Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.
стр. 6686
٤٨٤٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا بِاللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". وَفِي أُخْرَى لَهُ: " «وَلَا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ» "، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤٨٤٧ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ الْمُؤْمِنُ) أَيِ: الْكَامِلُ (بِالطَّعَّانِ) أَيْ: عَيَّابًا لِلنَّاسِ (وَلَا بِاللَّعَّانِ) ، وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ فِيهِمَا ; لِأَنَّ الْكَامِلَ قَلَّ أَنْ يَخْلُوَ عَنِ الْمَنْقَصَةِ لَا بِالْكُلِّيَّةِ (وَلَا الْفَاحِشِ) ، أَيْ: فَاعِلُ الْفُحْشِ أَوْ قَائِلُهُ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: مَنْ لَهُ الْفُحْشُ فِي كَلَامِهِ وَفِعَالِهِ قِيلَ أَيِ: الشَّاتِمُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّتْمُ الْقَبِيحُ الَّذِي يَقْبُحُ ذِكْرُهُ. (وَلَا الْبَذِيءِ) . بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَكَسْرِ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِهَا وَهَمْزَةٍ بَعْدَهَا، وَهُوَ الَّذِي لَا حَيَاءَ لَهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْبَذَاءُ بِالْمَدِّ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ وَهُوَ بَذِيءُ اللِّسَانِ، وَقَدْ يُقَالُ بِالْهَمْزِ وَلَيْسَ بِكَثِيرٍ. اهـ. فَعَلَى هَذَا يُخَصُّ الْفَاحِشُ بِالْفِعْلِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التِّكْرَارُ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ، وَالثَّانِي يَكُونُ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ بِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَقَدْ يُقَالُ: عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَ (لَا) زَائِدَةٌ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، أَيْ: فِي جَامِعِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَفِي أُخْرَى لَهُ) أَيْ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ: (وَلَا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . قَالَ مِيرَكُ: وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ، سِوَى مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى شَيْخِ التِّرْمِذِيِّ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 6687
٤٨٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ لَعَّانًا ". وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٨٤٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ) أَيِ: الْكَامِلُ (لَعَّانًا) ، أَيْ: كَثِيرَ اللَّعْنِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَحْيَانًا (وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ) أَيْ: مُطْلَقًا (أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 6688
٤٨٤٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « (لَا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ، وَلَا بِغَضَبِ اللَّهِ، وَلَا بِجَهَنَّمَ ". وَفِي رِوَايَةٍ " وَلَا بِالنَّارِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٨٤٩ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَلَاعَنُوا) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ (بِلَعْنَةِ اللَّهِ) ، أَيْ: لَا يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَلَا يَقُلْ أَحَدٌ لِمُسْلِمٍ مُعَيَّنٍ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ مَثَلًا (وَلَا بِغَضَبِ اللَّهِ) ، بِأَنْ يَقُولَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْكَ (وَلَا بِجَهَنَّمَ) : بِأَنْ يَقُولَ: لَكَ جَهَنَّمُ أَوْ مَأْوَاكَ. (وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا بِالنَّارِ) . بِأَنْ يَقُولَ أَدْخَلَكَ اللَّهُ النَّارَ أَوِ النَّارُ مَثْوَاكَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: لَا تَدْعُوَا النَّاسَ بِمَا يُبْعِدُهُمُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ إِمَّا صَرِيحًا كَمَا تَقُولُونَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوْ كِنَايَةٌ كَمَا تَقُولُونَ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ أَوْ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ، فَقَوْلُهُ: لَا تَلَاعَنُوا مِنْ بَابِ الْمَجَازِ ; لِأَنَّهُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ حَقِيقَةٌ، وَفِي بَعْضِهِ مَجَازٌ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِمُعَيَّنٍ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ اللَّعْنُ بِالْوَصْفِ الْأَعَمِّ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] ، وَبِالْأَخَصِّ قَوْلِهِ: " «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ» " أَوْ عَلَى كَافِرٍ مُعَيَّنٍ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ كَفِرْعَوْنَ وَأَبِي جَهْلٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ وَلَفْظُهُمْ: وَلَا بِالنَّارِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ.
стр. 6689
٤٨٥٠ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا، وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٨٥٠ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتْ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: طَلَعَتْ (اللَّعْنَةُ) : وَكَأَنَّهَا تَتَجَسَّدُ (إِلَى السَّمَاءِ) أَيْ: جِهَةَ الْعُلُوِّ (فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِغْلَاقِ ; لِأَنَّ (غَلَقَ الْبَابِ) لُغَةٌ رَدِيئَةٌ فِي (أَغْلَقَهُ) عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، نَعَمْ يَجُوزُ تَشْدِيدُ لَامِهِ، مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣] ، (دُونَهَا) ، أَيْ: قُدَّامَ اللَّعْنَةِ (ثُمَّ تَهْبِطُ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: تَنْزِلُ (إِلَى الْأَرْضِ) أَيْ: جِهَةَ السُّفْلِ (فَتُغْلِقُ أَبْوَابَهَا) أَيْ: أَبْوَابَ طَبَقَاتِهَا (دُونَهَا) ، أَيْ عِنْدِ ظُهُورِ اللَّعْنَةِ (ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا) ، أَيْ: تَمِيلُ إِلَى جِهَتَيِ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَيُمْنَعَانِ دُونَهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: صُعُودُ اللَّعْنَةِ وَهُبُوطُهَا وَأَخْذُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا تَصْوِيرُ أَنَّ فِعْلَهُ هَهُنَا كَالْمُتَمَرِّدِ الَّذِي لَا يَجِدُ سَبِيلًا (فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: مَدْخَلًا وَطَرِيقًا مِنْ سَاغَ الشَّرَابُ فِي الْحَلْقِ: دَخَلَ فِيهِ بِسُهُولَةٍ (رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَإِذَا كَانَ) أَيْ: لِمَا ذُكِرَ مِنَ اللَّعْنَةِ (أَهْلًا) ، جَزَاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَحِقَتْهُ وَنَفَذَتْ فِيهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا بِأَنْ كَانَ مَظْلُومًا (رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا) . فَإِنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لَهَا وَأَهْلُهَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . أَيْ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَأَقَرَّهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
стр. 6690
٤٨٥١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَجُلًا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ فَلَعَنَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٨٥١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ) أَيْ: جَاذَبَتْهُ (رِدَاءَهُ فَلَعَنَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ) ، أَيْ: بِأَمْرٍ مَا، أَوِ الْمُنَازَعَةُ مِنْ خَاصِّيَّتِهَا وَلَوَازِمِ وُجُودِهَا عَادَةً، أَوْ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ حَتَّى هَذِهِ الْمُنَازَعَةُ أَيْضًا ابْتِلَاءٌ لِعِبَادِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. (وَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ) أَيْ: ذَلِكَ الشَّيْءُ (لَهُ) أَيِ: اللَّعْنِ (بِأَهْلٍ) أَيْ: بِمُسْتَحِقٍّ (رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى اللَّاعِنِ ; لِأَنَّ اللَّعْنَةَ وَكَذَا الرَّحْمَةَ تَعْرِفُ طَرِيقَ صَاحِبِهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 6691
٤٨٥٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٨٥٢ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يُبَلِّغُنِي) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَيُخَفَّفُ وَهُوَ نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَزْمِ أَيْ: لَا يُوصِلُنِي (أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي) : بَيَانٌ لِأَحَدٍ (عَنْ أَحَدٍ) أَيْ: عَنْ قِبَلِ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (شَيْئًا) ، أَيْ: مِمَّا أَكْرَهُهُ وَأَغْضَبُ عَلَيْهِ وَهُوَ عَامٌّ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ بِأَنْ شَتَمَ أَحَدًا وَآذَاهُ، وَقَالَ فِيهِ خَصْلَةَ سُوءٍ. (فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ) أَيْ: مِنَ الْبَيْتِ وَأُلَاقِيكُمْ (وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ) أَيْ: مِنْ مَسَاوِيكُمْ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ﷺ يَتَمَنَّى أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا وَقَلْبُهُ رَاضٍ عَنْ أَصْحَابِهِ مِنْ غَيْرِ سُخْطٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَهَذَا تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ أَوْ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْبَشَرِيَّةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6692
٤٨٥٣ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا - تَعْنِي قَصِيرَةً - فَقَالَ: " لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَ بِهَا الْبَحْرُ لَمَزَجَتْهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٨٥٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ) أَيْ: مِنْ عُيُوبِهَا الْبَدَنِيَّةِ (كَذَا وَكَذَا) : كِنَايَةٌ عَنْ ذِكْرِ بَعْضِهَا، وَهُوَ كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ، وَقِيلَ: هَذَا تَحْرِيفٌ فِي كِتَابِ الْمَصَابِيحِ، وَالصَّوَابُ حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ أَنَّهَا كَذَا كَذَا. (تَعْنِي) أَيْ: تُرِيدُ عَائِشَةُ بِقَوْلِهَا كَذَا وَكَذَا (قَصِيرَةً) أَيْ: كَوْنُهَا قَصِيرَةً قَالَ شَارِحٌ لَهَا: كَذَا إِشَارَةٌ إِلَى شِبْرِهَا. قُلْتُ: الظَّاهِرُ مِنْ تَكْرَارِ كَذَا تَعَدُّدُ نَعْتِهَا، فَلَعَلَّهَا قَالَتْ بِلِسَانِهَا قَصِيرَةً، وَأَشَارَتْ بِشِبْرِهَا أَنَّهَا فِي غَايَةٍ مِنَ الْقِصَرِ، فَأَرَادَتِ التَّأْكِيدَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَقَالَ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً) أَيْ: طَوِيلَةً عَرِيضَةً وَمُرَّةً نَتْنَةً عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَوَاسِّ الْكَامِلَةِ (لَوْ مُزِجَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: لَوْ خُلِطَ (بِهَا) أَيْ: عَلَى فَرْضِ تَجْسِيدِهَا وَتَقْدِيرِ كَوْنِهَا مَائِعًا (الْبَحْرُ) أَيْ: مَاؤُهُ (لَمَزَجَتْهُ) . أَيْ: غَلَبَتْهُ وَغَيَّرَتْهُ قَالَ الْقَاضِي: الْمَزْجُ الْخَلْطُ وَالتَّغْيِيرُ بِضَمِّ غَيْرِهِ إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَذِهِ الْغَيْبَةَ لَوْ كَانَتْ مِمَّا يُمْزَجُ بِالْبَحْرِ لِغَيَّرَتْهُ عَنْ حَالِهِ مَعَ كَثْرَتِهِ وَغَزَارَتِهِ، فَكَيْفَ بِأَعْمَالٍ قَذِرَةٍ خُلِطَتْ بِهَا؟ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ حُرِّفَتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَصَابِيحِ، وَالصَّوَابُ لَوْ مُزِجَتْ بِالْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ وَالْمَتْنِ فِي نُسْخَةٍ مُصَحَّحَةٍ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَلَعَلَّ التَّخْطِئَةَ مِنْ أَجْلِ الدِّرَايَةِ لَا الرِّوَايَةِ، إِذْ لَا يُقَالُ مُزِجَ بِهَا الْبَحْرُ، بَلْ مُزِجَتْ بِالْبَحْرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَزْجَ وَالْخَلْطَ يَسْتَدْعِيَانِ الِامْتِزَاجَ وَالِاخْتِلَاطَ، وَكُلُّ الْمُمْتَزِجَيْنِ يَمْتَزِجُ بِالْآخَرِ، يَعْنِي: مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ وَالْمَائِعِيَّةِ وَالْجَامِدِيَّةِ، كَأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْفَصْلُ عَنْ أَرْبَابِ الْفَضْلِ ثَمَّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤] ، الْكَشَّافُ: وَكَانَ حَقُّ اللَّفْظِ فَاخْتَلَطَ بِنَبَاتِ الْأَرْضِ، وَوَجْهُ صِحَّتِهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ صَاحِبِهِ،
стр. 6693
عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ أَبْلَغُ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ عَرَضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ، أَقُولُ: فِيهِ أَبْحَاثٌ، أَمَّا أَوَّلًا، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الدِّرَايَةُ تَابِعَةً لِلرِّوَايَةِ، فَتَخْطِئَةُ الْمُحَدِّثِينَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ أَرْبَابِ الْعِنَايَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَنْبِيهٍ نَبِيهٍ وَتَوْجِيهٍ وَجِيهٍ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذَا اللَّفْظِ مِمَّنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَبَدَائِعَ الْحِكَمِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَقَوْلُهُ: يُقَالُ مُزِجَتْ بِالْبَحْرِ لَا مُزِجَ بِهَا ; سَبَبُهُ أَنَّهُ يَنْسَبُ الْقَلِيلَ إِلَى الْكَثِيرِ لَا عَكْسُهُ عُرْفًا وَعَادَةً، وَإِنْ جَازَ لُغَةً فَإِنَّهُ يُقَالُ: اخْتَلَطَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ وَعَكْسُهُ تَفَاضُلًا وَتَسَاوِيًا، فَنَقُولُ: فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْكِ وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَقَلِيلَةً عِنْدَكَ، فَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ كَبِيرَةٌ وَكَثِيرَةٌ ; بِحَيْثُ لَوْ مُزِجَ بِهَا الْبَحْرُ بِأَجْنَاسِهَا وَأَصْنَافِهَا وَأَنْوَاعِهَا وَوُسْعِهَا مِنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا وَعُمْقِهَا لَغَلَبَتْهُ، وَهَذَا مِنَ الْبَلَاغَةِ غَايَةُ مَبْلَغِهَا، وَفِي الْبَلِيغِ مِنَ الزَّجْرِ نِهَايَةُ حَدِّهَا وَمُنْتَهَاهَا، وَأَمَا ثَالِثًا: فَقَوْلُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤] ، حَقُّ اللَّفْظِ فَاخْتَلَطَ نَبَاتُ الْأَرْضِ، خَطَأٌ فَاحِشٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّهُ اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ نَبَاتُ الْأَرْضِ، إِذْ لَيْسَ تَحْتَهُ طَائِلٌ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ الْبَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَأَنَّ الْمُخْتَلِطَ هُوَ بَعْضُ نَبَاتِ الْأَرْضِ بِبَعْضِهِ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمَطَرَ سَابَقٌ وُجُودَهُ عَلَى تَحَقُّقِ النَّبَاتِ عَلَى مَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ فَاءُ التَّعْقِيبَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤] الْآيَةُ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اخْتِلَاطُهُمَا؟ ، وَأَمَّا رَابِعًا فَقَوْلُهُ: إِنَّهُ مِنْ بَابِ عَرَضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ، مَمْنُوعٌ وَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْعَرْضَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى أَرْبَابِ التَّمْيِيزِ، فَبِهَذِهِ الْقَرِينَةِ يُعْرَفُ أَنَّ الْكَلَامَ مَقْلُوبٌ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ بِكُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ قَابِلِيَّةَ الْخَلْطِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: لَعَلَّ صَاحِبَ الْكَشَّافِ أَرَادَ اخْتِلَاطَ أَثَرِ مَاءِ الْمَطَرِ بِمَا يُنْبِتُ بِهِ الْأَرْضَ مِنَ الْحَبَّةِ مَثَلًا، قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَطْمَحُ نَظَرِهِ وَمَطْلَعُ فِكْرِهِ، لَكِنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥] ، إِذْ تَعْقِيبِيَّةُ الْإِصْبَاحِ الْمَذْكُورِ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ حُصُولِ اخْتِلَاطِ النَّبَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ لَا حِينَ اخْتِلَاطِ الْمَاءِ بِالْحَبِّ وَالنَّوَى، كَمَا لَا يَخْفَى، وَمِمَّا يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى كَوْنِ الْبَاءِ لِلسَّبَبِيَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْكَشَّافَ اخْتَارَ مَا اخْتَرْنَاهُ وَحَرَّرَ مَا حَرَّرْنَاهُ ; حَيْثُ قَالَ: فَالْتَفَّتْ بِسَبَبِهِ وَتَكَاثَفَ حَتَّى خَالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: تَجَمَّعَ فِي النَّبَاتِ الْمَاءُ فَاخْتَلَطَ بِهِ حَتَّى رُوِيَ وَرَفَّ رَفِيفًا، وَكَانَ حَقُّ اللَّفْظِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ فَاخْتَلَطَ بِنَبَاتِ الْأَرْضِ، وَوَجْهُ صِحَّتِهِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُخْتَلِطَيْنِ مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ صَاحِبِهِ. اهـ كَلَامُهُ. فَالِاعْتِرَاضُ يُحَوَّلُ إِلَى مَا قِيلَ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ تَحْرِيرِهِ وَتَوْجِيهِهِ وَتَقْرِيرِهِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ نَقْلَ الطِّيبِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى تَقْصِيرِهِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الدَّسِيسَةِ الِاعْتِزَالِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: وَحَقُّ اللَّفْظِ مَعَ سُوءِ الْأَدَبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ وَنَاصِرُ نَبِيِّهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6694
٤٨٥٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ، وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٨٥٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا كَانَ الْفُحْشُ) أَيِ: الْقَبِيحُ مِنَ الْكَلَامِ (فِي شَيْءٍ) أَيْ: فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ (إِلَّا شَانَهُ) ، أَيْ: عَيَّبَهُ الْفُحْشُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفُحْشِ الْعُنْفُ لِمَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَالضِّيَاءِ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ. ( «وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ» ) . أَيْ زَيَّنَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: فِي شَيْءٍ فِيهِ مُبَالَغَةٌ أَيْ: لَوْ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ الْفُحْشُ أَوِ الْحَيَاءُ فِي جَمَادٍ لَزَانَهُ أَوْ شَانَهُ، فَكَيْفَ بِالْإِنْسَانِ. اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِشَيْءٍ شَيْئًا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْفُحْشُ وَالْحَيَاءُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا كَانَ فِي أَحَدٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . قَالَ مِيرَكُ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ لَكِنْ بِزِيَادَةِ: " قَطُّ " بَعْدَ كُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ: (فِي شَيْءٍ) .
стр. 6695
٤٨٥٥ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ» ". يَعْنِي: مِنْ ذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ ; لِأَنَّ خَالِدًا لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ.
ــ
٤٨٥٥ - (وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ) : بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ عَيْنٍ فَدَالٍ مُهْمَلَتَيْنِ، يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيَّ الْكُلَاعِيَّ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ. قَالَ: لَقِيتُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنْ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ، مَاتَ بِالطَّرَطُوسِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (عَنْ مُعَاذٍ) ، بِضَمِّ الْمِيمِ وَهُوَ ابْنُ جَبَلٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ عَيَّرَ) : بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ: وَبَّخَ وَلَامَ (أَخَاهُ) أَيِ: الْمُسْلِمَ (بِذَنْبٍ) أَيْ: صَدَرَ مِنْهُ سَابِقًا أَوْ عَلَى طَرِيقِ الشَّمَاتَةِ (لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ) أَيْ: مِثْلَ ذَنْبِهِ (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ التَّعْيِيرَ (مِنْ ذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ) . قَالَ مِيرَكُ: هَذَا التَّفْسِيرُ مَنْقُولٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ ; لِأَنَّ خَالِدًا لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) . قُلْتُ: وَكَانَ مُعَاذًا لَيْسَ مِنَ السَّبْعِينَ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ، وَلَعَلَّ سَبَبَهُ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، وَإِلَّا فَالْمُعَاصَرَةُ تَكْفِي فِي صِحَّةِ الِاتِّصَالِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَاعْتِبَارُ اللُّقِيِّ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَفِي الْإِحْيَاءِ «قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَوْصِنِي، فَقَالَ: " عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَإِنِ امْرُؤٌ عَيَّرَكَ بِشَيْءٍ يَعْلَمُهُ فِيكَ فَلَا تُعَيِّرْهُ بِشَيْءٍ تَعْلَمُهُ فِيهِ يَكُنْ وَبَالُهُ عَلَيْهِ وَأَجْرُهُ لَكَ» ". قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُرَيٍّ الْهَجِيمِيِّ، قِيلَ: اسْمُهُ جَابِرُ بْنُ سَلِيمٍ، قِيلَ: سَلِيمُ بْنُ جَابِرٍ.
стр. 6696
٤٨٥٦ - وَعَنْ وَاثِلَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَكَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤٨٥٦ - (وَعَنْ وَثِلَةَ) : بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ ابْنُ الْأَسْقَعِ اللَّيْثِيُّ، أَسْلَمَ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَوَجِّهٌ إِلَى تَبُوكَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَدَمَ النَّبِيَّ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَمَاتَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ) أَيِ: الْفَرَحَ بِبَلِيَّةِ عَدُوِّكَ (لِأَخِيكِ) أَيْ: لِأَجْلِ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ الَّذِي وَقَعَ فِي بَلِيَّةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ أَوْ مَالِيَّةٍ (فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ) : بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِمُرَاعَاةِ السَّجْعِ فِي عَطْفِ قَوْلِهِ: وَيَبْتَلِيكَ، وَالْمَعْنَى يَرْحَمُهُ رَغْمًا لِأَنْفِكَ (وَيَبْتَلِيَكَ) . حَيْثُ زَكَّيْتَ نَفْسَكَ وَرَفَعْتَ مَنْزِلَتَكَ عَلَيْهِ، وَنَحْوَهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي قَوْلِ مَنْ «قَالَ لِصَاحِبِهِ، وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا: " فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَنْ عَبْدِي رَحْمَتِي» " الْحَدِيثَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) : وَفِي الْإِحْيَاءِ بِلَفْظِ: " فَيُعَافِيَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَكَ " قَالَ الْعِرَاقِيُّ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا: " فَيَرْحَمُهُ اللَّهُ ".
стр. 6697
٤٨٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ أَحَدًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
ــ
٤٨٥٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا أُحِبُّ) أَيْ: مَا أَوَدُّ (أَنِّي حَكَيْتُ أَحَدًا) أَيْ: فِعْلَ أَحَدٍ، وَالْمَعْنَى: مَا أُحِبُّ أَنْ أَتَحَدَّثَ بِعَيْبِ أَحَدٍ قَوْلِيًّا أَوْ فِعْلِيًّا (وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا) أَيْ: وَلَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْأَشْيَاءِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، أَوْ حَكَيْتُ بِمَعْنَى حَاكَيْتُ فَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: فَعَلْتُ مِثْلَ فِعْلِهِ، يُقَالُ: حَكَاهُ وَحَاكَاهُ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَبِيحِ الْمُحَاكَاةُ. قُلْتُ: فَيُحْمَلُ حَكَيْتُ عَلَى الْحَسَنِ فَيُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَارِدَةٌ عَلَى التَّتْمِيمِ وَالْمُبَالَغَةِ أَيْ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُحَاكِيَ أَحَدًا وَلَوْ أُعْطِيتُ كَذَا وَكَذَا مِنَ الدُّنْيَا. اهـ، وَفِيهِ أَنَّ الْأُصُولَ الْمُعْتَمِدَةَ عَلَى فَتْحِ إِنَّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنِّي وَالْمَعْنَى: إِنِّي مَا أُحِبُّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمُحَاكَاةِ وَحُصُولِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِسَبَبِ الْمُحَاكَاةِ فَإِنَّهَا أَمْرٌ مَذْمُومٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمِنَ الْغَيْبَةِ الْمُحَرَّمَةِ الْمُحَاكَاةُ بِأَنْ يَمْشِيَ مُتَعَارِجًا أَوْ مُطَأْطِئًا رَأْسَهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْهَيْئَاتِ كَمَا مَرَّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْهَا بِلَفْظِ: " «مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا» " إِلَخْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
стр. 6698
٤٨٥٨ - وَعَنْ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ عَقَلَهَا، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا سَلَّمَ أَتَى رَاحِلَتَهُ فَأَطْلَقَهَا، ثُمَّ رَكِبَ، ثُمَّ نَادَى: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تُشْرِكْ فِي رَحْمَتِنَا أَحَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَتَقُولُونَ هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيرُهُ؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى مَا قَالَ؟ " قَالُوا: بَلَى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ " وَكَفَى الْمَرْءَ كَذِبًا " فِي " بَابِ الِاعْتِصَامِ " فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.
ــ
٤٨٥٨ - (وَعَنْ جُنْدُبٍ) : مَرُّ ذِكْرُهُ ﵁ (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) ، أَيْ: وَاحِدٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ مِنَ الْعَرَبِ (فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ عَقَلَهَا) ، أَيْ: قَيَّدَهَا (ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا سَلَّمَ) أَيْ: مِنَ الصَّلَاةِ أَوْ عَلَيْهِ، ﵇ (أَتَى رَاحِلَتَهُ فَأَطْلَقَهَا، ثُمَّ رَكِبَ، ثُمَّ نَادَى) أَيْ: رَفَعَ صَوْتَهُ بِقَوْلِهِ (اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تُشْرِكْ فِي رَحْمَتِنَا أَحَدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَقُولُونَ) : فِي النِّهَايَةِ أَيْ: أَتَظُنُّونَ (هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيرُهُ) أَيْ: أَجْهَلُ (أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى مَا قَالَ؟) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَالَ فِي حَقِّهِ مَا قَالَ (قَالُوا: بَلَى) . وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيَدُورُ هَذَا التَّرْدِيدُ فِي ظَنِّكُمْ وَلَا يَقُولُ مَا قَالَ إِلَّا جَاهِلٌ بِاللَّهِ وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ ; حَيْثُ يُحَجِّرُ الْوَاسِعَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْجُشَمِيَّ الرَّاوِيَ عَنْ جُنْدُبٍ، لَمْ يَرْوِ لَهُ غَيْرُ أَبِي دَاوُدَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَفِي الْحِصْنِ لِلْجَزَرِيِّ: وَمِنْ جُمْلَةِ آدَابِ الدُّعَاءِ أَنْ لَا يَتَحَجَّرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ مِيرَكُ: كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ دَعَا فَقَالَ: " «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا» ". قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَيْ: ضَيَّقْتَ مَا وَسَّعَهُ اللَّهُ، فَخَصَصْتَ بِهِ نَفْسَكَ دُونَ غَيْرِكَ.
(وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ " كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا) : تَمَامُهُ: " أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ". (فِي بَابِ الِاعْتِصَامِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ) : كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ الِاعْتِصَامِ، ثُمَّ فِي تَحْوِيلِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْمُنَاسِبِ لَهُ أَيْضًا بَلِ الْأَنْسَبُ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ مِنْ كَوْنِ الْكَذِبِ فِي حَدِيثِهِ ﷺ أَوْ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ بِكُلِّ مَا سُمِعَ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ خِلَافَ الصَّوَابِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ، فَالِاعْتِذَارُ الْمُتَضَمِّنُ لِلِاعْتِرَاضِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ.
стр. 6699
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٨٥٩ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا مُدِحَ الْفَاسِقُ غَضِبَ الرَّبُّ تَعَالَى، وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٨٥٩ - (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا مُدِحَ الْفَاسِقُ) : بِأَنْ قَالَ لَهُ يَا سَيِّدُ مَثَلًا (غَضِبَ الرَّبُّ تَعَالَى) أَيْ: عَلَى الْمَادِحِ (وَاهْتَزَّ لَهُ) أَيْ: لِأَجْلِ مَدْحِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِذَلِكَ (الْعَرْشُ) أَيْ: وَكَادَ أَنْ يَتَحَرَّكَ وَيَنْدَكَّ مِنْ هَيْبَةِ أَثَرِ عَظَمَةِ سُخْطِهِ سُبْحَانَهُ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا - أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١] ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اهْتِزَازُ الْعَرْشِ عِبَارَةٌ عَنْ وُقُوعِ أَمْرٍ عَظِيمٍ وَدَاهِيَةٍ دَهْيَاءَ ; لِأَنَّ فِيهِ رِضًا بِمَا فِيهِ سُخْطُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ، بَلْ يَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا ; لِأَنَّهُ يَكَادُ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى اسْتِحْلَالِ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ وَالْقُرَّاءِ الْمُرَائِينَ فِي زَمَانِنَا هَذَا، وَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ مَنْ مَدَحَ الْفَاسِقَ، فَكَيْفَ بِمَنْ مَدَحَ الظَّالِمَ وَرَكَنَ إِلَيْهِ رُكُونًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] ، الْكَشَّافُ: النَّهْيُ مُتَنَاوِلٌ لِلِانْحِطَاطِ فِي هَوَاهُمْ، وَالِانْقِطَاعِ إِلَيْهِمْ وَمُصَاحَبَتِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ وَزِيَارَتِهِمْ وَمُدَاهَنَتِهِمْ، وَالرِّضَا بِأَعْمَالِهِمْ، وَالتَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَالتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ، وَمَدِّ الْعَيْنِ إِلَى زُمْرَتِهِمْ، وَذِكْرِهِمْ بِمَا فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهُمْ.
стр. 6700
وَلَمَّا خَالَطَ الزُّهْرِيُّ السَّلَاطِينَ كَتَبَ إِلَيْهِ أَخٌ لَهُ فِي الدِّينِ: عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَبَا بَكْرٍ مِنَ الْفِتَنِ، فَقَدْ أَصْبَحْتَ بِحَالٍ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَكَ أَنْ يَدْعُوَ لَكَ وَيَرْحَمَكَ، أَصْبَحْتَ شَيْخًا كَبِيرًا، وَقَدْ أَثْقَلَتْكَ نِعَمُ اللَّهِ بِمَا فَهَّمَكَ مِنْ كِتَابِهِ وَعَلَّمَكَ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَى الْعُلَمَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ، وَاعْلَمْ أَنَّ أَيَسْرَ مَا ارْتَكَبْتَ وَأَخَفَّ مَا احْتَمَلْتَ أَنَّكَ آنَسْتَ وَحْشَةَ الظَّالِمِ، وَسَهَّلْتَ سَبِيلَ الْغَيِّ بِدُنُوِّكَ مِمَّنْ لَمْ يَوَدَّ حَقًّا، وَلَمْ يَتْرُكْ بَاطِلًا حِينَ أَدْنَاكَ، اتَّخَذُوكَ قُطْبًا يَدُورُ عَلَيْكَ رَحَى بَاطِلِهِمْ، وَجِسْرًا يَعْبُرُونَ عَلَيْكَ إِلَى بَلَائِهِمْ وَسُلَّمًا يَصْعَدُونَ فِيكَ إِلَى ضَلَالِهِمْ، يُدْخِلُونَ الشَّكَّ بِكَ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَيَقْتَادُونَ بِكَ قُلُوبَ الْجُهَلَاءِ، فَمَا أَيْسَرَ مَا عَمَّرُوا لَكَ فِي جَنْبِ مَا أَخْرَبُوا عَلَيْكَ. وَمَا أَكْثَرَ مَا أَخَذُوا مِنْكَ فِيمَا أَفْسَدُوا عَلَيْكَ مِنْ دِينِكَ، فَمَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] ، فَإِنَّكَ تُعَامِلُ مَنْ لَا يَجْهَلُ، وَيَحْفَظُ عَلَيْكَ مَنْ لَا يَغْفُلُ، فَدَاوِ دِينَكَ فَقَدْ دَخَلَهُ السَّقَمُ، وَهَيِّئْ زَادَكَ فَقَدْ حَضَرَ السَّفَرُ الْبَعِيدُ، وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَالسَّلَامُ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُدَيٍّ عَنْ بُرَيْدَةَ.
стр. 6701
٤٨٦٠ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٤٨٦٠ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أَيِ: الْبَاهِلِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: يُخْلَقُ وَيُجْبَلُ (عَلَى الْخِلَالِ) أَيِ: الْخِصَالُ زِنَةً وَمَعْنًى (كُلِّهَا) أَيْ: جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا أَوِ الْأَعَمُّ مِنْهَا (إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ) : بِنَصْبِهِمَا أَيْ: غَيْرَهُمَا، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يُخْلَقُ وَيُجْبَلُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْأَمَانَةِ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى التَّصْدِيقِ وَالْإِيمَانِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى بِصِيغَةِ الْحَصْرِ: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] ، أَيِ: الْكَامِلُونَ فِي الْكَذِبِ أَوِ الْمَجْبُولُونَ عَلَيْهِ. وَقَالَ ﷺ : " «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» ". عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ، فَمَا يَصْدُرُ عَنِ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، فَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ لِطَبِيعَتِهِ لَا مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَجِبِلَّتِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي نَفْيِ الْمُؤْمِنِ عَنْهُمَا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: يُطْبَعُ عَلَيْهَا أَيْ: يُخْلَقُ، وَالطَّبَاعُ مَا رُكِّبَ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي لَا يَكَادُ يُزَايِلُهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَتِ الْخِيَانَةُ وَالْكَذِبُ مُنَافِيَيْنِ بِحَالِهِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ أَفْعَالٌ مِنَ الْأَمْنِ، وَحَقِيقَتُهُ أَمْنُهُ التَّكْذِيبَ وَالْمُخَالَفَةَ ; وَلِأَنَّهُ حَامِلُ أَمَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَمِينًا لَا خَائِنًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أَيْ: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.
стр. 6702
٤٨٦١ - وَالْبَيْهَقِيُّ ﵁ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ "، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ.
ــ
٤٨٦١ - (وَالْبَيْهَقِيُّ) : وَالْأَظْهَرُ مَا فِي نُسْخَةٍ: وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ لَيْسَ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
стр. 6703
٤٨٦٢ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سَلِيمٍ، أَنَّهُ «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ قَالَ: " نَعَمْ ". فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ قَالَ: " نَعَمْ ". فَقِيلَ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ قَالَ: " لَا» . رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " مُرْسَلًا.
ــ
٤٨٦٢ - (وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ) ، بِالتَّصْغِيرِ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَنَفَرٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَضَعْ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَيَقُولُونَ: إِنَّ جَبْهَتَهُ ثُقِبَتْ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ، وَكَانَ لَا يَقْبَلُ جَوَائِزَ السَّلَاطِينِ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، كَذَا
стр. 6704
ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟) ، أَيْ: بِالطَّبْعِ أَوْ مُطْلَقًا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ ضِدُّ الشُّجَاعِ (قَالَ: نَعَمْ) أَيْ: يَكُونُ وَلَا يُنَافِي الْإِيمَانَ (فَقِيلَ لَهُ) أَيْ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟) أَيْ: بِالطَّبْعِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] أَوْ بِإِخْرَاجِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ لِمَيْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ. (قَالَ: نَعَمْ) أَيْ: يَكُونُ وَلَا يُنَافِيهِ مُطْلَقُ الْإِيمَانِ أَوْ كَمَالُهُ (فَقِيلَ) أَيْ: لَهُ (أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟) أَيْ: كَثِيرَ الْكَذِبِ مُبَالِغًا فِيهِ، أَوْ ذَا كَذِبٍ بِحَسَبِ الطَّبْعِ وَالْخُلُقِ (قَالَ: " لَا ". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا) : قُيِّدَ لَهُمَا.
стр. 6705
٤٨٦٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: " «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ فَيَتَفَرَّقُونَ ; فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ يُحَدِّثُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٨٦٣ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ) ، أَيْ: أَحْيَانًا (فَيَلْقَى الْقَوْمَ) أَيْ: جَمَاعَةً (فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ فَيَتَفَرَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ) أَيْ: رَسْمَهُ (وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ) أَيْ: وَصْفَهُ (يُحَدِّثُ) أَيْ: كَذَا وَكَذَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ مِنْ أَقْبَحِ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ حَتَّى عُدَّ كُفْرًا، فَلِهَذَا يَعْتَنِي بِهِ رَئِيسُهُمْ وَيَتَصَوَّرُهُ بِصُورَةٍ حِسِّيَّةٍ تَقْوِيَةً لِلْوَسْوَسَةِ الدَّاخِلِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، فَكَانَ الْأَنْسَبُ إِيرَادَهُ فِي بَابِ الِاعْتِصَامِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ خَبَرِ الْكَذِبِ، أَوْ مَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ نَحْوِ الْبُهْتَانِ وَالْقَذْفِ وَأَمْثَالِهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ وَاحِدٌ مِنَ الْجِنْسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى التَّحَرِّي فِيمَا يُسْمَعُ مِنَ الْكَلَامِ، وَأَنْ يُتَعَرَّفَ مِنَ الْقَائِلِ أَهْوَ صَادِقٌ يَجُوزُ النَّقْلُ عَنْهُ أَوْ كَاذِبٌ يَجِبُ الِاجْتِنَابُ عَنْ نَقْلِ كَلَامِهِ؟ عَلَى مَا وَرَدَ: كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6706
٤٨٦٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ قَالَ: «أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ ﵁ فَوَجَدْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُحْتَبِيًا بِكِسَاءٍ أَسْوَدَ وَحْدَهُ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ مَا هَذِهِ الْوَحْدَةُ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْوَحْدَةُ خَيْرٌ مِنْ جَلِيسِ السُّوءِ، وَالْجَلِيسُ الصَّالِحُ خَيْرٌ مِنَ الْوَحْدَةِ وَإِمْلَاءُ الْخَيْرُ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ، وَالسُّكُوتُ خَيْرٌ مِنْ إِمْلَاءِ الشَّرِّ» ".
ــ
٤٨٦٤ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانِ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِالنُّونِ، أَوْسِيٌّ خَزْرَجِيٌّ، سَمِعَ عَائِشَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا ذَرٍّ، وَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَغَيْرُهُمَا. (قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ فَوَجَدْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُحْتَبِيًا بِكِسَاءٍ أَسْوَدَ وَحْدَهُ) أَيْ: مُنْفَرِدًا لَيْسَ أَحَدٌ عِنْدَهُ (فَقُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ مَا هَذِهِ الْوَحْدَةُ؟) أَيِ: الَّتِي تُورِثُ الْوَحْشَةَ، وَالْمَعْنَى: مَا سَبَبُهَا وَبَاعِثُهَا. (فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْوَحْدَةُ خَيْرٌ مِنْ جَلِيسِ السُّوءِ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَتُضَمُّ أَيِ: السَّيِّئُ الطَّالِحُ (وَالْجَلِيسُ الصَّالِحُ خَيْرٌ مِنَ الْوَحْدَةِ) يَعْنِي: وَالْجَلِيسُ الصَّالِحُ قَلِيلٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ (وَإِمْلَاءُ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ، وَالسُّكُوتُ خَيْرٌ مِنْ إِمْلَاءِ الشَّرِّ) : يَعْنِي: وَمِمَّا يُعِينُ عَلَى السُّكُونِ الْعُزْلَةُ وَالْوَحْدَةُ. فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ.
стр. 6707
٤٨٦٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَقَامُ الرَّجُلِ بِالصَّمْتِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً» ".
ــ
٤٨٦٥ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَقَامُ الرَّجُلِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِضَمٍّ أَيْ: ثَبَاتُهُ (بِالصَّمْتِ) ، أَيْ: بِمُدَاوَمَةِ سُكُوتِهِ عَنِ الشَّرِّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ (أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً) أَيْ: مَعَ كَثْرَةِ الْكَلَامِ وَعَدَمِ التَّثَبُّتِ فِي الْمَقَامِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ فِي الْعِبَادَةِ آفَاتٍ يَسْلَمُ عَنْهَا بِالصَّمْتِ كَمَا وَرَدَ: مَنْ صَمَتَ نَجَا. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عِمْرَانَ، لَكِنَّ لَفْظَهُ مَقَامُ الرَّجُلِ فِي الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. اهـ. وَلَعَلَّ الصَّمْتَ وَقَعَ فِيهِ تَصْحِيفٌ فَرَاجِعْ فِي الْأُصُولِ.
стр. 6708
٤٨٦٦ - «وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ إِلَى أَنْ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي. قَالَ: " أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ أَزْيَنُ لِأَمْرِكَ كُلِّهِ " قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، وَنُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ ". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " عَلَيْكَ بِطُولِ الصَّمْتِ، فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ " قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ، فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ " قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا ". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " لِيَحْجُزْكَ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْلَمُ مِنْ نَفْسِكَ» .
ــ
٤٨٦٦ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ) أَيْ: أَبُو ذَرٍّ أَوْ رَاوِيَةٌ (الْحَدِيثَ بِطُولِهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مِثْلَ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ التَّالِي لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى هَذَا، مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ هُوَ الْمُرَادَ لَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْحَدِيثَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَفِيهِ طُولٌ، لَكِنَّ فِي أَثْنَائِهِ وَأَوَاخِرِهِ عَلَى مَا سَنُورِدُهُ. (إِلَى أَنْ قَالَ) أَيْ: أَبُو ذَرٍّ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ) : وَهُوَ وَصِيَّةُ اللَّهِ لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] ، (فَإِنَّهُ) أَيْ: الِاتِّقَاءُ أَوْ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّقْوَى (أَزْيَنُ) أَيْ: غَايَةٌ مِنَ الزَّيْنِ وَنِهَايَةٌ مِنَ الْحُسْنِ (لِأَمْرِكَ) أَيْ: لِأُمُورِ دِينِكَ الِاعْتِقَادِيِّ وَالْقَوْلِيِّ وَالْعَمَلِيِّ، بَلْ وَلِأُمُورِ دُنْيَاكَ الَّتِي هِيَ مَعَاشُكَ الْمُقْتَضِيَةُ لِحُسْنِ مَعَادِكَ (كُلِّهِ) ; لِأَنَّ التَّقْوَى بِجَمِيعِ مَرَاتِبِهَا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ، وَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ، وَالِاحْتِرَازِ عَنِ الشُّبُهَاتِ وَالتَّوَرُّعِ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَالتَّنَزُّهِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَالتَّخَلِّي عَنْ خُطُورِ مَا سِوَى اللَّهِ بِالْبَالِ مِنْ شِيَمِ أَرْبَابِ الْكَمَالِ فِي الْأَحْوَالِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: نَسَبَ الزِّينَةَ إِلَى التَّقْوَى، كَمَا نَسَبَ إِلَيْهِ تَعَالَى اللِّبَاسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] ، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ، فَكَمَا أَنَّ السَّمَاءَ مُزَيَّنَةٌ بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ، كَذَلِكَ قُلُوبُ الْعَارِفِينَ مُزَيَّنَةٌ بِالْمَعَارِفِ وَالتَّقْوَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] . اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] ، بَلْ قَبْلَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلَنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦] . (قُلْتُ: زِدْنِي) أَيْ: فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ (قَالَ: عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ) أَيْ: فَإِنَّهَا مَجْلَبَةٌ لِلتَّقْوَى وَمُوَرِّثَةٌ لِلدَّرَجَاتِ الْعُلَا (وَذِكْرِ اللَّهِ ، تَعْمِيمٌ وَتَتْمِيمٌ (فَإِنَّهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ لَكَ مِنَ التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ (ذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، وَنُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ) ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ، فَإِنَّ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: " «فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» ". وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرًا، فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَهُوَ الذِّكْرُ فَتُعْرِفُ مَرْتَبَةُ التِّلَاوَةِ بِالْأَوْلَى، عَلَى أَنَّ التِّلَاوَةَ مُنَاجَاةٌ مَعَ الرَّبِّ . (قُلْتُ: زِدْنِي) أَيْ: فِي الْوَصِيَّةِ بِمَا يُعِينُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ (قَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ (عَلَيْكَ بِطُولِ الصَّمْتِ) أَيْ: بِدَوَامِهِ فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ) أَيْ: لِرَئِيسِهِمْ أَوْ لِجِنْسِهِمْ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ: لِلشَّيَاطِينِ (وَعَوْنٌ) أَيْ: مُعِينٌ (لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ) أَيِ: اسْتِقَامَتِهِ
стр. 6709
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: " إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ، فَإِنَّهُ (أَيْ: إِكْثَارُهُ وَقِيلَ مَا ذُكِرَ مِنْ كَثْرَةِ الضَّحِكِ أَوِ الضَّحِكُ الْكَثِيرُ (يُمِيتُ الْقَلْبَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: الْقُلُوبَ، أَيْ: يُورِثُ قَسَاوَةَ الْقَلْبِ وَهِيَ مُفْضِيَةٌ إِلَى الْغَفْلَةِ، وَلَيْسَ مَوْتُ الْقَلْبِ إِلَّا الْغَفْلَةَ عَنِ الذِّكْرِ (وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ) أَيْ: بَهَائِهِ وَحُسْنِهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] . (قُلْتُ: زِدْنِي قَالَ: قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ) أَيْ: وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْحَقِّ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عِنْدَ أَهْلِ الْبَاطِلِ الْمُتَلَهِّينَ بِالْحَلَوِيَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ (مُرًّا) أَيْ: صَعْبَ الْمَذَاقِ وَشَدِيدَ الْمَشَاقِّ وَأَنْشَدَ:
لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبْرَا
قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي مَنْ يَأْبَاهُمَا بِالصَّبْرِ، فَإِنَّهُ مُرُّ الْمَذَاقِ لَكِنَّ عَاقِبَتَهُ مَحْمُودَةٌ. (قُلْتُ: زِدْنِي قَالَ: لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ) : أَيْ فِي حَقِّهِ وَطَرِيقِ عِبَادَتِهِ (لَوْمَةَ لَائِمٍ) أَيْ: مَلَامَةَ أَحَدٍ، وَفِيهِ قَطْعُ تَعَلُّقِهِ عَنِ الْخَلْقِ بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا يَأْتِي وَيَذَرُ، وَثَبَاتُهُ عَلَى الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى مَذَمَّةِ النَّاسِ وَمَدْحِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: كُنْ صُلْبًا فِي دِينِكَ إِذَا شَرَعْتَ فِي إِنْكَارِ مُنْكَرٍ أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، امْضِ فِيهِ كَالْمَسَامِيرِ الْمُحْمَاةِ لَا يَرُعْكَ قَوْلُ قَائِلٍ وَلَا اعْتِرَاضُ مُعْتَرِضٍ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: قُلِ الْحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا، وَالْحَمْلُ عَلَى التَّأْسِيسِ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ. (قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: لِيَحْجُزْكَ) : بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ، أَيْ: لِيَمْنَعْكَ (عَنِ النَّاسِ) أَيْ: عُيُوبُهُمْ (مَا تَعْلَمُ مِنْ نَفْسِكَ) أَيْ: مِنْ عُيُوبِهَا، كَمَا وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ: «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ» . قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثُ الْمَتْنِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، «عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: " أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ، عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ وَنُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ، عَلَيْكَ بِطُولِ الصَّمْتِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ عَنْكَ وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ، إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ، فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ، عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي، أَحِبَّ الْمَسَاكِينَ وَجَالِسْهُمْ، انْظُرْ إِلَى مَنْ تَحْتَكَ وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ فَوْقَكَ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرِيَ نِعْمَةَ اللَّهِ عِنْدَكَ، صِلْ قَرَابَتَكَ وَإِنْ قَطَعُوكَ، قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، لِيَحْجُزْكَ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْلَمُ مِنْ نَفْسِكَ، وَلَا تَجِدْ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَأْتِي، وَكَفَى بِالْمَرْءِ عَيْبًا أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ: أَنْ يَعْرِفَ مِنَ النَّاسِ مَا يَجْهَلُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَحْيِي لَهُمْ مِمَّا هُوَ فِيهِ، وَيُؤْذِي جَلِيسَهُ. يَا أَبَا ذَرٍّ لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ» ".
стр. 6710
٤٨٦٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «يَا أَبَا ذَرٍّ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَصْلَتَيْنِ هُمَا أَخَفُّ عَلَى الظَّهْرِ وَأَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ؟ " قَالَ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: " طُولُ الصَّمْتِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَمِلَ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهِمَا» ".
ــ
٤٨٦٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (قَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَصْلَتَيْنِ هُمَا أَخَفُّ عَلَى الظَّهْرِ) أَيْ: ظَهْرِ الْمُكَلَّفِ وَبَدَنِهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِ اللِّسَانِ (وَأَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ؟) قَالَ الطِّيبِيُّ: تَشْبِيهٌ لِلْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ فِي تَأْتِّيهِ بِالسُّهُولَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : " كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ ". (قَالَ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: طُولُ الصَّمْتِ) أَيِ: الْمُتَضَمِّنُ لِلتَّفَكُّرِ،
стр. 6711
(وَحُسْنُ الْخُلُقِ) أَيِ: الْمُشْتَمِلُ عَلَى الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْحَقِّ أَوِ الْخَلْقِ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَمِلَ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهِمَا) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ، أَيْ: مَا عَمِلَ الْخَلَائِقُ عَمَلَيْنِ مِثْلَ عَمَلِهِمَا، أَوْ عَمِلَ بِمَعْنَى أَتَى أَيْ: مَا أَتَوْا بِمِثْلِهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ. قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيُّ: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا أُنْبِئُكَ بِأَمْرَيْنِ خَفِيفٌ أَمْرُهُمَا عَظِيمٌ أَجْرُهُمَا لَمْ تَلْقَ اللَّهَ بِمِثْلِهِمَا: طُولُ الصَّمْتِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» ". وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَيْضًا عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَيْسَرِ الْعِبَادَةِ وَأَهْوَنِهَا عَلَى الْبَدَنِ؟ الصَّمْتُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» ".
стр. 6712
٤٨٦٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَلْعَنُ بَعْضَ رَقِيقِهِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ: " لَعَّانِينَ وَصِدِّيقِينَ؟ كَلَّا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ " فَأَعْتَقَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ بَعْضَ رَقِيقِهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا أَعُودُ» . رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٨٦٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَلْعَنُ بَعْضَ رَقِيقِهِ، فَالْتَفَتَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى أَبِي بَكْرٍ، أَوْ فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِ ﷺ (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵇: (لَعَّانِينَ وَصِدِّيقِينَ) بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ، أَيْ: هَلْ رَأَيْتَ لَعَّانِينَ وَصِدِّيقِينَ؟ أَيْ جَامِعِينَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، وَالْعَطْفُ لِتَغَايُرِ الصِّفَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ لِإِرَادَةِ تَعْظِيمِ الصِّدِّيقِ (كَلَّا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: هَلْ رَأَيْتَ صِدِّيقًا يَكُونُ لَعَّانًا؟ كَلَّا وَاللَّهِ لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا. فَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ، أَيْ: لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا، وَفِي الْكَلَامِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ. (فَأَعْتَقَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ بَعْضَ رَقِيقِهِ) أَيْ: كَفَّارَةً لِمَا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ شُعُورِهِ (ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ، ﷺ أَيْ: لِلِاعْتِذَارِ (فَقَالَ لَا أَعُودُ) أَيْ: فِي لَعْنِ أَحَدٍ، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، وَشَيْخُهُ بَشَّارُ بْنُ مُوسَى الْخِفَافِ، وَضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، وَكَانَ أَحْمَدُ حَسَنَ الرَّأْيِ فِيهِ، ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّ. (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 6713
٤٨٦٩ - وَعَنْ أَسْلَمَ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ دَخَلَ يَوْمًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ فَقَالَ عُمَرُ: مَهْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ. رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
٤٨٦٩ - (وَعَنْ أَسْلَمَ) : هُوَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كُنْيَتُهُ أَبُو خَالِدٍ، كَانَ حَبَشِيًّا، اشْتَرَاهُ عُمَرُ بِمَكَّةَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَرَوَى عَنْهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَغَيْرُهُ، مَاتَ فِي وِلَايَةِ مَرْوَانَ، وَلَهُ مِائَةٌ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ. (قَالَ: إِنَّ عُمَرَ دَخَلَ يَوْمًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَهُوَ يَجْبِذُ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: يَجْذِبُ (لِسَانَهُ) ، وَيَمُدُّهُ وَيَجُرُّهُ، فَفِي الْمُغْرِبِ: الْجَبْذُ بِمَعْنَى الْجَذْبِ وَكِلَاهُمَا مِنْ بَابِ ضَرَبَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي النِّهَايَةِ: الْجَبْذُ لُغَةٌ فِي الْجَذْبِ، وَقِيلَ هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْهُ. اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْجَبْذُ: الْجَذْبُ وَلَيْسَ مَقْلُوبَهُ، بَلْ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ وَوَهِمَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ. (فَقَالَ عُمَرُ: مَهْ) : بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ هَاءٍ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اكْفُفْ وَامْتَنِعْ عَنْ ذَلِكَ. (غَفَرَ اللَّهُ لَكَ) : دُعَاءٌ أَوْ إِخْبَارٌ عَمَّا سُمِعَ فِي حَقِّهِ (فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا) أَيِ: اللِّسَانَ، وَالْإِشَارَةُ لِلتَّعْظِيمِ أَوِ التَّحْقِيرِ (أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ) أَيْ: أَدْخَلَنِي الْمَهَالِكَ (رَوَاهُ مَالِكٌ) : وَكَذَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ، وَفِي لَفْظِ الْبَيْهَقِيِّ قَالَ: إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي شَرَّ الْمَوَارِدِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " «لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْجَسَدِ إِلَّا يَشْكُو إِلَى اللَّهِ ذَرْبَ اللِّسَانِ عَلَى حِدَّتِهِ» ". كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ اطَّلَعَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَمُدُّ لِسَانَهُ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْجَسَدِ إِلَّا يَشْكُو إِلَى اللَّهِ اللِّسَانَ عَلَيْهِ حِدَّتِهِ» ". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ رِوَايَةِ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِنَّ الْمَرْفُوعَ وَهْمٌ عَلَى الدَّرَاوَرْدِيِّ. قَالَ: وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَلَا عِلَّةَ لَهُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَفِي الْآثَارِ، رُوِيَ عَنِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ حَصَاةً فِي فِيهِ يَمْنَعُ بِهَا نَفْسَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَكَانَ يُشِيرُ إِلَى لِسَانِهِ وَيَقُولُ: هَذَا الَّذِي أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ.
стр. 6714
٤٨٧٠ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنُ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» ".
ــ
٤٨٧٠ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اضْمَنُوا لِي) ، بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: تَكَفَّلُوا لِأَجْلِي (سِتًّا) أَيْ: مِنَ الْخِصَالِ (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) أَيْ: مِنْ خِصَالِهَا أَوْ مِنْ أَجْلِ مَنْفَعَتِهَا (أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ) أَيْ: دُخُولَهَا مَعَ الْفَائِزِينَ، أَوْ وُصُولَهَا إِلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الْمُقَرَّبِينَ (اصْدُقُوا) ، بِضَمِّ الدَّالِ أَيْ: تَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ (إِذَا حَدَّثْتُمْ) ، أَيْ: أَخْبَرْتُمْ (وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ) ، أَيْ: وَعَهِدْتُمْ (وَأَدُّوا) أَيْ: أَدُّوا الْأَمَانَةَ وَأَعْطُوا الشَّهَادَةَ (إِذَا ائْتُمِنْتُمْ) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ) ، أَيْ: عَنِ الزِّنَا وَنَحْوِهِ (وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ) ، بِضَمِّ الْغَيْنِ أَيْ: غَمِّضُوهَا عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ (وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَمْسِكُوا أَنْفُسَكُمْ عَنِ الظُّلْمِ. قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثُ عُبَادَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْهُ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. اهـ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: الْمُطَّلِبُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُبَادَةَ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " اضْمَنُوا لِي سِتَّ خِصَالٍ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: لَا تَظَالَمُوا عِنْدَ قِسْمَةِ مَوَارِيثِكُمْ، وَانْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَجْبُنُوا عِنْدَ قِتَالِ عَدُوِّكُمْ، وَلَا تَغُلُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَامْنَعُوا ظَالِمَكُمْ مِنْ مَظْلُومِكُمْ ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا. اهـ.
стр. 6715
٤٨٧١ -، ٤٨٧٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وَشِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، وَالْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ» ". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٨٧١ -، ٤٨٧٢ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ) : بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ عَلَى مَا ضَبَطَهُ الْمُغْنِي وَنَصَّ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ وَقَالَ: هُوَ أَشْعَرِيٌّ شَامِيٌّ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ، وَأَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَرَهُ، وَلَازَمَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ مُنْذُ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ إِلَى أَنْ مَاتَ مُعَاذٌ، وَكَانَ أَفْقَهَ أَهْلِ الشَّامِ، رَوَى عَنْ قُدَمَاءِ الصَّحَابَةِ مِثْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. اهـ. فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مُرْسَلًا تَنْبِيهًا عَلَى ذَلِكَ. (وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) أَيِ: ابْنِ السَّكَنِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَسْمَاءِ ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ» ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ فِيهِمَا أَيْ: يُتَذَكَّرُ بِرُؤْيَتِهِمْ ذِكْرُ اللَّهِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى حَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ» عَلَى أَحَدِ مَعَانِيهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَحَدَهُمَا أَنَّهُمْ فِي الِاخْتِصَاصِ بِاللَّهِ ; بِحَيْثُ إِذَا رُؤُوا خَطَرَ بِبَالِ مَنْ رَآهُمْ مَوْلَاهُمْ لِمَا فِيهِمْ مِنْ سِيمَا الْعِبَادَةِ، وَثَانِيَهُمَا: أَنَّ مَنْ رَآهُمْ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى، كَمَا رَوَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ عَلِيٍّ عِبَادَةٌ» ". قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، بِلَفْظِ: " «النَّظَرُ إِلَى عَلِيٍّ عِبَادَةٌ» ". وَنَظِيرُهُ مَا رَوَى أَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «النَّظَرُ إِلَى الْكَعْبَةِ عِبَادَةٌ» "، ثُمَّ قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ كَانَ إِذَا بَرَزَ قَالَ النَّاسُ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَا أَكْرَمَ هَذَا الْفَتَى، مَا أَشْجَعَ هَذَا الْفَتَى، مَا أَعْلَمَ هَذَا الْفَتَى، مَا أَحْلَمَ هَذَا الْفَتَى، فَكَانَتْ رُؤْيَتُهُ تَحْمِلُهُمْ عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. (وَشِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاؤُونَ) : بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ لِلنِّسْبَةِ أَيِ: الَّذِينَ يَمْشُونَ (بِالنَّمِيمَةِ) أَيْ: عَلَى وَجْهِ الْفَسَادِ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (وَالْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ) أَيِ: الطَّالِبُونَ الْبَرَاءَ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ بِمَعْنَى الْبَرِيءِ، مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، فَفِي الْقَامُوسِ أَنْتَ بَرِيءٌ، وَالْجَمْعُ بَرِيئُونَ وَكَفُقَهَاءَ وَكِرَامٍ وَأَشْرَافٍ وَأَنْصِبَاءَ وَرِجَالٍ، وَأَنَا بَرَاءٌ مِنْهُ - لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ وَلَا يُؤَنَّثُ - بَرِيءٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ وَهُوَ قَوْلُهُ: (الْعَنَتَ) مَنْصُوبَانِ مَفْعُولَانِ لِلْبَاغِينَ، يُقَالُ: بَغَيْتُ فُلَانًا خَيْرًا، وَبَغَيْتُكَ الشَّيْءَ: طَلَبْتُهُ لَكَ، وَبَغَيْتُ لِلشَّيْءِ طَلَبْتُهُ. اهـ.
стр. 6716
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَنَتَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِلْبَاغُونَ، وَفِي رِوَايَةٍ (لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، الْمَشَقَّةُ وَالْفَسَادُ وَالْهَلَاكُ وَالْإِثْمُ وَالْخَطَأُ وَالْغَلَطُ وَالزِّنَا، كُلُّ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ وَأُطْلِقَ الْعَنَتُ عَلَيْهِ، وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ كُلَّهَا، فَإِنَّ الْمَوْجُودَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ فِي (الْبُرَاءِ) وَهُوَ جَمْعُ بَرِيءٍ كَمَا سَبَقَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَفَتْحِ رَاءٍ وَهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: هُوَ عَلَى وَزْنِ فُضَلَاءَ جَمْعُ بَرِيءٍ. اهـ. وَالْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «خِيَارُكُمُ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ بِهِمْ وَشِرَارُكُمُ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبَرَاءَ الْعَنَتَ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى السَّابِقِ مِنْهُمَا. (أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بِلَفْظِ: " «خِيَارُ أُمَّتِي الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وَشَرَارُ أُمَّتِي الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ الْبَاغُونَ الْبَرَاءَ الْعَنَتَ» ".
стр. 6717
٤٨٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَجُلَيْنِ صَلَّيَا صَلَاةَ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ، وَكَانَا صَائِمَيْنِ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ قَالَ: " أَعِيدَا وُضُوءَكُمَا وَصَلَاتَكُمَا، وَامْضِيَا فِي صَوْمِكُمَا، وَاقْضِيَاهُ يَوْمًا آخَرَ ". قَالَا: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " اغْتَبْتُمْ فُلَانًا» .
ــ
٤٨٧٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلَيْنِ صَلَّيَا صَلَاةَ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ) أَيْ: مَعَهُ ﷺ (وَكَانَا صَائِمَيْنِ) ، عَطْفٌ أَوْ حَالٌ (فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ) أَيْ: فَرَغَ عَنْ أَدَائِهَا (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ لِلرَّجُلَيْنِ (أَعِيدُوا) : بِصِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَقَلُّهُ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ أَعِيدَا (وُضُوءَكُمَا وَصَلَاتَكُمَا، وَامْضِيَا) : بِهَمْزِ وَصْلٍ وَكَسْرِ ضَادٍ أَيِ: انْفُذَا (فِي صَوْمِكُمَا) : يَعْنِي لَا تَقْطَعَاهُ بِالْإِفْطَارِ مِنْ مَضَى فِي أَمْرِهِ: إِذَا نَفَذَ فِيهِ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ (وَاقْضِيَاهُ) أَيْ: صَوْمَكُمَا (يَوْمًا آخَرَ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا فِي الصَّوْمِ ظَاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] ، وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ ; فَلِأَنَّهُ شَرِبَ دَمَ أَخِيهِ وَلَحْمَهُ فَحَمَلَ النَّجَاسَةَ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَعْصِيَةِ قَبْلَ الطَّاعَةِ يُنْقِصُ كَمَالَهَا، كَمَا أَنَّ الْحَسَنَةَ بَعْدَ السَّيِّئَةِ تُوجِبُ زَوَالَهَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، وَرَدَ فِيمَنْ قَبَّلَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً، وَلَعَلَّهُ ﷺ هُنَا أَظْهَرَ الزَّجْرَ الشَّدِيدَ وَالتَّغْلِيظَ وَالْوَعِيدَ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغِيبَةِ مِنْ حَقِّ الْعِبَادِ، وَرُبَّمَا تَذْهَبُ الْعِبَادَةُ بِالْكُلِّيَّةِ ; حَيْثُ يُعْطَى لِصَاحِبِ الْغَيْبَةِ النَّافِلَةُ الطَّوِيَّةُ فَيَبْقَى الْمُذْنِبُ بِلَا صَوْمٍ وَصَلَاةٍ، فَلِهَذَا أَمَرَهُمَا بِإِعَادَتِهِمَا وَقَضَائِهِ، وَهَذَا مِنْ قَبِيلِ فَتْوَى الْخَاصَّةِ لَا مِنْ قَبِيلِ أَحْكَامِ الْعَامَّةِ، وَفِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ لِلدَّيْلَمِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " «الْغِيبَةُ تُنْقِضُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» " (قَالَا) : وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَا: (لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أَيْ: لِأَيِّ سَبَبٍ (قَالَ: اغْتَبْتُمْ فُلَانًا) أَيْ: قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الطَّهَارَةِ وَمُبَاشَرَةِ الصَّوْمِ.
стр. 6718
٤٨٧٤ - ٤٨٧٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَجَابِرٍ ﵄ قَالَا: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا؟ قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَزْنِي فَيَتُوبُ، فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ " - وَفِي رِوَايَةٍ: " فَيَتُوبُ فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ لَا يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يَغْفِرَهَا لَهُ صَاحِبُهُ» ".
ــ
٤٨٧٤ - ٤٨٧٥ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا) أَيْ: أَصْعَبُ مِنْهُ لِتَعَلُّقِهَا بِحَقِّ الْعِبَادِ الْبَتَّةَ بِخِلَافِهِ (قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُمَا الْمُرَادَ بِهِمْ (وَكَيْفَ الْغَيْبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا؟) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ الزِّنَا ذَنَبٌ كَبِيرٌ، وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ وَعِيدٌ كَثِيرٌ، وَتَعَلَّقَ بِهِ الْحَدُّ وَالرَّجْمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا مُبْتَدَأٌ عَلَى سَبِيلِ حِكَايَةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَيْفَ خَبَرُهُ، أَيْ: كَيْفَ قَوْلُكَ هَذَا؟ (قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَزْنِي فَيَتُوبُ) أَيْ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ (فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ: فَيَقْبَلُ تَوْبَتَهُ وَيُوَفِّقُهُ عَلَى ثَبَاتِهِ (وَفِي رِوَايَةٍ: فَيَتُوبُ فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ) : عَطْفٌ عَلَى مَا سَبَقَ (لَا يُغْفَرُ لَهُ) أَيْ: وَلَوْ تَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ (حَتَّى يَغْفِرَهَا لَهُ صَاحِبُهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْغَيْبَةِ.
стр. 6719
٤٨٧٦ - وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: " «صَاحِبُ الزِّنَا يَتُوبُ، وَصَاحِبُ الْغِيبَةِ لَيْسَ لَهُ تَوْبَةٌ» ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٨٧٦ - (وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ قَالَ: " صَاحِبُ الزِّنَا يَتُوبُ) أَيْ: يُتَصَوَّرُ مِنْهُ التَّوْبَةُ أَوْ يَتُوبُ غَالِبًا ; لِأَنَّهُ ذَنْبٌ عَظِيمٌ عِنْدَهُ (وَصَاحِبُ الْغِيبَةِ لَيْسَ لَهُ تَوْبَةٌ) ، أَيْ: غَالِبًا، لِأَنَّهُ يَحْسَبُهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، لَكِنَّ الْبَلِيَّةَ إِذَا عَمَّتْ طَابَتْ، أَوْ لَيْسَ لَهُ تَوْبَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِتَوَقُّفِ صِحَّتِهَا عَلَى رِضَا صَاحِبِهَا. (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ) أَيْ: حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَنَسٍ (فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . قَالَ مِيرَكُ: نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ: إِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْغِيبَةِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ أَنَسٍ، عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ عَنْهُ، وَرَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ غَيْرَ مَرْفُوعٍ وَهُوَ الْأَشْبَهُ.
стр. 6720
٤٨٧٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ مِنْ كَفَّارَةِ الْغِيبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنِ اغْتَبْتَهُ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ ". وَقَالَ: فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ضَعْفٌ.
ــ
٤٨٧٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ مِنْ كَفَّارَةِ الْغِيبَةِ) أَيْ: بَعْدَ تَحَقُّقِ التَّوْبَةِ (أَنْ تَسْتَغْفِرَ) أَيْ: أَنْتَ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًّا (لِمَنِ اغْتَبْتَهُ، تَقُولُ) : بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ أَوْ حَالٌ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا) أَيْ: إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، أَوْ لَنَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا (وَلَهُ) أَيْ: لِمَنِ اغْتَبْتَهُ خُصُوصًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إِذَا لَمْ تَصِلِ الْغَيْبَةُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنَ الِاسْتِحْلَالِ بِأَنْ يُخْبِرَ صَاحِبَهَا بِمَا قَالَ فِيهِ وَيَتَحَلَّلَهَا مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَلْيَعْزِمْ عَلَى أَنَّهُ مَتَى وَجَدَهُ تَحَلَّلَ مِنْهُ، فَإِذَا حَلَّلَهُ سَقَطَ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَهُ مِنَ الْحَقِّ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِأَنْ كَانَ صَاحِبُ الْغِيبَةِ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعَالَى، وَالْمَرْجُوُّ مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ مِنْ إِحْسَانِهِ، فَإِنَّهُ جَوَّادٌ كَرِيمٌ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.
وَفِي رَوْضَةِ الْعُلَمَاءِ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا تَابَ صَاحِبُ الْغِيبَةِ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَى الْمُغْتَابِ عَنْهُ هَلْ تَنْفَعُهُ تَوْبَتُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ تَنْفَعُهُ تَوْبَتُهُ، فَإِنَّهُ تَابَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الذَّنْبُ ذَنْبًا، يَعْنِي ذَنْبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ. قَالَ: لِأَنَّهَا تَصِيرُ ذَنْبًا إِذَا بَلَغَتْ إِلَيْهِ. قُلْتُ: فَإِنْ بَلَغَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ؟ قَالَ: لَا تَبْطُلُ تَوْبَتُهُ، بَلْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمَا جَمِيعًا الْمُغْتَابِ بِالتَّوْبَةِ وَالْمُغْتَابِ عَنْهُ بِمَا لَحِقَهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ. قُلْتُ: أَوْ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ كَرِيمٌ وَلَا يَحْمِلُ كَرَمُهُ رَدَّ تَوْبَتِهِ بَعْدَ قَبُولِهَا، بَلْ يَعْفُو عَنْهُمَا جَمِيعًا. قُلْتُ: فِيهِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ مَوْقُوفًا عَلَى عَدَمِ تَحَقُّقِ وُصُولِهَا إِلَيْهِ وَحُصُولِ مَشَقَّتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي تَوْبَةِ الْمُغْتَابِينَ: هَلْ تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحِلَّ مِنْ صَاحِبِهِ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: تَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَجُوزُ، وَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدِهِمَا: إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ قَدْ بَلَغَ إِلَى الَّذِي اغْتَابَهُ، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَسْتَحِلَّ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيُضْمِرُ أَنْ لَا يَعُودَ لِمِثْلِهِ. اهـ. وَهَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: اغْتَبْتُكَ فَاجْعَلْنِي فِي حِلٍّ أَمْ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ مَا اغْتَابَ؟ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِي الْغِيبَةِ: لَا يُعْلِمُهُ بِهَا، بَلْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَهُ إِنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ يُثِيرُ فِتْنَةً، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا هُوَ الْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنِ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ جَائِزٌ عِنْدَنَا، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الْغِيبَةِ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنْهَا لِيُخَلِّصَ أَخَاهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَيَفُوزَ هُوَ بِعَظِيمِ ثَوَابِ اللَّهِ فِي الْعَفْوِ، وَفِي الْقِنْيَةِ: تَصَافُحُ الْخَصْمَيْنِ لِأَجْلِ الْعُذْرِ اسْتِحْلَالٌ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: رَأَيْتُ فِي فَتَاوَى الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يَكْفِي النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ فِي الْغِيبَةِ وَإِنْ بَلَغَتْ، فَالطَّرِيقُ أَنْ يَأْتِيَ الْمُغْتَابَ وَيَسْتَحِلَّ مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهِ أَوْ لِغَيْبَتِهِ الْبَعِيدَةِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا اعْتِبَارَ بِتَحْلِيلِ الْوَرَثَةِ، وَإِذَا اغْتَابَ أَحَدًا فَهَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: قَدِ اغْتَبْتُكَ فَاجْعَلْنِي فِي حِلٍّ، أَمْ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ مَا اغْتَابَهُ بِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ، فَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانِهِ لَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ مَالٍ مَجْهُولٍ، وَثَانِيهِمَا: لَا يُشْتَرَطُ ; لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُتَسَامَحُ فِيهِ بِخِلَافِ الْمَالِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَسْمَحُ بِالْعَفْوِ عَنْ غِيبَةٍ دُونَ غِيبَةٍ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: سَبِيلُ الْمُعْتَذِرِ أَنْ يُبَالِغَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالْمَوَدَّةِ إِلَيْهِ، وَيُلَازِمَ ذَلِكَ حَتَّى يَطِيبَ قَلْبُهُ، فَإِنْ لَمْ يَطِبْ قَلْبُهُ كَانَ اعْتِذَارُهُ وَتَرَدُّدُهُ حَسَنَةً مَحْسُوبَةً لَهُ، فَتُقَابَلُ بِهَا سَيِّئَةُ الْغِيبَةِ فِي الْقِيَامَةِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) اسْمُ كِتَابٍ لَهُ (وَقَالَ: فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ضَعْفٌ) . قُلْتُ: وَمَا يَضُرُّ، فَإِنَّ فَضَائِلَ الْأَعْمَالِ يَكْفِيهَا الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ لِلْعَمَلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا يُعَضِّدُهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الصَّمْتِ، عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: " «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ» ".
стр. 6721
[بَابُ الْوَعْدِ]
стр. 6722
(١١) بَابُ الْوَعْدِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٨٧٨ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَاءَ أَبَا بَكْرٍ مَالٌ مِنْ قِبَلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا. قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ: وَعَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْطِيَنِي هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا. فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ جَابِرٌ: فَحَثَا لِي حَثْيَةً، فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(١١) بَابُ الْوَعْدِ
الْوَعْدُ: يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، يُقَالُ: وَعَدْتُهُ خَيْرًا وَوَعَدْتُهُ شَرًّا، فَإِذَا أَسْقَطُوا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ قَالُوا فِي الْخَيْرِ: الْوَعْدُ وَالْعِدَةُ، وَفِي الشَّرِّ: الْإِيعَادُ وَالْوَعِيدُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لِمُخْلِفٌ مِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٨٧٨ - (عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَاءَ أَبَا بَكْرٍ مَالٌ مِنْ قِبَلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ) . بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مِنْ جِهَتِهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَكَانَ عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَأَقَرَّهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ مَاتَ الْعَلَاءُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، رَوَى عَنْهُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدِ وَغَيْرُهُ. (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ) ، بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ، أَيْ: عِنْدَهُ (عِدَةٌ) : بِكَسْرٍ فَتَخْفِيفِ دَالٍ أَيْ: وَعْدٌ (فَلْيَأْتِنَا) . قَالَ الْأَشْرَفُ، وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا: فِيهِ اسْتِحْبَابُ قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ وَإِنْجَازِ وَعْدِهِ لِمَنْ يَخْلُفُهُ بَعْدَهُ، وَأَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَارِثُ وَالْأَجْنَبِيُّ. اهـ. وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْوَعْدَ مُلْحَقٌ بِالدَّيْنِ، كَمَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ " «الْعِدَةُ دَيْنٌ» " عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. (قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ: وَعَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْطِيَنِي هَكَذَا، وَهَكَذَا) أَيْ: ثَلَاثًا، وَفِي نُسْخَةٍ مَرَّتَيْنِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ: (فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) : بَيَانًا لِهَكَذَا. (قَالَ جَابِرٌ: فَحَثَا لِي حَثْيَةً) أَيْ: فَمَلَأَ أَبُو بَكْرٍ كَفَّيْهِ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَصَبَّهَا فِي ذَيْلِي (فَعَدَدْتُهَا) أَيْ: مَا فِيهَا (فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا) أَيْ: مِثْلَ مَا فِي الْحَثْيَةِ مِنَ الْعَدَدِ لِئَلَّا يَزِيدَ وَلَا يَنْقُصَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6723
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٨٧٩ - «عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْيَضَ قَدْ شَابَ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُشْبِهُهُ، وَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ قَلُوصًا، فَذَهَبْنَا نَقْبِضُهَا، فَأَتَانَا مَوْتُهُ، فَلَمْ يُعْطُونَا شَيْئًا، فَلَمَّا قَامَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِدَةٌ فَلْيَجِئْ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَمَرَ لَنَا بِهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٨٧٩ - (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) : بِضَمِّ جِيمٍ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ: ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تُوُفِّيَ وَلَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، لَكِنَّهُ سَمِعَ وَرَوَى عَنْهُ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَوْفٌ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْيَضَ) أَيْ: أَبْيَضَ اللَّوْنِ مَائِلًا إِلَى الْحُمْرَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : " يَا حُمَيْرَاءُ " (قَدْ شَابَ) أَيْ: بَعْضُ لِحْيَتِهِ أَوْ ظَهَرَ فِيهِ شَيْبٌ. (وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُشْبِهُهُ) وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُشْبِهُهُ فِي النِّصْفِ الْأَعْلَى، وَالْحُسَيْنُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ. (وَأَمَرَ لَنَا) أَيْ: لِأَجْلِنَا، أَوْ لِإِعْطَائِنَا، وَهُوَ كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي سَائِرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ أَمَرَ لَهُ، وَالْأَوَّلُ أَنْسَبُ لِاتِّفَاقِ الضَّمَائِرِ التَّالِيَةِ. (بِثَلَاثَةَ عَشَرَ قَلُوصًا) : بِفَتْحٍ فَضَمٍّ، أَيْ نَاقَةٌ شَابَّةٌ (فَذَهَبْنَا نَقْبِضُهَا) أَيْ: فَشَرَعْنَا فِي الذَّهَابِ إِلَى الْمَأْمُورِ لِنَقْبِضَ الْعَطَاءَ الْمَذْكُورَ (فَأَتَانَا مَوْتُهُ) أَيْ: خَبَرُ مَوْتِهِ ( ﷺ ) : بِالْقَدَرِ الْمَقْدُورِ (فَلَمْ يُعْطُونَا شَيْئًا) ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ وَالْعَطِيَّةَ وَالصَّدَقَةَ لَا تُمْلَكُ إِلَّا بِالْقَبْضِ (فَلَمَّا قَامَ أَبُو بَكْرٍ) أَيْ: خَطِيبًا، أَوْ قَامَ بِأَمْرِ الْخِلَافَةِ (قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
стр. 6724
عِدَةٌ فَلْيَجِئْ) أَيْ: فَلْيَأْتِ إِلَيْنَا، فَإِنَّ وَفَاءَهُ عَلَيْنَا، وَلَعَلَّ الِاكْتِفَاءَ بِهَا وَعَدَمَ ذِكْرِ الدَّيْنِ هُنَا ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهَا بِالْأَوْلَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اقْتِصَارًا مِنَ الرَّاوِي لَا سِيَّمَا وَكَلَامُهُ فِي الْعِدَةِ (فَقُمْتُ إِلَيْهِ) أَيْ: مُتَوَجِّهًا (فَأَخْبَرْتُهُ) أَيْ: بِمَا سَبَقَ (فَأَمَرَ لَنَا بِهَا) أَيْ: بِالْقَلُوصِ الْمَوْعُودَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَلَى الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَاتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَلَى الْفَصْلِ الثَّانِي، وَانْفَرَدَ التِّرْمِذِيُّ بِذِكْرِ أَبِي بَكْرٍ وَإِعْطَائِهِ إِيَّاهُمْ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ. قَالَ مِيرَكُ: وَلِذَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي آخِرِ مَجْمُوعِ الْحَدِيثِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
стр. 6725
٤٨٨٠ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ، فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ، فَنَسِيتُ، فَذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ، فَقَالَ: " لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ، أَنَا هَهُنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٨٨٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَمْسَاءِ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمِلَةِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي التَّصْحِيحِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْقَامُوسِ، وَزَادَ الْمُغْنِي: وَهُوَ بِالْمَدِّ. (قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ) أَيْ: بِعْتُ مِنْهُ بِمَعْنَى اشْتَرَيْتُ، فَهُوَ مِنَ الْبَيْعِ لَا مِنَ الْمُبَايَعَةِ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ بِحَسَبِ الْقَاعِدَةِ الصَّرْفِيَّةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِ الْمُقَايَضَةِ وَالْمُعَاوَضَةِ، فَتَكُونُ الصِّيغَةُ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ عَلَى بَابِهِ. (قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ) أَيْ: لِلرِّسَالَةِ (وَبَقِيَتْ لَهُ) أَيْ: لِلنَّبِيِّ ﷺ (بَقِيَّةٌ) أَيْ: شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ الْمَبِيعِ (فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا) أَيْ: أَجِيئُهُ بِتِلْكَ الْبَقِيَّةِ (فِي مَكَانِهِ) أَيِ: الْمُعَيَّنِ أَوِ النِّسْبِيِّ (فَنَسِيتُ) أَيْ: ذَلِكَ الْوَعْدَ (فَذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ) أَيْ: ثَلَاثَ لَيَالٍ (فَجِئْتُ ذَلِكَ الْمَكَانَ فَإِذَا هُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ يَنْتَظِرُنِي (فِي مَكَانِهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، أَوْ فِي مَكَانِهِ الْمَوْعُودِ وَفَاءً بِمَا وَعَدَ مِنْ لُزُومِ الْمَكَانِ حَتَّى أَجِيئَهُ بِمَا بَقِيَ مِنَ الثَّمَنِ، وَفِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى نَدْبِ تَصْدِيقِ الْوَعْدِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ. (فَقَالَ: لَقَدْ شَقَقْتَ) : بِقَافَيْنِ، أَيْ: حَمَلْتَ الْمَشَقَّةَ (عَلَيَّ) وَأَوْصَلْتَهَا إِلَيَّ (أَنَا هَهُنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ) : وَكَانَ انْتِظَارُهُ ﷺ لِصِدْقِ وَعْدِهِ لَا لِقَبْضِ ثَمَنِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَعْدَ أَمْرٌ مَأْمُورٌ الْوَفَاءُ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ، حَافَظَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ الْمُتَقَدِّمُونَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] ، وَمَدَحَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ، يَعْنِي: جَدَّ نَبِيِّنَا ﵈ بِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] ، يُقَالُ: إِنَّهُ وَعَدَ إِنْسَانًا فِي مَوْضِعٍ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ. قُلْتُ: وَذَلِكَ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
следующие страницы →