← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

٤٦١٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَأُوتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٦١٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ) : أَيْ فِي جُمْلَةِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ الصَّالِحُ الرُّؤْيَا (كَأَنَّا) بِتَشْدِيدِ النُّونِ يَعْنِي: أَنَا وَأَصْحَابِي (فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَأَتَيْنَا) : أَيْ جِئْنَا (بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ) ، بِالتَّنْوِينِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّابَ بِمَعْنَى الطَّيِّبِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ عَلَى عَدَمِ صَرْفِهِ، وَلَعَلَّهُ رِعَايَةٌ لِأَصْلِهِ، فَإِنَّهُ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ. قِيلَ: هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: وَطَيْبَةُ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ كَطَابَةَ، وَعَذْقُ بْنُ طَابٍ نَخْلٌ بِهَا، أَوِ ابْنُ طَابٍ ضَرْبٌ مِنَ الرُّطَبِ. (فَأَوَّلْتُ أَنَّ الرِّفْعَةَ) : أَيِ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ رَافِعٌ (لَنَا فِي الدُّنْيَا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ١١] (وَالْعَاقِبَةَ) : أَيِ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ عُقْبَةَ (فِي الْآخِرَةِ) : أَيْ لَنَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] أَيِ: الْعَاقِبَةُ الْحَسَنَةُ لِاشْتِهَارِهَا فِيهَا. (وَأَنَّ دِينَنَا) : أَيْ مَذُوقَنَا الْمَعْنَوِيَّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ الْمُشَبَّهُ بِالرُّطَبِ (قَدْ طَابَ) أَيْ: كَمُلَ إِحْكَامُهُ وَحَسُنَ زَمَانُهُ وَأَيَّامُهُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: تَأْوِيلُهُ هَكَذَا قَانُونٌ فِي قِيَاسِ التَّعْبِيرِ عَلَى مَا يُرَى فِي الْمَنَامِ بِالْأَسْمَاءِ الْحَسَنَةِ، كَمَا أَخَذَ الْعَاقِبَةَ مَنْ لَفْظِ عُقْبَةَ، وَالرِّفْعَةَ مِنْ رَافِعٍ، وَطَيِّبَ الدِّينِ مِنْ طَابٍ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ، وَيَكْرَهُ التَّطَيُّرَ، وَإِلَّا فَالْأَسْمَاءُ وَالْأَلْفَاظُ ذَوَاتُ جِهَاتٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ، فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَعْدَاءِ يُمْكِنُ أَخْذُ الْعُقُوبَةِ مِنْ عُقْبَةَ، وَرَفْعِهِمْ مِنْ رَافِعٍ، وَطَابَ مَوْتُهُمْ مَنْ طَابٍ، وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مَسْلَكَ الرُّؤْيَا دَقِيقٌ يَحْتَاجُ إِلَى نَوْعِ تَوْفِيقٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْعَقِبُ وَالْعُقْبَى يَخْتَصَّانِ بِالثَّوَابِ نَحْوَ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤] ، وَالْعَاقِبَةُ إِطْلَاقُهَا يَخْتَصُّ بِالثَّوَابِ نَحْوَ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وَبِالْإِضَافَةِ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْعُقُوبَةِ نَحْوَهُ: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى﴾ [الروم: ١٠] قُلْتُ: الْعَاقِبَةُ فِي الْآيَةِ لَيْسَتْ بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ، بَلْ بِمَعْنَى عَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ وَنِهَايَةِ قَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ، أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُّوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ، نَعَمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥١] لَهُ وَجْهٌ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6372

٤٦١٨ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ. وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ: أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا، فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٦١٨ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا) ، أَيْ: فِي تِلْكَ الْأَرْضِ (نَخْلٌ) ، اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنَى نَخِيلٍ! (فَذَهَبَ وَهْلِي) : بِسُكُونِ الْهَاءِ وَيُفْتَحُ أَيْ: وَهْمِي. قَالَ شَارِحٌ: هُوَ بِسُكُونِ الْهَاءِ يُقَالُ: وَهَلْتُ إِلَيْهِ بِالْفَتْحِ أَهِلُ بِالْكَسْرِ وَهْلًا إِذَا ذَهَبَ وَهْمُكَ إِلَيْهِ وَأَنْتَ تُرِيدُ غَيْرَهُ، وَالْوَهَلُ بِالتَّحْرِيكِ الْفَزَعُ. وَفِي الْقَامُوسِ: وَهِلَ كَفَرِحَ ضَعُفَ وَفَزِعَ فَهُوَ وَهِلٌ كَكَتِفٍ وَعَنْهُ غَلِطَ فِيهِ وَنَسِيَهُ، وَوَهَلَ إِلَى الشَّيْءِ يَوْهَلُ بِفَتْحِهِمَا، وَيَهِلُ وَهْلًا إِذَا ذَهَبَ وَهْمُهُ إِلَيْهِ، وَالْوَهَلُ الْفَزَعُ، وَلَقِيتُهُ أَوَّلَ وَهْلَةٍ، وَيُحَرَّكُ أَوْ شَيْءٌ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَالَ ابْنُ التِّينِ: رُوِّينَاهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ سُكُونُهَا، وَضَبَطَهُ الْجَزَرِيُّ بِالتَّحْرِيكِ بِمَعْنَى الْوَهْمِ، وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَجَزَمَ بِالتَّسْكِينِ، وَالْمَعْنَى: فَمَالَ خَاطِرِي بِأَوَّلِ وَهْلَةٍ. (إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ) فَفِي الْقَامُوسِ: أَنَّ الْيَمَامَةَ الْقَصْدُ كَالْيَمَامِ وَجَارِيَةٌ زَرْقَاءُ كَانَتْ تُبْصِرُ الرَّاكِبَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَبِلَادُ الْجَوِّ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهَا، وَسُمِّيَتْ بِاسْمِهَا، وَهِيَ أَكْثَرُ نَخِيلًا مِنْ سَائِرِ الْحِجَازِ وَبِهَا تَنَبَّأَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، وَهِيَ دُونُ الْمَدِينَةِ فِي وَسَطِ الشَّرْقِ عَنْ مَكَّةَ عَلَى سِتَّ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً مِنَ الْبَصْرَةِ، وَعَنِ الْكُوفَةِ نَحْوَهَا وَالنِّسْبَةُ يَمَامِيٌّ (أَوْ هَجَرُ) ، بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، وَقَدْ يَنْصَرِفُ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ وَالْمَكَانِ وَالْعَلَمِيَّةِ. فَفِي الْقَامُوسِ هَجَرُ مُحَرَّكَةٌ بَلَدٌ

стр. 6373

بِالْيَمَنِ مُذَكَّرٌ مَصْرُوفٌ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَيُمْنَعُ، وَاسْمٌ لِجَمِيعِ أَرْضِ الْبَحْرَيْنِ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ كَبِضْعِ تَمْرٍ إِلَى هَجَرَ، وَقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: عَجِبْتُ لِتَاجِرِ هَجَرَ كَأَنَّهُ أَرَادَ لِكَثْرَةِ وَبَائِهِ، أَوْ لِرُكُوبِ الْبَحْرِ قَالَ: وَقَرْيَةٌ كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهَا الْقِلَالُ (فَإِذَا هِيَ) أَيْ: تِلْكَ الْأَرْضُ (الْمَدِينَةُ) أَيْ: طَيِّبَةُ السَّكِينَةِ (يَثْرِبُ) . بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يَثْرِبُ اسْمُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَسَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَيْبَةَ وَطَابَةَ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَتِهَا بِيَثْرِبَ لِكَرَاهَةِ لَفْظِ التَّثْرِيبِ، وَسَمَّاهَا لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا قَبْلَ النَّهْيِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ، وَقِيلَ خُوطِبَ بِهَا مَنْ يَعْرِفُهَا بِهِ، وَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِهَا الشَّرْعِيِّ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ الْبَيَانِ فَتَدَبَّرْ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَاقِلًا عَنْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِرِوَايَتِهِ، عَنِ الْبَرَاءِ مَرْفُوعًا " «مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ هِيَ طَابَةُ هِيَ طَابَةُ» ". قُلْتُ: فِي تَكْرَارِهِ مُبَالَغَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى النَّهْيِ لِكَوْنِهِ مِنْ شِعَارِ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، حَيْثُ قَالُوا فِي الْأَحْزَابِ: " ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣] ". وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ ﵈ أَيْضًا قَدْ تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ. (وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ: أَنِّي هَزَزْتُ) بِالزَّاءَيْنِ، أَيْ: حَرَّكْتُ (سَيْفًا، فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ) أَيْ: وَسَطُ السَّيْفِ (فَإِذَا هُوَ) أَيْ: تَأْوِيلُهُ (مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ: بَعْضُهُمْ وَهُمْ مِنْ أَوْسَاطِهِمْ أَوْ لِكَوْنِ الْمُؤْمِنِينَ أُمَّةً وَسَطًا. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: فَإِذَا هُوَ أَصْلُهُ، فَإِذَا تَأْوِيلُهُ فَحُذِفَ الْمُضَافُ الَّذِي هُوَ التَّأْوِيلُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، فَانْقَلَبَ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ مَرْفُوعًا (يَوْمَ أُحُدٍ) . ظَرْفُ أُصِيبَ (ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ) أَيِ: السَّيْفُ حَالَ كَوْنِهِ (أَحْسَنَ مَا كَانَ) ، بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: مِمَّا كَانَ، وَمَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ، فَالتَّقْدِيرُ رَجَعَ إِلَى أَحْسَنِ أَكْوَانِهِ (فَإِذَا هُوَ) أَيْ: تَعْبِيرُهُ (مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ) أَيْ: فَتْحُ مَكَّةَ أَوْ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ ; لِأَنَّهَا مِفْتَاحُ الْفَتْحِ، وَهُوَ أَنْسَبُ لِعَطْفِ قَوْلِهِ: (وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ) . فَإِنَّهُ وَقَعَ حِينَ فَتْحِ مَكَّةَ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ ﷺ السَّيْفَ فَمُطَابِقٌ لِمَا فَسَّرُوا أَنَّ سَيْفَ الرَّجُلِ أَنْصَارُهُ الَّذِينَ يَصُولُ بِهِمْ، كَمَا يَصُولُ بِسَيْفِهِ، وَقَدْ يُفَسَّرُ فِي غَيْرِ هَذَا بِالْوَلَدِ أَوْ بِالْعَمِّ أَوِ الْأَخِ أَوِ الزَّوْجِ. قُلْتُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَاخِلٌ تَحْتَ الْأَنْصَارِ. قَالَ: وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى الْوِلَايَةِ وَالْوَدِيعَةِ وَعَلَى لِسَانِ الرَّجُلِ وَحُجَّتِهِ. قُلْتُ: هَذِهِ كُلُّهَا مِنَ النُّصْرَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ. قَالَ: وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى سُلْطَانٍ جَائِرٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِحَسْبِ الْقَرَائِنِ. قُلْتُ: وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى سُلْطَانٍ عَادِلٍ ; لِأَنَّ السَّيْفَ ذُو جِهَتَيْنِ، وَلِذَا قَالَ الْغَزَّالِيُّ: الْعِلْمُ كَالسَّيْفِ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَعَانَ بِهِ عَلَى الدِّينِ وَعَلَى الدُّنْيَا، كَمَا يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6374

٤٦١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي كَفَّيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، نَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ: " «يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، وَالْعَنْسِيُّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ» " لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَذَكَرَهَا صَاحِبُ " الْجَامِعِ " عَنِ التِّرْمِذِيِّ. ــ ٤٦١٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ» ) ، أَيْ: أَتَانِي مَلَكٌ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَيْ: عَرَضَ عَلَيَّ الْكُنُوزَ وَأَنْوَاعَ الْأَمْوَالِ، وَقِيلَ: أُتِيَ بِالْخَزَائِنِ حَقِيقَةً إِشَارَةً إِلَى تَمَلُّكِهِ عَلَيْهَا بِفَتْحِ الْبِلَادِ عَنْوَةً وَدَعْوَةً. قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ: مَلَكَهَا وَفَتَحَ بِلَادَهَا وَأَخَذَ خَزَائِنَ أَمْوَالِهَا، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. (فَوُضِعَ فِي كَفَّيَّ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَالْيَاءِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ التَّثْنِيَةُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى فِي يَدَايَ. قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى التَّثْنِيَةِ. (سِوَارَانِ) بِكَسْرِ السِّينِ، أَيْ: قَلْبَانِ (مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: ثَقُلَا (عَلَيَّ) ، أَيْ: لِكَرَاهَةِ نَفْسِي إِلَيْهِمَا (فَأُوحِيَ إِلَيَّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: فَأَلْهَمَنِي اللَّهُ فِي النَّوْمِ (أَنِ انْفُخْهُمَا) ، بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَأَنْ: هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي الْوَحْيِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَجَوَّزَ الطِّيبِيُّ.

стр. 6375

أَنْ تَكُونَ نَاصِبَةً، وَالْجَارُّ مَحْذُوفٌ، وَالنَّفْخُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، يُقَالُ: نَفَخْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ (فَنَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا) ، يَعْنِي: بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ (صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ) بِنَصْبِهِمَا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ أَوْ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَجُوِّزَ رَفْعُهُمَا عَلَى أَنَّهُمَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُمَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: نَبَّهَ بِالنَّفْخِ عَلَى اسْتِحْقَارِ شَأْنِ الْكَذَّابَيْنِ، وَعَلَى أَنَّهُمَا يُمْحَقَانِ بِأَدْنَى مَا يُصِيبُهُمَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ حَتَّى يَصِيرَا كَالشَّيْءِ الَّذِي يُنْفَخُ فَيَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ يَجُزْ، قَالَ: أَلَمْ يُخْزِ التَّفَرُّقُ آلَ كِسْرَى ... وَنُفِخُوا فِي مَدَائِنِهِمْ فَطَارُوا أَرَادَ وَأُنْفِخُوا فَخَفَّفَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَنْ رَأَى عَلَيْهِ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ أَصَابَهُ ضِيقٌ فِي ذَاتِ يَدِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الذَّهَبِ، وَلَيْسَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فِي الْمَنَامِ مِنَ الْحُلِيِّ شَيْءٌ إِلَّا الْقِلَادَةُ وَالتَّاجُ وَالْعِقْدُ وَالْقُرْطُ وَالْخَاتَمُ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَالْحُلِيُّ كُلُّهُ زِينَةٌ لَهُنَّ، وَالدَّرَاهِمُ خَيْرٌ فِي الْجُمْلَةِ مِنَ الدَّنَانِيرِ، أَيْ: لِأَنَّ الْفِضَّةَ بَعْضُهَا حَلَالٌ عَلَى الرِّجَالِ بِخِلَافِ الذَّهَبِ. قَالَ الْقَاضِي: وَجْهُ تَأْوِيلِ السِّوَارَيْنِ بِالْكَذَّابَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ - وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى - أَنَّ السِّوَارَ يُشْبِهُ قَيْدَ الْيَدَ، وَالْقَيْدُ فِيهَا يَمْنَعُهَا مِنَ الْبَطْشِ وَيَكُفُّهَا عَنِ الِاعْتِمَالِ وَالتَّصَرُّفِ عَلَى مَا يَنْبَنِي، فَيُشَابِهُ مَنْ يَقُومُ بِمُعَارَضَتِهِ، وَيَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَصُدُّهُ عَنْ أَمْرِهِ، وَصَنْعَاءُ بَلْدَةٌ بِالْيَمَنِ وَصَاحِبُهَا الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ تَنَبَّأَ بِهَا فِي آخِرِ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مَرَضِ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﷺ فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ: فَازَ فَيْرُوزُ، وَالْيَمَامَةُ تَقَدَّمَتْ، وَصَاحِبُهَا مُسَيْلِمَةُ قَتَلَهُ الْوَحْشِيُّ قَاتِلُ حَمْزَةَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ ﵁ اهـ. وَقِيلَ لَمَّا قَتَلَهُ وَحْشِيٌّ قَالَ: قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَشَرَّ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ. (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لِلتِّرْمِذِيِّ (يُقَالُ أَحَدُهُمَا مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، وَالْعَنْسِيُّ) أَيْ: وَثَانِيهِمَا الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ (صَاحِبُ صَنْعَاءَ) وَفِي الْقَامُوسِ: عَنْسٌ لَقَبُ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ دَاوُدَ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ اهـ. هَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ بِإِطْلَاقِ رِوَايَةٍ وَهِيَ مُوهِمَةٌ أَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا. وَالْحَالُ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مُعْتَرِضًا عَلَيْهِ: (لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَذَكَرَهَا صَاحِبُ الْجَامِعِ) أَيْ: جَامِعُ الْأُصُولِ (عَنِ التِّرْمِذِيِّ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاعْتِذَارُ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ الْتِزَامَهُ فِي الصِّحَاحِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثَ الشَّيْخَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، إِنَّمَا هُوَ فِي أُصُولِ الْبَابِ لَا فِيمَا يُعْتَضَدُ بِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 6376

٤٦٢٠ - «وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ، قَالَتْ: رَأَيْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " ذَلِكِ عَمَلُهُ يُجْرَى لَهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٦٢٠ - (وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ) ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مِنَ الْمُبَايِعَاتِ رَوَى عَنْهَا خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَهِيَ أُمُّهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهَا فِي مَرَضِهَا (قَالَتْ: رَأَيْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) الْحَدِيثَ مُخْتَصَرٌ، وَصَدْرُهُ أَنَّهَا قَالَتْ: «هَاجَرَ عُثْمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلَ فِي مَسْكَنٍ لَنَا، ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ، فَقُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أَبَا السَّائِبِ شَهَادَتِي أَنْ قَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَمَا يُدْرِيكِ بِإِكْرَامِهِ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ، ثُمَّ قَالَتْ: رَأَيْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ» ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ الْجُمَحِيِّ الْقُرَشِيِّ، أَسْلَمَ بَعْدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَشَهِدَ بَدْرًا، وَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقَبَّلَ النَّبِيُّ ﷺ وَجْهَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمَّا دُفِنَ قَالَ: " نِعْمَ السَّلَفُ وَهُوَ لَنَا "، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَكَانَ عَابِدًا مُجْتَهِدًا مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، رَوَى ابْنُهُ السَّائِبُ وَأَخُوهُ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، (فِي النَّوْمِ) أَيْ: فِي الْمَنَامِ (عَيْنًا) أَيْ: عَيْنَ مَاءٍ (تَجْرِي) أَيْ: يَجْرِي مَاؤُهَا، وَنِسْبَةُ الْجَرْيِ إِلَى الْعَيْنِ مَجَازٌ فِيهِ مُبَالَغَةٌ. (فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ (عَمَلُهُ) أَيْ: ثَوَابُ عَمَلِهِ وَجَزَاءُ أَمَلِهِ (يُجْرَى لَهُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، أَيْ: يَصِلُ إِلَيْهِ ثَوَابُ عَمَلِهِ الصَّالِحِ، بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُرَابِطًا مُهَاجِرًا، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا يَنْمِي لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَفِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ مَرْفُوعًا " «كُلَّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مُعَبَّرًا بِالْعَمَلِ وَجَرَيَانُهُ بِجَرَيَانِهِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ مُسَبَّبٌ عَنِ الْعِلْمِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6377

٤٦٢١ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: " مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا " قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ. فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: " هَلْ رَأَى مِنْكُمْ أَحَدٌ رُؤْيَا؟ " قُلْنَا: لَا. قَالَ: " لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدَيَّ، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ، يُدْخِلُهُ فِي شِدْقِهِ، فَيَشُقُّهُ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ. قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ، أَوْ صَخْرَةٍ يَشْدَخُ بِهَا رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلَهُ وَاسِعٌ، تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارٌ، فَإِذَا ارْتَفَعَتِ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسْطِ النَّهَرِ، وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرِ، بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِيَ الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا وَسْطَ الشَّجَرَةِ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا، فَصَعِدَا بِيَ الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ مِنْهَا، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، فَقُلْتُ لَهُمَا: إِنَّكُمَا قَدْ طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ. قَالَا: نَعَمْ، أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ، يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ مَا تَرَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا. وَالشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ. وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ. وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ. وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ - وَفِي رِوَايَةٍ: مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ قَالَا: ذَلِكَ مَنْزِلُكَ. قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي. قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَهُ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ فِي " بَابِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ ". ــ ٤٦٢١ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁) ، مَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى) أَيْ: صَلَاةَ الصُّبْحِ وَفَرَغَ مِنْ أَوْرَادِهِ (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: " مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟) عَلَى وَزْنِ فُعْلَى بِلَا تَنْوِينٍ وَيَجُوزُ تَنْوِينُهُ كَمَا قُرِئَ بِهِ فِي الشَّاذَّةِ: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوًى مِنَ اللَّهِ، وَكَذَا رُوِيَ مَنَّوَنَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا. (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ) أَيْ: رُؤْيَا صَالِحَةً (قَصَّهَا، فَيَقُولُ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ فِي تَعْبِيرِهَا (مَا شَاءَ اللَّهُ) أَيْ: مِمَّا يُلْهِمُهُ فِي جَنَانِهِ وَيُجْرِيهِ عَلَى لِسَانِهِ (فَسَأَلَنَا) أَيْ: هُوَ (يَوْمًا) أَيْ: صَبَاحَ يَوْمٍ (فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟) يَعْنِي: عَلَى عَادَتِهِ ﷺ فِي هَذَا السُّؤَالِ (قُلْنَا: لَا) إِمَّا لَا صَرِيحًا أَوْ سُكُوتًا (قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ) . قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ؟ قُلْتُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهِمُّهُ أَنْ يَرَى أَحَدُهُمْ رُؤْيَا يَقُصُّهَا، فَلَمَّا سَأَلَهُمْ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ تِلْكَ قَالَ: أَنْتُمْ مَا رَأَيْتُمْ مَا يُهِمُّنِي لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ (رَجُلَيْنِ) أَيْ: شَخْصَيْنِ عَلَى صُورَةِ رَجُلَيْنِ (أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ) بِالتَّنْوِينِ (مُقَدَّسَةٍ) ، أَيْ مُطَهَّرَةٍ مُطَيَّبَةٍ، قِيلَ هِيَ أَرْضُ الشَّامِ (فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ) أَيْ: وَهُنَاكَ رَجُلٌ (قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَضْمُومَةِ، وَقَدْ يُقَالُ لَهُ الْكُلَّابُ أَيْضًا حَدِيدَةٌ مُعْوَجَّةُ الرَّأْسِ تَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ مَعَ شِدَّةٍ فَيُجْذَبُ بِهِ، فَقَوْلُهُ: (مِنْ حَدِيدٍ) ، لِلتَّجْرِيدِ وَقِيلَ لِلتَّأْكِيدِ (يُدْخِلُهُ) أَيِ: الرَّجُلُ الْقَائِمُ، ذَلِكَ الْكَلُّوبَ (فِي شِدْقِهِ) ، أَيْ: فِي جَانِبِ فَمِ الرَّجُلِ الْجَالِسِ. قَالَ شَارِحٌ: هُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ طَرَفُ شَفَتِهِ مِنْ جَانِبِ الْأُذُنِ (فَيَشُقُّهُ) أَيْ: يَقْطَعُهُ (حَتَّى يَبْلُغَ) أَيْ: يَصِلَ قَطْعُهُ (قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ) أَيْ: يَبْرَأُ (شِدْقُهُ هَذَا) أَيِ: الْمَشْقُوقُ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ ذَاكَ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ هَذَا الثَّانِي، أَيْ يَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، أَوْ وَقَعَ هَذَا مَقَامَ ذَلِكَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَذْكُورُ مِنَ الشِّدْقَيْنِ (فَيَعُودُ) أَيِ: الرَّجُلُ الْقَائِمُ (فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ) أَيْ: فَيَصْنَعُ بِالرَّجُلِ الْجَالِسِ مِثْلَ صُنْعِهِ الْأَوَّلَ (قُلْتُ: مَا هَذَا؟) أَيِ الَّذِي رَأَيْنَاهُ (قَالَا: انْطَلِقْ) ، أَيِ اذْهَبْ وَلَا تَسْأَلْ (فَانْطَلَقْنَا) ، أَيْ جَمِيعًا (حَتَّى أَتَيْنَا) أَيْ: مَرَرْنَا (عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ) : بِالرَّفْعِ أَيْ: وَهُنَاكَ رَجُلٌ (قَائِمٌ) : وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ بِجَرِّهِمَا، وَكَذَا فِي نُسْخَةٍ مَقْرُوءَةٍ عَلَى الْجَزَرِيِّ عَطْفًا عَلَى رَجُلٍ، أَيْ: وَعَلَى رَجُلٍ قَائِمٍ (عَلَى رَأْسِهِ) أَيْ: رَأَسِ الرَّجُلِ الْمُضْطَجِعِ (بِفِهْرٍ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، أَيْ: أَخَذَ بِحَجْرٍ مَلْءَ الْكَفِّ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَقِيلَ هُوَ الْحَجَرُ مُطْلَقًا (أَوْ صَخْرَةٍ) : وَهِيَ الْحَجَرُ الْعَظِيمُ، قِيلَ أَوْ لِلشَّكِّ، وَيُحْتَمَلُ التَّنْوِيعُ، أَيْ: تَارَةً وَتَارَةً (يَشْدَخُ) : بِفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: يَكْسِرُ وَيَدُقُّ (بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ الْحَجَرِ وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ (رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ) أَيْ: بِالْحَجَرِ عَلَى رَأْسِهِ (تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ) ، أَيْ: تَدَحْرَجَ (فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ) أَيْ: فَذَهَبَ الرَّجُلُ إِلَى ذَلِكَ الْحَجَرِ (لِيَأْخُذَهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا) أَيِ: الْمُضْطَجِعِ (حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ) ، أَيْ: شَدَخَهُ (وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ) ، أَيْ: رَجَعَ مِثْلَ مَا كَانَ أَوَّلًا، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهَا (فَعَادَ إِلَيْهِ) أَيْ: فَرَجَعَ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِ (فَضَرَبَهُ) ، أَيْ: فَشَدَخَهُ ثَانِيًا (فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا) أَيْ: جِئْنَا (إِلَى ثَقْبٍ) : بِفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَسُكُونِ قَافٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمَصَابِيحِ وَمُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ، فَفِي الْقَامُوسِ الثَّقْبُ النَّقْبُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ: الثَّقْبُ الْخَرْقُ النَّافِذُ

стр. 6378

وَالثُّقْبَةُ بِالضَّمِّ مِثْلُهُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: هَذَا فِيمَا يَقِلُّ وَيُصَغَّرُ، وَأَمَّا نَقْبُ الْحَائِطِ وَنَحْوُهُ بِالنُّونِ، فَذَلِكَ فِيمَا يَعْظُمُ، هَذَا وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى ثَقْبٍ، بِالْمَعْنَى: مَرَرْنَا عَلَى ثَقْبٍ (مِثْلِ التَّنُّورِ) : بِالْجَرِّ (أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلَهُ وَاسِعٌ) ، الْجُمْلَةُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ (تَتَوَقَّدُ) : بِالتَّأْنِيثِ وَجُوِّزَ تَذْكِيرُهُ (تَحْتَهُ) أَيْ: تَحْتَ التَّنُّورِ (نَارٌ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْهَا - نُسْخَةُ السَّيِّدِ - نَارًا بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَيْ: يَتَوَقَّدُ مَا تَحْتَهُ نَارًا، فَحُذِفَ الْمَوْصُولُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: رُوِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَأُسْنِدَ يَتَوَقَّدُ إِلَى ضَمِيرِ الثَّقْبِ. (فَإِذَا ارْتَقَتْ) : بِقَافٍ بَيْنَ تَاءَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي الْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ اقْتَرَنَتْ، وَفِي بَعْضِهَا أُوقِدَتْ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ رِوَايَةً وَدِرَايَةً اهـ. وَفِي الدِّرَايَةِ نَظَرٌ إِذِ الْمَعَانِي مُقَارِبَةٌ أَيْ فَإِذَا اشْتَعَلَتِ النَّارُ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَإِذَا ارْتَفَعَتْ مِنَ الرِّفْعَةِ (ارْتَفَعُوا) أَيِ: النَّاسُ الَّذِينَ فِي الثَّقْبِ الْمُشَبَّهِ بِالتَّنُّورِ (حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي الْحُمَيْدِيِّ وَالْجَامِعِ، أَيْ: كَادَ خُرُوجُهُمْ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: كَادَ خُرُوجُهُمْ يَتَحَقَّقُ، وَفِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ: يَكَادُوا يَخْرُجُوا وَحَقُّهُ بِثَبَاتِ النُّونِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُتَحَمَّلَ، وَيُقَدَّرَ أَنْ يَخْرُجُوا تَشْبِيهًا لِكَادَ بِعَسَى، ثُمَّ حُذِفَ أَنْ وَتُرِكَ عَلَى حَالِهِ (وَإِذَا خَمَدَتْ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ وَيُكْسَرُ، فَفِي الْقَامُوسِ خَمَدَتِ النَّارُ كَنَصَرَ وَسَمِعَ سَكَنَ لَهَبُهَا وَلَمْ يُطْفَأْ جَمْرُهَا (رَجَعُوا) أَيِ: النَّاسُ الَّذِينَ كَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا (فِيهَا) ، أَيْ: فِي قَعْرِهَا لِيَكُونَ الْعَذَابُ أَشَدَّ (وَفِيهَا) أَيْ: فِي تِلْكَ النَّارِ (رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ) الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِلنَّاسِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: ارْتَفَعُوا، وَتَنْبِيهٌ عَلَى التَّغْلِيبِ فِي الضَّمِيرِ وَتَوْضِيحٌ لِكَشْفِ أَبْدَانِهِمْ، فَإِنَّهُ لِلتَّهْوِيلِ أَوْهَى وَلِلتَّنْفِيرِ أَدْعَى (فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ (مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسْطِ النَّهَرِ) بِسُكُونِ السِّينِ وَيُحَرَّكُ، وَالْجَارُّ الثَّانِي بَيَانٌ لِلْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ (وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ) أَيْ: طَرَفِهِ (رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ) ، بِكَسْرِ الْحَاءِ جَمْعُ حَجَرٍ (فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ) ، أَيْ: مُرِيدًا لِلْخُرُوجِ (فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ) أَيْ: بِالْكُلِّيَّةِ وَيَتَخَلَّصَ مِنْهُ (رَمَى الرَّجُلُ) أَيِ: الَّذِي عَلَى الشَّطِّ (بِحَجَرٍ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ (فِي فِيهِ) أَيْ: فَمِهِ (فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ) ، أَيْ: إِلَى مَكَانِ كَانَ مِنْ وَسْطِ النَّهَرِ (فَجَعَلَ) أَيْ: شَرَعَ وَطَفِقَ (كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ) قِيلَ أَصْلُ أَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهَا كَخَبَرِ كَانَ إِلَّا أَنَّهُ تَرَكَ الْأَصْلَ وَالْتَزَمَ كَوْنَ الْخَبَرِ مُضَارِعًا، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى الْأَصْلِ الْمَتْرُوكِ بِوُقُوعِهِ مُفْرَدًا، كَمَا فِي عَسَيْتُ صَائِمًا، وَجُمْلَةً مِنْ فِعْلِ مَاضٍ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كُلَّمَا كَقَوْلِهِ: فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ، أَيْ: كُلَّمَا جَاءَ قَرِيبًا إِلَى الشَّطِّ لِيَخْرُجَ مِنَ النَّهَرِ. (رَمَى) أَيِ: الرَّجُلُ (فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ) ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى فَجَعَلَ، وَلَعَلَّ الْعُدُولَ عَنِ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالِ (فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ الْمَقْطَعِ، أَيْ: حَتَّى وَصَلْنَا فِي آخِرِ الْأَمْرِ (إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا) أَيْ: تَحْتَهَا الْمُقَارِبِ إِلَى جِذْعِهَا (شَيْخٌ) أَيْ: عَظِيمٌ (وَصِبْيَانٌ) ، أَيْ: وِلْدَانٌ كَثِيرٌ (وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ، بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا) : مِنَ الْإِيقَادِ (فَصَعِدَا) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ (بِيَ) : بِالْمُوَحَّدَةِ لِلتَّعْدِيَةِ (الشَّجَرَةَ) ، بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَالْمَعْنَى: رَفَعَانِي عَلَى الشَّجَرَةِ (فَأَدْخَلَانِي دَارًا وَسْطَ الشَّجَرَةِ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ) أَيْ: كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ تِلْكَ الدَّارِ (فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ جَمْعُ شَابٍّ (وَنِسَاءٌ) عَطْفٌ عَلَى رِجَالٍ (وَصِبْيَانٌ) أَيْ: وِلْدَانٌ (ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا) أَيْ: مِنْ تِلْكَ الدَّارِ (فَصَعِدَا بِيَ الشَّجَرَةَ) ، أَيِ: الشَّجَرَةَ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا فَأَلْ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 6379

" ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] "، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّجَرَةَ السَّابِقَةَ كَذَلِكَ مَعَ احْتِمَالٍ بَعِيدٍ أَنَّ التَّعْرِيفَ فِيهَا لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ، لَكِنَّهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ خِلَافُ التَّأَدُّبِ مَعَ الشَّيْخِ الْمُفَسَّرِ بِإِبْرَاهِيمَ ﵊، وَمُجْمَلُهُ أَنَّ الشَّجَرَتَيْنِ كَانَتَا بِمَنْزِلَةِ السُّلَّمِ وَالْمِعْرَاجِ لِلصُّعُودِ فِي الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ) أَيْ: مِنْهَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ. يَعْنِي: مِنَ الدَّارِ الْأُولَى وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ لِلْجَنَّةِ دَرَجَاتٍ سُفْلِيَّةً وَعُلْوِيَّةً، وَأَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ أَعْلَى فَهُوَ أَعْلَى مِنَ الْأَدْنَى (فِيهَا) أَيْ: فِي الدَّارِ الثَّانِيَةِ (شُيُوخٌ وَشَبَابٌ) ، وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، إِمَّا لِقِلَّةِ كَمَالِهِمْ كَمَالَ الرِّجَالِ، أَوْ لِقِلَّةِ وُجُودِ الْكَمَالِ فِيهِنَّ بِخِلَافِ الرِّجَالِ، وَلِذَا قَالَ ﷺ «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» ". عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَبِي مُوسَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ عَنْ بَيَانِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ; لِأَنَّهُمْ إِنْ وُجِدُوا فِيهَا فَيَكُونُ بِالتَّبَعِيَّةِ لَا بِالْأَصَالَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَقُلْتُ لَهُمَا: إِنَّكُمَا قَدْ طَوَّفْتُمَانِي) : بِالْمُوَحَّدَةِ وَقِيلَ بِالنُّونِ، أَيْ: دَوَّرْتُمَانِي وَفَرَّجْتُمَانِي (اللَّيْلَةَ) : وَقَدْ رَأَيْتُ أَشْيَاءَ غَرِيبَةً وَأُمُورًا عَجِيبَةً بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ (فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ) أَيْ: تَفْصِيلًا وَتَفْسِيرًا (فَقَالَا: نَعَمْ) . فِي الْمُغْنِي: نَعَمْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكِنَانَةُ تَكْسِرُهَا، وَبِهَا قَرَأَ الْكِسَائِيُّ، وَبَعْضُهُمْ يُبْدِلُهَا هَاءً، وَبِهَا قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَهِيَ حَرْفُ تَصْدِيقٍ وَوَعْدٍ وَإِعْلَامٍ، فَالْأَوَّلُ بَعْدَ الْخَبَرِ كَقَامَ زَيْدٌ، وَالثَّانِي بَعْدَ افْعَلْ وَلَا تَفْعَلْ، وَالثَّالِثُ بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ نَحْوُ: (" ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] ") ، (" إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا ") وَلَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ مَعْنَى الْإِعْلَامِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ قَالَ: وَأَمَّا نَعَمْ فَعِدَةٌ وَتَصْدِيقٌ (أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُقْطَعُ (شِدْقُهُ) أَيْ: طَرَفُ فَمِهِ إِلَى قَفَاهُ (فَكَذَّابٌ) ، أَيْ: فَهُوَ كَثِيرُ الْكَذِبِ (يُحَدِّثُ) : اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِقُبْحِ فِعْلِهِ (بِالْكَذْبَةِ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الذَّالِ لِلْمَرَّةِ وَبِكَسْرِ أَوَّلِهَا لِلنَّوْعِ (فَتُحْمَلُ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: فَتُرْوَى وَتُنْقَلُ تِلْكَ الْكِذْبَةُ عَنْهُ (حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ) أَيْ: حَتَّى تُنْشَرَ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ (فَيُصْنَعُ) أَيْ: لِذَلِكَ (مَا تَرَى) أَيْ: مَا رَأَيْتَ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أَيْ: صُنْعًا مُسْتَمِرًّا (وَالَّذِي) أَيْ: وَأَمَّا الَّذِي (رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ) أَيْ: وَفَّقَهُ لِتَعَلُّمِهِ (فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ) أَيْ لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي اللَّيْلِ وَإِنَّمَا خُصَّ بِهِ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا - إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٦ - ٧] ، (وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ بِالنَّهَارِ) ، أَيْ: وَمِنْ جُمْلَةِ مَا فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أَيِ اقْرَأْ وَاتَّبِعْ (يُفْعَلُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) . وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ أَنَّهُ مَعَ مَا أُعْطِيَ مِنَ النِّعَمِ الْجَزِيلَةِ، وَهِيَ عِلْمُ الْقُرْآنِ كَانَ غَافِلًا عَنْ تَأْوِيلَاتِهِ، وَرُبَّمَا جُرَّ إِلَى نِسْيَانِهِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَلَمْ يَكُنْ عَامِلًا بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، مَعَ أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَلِذَا وَرَدَ مَعْنَاهُ: إِنَّ مَنْ عَمِلَ بِالْقُرْآنِ فَكَأَنَّهُ دَائِمًا يَتْلُو الْقُرْآنَ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ دَائِمًا وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ أَبَدًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ فَنَامَ عَنْهُ، أَيْ: أَعْرَضَ عَنْهُ. وَعَنْ هُنَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥] أَيْ: سَاهُونَ سَهْوَ تَرْكٍ لَهَا، وَقِلَّةَ الْتِفَاتٍ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ فِعْلُ الْمُنَافِقِينَ وَالْفَسَقَةِ. قُلْتُ: وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ مَا قَالَ فِي صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، قَالَ: فَمَعْنَى نَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ: أَنَّهُ لَمْ يَتْلُهُ إِذَا كَانَ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَيَذَرَ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي مِثْلَ الْمُنَافِقِينَ وَالْفَسَقَةِ، فَإِذَا كَانَ حَالُهُ بِاللَّيْلِ هَذَا فَلَا يَقُومُ بِهِ فَيَعْمَلُ بِالنَّهَارِ بِمَا فِيهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ: أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا مَنْ نَامَ مِنْ غَيْرِ أَنَّ يَتَجَافَى عَنْهُ لِتَقْصِيرٍ أَوْ عَجْزٍ، فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ اهـ.

стр. 6380

(وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ) : بِتَقْدِيرِ: أَمَّا، وَلِذَا قَالَ (فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا) . مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ (وَالشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ) . جُمْلَةٌ أُخْرَى (وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ) : بِالْفَاءِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيرِ مَا فِي صَدْرِ الْكَلَامِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِحَذْفِهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ مُطَابِقٌ لِلْجُمَلِ السَّابِقَةِ الَّتِي تَلِيهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَأَوْلَادُ النَّاسِ جَازَ دُخُولُهُ عَلَى الْخَبَرِ ; لِأَنَّ الْجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَدْخُولٍ، أَمَّا فِي قَوْلِهِ: أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَهُ، وَحُذِفَ الْفَاءُ فِي بَعْضِ الْمَعْطُوفَاتِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ أَمَّا لَمَّا حُذِفَتْ حُذِفَ مُقْتَضَاهَا وَكِلَاهُمَا جَائِزَانِ. (وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ. وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ) أَيْ: أَوَّلًا (دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ) ، أَيْ: عَوَامِّهِمْ أَوَ أَكْثَرِهِمْ (وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ) ، أَيْ: خَوَاصُّ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ لِمَا وَرَدَ: أَنَّ مِدَادَ الْعُلَمَاءِ يُرَجَّحُ عَلَى دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالشُّهَدَاءِ أَرْبَابُ الْحُضُورِ مَعَ الْمَوْلَى فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعَامَّةِ مَنْ غَالِبُ أَحْوَالِهِمُ الْغَفْلَةُ وَالْغَيْبَةُ عَنِ الْحَضْرَةِ. (وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ) ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَأَفْضَلُ الْمَلَائِكَةِ جِبْرِيلُ ﵊ لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ (فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ) أَيْ: فِي غَايَةٍ مِنَ الِارْتِفَاعِ وَنِهَايَةٍ مِنَ الِامْتِنَاعِ مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، أَوْ يَطْمَعَ فِيهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَدَدٌ. (وَفِي رِوَايَةٍ: مِثْلُ الرَّبَابَةِ) : وَهِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَتَيْنِ السَّحَابَةُ الَّتِي رَكِبَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ (الْبَيْضَاءِ: قَالَا ذَلِكَ) أَيْ: هَذَا (مَنْزِلُكَ) . وَلَعَلَّ الْعُدُولَ لِلْإِشَارَةِ إِلَى عُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ، وَبُعْدِ الْوُصُولِ إِلَى تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ كَمَا قِيلَ مِثْلُ هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ) (قُلْتُ: دَعَانِي) أَيِ: اتْرُكَانِي (أَدْخُلْ) : بِالْجَزْمِ وَيُرْفَعُ (مَنْزِلِي) أَيِ: الْآنَ لِأَرَى تَفْصِيلَ مَا لِيَ (قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي أَيْ: زَمَانٌ مِنْ جُمْلَةِ الْعُمُرِ (لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ) أَيْ: مَا اسْتَكْمَلْتَهُ إِلَى الْآنِ (فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَإِذَا اسْتَكْمَلْتَهُ (أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ اسْتِقْبَالِ الْإِمَامِ بَعْدَ سَلَامِهِ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ السُّؤَالِ عَلَى الرُّؤْيَا، وَعَلَى مُبَادَرَةِ الْمُعَبِّرِ إِلَى تَأْوِيلِهَا أَوَّلَ النَّهَارِ قَبْلَ أَنْ يَتَشَعَّبَ ذِهْنُهُ بِاشْتِغَالِهِ فِي مَعَاشِهِ فِي الدُّنْيَا ; وَلِأَنَّ عَهْدَ الرَّائِي قَرِيبٌ وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يُشَوِّشُهَا ; وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَا يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ، كَالْحَثِّ عَلَى خَيْرٍ، وَالتَّحْذِيرِ عَنْ مَعْصِيَةٍ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ الْكَلَامِ فِي الْعِلْمِ وَتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَأَنَّ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ فِي جُلُوسِهِ لِلْعِلْمِ أَوْ غَيْرِهِ جَائِزٌ. قُلْتُ: هُوَ لِلْعِلْمِ أَفْضَلُ إِنْ لَمْ يُتَصَوَّرِ الِاسْتِقْبَالُ مَعَ الْإِقْبَالِ، وَفِي الْخُطْبَةِ مُتَعَيَّنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا اسْتِقْبَالُهُ فِي غَيْرِهِمَا فَمُسْتَحَبٌّ لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ: " «أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ» ". (وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ فِي بَابِ حُرْمَةِ الْمَدِينَةِ) .

стр. 6381

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٦٢٢ - عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا، فَإِذَا حَدَّثَ بِهَا وَقَعَتْ ". وَأَحْسِبُهُ قَالَ: " لَا تُحَدِّثْ إِلَّا حَبِيبًا أَوْ لَبِيبًا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: " «الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ، فَإِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ ". وَأَحْسِبُهُ قَالَ: " وَلَا تَقُصَّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ» ". ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٦٢٢ - (عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ) : بِالتَّصْغِيرِ وَاسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ عَامِرِ بْنِ صَبِرَةَ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ، وَهِيَ) أَيْ: رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ أَوِ الرُّؤْيَا مُطْلَقًا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ بَعْضُ الْأَثَرِ (عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ) : هَذَا مَثَلٌ فِي عَدَمِ تَقَرُّرِ الشَّيْءِ، أَيْ: لَا تَسْتَقِرُّ الرُّؤْيَا قَرَارًا كَالشَّيْءِ الْمُعَلَّقِ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، فَالْمَعْنَى: أَنَّهَا كَالشَّيْءِ الْمُعَلَّقِ بِرِجْلِ الطَّائِرِ لَا اسْتِقْرَارَ لَهَا (مَا لَمْ يُحَدِّثْ) أَيْ: مَا لَمْ يَتَكَلَّمِ الْمُؤْمِنُ أَوِ الرَّائِي (بِهَا) ، أَيْ: بِتِلْكَ الرُّؤْيَا أَوْ تَعْبِيرِهَا (فَإِذَا حَدَّثَ بِهَا وَقَعَتْ) أَيْ: تِلْكَ الرُّؤْيَا عَلَى الرَّائِي يَعْنِي: يَلْحَقُهُ حُكْمُهَا، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ كُلُّ حَرَكَةٍ مِنْ كَلِمَةٍ أَوْ جَارٍ مَجْرَاهَا، فَهُوَ طَائِرٌ مَجَازًا أَرَادَ عَلَى رِجْلِ قَدَرٍ جَارٍ وَقَضَاءٍ مَاضٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَمَعْنَاهُ: لَا يَسْتَقِرُّ تَأْوِيلُهَا حَتَّى تُعْبَرَ؛ يُرِيدُ أَنَّهَا سَرِيعَةُ السُّقُوطِ إِذَا عُبِرَتْ، كَمَا أَنَّ الطَّيْرَ لَا يَسْتَقِرُّ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ، فَكَيْفَ مَا يَكُونُ عَلَى رِجْلِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: التَّرْكِيبُ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، شَبَّهَ الرُّؤْيَا بِالطَّيْرِ السَّرِيعِ طَيَرَانُهُ، وَقَدْ عُلِّقَ عَلَى رِجْلِهِ شَيْءٌ يَسْقُطُ بِأَدْنَى حَرَكَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَوَهَّمَ لِلْمُشَبِّهِ حَالَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُنَاسِبَةٌ لِهَذِهِ الْحَالَاتِ، وَهِيَ أَنَّ الرُّؤْيَا مُسْتَقِرَّةٌ عَلَى مَا يَسُوقُهُ التَّقْدِيرُ إِلَيْهِ مِنَ التَّعْبِيرِ، فَإِذَا كَانَتْ فِي حُكْمِ الْوَاقِعِ قُيِّضَ، وَأُلْهِمَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِتَأْوِيلِهَا عَلَى مَا قُدِّرَ فَيَقَعُ سَرِيعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حُكْمِهِ لَمْ يُقَدَّرْ لَهَا مَنْ يَعْبُرُهَا. (وَأَحْسِبُهُ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا أَيْ: أَظُنُّهُ ﷺ (قَالَ: لَا تُحَدِّثْ) : بِصِيغَةِ نَهْيِ الْمُخَاطَبِ كَأَنَّهُ خِطَابٌ لِلرَّاوِي أَوْ لِمُطْلَقِ الرَّائِي، أَيْ: لَا تُخْبِرْ بِرُؤْيَاكَ (إِلَّا حَبِيبًا) أَيْ: مُحِبًّا لَا يَعْبُرُ لَكَ إِلَّا بِمَا يَسُرُّكَ (أَوْ لَبِيبًا) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، أَيْ: عَاقِلًا، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يُعَبَّرَ بِالْمَحْبُوبِ أَوْ يُسْكَتَ عَنِ الْمَكْرُوهِ، وَلِذَا قِيلَ: عَدُوٌّ عَاقِلٌ خَيْرٌ مِنْ صَدِيقٍ جَاهِلٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِاللَّبِيبِ الْعَالِمُ فَيُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الْآتِيَةَ، أَوْ ذِي رَأْيٍ وَسَيَأْتِي مَعْنَاهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ، وَكَذَا هُمْ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَذَا أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ، فَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ: «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا، فَإِذَا تَحَدَّثَ بِهَا سَقَطَتْ، وَلَا تُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا لَبِيبًا أَوْ حَبِيبًا» . (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ عَنْهُ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِدُونِ قَوْلِهِ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: (قَالَ: الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ) ، عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ وَبِتَخْفِيفِ الْبَاءِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَيْ: مَا لَمْ تُفَسَّرْ (فَإِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ وَأَحْسِبُهُ) أَيِ: النَّبِيَّ ﷺ (قَالَ: وَلَا تَقُصَّهَا) : بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُشَدَّدَةِ وَجُوِّزَ ضَمُّهَا، وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ، وَالثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ النَّهْيُ أَوِ النَّفْيُ مَعْنَاهُ النَّهْيُ لِلْمُبَالَغَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الصَّرْفِيِّينَ يَجِبُ الْفَتْحُ فِي نَحْوِ: رَدَّهَا ; لِأَنَّ الْهَاءَ - لِخَفَائِهَا كَالْعَدَمِ، وَكَأَنَّ الْأَلِفَ وَاقِعَةٌ بَعْدَ الدَّالِّ، فَإِنَّمَا هُوَ بِخُصُوصِ الْأَمْرِ، فَإِنَّهُ صِيغَةٌ غَيْرُ مُشْتَرَكَةٍ بِخِلَافِ نَحْوِ لَا تَرُدُّهَا وَلَا تَرُدُّهُ فَتَدَبَّرْ، وَخُذْ مَا صَفَا وَدَعْ مَا تَكَدَّرَ، وَالْمَعْنَى: لَا تَعْرِضْ رُؤْيَاكَ (إِلَّا عَلَى وَادٍّ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: مُحِبٍّ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقْبِلُكَ فِي تَفْسِيرِهَا إِلَّا بِمَا تُحِبُّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُشْبِهُ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ بِهَا مَنْ لَا يُحِبُّهُ رُبَّمَا حَمَلَهُ الْبُغْضُ وَالْحَسَدُ عَلَى تَفْسِيرِهَا بِمَكْرُوهٍ فَيَقَعُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ وَمَعْنَاهُ: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، فَفُسِّرَتْ بِأَحَدِهِمَا

стр. 6382

وَقَعَتْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرُ الرُّؤْيَا مَكْرُوهًا، وَتَفْسِيرُهَا مَحْبُوبٌ وَعَكْسُهُ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِهِ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِتَخْصِيصِ الرَّائِي أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ الْبَغِيضَ لَهُ أَوِ الْحَسُودَ عَلَيْهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى رِفْعَةِ شَأْنِهِ، وَعَظَمَةِ جَاهِهِ، وَكَثْرَةِ مَالِهِ، وَمَذَلَّةِ أَعْدَائِهِ، وَمَعَزَّةِ أَحِبَّائِهِ رُبَّمَا يَجْتَهِدُ فِي دَفْعِهِ أَوَّلًا، وَيَمْكُرُ فِي خَفْضِ دَفْعِهِ ثَانِيًا بِتَعْبِيرٍ يَجُرُّ إِلَى تَغْيِيرٍ أَوْ تَعْيِيرٍ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ يَعْقُوبَ وَصِيَّةً لِيُوسُفَ ﵉ " ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] " (أَوْ ذِي رَأْيٍ) أَيْ: عَاقِلٍ أَوْ عَالِمٍ. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ ذُو عِلْمٍ بِعِبَارَةِ الرُّؤْيَا، فَإِنَّهُ يُخْبِرُكَ بِحَقِيقَةِ تَفْسِيرِهَا، أَوْ بِأَقْرَبِ مَا يَعْلَمُ مِنْهُ لَا أَنَّ تَعْبِيرَهُ يُزِيلُهَا عَمَّا جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لَهُ التَّخَيُّرُ فِيمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ - وَلَا يَقُصَّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ، أَيْ: ذِي رَأْيٍ - وَالْأَقْضِيَةُ لَا تُرَدُّ بِالتَّوَقِّي عَنِ الْأَسْبَابِ، وَلَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا بِاخْتِلَافِ الدَّوَاعِي، قُلْنَا: هُوَ مِثْلُ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَالسَّلَامَةِ وَالْآفَةِ الْمَقْضِيِّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لِصَاحِبِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أُمِرَ الْعَبْدُ بِالتَّعَرُّضِ لِلْمَحْمُودِ مِنْهَا، وَالْحَذِرِ عَنِ الْمَكْرُوهِ مِنْهَا.

стр. 6383

٤٦٢٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَرَقَةَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: إِنَّهُ كَانَ قَدْ صَدَّقَكَ، وَلَكِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أُرِيتُهُ فِي الْمَنَامِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ كَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غَيْرُ ذَلِكَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٦٢٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَرَقَةَ) : بِفَتَحَاتٍ، أَيِ: ابْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ الْقُرَشِيِّ ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَرَأَ الْكُتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِهِ فِيهِ كَوْنُهُ صَحَابِيًّا، كَمَا أَنَّهُ ذَكَرَ أَبَا جَهْلٍ فِي التَّابِعِينَ وَلَيْسَ مِنْهُمْ إِجْمَاعًا، نَعَمْ وَرَقَةُ أَدْرَكَ أَوَّلَ النُّبُوَّةِ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ مَعَهُ ﵊ فِي بَابِ بَدْءِ الْوَحْيِ، وَحَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّهُ هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمْ لَا؟ (فَقَالَتْ) : بَيَانُ السُّؤَالِ وَالسَّائِلِ (لَهُ) أَيْ: لِأَجْلِ وَرَقَةَ وَتَحْقِيقِ أَمْرِهِ (خَدِيجَةُ إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ أَوْ أَنَّ وَرَقَةَ (كَانَ) أَيْ: قَبْلَ حَيَاتِهِ (قَدْ صَدَّقَكَ) ، بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: فِي نُبُوَّتِكَ (وَلَكِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) ، أَيْ: قَبْلَ ظُهُورِكَ لِلْبَعْثَةِ وَالرِّسَالَةِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ قَدْ تَمَنَّى لُحُوقَهَا. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُرِيتُهُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: أَرَانِيهِ اللَّهُ (فِي الْمَنَامِ) : وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ لِلْأَنْبِيَاءِ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِنِي وَحْيٌ جَلِيٌّ، وَدَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، لَكِنْ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ. (وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غَيْرُ ذَلِكَ) . وَكَأَنَّهُ ﷺ عَبَّرَ ثَوْبَهُ عَلَيْهِ بِدِينِهِ، وَأَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ، وَقَدْ قَالَتِ الصُّوفِيَّةُ: مَنْ رَقَّ ثَوْبُهُ رَقَّ دِينُهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ؟ قُلْتُ: أَدْخَلَتْ خَدِيجَةُ كَلَامَهَا بَيْنَ سُؤَالِ السَّائِلِ وَجَوَابِهِ اسْتِشْعَارًا مِنْهَا بِأَنَّهُ ﷺ يُجِيبُ بِمَا تَكْرَهُهُ، أَوِ اسْتِذْكَارًا لِمَا عَرَفَ ﷺ مِنْ حَالِ وَرَقَةَ ; لِأَنَّ وَرَقَةَ كَانَ ابْنَ عَمِّهَا. يَعْنِي: إِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ دَعْوَتِكَ لِيُصَدِّقَكَ، وَيَأْتِيَ بِالْأَعْمَالِ عَلَى مُوجِبِ شَرِيعَتِكَ، لَكِنْ صَدَّقَكَ قَبْلَ مَبْعَثِكَ اهـ. فَانْظُرْ إِلَى الْمَحَلَّيْنِ وَاخْتَرِ الْأَحْلَى مِنَ الْخِلَّيْنِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) .

стр. 6384

٤٦٢٤ - وَعَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، «عَنْ عَمِّهِ أَبِي خُزَيْمَةَ ﵃ أَنَّهُ رَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى جَبْهَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَاضْطَجَعَ لَهُ وَقَالَ: " صَدِّقْ رُؤْيَاكَ " فَسَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ: كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. فِي بَابِ: " مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ " ــ ٤٦٢٤ - (وَعَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ) : بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ وَفَتْحِ زَاءٍ. (ابْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي خُزَيْمَةَ) ، أَيْ: أَخِي خُزَيْمَةَ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ يُكَنَّى أَبَا عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّ الْأَوْسِيَّ، يُعْرَفُ بِذِي الشَّهَادَتَيْنِ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، كَانَ مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ صِفِّينَ، فَلَمَّا قُتِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ جَرَّدَ سَيْفَهُ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُمَارَةُ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا خُزَيْمَةَ فِي أَسْمَائِهِ لَكِنْ ذَكَرَ وَلَدَ أَخِيهِ عُمَارَةَ بْنَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ وَجَمَاعَةٍ، وَعُمَارَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ

стр. 6385

وَفِي صُحْبَتِهِ تَرَدُّدٌ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ خُزَيْمَةَ هُنَا هُوَ عُمَارَةُ (أَنَّهُ) أَيْ: عَمَّهُ أَبَا خُزَيْمَةَ ( «رَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى جَبْهَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَاضْطَجَعَ لَهُ وَقَالَ: صَدِّقْ رُؤْيَاكَ» ) : أَمْرٌ مِنَ التَّصْدِيقِ أَيِ: اعْمَلْ بِمُقْتَضَاهَا. قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَنْ رَأَى رُؤْيَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا فِي الْيَقَظَةِ إِنْ كَانَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَا شَيْئًا فِيهِ طَاعَةٌ مِثْلَ أَنْ يَرَى أَحَدٌ أَنْ يُصَلِّيَ، أَوْ يَصُومَ، أَوْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ يَزُورَ صَالِحًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ. (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ) ، بِالتَّاءِ (كَأَنَّ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الرُّؤْيَا (كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ) . أَيْ: إِلَى آخِرِهِ (فِي بَابِ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ مُنَاسِبَةٌ بِهَذَا الْمَقَامِ بِاعْتِبَارِ رُؤْيَةِ الْمَنَامِ وَتَعْبِيرِهِ ﵇، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيهِ مَنْقَبَةٌ لِلشَّيْخَيْنِ رَأَى الْمُؤَلِّفُ أَنَّ الْمُنَاسِبَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ الْمَنَاقِبِ فَأَخَّرَ وَاعْتَذَرَ فَتَدَبَّرْ.

стр. 6386

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٦٢٥ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يَكْثُرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: " هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟ " فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ: " إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا. وَذَكَرَ مِثْلَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ بِطُولِهِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: " فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتِمَةٍ، فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ، لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ. قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا، مَا هَؤُلَاءِ؟ " قَالَ: " قَالَا لِيَ: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ، لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَا أَحْسَنَ ". قَالَ: " قَالَا لِيَ: ارْقَ فِيهَا ". قَالَ: " فَارْتَقَيْنَا فِيهَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ، وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَفْتَحْنَا، فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا، فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ؛ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ ". قَالَ: " قَالَا لَهُمُ: اذْهَبُوا، فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ ". قَالَ: " وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ فِي الْبَيَاضِ، فَذَهَبُوا، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ". وَذَكَرَ فِي تَفْسِيرٍ هَذِهِ الزِّيَادَةَ: " وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ ". قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ قَدْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا. تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٦٢٥ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يَكْثُرُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَفَاعِلُهُ (أَنْ يَقُولَ) : وَمَا مَوْصُولَةٌ أَيْ: كَانَ مِنَ الْفَرِيقِ الَّذِي يَكْثُرُ قَوْلُهُ، وَفَى نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الثَّاءِ فَفِيهِ ضَمِيرُ فَاعِلٍ رَاجِعٌ إِلَى مَا، وَمَفْعُولُهُ أَنْ يَقُولَ وَاللَّامُ فِي (لِأَصْحَابِهِ) : لِلْمُشَافَهَةِ وَالْمَقُولُ (هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا) ؟ أَيْ: شَيْئًا مِنْهَا، وَاقْتَصَرَ الطِّيبِيُّ ﵀ عَلَى الْإِعْرَابِ الْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ مِمَّا يَكْثُرُ خَبَرُ كَانَ، وَمَا مِمَّا مَوْصُولَةٌ وَيَكْثُرُ صِلَتُهُ، وَالضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَى مَا فَاعِلُ يَقُولُ، وَأَنْ يَقُولَ فَاعِلُ يَكْثُرُ، وَهَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ هُوَ الْمَقُولُ، أَيْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ زُمْرَةِ الَّذِينَ كَثُرَ مِنْهُمْ هَذَا الْقَوْلُ، فَوَضَعَ " مَا " مَوْضِعَ " مِنْ " تَعْظِيمًا وَتَفْخِيمًا لِجَانِبِهِ ﷺ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] وَ (" ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ﴾ [الزخرف: ١٣] ") قُلْتُ: التَّعْظِيمُ وَالتَّفْخِيمُ ظَاهِرٌ بَاهِرٌ فِي الْآيَتَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِمَا فِيهَا مَعْنَى الصِّفَةِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الصَّنْعَةِ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ مَا فِي الْحَدِيثِ عَلَى إِرَادَةِ التَّفْخِيمِ، فَخَارِجٌ عَنْ صُورَةِ التَّسْلِيمِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. (فَيَقُصُّ) : بِالرَّفْعِ، أَيْ: فَهُوَ يَقُصُّ (عَلَيْهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى يَقُولُ وَفَاعِلُهُ (مَنْ شَاءَ اللَّهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ مَا شَاءَ، أَيِ: الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ (أَنْ يَقُصَّ) ، أَيْ: عَلَيْهِ (وَإِنَّهُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، أَيِ: الشَّأْنُ (قَالَ لَنَا) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (ذَاتَ غُدْوَةٍ) أَيْ: صُبْحَ يَوْمٍ (إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ) ، تَثْنِيَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ أَتَى، أَيْ: شَخْصَانِ أَوْ مَلَكَانِ جَاءَيَانِي (وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي) أَيْ: أَثَارَانِي وَأَذْهَبَانِي، وَأَمَّا مَا قِيلَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَيْقَظَانِي مِنَ الْمَنَامِ فَلَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ (وَإِنَّهُمَا قَالَا لِيَ: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا) . قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِنَّهُمَا قَالَا أَيْ: حَصَلَ مِنْهُمَا الْقَوْلُ وَمِنِّي الِانْطِلَاقُ، وَذَكَرَ ﷺ إِنَّ الْمُؤَكِّدَةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ تَحْقِيقًا لِمَا رَآهُ، وَتَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ " «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ".

стр. 6387

(وَذَكَرَ) أَيْ: سَمُرَةُ بَقِيَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ (مِثْلَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ) أَيْ: عَنْهُ (فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ بِطُولِهِ) ، أَيْ بِطُولِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ (وَفِيهِ) : ﷺ أَيْ: فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ هَذَا (زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهِيَ) أَيِ: الزِّيَادَةُ (قَوْلُهُ) أَيْ: قَوْلُهُ (فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتِمَةٍ) ، بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، مِنَ الْعَتَمَةِ شِدَّةِ الظَّلَامِ، فَوَصَفَهَا بِشِدَّةِ الْخُضْرَةِ، وَلِبَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ؛ كَذَا حَقَّقَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: طَوِيلَةُ النَّبَاتِ، يُقَالُ: اعْتَمَ النَّبْتُ إِذَا طَالَ، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي النِّهَايَةِ أَعْتَمَ يَعْتِمُ دَخَلَ فِي عَتَمَةِ اللَّيْلَةِ، وَهِيَ ظُلْمَتُهُ، وَعَلَيْهِ أَيْضًا يَدُورُ جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ (فِيهَا) أَيْ: فِي تِلْكَ الرَّوْضَةِ (مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ) ، بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ: زَهْرُهُ، وَالْمُرَادُ بِالرَّبِيعِ الْفَصْلُ الْمَشْهُورُ الَّذِي بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ) أَيْ: فِي وَسَطِهَا وَالظَّهْرُ مُقْحَمٌ، وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ فِي تَحَقُّقِ الْوَسَطِ (رَجُلٌ طَوِيلٌ) ، أَيْ ذُو طُولٍ عَظِيمٍ (لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا) : نَصَبَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ (فِي السَّمَاءِ) ، أَيْ: فِي جِهَتِهَا وَهُوَ تَأْكِيدٌ وَإِلَّا فَالطُّولُ مُقَابِلٌ لِلْعَرْضِ (وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ (مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ) : الظَّاهِرُ أَنَّ " مِنْ " زَائِدَةٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَخْفَشُ مِنْ تَجْوِيزِ زِيَادَةِ مِنْ فِي الْإِثْبَاتِ (قَطُّ) . بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الطَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ. وَفِي الْقَامُوسِ: مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ، وَيُضَمُّ وَيُخَفَّفَانِ وَيَخْتَصُّ بِالنَّفْيِ مَاضِيًا، وَفِي مَوَاضِعَ مِنَ الْبُخَارِيِّ: جَاءَ بَعْدَ الْمُثْبَتِ مِنْهَا فِي الْكُسُوفِ أَطْوَلُ صَلَاةً صَلَّيْتُهَا قَطُّ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: تَوَضَّأَ ثَلَاثًا قَطُّ، وَأَثْبَتَهَا ابْنُ مَالِكٍ فِي الشَّوَاهِدِ لُغَةً قَالَ: وَهَى مِمَّا خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النُّحَاةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَصْلُ التَّرْكِيبِ وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ وِلْدَانٌ مَا رَأَيْتُ وِلْدَانًا قَطُّ أَكْثَرَ مِنْهُمْ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَمَّا كَانَ التَّرْكِيبُ مُتَضَمِّنًا لِمَعْنَى النَّفْيِ جَازَ زِيَادَةُ مِنْ وَقَطُّ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْمَاضِي الْمَنْفِيِّ، وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ حَارِثَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ " وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ» ". وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ السَّفَرِ. قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٢٤٩] عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ هَذَا مِنْ مَيْلِهِمْ مَعَ الْمَعْنَى وَالْإِعْرَاضِ عَنِ اللَّفْظِ جَانِبًا، وَهُوَ بَابٌ جَلِيلٌ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ. قُلْتُ: وَهُوَ مَشْرَبُ الصُّوفِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ الْكَلَامَ فِي إِعْرَابِ الْمَبَانِي يَشْغَلُ عَنْ إِعْرَابِ الْمَعَانِي، وَقَدْ قَالَ الْكَافِيَجِيُّ: إِنَّ أَصْلَ النَّحْوِ ثَلَاثُ قَوَاعِدَ، وَالْبَاقِي مِنَ الْقَوَاعِدِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ زِيَادَةٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ عِلَلَ النَّحْوِ اعْتِبَارَاتٌ بَعْدَ الْوُقُوعِ لَا مُوجِبَاتٌ، ثُمَّ قَالَ الْكَشَّافُ: فَلَمَّا كَانَ مَعْنَى فَشَرِبُوا مِنْهُ فِي مَعْنَى فَلَمْ يُطِيعُوهُ حُمِلَ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يُطِيعُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ. (قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا) ، أَيِ: الرَّجُلُ الطَّوِيلُ (مَا هَؤُلَاءِ) ؟ أَيِ: الْوِلْدَانُ وَمَا بِمَعْنَى " مَنْ " أَوْ أُرِيدَ بِهَا الصِّفَةُ أَيْ: مَا صِفَةُ هَذَا وَصِفَةُ هَؤُلَاءِ؟ وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنَّ يُقَالَ مَنْ هَذَا؟ فَكَأَنَّهُ ﷺ لَمَّا رَأَى حَالَهُ مِنَ الطُّولِ الْمُفْرِطِ كَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ هُوَ أَبَشَرٌ أَمْ مَلَكٌ أَمْ جِنِّيٌّ أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ اهـ. وَغَرَابَتُهُ لَا تَخْفَى إِذْ مَعَ إِطْلَاقِ الرَّجُلِ عَلَيْهِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ جَمَادًا أَوْ نَبَاتًا أَوْ بَهِيمَةً، وَكَوْنُهُ مَلَكًا أَمْ جِنِّيًّا لَا يَسْتَعْدِي " مَا "، بَلْ يَقْتَضِي " مَنْ " أَيْضًا (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (قَالَا لِيَ: انْطَلِقِ انْطَلِقْ) ، وَلَعَلَّ فِي تَكْرَارِ الْأَمْرِ إِشْعَارٌ بِقُرْبِ الْمَزَارِ (فَانْطَلَقْنَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ، لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا) ، أَيْ: فِي الْكَمِّيَّةِ (وَلَا أَحْسَنَ) أَيْ: مِنْهَا فِي الْكَيْفِيَّةِ (قَالَ: قَالَا لِيَ: ارْقَ) : بِفَتْحِ الْقَافِ، أَيِ: اصْعَدْ (فِيهَا. قَالَ: فَارْتَقَيْنَا فِيهَا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ، وَلَبِنِ فِضَّةٍ)

стр. 6388

بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مَا يَكُونُ عَلَى صُورَةِ الْآجُرِّ، وَلَعَلَّ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى جَنَّةِ الْمُخْلِصِينَ مِنَ التَّائِبِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ أَوْ مَنْ صَرَفَ أَوْقَاتَهُ بَعْضَهَا إِلَى الطَّاعَةِ وَبَعْضَهَا إِلَى الْغَفْلَةِ، أَوْ بَعْضَهَا إِلَى الْأَفْضَلِ، وَبَعْضَهَا إِلَى الْفَاضِلِ. (فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَفْتَحْنَا، فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا، فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ) أَيْ: نِصْفٌ أَوْ بَعْضٌ (مِنْ خَلْقِهِمْ) أَيْ: مِنْ خِلْقَتِهِمْ، وَشَطْرٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (كَأَحْسَنِ مَا) أَيْ: مِثْلِ أَحْسَنِ شَيْءٍ (أَنْتَ رَاءٍ) ، أَيْ لَهُ فِي عُمْرِكَ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ " رِجَالٌ "، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَافُ زَائِدَةٌ، وَأَظُنُّ أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَوْلِ بِالزِّيَادَةِ (وَشَطْرٌ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ خِلْقَتِهِمْ (كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ مَوْصُوفِينَ بِأَنَّ خِلْقَتَهُمْ حَسَنَةٌ وَبَعْضُهُمْ قَبِيحَةٌ وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْضُهُ حَسَنٌ وَبَعْضُهُ قَبِيحٌ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي التَّفْصِيلِ: فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، أَيْ: خَلَطَ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَلًا صَالِحًا بِسَيِّئٍ وَسَيِّئًا بِصَالِحٍ. قُلْتُ: وَقَوْلُهُ مِنْ خَلْقِهِمْ أَيْضًا يَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، فَتَأَمَّلْ، نَعَمْ لَوْ قَالَ شَطْرٌ مِنْهُمْ لَكَانَ مَحَلَّ التَّوَهُّمِ. (قَالَ: قَالَا لَهُمْ: اذْهَبُوا فَقَعُوا) : أَمْرٌ مِنْ وَقَعَ يَقَعُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] ، فَالْمَعْنَى أَوْقِعُوا أَنْفُسَكُمْ. (فِي ذَلِكَ النَّهَرِ) . أَيِ: الْمَرْئِيِّ عِنْدَهُمْ (قَالَ: وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ) أَيْ: عَرِيضٌ (يَجْرِي) أَيْ: مَاؤُهُ (كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ) أَيِ: اللَّبَنُ الْخَالِصُ غَيْرُ مَشُوبٍ بِشَيْءٍ، وَالْمَحْضُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ الْخَالِصُ مِنْهُ (فِي الْبَيَاضِ) ، كَأَنَّهُ سُمِّيَ بِالصِّفَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الصَّفَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَاءِ عَفْوُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ، أَوِ التَّوْبَةُ مِنْهُمْ كَمَا وَرَدَ: اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ. قُلْتُ: إِنْ كَانَ مُرَادُهُ تَعْبِيرَ الْمَاءِ بِالْعَفْوِ فَهُوَ مُتَعَيَّنٌ لِمَا سَيَأْتِي فِي التَّأْوِيلِ أَنَّهُ تَجَاوُزُ اللَّهِ عَنْهُمْ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْيِيدِهِ بِالْإِمْكَانِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْمَاءَ الْمَرْئِيَّ هُوَ الْعَفْوُ فَلَا خَفَاءَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ (فَذَهَبُوا، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيَجُوزُ فَتْحُهُ، أَيِ: الْقُبْحُ (عَنْهُمْ، فَصَارُوا) أَيْ: فَرَجَعُوا وَانْقَلَبُوا (فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ. وَذَكَرَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ فِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: قَبْلُ (فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ: (وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ، فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ) أَيِ: الْخَلِيلُ ﵇ (وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ) أَيْ: فِي الصِّغَرِ (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ: مِنْهُمْ أَوْ هُمْ كَذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْفِطْرَةِ أَدَاخِلُونَ فِي زُمْرَةِ هَؤُلَاءِ الْوِلْدَانِ؟ فَأَجَابَ: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ غُيِّرَتْ فِطْرَتُهُمْ بِالتَّهَوُّدِ وَالتَّمَجُّسِ خِلَافُ هَذَا، فَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ فِي النَّارِ تُوَؤَّلُ بِمَنْ غُيِّرَتْ فِطْرَتُهُمْ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَرَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ، قُلْتُ: هَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ، لَكِنْ يُشْعِرُ بِوُقُوعِ التَّكْلِيفِ فِي حَالِ التَّمْيِيزِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، لَكِنَّ لَهُ تَعَالَى أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِكُفْرِهِمْ فِي صِغَرِهِمْ بِنَاءً عَلَى عَدْلِهِ، كَمَا أَنَّهُ يَقْبَلُ إِيمَانَ الصَّغِيرِ بِنَاءً عَلَى فَضْلِهِ (" ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ") وَقَدْ تَوَقَّفَ إِمَامُنَا الْأَعْظَمُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا الْمَبْحَثُ بِالْإِطْنَابِ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ.

стр. 6389

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَوْلُ الْقَائِلِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ. فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ أَلْحَقَهُمْ بِأَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ لَهُمْ بِحُكْمِ آبَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَرَارِي الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ، وَلِلنَّاسِ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ اخْتِلَافٌ، وَعَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ فِي الْكُفْرِ، وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ آثَارٌ عَنْ نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَاحْتَجُّوا لِهَذِهِ الْمَقَالَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» " وَيَقُولُ اللَّهُ : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ - بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩] وَبِقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ; لِأَنَّ اسْمَ الْوِلْدَانِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوِلَادَةِ. وَلَا وِلَادَةَ فِي الْجَنَّةِ، فَكَانُوا هُمُ الَّذِينَ نَالَتْهُمُ الْوِلَادَةُ فِي الدُّنْيَا، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْيًا وَخَدَمًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا، فَهُمْ خُدَّامٌ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ (وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا) أَيْ: وُجِدُوا (شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ قَدْ) : لِلتَّحْقِيقِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6390

٤٦٢٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٦٢٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مِنْ أَفْرَى الْفِرَى) : بِكَسْرِ الْفَاءِ جَمْعُ فِرْيَةٍ وَهِيَ الْكِذْبَةُ، وَأَفْرَى أَفْعَلُ مِنْهُ لِلتَّفْضِيلِ أَيْ: أَكْذَبُ الْكِذْبَاتِ (أَنْ يُرِيَ) : بِضَمِّ يَاءٍ وَكَسْرِ رَاءٍ (الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا) أَيْ: شَيْئًا لَمْ تَرَ عَيْنَاهُ فِي النِّهَايَةِ أَيْ يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَذَا، وَلَمْ يَكُنْ رَأَى شَيْئًا ; لِأَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ مَلَكَ الرُّؤْيَا لِيُرِيَهُ الْمَنَامَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِإِرَاءِ الرَّجُلِ عَيْنَيْهِ وَصْفُهُمَا بِمَا لَيْسَ فِيهِمَا وَنِسْبَةُ الْكِذْبَاتِ إِلَى الْكَذِبِ لِلْمُبَالَغَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: لَيْلٌ أَلْيَلُ وَجَدَّ جِدُّهُ قَالَ السُّيُوطِيُّ: الْفِرْيَةُ الْكِذْبَةُ الْعَظِيمَةُ، وَجُعِلَ كَذِبُ الْمَنَامِ أَعْظَمَ مِنْ كَذِبِ الْيَقَظَةِ ; لِأَنَّهُ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَادَّعَى جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ كَذِبًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَفِي الْجَامِعِ: ( «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يُدْعَى الرَّجُلُ لِغَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا، أَوْ يَقُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ، وَرَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: " «إِنَّ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ فِي الْمَنَامِ مَا لَمْ تَرَيَا» ".

стр. 6391

٤٦٢٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " «أَصْدَقُ الرُّؤْيَا بِالْأَسْحَارِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٤٦٢٧ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَصْدَقُ الرُّؤْيَا بِالْأَسْحَارِ» ) أَيْ: مَا رُؤِيَ بِالْأَسْحَارِ، وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ الْخَوَاطِرُ مُجْتَمِعَةً وَالدَّوَاعِي سَاكِنَةً ; وَلِأَنَّ الْمَعِدَةَ خَالِيَةٌ فَلَا يَتَصَاعَدُ مِنْهَا الْأَبْخِرَةُ الْمُشَوِّشَةُ ; وَلِأَنَّهَا وَقْتُ نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ لِلصَّلَاةِ الْمَشْهُودَةِ؛ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ

стр. 6392

[كِتَابُ الْآدَابِ] [ بَابُ السَّلَامِ]

стр. 6393

كِتَابُ الْآدَابِ (١) بَابُ السَّلَامِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٦٢٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَذَهَبَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " قَالَ: فَزَادُوهُ " وَرَحْمَةُ اللَّهِ ". قَالَ: " فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الْآنَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ كِتَابُ الْآدَابِ الْأَدَبُ: اسْتِعْمَالُ مَا يُحْمَدُ قَوْلًا وَفِعْلًا وَقِيلَ الْأَخْذُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَقِيلَ: الْوُقُوفُ مَعَ الْحَسَنَاتِ وَالْإِعْرَاضُ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَقِيلَ: التَّعْظِيمُ لِمَنْ فَوْقَكَ وَالرِّفْقُ بِمَنْ دُونَكَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَأْدُبَةِ وَهِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى طَعَامٍ؛ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُدْعَى إِلَيْهِ. (١) بَابُ السَّلَامِ أَيِ: ابْتِدَاءً وَجَوَابًا، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الْوَاجِبَ ثَوَابُهُ أَكْمَلُ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّوَاضُعِ مَعَ كَوْنِهِ سَبَبًا لِأَدَاءِ الْفَرْضِ، وَنَظِيرُهُ النَّظِرَةُ عَنِ الْمُعْسِرِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ، فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ وَالْإِبْرَاءُ أَفْضَلُ مِنْهَا، مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: " «السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَضَعَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، فَأَفْشُوهُ بَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ إِذَا مَرَّ بِقَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِ كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلُ دَرَجَةٍ بِتَذَكُّرِهِ إِيَّاهُمُ السَّلَامَ، فَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَأَطْيَبُ» " رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٦٢٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» ) أَيْ: عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ أُهْبِطَ، وَإِلَى أَنْ مَاتَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ صُورَتَهُ كَانَتْ فِي الْجَنَّةِ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ، وَالْمُرَادُ بِالصُّورَةِ الصِّفَةُ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَإِنْ كَانَتْ صِفَاتُهُ تَعَالَى لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْعَبْدِ الْمَحْذُوفِ مِنَ السِّيَاقِ، وَإِنَّ سَبَبَ الْحَدِيثِ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ وَجْهَ غُلَامٍ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ لِلسُّيُوطِيِّ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْهَاءُ مَرْجِعُهَا إِلَى آدَمَ ﵇، فَالْمَعْنَى: أَنَّ ذُرِّيَّةَ آدَمَ خُلِقُوا أَطْوَارًا فِي مَبْدَأِ الْخَلْقِ نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ صَارُوا صُوَرًا أَجِنَّةً إِلَى أَنْ تَتِمَّ مُدَّةُ الْحَمْلِ، فَيُولَدُونَ أَطْفَالًا وَيُنْشَئُونَ صِغَارًا إِلَى أَنْ يَكْبَرُوا، فَيَتِمُّ طُولُ أَجْسَادِهِمْ، يَقُولُ: إِنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ خَلْقُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَكِنَّهُ أَوَّلَ مَا تَنَاوَلَتْهُ الْخِلْقَةُ وُجِدَ خَلْقًا تَامًّا. (طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا) . وَقَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي مَوْضِعِهِ، فَأَمَّا قِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ سَدِيدٍ لِمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ: خُلِقَ آدَمُ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَلِمَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَضْرِبُ وَجْهَ غُلَامٍ، فَقَالَ: " لَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» " فَالْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ هَذَا الْمُؤَوِّلُ لَا يُلَائِمُ هَذَا الْقَوْلَ. وَأَهْلُ الْحَقِّ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلَى طَبَقَتَيْنِ؛ إِحْدَاهُمَا: الْمُنَزَّهُونَ عَنِ التَّأْوِيلِ مَعَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ، وَعَدَمِ الرُّكُونِ إِلَى مُسَمَّيَاتِ الْجِنْسِ وَإِحَالَةِ الْمَعْنَى فِيهِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَهَذَا أَسْلَمُ الطَّرِيقَيْنِ. وَالطَّبَقَةُ الْأُخْرَى: يَرَوْنَ الْإِضَافَةَ فِيهَا إِضَافَةَ تَكْرِيمٍ وَتَشْرِيفٍ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، خَلَقَ آدَمَ أَبَا الْبَشَرِ عَلَى صُورَةٍ لَمْ يُشَاكِلْهَا شَيْءٌ وَالصُّوَرُ فِي الْجَمَالِ وَالْكَمَالِ، وَكَثْرَةِ مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْجَلِيلَةِ، فَاسْتَحَقَّتِ الصُّورَةُ الْبَشَرِيَّةُ أَنْ تُكَرَّمَ وَلَا تُهَانَ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا وَتَكْرِيمًا لِمَا كَرَّمَهُ اهـ. وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبَهَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ فِي تَعْقِيبِهِ عَلَيْهِ، وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّ تَأْوِيلَ أَبِي سُلَيْمَانَ سَدِيدٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَفِي ذِكْرِ مَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَلَا مَنْفَعَةَ لَدَيْهِ.

стр. 6394

(فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ) أَيِ: الْجَمَاعَةِ (وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ) : أُفْرِدَ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ أَوْ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ " نَفَرٌ " أَوْ جَمْعُ جَالِسٍ، أَوْ تَقْدِيرُهُ ذَوُو جُلُوسٍ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ رَجُلٍ عَدْلٍ مُبَالَغَةً (فَاسْتَمِعْ) أَيْ: فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ فَاسْتَمِعْ (مَا يُحَيُّونَكَ) : بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ، أَيِ: الَّذِي يُحَيُّونَكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِالْجِيمِ وَالتَّحْتِيَّةِ وَالْمُوَحَّدَةِ فَتَصْحِيفٌ وَتَحْرِيفٌ وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا) أَيْ: تَحِيَّتُهُمْ إِيَّاكَ (تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ) أَيْ: لِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ وَعَلَيْهِمْ (فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فَزَادُوهُ) أَيْ: آدَمَ فِي رَدِّ جَوَابِهِ عَلَى أَصْلِ سَلَامِهِ بِقَوْلِهِمْ (وَرَحْمَةُ اللَّهِ) : قِيلَ: يَدُلُّ هَذَا عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ. قُلْتُ: بَلِ الزِّيَادَةُ هِيَ الْأَفْضَلُ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْآيَةِ أَيْضًا، نَعَمْ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ السَّلَامِ فِي الْجَوَابِ، بَلْ عَلَى نَدْبِهِ ; لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ التَّعْلِيمِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ بِقَوْلِهِ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ أَفْضَلُ سَوَاءٌ زَادَ أَمْ لَا. وَلَعَلَّ الْمَلَائِكَةَ أَيْضًا أَرَادُوا إِنْشَاءَ السَّلَامِ عَلَى آدَمَ، كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْجَوَابِ أَنْ يَقَعَ بَعْدَ السَّلَامِ، لَا أَنْ يَقَعَا مَعًا، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَاءُ التَّعْقِيبِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ أَكْثَرُ النَّاسِ عَنْهَا غَافِلُونَ، فَلَوِ الْتَقَى رَجُلَانِ وَسَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً يَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الْجَوَابُ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فَكُلُّ) : كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَجَمِيعِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِالْفَاءِ، وَهُوَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ جَمِيعَ (مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ: مِنْ أَوْلَادِهِ (عَلَى صُورَةِ آدَمَ) أَيْ: يَدْخُلُ عَلَى صُورَتِهِ، أَوْ فَهُوَ عَلَى صُورَتِهِ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ النَّوْعِيَّةَ وَالشَّخْصِيَّةَ (وَطُولُهُ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ طُولَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَيْضًا (سِتُّونَ ذِرَاعًا) : بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَرْجِعُ إِلَى أَصْلِهِ، وَفِي الْجَامِعِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فِي طُولِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا (فَلَمْ يَزَلْ) : هَذِهِ الْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ عَلَى قَوْلِهِ: طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ مُتَضَمِّنًا لِجَوَابِ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ آدَمُ طُولَهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَذُرِّيَّتُهُ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أَيْضًا، وَطُولُهُمْ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَمَا بَالُهُمْ نَقَصَ طُولُهُمْ عَنْ طُولِ أَبِيهِمْ عَلَى مَا نُشَاهِدُ فِي الدُّنْيَا، أَهُوَ نُقْصَانٌ تَدْرِيجِيٌّ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَلَمْ يَزَلِ (الْخَلْقُ) أَيْ: غَالِبُهُمْ مِنْ أَوْلَادِ بَنِي آدَمَ (يَنْقُصُ) أَيْ: طُولُهُمْ، وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيُّ: وَجَمَالُهُمْ فَمَا أَظُنُّهُ صَحِيحًا مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا رَمْزًا وَلَا صَرِيحًا (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ آدَمَ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا. (حَتَّى الْآنَ) : بِالنَّصْبِ ظَرْفُ يَنْقُصُ، أَيْ: حَتَّى وَصَلَ النَّقْصُ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَدِيثَ، الظَّاهِرُ أَنَّ النُّقْصَانَ انْتَهَى إِلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَإِلَّا فَلَمْ يُحْفَظْ تَفَاوُتٌ فِي طُولِ الْقَامَةِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى مُدَّتِهَا الْآنَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

стр. 6395

٤٦٢٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٦٢٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَيِ: ابْنِ الْعَاصِ (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْإِسْلَامِ) أَيْ: أَيُّ آدَابِ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَيُّ خِصَالِ أَهْلِهِ (خَيْرٌ؟) أَيْ: أَفْضَلُ ثَوَابًا أَوْ أَكْثَرُ نَفْعًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: السُّؤَالُ وَقَعَ عَمَّا يَتَّصِلُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنَ الْخِصَالِ دُونَ غَيْرِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ ﷺ أَجَابَ عَنْهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْخِصَالِ حَيْثُ (قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ) : إِلَخْ وَتَقْدِيرُهُ أَنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ، فَلَمَّا حُذِفَ أَنْ رَجَعَ الْفِعْلُ مَرْفُوعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤] ، وَقَوْلِ الْقَائِلِ: تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ، وَيُمْكِنَ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مَعْنَاهُ الْأَمْرُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَتَقْرَأُ السَّلَامَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَتُقْرِي مِنَ الْإِقْرَاءِ، فَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: أَقْرَأُ فُلَانًا السَّلَامَ وَأُقْرِئُ ﵇، كَأَنَّهُ حِينَ يَبْلُغُهُ سَلَامُهُ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَقْرَأَ السَّلَامَ وَيَرُدَّهُ، وَفِي الْقَامُوسِ: قَرَأَ ﵇ أَبْلَغَهُ كَأَقْرَاهُ، أَوْ لَا يُقَالُ: أَقْرَأَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ السَّلَامُ مَكْتُوبًا. وَقَوْلُهُ: (عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِتَقْرَأُ، أَوْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ بِأَنْ يَضْمَنَ تُطْعِمُ مَعْنَى الْبَذْلِ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ شَامِلٌ لِلْمُخَاطَبِ وَغَيْرِهِ.

стр. 6396

وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيُّ خِصَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَآدَابِهِمْ أَفْضَلُ؟ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِالْإِطْعَامِ وَالسَّلَامِ عَلَى مَنْ عَرَفَ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ. قَالَ: وَلَعَلَّ تَخْصِيصَهُمَا لِعِلْمِهِ ﷺ بِأَنَّهُمَا يُنَاسِبَانِ حَالَ السَّائِلِ، وَلِذَلِكَ أَسْنَدَهُمَا إِلَيْهِ فَقَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ، أَوْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ يَسْأَلُ عَمَّا يُعَامِلُ الْمُسْلِمِينَ فِي إِسْلَامِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ رَأَى أَنْ يُجِيبَ عَنْ سُؤَالِهِ بِإِضَافَةِ الْفِعْلِ إِلَيْهِ لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى الْعَمَلِ، وَالْخَبَرُ قَدْ يَقَعُ مَوْقِعَ الْأَمْرِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " «أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَكُونُوا إِخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى» "، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ» ".

стр. 6397

٤٦٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ: يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ أَوْ شَهِدَ» " لَمْ أَجِدْهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْجَامِعِ " بِرِوَايَةِ النَّسَائِيِّ. ــ ٤٦٣٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ: يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَشْهَدُهُ) أَيْ: يَحْضُرُ وَقْتَ نَزْعِهِ (إِذَا مَاتَ) أَيْ: قَرُبَ مَوْتُهُ، أَوْ يَحْضُرُ زَمَانَ الصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَتِهِ إِذَا مَاتَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُشَمِّتُهُ) : بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ: يَدْعُو لَهُ بِقَوْلِهِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ (إِذَا عَطَسَ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ وَيُكْسَرُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، يَعْنِي: فَحَمِدَ اللَّهَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ. وَفِي النِّهَايَةِ: التَّشْمِيتُ بِالشِّينِ وَالسِّينِ الدُّعَاءُ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَالْمُعْجَمَةُ أَعْلَاهُمَا يُقَالُ: شَمِّتْ فُلَانًا. وَشَمَّتَ عَلَيْهِ تَشْمِيتًا، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الشَّوَامِتِ، وَهِيَ الْقَوَائِمُ كَأَنَّهُ دُعَاءٌ لِلْعَاطِسِ بِالثَّبَاتِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَبْعَدَكَ اللَّهُ عَنِ الشَّمَاتَةِ وَجَنَّبَكَ مَا يُشْمَتُ بِهِ عَلَيْكَ. (وَيَنْصَحُ لَهُ) أَيْ: يُرِيدُ الْخَيْرَ لِلْمُؤْمِنِ وَيُرْشِدُهُ إِلَيْهِ (إِذَا غَابَ) أَيْ: كُلٌّ مِنْهُمَا (أَوْ شَهِدَ) أَيْ: حَضَرَ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ خَيْرَهُ فِي غَيْبَتِهِ وَحُضُورِهِ، فَلَا يَتَمَلَّقُ فِي حُضُورِهِ وَيَغْتَابُ فِي غَيْبَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (لَمْ أَجِدْهُ) أَيْ: هَذَا الْحَدِيثَ (فِي الصَّحِيحَيْنِ) أَيْ: مَتْنَيْهِمَا (وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) أَيِ: الْجَامِعُ لَهُ (لَكِنْ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ) أَيْ: جَامِعِ الْأُصُولِ (بِرِوَايَةِ النَّسَائِيِّ) : قُلْتُ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ، لَكِنْ قَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: " «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» " فَفِي الْجُمْلَةِ صَحَّ إِسْنَادُ الْبَغَوِيِّ الْحَدِيثَ إِلَى مُسْلِمٍ، بَلْ إِلَى الشَّيْخَيْنِ وَلَوْ بِالْمَعْنَى.

стр. 6398

٤٦٣١ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٦٣١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا» ، وَلَا تُؤْمِنُوا) : قَالَ النَّوَوِيُّ: هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ وَالرِّوَايَاتِ بِحَذْفِ النُّونِ مِنْ آخِرِهِ اهـ. وَلَعَلَّ حَذْفَ النُّونِ لِلْمُجَانَسَةِ وَالِازْدِوَاجِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَنَحْنُ اسْتَقْرَيْنَا نُسَخَ مُسْلِمٍ وَالْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ وَبَعْضَ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، فَوَجَدْنَاهَا مُثْبَتَةً بِالنُّونِ عَلَى الظَّاهِرِ. قُلْتُ: أَمَّا نُسَخُ الْمِشْكَاةِ الْمُصَحَّحَةُ الْمُعْتَمَدَةُ الْمَقْرُوءَةُ عَلَى الْمَشَايِخِ الْكِبَارِ كَالْجَزَرِيِّ، وَالسَّيِّدِ أَصِيلِ الدِّينِ، وَجَمَالٍ الْمُحَدِّثِ، وَغَيْرُهَا مِنَ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ، فَكُلُّهَا بِحَذْفِ النُّونِ، وَمَا وَجَدْنَا نُسْخَةً فِيهَا النُّونُ مُثْبَتَةٌ، وَأَمَّا مَتْنُ مُسْلِمٍ الْمُصَحَّحُ الْمَقْرُوءُ عَلَى جُمْلَةِ مَشَايِخَ مِنْهُمُ السَّيِّدُ نُورُ الدِّينِ الْإِيجِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ الْعَزِيزَ، فَهُوَ بِحَذْفِ النُّونِ، نَعَمْ فِي الْحَاشِيَةِ نُسْخَةٌ بِثَبَاتِ النُّونِ، وَأَمَّا تَيْسِيرُ الْوُصُولِ إِلَى جَامِعِ الْأُصُولِ، فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا بِحَذْفِ النُّونِ، بَلْ قَوْلُهُ: لَا تَدْخُلُوا مَحْذُوفُ النُّونِ أَيْضًا، وَلَعَلَّ الْوَجْهَ أَنَّ النَّهْيَ قَدْ يُرَادُ بِهِ النَّفْيُ كَعَكْسِهِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، وَالْمَعْنَى: لَا تُؤْمِنُونَ إِيمَانًا كَامِلًا (حَتَّى تَحَابُّوا) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ، أَيْ: حَتَّى يُحِبَّ كُلٌّ مِنْكُمْ صَاحِبَهُ ( «أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ إِفْشَاءَ السَّلَامِ سَبَبًا لِلْمَحَبَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ

стр. 6399

سَبَبًا لِكَمَالِ الْإِيمَانِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، وَفِي التَّهَاجُرِ وَالتَّقَاطُعِ وَالشَّحْنَاءِ تَفْرِقَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ سَبَبٌ لِانْثِلَامِ الدِّينِ وَالْوَهَنِ فِي الْإِسْلَامِ، وَجَعْلِ كَلِمَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْعُلْيَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] الْآيَةَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.

стр. 6400

٤٦٣٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٦٣٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي) أَيْ: تَوَاضُعًا حَيْثُ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالرُّكُوبِ، وَلِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّهُ بِهَذَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي (وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ) : كَذَلِكَ (وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ) أَيْ: لِلتَّوَاضُعِ الْمَقْرُونِ بِالِاحْتِرَامِ وَالْإِكْرَامِ الْمُعْتَبَرِ فِي السَّلَامِ، مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ وُجُودُ الْكَبِيرِ فِي الْكَثِيرِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الصَّغِيرَ يُسَلِّمُ عَلَى الْكَبِيرِ، مَعَ أَنَّ الْكَثِيرَ قَدْ يُعْتَبَرُ فِي مَعْنَى الْكَبِيرِ، وَأَيْضًا وُضِعَ السَّلَامُ لِلتَّوَدُّدِ، وَالْمُنَاسَبُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لِلصَّغِيرِ مَعَ الْكَبِيرِ، وَلِلْقَلِيلِ مَعَ الْكَثِيرِ بِمُقْتَضَى الْأَدَبِ الْمُعْتَبَرِ شَرْعًا وَعُرْفًا، نَعَمْ لَوْ وَقَعَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ تَوَاضُعًا، فَهُوَ مَقْصِدٌ حَسَنٌ أَيْضًا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّمَا اسْتُحِبَّ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ لِلرَّاكِبِ ; لِأَنَّ وَضْعَ السَّلَامِ إِنَّمَا هُوَ لِحِكْمَةِ إِزَالَةِ الْخَوْفِ مِنَ الْمُلْتَقِيَيْنِ إِذَا الْتَقَيَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فِي الْغَالِبِ، أَوْ لِمَعْنَى التَّوَاضُعِ الْمُنَاسِبِ لِحَالِ الْمُؤْمِنِ، أَوْ لِمَعْنَى التَّعْظِيمِ ; لِأَنَّ السَّلَامَ إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا اكْتِسَابُ وُدٍّ أَوِ اسْتِدْفَاعُ مَكْرُوهٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَالرَّاكِبُ يُسَلِّمُ عَلَى الْمَاشِي، وَهُوَ عَلَى الْقَاعِدِ لِلْإِيذَانِ بِالسَّلَامَةِ وَإِزَالَةِ الْخَوْفِ، وَالْكَثِيرُ عَلَى الْقَلِيلِ لِلتَّوَاضُعِ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ لِلتَّوْقِيرِ وَالتَّعْظِيمِ. قُلْتُ: أَمَّا التَّوَاضُعُ فَفِي الْكُلِّ مَوْجُودٌ وَلَوِ انْعَكَسَ الْوُجُودُ، وَلِذَا قَالُوا: ثَوَابُ الْمُسَلِّمِ أَكْثَرُ مِنْ أَجْرِ الْمُجِيبِ، مَعَ أَنَّ فِعْلَ الْأَوَّلِ سُنَّةٌ وَفِعْلَ الْآخَرِ فَرْضٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَةِ مَعْنًى آخَرَ فِي التَّرْتِيبِ الْمُقَدَّمِ فَتَدَبَّرْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْأَدَبُ يَعْنِي: الْقَيْدُ الْأَخِيرُ، إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا تَلَاقَى اثْنَانِ فِي طَرِيقٍ، أَمَّا إِذَا وَرَدَ عَلَى قُعُودٍ أَوْ قَاعِدٍ، فَإِنَّ الْوَارِدَ يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ بِكُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، أَوْ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، قُلْتُ: وَهَذَا مَفْهُومٌ مِنْ صَدْرِ الْحَدِيثِ فِي الْجُمْلَةِ ; لِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الرَّاكِبِ وَالْمَاشِي لِلْجِنْسِ الشَّامِلِ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَلَكِنْ فِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ. قَالَ الْمُتَوَلِّيُّ: إِذَا لَقِيَ رَجُلٌ جَمَاعَةً فَأَرَادَ أَنْ يَخُصَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ بِالسَّلَامِ كُرِهَ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ السَّلَامِ الْمُؤَانَسَةُ وَالْأُلْفَةُ، وَفِي تَخْصِيصِ الْبَعْضِ إِيحَاشُ الْبَاقِينَ، وَرُبَّمَا صَارَ سَبَبًا لِلْعَدَاوَةِ، وَإِذَا مَشَى فِي السُّوقِ أَوِ الشَّوَارِعِ الْمَطْرُوقَةِ كَثِيرًا، فَالسَّلَامُ هُنَا إِنَّمَا يَكُونُ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَى كُلٍّ لَتَشَاغَلَ بِهِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ، وَيَخْرُجُ بِهِ عَنِ الْعُرْفِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6401

٤٦٣٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٦٣٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ: لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِتَوْقِيرِهِ وَالتَّوَاضُعِ لَهُ (وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ) : لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6402

٤٦٣٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٦٣٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -[قَالَ] : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ) بِكَسْرِ أَوَّلَهُ جَمْعُ غُلَامٍ بِمَعْنَى: صَبِيٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ (فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ) أَيْ: تَوَاضُعًا ; وَلِأَنَّهُ كَانَ مَارًّا وَلِكَثْرَتِهِمْ عَلَى احْتِمَالٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ السَّلَامِ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ حَتَّى الصِّبْيَانِ الْمُمَيِّزِينَ، وَبَيَانُ تَوَاضُعِهِ وَكَمَالُ شَفَقَتِهِ عَلَى الْعَالَمِينَ

стр. 6403

وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى رِجَالٍ وَصِبْيَانٍ، وَرَدَّ صَبِيٌّ مِنْهُمُ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْقُطُ فَرْضُ الرَّدِّ كَمَا تَسْقُطُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِصَلَاةِ الصَّبِيِّ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ وَرَدَّ غَيْرُهُمْ لَمْ يَسْقُطِ الرَّدُّ عَنْهُمْ، فَإِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى رَدِّهِ أَثِمُوا، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ أَوْ مَحْرَمًا مِنْ مَحَارِمِهِ فَهِيَ مَعَهُ كَالرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً؛ فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً يُخَافُ الِافْتِتَانُ بِهَا لَا يُسَلِّمِ الرَّجُلُ عَلَيْهَا وَلَوْ سَلَّمَ لَمْ يَجُزْ لَهَا رَدُّ الْجَوَابِ وَلَا تُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ سَلَّمَتْ لَمْ تَسْتَحِقَّ جَوَابًا، فَإِنْ أَجَابَهَا كُرِهَ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا لَا يُفْتَتَنُ بِهَا جَازَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى الرَّجُلِ، وَعَلَيْهِ الرَّدُّ. قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي قَالَ: وَإِذَا كَانَ النِّسَاءُ جَمَاعَةً فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ الرَّجُلُ، أَوْ كَانَ الرِّجَالُ جَمْعًا فَسَلَّمُوا عَلَى الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ جَازَ إِذَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِنَّ وَلَا عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِمْ فِتْنَةٌ اهـ. وَسَيَأْتِي كَلَامُ بَعْضِ عُلَمَائِنَا فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 6404

٤٦٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٦٣٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى) أَيْ: وَلَوْ كَانُوا ذِمِّيِّينَ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا مِنَ الْكُفَّارِ (بِالسَّلَامِ) : لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهِ إِعْزَازٌ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ إِعْزَازُهُمْ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ تَوَادُدُهُمْ وَتَحَابُبُهُمْ بِالسَّلَامِ وَنَحْوِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الْآيَةَ. وَلِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِإِذْلَالِهِمْ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ) أَيِ: أَلْجِئُوا أَحَدَهُمْ (إِلَى أَضْيَقِهِ) أَيْ: أَضْيَقِ الطَّرِيقِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ جِدَارٌ يَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ، وَإِلَّا فَيَأْمُرُهُ لِيَعْدِلَ عَنْ وَسَطِ الطَّرِيقِ إِلَى أَحَدِ طَرَفَيْهِ جَزَاءً وِفَاقًا، لِمَا عَدَلُوا عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ; وَلِأَنَّ قَتْلَهُمْ وَاجِبٌ، لَكِنِ ارْتَفَعَ بِالْجِزْيَةِ وَمَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ، فَهَذَا قَتْلٌ مَعْنَوِيٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِالسَّلَامِ وَلَا يُحَرَّمُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ، فَالصَّوَابُ تَحْرِيمُ ابْتِدَائِهِمْ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمَاعَةٍ: أَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُمْ لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَالنَّخَعِيِّ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ سَلَّمْتَ فَقَدْ سَلَّمَ الصَّالِحُونَ، وَإِنْ تَرَكْتَ فَقَدْ تَرَكَ الصَّالِحُونَ. قُلْتُ: التَّرْكُ أَصْلَحُ عَلَى مَا هُوَ الْأَصَحُّ. قَالَ: وَأَمَّا الْمُبْتَدِعُ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُبْدَأُ بِالسَّلَامِ إِلَّا لِعُذْرٍ وَخَوْفٍ مِنْ مَفْسَدَةٍ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَبَانَ ذِمِّيًّا اسْتُحِبَّ أَنْ يَسْتَرِدَّ سَلَامَهُ بِأَنْ يَقُولَ: اسْتَرْجَعْتُ سَلَامِي تَحْقِيرًا لَهُ. قُلْتُ: وَلَا بَأْسَ بِمِثْلِ هَذَا لِلْمُبْتَدِعِ، أَوْ لِلْمُبَاغِضِ، أَوِ الْمُتَكَبِّرِ الَّذِينَ لَمْ يَرُدُّوا ﵇. قَالَ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُتْرَكُ لِلذِّمِّيِّ صَدْرُ الطَّرِيقِ، بَلْ يُضْطَرُّ إِلَى أَضْيَقِهِ، وَلَكِنَّ التَّضْيِيقَ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ فِي وَهْدَةٍ وَنَحْوِهَا، وَإِنْ خَلَتِ الطَّرِيقُ عَنِ الزَّحْمَةِ فَلَا حَرَجَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

стр. 6405

٤٦٣٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ الْيَهُودُ، فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فَقُلْ: وَعَلَيْكَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٦٣٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ الْيَهُودُ) : وَفِي مَعْنَاهُمُ النَّصَارَى، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ) أَيِ: الْيَهُودُ (السَّامُ) : بِالْأَلِفِ أَيِ: الْمَوْتُ الْعَاجِلُ (عَلَيْكَ) : بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ نَظَرًا إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَيْكُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، أَوْ يُقَالُ التَّقْدِيرُ: فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ لِأَحَدِكُمْ: السَّامُ عَلَيْكَ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُمْ يَكْتَفُونَ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ مَعَ تَحَقُّقِ الْجَمْعِ أَيْضًا تَحْقِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا أَفْضَلُ فِي حَقِّنَا مُخَالَفَةً لَهُمْ أَنَّ أَحَدَنَا يُسَلِّمُ عَلَى وَاحِدٍ مِنَّا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ إِرَادَةً لِزِيَادَةِ التَّعْظِيمِ، أَوْ قَصْدًا لِمُرَاعَاةِ الْجِنْسِ الْمُفِيدِ لِلتَّعْمِيمِ، (فَقُلْ: وَعَلَيْكَ) : بِالْوَاوِ وَخِطَابِ الْمُفْرَدِ جَزَاءً وِفَاقًا، وَفِي نُسْخَةٍ بِخِطَابِ الْجَمْعِ، وَلَعَلَّهُ مَحَلُّهُ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُفَصَّلًا، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي عَلَى مَا سَيَأْتِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَيْكَ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَأَنَّهُ رُوِيَ بِالْوَاوِ أَيْضًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6406

٤٦٣٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٦٣٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» ) : بِالْوَاوِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: عَلَيْكُمْ بِدُونِ الْوَاوِ، وَخِطَابُ الْجَمْعِ لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ، وَالْمَعْنَى: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكَ أَوْ عَلَيْكَ، وَلِهَذَا عَبَّرَ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ هَكَذَا حَيْثُ قَالَ: رَدَّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: عَلَيْكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، أَوْ وَعَلَيْكَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَالْكُلُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَرِوَايَةُ الْوَاوِ أَكْثَرُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا سَلَّمُوا، لَكِنْ لَا يُقَالُ لَهُمْ وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، يَعْنِي: وَلَا عَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَلَا عَلَيْكَ السَّلَامُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: بَلْ يُقَالُ عَلَيْكُمْ فَقَطْ، أَوْ وَعَلَيْكُمْ يَعْنِي: إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا فَلَا يَأْتِي بِصِيغَةِ الْجَمْعِ لِإِيهَامِهِ التَّعْظِيمَ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ إِرَادَةِ التَّعْظِيمِ. قَالَ: وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ عَلَيْكُمْ وَعَلَيْكُمْ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ: وَعَلَيْكُمْ بِإِثْبَاتِهَا، وَعَلَى هَذَا فَفِي مَعْنَاهُ وَجْهَانِ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالُوا: عَلَيْكُمُ الْمَوْتُ، فَقَالَ: وَعَلَيْكُمْ أَيْضًا، أَيْ: نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ كُلُّنَا نَمُوتُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَاوَ هُنَا لِلِاسْتِئْنَافِ لَا لِلْعَطْفِ وَالتَّشْرِيكِ، وَتَقْدِيرُهُ وَعَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الذَّمِّ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ حَذْفَ الْوَاوِ، لِئَلَّا تَقْتَضِيَ التَّشْرِيكَ، أَيِ: الصُّورِيَّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِإِثْبَاتِهَا كَمَا هِيَ فِي الرِّوَايَاتِ أَيْ: أَكْثَرِهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ، يَقُولُ: وَعَلَيْكُمُ السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ، أَيِ: الْحِجَارَةُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، أَيْ: رِوَايَةً وَدِرَايَةً. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَذْفُ الْوَاوِ هُوَ الصَّوَابُ، أَيِ: الْأَصْوَبُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ. قَالَ: لِأَنَّهُ صَارَ كَلَامُهُمْ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ خَاصَّةً، وَإِذَا أُثْبِتَتِ اقْتَضَتِ الْمُشَارَكَةَ مَعَهُمْ فِيمَا قَالُوهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ إِثْبَاتَ الْوَاوِ وَحَذْفَهَا جَائِزَانِ، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ، وَإِثْبَاتُهَا أَجْوَدُ وَلَا مَفْسَدَةَ فِيهِ ; لِأَنَّ السَّامَ الْمَوْتُ وَهُوَ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ فَلَا ضَرَرَ فِيهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِثْبَاتُ الْوَاوِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ مَنَاطُ السَّلَامَةِ فِي الدَّارَيْنِ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُمْ تَعْرِيضٌ بِالدُّعَاءِ عَلَيْنَا، وَأَمَّا إِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَأَقُولُ عَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ ﷺ هَذِهِ الصِّيغَةَ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنِ الْإِيحَاشِ، وَأَقْرَبَ إِلَى الرِّفْقِ، فَإِنَّ رَدَّ التَّحِيَّةِ يَكُونُ إِمَّا بِأَحْسَنَ مِنْهَا، أَوْ بِقَوْلِنَا: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِأَحْسَنَ مِمَّا حَيَّوْنَا بِهِ لَا يَجُوزُ لَنَا، وَلَا رَدَّ بِأَقَلِّ مِنْ قَوْلِنَا: وَعَلَيْكَ، وَأَمَّا الرَّدُّ بِغَيْرِ الْوَاوِ فَظَاهِرٌ أَيْ: عَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِذَا عُلِمَ التَّعْرِيضُ بِالدُّعَاءِ عَلَيْنَا، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَدَّرَ وَأَقُولُ عَلَيْكُمْ مَا تُرِيدُونَ بِنَا أَوْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ، وَلَا يَكُونُ وَعَلَيْكُمْ عَطْفًا عَلَى عَلَيْكُمْ فِي كَلَامِهِمْ، وَإِلَّا لَتَضَمَّنَ ذَلِكَ تَقْرِيرَ دُعَائِهِمْ، وَلِذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ: فَقُلْ عَلَيْكَ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ بِالْوَاوِ أَيْضًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: السَّامُ الْمَوْتُ وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ. قُلْتُ: هَذَا الْأَصْلُ فَرْعُ إِثْبَاتِ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا وَلَمْ يُذْكَرْ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، نَعَمْ فِي النِّهَايَةِ السَّأْمُ عَلَيْكُمْ، رُوِيَ بِالْهَمْزِ أَيْ: تَسَآمُونَ دِينَكُمْ، وَالْمَشْهُورُ بِلَا هَمْزٍ أَيِ: الْمَوْتُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِلُغَةِ الْيَهُودِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا قَالَ تَعَالَى فِي ذَمِّهِمْ: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ الْمُشْعِرِ بِالسَّلَامَةِ عَنْ صِرَافَتِهِ، وَإِرَادَةَ اللَّفْظِ الْمُهْمَلِ الْمُشَابِهِ بِاللَّغْوِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَوَاهُ قَتَادَةُ مَهْمُوزًا وَقَالَ مَعْنَاهُ: تَسْأَمُونَ دِينَكُمْ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ السَّامُ وَهُوَ الْمَوْتُ، فَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا فَهُوَ مِنْ سَامَ يَسُومُ إِذَا مَضَى ; لِأَنَّ الْمَوْتَ مَضَى اهـ، وَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْقَامُوسِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ سَوَمَ فُلَانًا: خَلَّاهُ، وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ مَأْخَذًا لِلْمَعْنَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ.

стр. 6407

٤٦٣٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ". قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا " قَالَ: " قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " عَلَيْكُمْ " وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَاوَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. - وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ. قَالَتْ: «إِنَّ الْيَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ قَالَ: " وَعَلَيْكُمْ " فَقَالَتْ عَائِشَةُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ، وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَهْلًا يَا عَائِشَةُ! عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ ". قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: " أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ، رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ» ". - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: " «لَا تَكُونِي فَاحِشَةً، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ» ". ــ ٤٦٣٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ) أَيْ: قَوْمٌ (مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ) أَيْ: وَقَالَ وَعَلَيْكُمْ لِمَا سَيَأْتِي (فَقُلْتُ:، بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ) أَيْ: مَفْهُومُ مَا تُرِيدُونَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ وَتُحَرِّفُونَهُ لِفَسَادِ الْمَعْنَى (وَاللَّعْنَةُ) أَيْ: زِيَادَةٌ عَنْ ذَلِكَ (فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ) ، أَيْ: رَحِيمٌ (يُحِبُّ الرِّفْقَ) أَيْ: لَيِّنُ الْجَانِبِ، وَأَصْلُ الرِّفْقِ ضِدُّ الْعُنْفِ (فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ) أَيْ: مَهْمَا أَمْكَنَ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَإِلَّا فَقَدَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩] ، (قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ) أَيْ: أَلَمْ يَنْكَشِفْ لَكَ وَلَمْ تَسْمَعْ (مَا قَالُوا) أَيْ: حِينَ السَّلَامِ عَلَيْكَ حَيْثُ أَبْدَلُوا السَّلَامَ بِالسَّامِ. (قَالَ: قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ) أَيْ: فِقْهًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ لِاسْتِئْنَافِ الْمَبْنِيِّ (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: عَنْهَا، وَإِلَّا فَفِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ أَيْضًا وَرَدَّ (عَلَيْكُمْ وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَاوَ) أَيْ: بِدُونِ الْوَاوِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ﷺ عَمِلَ بِمُقْتَضَى الْعَدْلِ فَقَالَ: عَلَيْكُمْ أَوْ وَعَلَيْكُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، وَأَمَّا عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَقَدْ زَادَتْ فِي الْمَعْنَى، وَتَعَدَّتْ عَنِ الْمَبْنِيِّ، وَتَرَكَتْ طَرِيقَ اللُّطْفِ، وَاخْتَارَتْ سَبِيلَ الْعُنْفِ، وَلِذَا أَرْشَدَهَا ﷺ إِلَى الرِّفْقِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ بَابُ الْمُدَارَاةِ وَتَرْكِ الْمُعَادَاةِ وَالْمُعَانَاةِ كَمَا قِيلَ: وَدَارِهِمْ مَا دُمْتَ فِي دَارِهِمْ وَأَرْضِهِمْ مَا دُمْتَ فِي أَرْضِهِمْ. لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ مِمَّا خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَسَنُبَيِّنُهُ فِي مَحَلِّهِ اللَّائِقِ بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي التَّنْزِيلِ: " ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨] " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) أَيْ: عَنْهَا ( «قَالَتْ: إِنَّ الْيَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ. قَالَ: وَعَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ، وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ» ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْقِصَّةَ مُتَّحِدَةٌ، وَأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذِكْرِ اللَّعْنَةِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ إِمَّا مِنَ الرَّاوِي وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنَ الزِّيَادَاتِ الْأُخَرِ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ حَيْثُ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَهْلًا) : مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيِ: ارْفُقِي رِفْقًا (يَا عَائِشَةُ) . يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُتَمِّمَاتِ السَّابِقِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ اللَّاحِقِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (عَلَيْكِ) : بِكَسْرِ الْكَافِ (بِالرِّفْقِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: بِلِينِ الْجَانِبِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالْأَخْذِ بِالْأَسْهَلِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ (وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَهُوَ ضِدُّ الرِّفْقِ (وَالْفُحْشَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ كُلُّ مَا يَشْتَدُّ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا التَّعَدِّي بِزِيَادَةِ الْقُبْحِ فِي الْقَوْلِ وَالْجَوَابِ (قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ، رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ) أَيْ: إِذَا أَرَادُوا بِالسَّامِ الْأَمْرَ الْمَكْرُوهَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّامِ الَّذِي مَعْنَاهُ الْمَوْتُ (فِيَّ) أَيْ: فِي حَقِّي. (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ. قَالَ: «لَا تَكُونِي فَاحِشَةً» ) أَيْ: قَائِلَةً لِلْفُحْشِ وَمُتَكَلِّمَةً بِكَلَامٍ قَبِيحٍ ( «فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ» ) : وَقَدْ مَرَّ مَعْنَاهُ (وَالتَّفَحُّشَ) أَيِ: التَّكَلُّفَ فِي التَّلَفُّظِ بِالْفُحْشِ وَالتَّعَمُّدِ فِيهِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ﷺ لَهَا لِقَوْلِهَا " وَاللَّعْنَةُ " أَوْ " لَعَنَكُمُ اللَّهُ "، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى جَوَازِ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، إِذْ لَا خِلَافَ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِ الْقَضِيَّةِ وَاحِدَةً مُخْتَلِفُ الْمَبْنَى.

стр. 6408

٤٦٣٩ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٦٣٩ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄) : وَهُمَا صَحَابِيَّانِ، بَلْ حِبَّانِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ أُسَامَةَ هُوَ ابْنُ مَوْلَاهُ وَقَدْ مَرَّ تَرْجَمَتُهُمَا. ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ» ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ خِلْطٍ، وَهُوَ مَا يُخْلَطُ، وَالْمُرَادُ جَمْعٌ مَخْلُوطٌ ( «مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ» ) : عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ بَدَلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَالْيَهُودِ) : وَجَعَلَهُمْ مُشْرِكِينَ إِمَّا لِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَإِمَّا لِلتَّغْلِيبِ أَوْ لِلتَّقْدِيرِ كَقَوْلِهِ: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا. اهـ. وَالْأَوْلَى عَطْفُ الْيَهُودِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ (فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: لَوْ مَرَّ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ أَوْ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ بِقَصْدِ الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْمُسْلِمِ، وَلَوْ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى مُشْرِكٍ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ: سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6409

٤٦٤٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ: " فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ " قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٦٤٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ» ) أَيْ: فِيهَا. وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى الطَّرَقَاتِ، وَهِيَ جَمْعُ الطُّرُقِ جَمْعِ الطَّرِيقِ (قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الْأَصْحَابِ ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ» ) : بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَتَشْدِيدِ دَالٍ مُهْمَلَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ مَجَالِسِنَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ بُدٌّ، أَيْ: مَا لَنَا فِرَاقٌ مِنْهَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ تُلْجِئُنَا إِلَى ذَلِكَ، فَلَا مَنْدُوحَةَ لَنَا عَنْهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (نَتَحَدَّثُ فِيهِ) أَيْ: يُحَدِّثُ بَعْضُنَا بَعْضًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ أُخْرَوِيٍّ، كَالْمُشَاوَرَةِ وَالْمُذَاكَرَةِ، وَالْمُعَالَجَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَالْمُصَالَحَةِ. (قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ) أَيِ: امْتَنَعْتُمْ عَنْ تَرْكِ الْمُجَالَسَةِ بِالْكُلِّيَّةِ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ وَتَرَكْتُمْ (إِلَّا الْمَجْلِسَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى الْجُلُوسِ ( «فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» ) : وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ بِكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمِ الْمَعْنَى هُنَا، فَإِنَّهُ اسْمُ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ، وَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إِرَادَةُ الْمَصْدَرِ الْمُرَادِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَفِي الْقَامُوسِ: جَلَسَ يَجْلِسُ جُلُوسًا وَمَجْلَسًا كَمَقْعَدٍ وَالْمَجْلِسُ أَيْ: بِالْكَسْرِ مَوْضِعُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: الْمَجْلَسُ بِفَتْحِ اللَّامِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أَيْ: إِذَا امْتَنَعْتُمْ عَنِ الْأَفْعَالِ إِلَّا عَنِ الْجُلُوسِ فِي الطَّرِيقِ أَيْ: إِذَا دَعَتْ حَاجَةٌ لِمَصْلَحَةِ الْجِيرَانِ وَغَيْرِهِ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ وَاقْعُدُوا فِيهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. ( «قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ» ) : وَلَعَلَّ وَضْعَ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُهُ إِلَى الْحَقِّ ; لِأَنَّ حَقَّ الْحَقِّ هُوَ تَرْكُ الْقُعُودِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُطْلَقِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أَيْ: بَيِّنْ لَنَا بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ (قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ) أَيْ: كَفُّهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْمُحَرَّمِ أَوْ مَنْعُ النَّظَرِ عَنْ عَوْرَاتِ النَّاسِ (وَكَفُّ الْأَذَى) أَيِ: الِامْتِنَاعُ عَنْ أَذَى الْمَارِّينَ بِالتَّضْيِيقِ وَغَيْرِهِ (وَرَدُّ السَّلَامِ) أَيْ: عَلَى الْمُسْلِمِينَ (وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ: عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْعَارِفِينَ (وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) : لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْأَمْرِ الْأَنْكَرِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ.

стр. 6410

٤٦٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: " «وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِيبَ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ هَكَذَا. ــ ٤٦٤١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ) أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا زِيَادَةً عَلَى مَرْوِيِّ أَبِي سَعِيدٍ ( «وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ» ) : بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِيبَ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ هَكَذَا) أَيْ: مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ.
следующие страницы →