِلَى الشَّيْطَانِ ; لِأَنَّهُ يَرْضَاهَا وَيُسَرُّ بِهَا. (فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ) : بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَيُسَكَّنُ، أَيْ: فَلَا يَحْكِي وَلَا يُخْبِرْ بِهِ. (إِلَّا مَنْ يُحِبُّ) أَيْ: مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ وَالْأَقْرِبَاءِ، وَيَحْمَدَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: «إِذَا رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يُحِبُّ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ» . (وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ) أَيْ: فَلَا يَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِهِ سُبْحَانَهُ، وَلْيَلْتَجِئْ إِلَيْهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِهِ (مِنْ شَرِّهَا) أَيْ: شَرِّ تِلْكَ الرُّؤْيَا الْفَاسِدَةِ (وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ) : أَيِ: الَّذِي يَفْرَحُ بِهَا وَيُلْقِي الْوَسْوَسَةَ إِلَى صَاحِبِهَا.
стр. 6363
(وَلْيَتْفُلْ) : بِضَمِّ الْفَاءِ، وَقِيلَ بِكَسْرِهَا، أَيْ: يَبْصُقُ (عَنْ يَسَارِهِ) : كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِيَنْفُثْ وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ. قَالَ الْجَزَرِيُّ: التَّفْلُ شَبِيهٌ بِالْبَزْقِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْهُ فَأَوَّلُهُ الْبَزْقُ، ثُمَّ التَّفْلُ، ثُمَّ النَّفْثُ، ثُمَّ النَّفْخُ اهـ. وَالْمَعْنَى لِيَبْصُقْ مَاءَ فَمِهِ كَرَاهَةَ الرُّؤْيَا وَتَحْقِيرًا لِلشَّيْطَانِ (ثَلَاثًا) : لِلْمُبَالَغَةِ (وَلَا يُحَدِّثْ) : بِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى لِيَتْفُلْ، أَيْ: وَلَا يُخْبِرْ (بِهَا أَحَدًا) أَيْ: سَوَاءٌ مِمَّنْ يُحِبُّهُ أَوْ لَا يُحِبُّهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَ النِّعْمَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] ، وَأَمَّا وَقْتَ الْبَلِيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ الْعَبْدُ إِلَى مَوْلَاهُ، وَأَنْ يَنْقَطِعَ عَمَّا سِوَاهُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] ، وَقَالَ يَعْقُوبُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] ، كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ. (فَإِنَّهَا) ، أَيِ: الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةُ (لَنْ تَضُرَّهُ) أَيْ: حِينَئِذٍ ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْحَبِيبِ حَبِيبٌ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَحْمُودُ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ، فَيَحْصُلُ حِينَئِذٍ الرِّضَا بِجَمِيعِ أَحْوَالِهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَى لَنْ تَضُرَّهُ: أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ فِعْلَهُ مِنَ التَّعَوُّذِ وَالتَّفْلِ وَغَيْرِهِ سَبَبًا لِسَلَامَتِهِ مِنْ مَكْرُوهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، كَمَا جَعَلَ الصَّدَقَةَ وِقَايَةً لِلْمَالِ، وَسَبَبًا لِدَفْعِ الْبَلَاءِ. وَقَوْلُهُ: لَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، أَيْ: حَتَّى لَا يُفَسِّرَهَا أَحَدٌ تَفْسِيرًا مَكْرُوهًا عَلَى ظَاهِرِ صُورَتِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، فَوَقَعَتْ كَذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَسَيَجِيءُ تَمَامُ الْبَحْثِ فِيهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَلَفْظُهُ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ وَالرُّؤْيَا السُّوءُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا يَكْرَهُ مِنْهَا شَيْئًا فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَةً حَسَنَةً فَلْيُبْشِرْ وَلَا يُخْبِرْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ» .
стр. 6364
٤٦١٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٦١٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا) : صِفَةٌ أَوْ حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (فَلْيَبْصُقْ) بِضَمِّ الصَّادِ، أَيْ: لِيَبْزُقْ (عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا) : قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَمْرُ بِالتَّفْلِ وَالْبَصْقِ طَرْدٌ لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ رُؤْيَاهُ الْمَكْرُوهَةَ وَتَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا لِفِعْلِهِ، وَخَصَّ بِهَا الْيَسَارَ ; لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْأَقْذَارِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَنَحْوِهِمَا. (وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ: إِلَى جَنْبِهِ الْآخَرِ فِرَارًا مِنَ الْقَضَاءِ إِلَى الْقَدَرِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 6365
٤٦١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ يَكَدْ يَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: وَأَنَا أَقُولُ: الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: حَدِيثُ النَّفْسِ، وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ، وَبُشْرَى مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ.
قَالَ: وَكَانَ يُكْرَهُ الْغُلُّ فِي النَّوْمِ، وَيُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ. وَيُقَالُ: الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٦١٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ يَكَدْ) أَيْ: لَمْ يَقْرُبْ (يَكْذِبُ) : بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّأْنِيثِ (رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ) : قَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَرَادَ آخِرَ الزَّمَانِ وَاقْتِرَابَ السَّاعَةِ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا قَلَّ وَتَقَاصَرَ تَقَارَبَتْ أَطْرَافُهُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمُقْتَصِرِ مُتَقَارِبٌ، وَيَقُولُونَ: تَقَارَبَتْ إِبِلُ فُلَانٍ إِذَا قَلَّتْ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ (فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ) . وَثَانِيهَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْتِوَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِزَعْمِ الْعَابِرِينَ أَنَّ أَصْدَقَ الْأَزْمَانِ لِوُقُوعِ الْعِبَارَةِ وَقْتُ انْفِتَاقِ الْأَنْوَارِ، وَزَمَانُ إِدْرَاكِ الْأَثْمَارِ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ. ثَالِثُهَا أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ حَتَّى تَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَالْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ. قَالُوا: يُرِيدُ بِهِ زَمَنَ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ، وَبَسْطِ الْعَدْلِ، وَذَلِكَ زَمَانٌ يَسْتَقْصِرُ لِاسْتِلْذَاذِهِ فَيَتَقَارَبُ أَطْرَافُهُ.
стр. 6366
قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ زَمَنُ الدَّجَّالِ وَأَيَّامُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَإِنَّهُ مِنْ كَثْرَةِ التَّعَبِ وَالْآلَامِ، وَعَدَمِ الشُّعُورِ بِأَزْمِنَةِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، تَتَقَارَبُ أَطْرَافُهُ فِي الْأَعْوَامِ، وَأَيْضًا يَحْتَاجُ الْمُؤْمِنُ حِينَئِذٍ إِلَى مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مَطْلُوبِهِ، وَيَسْتَأْنِسُ بِهِ فِي طَرِيقِ مَحْبُوبِهِ، فَيُعَانُ لَهُ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، وَشُعْبَةٍ مِنْ شُعَبِ أَرْبَابِ الْوِلَايَةِ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اخْتُلِفَ فِي خَبَرِ كَادَ الْمَنْفِيِّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَكُونُ أَيْضًا مَنْفِيًّا ; لِأَنَّ حَرْفَ النَّفْيِ الدَّاخِلَ عَلَى كَادَ يَنْفِي قُرْبَ حُصُولِهِ، وَالنَّافِي لِقُرْبِ حُصُولِ الشَّيْءِ أَدَلُّ عَلَى نَفْيِهِ نَفْسَهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] ، قُلْتُ: وَلَفْظُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِذَا قَرُبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا» ، كَذَا فِي الْجَامِعِ. ( «وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ، وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ) أَيْ: مِنْ أَجْزَائِهَا (فَإِنَّهُ لَا يَكْذِبُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الذَّالِ، أَيْ: لَا يَكُونُ كَاذِبًا، بَلْ يَقَعُ صَادِقًا. وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِكْذَابِ، أَيْ: لَا يُنْسَبُ إِلَى الْكَذِبِ. (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) : وَهُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ (وَأَنَا أَقُولُ: الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ) : كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ وَشَرْحِهِ لِلْخَطَّابِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَنُسَخِ الْمَصَابِيحِ: ثَلَاثَةٌ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَلَعَلَّ مَنْشَأَ الْخِلَافِ كَوْنُ الْمَصْدَرِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. (حَدِيثُ النَّفْسِ) ، كَنِسْبَةِ الْعَاشِقِ وَالْمَعْشُوقِ، وَمِنْهُ قِيلَ: مَا تَرَى الْهِرَّةُ فِي نَوْمِهَا إِلَّا الْفَأْرَةَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ: كَمَا تَعِيشُونَ تَمُوتُونَ وَكَمَا تَمُوتُونَ تُحْشَرُونَ، وَكُلُّ إِنَاءٍ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ. (وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ) ، أَيْ: بِأَنْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِ وَقْتَهُ الصَّافِيَ فَيُرِيَهُ فِي النَّوْمِ أَنَّهُ قُطِعَ رَأْسُهُ مَثَلًا (وَبُشْرَى مِنَ اللَّهِ) ، أَيْ: إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلرَّائِي، أَوِ الْمَرْئِيِّ لَهُ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ بَيَانُ أَنْ لَيْسَ كُلُّ مَا يَرَاهُ الْإِنْسَانُ فِي مَنَامِهِ يَكُونُ صَحِيحًا، وَيَجُوزُ تَعْبِيرُهُ، إِنَّمَا الصَّحِيحُ مِنْهَا مَا كَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يَأْتِيكَ بِهِ مَلَكُ الرُّؤْيَا مِنْ نُسْخَةِ أُمِّ الْكِتَابِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ لَا تَأْوِيلَ لَهَا، وَهِيَ عَلَى أَنْوَاعٍ؛ قَدْ تَكُونُ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ يَلْعَبُ بِالْإِنْسَانِ وَيُرِيهِ مَا يُحْزِنُهُ، وَلَهُ مَكَايِدُ يُحْزِنُ بِهَا بَنِي آدَمَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] وَمِنْ لَعِبِ الشَّيْطَانِ بِهِ الِاحْتِلَامُ الَّذِي يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَلَا يَكُونُ لَهُ تَأْوِيلٌ. قُلْتُ: إِذَا كَانَ رُؤْيَتُهُ عَلَى وَجْهٍ شَرْعِيٍّ قَدْ يُؤَوَّلُ لَهُ بِالزَّوَاجِ عَلَى الْمَرْئِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا. قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ كَمَنْ يَكُونُ فِي أَمْرٍ أَوْ حِرْفَةٍ يَرَى نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ وَالْعَاشِقُ يَرَى مَعْشُوقَهُ (فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ) : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْفَاءُ فِيهِ لِلتَّفْرِيعِ وَالتَّفْصِيلِ، وَفِي مُخْتَصَرِ الطِّيبِيِّ قَوْلُهُ: فَمَنْ تَفْصِيلٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ، وَتَقْسِيمُ ابْنِ سِيرِينَ وَاقِعٌ بَيْنَهُمَا اهـ. وَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي كَلَامِ الطِّيبِيِّ، بَلْ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي مَحِلِّهِ وَلَا ثَمَّةَ دَلَالَةٌ عَلَى مَقُولِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ مَرْفُوعٌ، فَالتَّقْدِيرُ أَنَا أَقُولُ أَيْ: رِوَايَةُ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ، فَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ثَلَاثَةٌ. مِنْهَا تَهَاوِيلُ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ابْنُ آدَمَ، وَمِنْهَا مَا يَهُمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ فَيَرَاهُ فِي مَنَامِهِ، وَمِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، أَيْ: فَهِيَ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، هَذَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لِابْنِ سِيرِينَ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرْهُ مِمَّنْ رَوَاهُ أَوْ وَقَعَ لَهُ تَوَارُدًا. وَقَالَ: هَذَا الْكَلَامُ مُصَادَفَةً وَمُوَافَقَةً لِلْحَصْرِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْطُورِ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثًا آخَرَ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ يَحْصُلُ بِهِ تَمَامُ الْمَرَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَلَا يَقُصَّهُ) : بِتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمَفْتُوحَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا، فَالْأَوَّلُ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ، وَالثَّانِي يَحْتَمِلُ النَّهْيَ وَالنَّفْيَ، لَكِنَّهُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ: لَا يَحْكِيهِ (عَلَى أَحَدٍ) ، يَسْتَوِي فِيهِ الْمُحِبُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةَ فَلْيُفَسِّرْهَا أَوْ لِيُخْبِرْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى الرُّؤْيَا الْقَبِيحَةَ فَلَا يُفَسِّرْهَا وَلَا يُخْبِرْ بِهَا» (وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ) . يَعْنِي: لِيَدْفَعَ اللَّهُ الشَّيْطَانَ عَنْهُ بِبَرَكَةِ قِيَامِهِ وَأَدَاءِ صَلَاتِهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ نَشِيطًا، وَإِلَّا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، كَمَا
стр. 6367
سَبَقَ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ وَهُوَ الْأَوْلَى، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْجَزَرِيَّ ذَكَرَ فِي الْحِصْنِ قَوْلَهُ: وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَرَمَزَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ مُوهَمٌ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ فِي الْبُخَارِيِّ، بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، نَعَمْ هُوَ مَرْفُوعٌ فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ.
(قَالَ) أَيْ: مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ إِعَادَةِ قَالَ طُولُ الْفَصْلِ بِالْمَقَالِ.
(وَكَانَ يُكْرَهُ الْغُلُّ فِي النَّوْمِ، وَيُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ) . قِيلَ فَاعِلُ قَالَ إِنْ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ قَالَ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْحَدِيثِ، وَيَكُونُ فَاعِلَ يُقَالُ، وَيَكْرَهُ ضَمِيرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ ضَمِيرٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَضَمِيرُهُمْ فِي تُعْجِبُهُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ أَوْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمْثَالِهِ، وَإِنْ كَانَ فَاعِلُ قَالَ ضَمِيرَ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ سِيرِينَ كَانَ مَا بَعْدَهُ مَنْقُولًا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَكَانَ فَاعِلُ يَكْرَهُ ضَمِيرَهُ وَضَمِيرَهُمْ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ وَمُعَاصِرِيهِ مِنَ الْمُعَبِّرِينَ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ الْأَخِيرَ إِعَادَةُ قَالَ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ: الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ) ، أَيْ: ثَبَاتُ قَدَمٍ وَرُسُوخُ تَمْكِينٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، لَكِنْ لَهُمَا تَرَدُّدٌ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ.
стр. 6368
٤٦١٥ - قَالَ الْبُخَارِيُّ: رَوَاهُ قَتَادَةُ وَيُونُسُ وَهُشَيْمٌ وَأَبُو هِلَالٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ يُونُسُ: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقَيْدِ. وَقَالَ مُسْلِمٌ: لَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ؟ .
وَفِي رِوَايَةٍ نَحْوُهُ، وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: " وَأَكْرَهُ الْغُلَّ. " إِلَى تَمَامِ الْكَلَامِ.
ــ
٤٦١٥ - (قَالَ الْبُخَارِيُّ: رَوَاهُ) أَيِ: الْحَدِيثَ مُطْلَقًا أَوْ بِالْقَيْدِ (قَتَادَةُ وَيُونُسُ وَهُشَيْمٌ وَأَبُو هِلَالٍ) أَيْ: كُلُّهُمْ (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَيْ: مَرْفُوعًا فِي أَوَّلِهِ وَمَوْقُوفًا فِي آخِرِهِ. (وَقَالَ يُونُسُ) أَيْ: أَحَدُ الرُّوَاةِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ (لَا أَحْسَبُهُ) أَيْ: لَا أَظُنُّ الْحَدِيثَ (إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقَيْدِ) ، أَيْ: فِي شَأْنِهِ. قُلْتُ: وَتَعْبِيرُهُ بِيُقَالُ مِمَّا يَأْبَى أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا.
(وَقَالَ مُسْلِمٌ: لَا أَدْرِي هُوَ) أَيِ: الْقَيْدُ (فِي الْحَدِيثِ) أَيْ: مَرْفُوعٌ أَوْ مَوْقُوفٌ (أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ؟) أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ. قُلْتُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَكَّ فِيهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، لَا يُقَالُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ، وَيُقَالُ: الْقَيْدُ، بَلْ فِي قَوْلِهِ: وَيُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ ; لِأَنَّنَا نَقُولُ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ هَذَا لَمَا خُصَّ بِالْقَيْدِ ; لِأَنَّ الْغُلَّ كَذَلِكَ، هَذَا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ فَاعِلَ قَالَ رَاوِي ابْنِ سِيرِينَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَقَوْلُهُ: وَكَانَ يَكْرَهُ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ مَقُولًا لِرَاوِي ابْنِ سِيرِينَ، فَيَكُونُ اسْمُ كَانَ ضَمِيرَ ابْنِ سِيرِينَ، وَأَنْ يَكُونَ مَقُولًا لِابْنِ سِيرِينَ، فَاسْمُهُ ضَمِيرُ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَوْلُ مُسْلِمٍ: لَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَوْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ مَعْنَاهُ: لَا أَدْرِي أَنَّ قَالَ مَقُولٌ لِرَاوِي ابْنِ سِيرِينَ، فَيَكُونُ قَوْلًا لِابْنِ سِيرِينَ، أَوْ يَكُونُ مَقُولًا لِابْنِ سِيرِينَ، فَيَكُونُ مِنَ الْحَدِيثِ إِمَّا عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاخْتَارَ يُونُسُ أَنْ يَكُونَ مَقُولًا لِابْنِ سِيرِينَ، وَاسْمُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِقَوْلِهِ: لَا أَحْسَبُهُ، أَيْ: قَالَ يُونُسُ فِي شَأْنِ الْقَيْدِ لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَوْلُهُ: وَأَنَا أَقُولُ يُشْعِرُ بِالِاخْتِصَاصِ، وَرَفْعِ التَّوَهُّمِ أَنَّ هَذِهِ الْخِلَالَ الثَّلَاثَ مِنْ مَتْنِ الْحَدِيثِ الَّذِي أُدْرِجَ فِيهِ هَذِهِ الْخِلَالُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. قُلْتُ: فِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ.
(وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُمَا أَوْ لِمُسْلِمٍ (نَحْوُهُ) أَيْ: نَحْوُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَعْنَى (وَأُدْرِجَ) أَيْ: أُدْخِلَ وَأُدْمِجَ (فِي الْحَدِيثِ) أَيْ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (قَوْلُهُ: " وَأَكْرَهُ الْغُلَّ " إِلَى تَمَامِ الْكَلَامِ) فَيَكُونُ أَكْرَهُ عَطْفًا عَلَى أَقُولُ، فَيَصِيرُ نَصًّا عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الصَّحِيحُ، وَبِهَذَا التَّبْيِينِ يَتَّضِحُ مَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ قَتَادَةُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَأَدْرَجَ الْكُلَّ فِي الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ: وَيُقَالُ الْقَيْدُ مِنْ أَقْوَالِ الْمُعَبِّرِينَ اهـ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: فَبُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ، وَتَخْوِيفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا تُعْجِبُهُ فَلْيَقُصَّهَا إِنْ شَاءَ، وَإِنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ وَلْيَقُمْ يُصَلِّي، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ وَأُحِبُّ الْقَيْدَ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ» " اهـ. فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَلَمْ يَتَّضِحْ حَدِيثٌ إِلَّا بِجَمْعِ أَلْفَاظِهِ وَرِوَايَاتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6369
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا أُحِبُّ الْقَيْدَ ; لِأَنَّهُ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَهُوَ كَفٌّ مِنَ الْمَعَاصِي وَالشُّرُورِ وَأَنْوَاعِ الْبَاطِلِ. قُلْتُ: وَفِيهِ إِيمَاءٌ أَيْضًا إِلَى اخْتِيَارِ الْخَلْوَةِ وَتَرْكِ الْجَلْوَةِ، كَمَا هُوَ شَأْنُ أَرْبَابِ الْعُزْلَةِ مِنْ تَرْكِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْخُرُوجِ بِالْأَقْدَامِ وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِمْ: الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ. قَالَ: وَأَبْغَضُ الْغُلَّ ; لِأَنَّ مَوْضِعَهُ الْعُنُقُ، وَهُوَ صِفَةُ أَهْلِ النَّارِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] ، قُلْتُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ أَيْضًا إِلَى أَنَّ الرَّقَبَةَ مُسْتَثْقَلَةٌ بِالذِّمَّةِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ، فَهَذَا الِاسْتِثْقَالُ فِي الدُّنْيَا يُورِثُ الْأَغْلَالَ فِي الْأُخْرَى، ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا قَالَ: وَإِنَّمَا يَكُونُ الْغُلُّ فِي النَّوْمِ ; لِأَنَّ الْغُلَّ تَقْيِيدُ الْعُنُقِ وَتَثْقِيلُهُ بِتَحَمُّلِ الدَّيْنِ أَوِ الْمَظَالِمِ، أَوْ كَوْنُهُ مَحْكُومًا وَرَقِيقًا مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ، أَوْ لِأَنَّهُ حَقُّ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا أَهْلُ التَّعْبِيرِ فَقَالُوا: إِذَا رَأَى الْقَيْدَ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَهُوَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ مَشْهَدِ خَيْرٍ، أَوْ عَلَى حَالَةٍ حَسَنَةٍ، فَهُوَ دَلِيلٌ لِثَبَاتِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ رَآهُ مَرِيضٌ، أَوْ مَسْجُونٌ، أَوْ مُسَافِرٌ أَوْ مَكْرُوبٌ، كَانَ دَلِيلًا عَلَى ثَبَاتِهِ فِيهِ. قُلْتُ: بَلْ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى صَبْرِهِ وَثَبَاتِ قَدَمِهِ بِعَدَمِ الْجَزَعِ وَالْفَزَعِ وَالتَّرَدُّدِ إِلَى مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ، وَبِالْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ. قَالَ: وَإِذَا انْضَمَّ مَعَهُ الْغُلُّ دَلَّ عَلَى زِيَادَةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ. قُلْتُ: بَلْ لَهُ إِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِ تَخْلِيصِ مَا فِي رَقَبَتِهِ مِنْ قَضَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّوْبَةِ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَأَدَاءِ دُيُونِ الْعِبَادِ، وَاسْتِحْلَالِ مَا صَدَرَ مِنْهُ فِي الْبِلَادِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرُّؤْيَا مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ الرَّائِي، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَالِكًا مِنْ مَسَالِكِ طَرِيقِ الدُّنْيَا، وَقَدْ يَكُونُ سَائِرًا فِي مَسَائِرِ صِرَاطِ الْعُقْبَى، فَلِكُلٍّ تَأْوِيلٌ يَلِيقُ بِهِ وَيُنَاسِبُ بِحَالِهِ وَمَقَامِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، وَلِذَا لَمْ يَجْعَلِ السَّلَفُ فِيهِ تَأْلِيفًا مُسْتَقِلًّا جَامِعًا شَامِلًا كَافِلًا لِأَنْوَاعِ الرُّؤْيَا، وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي بَعْضِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْقَضَايَا، وَلِذَا لَمْ تَلْقَ مُعَبِّرَيْنِ يَكُونَانِ فِي تَعْبِيرِهِمَا لِشَيْءٍ مُتَّفِقَيْنِ. قَالَ: وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْيَدَانِ مَغْلُولَتَيْنِ فِي الْعُنُقِ، فَهُوَ حَسَنٌ وَدَلِيلٌ عَلَى فَكِّهِمَا مِنَ الشَّرِّ. قُلْتُ: وَمَا أَبْعَدَ هَذَا التَّأْوِيلَ. نَعَمْ قَوْلُهُ: وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى الْبُخْلِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْإِمْسَاكَ الْمَالِيَّ وَالْبُخْلَ الْفَعَّالِيَّ، فَقَوْلُهُ: وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ مَا نَوَاهُ مِنَ الْأَفْعَالِ مُسْتَدْرَكٌ فِي الْمَآلِ، وَلَهُ وَجْهٌ آخَرُ أَنْ يُؤَوَّلَ لَهُ بِالْعُقُوبَةِ إِنْ لَمْ يَنْتَهِ عَمَّا فِيهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَمَّا سَيَقَعُ لَهُمْ مِنَ الْأَغْلَالِ فِي الْآخِرَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ: وَكَانَ يَكْرَهُ الْغُلَّ ; لِأَنَّهُ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَتِ الْيَدَانِ مَعَهُ أَوْ بِدُونِهِ، بَلْ كَوْنُهُمَا مَعَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ كَرَاهَةً، فَكَيْفَ يَكُونُ حَسَنًا.
стр. 6370
٤٦١٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ. قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: " إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٦١٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ. قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ وَهَذَا فِي نُسْخَةٍ. وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِدُونِهِ قَالَ. ( «فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ» ) أَيْ: لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَصِيرُ ضِحْكَةً فَيَحْصُلُ لَهُ الْخَجَالَةُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ أَنَّ مَنَامَهُ هَذَا مِنَ الْأَضْغَاثِ بِوَحْيٍ أَوْ لِدَلَالَةٍ دَلَّتْهُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ الَّذِي هُوَ مِنْ تَحْرِيشِ الشَّيْطَانِ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ هُوَ الْأَخِيرُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَفْسُ الْحَدِيثِ. قَالَ: وَأَمَّا الْمُعَبِّرُونَ، فَإِنَّهُمْ يُؤَوِّلُونَ قَطْعَ الرَّأْسِ بِمُفَارَقَةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، أَيِ: الدُّنْيَوِيَّةِ، أَوِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَهُولَةِ. قَالَ: أَوْ مُفَارَقَةُ قَوْمِهِ وَزَوَالُ سُلْطَانِهِ وَتَغْيِيرُ حَالِهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا زِيَادَةُ تَهْوِيلٍ لَا سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابِيِّ الَّذِي رَأَسُهُ وَرَئِيسُهُ سَيِّدُ الْخَلْقِ ﷺ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَيَدُلُّ عَلَى عِتْقِهِ، أَوْ مَرِيضًا فَعَلَى شِفَائِهِ، أَوْ مَدْيُونًا فَعَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ. قُلْتُ: لَا يَخْفَى بَعْدَ دَلَالَتِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ فَعَلَى أَنَّهُ يَحُجُّ، أَوْ مَغْمُومًا فَعَلَى فَرَجِهِ، أَوْ خَائِفًا فَعَلَى أَمْنِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.
стр. 6371
٤٦١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَأُوتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٦١٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ) : أَيْ فِي جُمْلَةِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ الصَّالِحُ الرُّؤْيَا (كَأَنَّا) بِتَشْدِيدِ النُّونِ يَعْنِي: أَنَا وَأَصْحَابِي (فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَأَتَيْنَا) : أَيْ جِئْنَا (بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ) ، بِالتَّنْوِينِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّابَ بِمَعْنَى الطَّيِّبِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ عَلَى عَدَمِ صَرْفِهِ، وَلَعَلَّهُ رِعَايَةٌ لِأَصْلِهِ، فَإِنَّهُ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ. قِيلَ: هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: وَطَيْبَةُ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ كَطَابَةَ، وَعَذْقُ بْنُ طَابٍ نَخْلٌ بِهَا، أَوِ ابْنُ طَابٍ ضَرْبٌ مِنَ الرُّطَبِ. (فَأَوَّلْتُ أَنَّ الرِّفْعَةَ) : أَيِ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ رَافِعٌ (لَنَا فِي الدُّنْيَا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ١١] (وَالْعَاقِبَةَ) : أَيِ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ عُقْبَةَ (فِي الْآخِرَةِ) : أَيْ لَنَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] أَيِ: الْعَاقِبَةُ الْحَسَنَةُ لِاشْتِهَارِهَا فِيهَا. (وَأَنَّ دِينَنَا) : أَيْ مَذُوقَنَا الْمَعْنَوِيَّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ الْمُشَبَّهُ بِالرُّطَبِ (قَدْ طَابَ) أَيْ: كَمُلَ إِحْكَامُهُ وَحَسُنَ زَمَانُهُ وَأَيَّامُهُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: تَأْوِيلُهُ هَكَذَا قَانُونٌ فِي قِيَاسِ التَّعْبِيرِ عَلَى مَا يُرَى فِي الْمَنَامِ بِالْأَسْمَاءِ الْحَسَنَةِ، كَمَا أَخَذَ الْعَاقِبَةَ مَنْ لَفْظِ عُقْبَةَ، وَالرِّفْعَةَ مِنْ رَافِعٍ، وَطَيِّبَ الدِّينِ مِنْ طَابٍ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ، وَيَكْرَهُ التَّطَيُّرَ، وَإِلَّا فَالْأَسْمَاءُ وَالْأَلْفَاظُ ذَوَاتُ جِهَاتٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ، فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَعْدَاءِ يُمْكِنُ أَخْذُ الْعُقُوبَةِ مِنْ عُقْبَةَ، وَرَفْعِهِمْ مِنْ رَافِعٍ، وَطَابَ مَوْتُهُمْ مَنْ طَابٍ، وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مَسْلَكَ الرُّؤْيَا دَقِيقٌ يَحْتَاجُ إِلَى نَوْعِ تَوْفِيقٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْعَقِبُ وَالْعُقْبَى يَخْتَصَّانِ بِالثَّوَابِ نَحْوَ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤] ، وَالْعَاقِبَةُ إِطْلَاقُهَا يَخْتَصُّ بِالثَّوَابِ نَحْوَ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وَبِالْإِضَافَةِ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْعُقُوبَةِ نَحْوَهُ: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى﴾ [الروم: ١٠] قُلْتُ: الْعَاقِبَةُ فِي الْآيَةِ لَيْسَتْ بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ، بَلْ بِمَعْنَى عَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ وَنِهَايَةِ قَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ، أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُّوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ، نَعَمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] لَهُ وَجْهٌ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6372
٤٦١٨ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ. وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ: أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا، فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٦١٨ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا) ، أَيْ: فِي تِلْكَ الْأَرْضِ (نَخْلٌ) ، اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنَى نَخِيلٍ! (فَذَهَبَ وَهْلِي) : بِسُكُونِ الْهَاءِ وَيُفْتَحُ أَيْ: وَهْمِي. قَالَ شَارِحٌ: هُوَ بِسُكُونِ الْهَاءِ يُقَالُ: وَهَلْتُ إِلَيْهِ بِالْفَتْحِ أَهِلُ بِالْكَسْرِ وَهْلًا إِذَا ذَهَبَ وَهْمُكَ إِلَيْهِ وَأَنْتَ تُرِيدُ غَيْرَهُ، وَالْوَهَلُ بِالتَّحْرِيكِ الْفَزَعُ. وَفِي الْقَامُوسِ: وَهِلَ كَفَرِحَ ضَعُفَ وَفَزِعَ فَهُوَ وَهِلٌ كَكَتِفٍ وَعَنْهُ غَلِطَ فِيهِ وَنَسِيَهُ، وَوَهَلَ إِلَى الشَّيْءِ يَوْهَلُ بِفَتْحِهِمَا، وَيَهِلُ وَهْلًا إِذَا ذَهَبَ وَهْمُهُ إِلَيْهِ، وَالْوَهَلُ الْفَزَعُ، وَلَقِيتُهُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ، وَيُحَرَّكُ أَوْ شَيْءٌ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَالَ ابْنُ التِّينِ: رُوِّينَاهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ سُكُونُهَا، وَضَبَطَهُ الْجَزَرِيُّ بِالتَّحْرِيكِ بِمَعْنَى الْوَهْمِ، وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَجَزَمَ بِالتَّسْكِينِ، وَالْمَعْنَى: فَمَالَ خَاطِرِي بِأَوَّلِ وَهْلَةٍ. (إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ) فَفِي الْقَامُوسِ: أَنَّ الْيَمَامَةَ الْقَصْدُ كَالْيَمَامِ وَجَارِيَةٌ زَرْقَاءُ كَانَتْ تُبْصِرُ الرَّاكِبَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَبِلَادُ الْجَوِّ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهَا، وَسُمِّيَتْ بِاسْمِهَا، وَهِيَ أَكْثَرُ نَخِيلًا مِنْ سَائِرِ الْحِجَازِ وَبِهَا تَنَبَّأَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، وَهِيَ دُونُ الْمَدِينَةِ فِي وَسَطِ الشَّرْقِ عَنْ مَكَّةَ عَلَى سِتَّ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً مِنَ الْبَصْرَةِ، وَعَنِ الْكُوفَةِ نَحْوَهَا وَالنِّسْبَةُ يَمَامِيٌّ (أَوْ هَجَرُ) ، بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، وَقَدْ يَنْصَرِفُ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ وَالْمَكَانِ وَالْعَلَمِيَّةِ. فَفِي الْقَامُوسِ هَجَرُ مُحَرَّكَةٌ بَلَدٌ
стр. 6373
بِالْيَمَنِ مُذَكَّرٌ مَصْرُوفٌ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَيُمْنَعُ، وَاسْمٌ لِجَمِيعِ أَرْضِ الْبَحْرَيْنِ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ كَبِضْعِ تَمْرٍ إِلَى هَجَرَ، وَقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: عَجِبْتُ لِتَاجِرِ هَجَرَ كَأَنَّهُ أَرَادَ لِكَثْرَةِ وَبَائِهِ، أَوْ لِرُكُوبِ الْبَحْرِ قَالَ: وَقَرْيَةٌ كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهَا الْقِلَالُ (فَإِذَا هِيَ) أَيْ: تِلْكَ الْأَرْضُ (الْمَدِينَةُ) أَيْ: طَيِّبَةُ السَّكِينَةِ (يَثْرِبُ) . بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: يَثْرِبُ اسْمُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَسَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَيْبَةَ وَطَابَةَ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَتِهَا بِيَثْرِبَ لِكَرَاهَةِ لَفْظِ التَّثْرِيبِ، وَسَمَّاهَا لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا قَبْلَ النَّهْيِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ، وَقِيلَ خُوطِبَ بِهَا مَنْ يَعْرِفُهَا بِهِ، وَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِهَا الشَّرْعِيِّ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ الْبَيَانِ فَتَدَبَّرْ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَاقِلًا عَنْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِرِوَايَتِهِ، عَنِ الْبَرَاءِ مَرْفُوعًا " «مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ هِيَ طَابَةُ هِيَ طَابَةُ» ". قُلْتُ: فِي تَكْرَارِهِ مُبَالَغَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى النَّهْيِ لِكَوْنِهِ مِنْ شِعَارِ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، حَيْثُ قَالُوا فِي الْأَحْزَابِ: " ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣] ". وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ ﵈ أَيْضًا قَدْ تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ. (وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ: أَنِّي هَزَزْتُ) بِالزَّاءَيْنِ، أَيْ: حَرَّكْتُ (سَيْفًا، فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ) أَيْ: وَسَطُ السَّيْفِ (فَإِذَا هُوَ) أَيْ: تَأْوِيلُهُ (مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ: بَعْضُهُمْ وَهُمْ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ أَوْ لِكَوْنِ الْمُؤْمِنِينَ أُمَّةً وَسَطًا. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: فَإِذَا هُوَ أَصْلُهُ، فَإِذَا تَأْوِيلُهُ فَحُذِفَ الْمُضَافُ الَّذِي هُوَ التَّأْوِيلُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، فَانْقَلَبَ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ مَرْفُوعًا (يَوْمَ أُحُدٍ) . ظَرْفُ أُصِيبَ (ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ) أَيِ: السَّيْفُ حَالَ كَوْنِهِ (أَحْسَنَ مَا كَانَ) ، بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: مِمَّا كَانَ، وَمَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ، فَالتَّقْدِيرُ رَجَعَ إِلَى أَحْسَنِ أَكْوَانِهِ (فَإِذَا هُوَ) أَيْ: تَعْبِيرُهُ (مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ) أَيْ: فَتْحُ مَكَّةَ أَوْ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ ; لِأَنَّهَا مِفْتَاحُ الْفَتْحِ، وَهُوَ أَنْسَبُ لِعَطْفِ قَوْلِهِ: (وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ) . فَإِنَّهُ وَقَعَ حِينَ فَتْحِ مَكَّةَ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] .
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ ﷺ السَّيْفَ فَمُطَابِقٌ لِمَا فَسَّرُوا أَنَّ سَيْفَ الرَّجُلِ أَنْصَارُهُ الَّذِينَ يَصُولُ بِهِمْ، كَمَا يَصُولُ بِسَيْفِهِ، وَقَدْ يُفَسَّرُ فِي غَيْرِ هَذَا بِالْوَلَدِ أَوْ بِالْعَمِّ أَوِ الْأَخِ أَوِ الزَّوْجِ. قُلْتُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَاخِلٌ تَحْتَ الْأَنْصَارِ. قَالَ: وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى الْوِلَايَةِ وَالْوَدِيعَةِ وَعَلَى لِسَانِ الرَّجُلِ وَحُجَّتِهِ. قُلْتُ: هَذِهِ كُلُّهَا مِنَ النُّصْرَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ. قَالَ: وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى سُلْطَانٍ جَائِرٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِحَسْبِ الْقَرَائِنِ. قُلْتُ: وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى سُلْطَانٍ عَادِلٍ ; لِأَنَّ السَّيْفَ ذُو جِهَتَيْنِ، وَلِذَا قَالَ الْغَزَّالِيُّ: الْعِلْمُ كَالسَّيْفِ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعَانَ بِهِ عَلَى الدِّينِ وَعَلَى الدُّنْيَا، كَمَا يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6374
٤٦١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي كَفَّيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، نَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَفِي رِوَايَةٍ: " «يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، وَالْعَنْسِيُّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ» " لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَذَكَرَهَا صَاحِبُ " الْجَامِعِ " عَنِ التِّرْمِذِيِّ.
ــ
٤٦١٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ» ) ، أَيْ: أَتَانِي مَلَكٌ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَيْ: عَرَضَ عَلَيَّ الْكُنُوزَ وَأَنْوَاعَ الْأَمْوَالِ، وَقِيلَ: أُتِيَ بِالْخَزَائِنِ حَقِيقَةً إِشَارَةً إِلَى تَمَلُّكِهِ عَلَيْهَا بِفَتْحِ الْبِلَادِ عَنْوَةً وَدَعْوَةً. قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ: مَلَكَهَا وَفَتَحَ بِلَادَهَا وَأَخَذَ خَزَائِنَ أَمْوَالِهَا، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. (فَوُضِعَ فِي كَفَّيَّ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَالْيَاءِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ التَّثْنِيَةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى فِي يَدَايَ. قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى التَّثْنِيَةِ. (سِوَارَانِ) بِكَسْرِ السِّينِ، أَيْ: قَلْبَانِ (مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: ثَقُلَا (عَلَيَّ) ، أَيْ: لِكَرَاهَةِ نَفْسِي إِلَيْهِمَا (فَأُوحِيَ إِلَيَّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: فَأَلْهَمَنِي اللَّهُ فِي النَّوْمِ (أَنِ انْفُخْهُمَا) ، بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَأَنْ: هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي الْوَحْيِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَجَوَّزَ الطِّيبِيُّ.
стр. 6375
أَنْ تَكُونَ نَاصِبَةً، وَالْجَارُّ مَحْذُوفٌ، وَالنَّفْخُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، يُقَالُ: نَفَخْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ (فَنَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا) ، يَعْنِي: بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ (صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ) بِنَصْبِهِمَا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ أَوْ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَجُوِّزَ رَفْعُهُمَا عَلَى أَنَّهُمَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُمَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: نَبَّهَ بِالنَّفْخِ عَلَى اسْتِحْقَارِ شَأْنِ الْكَذَّابَيْنِ، وَعَلَى أَنَّهُمَا يُمْحَقَانِ بِأَدْنَى مَا يُصِيبُهُمَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ حَتَّى يَصِيرَا كَالشَّيْءِ الَّذِي يُنْفَخُ فَيَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ يَجُزْ، قَالَ:
أَلَمْ يُخْزِ التَّفَرُّقُ آلَ كِسْرَى ... وَنُفِخُوا فِي مَدَائِنِهِمْ فَطَارُوا
أَرَادَ وَأُنْفِخُوا فَخَفَّفَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَنْ رَأَى عَلَيْهِ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ أَصَابَهُ ضِيقٌ فِي ذَاتِ يَدِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الذَّهَبِ، وَلَيْسَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فِي الْمَنَامِ مِنَ الْحُلِيِّ شَيْءٌ إِلَّا الْقِلَادَةُ وَالتَّاجُ وَالْعِقْدُ وَالْقُرْطُ وَالْخَاتَمُ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَالْحُلِيُّ كُلُّهُ زِينَةٌ لَهُنَّ، وَالدَّرَاهِمُ خَيْرٌ فِي الْجُمْلَةِ مِنَ الدَّنَانِيرِ، أَيْ: لِأَنَّ الْفِضَّةَ بَعْضُهَا حَلَالٌ عَلَى الرِّجَالِ بِخِلَافِ الذَّهَبِ. قَالَ الْقَاضِي: وَجْهُ تَأْوِيلِ السِّوَارَيْنِ بِالْكَذَّابَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ - وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى - أَنَّ السِّوَارَ يُشْبِهُ قَيْدَ الْيَدَ، وَالْقَيْدُ فِيهَا يَمْنَعُهَا مِنَ الْبَطْشِ وَيَكُفُّهَا عَنِ الِاعْتِمَالِ وَالتَّصَرُّفِ عَلَى مَا يَنْبَنِي، فَيُشَابِهُ مَنْ يَقُومُ بِمُعَارَضَتِهِ، وَيَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَصُدُّهُ عَنْ أَمْرِهِ، وَصَنْعَاءُ بَلْدَةٌ بِالْيَمَنِ وَصَاحِبُهَا الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ تَنَبَّأَ بِهَا فِي آخِرِ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مَرَضِ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﷺ فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ: فَازَ فَيْرُوزُ، وَالْيَمَامَةُ تَقَدَّمَتْ، وَصَاحِبُهَا مُسَيْلِمَةُ قَتَلَهُ الْوَحْشِيُّ قَاتِلُ حَمْزَةَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ ﵁ اهـ. وَقِيلَ لَمَّا قَتَلَهُ وَحْشِيٌّ قَالَ: قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَشَرَّ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لِلتِّرْمِذِيِّ (يُقَالُ أَحَدُهُمَا مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، وَالْعَنْسِيُّ) أَيْ: وَثَانِيهِمَا الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ (صَاحِبُ صَنْعَاءَ) وَفِي الْقَامُوسِ: عَنْسٌ لَقَبُ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ دَاوُدَ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ اهـ. هَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ بِإِطْلَاقِ رِوَايَةٍ وَهِيَ مُوهِمَةٌ أَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا. وَالْحَالُ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مُعْتَرِضًا عَلَيْهِ: (لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَذَكَرَهَا صَاحِبُ الْجَامِعِ) أَيْ: جَامِعُ الْأُصُولِ (عَنِ التِّرْمِذِيِّ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاعْتِذَارُ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ الْتِزَامَهُ فِي الصِّحَاحِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثَ الشَّيْخَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، إِنَّمَا هُوَ فِي أُصُولِ الْبَابِ لَا فِيمَا يُعْتَضَدُ بِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
следующие страницы →