← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

٤٨٢٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: " «إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ. وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ» ". ــ ٤٨٢٥ - ( «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ» ) أَيِ: الْزَمُوا الصِّدْقَ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَلَى وَفْقِ مَا فِي الْوَاقِعِ (فَإِنَّ الصِّدْقَ) أَيْ: عَلَى وَجْهِ مُلَازَمَتِهِ وَمُدَاوَمَتِهِ (يَهْدِي) أَيْ: صَاحِبَهُ (إِلَى الْبِرِّ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ جَامِعُ الْخَيْرَاتِ مِنِ اكْتِسَابِ الْحَسَنَاتِ وَاجْتِنَابِ السَّيِّئَاتِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَمَلِ الْخَالِصِ الدَّائِمِ الْمُسْتَمِرِّ مَعَهُ إِلَى الْمَوْتِ (وَإِنَّ الْبَرَّ يَهْدِي) أَيْ: يُوصِلُ صَاحِبَهُ (إِلَى الْجَنَّةِ) أَيْ: مَرَاتِبِهَا الْعَالِيَةِ وَدَرَجَاتِهَا.

стр. 6652

الْغَالِيَةِ (وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ) أَيِ: الشَّخْصُ (يَصْدُقُ) أَيْ: فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ (وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ) أَيْ: يُبَالِغُ وَيَجْتَهِدُ فِيهِ (حَتَّى يُكْتَبَ) أَيْ: يُثْبَتَ (عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا) بِكَسْرِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: مُبَالِغًا فِي الصِّدْقِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الصِّدِّيقُ مَا يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الصِّدْقُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ فِي الصِّدْقِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِحُسْنِ خَاتِمَتِهِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصِّدِّيقَ يَكُونُ مَأْمُونَ الْعَاقِبَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابَةِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِظْهَارُهُ لِلْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَإِلْقَاءُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ ( «وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ» ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَفْصَحُ ( «فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ» ) : بِضَمِّ الْفَاءِ أَيِ: الْمَيْلِ عَنِ الصِّدْقِ وَالْحَقِّ وَالِانْبِعَاثِ فِي الْمَعَاصِي، وَهُوَ أَظْهَرُ لِلْمُقَابَلَةِ بِالْبَرِّ. وَفِي الْقَامُوسِ: فَجَرَ: فَسَقَ، وَكَذَبَ وَكَذَّبَ وَعَصَى وَخَالَفَ. ( «وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ، عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَى " يُكْتَبَ " هُنَا يُحْكَمُ لَهُ لِذَلِكَ وَيَسْتَحِقُّ الْوَصْفَ بِمَنْزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ وَثَوَابِهِمْ أَوْ صِفَةَ الْكَذَّابِ وَعِقَابِهِمْ، وَالْمُرَادُ إِظْهَارُ ذَلِكَ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَإِمَّا بِأَنْ يُكْتَبَ اسْمُهُ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِينَ حَتَّى يُوضَعَ لَهُ الْقَبُولُ، أَوِ الْبَغْضَاءُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: «إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ» ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، إِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

стр. 6653

٤٨٢٦ - وَعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٨٢٦ - (وَعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُغْنِي وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا، فَفِي الْقَامُوسِ: أُمُّ كُلْثُومٌ - كَزُنْبُورٍ - بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ. وَالْمُرَادُ بِهَا هَنَا بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَتْ مَاشِيَةً وَبَايَعَتْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا بِمَكَّةَ زَوْجٌ، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَقُتِلَ عَنْهَا فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، فَتَزَوَّجَهَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ إِبْرَاهِيمَ وَحُمَيْدًا، وَمَاتَ عَنْهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ شَهْرًا وَمَاتَتْ، وَهِيَ أُخْتُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لِأُمِّهِ، رَوَى عَنْهَا ابْنُهَا حُمَيْدٌ. (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ الْكَذَّابُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ لَيْسَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُهَا مُقَدَّمٌ عَلَى اسْمِهَا، وَهُوَ أَظْهَرُ دِرَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ الْمَحْكُومُ بِهِ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: (الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ) : ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْفَعَّالَ هُنَا لِلنِّسْبَةِ كَلَبَّانٍ وَتَمَّارٍ، أَيْ: ذِي كَذِبٍ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ [فصلت: ٤٦] ، أَيْ: بِذِي ظُلْمٍ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُبَالَغَةِ انْتِفَاءُ أَصْلِ الْفِعْلِ، وَالْمَعْنَى: مَنْ كَذِبَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ لَا يَكُونُ كَاذِبًا مَذْمُومًا (وَيَقُولُ خَيْرًا) أَيْ: قَوْلًا مُتَضَمِّنًا لِلْخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ، بِأَنْ يَقُولَ لِلْإِصْلَاحِ مَثَلًا بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو: يَا عَمْرُو يُسَلِّمُ عَلَيْكَ زَيْدٌ وَيَمْدَحُكَ وَيَقُولُ: أَنَا أُحِبُّهُ وَكَذَلِكَ يَجِيءُ إِلَى زَيْدٍ وَيُبَلِّغُهُ مِنْ عَمْرٍو مِثْلَ مَا سَبَقَ. (وَيَنْمِي خَيْرًا) أَيْ يُبَلِّغُهُ وَيَرْفَعُهُ إِلَيْهِ، هَذَا وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ قَوْلَهُ: اللَّامُ فِي الْكَذَّابِ إِشَارَةٌ إِلَى الْكَذَّابِ الْمَعْهُودِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَنَحْوِهِ يَعْنِي الْكَذَّابَ الْمَذْمُومَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الْمَمْقُوتَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ مَنْ يُصْلِحُ ذَاتَ الْبَيْنِ، فَإِنَّهُ مَحْمُودٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَهُمْ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَذَّابُ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ اسْمُ لَيْسَ، وَقَوْلُهُ: " الَّذِي يُصْلِحُ " خَبَرُهُ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْكَذَّابَ خَبَرُ لَيْسَ وَالَّذِي اسْمُهُ اهـ.

стр. 6654

وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ سَبْقِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي الْكِتَابِ صُدُورُهُ مِنْ صَدْرٍ صَدَّرَ الْأَنْبِيَاءُ أَوَّلًا فِي هَذَا الْبَابِ، أَوْ وُقُوعُهُ عِنْدَ هَذَا الْخِطَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، ثُمَّ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: نَمَيْتُ الْحَدِيثَ وَأَنْمَيْتُهُ إِذَا بَلَّغْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ وَطَلَبِ الْخَيْرِ، فَإِذَا بَلَّغْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِفْسَادِ وَالنَّمِيمَةِ. قُلْتَ: نَمَّيْتُهُ بِالتَّشْدِيدِ هَكَذَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ، قُلْتُ فَقَوْلُهُ: خَيْرًا أَيْ: حَدِيثَ خَيْرٍ لِلتَّأْكِيدِ وَعَلَى إِرَادَةِ التَّجْرِيدِ، وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: نَمَّى مُشَدَّدَةٌ وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُهَا مُخَفَّفَةً، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ، وَمَنْ خَفَّفَ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ يَنْتَصِبُ بِنَمَى كَمَا انْتَصَبَ بِقَالَ، وَكِلَاهُمَا عَلَى زَعْمِهِ لَازِمَانِ، وَإِنَّمَا نَمَى مُتَعَدٍّ يُقَالُ: نَمَيْتُ الْحَدِيثَ أَيْ: رَفَعْتُهُ وَأَبْلَغْتُهُ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: نَمَا يَنْمُو زَادَ كَنَمَى يَنْمِي نَمْيًا. وَأَنْمَى وَنَمَّى الْحَدِيثُ: ارْتَفَعَ. وَنَمَيْتُهُ وَنَمَّيْتُهُ: رَفَعْتُهُ وَعَزَوْتُهُ، وَأَنْمَاهُ أَذَاعَهُ عَلَى وَجْهِ النَّمِيمَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَلَفَظُ الْجَامِعِ: " «لَيْسَ الْكَذَّابُ بِالَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا وَيَقُولُ خَيْرًا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ.

стр. 6655

٤٨٢٧ - وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٨٢٧ - (وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﵁) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ خَالَفَ كِنْدَةَ فَنُسِبَ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ ابْنَ الْأَسْوَدِ لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيفَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِهِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ عَبْدًا فَتَبَنَّاهُ. وَكَانَ سَادِسًا فِي الْإِسْلَامِ، رَوَى عَنْهُ عَلِيٌّ وَطَارِقُ بْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُمَا، مَاتَ بِالْجُرْفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ) أَيِ: الْمُبَالِغِينَ فِي الْمَدْحِ مُتَوَجِّهَيْنِ إِلَيْكُمْ طَمَعًا سَوَاءٌ يَكُونُ نَثْرًا أَوْ نَظْمًا (فَاحْثُوا) : بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَضَمِّ مُثَلَّثَةٍ أَيِ: ارْمُوا (فِي وُجُوهِهِمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ فِي أَفْوَاهِهِمْ (التُّرَابَ) : قِيلَ: يُؤْخَذُ التُّرَابُ وَيُرْمَى بِهِ فِي وَجْهِ الْمَدَّاحِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِدَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِمْ، إِذِ الْمَالُ حَقِيرٌ كَالتُّرَابِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْضِ فِي كُلِّ بَابٍ أَيْ: أَعْطُوهُمْ إِيَّاهُ وَاقْطَعُوا بِهِ أَلْسِنَتَهُمْ لِئَلَّا يُهْجُوكُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَعْطُوهُمْ عَطَاءً قَلِيلًا فَشَبَّهَهُ لِقِلَّتِهِ بِالتُّرَابِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَخَيِّبَ الْمَادِحَ وَلَا يُعْطِيَهُ شَيْئًا لِمَدْحِهِ، وَالْمُرَادُ زَجْرُ الْمَادِحِ وَالْحَثُّ عَلَى مَنْعِهِ مِنَ الْمَدْحِ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الشَّخْصَ مَغْرُورًا وَمُتَكَبِّرًا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَدَّاحُونَ هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَدْحَ النَّاسِ عَادَةً، وَجَعَلُوهُ بِضَاعَةً يَسْتَأْكِلُونَ بِهِ الْمَمْدُوحَ، فَأَمَّا مَنْ مَدَحَ الرَّجُلَ عَلَى الْفِعْلِ الْحَسَنِ وَالْأَمْرِ الْمَحْمُودِ، يَكُونُ مِنْهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي أَمْثَالِهِ، وَتَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ فِي أَشْبَاهِهِ فَلَيْسَ بِمَدَّاحٍ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَدِ اسْتَعْمَلَ الْمِقْدَادُ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي تَنَاوُلِ عَيْنِ التُّرَابِ وَحَثْيِهِ فِي وَجْهِ الْمَادِحِ، وَقَدْ يُتَأَوَّلُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْخَيْبَةَ وَالْحِرْمَانَ أَيْ: مَنْ تَعَرَّضَ لَكُمْ بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ فَلَا تُعْطُوهُ وَاحْرِمُوهُ، كَنَّى بِالتُّرَابِ عَنِ الْحِرْمَانِ كَقَوْلِهِمْ: مَا فِي يَدِهِ غَيْرُ التُّرَابِ، وَكَقَوْلِهِ ﷺ : " «إِذَا جَاءَكَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا» "، وَفِي الْجُمْلَةِ الْمَدْحُ وَالثَّنَاءُ عَلَى الرَّجُلِ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَسْلَمُ الْمَادِحُ عَنْ كَذِبٍ يَقُولُهُ فِي مَدْحِهِ، وَقَلَّمَا يَسْلَمُ الْمَمْدُوحُ مِنْ عُجْبٍ يَدْخُلُهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ الْمِقْدَادِ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْحَاكِمُ فِي الْكُنَى عَنْ أَنَسٍ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «احْثُوا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ عَنِ الْمِقْدَادِ " «احْثُوَا فِي أَفْوَاهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ» "، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَذَا ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ.

стр. 6656

٤٨٢٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: «أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ " ثَلَاثًا " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسَبُ فُلَانًا، وَاللَّهُ حَسْبُهُ، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٨٢٨ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) أَيِ: الثَّقَفِيِّ (قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ: بَالَغَ فِي مَدْحِهِ (فَقَالَ: وَيْلَكَ) : الْوَيْلُ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ أَيْ: هَلَكْتَ هَلَاكًا وَأَهْلَكْتَ إِهْلَاكًا، وَفِي نُسْخَةٍ. وَيْحَكَ وَهُوَ لِلشَّفَقَةِ وَالْمَرْحَمَةِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ لِلزَّجْرِ فِي الْمَوْعِظَةِ (قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ) : بِضَمِّ عَيْنٍ وَنُونٍ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْعُنْقُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ، وَكَأَمِيرٍ وَصُرَدٍ: الْجِيدُ وَيُؤَنَّثُ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ.

стр. 6657

لِئَلَّا يَغْتَرَّ الْمَقُولُ لَهُ فَيَسْتَشْعِرَ الْكِبْرَ وَالْعُجْبَ، وَذَلِكَ جِنَايَةٌ عَلَيْهِ فَيَصِيرَ كَأَنَّهُ قَطَعَ عُنُقَهُ فَأَهْلَكَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذِهِ اسْتِعَارَةٌ مِنْ قَطْعِ الْعُنُقِ الَّذِي هُوَ الْقَتْلُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْهَلَاكِ، لَكِنْ هَذَا الْهَلَاكُ فِي الدِّينِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الدُّنْيَا (ثَلَاثًا) أَيْ: قَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ) : اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ الْمَدْحِ الْمَمْدُوحِ (مَادِحًا) أَيْ: لِأَحَدٍ (لَا مَحَالَةَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: أَلْبَتَّةَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا فَفِي الْقَامُوسِ: لَا مَحَالَةَ مِنْهُ بِالْفَتْحِ أَيْ: لَا بُدَّ وَالْمُحَالُ بِالضَّمِّ مِنَ الْكَلَامِ مَا عُدِلَ عَنْ وَجْهِهِ، وَفِي الصِّحَاحِ: لَا مَحَالَةَ بِالضَّمِّ بِمَعْنَى لَا بُدَّ أَيْ: لَا فِرَاقَ وَبِالْفَتْحِ بِمَعْنَى لَا احْتِيَالَ (فَلْيَقُلْ: أَحْسَبُ فُلَانًا) بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا أَيْ: أَظُنُّهُ كَذَا وَكَذَا، يَعْنِي رَجُلًا صَالِحًا مَثَلًا (وَاللَّهُ حَسِيبُهُ) أَيْ: مُحَاسِبُهُ وَمُجَازِيهِ عَلَى أَعْمَالِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ وَمُطَّلِعٌ عَلَى أَحْوَالِهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ وَبَقِيَّةُ الْمَقُولِ (إِنْ كَانَ) : شَرْطٌ لِلْإِبَاحَةِ فِي الْقَوْلِ الْمَسْطُورِ أَيْ: فَلْيَقُلْ مَا ذُكِرَ إِنْ كَانَ الْقَائِلُ الْمَادِحُ (يُرَى) : بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ: يُظَنُّ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا أَيْ: يَعْلَمُ (أَنَّهُ) أَيِ: الْمَمْدُوحَ (كَذَلِكَ) أَيْ: مِثْلَ مَا مَدَحَهُ (وَلَا يُزَكِّي) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ الْمَادِحَ لَا يُزَكِّي (عَلَى اللَّهِ) أَيْ: عَلَى حُكْمٍ مِنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ (أَحَدًا) : وَالْمَعْنَى: لَا يَقْطَعُ بِتَقْوَى أَحَدٍ وَلَا بِتَزْكِيَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْبٌ، وَقِيلَ عَدَّاهُ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْغَلَبَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ جَزَمَ عَلَى تَزْكِيَةِ أَحَدٍ عِنْدَ اللَّهِ فَكَأَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ فِي مَعْرِفَتِهِ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي حَلِّ هَذَا الْمَحَلِّ. وَقَالَ الْأَشْرَفُ: وَاللَّهُ حَسِيبُهُ جُمْلَةٌ اعْتِرَاضِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: إِنْ كَانَ يُرَى مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَحْسَبُ فُلَانًا، وَقَوْلُهُ وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا مُنِعَ عَنِ الْجَزْمِ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلْيَقُلِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ " لَا يُزَكِّي " جَاءَ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، فَيَحْتَاجُ عَلَى هَذَا بِأَنْ يُقَالَ إِخْبَارٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ: وَلَا يَكُنْ مِنْكُمُ التَّزْكِيَةُ عَلَى اللَّهِ، وَقَدْ أَبْعَدَ بَعْضُهُمْ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يُزَكِّي عُطِفَ عَلَى يُرَى وَهُوَ الصَّوَابُ، وَأَنْتَ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّهُ هُوَ الْخَطَأُ مِنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ، ثُمَّ لَا يَخْلُو كَلَامُ الطِّيبِيِّ مِنَ الْإِغْرَابِ أَيْضًا فِي الْإِعْرَابِ؛ حَيْثُ قَالَ: " إِنْ كَانَ يُرَى " الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ وَقَعَتْ حَالًا مِنْ فَاعِلٍ فَلْيَقُلْ: وَ " عَلَى " فِي " عَلَى اللَّهِ " فِيهِ مَعْنَى الْوُجُوبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6658

٤٨٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «أَتُدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ ". قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: " إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: " «إِذَا قُلْتَ لِأَخِيكَ مَا فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِذَا قُلْتَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» ". ــ ٤٨٢٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَتُدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ قِيلَ: أَيْ: أَتَعْلَمُونَ مَا جَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ؟ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: أَتُدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، يَعْنِي: وَلَوْ عَلِمْنَا بَعْضَ الْعِلْمِ، لَكِنْ يُسْتَفَادُ مِنْكَ حَقِيقَةُ الْعِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَضْلًا عَنِ الْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا (قَالَ: ذِكْرُكَ) أَيْ: أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًّا (أَخَاكَ) أَيِ: الْمُسْلِمَ (بِمَا يَكْرَهُهُ) أَيْ: بِمَا لَوْ سَمِعَهُ لَكَرِهَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْغِيبَةَ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ، وَأَكْثَرِهَا انْتِشَارًا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى لَا يَسْلَمَ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ مِنَ النَّاسِ، وَذِكْرُكَ فِيهِ بِمَا يَكْرَهُهُ عَامٌّ، سَوَاءٌ كَانَ فِي بَدَنِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ خُلُقِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ أَوْ زَوْجِهِ أَوْ خَادِمِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ مَشْيِهِ وَحَرَكَتِهِ وَبَشَاشَتِهِ وَعَبُوسَتِهِ وَطَلَاقَتِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ، سَوَاءٌ ذَكَرْتَهُ بِلَفْظِكَ أَوْ كِتَابِكَ، أَوْ رَمَزْتَ أَوْ أَشَرْتَ إِلَيْهِ بِعَيْنِكَ أَوْ يَدِكَ أَوْ رَأْسِكَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَا أَفْهَمْتَ بِهِ غَيْرَكَ نُقْصَانَ مُسْلِمٍ فَهُوَ غِيبَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُحَاكَاةُ بِأَنْ يَمْشِيَ مُتَعَارِجًا أَوْ مُطَأْطِئًا، أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْهَيْئَاتِ مُرِيدًا حِكَايَةَ هَيْئَةِ مَنْ يَنْقُصُهُ بِذَلِكَ. (قِيلَ) أَيْ: قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ (أَفَرَأَيْتَ) أَيْ: فَأَخْبِرْنِي (إِنْ كَانَ فِي أَخِي) أَيْ: مَوْجُودًا (مَا أَقُولُ؟) أَيْ مِنَ الْمَنْقَصَةِ، وَالْمَعْنَى: أَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ ذِكْرُهُ بِهَا أَيْضًا غِيبَةً كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عُمُومِ ذِكْرِهِ بِمَا يَكْرَهُ. (قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ) أَيْ: مِنَ الْعَيْبِ (فَقَدِ اغْتَبْتَهُ) أَيْ: لَا مَعْنَى لِلْغِيبَةِ إِلَّا هَذَا، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمَنْقَصَةُ فِيهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ الْمُخَفِّفَةِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ أَيْ: قُلْتَ عَلَيْهِ الْبُهْتَانَ وَهُوَ كَذِبٌ عَظِيمٌ يُبْهَتُ فِيهِ مَنْ يُقَالُ فِي حَقِّهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا الثَّلَاثَةُ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَالْمُرَادُ بِهِمُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُمَا: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْغِيبَةُ؟ قَالَ: " ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» " وَذَكَرَاهُ بِتَمَامِهِ عَلَى مَا حَرَّرَهُ مِيرَكُ.

стр. 6659

(وَفِي رِوَايَةٍ) : الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّهَا رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ رِوَايَةٌ لِلْبَغَوِيِّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ السَّيِّدُ ( «إِذَا قُلْتَ لِأَخِيكَ مَا فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِذَا قُلْتَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» ) . قَالَ مِيرَكُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَيْسَتْ فِي وَاحِدٍ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ، وَإِنَّمَا رَوَاهَا صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ. وَفِيهِ تَلْوِيحٌ إِلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ؛ حَيْثُ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الصِّحَاحِ، وَمَرَّ مِرَارًا الِاعْتِذَارُ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ الِالْتِزَامَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأُصُولِ لَا فِي مُعْتَضِدَاتِ الْفُصُولِ.

стр. 6660

٤٨٣٠ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ " فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْتَ لَهُ: كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ، وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَتَى عَاهَدْتِنِي فَحَّاشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ "، وَفِي رِوَايَةٍ: " اتِّقَاءَ فُحْشِهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٨٣٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ رَجُلًا) : قِيلَ: هُوَ عُيَيْنَةُ الْفَزَارِيُّ، وَقِيلَ: مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِتَعْدَادِ الْوَاقِعَةِ (اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ: فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ (فَقَالَ: " ائْذَنُوا) : بِهَمْزٍ سَاكِنَةٍ وَصْلًا وَيَجُورُ إِبْدَالُهَا يَاءً لَكِنْ إِذَا ابْتُدِئَ بِهِ يُقْرَأُ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ وَالدَّالُ مَفْتُوحَةٌ مُطْلَقًا أَيْ: أَعْطُوا الْإِذْنَ (لَهُ) أَوْ أَعْلِمُوهُ بِالْإِذْنِ (فَبِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ) أَيْ: بِئْسَ هُوَ مِنْ قَوْمِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. وَفِي الشَّمَائِلِ: بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ أَخُو الْعَشِيرَةِ عَلَى الشَّكِّ، فَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مِنْ سُفْيَانَ، فَإِنَّ جَمِيعَ أَصْحَابِ الْمُنْكَدِرِ رَوَوْهُ عَنْهُ بِدُونِ الشَّكِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَشِيرَةُ الْقَبِيلَةُ أَيْ: بِئْسَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ هَذِهِ الْعَشِيرَةِ، كَمَا يُقَالُ: يَا أَخَا الْعَرَبِ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْمُ هَذَا الرَّجُلِ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَيِّنَ حَالَهُ لِيَعْرِفَهُ النَّاسُ وَلَا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ بِحَالِهِ، وَكَانَ مَنُّهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْدَهُ مَا دَلَّ عَلَى ضَعْفِ إِيمَانِهِ، وَوَصْفُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَمَا وَصَفَ. (فَلَمَّا جَلَسَ) أَيْ: بَعْدَ دُخُولِهِ (تَطَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ) أَيْ: أَظْهَرَ لَهُ طَلَاقَةَ الْوَجْهِ وَبَشَاشَةَ الْبَشَرَةِ (وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ) أَيْ: تَبَسَّمَ لَهُ وَأَلَانَ الْقَوْلَ لَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ. وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ: جَعَلَهُ قَرِيبًا مِنْ نَفْسِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَإِنَّمَا أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ تَأَلُّفًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ مُدَارَاةُ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ وَجَوَازُ غِيبَةِ الْفَاسِقِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْفَاسِقِ بِمَا فِيهِ لِيُعْرَفَ أَمْرُهُ فَيُتَّقَى لَا يَكُونُ مِنَ الْغِيبَةِ، وَلَعَلَّ الرَّجُلَ كَانَ مُجَاهِرًا بِسُوءِ أَفْعَالِهِ وَلَا غِيبَةَ لِمُجَاهِرٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمِنَ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمُ الْغِيبَةُ الْمُجَاهِرُ بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ، فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يَجْهَرُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِهِ (فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ) أَيْ: ذَهَبَ (قَالَتْ عَائِشَةُ) : لَعَلَّ هَذَا نُقِلَ بِالْمَعْنَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الشَّمَائِلِ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: " بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ أَخُو الْعَشِيرَةِ» " ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فَأَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْتَ لَهُ: كَذَا وَكَذَا) وَفِي الشَّمَائِلِ قُلْتَ لَهُ مَا قُلْتَ (ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ) . أَيْ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ عَلَى مَا فِي الشَّمَائِلِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَتَى عَاهَدْتِنِي) أَيْ: وَجَدْتِنِي وَرَأَيْتِنِي (فَحَّاشًا؟) أَيْ: ذَا فُحْشٍ يَعْنِي: قَائِلًا لِلْفُحْشِ، وَأَصْلُ الْفُحْشِ زِيَادَةُ الشَّيْءِ عَلَى مِقْدَارِهِ، وَهَذَا إِنْكَارٌ عَلَى قَوْلِهَا: إِنَّكَ خَالَفْتَ بَيْنَ الْغَيْبِ وَالْحُضُورِ، فَلِمَ لَمْ تُذَمِّمْهُ فِي الْحُضُورِ كَمَا ذَمَّمْتَهُ فِي الْغَيْبِ؟ (إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمِ الْقِيَامَةِ) : اسْتِئْنَافٌ كَالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ: مَتَى عَاهَدْتِنِي فَحَّاشًا (مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ) : وَفِي رِوَايَةٍ: وَدَعَهُ النَّاسُ كَقِرَاءَةِ: " مَا وَدَعَكَ " فِي الشَّوَاذِّ بِالتَّخْفِيفِ، وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ الصَّرْفِيِّينَ: أَمَاتُوا مَاضِي يَدَعُ إِلَّا أَنْ يُرِيدُوا بِإِمَاتَتِهِ نُدْرَتَهُ، فَهُوَ شَاذٌّ اسْتِعْمَالًا صَحِيحٌ قِيَاسًا، وَالْمَعْنَى: مَنْ تَرَكَ النَّاسُ التَّعَرُّضَ لَهُ (اتِّقَاءَ شَرِّهِ) . كَيْلَا يُؤْذِيَهُمْ بِلِسَانِهِ، وَفِيهِ رُخْصَةُ الْمُدَارَاةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ.

стр. 6661

(وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لِلشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) . وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَقِيلَ: الْمَعْنَى إِنَّمَا أَلَنْتُ لَهُ الْقَوْلَ؛ لِأَنِّي لَوْ قُلْتُ لَهُ فِي حُضُورِهِ مَا قُلْتُهُ فِي غَيْبَتِهِ لَتَرَكَنِي اتِّقَاءَ فُحْشِي، فَأَكُونُ أَشَرَّ النَّاسِ. قِيلَ: ذَلِكَ الرَّجُلُ كَمَا وَصَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَإِنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ مَوْتِهِ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ، وَجِيءَ بِهِ أَسِيرًا إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁. وَفِي فَتْحِ الْبَارِي: إِنَّ عُيَيْنَةَ ارْتَدَّ فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ وَحَارَبَ ثُمَّ رَجَعَ وَأَسْلَمَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْأَحْمَقُ الْمُطَاعُ، كَذَا فَسَّرَهُ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الْغَنِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْخُزَاعِيِّ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَسْتَأْذِنُ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ قَالَ: " بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ» . الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ، وَقَدْ جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ عِلْمًا وَأَدَبًا، وَلَيْسَ قَوْلُهُ ﵇ فِي أُمَّتِهِ بِالْأُمُورِ الَّتِي يَسِمُهُمْ بِهَا، وَيُضِيفُهَا إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَكْرُوهِ غِيبَةً، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، بَلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ ﷺ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ وَيُفْصِحَ بِهِ وَيُعَرِّفَ النَّاسَ أُمُورَهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَلَكِنَّهُ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَرَمِ وَأُعْطِيهِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ أَظْهَرَ لَهُ الْبَشَاشَةَ، وَلَمْ يُجِبْهُ بِالْمَكْرُوهِ وَلِيَقْتَدِيَ بِهِ أُمَّتُهُ فِي اتِّقَاءِ شَرِّ مَنْ هَذَا سَبِيلُهُ، وَفِي مُدَارَاتِهِ لِيَسْلَمُوا مِنْ شَرِّهِ وَغَائِلَتِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ جَوَازُ غِيبَةِ الْمُعْلِنِ بِالْفِسْقِ أَوِ الْفُحْشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مَعَ جَوَازِ مُدَارَاتِهِمُ اتِّقَاءَ شَرِّهِمْ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى الْمُدَاهَنَةِ، ثُمَّ قَالَ تِبْعًا لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ أَنَّ الْمُدَارَاةَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا أَوِ الدِّينِ أَوْ هُمَا مَعًا، وَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَرُبَّمَا اسْتُحْسِنَتْ، وَالْمُدَاهَنَةُ بَذْلُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا اهـ. وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ يَنْبَغِي حِفْظُهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ عَنْهَا غَافِلُونَ وَبِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا جَاهِلُونَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «إِنْ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تُرِكَ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ» ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ. " «مَنْ يَخَافُ النَّاسُ شَرَّهُ» "

стр. 6662

٤٨٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ عَمَلًا بِاللَّيْلِ ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَيَقُولَ يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: " مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ " فِي بَابِ الضِّيَافَةِ. ــ ٤٨٣١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى) : هَكَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ وَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ عَافَاهُ اللَّهُ أَيْ: أَعْطَاهُ اللَّهُ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مُعَافَاةٌ بِالْهَاءِ فِي آخِرِهِ، هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمِدَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ مُعَافًى بِلَا هَاءٍ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ أَلِفُهُ بِالْيَاءِ فَيَكُونَ مُطَابِقًا لِلَفْظِ " كُلُّ "، كَمَا وَرَدَ: " «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» ". (إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ) بِالرَّفْعِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كُتِبَ مَرْفُوعًا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَحَقُّهُ النَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: مُعَافًى، وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ: كُلُّ أُمَّتِي لَا ذَنْبَ عَلَيْهِمْ إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، وَأَوْرَدَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى فِي مَجْمُوعِهِ الْمُغِيثِ إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَصْلِ، وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي النِّهَايَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ أُمَّتِي يُتْرَكُونَ عَنِ الْغِيبَةِ إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، كَمَا وَرَدَ: مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فَلَا غِيبَةَ لَهُ وَالْعَفْوُ: التَّرْكُ، وَفِيهِ مَعْنَى النَّفْيِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] ، وَالْمُجَاهِرُونَ هُمُ الَّذِينَ جَاهَرُوا بِمَعَاصِيهِمْ وَأَظْهَرُوهَا، وَكَشَفُوا مَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا فَيَتَحَدَّثُونَ، يُقَالُ: جَهَرَ وَجَاهَرَ وَأَجْهَرَ. أَقُولُ: قَوْلُ الْأَشْرَفِ: كُلُّ أُمَّتِي لَا ذَنْبَ عَلَيْهِمْ لَا يَصِحُّ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلِ الْمَعْنَى: كُلُّ أُمَّتِي لَا يُؤَاخَذُونَ أَوْ لَا يُعَاقَبُونَ عِقَابًا شَدِيدًا إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنَ التَّقْيِيدِ بِالْغِيبَةِ، فَلَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِعُنْوَانِ الْبَابِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ، بَلْ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ: (وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَخِفَّةِ الْجِيمِ مَصْدَرُ مَجَنَ يَمْجُنُ مِنْ بَابِ نَصَرَ، وَهِيَ أَنْ لَا يُبَالِيَ الْإِنْسَانُ بِمَا صَنَعَ وَلَا بِمَا قِيلَ لَهُ مِنْ غِيبَةٍ وَمَذَمَّةٍ وَنِسْبَةٍ إِلَى فَاحِشَةٍ (أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ) أَيْ: مَثَلًا (عَمَلًا) أَيْ:

стр. 6663

مِنْ أَعْمَالِ الْمَعْصِيَةِ (ثُمَّ يُصْبِحَ) : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: ثُمَّ هُوَ يَدْخُلُ فِي الصَّبَاحِ (وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ) أَيْ: عَمَلَهُ عَنِ النَّاسِ أَوْ سَتَرَهُ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ فِي لَيْلِهِ حَتَّى عَاشَ إِلَى النَّهَارِ (فَيَقُولَ) بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ أَيْ فَيُنَادِي صَاحِبًا لَهُ (يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ) أَيْ: فِي اللَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ (كَذَا وَكَذَا) أَيْ: مِنَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ (وَقَدْ بَاتَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ الرَّجُلَ الْعَاصِيَ دَامَ فِي لَيْلِهِ (يَسْتُرُهُ رَبُّهُ) أَيْ: عَنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَكْشِفْ حَالَهُ بِالْعُقُوبَةِ (وَيُصْبِحُ) أَيِ: الرَّجُلُ مَعَ ذَلِكَ (يَكْشِفُ) : خَبَرُ يُصْبِحُ أَيْ: يَرْفَعُ وَيُزِيلُ (سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ) . هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ بِمَعْنَى السُّتْرَةِ وَالْحِجَابِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مَصْدَرٌ، وَالْمَقْصُودُ غَايَةُ الِاسْتِغْرَابِ؛ وَلِذَا وَقَعَ فِي الْكَلَامِ نَوْعٌ مِنَ الْإِطْنَابِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ وَإِنَّ مِنَ الْجِهَارِ، أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ " الْحَدِيثَ، لَكِنْ بِدُونِ يَا فُلَانُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَلَفْظُهُ: " «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُ الَّذِي يَعْمَلُ الْعَمَلَ بِاللَّيْلِ فَيَسْتُرُهُ رَبُّهُ ثُمَّ يُصْبِحُ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ! إِنِّي عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا فَيَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ » " قَالَ الْمُؤَلِّفُ ". (وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) أَيْ: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ (فِي بَابِ الضِّيَافَةِ) . أَيْ: فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذُكِرَ فِيهِ وَسَبَبُهُ أَنَّ صَدْرَهُ مُنَاسِبٌ لِذَلِكَ الْبَابِ، فَيَكُونُ إِسْقَاطُهُ هُنَا لِلتَّكْرِيرِ فَكَلَامُهُ لِلِاعْتِذَارِ، لَكِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِنَوْعٍ مِنَ الِاعْتِرَاضِ.

стр. 6664

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٨٣٢ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ بَاطِلٌ بُنِيَ لَهُ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَكَذَا فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". وَفِي " الْمَصَابِيحِ ". قَالَ: غَرِيبٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٨٣٢ - (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ) أَيْ: وَقْتَ مِرَائِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ الْآتِيَةُ وَيَحْتَمِلُ الْإِطْلَاقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَهُوَ بَاطِلٌ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لِلتَّنْفِيرِ عَنِ الْكَذِبِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ أَنَّهُ بَاطِلٌ أَوْ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنَ الْمَفْعُولِ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ بَاطِلٌ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ مِنْ مُرَخِّصَاتِ الْكَذِبِ كَمَا فِي الْحَرْبِ، أَوْ إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَالْمَعَارِيضِ، أَوْ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَيْ: وَهُوَ ذُو بَاطِلٍ بِمَعْنَى صَاحِبِ بُطْلَانٍ. (بُنِيَ لَهُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَلَهُ نَائِبُهُ أَيْ: بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا (فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ: نَوَاحِيهَا وَجَوَانِبِهَا مِنْ دَاخِلِهَا لَا مِنْ خَارِجِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ شَارِحٍ: هُوَ مَا حَوْلَهَا خَارِجًا عَنْهَا تَشْبِيهًا بِالْأَبْنِيَةِ الَّتِي حَوْلَ الْمُدُنِ وَتَحْتَ الْقِلَاعِ، فَهُوَ صَرِيحُ اللُّغَةِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحِ الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ، وَيُؤَدِّي إِلَى الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ حِسًّا كَمَا قَالَهُ الْمُعْتَزِلَةُ مَعْنًى، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَدْنَاهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيِ: الْجِدَالَ (وَهُوَ مُحِقٌّ) أَيْ: صَادِقٌ وَمُتَكَلِّمٌ بِالْحَقِّ (بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: فِي أَوْسَطِهَا لِتَرْكِهِ كَسْرَ قَلْبِ مَنْ يُجَادِلُهُ وَدَفْعِهِ رِفْعَةَ نَفْسِهِ، وَإِظْهَارَ نَفَاسَةِ فَضْلِهِ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ مَعْنَى صَدْرِ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُبْطِلٌ، فَوُضِعَ الْكَذِبُ مَوْضِعَ الْمِرَاءِ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِيهِ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَلَوْ لَمْ يَتْرُكِ الْمِرَاءَ بُنِيَ لَهُ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّهُ حَفِظَ نَفْسَهُ عَنِ الْكَذِبِ، لَكِنْ مَا صَانَهَا عَنْ مُطْلَقِ الْمِرَاءِ، فَلِهَذَا يَكُونُ أَحَطَّ مَرْتَبَةٍ مِنْهُ. (وَمِنْ حَسَّنَ) : بِتَشْدِيدِ السِّينِ أَيْ: أَحْسَنَ بِالرِّيَاضَةِ (خُلُقَهُ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ اللَّامُ أَيْ: جَمِيعَ أَخْلَاقِهِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْمِرَاءُ وَتَرْكُ الْكَذِبِ (بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا) أَيْ: حِسًّا وَمَعْنًى، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخُلُقَ مُكْتَسَبٌ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ غَرِيزِيًّا، وَمِنْهُ خَبَرٌ صَحِيحٌ: «اللَّهُمَّ حَسِّنْ خُلُقِي كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي» ، وَكَذَا خَبْرُ مُسْلِمٍ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ» . قَالَ الْإِمَامُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ: حَدُّ

стр. 6665

الْمِرَاءِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى كَلَامِ الْغَيْرِ بِإِظْهَارِ خَلَلٍ فِيهِ، إِمَّا لَفْظًا أَوْ مَعْنًى، أَوْ فِي قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ وَتَرْكِ الْمِرَاءِ بِتَرْكِ الْإِنْكَارِ وَالِاعْتِرَاضِ، فَكُلُّ كَلَامٍ سَمِعْتَهُ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَصَدِّقْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا وَلَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِأُمُورِ الدِّينِ فَاسْكُتْ عَنْهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) . وَتَمَامُهُ: لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ. قَالَ مِيرَكُ: نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: وَسَلَمَةُ تُكِلَّمَ فِيهِ، لَكِنْ حَسَّنَ حَدِيثَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلِلْحَدِيثِ شَوَاهِدُ اهـ. فَالْحَدِيثُ حَسَنٌ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ (وَكَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: حَسَنٌ (وَفِي الْمَصَابِيحِ قَالَ: غَرِيبٌ) أَيْ: إِسْنَادًا لِمَا سَبَقَ، وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ حَسَنًا كَمَا قَرَّرْنَاهُ.

стр. 6666

٤٨٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَتُدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ تَقْوَى اللَّهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ. أَتُدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ الْأَجْوَفَانِ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٨٣٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَتُدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟) أَيْ: مَا أَكْثَرُ أَسْبَابِ إِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ مَعَ الْفَائِزِينَ (تَقْوَى اللَّهِ) : وَأَقَلُّهَا التَّقْوَى عَنِ الشِّرْكِ، وَأَعْلَاهَا عَنْ خُطُورِ مَا سِوَى اللَّهِ (وَحُسْنُ الْخُلُقِ) . أَيْ: مَعَ الْخَلْقِ، وَأَدْنَاهُ تَرْكُ أَذَاهُمْ، وَأَعْلَاهُ الْإِحْسَانُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ، وَفِيهِ مُبَادَرَةٌ إِلَى الْجَوَابِ حَيْثُ يَعْلَمُ جَهْلَ أَهْلِ الْخِطَابِ، وَفَائِدَةُ إِيرَادِ السُّؤَالِ أَوَّلًا إِبْهَامٌ وَتَفْصِيلٌ وَهُمَا يُوجِبَانِ إِيقَاعَ الْكَلَامِ وَتَأْثِيرَهُ فِي النُّفُوسِ أَكْثَرَ. ( «أَتُدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ الْأَجْوَفَانِ» ) أَيِ: الْمُجَوَّفَانِ أَوِ الْمُعْتَلَّانِ الْوَسَطِ عِلَّةً مَعْنَوِيَّةً (الْفَمُ وَالْفَرْجُ) ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ غَالِبًا بِسَبَبِهِمَا يَقَعُ فِي مُخَالَفَةِ الْخَالِقِ وَتَرْكِ الْمُخَالَفَةِ مَعَ الْمَخْلُوقِ، وَبِهِ يَظْهَرُ الِارْتِبَاطُ بَيْنَ الْقَرِينَتَيْنِ مِنَ الْكَلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْمَرَامِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: تَقْوَى اللَّهِ إِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْخَالِقِ بِأَنْ يَأْتِيَ جَمِيعَ مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَيَنْتَهِيَ عَمَّا نَهَى عَنْهُ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ إِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْخَلْقِ، وَهَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ مُوجِبَتَانِ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَنَقِيضُهُمَا النَّارُ، فَأَوْقَعَ الْفَمَ وَالْفَرْجَ مُقَابِلًا لَهُمَا، أَمَّا الْفَمُ فَمُشْتَمِلٌ عَلَى اللِّسَانِ وَحِفْظِ مَلَاكِ أَمْرِ الدِّينِ كُلِّهِ، وَأَكْلُ الْحَلَالِ رَأْسُ التَّقْوَى كُلِّهِ، وَأَمَّا الْفَرْجُ فَصَوْنُهُ مِنْ أَعْظَمِ مَرَاتِبِ الدِّينِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشَّهْوَةَ أَغْلَبُ الشَّهَوَاتِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَأَعْصَاهُ عَلَى الْعَقْلِ عِنْدَ الْهَيَجَانِ، وَمَنْ تَرَكَ الزِّنَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الْقُدْرَةِ وَارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ، وَتَيَسُّرِ الْأَسْبَابِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ صِدْقِ الشَّهْوَةِ وَصَلَ إِلَى دَرَجَةِ الصِّدِّيقِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] وَقِصَّةُ الرَّشِيدِ فِي تَعْلِيقِ طَلَاقِ زُبَيْدَةَ مَعَ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ مَشْهُورَةٌ، وَمَعْنَى الْأَكْثَرِيَّةِ فِي الْقَرِينَتَيْنِ أَنَّ أَكْثَرَ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ الْجَمْعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْخَلَّتَيْنِ، وَأَنَّ أَكْثَرَ أَسْبَابِ الشَّقَاوَةِ السَّرْمَدِيَّةِ الْجَمْعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 6667

٤٨٣٤ - وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الشَّرِّ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» ". رَوَاهُ " فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ". وَرَوَى مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ. ــ ٤٨٣٤ - (وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُزَنِيُّ سَكَنَ بِالِاسْتِعْرَاءِ وَرَاءَ الْمَدِينَةِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ وَعَلْقَمَةُ بْنُ الْوَقَّاصِ، مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ وَلَهُ ثَمَانُونَ سَنَةً. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الْخَيْرِ) : مِنْ بَيَانِيَّةٌ (مَا يَعْلَمُ) أَيِ: الرَّجُلُ (مَبْلَغَهَا) أَيْ: قَدْرَ تِلْكَ

стр. 6668

الْكَلِمَةِ وَمَرْتَبَتَهَا عِنْدَ اللَّهِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهَا يَسِيرَةٌ قَلِيلَةٌ، وَهَى عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ جَلِيلَةٌ (يَكْتُبُ اللَّهُ) أَيْ: يُثْبِتُ وَيُدِيمُ (لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُضَمُّ أَيْ: رِضَاهُ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ أَوْ مَفْعُولِهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِمُقَابَلَةِ الْقَرِينَةِ الْآتِيَةِ (إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ) . بِكَسْرِ الْمِيمِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَبِفَتْحِهَا فِي بَعْضِهَا وَبِالتَّنْوِينِ فِي بَعْضِهَا، وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ فِي يَلْقَاهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِلَى الْيَوْمِ، وَالْمُسْتَتِرُ إِلَى الرَّجُلِ، وَيُمْكِنُ عَكْسُهُ تَجَوُّزًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الضَّمِيرَيْنِ إِلَى اللَّهِ، وَالْآخَرُ إِلَى الرَّجُلِ فَتَأَمَّلْ. ( «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الشَّرِّ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ» ) أَيْ: غَضَبَهُ (إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ) . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هِيَ الْكَلِمَةُ عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَالْأُولَى لِيَرُدَّهُ بِهَا عَنْ ظُلْمٍ، وَالثَّانِيَةُ لِيَجُرَّهُ بِهَا إِلَى ظُلْمٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي تَفْسِيرِهَا بِذَلِكَ نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ فَإِنْ قُلْتَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ، وَمَا فَائِدَةُ التَّوْقِيتِ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ؟ قُلْتُ: مَعْنَى كَتْبِهِ رِضْوَانَ اللَّهِ تَوْفِيقُهُ لِمَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، فَيَعِيشُ فِي الدُّنْيَا حَمِيدًا، وَفِي الْبَرْزَخِ يُصَانُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيُفْسَحُ لَهُ قَبْرُهُ، وَيُقَالُ لَهُ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، وَيُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَعِيدًا، وَيُظِلُّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ، ثُمَّ يَلْقَى بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَفُوزُ بِلِقَاءِ اللَّهِ مَا كُلُّ ذَلِكَ دُونَهُ، وَفِي عَكْسِهِ قَوْلُهُ: يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لِإِبْلِيسَ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨] ، (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: هَذَا اللَّفْظَ (وَرَوَى مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، نَحْوَهُ) أَيْ: بِمَعْنَاهُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " وَفِي الْإِحْيَاءِ: وَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ: وَكَمْ مِنْ كَلَامٍ مَنَعْنِيهِ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ.

стр. 6669

٤٨٣٥ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَيْلٌ لِمَنْ يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٤٨٣٥ - (وَعَنْ بَهْزِ) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ فَزَايٍ (بْنِ حَكِيمٍ) تَابِعِيٌّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَلَمْ يُخْرِجِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا شَيْئًا مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: وَلَمْ أَرَ حَدِيثَهُ مُنْكَرًا (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ الْبَصْرِيِّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي صُحْبَتِهِ نَظَرٌ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَكِيمٍ وَقَتَادَةُ. (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ بِفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَيْلٌ) أَيْ: هَلَاكٌ عَظِيمٌ أَوْ وَادٍ عَمِيقٌ فِي جَهَنَّمَ (لِمَنْ يُحَدِّثُ) أَيْ: لِمَنْ يُخْبِرُ النَّاسَ (فَيَكْذِبُ) أَيْ: لَا يَصْدُقُ فِي تَحْدِيثِهِ وَإِخْبَارِهِ (لِيُضْحِكَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ حَائِهِ (بِهِ) أَيْ: بِسَبَبِ تَحْدِيثِهِ أَوِ الْكَذِبِ (الْقَوْمَ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ. هَكَذَا فِي النُّسَخِ وَيَجُوزُ فَتْحُ الْيَاءِ وَالْحَاءِ وَرَفْعُ الْقَوْمِ، ثُمَّ الْمَفْهُومُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثِ صِدْقٍ لِيُضْحِكَ الْقَوْمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، كَمَا صَدَرَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ ﵁ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ غَضِبَ عَلَى بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ مُزَاحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا وَلَا يُؤْذِي قَلْبًا وَلَا يُفَرِّطُ فِيهِ، فَإِنْ كُنْتَ أَيُّهَا السَّامِعُ تَقْتَصِرُ عَلَيْهِ أَحْيَانًا وَعَلَى النُّدُورِ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ، وَلَكِنْ مِنَ الْغَلَطِ الْعَظِيمِ أَنْ يَتَّخِذَ الْإِنْسَانُ الْمُزَاحَ حِرْفَةً، وَيُوَاظِبَ عَلَيْهِ، وَيُفَرِّطَ فِيهِ، ثُمَّ يَتَمَسَّكَ لِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ كَمَنْ يَدُورُ مَعَ الزُّنُوجِ أَبَدًا لِيَنْظُرَ إِلَى رَقْصِهِمْ، وَيَتَمَسَّكَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -

стр. 6670

أَذِنَ لِعَائِشَةَ ﵂ فِي النَّظَرِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ) إِنَّمَا أَعَادَهُ مَرَّتَيْنِ لِلتَّأْكِيدِ أَوْ أَوَّلُهَا لِلْبَرْزَخِ، وَثَانِيهَا لِلْمَوْقِفِ، وَثَالِثُهَا لِلنَّارِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) . أَيْ وَقَالَ: حَسَنٌ اهـ. وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ فِي بَهْزٍ وَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) . وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ.

стр. 6671

٤٨٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَقُولُ الْكَلِمَةَ لَا يَقُولُهَا إِلَّا لِيُضْحِكَ بِهِ النَّاسَ، يَهْوِي بِهَا أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّهُ لَيَزِلُّ عَنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَزِلُّ عَنْ قَدَمِهِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٨٣٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْعَبْدَ) أَيِ: الشَّخْصَ (لَيَقُولُ الْكَلِمَةَ) أَيِ: الْكَاذِبَةَ (لَا يَقُولُهَا إِلَّا لِيُضْحِكَ بِهِ النَّاسَ) أَيْ: بِتَلَفُّظِهَا أَوِ الْمُرَادُ بِهَا الْكَلَامُ عَلَى أَنَّهَا كَلِمَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْ أَعَمَّ عَامُّ الْغَرَضِ (يَهْوِي) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ: يَسْقُطُ فِي جَهَنَّمَ (بِهَا) أَيْ: بِسَبَبِهَا (أَبْعَدَ) أَيْ: هَوْيًا وَسُقُوطًا أَبْعَدَ (مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) وَفِي نُسْخَةٍ: أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَبْعُدُ بِهِمَا عَنِ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ بُعْدًا أَبْعَدَ مَا بَيْنَهُمَا (وَإِنَّهُ) أَيِ: الْعَبْدُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، فَلَا يُرَدُّ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِذَا أُعِيدَتْ تَكُونُ عَيْنَ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ. (لَيَزِلُّ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: لَيَعْثُرُ وَيَزْلِقُ وَيَخْطَأُ (عَنْ لِسَانِهِ) أَيْ: عَنْ جِهَتِهِ وَمِنْ قِبَلِهِ وَبِسَبَبِهِ (أَشَدَّ) أَيْ: زَلَلًا أَقْوَى وَأَكْثَرَ (مِمَّا يَزِلُّ عَنْ قَدَمِهِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ صُدُورَ الْكَذِبِ وَنَحْوِهِ عَنْ لِسَانِهِ أَضَرُّ عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرِ سُقُوطِهِ عَنْ رِجْلِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِنَّ الضَّرَرَ الْبَدَنِيَّ أَهْوَنُ مِنَ الضَّرَرِ الدِّينِيِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: وَإِنَّهُ لَيَزِلُّ عَنْ لِسَانِهِ تَمْثِيلٌ بَعْدَ تَمْثِيلٍ مَثَّلَ أَوَّلًا مَضَرَّتَهُ مِنْهَا فِي جَاهِهِ، وَسُقُوطَهُ مِنْ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَنْ سَقَطَ مِنْ أَعْلَى مَكَانٍ إِلَى أَدْنَاهُ، ثُمَّ مَثَّلَ ثَانِيًا مَضَرَّتَهُ بِهَا فِي نَفْسِهِ، وَمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ بِمَنْ يَتَرَدَّدُ فِي وَحْلٍ عَظِيمٍ فَيَدْحَضُ قَدَمَاهُ فِي تِلْكَ الْمَزَالِقِ قَلَّمَا يَتَخَلَّصُ مِنْهَا. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . قَالَ مِيرَكُ نَاقِلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا تَبَيَّنَ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ» ". وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ: " «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يُرِيدُ بِهَا بَأْسًا لِيُضْحِكَ بِهَا الْقَوْمَ وَإِنَّهُ لَيَقَعُ بِهَا أَبْعَدَ مِنَ السَّمَاءِ» ".

стр. 6672

٤٨٣٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَمَتَ نَجَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٨٣٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ صَمَتَ) أَيْ: سَكَتَ عَنِ الشَّرِّ (نَجَا) أَيْ: فَازَ وَظَفَرَ بِكُلِّ خَيْرٍ، أَوْ نَجَا مِنْ آفَاتِ الدَّارَيْنِ. قَالَ الرَّاغِبُ: الصَّمْتُ أَبْلَغُ مِنَ السُّكُوتِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا قُوَّةَ لَهُ لِلنُّطْقِ وَفِيمَا لَهُ قُوَّةُ النُّطْقِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ لِمَا لَا نُطْقَ لَهُ الصَّامِتُ وَالْمُصْمَتُ، وَالسُّكُوتُ يُقَالُ لِمَا لَهُ نُطْقٌ فَيَتْرُكُ اسْتِعْمَالَهُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ﷺ مِنْ فَصْلِ الْخِطَابِ وَجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَجَوَاهِرِ الْحِكَمِ، وَلَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَا تَحْتَ كَلِمَاتِهِ مِنْ بِحَارِ الْمَعَانِي إِلَّا خَوَاصُّ الْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ خَطَرَ اللِّسَانِ عَظِيمٌ وَآفَاتُهُ كَثِيرَةٌ مِنَ الْخَطَأِ وَالْكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْغِيبَةِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالنِّفَاقِ وَالْفُحْشِ وَالْمِرَاءِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَالْخَوْضِ فِي الْبَاطِلِ وَغَيْرِهَا. وَمَعَ ذَلِكَ النَّفْسُ مَائِلَةٌ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا سَبَّاقَةٌ إِلَى اللِّسَانِ لَا تَثْقُلُ عَلَيْهِ وَلَهَا حَلَاوَةٌ فِي النَّفْسِ وَعَلَيْهَا بَوَاعِثُ مِنَ

стр. 6673

الطَّبْعِ وَالشَّيْطَانِ، فَالْخَائِضُ فِيهَا قَلَّمَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَزُمَّ اللِّسَانَ فَيُطْلِقَهُ بِمَا يَجِبُ، وَيَكُفَّهُ عَمَّا لَا يَجِبُ، فَفِي الْخَوْضِ خَطَرٌ، وَفِي الصَّمْتِ سَلَامَةٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ جَمْعِ الْهَمِّ وَدَوَامِ الْوَقَارِ وَالْفَرَاغَةِ لِلْفِكْرِ وَالْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ تَبِعَاتِ الْقَوْلِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ حِسَابِهِ فِي الْعُقْبَى، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وَيَدُلُّكَ عَلَى لُزُومِ الصَّمْتِ أَمْرٌ، وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامِ قِسْمٌ هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ، وَقِسْمٌ هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ، وَقِسْمٌ فِيهِ ضَرَرٌ وَمَنْفَعَةٌ، وَقِسْمٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ وَلَا مَنْفَعَةَ، أَمَّا الَّذِي هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ، فَلَا بُدَّ مِنَ السُّكُوتِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَا فِيهِ ضَرَرٌ وَمَنْفَعَةٌ لَا تَفِي بِالضَّرَرِ، وَأَمَّا مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ فَهُوَ فُضُولٌ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ تَضْيِيعُ زَمَانٍ، وَهُوَ عَيْنُ الْخُسْرَانِ ظَاهِرًا، فَلَا يَبْقَى إِلَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ، وَفِيهِ خَطَرٌ إِذَا قَدْ يَمْتَزِجُ بِهِ مَا فِيهِ إِثْمٌ مِنْ دَقَائِقِ الرِّيَاءِ وَالتَّصَنُّعِ وَالْغِيبَةِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَفُضُولِ الْكَلَامِ امْتِزَاجًا يَخْفَى مَدْرَكُهُ، فَيَكُونُ الْإِنْسَانُ بِهِ مُخَاطِرًا اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ آفَاتَ اللِّسَانِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، وَفِي الصَّمْتِ خَلَاصٌ مِنْهَا، وَقَدْ قِيلَ: اللِّسَانُ جُرْمُهُ صَغِيرٌ وَجُرْمُهُ كَبِيرٌ وَكَثِيرٌ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 6674

٤٨٣٨ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: «لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: مَا النَّجَاةُ؟ فَقَالَ: " أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٨٣٨ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) أَيِ: الْجُهَنِيِّ (قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: مَا النَّجَاةُ؟) أَيْ: مَا نَجَاةُ هَذَا الْأَمْرِ حَتَّى نَتَعَلَّقَ بِهِ، أَوْ مَا الْخَلَاصُ عَنِ الْآفَاتِ حَتَّى أَحْتَرِسَ بِهِ؟ (فَقَالَ: أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيِ: احْفَظْ لِسَانَكَ عَمَّا لَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ كَمَا قَالَهُ شَارِحٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَمْسِكْ لِسَانَكَ حَافِظًا عَلَيْكَ أُمُورَكَ، مُرَاعِيًا لِأَحْوَالِكَ، فَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّضْمِينِ، وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: لَا تُجْرِهِ إِلَّا بِمَا يَكُونُ لَكَ لَا عَلَيْكَ اهـ. وَهُوَ حَاصِلُ الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى. وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَيِ: اجْعَلْ لِسَانَكَ مَمْلُوكًا لَكَ فِيمَا عَلَيْكَ وَبَالُهُ وَتَبِعَتُهُ، فَأَمْسِكْهُ عَمَّا يَضُرُّكَ وَأَطْلِقْهُ فِيمَا يَنْفَعُكَ اهـ. وَهُوَ نَاظِرٌ إِلَى أَنَّ الصِّيغَةَ مِنَ الثُّلَاثِي الْمُجَرَّدِ، فَفِي الْقَامُوسِ مَلَكَهُ يَمْلِكُهُ مِلْكًا مُثَلَّثَةً: احْتَوَاهُ قَادِرًا عَلَى الِاسْتِبْدَادِيَّةِ، وَأَمْلَكَهُ الشَّيْءَ إِيَّاهُ تَمْلِيكًا بِمَعْنَى، لَكِنَّ النُّسَخَ الْمُصَحَّحَةَ وَالْأُصُولَ الْمُعْتَمَدَةَ بِصِيغَةِ الْمَزِيدِ مَضْبُوطَةٌ، نَعَمْ كَتَبَ مِيرَكْشَاهْ عَلَى هَامِشِ كِتَابِهِ: الظَّاهِرُ امْلِكْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ مُتَعَدٍّ، لَكِنْ فِي الْأَصْلِ صُحِّحَ مِنَ الثُّلَاثِي الْمَزِيدِ فِيهِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، تَأَمَّلْ. قُلْتُ: لَعَلَّ الزِّيَادَةَ لِزِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْدِيَةِ فَتَدَبَّرْ، هَذَا وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْجَوَابُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، سُئِلَ عَنْ حَقِيقَةِ النَّجَاةِ؟ فَأَجَابَ عَنْ سَبَبِهِ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ بِحَالِهِ، وَأَوْلَى. وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: حِفْظُ اللِّسَانِ، فَأَخْرَجَهُ عَلَى سَبِيلِ الْأَمْرِ الَّذِي يَقْتَضِي الْوُجُوبَ مَزِيدًا لِلتَّقْرِيرِ وَالِاهْتِمَامِ اهـ. وَمَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ لَا يَخْفَى، بَلْ مِنَ التَّعَسُّفِ فِي حَقِّ الصَّحَابِيِّ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْعُدُولَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ حَقِيقَةَ النَّجَاةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَوْلَى، فَالصَّوَابُ أَنَّ تَقْدِيرَ السُّؤَالِ مَا سَبَبُ النَّجَاةِ بِقَرِينَةِ الْجَوَابِ، وَقَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ إِلَى تَقْرِيرِ تَقْدِيرٍ آخَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَلْيَسَعْكَ) : بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ (بَيْتُكَ) بِأَنْ تَسْكُنَ فِيهِ وَلَا تَخْرُجَ مِنْهُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَلَا تَضْجَرْ مِنَ الْجُلُوسِ فِيهِ، بَلْ تَجْعَلْهُ مِنْ بَابِ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ سَبَبُ الْخَلَاصِ مِنَ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ؛ وَلِذَا قِيلَ: هَذَا زَمَانُ السُّكُوتِ وَمُلَازَمَةُ الْبُيُوتِ وَالْقَنَاعَةُ بِالْقُوتِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَمْرُ فِي الظَّاهِرِ وَارِدٌ عَلَى الْبَيْتِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ عَلَى الْمُخَاطَبِ أَيْ: تَعَرَّضَ لِمَا هُوَ سَبَبٌ لِلُزُومِ الْبَيْتِ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِاللَّهِ، وَالْمُؤَانَسَةِ بِطَاعَتِهِ، وَالْخَلْوَةِ عَنِ الْأَغْيَارِ (وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ) . أَيِ: ابْكِ إِنْ تَقْدِرْ، وَإِلَّا فَتَبَاكَ نَادِمًا عَلَى مَعْصِيَتِكَ فِيمَا سَبَقَ مِنْ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ضَمَّنَ بَكَى مَعْنَى النَّدَامَةِ، وَعَدَّاهُ بِعَلَى أَيِ: انْدَمْ عَلَى خَطِيئَتِكَ بَاكِيًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) رَوَى ابْنُ نَافِعٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ صَدْرَ الْحَدِيثِ فَقَطْ، وَهُوَ: أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ.

стр. 6675

٤٨٣٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ رَفَعَهُ قَالَ: " «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ، فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٨٣٩ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أَيِ: الْخُدْرِيِّ (رَفَعَهُ) ، أَيْ: أَسْنَدَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا أَبْهَمَهُ الرَّاوِي ; لِأَنَّهُ شَكَّ فِي كَيْفِيَّةِ رَفْعِهِ، أَنَّهُ هَلْ هُوَ بِصِيغَةِ السَّمْعِ أَوِ الْقَوْلِ وَنَحْوِهِمَا؟ (قَالَ: إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ) أَيْ: دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ وَهُوَ مِفْتَاحُ بَابِ النَّجَاحِ ; لِأَنَّ آفَاتِ اللِّسَانِ إِنَّمَا هِيَ بِمُعَاشَرَةِ الْإِخْوَانِ، وَهِيَ فِي النَّهَارِ أَكْثَرُ بِاعْتِبَارِ أَغْلَبِ الْأَزْمَانِ (فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ) أَيِ: الَّتِي يَتَأَتَّى مِنْهَا الْعِصْيَانُ أَوْ مُطْلَقُهَا، فَإِنَّ لَهَا تَعَلُّقًا مَا فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ لِلْإِنْسَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَأْكِيدُهَا بِقَوْلِهِ: (كُلَّهَا تُكَفِّرُ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: تَتَذَلَّلُ وَتَتَوَاضَعُ (اللِّسَانَ) : مِنْ قَوْلِهِمْ: كَفَرَ الْيَهُودِيُّ: إِذَا خَضَعَ مُطَأْطِئًا رَأْسَهُ وَانْحَنَى لِتَعْظِيمِ صَاحِبِهِ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ. وَفِي النِّهَايَةِ: التَّكْفِيرُ هُوَ أَنْ يَنْحَنِيَ الْإِنْسَانُ وَيُطَأْطِئَ رَأْسَهُ قَرِيبًا مِنَ الرُّكُوعِ كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يُرِيدُ تَعْظِيمَ صَاحِبِهِ (فَتَقُولُ) أَيِ: الْأَعْضَاءُ لَهُ (اتَّقِ اللَّهَ فِينَا) ، أَيْ: فِي حِفْظِ حُقُوقِنَا (فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ) ، أَيْ: نَتَعَلَّقُ وَنَسْتَقِيمُ وَنَعْوَجُّ بِكَ (فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجَسَدِ لَمُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ". قُلْتُ: اللِّسَانُ تُرْجُمَانُ الْقَلْبِ وَخَلِيفَتُهُ فِي ظَاهِرِ الْبَدَنِ، فَإِذَا أُسْنِدَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ فِي الْحُكْمِ كَمَا فِي قَوْلِكَ: شَفَى الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ. قَالَ الْمَيْدَانِيُّ قَوْلُهُ: الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ، يَعْنِي بِهِمَا الْقَلْبَ وَاللِّسَانَ أَيْ: يَقُومُ وَيُكْمِلُ مَعَانِيَهُ بِهِمَا، وَأَنْشَدَ لِزُهَيْرٍ: وَكَائِنٌ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجَبٍ ... زِيَادَتَهُ أَوْ نَقْصَهُ فِي التَّكَلُّمِ لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ ... فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ اهـ. وَلَا يَخْفَى ظُهُورُ تَوَقُّفِ صَلَاحِ الْأَعْضَاءِ وَفَسَادِهَا عَلَى الْقَلْبِ بِحَسْبِ صَلَاحِهِ وَفَسَادِهِ، فَإِنَّهُ مَعْدِنُ الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ، كَمَا أَنَّهُ مَنْبَعُ الْأَحْوَالِ الذَّمِيمَةِ، وَنَظِيرُهُ الْمَلِكُ الْمُطَاعُ وَالرَّئِيسُ الْمُتَّبَعُ، فَإِنَّهُ إِذَا صَلَحَ الْمَتْبُوعُ صَلَحَ التَّبَعُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَكَابِرِ الصُّوفِيَّةِ: إِنَّ الْبَطْنَ عُضْوٌ إِنْ جَاعَ هُوَ شَبِعَ سَائِرُ الْأَعْضَاءِ، يَعْنِي: سَكَنَ، فَلَا يُطَالِبُكَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ شَبِعَ هُوَ جَاعَ سَائِرُ الْأَعْضَاءِ، وَبَيَانُهُ عَلَى مَا فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ: أَنَّ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ فِتْنَةَ الْأَعْضَاءِ وَانْبِعَاثَهَا لِلْفُضُولِ وَالْفَسَادِ، فَالرَّجُلُ إِذَا كَانَ شَبْعَانَ بَطِرًا اشْتَهَتْ عَيْنُهُ النَّظَرَ إِلَى مَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ حَرَامٍ أَوْ فُضُولٍ، وَالْأُذُنُ الِاسْتِمَاعَ إِلَيْهِ، وَاللِّسَانُ التَّكَلُّمَ بِهِ، وَالْفَرْجُ الشَّهْوَةَ، وَالرِّجْلُ الْمَشْيَ إِلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ جَائِعًا فَتَكُونُ الْأَعْضَاءُ كُلُّهَا سَاكِنَةً هَادِئَةً لَا تَطْمَحُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَلَا تَنْشَطُ لَهُ، وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ أَفْعَالَ الرَّجُلِ وَأَقْوَالَهُ عَلَى حَسَبِ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ إِنْ دَخَلَ الْحَرَامُ خَرَجَ الْحَرَامُ، وَإِنْ دَخَلَ الْفُضُولُ خَرَجَ الْفُضُولُ كَانَ الطَّعَامُ بَذْرَ الْأَفْعَالِ وَالْأَفْعَالُ نَبْتًا يَبْدُو مِنْهُ، فَهَذَا الْمَعْنَى ظَاهِرٌ جِدًّا فِي أَمْرِ الْقَلْبِ وَالْبَطْنِ، وَأَمَّا تَعَلُّقُ الْأَعْضَاءِ جَمِيعِهَا بِاللِّسَانِ، فَلَمْ يَظْهَرْ لِي مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ حَتَّى أَلْهَمَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِبَرَكَةِ الصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَهُوَ أَنَّ اللِّسَانَ مِنْ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ آلَةُ الْبَيَانِ لِلْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، فَمَعَ اسْتِقَامَتِهِ تَنْفَعُهُ اسْتِقَامَةُ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَمَعَ اعْوِجَاجِهِ تَبْطُلُ أَحْوَالُهَا، سَوَاءٌ تَكُونُ مُسْتَقِيمَةً أَوْ مُعْوَجَّةً فِي أَفْعَالِهَا، وَاللَّهُ الْمُلْهِمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَكَذَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ.

стр. 6676

٤٨٤٠ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ. ــ ٤٨٤٠ - (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ) ، أَيِ: ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵃ وَهُوَ الْإِمَامُ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، وَقَدْ سَبَقَ بَعْضُ مَنَاقِبِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَحَاسِنِ مَرَاتِبِهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ مَحَاسِنِ إِسْلَامِ الشَّخْصِ وَكَمَالِ إِيمَانِهِ (تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ) ، أَيْ: مَا لَا يُهِمُّهُ وَلَا يَلِيقُ بِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا وَنَظَرًا

стр. 6677

وَفِكْرًا، فَحُسْنُ الْإِسْلَامِ عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِهِ، وَهُوَ أَنْ تَسْتَقِيمَ نَفْسُهُ فِي الْإِذْعَانِ لِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَوَاهِيهِ، وَالِاسْتِسْلَامِ لِأَحْكَامِهِ عَلَى وَفْقِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فِيهِ، وَهُوَ عَلَامَةُ شَرْحِ الصَّدْرِ بِنُورِ الرَّبِّ، وَنُزُولِ السِّكِّينَةِ عَلَى الْقَلْبِ، وَحَقِيقَةُ مَا لَا يَعْنِيهِ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي ضَرُورَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَلَا يَنْفَعُهُ فِي مَرْضَاةِ مَوْلَاهُ بِأَنْ يَكُونَ عَيْشُهُ بِدُونِهِ مُمْكِنًا، وَهُوَ فِي اسْتِقَامَةِ حَالِهِ بِغَيْرِهِ مُتَمَكِّنًا، وَذَلِكَ يَشْمَلُ الْأَفْعَالَ الزَّائِدَةَ وَالْأَقْوَالَ الْفَاضِلَةَ، فَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْأُمُورِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا صَلَاحُهُ فِي نَفْسِهِ فِي أَمْرِ زَادِهِ بِإِصْلَاحِ طَرَفَيْ مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَبِالسَّعْيِ فِي الْكَمَالَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْفَضَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ الَّتِي هِيَ وَسِيلَةٌ إِلَى نَيْلِ السَّعَادَاتِ الْأَبَدِيَّةِ، وَالْفَوْزِ بِالنِّعَمِ السَّرْمَدِيَّةِ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَحَدُّ مَا لَا يَعْنِيكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِكُلِّ مَا لَوْ سَكَتَّ عَنْهُ لَمْ تَأْثَمْ وَلَمْ تَتَضَرَّرْ فِي حَالٍ وَلَا مَآلٍ، وَمِثَالُهُ: أَنْ تَجْلِسَ مَعَ قَوْمٍ فَتَحْكِيَ مَعَهُمْ أَسْفَارَكَ وَمَا رَأَيْتَ فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وَأَنْهَارٍ، وَمَا وَقَعَ لَكَ مِنَ الْوَقَائِعِ، وَمَا اسْتَحْسَنْتَهُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالثِّيَابِ، وَمَا تَعَجَّبْتَ مِنْهُ مِنْ مَشَايِخِ الْبِلَادِ وَوَقَائِعِهِمْ، فَهَذِهِ أُمُورٌ لَوْ سَكَتَّ عَنْهَا لَمْ تَأْثَمْ وَلَمْ تَتَضَرَّرْ، وَإِذَا بَالَغْتَ فِي الِاجْتِهَادِ حَتَّى لَمْ يَمْتَزِجْ بِحِكَايَتِكَ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانُ، وَلَا تَزْكِيَةُ نَفْسٍ مِنْ حَيْثُ التَّفَاخُرِ بِمُشَاهَدَةِ الْأَحْوَالِ الْعَظِيمَةِ، وَلَا اغْتِيَابٌ لِشَخْصٍ، وَلَا مَذَمَّةٌ لِشَيْءٍ مِمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَنْتَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ مُضَيِّعُ زَمَانِكَ، وَمُحَاسَبٌ عَلَى عَمَلِ لِسَانِكَ إِذْ تَسْتَبْدِلُ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ; لِأَنَّكَ لَوْ صَرَفْتَ زَمَانَ الْكَلَامِ فِي الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ رُبَّمَا يَنْفَتِحُ لَكَ مِنْ نَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَعْظُمُ جَدْوَاهُ، وَلَوْ سَبَّحْتَ اللَّهَ بُنِيَ لَكَ بِهِمَا قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كَنْزًا مِنَ الْكُنُوزِ فَأَخَذَ بَدَلَهُ بَدْرَةً لَا يَنْتَفِعُ بِهَا كَانَ خَاسِرًا خُسْرَانًا مُبِينًا، وَهَذَا عَلَى فَرْضِ السَّلَامَةِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي كَلَامِ الْمَعْصِيَةِ، وَأَنَّى تَسْلَمُ مِنَ الْآفَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؟ وَذُكِرَ أَنَّ بَعْضَ الْعَارِفِينَ مَرَّ عَلَى غُرْفَةٍ بُنِيَتْ فَقَالَ: مُذْ كَمْ بُنِيَتْ هَذِهِ؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: يَا نَفْسِيَ الْمَغْرُورَةُ تَسْأَلِينَ عَمَّا لَا يَعْنِيكِ وَعَاقَبَهَا بِصَوْمِ سَنَةٍ. اهـ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا» ، عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا. «فَطُوبَى لِمَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ» . قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ - وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٨ - ١٩] قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ، وَمَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَقِيلَ: مَا تَكَلَّمَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ بِكَلَامِ الدُّنْيَا عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ إِذَا أَصْبَحَ وَضَعَ قِرْطَاسًا نَقِيًّا وَقَلَمًا، فَكُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ كَتَبَهُ ثُمَّ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْمَسَاءِ، هَذَا وَعَنْ بَعْضِهِمْ " مِنْ " فِي قَوْلِهِ: مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَيَانِيَّةً. اهـ. وَبَيَانُهُ: أَنَّ تَرْكَهُ مَا لَا يَعْنِيهِ هُوَ حُسْنُ إِسْلَامِ الْمَرْءِ وَكَمَالُهُ فِيهِ، وَتَقَدَّمَ الْخَبَرُ لِكَوْنِ التَّرْكِيبِ مِنْ بَابِ: عَلَى التَّمْرَةِ مِثْلُهَا زُبْدًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعَلَى أَنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : " «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» ". الْحَدِيثَ، بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ التَّحْلِيَةَ مَسْبُوقَةٌ بِالتَّخْلِيَةِ، فَالتَّرْكُ بَعْضٌ مِنَ الْإِحْسَانِ، فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى الِانْسِلَاخِ عَمَّا يَشْغَلُهُ عَنِ اللَّهِ، فَإِذَا أَخَذَ السَّالِكُ فِي السُّلُوكِ تَجَرَّدَ بِحَسْبِ أَحْوَالِهِ وَمَقَامَاتِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، مِمَّا لَا يَعْنِيهِ إِلَى أَنْ يَتَجَرَّدَ عَنْ جَمِيعِ أَوْصَافِهِ، وَيَتَوَجَّهُ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَإِلَيْهِ يُلْمِحُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢] ، وَقَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْإِسْلَامِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهِيَ أَرْبَعَةٌ، الْأَوَّلُ حَدِيثُ نُعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ: " «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ» "، الثَّانِي: " «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ".

стр. 6678

الثَّالِثُ: " «لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ". الرَّابِعُ: " «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» " وَقِيلَ بَدَلَ الثَّالِثِ: " «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» ". وَأَنْشَدَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي مَعْنَاهُ: عُمْدَةُ الْخَيْرِ عِنْدَنَا كَلِمَاتٌ أَرْبَعُ ... قَالَهُنَّ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ اتَّقِ الشُّبُهَاتِ وَازْهَدْ وَدَعْ ... مَا لَيْسَ يَعْنِيكَ وَاعْمَلْنَ بِنِيَّةِ قُلْتُ: مَدَارُ الْأَرْبَعَةِ السُّنِّيَّةِ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ، فَإِنَّهُ إِذَا عَمِلَ بِالنِّيَّةِ الْمُرْتَبِطَةِ بِحُسْنِ الطَّوِيَّةِ يُورِثُ لَهُ اتِّقَاءَ الشُّبُهَاتِ أَكْلًا، وَتَرْكَ مَا لَا يَعْنِيهِ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا وَالزُّهْدُ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ بِالْأَوْلَى، فَيُحِبُّ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحِبُّونَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، «فَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ جَعَلْتُ فِي شَرْحِهِ رِسَالَةً تُعَيِّنُ مَبَانِيَهُ وَتُبَيِّنُ مَعَانِيَهُ. (رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ) أَيْ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ.

стр. 6679

٤٨٤١ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " عَنْهُمَا. ــ ٤٨٤١ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) أَيْ: فِي جَامِعِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْهُمَا) . أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مَعًا، إِمَّا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي حَدِيثَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَاكِمُ فِي الْكُنَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَالشِّيرَازِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَالْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، يُكْنَى أَبَا الْحَسَنِ الْمَعْرُوفُ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ، مِنْ أَكَابِرِ سَادَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَمِنْ أَجِلَّةِ التَّابِعِينَ وَأَعْيَانِهِمْ. اهـ. فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ أَوْ أَوَّلِهِ: مُرْسَلًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ (عَنْ أَبِيهِ) سَاقِطًا أَوْ وَقَعَ تَغْيِيرٌ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ أَوِ الْمُصَنِّفِينَ، وَأَصْلُهُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى مَا نَقَلْنَاهُ عَنِ الْجَامِعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْتُ كَلَامَ مَيْرَكَ حَيْثُ قَالَ: حَدِيثُ " «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «إِنَّ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ» " إِلَخْ. قَالَ. وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ. قَالَ: وَهَذَا عِنْدَنَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. اهـ. كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ، وَطَرِيقُهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَيِّدَةٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ: الصَّوَابُ أَنَّهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلٌ، كَذَا قَالَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 6680

٤٨٤٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَوَلَا تَدْرِي، فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، أَوْ بَخِلَ بِمَا لَا يُنْقِصُهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٨٤٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَوَلَا تَدْرِي) . بِفَتْحِ الْوَاوِ أَنَّهَا عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ: تُبَشِّرُ وَلَا تَدْرِي، أَوْ أَتَقُولُ هَذَا وَلَا تَدْرِي مَا تَقُولُ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَالِ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّكَ لَا تَدْرِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِهَا وَهِيَ رِوَايَةٌ فَـ (أَوْ) عَاطِفَةٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْضًا أَيْ: أَتَدْرِي أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ لَا تَدْرِي، وَالْمَعْنَى: بِأَيِّ شَيْءٍ عَلِمْتَ ذَلِكَ، أَوْ كَيْفَ دَرَيْتَ مَا لَمْ يَدْرِ غَيْرُكَ؟ (فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ) ، أَيْ: فِيمَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ (أَوْ بَخِلَ بِمَا لَا يُنْقِصُهُ) . أَيْ: مِمَّا لَا يُغْنِيهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ أَوِ الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ، أَوْ إِعْطَاءِ الْمَاعُونِ بِالْعَارِيَةِ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلرَّجُلِ.

стр. 6681

وَالْمَرْفُوعُ لِمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَقَدَ كَعْبًا فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَرِيضٌ، فَخَرَجَ يَمْشِي حَتَّى أَتَاهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: " أَبْشِرْ يَا كَعْبُ " فَقَالَتْ أُمُّهُ: هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ يَا كَعْبُ. فَقَالَ: " مَنْ هَذِهِ الْمُتَأَلِّيَةُ عَلَى اللَّهِ؟ " قَالَ: هِيَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " وَمَا يُدْرِيكِ يَا أُمَّ كَعْبٍ، لَعَلَّ كَعْبًا قَالَ مَا لَا يَعْنِيهِ، أَوْ مَنَعَ مَا لَا يُغْنِيهِ» ". وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِنَّمَا تَتَهَنَّأُ الْجَنَّةُ لِمَنْ لَا يُحَاسَبُ وَلَا يُعَاقَبُ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ حُوسِبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَلَا تَتَهَنَّأُ لَهُ الْجَنَّةُ مَعَ الْمُنَاقَشَةِ فِي الْحِسَابِ، فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْعَذَابِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَغْدَادِيَّ شَيْخَ التِّرْمِذِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، كَذَا فِي التَّصْحِيحِ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ. اهـ. وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَأَبُو يَعْلَى «عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا قَالَ: اسْتُشْهِدَ مِنَّا رَجُلٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَوُجِدَ عَلَى بَطْنِهِ صَخْرَةٌ مَرْبُوطَةٌ مِنَ الْجُوعِ، فَمَسَحَتْ أُمُّهُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَتْ: هَنِيئًا لَكَ يَا بُنَيَّ الْجَنَّةُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا يُدْرِيكِ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَمْنَعُ مَا لَا يَضُرُّهُ» ". وَرَوَى أَبُو يَعْلَى أَيْضًا، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَهِيدًا، فَبَكَتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ وَقَالَتْ: وَاشَهِيدَاهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا يُدْرِيكِ أَنَّهُ شَهِيدٌ لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ أَوْ يَبْخَلُ بِمَا لَا يُنْقِصُهُ» ". وَفَّقَنَا اللَّهُ لِمَا يَعْنِينَا وَعَنْ سِوَى مَرْضَاتِهِ يُغْنِينَا.

стр. 6682

٤٨٤٣ - «وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ وَقَالَ: " هَذَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. ــ ٤٨٤٣ - (وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيْ: ابْنُ رَبِيعَةَ (الثَّقَفِيِّ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكْنَى أَبَا عَمْرٍو، يُعَدُّ فِي أَهْلِ الطَّائِفِ لَهُ صُحْبَةٌ، وَكَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى الطَّائِفِ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ، وَالصَّوَابُ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟) : " مَا " الْأُولَى اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَخْوَفُ، وَهُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ نَحْوَ: أَشْهَدُ وَأَلْوَمُ وَأَشْعَلُ، وَ " مَا " الثَّانِيَةُ مُضَافٌ إِلَيْهِ لِـ (أَخْوَفُ) وَهِيَ مَوْصُولَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَخْوَفُ أَشْيَاءَ تَخَافُ مِنْهَا عَلَيَّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ. " مَا " فِي (مَا تَخَافُ) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أَوْ مَوْصُوفَةً، وَأَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً عَلَى طَرِيقَةِ جَدَّ جَدُّهُ وَجَنَّ جُنُونُهُ وَخَشِيتُ خَشْيَتَهُ. (قَالَ) أَيْ: سُفْيَانُ (فَأَخَذَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (بِلِسَانِ نَفْسِهِ) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِمَزِيدِ التَّعْدِيَةِ (وَقَالَ: هَذَا) : هُوَ مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ، وَالْمَعْنَى هَذَا أَكْثَرُ خَوْفِي عَلَيْكَ مِنْهُ. قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَإِنَّمَا أَسْنَدَ ﷺ شِدَّةَ خَوْفِهِ عَلَى أُمَّتِهِ فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ إِلَى اللِّسَانِ ; لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْأَعْضَاءِ عَمَلًا، إِذْ مَا مِنْ طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ إِلَّا وَلَهُ فِيهَا مَجَالٌ، فَمَنْ أَطْلَقَ عَذَبَةَ اللِّسَانِ وَأَهْمَلَهُ مُرَخَّى الْعِنَانَ سَلَكَ بِهِ الشَّيْطَانُ فِي كُلِّ مَيْدَانٍ، وَسَاقَهُ إِلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ إِلَى أَنْ يَضْطَرَّهُ إِلَى الْبَوَارِ، وَلَا يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلَا يُنَجِّي مِنْ شَرِّهِ إِلَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِلِجَامِ الشَّرْعِ، وَعِلْمُ مَا يُحْمَدُ إِطْلَاقُ اللِّسَانِ فِيهِ أَوْ يُذَمُّ غَامِضٌ عَزِيزٌ، وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ عَلَى مَنْ عَرَفَهُ ثَقِيلٌ عَسِيرٌ، لَكِنْ عَلَى مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ يَسِيرٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) . قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.

стр. 6683

٤٨٤٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلًا مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٨٤٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ) أَيِ: الْحَفَظَةُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ عَنْهُ مُؤَخَّرٌ (مِيلًا) : وَهُوَ ثُلُثُ الْفَرْسَخِ أَوْ قِطْعَةٌ مِنَ الْأَرْضِ أَوْ مَدُّ الْبَصَرِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ) . أَيْ: عُفُونَتُهُ وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ التَّاءِ. فِي الْقَامُوسِ: هُوَ ضِدُّ الْفَرَحِ، وَالْمَعْنَى مِنْ نَتْنِ شَيْءٍ جَاءَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِالنَّتْنِ أَيْ: مِنْ نَتْنِ الْكَذِبِ، أَوْ جَاءَ الْعَبْدُ بِهِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ كَذِبَةً ". إِلَخْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ.

стр. 6684

٤٨٤٥ - وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَسَدٍ الْحَضْرَمِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ كَاذِبٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٨٤٥ - (وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَسَدٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، بَلْ هِيَ الْأَصَحُّ أَسِيدٌ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ (الْحَضْرَمِيِّ) : زَادَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ: الشَّامِيُّ، رَوَى عَنْهُ جُبَيْرُ بْنُ نَفِيرٍ حَدِيثَهُ فِي الْحِمْصِيِّينَ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ وَقَالَ: أَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَالثَّانِيَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالثَّالِثَةِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالسِّينِ وَحَذْفِ الْيَاءِ. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كَبُرَتْ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: عَظُمَتْ (خِيَانَةً) : تَمْيِيزٌ (أَنْ تُحْدِّثَ أَخَاكَ) : فَاعِلُ كَبُرَتْ. قَالَ شَارِحٌ: أَنَّثَهُ بِاعْتِبَارِ التَّمْيِيزِ إِذْ هُوَ فَاعِلٌ مَعْنًى، وَقِيلَ بِتَأْوِيلِ الْخَصْلَةِ أَوِ الْفَعْلَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أُنِّثَ الْفِعْلُ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ التَّحْدِيثَ نَفْسُ الْخِيَانَةِ، وَفِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٣٥] ، الْكَشَّافُ: هَذَا مِنْ أَفْصَحِ الْكَلَامِ وَأَبْلَغِهِ فِي مَعْنَاهُ، فَإِنَّهُ قَصَدَ فِي (كَبُرَ) التَّعَجُّبَ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ، وَمَعْنَى التَّعَجُّبِ تَعَظُّمُ الْأَمْرِ فِي قُلُوبِ السَّامِعِينَ ; لِأَنَّ التَّعَجُّبَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْ نَظَائِرِهِ وَأَشْكَالِهِ. اهـ. كَلَامُهُ. وَالْمَعْنَى: جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْكَ إِذَا حَدَّثْتَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ. (حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ بِهِ) أَيْ: لَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (كَاذِبٌ) . أَيْ: بِحَدِيثٍ كَذِبٍ، وَهُوَ يَعْتَمِدُ عَلَيْكَ وَيَثِقُ بِقَوْلِكَ، وَظَنَّ بِكَ أَنَّكَ مُسْلِمٌ لَا تَكْذِبُ فَيُصَدِّقُكَ، وَالْحَالُ أَنَّكَ كَاذِبٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ عَنْهُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ النَّوَّاسِ.

стр. 6685

٤٨٤٦ - وَعَنْ عَمَّارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا، كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ» ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٤٨٤٦ - (وَعَنْ عَمَّارٍ) أَيِ: ابْنِ يَاسِرٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا) ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ مَنْ يُرِي نَفْسَهُ عِنْدَ شَخْصٍ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مُحِبِّيهِ وَنَاصِحِيهِ، وَهُوَ يُحَدِّثُ فِي غَيْبَتِهِ بِمَسَاوِئِهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَنْ كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ عَدُوَّيْنِ كَأَنَّهُ صَدِيقُهُ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ نَاصِرٌ لَهُ وَيَذُمُّ هَذَا عِنْدَ ذَلِكَ وَذَلِكَ عِنْدَ هَذَا. (كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، لَكِنْ بِلَفْظِ: " «مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ» " إِلَخْ. وَقَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ: حَدِيثُ عَمَّارٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: حَدِيثُ عَمَّارٍ: " «وَمَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ» " الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرِدِ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

стр. 6686

٤٨٤٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا بِاللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". وَفِي أُخْرَى لَهُ: " «وَلَا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ» "، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٤٨٤٧ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ الْمُؤْمِنُ) أَيِ: الْكَامِلُ (بِالطَّعَّانِ) أَيْ: عَيَّابًا لِلنَّاسِ (وَلَا بِاللَّعَّانِ) ، وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ فِيهِمَا ; لِأَنَّ الْكَامِلَ قَلَّ أَنْ يَخْلُوَ عَنِ الْمَنْقَصَةِ لَا بِالْكُلِّيَّةِ (وَلَا الْفَاحِشِ) ، أَيْ: فَاعِلُ الْفُحْشِ أَوْ قَائِلُهُ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: مَنْ لَهُ الْفُحْشُ فِي كَلَامِهِ وَفِعَالِهِ قِيلَ أَيِ: الشَّاتِمُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّتْمُ الْقَبِيحُ الَّذِي يَقْبُحُ ذِكْرُهُ. (وَلَا الْبَذِيءِ) . بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَكَسْرِ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِهَا وَهَمْزَةٍ بَعْدَهَا، وَهُوَ الَّذِي لَا حَيَاءَ لَهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْبَذَاءُ بِالْمَدِّ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ وَهُوَ بَذِيءُ اللِّسَانِ، وَقَدْ يُقَالُ بِالْهَمْزِ وَلَيْسَ بِكَثِيرٍ. اهـ. فَعَلَى هَذَا يُخَصُّ الْفَاحِشُ بِالْفِعْلِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التِّكْرَارُ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ، وَالثَّانِي يَكُونُ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ بِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَقَدْ يُقَالُ: عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَ (لَا) زَائِدَةٌ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، أَيْ: فِي جَامِعِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَفِي أُخْرَى لَهُ) أَيْ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ: (وَلَا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . قَالَ مِيرَكُ: وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ، سِوَى مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى شَيْخِ التِّرْمِذِيِّ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.

стр. 6687

٤٨٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ لَعَّانًا ". وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٨٤٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ) أَيِ: الْكَامِلُ (لَعَّانًا) ، أَيْ: كَثِيرَ اللَّعْنِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَحْيَانًا (وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ) أَيْ: مُطْلَقًا (أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 6688

٤٨٤٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « (لَا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ، وَلَا بِغَضَبِ اللَّهِ، وَلَا بِجَهَنَّمَ ". وَفِي رِوَايَةٍ " وَلَا بِالنَّارِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٨٤٩ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَلَاعَنُوا) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ (بِلَعْنَةِ اللَّهِ) ، أَيْ: لَا يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَلَا يَقُلْ أَحَدٌ لِمُسْلِمٍ مُعَيَّنٍ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ مَثَلًا (وَلَا بِغَضَبِ اللَّهِ) ، بِأَنْ يَقُولَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْكَ (وَلَا بِجَهَنَّمَ) : بِأَنْ يَقُولَ: لَكَ جَهَنَّمُ أَوْ مَأْوَاكَ. (وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا بِالنَّارِ) . بِأَنْ يَقُولَ أَدْخَلَكَ اللَّهُ النَّارَ أَوِ النَّارُ مَثْوَاكَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: لَا تَدْعُوَا النَّاسَ بِمَا يُبْعِدُهُمُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ إِمَّا صَرِيحًا كَمَا تَقُولُونَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوْ كِنَايَةٌ كَمَا تَقُولُونَ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ أَوْ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ، فَقَوْلُهُ: لَا تَلَاعَنُوا مِنْ بَابِ الْمَجَازِ ; لِأَنَّهُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ حَقِيقَةٌ، وَفِي بَعْضِهِ مَجَازٌ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِمُعَيَّنٍ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ اللَّعْنُ بِالْوَصْفِ الْأَعَمِّ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] ، وَبِالْأَخَصِّ قَوْلِهِ: " «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ» " أَوْ عَلَى كَافِرٍ مُعَيَّنٍ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ كَفِرْعَوْنَ وَأَبِي جَهْلٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ وَلَفْظُهُمْ: وَلَا بِالنَّارِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ.

стр. 6689

٤٨٥٠ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا، وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٨٥٠ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتْ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: طَلَعَتْ (اللَّعْنَةُ) : وَكَأَنَّهَا تَتَجَسَّدُ (إِلَى السَّمَاءِ) أَيْ: جِهَةَ الْعُلُوِّ (فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِغْلَاقِ ; لِأَنَّ (غَلَقَ الْبَابِ) لُغَةٌ رَدِيئَةٌ فِي (أَغْلَقَهُ) عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، نَعَمْ يَجُوزُ تَشْدِيدُ لَامِهِ، مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣] ، (دُونَهَا) ، أَيْ: قُدَّامَ اللَّعْنَةِ (ثُمَّ تَهْبِطُ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: تَنْزِلُ (إِلَى الْأَرْضِ) أَيْ: جِهَةَ السُّفْلِ (فَتُغْلِقُ أَبْوَابَهَا) أَيْ: أَبْوَابَ طَبَقَاتِهَا (دُونَهَا) ، أَيْ عِنْدِ ظُهُورِ اللَّعْنَةِ (ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا) ، أَيْ: تَمِيلُ إِلَى جِهَتَيِ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَيُمْنَعَانِ دُونَهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: صُعُودُ اللَّعْنَةِ وَهُبُوطُهَا وَأَخْذُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا تَصْوِيرُ أَنَّ فِعْلَهُ هَهُنَا كَالْمُتَمَرِّدِ الَّذِي لَا يَجِدُ سَبِيلًا (فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: مَدْخَلًا وَطَرِيقًا مِنْ سَاغَ الشَّرَابُ فِي الْحَلْقِ: دَخَلَ فِيهِ بِسُهُولَةٍ (رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَإِذَا كَانَ) أَيْ: لِمَا ذُكِرَ مِنَ اللَّعْنَةِ (أَهْلًا) ، جَزَاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَحِقَتْهُ وَنَفَذَتْ فِيهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا بِأَنْ كَانَ مَظْلُومًا (رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا) . فَإِنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لَهَا وَأَهْلُهَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . أَيْ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَأَقَرَّهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.

стр. 6690

٤٨٥١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَجُلًا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ فَلَعَنَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٨٥١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ) أَيْ: جَاذَبَتْهُ (رِدَاءَهُ فَلَعَنَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ) ، أَيْ: بِأَمْرٍ مَا، أَوِ الْمُنَازَعَةُ مِنْ خَاصِّيَّتِهَا وَلَوَازِمِ وُجُودِهَا عَادَةً، أَوْ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ حَتَّى هَذِهِ الْمُنَازَعَةُ أَيْضًا ابْتِلَاءٌ لِعِبَادِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. (وَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ) أَيْ: ذَلِكَ الشَّيْءُ (لَهُ) أَيِ: اللَّعْنِ (بِأَهْلٍ) أَيْ: بِمُسْتَحِقٍّ (رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى اللَّاعِنِ ; لِأَنَّ اللَّعْنَةَ وَكَذَا الرَّحْمَةَ تَعْرِفُ طَرِيقَ صَاحِبِهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
следующие страницы →