← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٨٩٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٨٩٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَيَنْتَهِيَنَّ) : بِلَامٍ مَفْتُوحَةٍ فِي جَوَابِ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ أَيْ: وَاللَّهِ لَيَمْتَنِعَنَّ عَنِ الِافْتِخَارِ ( «أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا» ) أَيْ: عَلَى الْكُفْرِ، وَهَذَا الْوَصْفُ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ ذِكْرِهِ أَنَّهُ أَظْهَرُ فِي تَوْضِيحِ التَّقْبِيحِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ مَرْفُوعًا " «مَنِ انْتَسَبَ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ كُفَّارٍ يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وَكَرَمًا كَانَ عَاشِرَهُمْ فِي النَّارِ» ". (وَإِنَّمَا هُمْ) أَيْ: آبَاؤُهُمْ (فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ) : حَالًا وَمَآلًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَصَرَ آبَاءَهُمْ عَلَى كَوْنِهِمْ فَحْمًا مِنْ جَهَنَّمَ لَا يَتَعَدُّونَ ذَلِكَ إِلَى فَضِيلَةٍ يُفْتَخَرُ بِهَا. (أَوْ لَيَكُونُنَّ) : بِضَمِّ النُّونِ الْأُولَى عَطْفًا عَلَى لَيَنْتَهِيَنَّ، وَالضَّمِيرُ الْفَاعِلُ الْعَائِدُ إِلَى أَقْوَامٍ وَهُوَ وَاوُ الْجَمْعِ مَحْذُوفٌ مِنْ لَيَكُونُنَّ، وَالْمَعْنَى أَوْ لَيَصِيرُنَّ. (أَهْوَنَ) أَيْ: أَذَلَّ (عَلَى اللَّهِ) أَيْ: عِنْدَهُ، وَفِي حُكْمِهِ (مِنَ الْجُعَلِ) : بِضَمِّ جِيمٍ وَفَتْحِ عَيْنٍ، وَهُوَ دُوَيْبَةٌ سَوْدَاءُ تُرِيدُ الْغَائِطَ، يُقَالُ لَهَا الْخُنْفُسَاءُ فَقَوْلُهُ: (الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخَرَاءَ) أَيْ: يُدَحْرِجُهُ (بِأَنْفِهِ) : صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لَهُ، وَالْخَرَاءُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالرَّاءِ مَقْصُورًا. وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَدِّ، وَفِي نُسْخَةٍ مُصَحَّحَةٍ بِكَسْرِ الْخَاءِ مَمْدُودًا وَهُوَ الْعَذِرَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرَ وَبِالْكَسْرِ الِاسْمَ، فَفِي بَابِ الْغَرِيبَيْنِ أَنَّ الْخَرْءَ الْعَذِرَةُ وَجَمْعُهُ خُرُوءٌ، كَجُنْدٍ وَجُنُودٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: خَرَى كَفَرَحَ خِرَاءً أَوْ خِرَاءَةً وَيُكْسَرُ وَالِاسْمُ مِنْهُ الْخِرَاءُ بِالْكَسْرِ، وَفِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ: أَنَّ الْخَرْءَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَضَمِّهَا وَاحِدُ الْخُرُوءِ، مِثْلَ قُرْءٍ وَقُرُوءٍ وَالْقُرْءُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّهَا الْحَيْضُ، وَكُتِبَ الْخَرْءُ فِي الْحَدِيثِ بِالْأَلِفِ إِمَّا لِأَنَّهَا مَفْتُوحَةٌ، فَكُتِبَتْ بِحَرْفِ حَرَكَتِهَا، وَإِمَّا لِأَنَّهُ

стр. 6757

نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الرَّاءِ وَقُلِبَتْ أَلِفًا عَلَى لَفْظِ الْعَصَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ﷺ شَبَّهَ الْمُفْتَخِرِينَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْجُعَلِ، وَآبَاءَهُمُ الْمُفْتَخَرَ بِهِمْ بِالْعَذِرَةِ، وَنَفْسُ افْتِخَارِهِمْ بِهِمْ بِالدَّهْدَهَةِ بِالْأَنْفِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَاقِعٌ الْبَتَّةَ، إِمَّا الِانْتِهَاءُ عَنِ الِافْتِخَارِ أَوْ كَوْنُهُمْ أَذَلَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْجُعْلِ الْمَوْصُوفِ، وَأَغْرَبَ الْقَاضِي ; حَيْثُ قَالَ: (أَوْ) هُنَا لِلتَّخْيِيرِ وَالتَّسْوِيَةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْأَمْرَيْنِ سَوَاءٌ فِي أَنْ يَكُونَ حَالُ آبَائِهِمُ الَّذِينَ يَفْتَخِرُونَ بِهِمْ وَأَنْتَ مُخَيَّرٌ فِي تَوْصِيفِهِمْ بِأَيِّهِمَا شِئْتَ. اهـ. وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ. وَقَدْ رَاعَى الْأَدَبَ مَعَهُ الطِّيبِيُّ ; حَيْثُ قَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَيَنْتَهِيَنَّ، وَالضَّمِيرُ فِيهِ ضَمِيرُ الْقَوْمِ ; لِأَنَّ اللَّامَ فِي الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَامُ الِابْتِدَاءِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] ، كَأَنَّهُ ﷺ حَلَفَ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، ثُمَّ أَغْرَبَ الطِّيبِيُّ فِي سُؤَالِهِ ; حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: هَبْ أَنَّهُ ﷺ عَرَفَ أَنَّهُ تَعَالَى يُعَذِّبُهُمْ بِسَبَبِ الْمُفَاخَرَةِ بِآبَائِهِمْ، فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ فَبِمَ عَرَفَ انْتِهَاءَهُمْ عَنْهَا؟ قُلْتُ: لَمَّا نَظَمَهُمَا بِأَوْ فِي الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْحَلِفُ آلَ كَرَمُهُ إِلَى قَوْلِكَ، لَيَكُونَنَّ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ يَعْنِي: إِنْ كَانَ الِانْتِهَاءُ لَمْ تَكُنِ الْمَذَلَّةُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَانَتْ، كَذَا حَقَّقَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي النَّمْلِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَا بُدَّ مِنْهُ إِمَّا الِانْتِهَاءُ عَمَّا هُمْ فِيهِ، أَوْ إِنْزَالُ الصَّغَارِ وَالْهَوَانِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَرَامِ، لَكِنْ وَقَعَ بَسْطٌ فِي الْكَلَامِ. ثُمَّ إِنَّهُ ﷺ اسْتَأْنَفَ لِبَيَانِ عِلَّةِ الِانْتِهَاءِ عَنِ الِافْتِخَارِ بَعْدَ زَوَالِ زَمَانِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَمَالِ الْقَوَاعِدِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ) أَيْ: أَزَالَ وَرَفَعَ (عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَتَيْنِ أَيْ: نَخْوَتَهَا وَكِبْرَهَا. (وَفَخْرَهَا) أَيْ: وَافْتِخَارَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي زَمَانِهِمْ (بِالْآبَاءِ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُقَالُ: رَجُلٌ فِيهِ عُبِّيَّةٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا أَيْ: كِبْرٌ وَتَجَبُّرٌ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ تَشْدِيدُ الْيَاءِ، وَذَكَرَ أَبُو عَبِيدٍ الْهَرَوِيُّ أَنَّهُ مِنَ الْعِبْءِ بِمَعْنَى الْحِمْلِ الثَّقِيلِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: بَلْ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَبْءِ وَهُوَ النُّورُ وَالضِّيَاءُ يُقَالُ: هَذَا عَبُّ الشَّمْسِ وَأَصْلُهُ عَبْؤُ الشَّمْسِ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّشْدِيدُ فِيهِ كَمَا فِي الذُّرِّيَّةِ مِنَ الذَّرْءِ بِالْهَمْزَةِ، وَالْجَوْهَرِيُّ أَدْخَلَهُ فِي بَابِ الْمُضَاعَفِ. قُلْتُ: وَكَذَا فَعَلَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ ; حَيْثُ قَالَ: الْعُبِّيَّةُ بِالْكَسْرِ الْكِبْرُ وَالْفَخْرُ وَالنَّخْوَةُ. وَقَالَ أَيْضًا: عَبُّ الشَّمْسِ وَيُخَفَّفُ ضَوْءُهَا، وَذَكَرُهُ فِي الْمَهْمُوزِ أَيْضًا وَقَالَ: الْعَبْءُ بِالْفَتْحِ ضِيَاءُ الشَّمْسِ (إِنَّمَا هُوَ) أَيِ: الْمُفْتَخِرُ الْمُتَكَبِّرُ بِالْآبَاءِ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ، فَإِمَّا هُوَ (مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ) : فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَى أَحَدٍ ; لِأَنَّ مَدَارَ الْإِيمَانِ عَلَى الْخَاتِمَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (أَوْ فَاجِرٌ) أَيْ: مُنَافِقٌ أَوْ كَافِرٌ (شَقِيٌّ) أَيْ: غَيْرُ سَعِيدٍ، فَهُوَ ذَلِيلٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَالذَّلِيلُ لَا يُنَاسِبُهُ التَّكَبُّرُ، وَلَا يُلَائِمُهُ التَّجَبُّرُ، فَالتَّكَبُّرُ لَا يَلِيقُ بِالْمَخْلُوقِ، فَإِنَّهُ صِفَةٌ خَاصَّةٌ لِلْخَالِقِ، وَلِذَا قَالَ: " «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظْمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا قَصَمْتُهُ» "، ثُمَّ أَشَارَ ﷺ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ يَنْتَفِي بِهِ التَّكَبُّرُ عَنِ الْإِنْسَانِ بِقَوْلِهِ: ( «النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» ) أَيْ: فَلَا يَلِيقُ بِمَنْ أَصْلُهُ التُّرَابُ النَّخْوَةُ وَالتَّجَبُّرُ، أَوْ إِذَا كَانَ الْأَصْلُ وَاحِدًا، فَالْكُلُّ إِخْوَةٌ، فَلَا وَجْهَ لِلتَّكَبُّرِ ; لِأَنَّ بَقِيَّةَ الْأُمُورِ عَارِضَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا حَقِيقَةً، نَعَمِ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وَهِيَ مُبْهَمَةٌ، فَالْخَوْفُ أَوْلَى لِلسَّالِكِ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِهَذِهِ الْمَسَالِكِ، هَذَا مَا اخْتَرْنَاهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ خُلَاصَةِ الْمُرَامِ، وَتَكَلَّفَ الطِّيبِيُّ فَقَالَ: فِي ضَمِيرِ (هُوَ) وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: أَنَّ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا فَقَوْلُهُ: النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ مُقَدَّمٌ ; لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ وَذَلِكَ تَفْصِيلُهُ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ: النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التِّمْثَالِ أَكْفَاءُ أَبُوهُمْ آدَمُ وَالْأُمُّ حَوَّاءُ فَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ فِي أَصْلِهِمْ شَرَفٌ ... يُفَاخِرُونَ بِهِ فَالطِّينُ وَالْمَاءُ مَا الْفَخْرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ ... عَلَى الْهُدَى لِمَنِ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ.

стр. 6758

وَوَحَّدَ الضَّمِيرَ نَظَرًا إِلَى الْجِنْسِ، أَوْ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِنْسَانِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ الْخَبَرُ، كَذَا قَرَّرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] ، وَقَوْلُهُمْ: هِيَ الْعَرَبُ تَقُولُ مَا شَاءَتْ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى اسْمِ الْإِشَارَةِ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْمَذْكُورِ السَّابِقِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا، وَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: (أَقْوَامٌ) مِنْ بَابِ سَوْقِ الْمَعْلُومِ مَسَاقَ غَيْرِهِ، وَهُمْ قَوْمٌ مَخْصُوصُونَ نَكَّرَهُمْ وَجَعَلَهُمْ غَائِبِينَ، ثُمَّ الْتَفَتَ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ وَسُخْطٍ مُتَتَابِعٍ. كَانَ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَفَاخَرُوا بِأَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ، كَالْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ وَأَضْرَابِهِ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ فَوَبَّخَهُمْ وَزَجَرَهُمْ وَسَفَّهَ رَأْيَهُمْ، وَالْمَعْنَى: لِيَنْتَهِ مَنْ شَرَّفَهُ اللَّهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ حُلَلَ الْإِسْلَامِ، وَرَفَعَهُ مِنْ حَضِيضِ الْكُفْرِ إِلَى يَفَاعِ الْإِيمَانِ عَنْ هَذِهِ الشَّنْعَاءِ، وَإِلَّا فَيَحُطُّهُ مِنْ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، وَيَرُدُّهُ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ مِنَ الْكُفْرِ وَالذُّلِّ، فَإِنَّ تَشْبِيهَهُمْ بِأَخَسِّ الْحَيَوَانَاتِ فِي أَخَسِّ أَحْوَالِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَالْمَعْنَى: مَا ذَاكَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ تَقِيٌّ، وَمَا ذَاكَ الذَّلِيلُ الدَّنِيءُ عِنْدَهُ إِلَّا فَاجِرٌ شَقِيٌّ، ثُمَّ رَجَعَ ﷺ مِنْ ذَاكَ الْعُنْفِ إِلَى اللُّطْفِ، وَمِنَ التَّوْبِيخِ إِلَى إِسْمَاعِ الْحَقِّ قَائِلًا: وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] ، إِلَى قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، وَفِي ذِكْرِ التُّرَابِ إِشَارَةٌ إِلَى نُقْصَانِهِمْ، وَأَنَّهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ طُفُّ الصَّاعِ بِالصَّاعِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) : وَرَوَى الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: " «كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ، لَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجُعَلَانِ» ".

стр. 6759

٤٩٠٠ - «وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبِي: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: " السَّيِّدُ اللَّهُ " فَقُلْنَا وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا. فَقَالَ: " قُولُوا قَوْلَكُمْ، أَوْ بَعْضَ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٩٠٠ - (وَعَنْ مُطَرِّفِ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) : بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّعْرِيفِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: مُطَرِّفٌ عَامِرِيٌّ بَصْرِيٌّ، رَوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَفَدَ أَبُوهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي بَنِي عَامِرٍ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ مُطَرِّفٌ وَيَزِيدُ. (قَالَ) أَيْ: قَالَ أَبِي: (انْطَلَقْتُ) : كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ (فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ: قَاصِدِينَ وَمُتَوَجِّهِينَ إِلَيْهِ ( ﷺ فَقُلْنَا) أَيْ: بَعْدَمَا وَصَلْنَا (أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: " السَّيِّدُ اللَّهُ) ، وَفِي نُسْخَةٍ السَّيِّدُ هُوَ اللَّهُ. بِزِيَادَةِ ضَمِيرِ الْفَصْلِ لِمَزِيدِ تَأْكِيدِ إِفَادَةِ الْحَصْرِ مُبَالَغَةً فِي تَعْظِيمِ رَبِّهِ وَتَوَاضُعِ نَفْسِهِ، فَحُوِّلَ الْأَمْرُ فِيهِ إِلَى الْحَقِيقَةِ مُرَاعَاةً لِآدَابِ الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ، أَيِ: الَّذِي يَمْلِكُ نَوَاصِيَ الْخَلْقِ وَيَتَوَلَّاهُمْ وَيَسُوسُهُمْ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي سِيَادَتَهُ الْمَجَازِيَّةَ الْإِضَافِيَّةَ الْمَخْصُوصَةَ بِالْأَفْرَادِ الْإِنْسَانِيَّةِ ; حَيْثُ قَالَ: " «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» " أَيْ: لَا أَقُولُ افْتِخَارًا، بَلْ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَإِخْبَارًا بِمَا أَمَرَنِي اللَّهُ، وَإِلَّا فَقَدَ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا يَعْنِي بِلَالًا. اهـ. وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بِلَالٍ تَوَاضُعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَقُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا) أَيْ: مَزِيَّةً وَمَرْتَبَةً وَنَصْبُهُ عَلَى التَّمْيِيزِ (وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا) أَيْ: عَطَاءً لِلْأَحِبَّاءِ وَعُلُوًّا عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَالْوَاوُ الْأُولَى اسْتِئْنَافِيَّةٌ لِرَبْطِ الْكَلَامِ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْعَطْفِ عَلَى التَّوَهُّمِ. (فَقَالَ: قُولُوا قَوْلَكُمْ) أَيْ: مَجْمُوعَ مَا قُلْتُمْ، أَوْ هَذَا الْقَوْلُ وَنَحْوُهُ (أَوْ بَعْضَ قَوْلِكُمْ) أَيِ: اقْتَصِرُوا عَلَى إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى الْمُبَالَغَةِ بِهِمَا، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ " أَوْ " بِمَعْنَى " بَلْ " أَيْ: بَلْ قُولُوا بَعْضَ مَا قُلْتُمْ مُبَالَغَةً فِي التَّوَاضُعِ، وَقِيلَ: قُولُوا قَوْلَكُمُ الَّذِي جِئْتُمْ لِأَجْلِهِ وَقَصَدْتُمُوهُ وَدَعُوا غَيْرَكُمْ مِمَّا لَا يَعْنِيكُمْ، وَنَظِيرُهُ «قَوْلُهُ ﷺ لِجُوَيْرِيَّاتٍ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ: " دَعِي هَذِهِ وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ» ، أَوْ قُولُوا قَوْلَكُمُ الْمُعْتَادَ الْمُسْتَرْسَلَ فِيهِ عَلَى السَّجِيَّةِ دُونَ الْمُسْتَعْمَلِ لِلْإِطْرَاءِ وَالتَّكَلُّفِ لِمَزِيدِ الثَّنَاءِ "، وَحَاصِلُهُ لَا تُبَالِغُوا

стр. 6760

فِي مَدْحِي فَضْلًا عَنْ غَيْرِي ( «وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» ) أَيْ: لَا يَتَّخِذْنَّكُمْ جَرِيًّا بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ، أَيْ: كَثِيرَ الْجَرْيِ فِي طَرِيقِهِ وَمُتَابَعَةِ خَطَرَاتِهِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْجَرَاءَةِ بِالْهَمْزَةِ أَيْ: لَا يَجْعَلَنَّكُمْ ذَوِي شَجَاعَةٍ عَلَى التَّكَلُّمِ بِمَا لَا يَجُوزُ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: لَا يَغْلِبَنَّكُمْ فَيَتَّخِذَكُمْ جَرِيًّا أَيْ: رَسُولًا وَوَكِيلًا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَدَحُوهُ، فَكَرِهَ لَهُمُ الْمُبَالَغَةَ فِي الْمَدْحِ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ، وَالْمَعْنَى: تَكَلَّمُوا بِمَا يَحْضُرُكُمْ مِنَ الْقَوْلِ وَلَا تَتَكَلَّفُوهُ، كَأَنَّكُمْ وُكَلَاءُ الشَّيْطَانِ وَرُسُلُهُ تَنْطِقُونَ عَلَى لِسَانِهِ. هَذَا زُبْدَةُ الْكَلَامِ فِي مَقَامِ الْمُرَامِ. وَقَدْ تَكَلَّفَ الطِّيبِيُّ ; حَيْثُ قَالَ: وَأَفْضَلُنَا عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ سَيِّدُنَا كَأَنَّهُمْ قَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكُلَّ وَخَصَّ الرَّدَّ بِالسَّيِّدِ، فَأَدْخَلَ الرَّاوِي كَلَامَهُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الْكُلِّ قَوْلُهُ: قُولُوا قَوْلَكُمْ، أَيْ: بِقَوْلِ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ وَمَا هُوَ مِنْ شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: رَسُولُ اللَّهِ وَنَبِيُّ اللَّهِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: قَوْلُهُ: " قُولُوا قَوْلَكُمْ " يَعْنِي: قُولُوا هَذَا الْقَوْلَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، وَلَا تُبَالِغُوا فِي مَدْحِي بِحَيْثُ تَمْدَحُونَنِي بِشَيْءٍ يَلِيقُ بِالْخَالِقِ وَلَا يَلِيقُ بِالْمَخْلُوقِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَ ﷺ بِقَوْلِهِ: " قُولُوا بِقَوْلِ أَهْلِ دِينِكُمْ أَوْ مِلَّتِكُمْ، وَادْعُونِي نَبِيًّا وَرَسُولًا كَمَا سَمَّانِيَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا تُسَمُّونِي سَيِّدًا كَمَا تُسَمُّونَ رُؤَسَاءَكُمْ وَعُظَمَاءَكُمْ ; لِأَنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْهُمْ، إِذْ كَانُوا يَسُودُونَكُمْ فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا، وَأَنَا أَسُودُكُمْ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، فَسَمُّونِي رَسُولًا وَنَبِيًّا. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: سَلَكَ الْقَوْمُ فِي الْخِطَابِ مَعَهُ مَسْلَكَهُمْ مَعَ رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ، فَإِنَّهُمْ يُخَاطِبُونَهُمْ بِنَحْوِ هَذَا الْخِطَابِ، فَكَرِهَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُخَاطِبُوهُ بِالنَّبِيِّ وَالرَّسُولِ، فَإِنَّهَا الْمَنْزِلَةُ الَّتِي لَا مَنْزِلَةَ وَرَاءَهَا لِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.

стр. 6761

٤٩٠١ - وَعَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْحَسَبُ: الْمَالُ، وَالْكَرَمُ: التَّقْوَى» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٩٠١ - (وَعَنِ الْحَسَنِ) أَيِ: الْبَصْرِيِّ، فَإِنَّهُ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ، لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ ذِكْرِهِ، فَإِنَّ مُقْتَضَى الْعَادَةِ هُوَ الِاكْتِفَاءُ بِذِكْرِ الصَّحَابَةِ إِلَّا لِسَبَبٍ عَارِضٍ فِي الْإِسْنَادِ مُحْوِجٍ إِلَى ذِكْرِ التَّابِعِيِّ (عَنْ سَمُرَةَ) : بِفَتْحٍ وَضَمٍّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْحَسَبُ) : بِفَتْحَتَيْنِ (الْمَالُ) أَيْ: مَالُ الدُّنْيَا الْحَاصِلُ بِهِ الْجَاهُ غَالِبًا (وَالْكَرَمُ) أَيِ: الْكَرَمُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْعُقْبَى الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الْإِكْرَامُ بِالْفَرِجَاتِ الْعُلَى (التَّقْوَى) : لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ، وَالْأُخْرَى بَاقِيَةٌ فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، وَمَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِعُقْبَاهُ، فَهُمَا ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فَمِثَالُهُمَا كِفَّتَا الْمِيزَانِ، وَنِعْمَ مَا قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْحَالِ: زِيَادَةُ الْمَرْءِ فِي دُنْيَاهُ نُقْصَانٌ وَرِبْحُهُ غَيْرُ مَحْضِ الْخَيْرِ خُسْرَانُ قَالَ شَارِحٌ: الْحَسَبُ مَا يَعُدُّهُ الرَّجُلُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِهِ، وَالْكَرَمُ ضِدُّ اللُّؤْمِ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ الشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الرَّجُلُ عَظِيمَ الْقَدْرِ عِنْدَ النَّاسِ وَهُوَ الْمَالُ، وَالشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ عَظِيمَ الْقَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ التَّقْوَى، وَالِافْتِخَارُ بِالْآبَاءِ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا، وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَظْهَرُ مُنَاسِبَةُ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ بِعُنْوَانِ الْبَابِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْغَنِيَّ يُعَظَّمُ كَمَا يُعَظَّمُ الْحَسِيبُ، وَأَنَّ الْكَرِيمَ هُوَ الْمُتَّقِي لَا مَنْ يَجُودُ بِمَالِهِ وَيَخْطُرُ بِنَفْسِهِ لِيُعَدَّ جَوَادًا شُجَاعًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَسَبُ مَا يُعَدُّ مِنْ مَآثِرِهِ وَمَآثِرِ آبَائِهِ، وَالْكَرَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَالشَّرَفِ وَالْفَضَائِلِ، وَهَذَا بِحَسَبِ اللُّغَةِ. فَرَدَّهُمَا ﷺ إِلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ النَّاسِ وَعِنْدَ اللَّهِ أَيْ: لَيْسَ ذِكْرُ الْحَسَبِ عِنْدَ النَّاسِ لِلْفَقِيرِ ; حَيْثُ لَا يُوَقَّرُ وَلَا يُحْتَفَلُ بِهِ، بَلْ كُلُّ الْحَسَبِ عِنْدَهُمْ مَنْ رُزِقَ الثَّرْوَةَ وَوُقِّرَ فِي الْعُيُونِ وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ ﵁: مِنْ حَسَبِ الرَّجُلِ إِنْقَاءُ ثَوْبَيْهِ، أَيْ أَنَّهُ يُوَقَّرُ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ دَلِيلُ الثَّرْوَةِ، وَذُو الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ عِنْدَ النَّاسِ، وَلَا يُعَدُّ كَرِيمًا عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا الْكَرِيمُ عِنْدَهُ مَنِ ارْتَدَى بِرِدَاءِ التَّقْوَى وَأَنْشَدَ: كَانَتْ مَوَدَّةُ سَلْمَانَ لَهُ نَسَبًا ... وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحٍ وَابْنِهِ رَحِمُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ.

стр. 6762

٤٩٠٢ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلَا تُكَنُّوا» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". ــ ٤٩٠٢ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ تَعَزَّى) أَيِ: انْتَسَبَ (بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ: نَسَبِ أَهْلِهَا وَافْتَخَرَ بِآبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ (فَأَعِضُّوهُ) : بِتَشْدِيدِ الضَّادِ وَالْمُعْجَمَةِ مِنْ أَعْضَضْتُ الشَّيْءَ: جَعَلْتَهُ يَعَضُّهُ، وَالْعَضُّ أَخْذُ الشَّيْءِ بِالْأَسْنَانِ أَوْ بِاللِّسَانِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (بِهَنِ أَبِيهِ) ، بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْهَنُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرْجِ، أَيْ: قُولُوا لَهُ: اعْضُضْ بِذَكَرِ أَبِيكَ أَوْ أَيْرِهِ أَوْ فَرْجِهِ. (وَلَا تُكَنُّوا) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ النُّونِ، أَيْ: لَا تُكَنُّوا بِذِكْرِ الْهَنِ عَنِ الْأَيْرِ، بَلْ صَرِّحُوا بِآلَةِ أَبِيهِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا فِيهِ تَأْدِيبًا وَتَنْكِيلًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَنِ انْتَسَبَ وَانْتَمَى إِلَى الْجَاهِلِيَّةِ بِإِحْيَاءِ سُنَّةِ أَهْلِهَا، وَابْتِدَاعِ سُنَّتِهِمْ فِي الشَّتْمِ وَاللَّعْنِ وَالتَّعْيِيرِ، وَمُوَاجَهَتِكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَالتَّكَبُّرِ، فَاذْكُرُوا لَهُ قَبَائِحَ أَبِيهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يُعَيَّرُ بِهِ مِنْ لُؤْمٍ وَرَذَالَةٍ صَرِيحًا لَا كِنَايَةً ; كَيْ يَرْتَدِعَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِأَعْرَاضِ النَّاسِ. (رَوَاهُ) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ.

стр. 6763

٤٩٠٣ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي عُقْبَةَ ﵁ وَكَانَ مَوْلًى مِنْ أَهْلِ فَارِسَ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُحُدًا، فَضَرَبْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقُلْتُ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الْفَارِسِيُّ. فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: " هَلَّا قُلْتَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الْأَنْصَارِيُّ؟» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٩٠٣ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ هُوَ مَوْلَى جُبَيْرِ بْنِ عُتَيْقٍ (عَنْ أَبِي عُقْبَةَ) : قَالَ مِيرَكُ: اسْمُهُ رُشَدٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، وَيُقَالُ: مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ صَحَابِيٌّ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ تَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ (وَكَانَ) أَيْ: أَبُو عُقْبَةَ (مَوْلًى مِنْ أَهْلِ فَارِسَ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُحُدًا» ) : بِضَمَّتَيْنِ أَيْ: حَضَرْتُهُ ( «فَضَرَبْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ) أَيْ: بِرَمْيٍ أَوْ بِرُمْحٍ أَوْ بِسَيْفٍ (فَقُلْتُ: خُذْهَا) أَيِ: الضَّرْبَةَ أَوِ الطَّعْنَةَ مِنِّي ( «وَأَنَا الْغُلَامُ الْفَارِسِيُّ» ) بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَهَذَا عَلَى عَادَتِهِمْ فِي الْمُحَارَبَةِ أَنْ يُخْبِرَ الضَّارِبُ الْمَضْرُوبَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ إِظْهَارًا لِشَجَاعَتِهِ (فَالْتَفَتَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلَّا قُلْتَ) أَيْ: لِمَ لَا قُلْتَ ( «خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الْأَنْصَارِيُّ» ) أَيْ: إِذَا افْتَخَرْتَ عِنْدَ الضَّرْبِ، فَانْتَسِبْ إِلَى الْأَنْصَارِ الَّذِينَ هَاجَرْتُ إِلَيْهِمْ وَنَصَرُونِي، وَكَانَ فَارِسُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كُفَّارًا فَكَرِهَ الِانْتِسَابَ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُ بِالِانْتِسَابِ إِلَى الْأَنْصَارِ لِيَكُونَ مُنْتَسِبًا إِلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ مِمَّا عَدَا الْمُهَاجِرِينَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِمُ الْأَنْصَارُ، وَلَيْسُوا بِمَخْصُوصِينَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا يُتَوَهَّمُ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْعُمُومُ وَالشُّمُولُ لِلصَّحَابَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6764

٤٩٠٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَهُوَ كَالْبَعِيرِ الَّذِي رَدَى، فَهُوَ يُنْزَعُ بِذَنَبِهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٩٠٤ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ» ) أَيْ: عَلَى بَاطِلٍ أَوْ مَشْكُوكٍ ( «فَهُوَ كَالْبَعِيرِ الَّذِي رَدَى» ) : بِفَتْحِ الدَّالِ مُخَفَّفَةً، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً وَفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ: تَرَدَّى وَسَقَطَ فِي الْبِئْرِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ هَلَكَ (فَهُوَ) أَيِ: الْبَعِيرُ إِذَا وَقَعَ فِيهَا (يُنْزَعُ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: يُعَالَجُ وَيُخْرَجُ عَنْهَا (بِذَنَبِهِ) أَيْ: يُجَرُّ مِنْ وَرَائِهِ، قِيلَ: الْمَعْنَى أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي الْهَلَكَةِ بِتِلْكَ النُّصْرَةِ الْبَاطِلَةِ ; حَيْثُ أَرَادَ الرِّفْعَةَ بِنُصْرَةِ قَوْمِهِ، فَوَقَعَ فِي حَضِيضِ بِئْرِ الْإِثْمِ وَهَلَكَ كَالْبَعِيرِ، فَلَا يَنْفَعُهُ كَمَا لَا يَنْفَعُ الْبَعِيرَ نَزْعُهُ عَنِ الْبِئْرِ بِذَنَبِهِ، وَقِيلَ: شَبَّهَ الْقَوْمَ بِبَعِيرٍ هَالِكٍ ; لِأَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ فَهُوَ هَالِكٌ، وَشَبَّهَ نَاصِرَهُمْ بِذَنَبِ هَذَا الْبَعِيرِ، فَكَمَا أَنَّ نَزْعَهُ بِذَنَبِهِ لَا يُخَلِّصُهُ مِنَ الْهَلَكَةِ، كَذَلِكَ هَذَا النَّاصِرُ لَا يُخَلِّصُهُمْ عَنْ بِئْرِ الْهَلَاكِ الَّتِي وَقَعُوا فِيهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " «مَنْ نَصَرَ أَخَاهُ بِظَهْرِ الْغَيْبِ نَصَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» " فَمَحْمُولٌ عَلَى نُصْرَةِ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُطْلَقًا.

стр. 6765

٤٩٠٥ - «وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْعَصَبِيَّةُ؟ قَالَ: " أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٩٠٥ - ( «وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْعَصَبِيَّةُ» ؟) أَيِ: الْجَاهِلِيَّةُ ( «قَالَ: أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ» ) ، يَعْنِي: أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْكَ مُتَابَعَةُ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى مُلَاحَظَةِ الْخَلْقِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ عَلَى مَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا " «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا إِنْ يَكُ ظَالِمًا فَارْدُدْهُ عَنْ ظُلْمِهِ، وَإِنْ يَكُ مَظْلُومًا، فَانْصُرْهُ» ". (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 6766

٤٩٠٦ - وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " «خَيْرُكُمُ الْمُدَافِعُ عَنْ عَشِيرَتِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٩٠٦ - (وَعَنْ سُرَاقَةَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ (بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) : بِضَمِّ جِيمٍ وَسُكُونِ عَيْنٍ مُهْمِلَةٍ وَضَمِّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مُدْلِجِيٌّ كِنَانِيٌّ، كَانَ يَنْزِلُ قَدِيدًا، وَيُعَدُّ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَكَانَ شَاعِرًا مُجِيدًا، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. (قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: خَيْرُكُمُ الْمُدَافِعُ عَنِ الْعَشِيرَةِ» ) أَيْ: أَقَارِبُهُ الْمُعَاشِرُ مَعَهُمْ (مَا لَمْ يَأْثَمْ) أَيْ: مَا لَمْ يَظْلِمْ عَلَى الْمَدْفُوعِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ جَامِعًا بَيْنَ نُصْرَةِ الْمَظْلُومِ وَوَصْلَةِ الْأَقَارِبِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ قَوْمِهِ بِكَلَامٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الضَّرْبُ، وَلَوْ قَدَرَ بِالضَّرْبِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَتْلُ ; لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ، الْآيَةُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6767

٤٩٠٧ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَصَبِيَّةً، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٩٠٧ - (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁) : مَرَّ ذِكْرُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا) أَيْ: مِنْ أَهْلِ مَلَّتِنَا أَوْ مِنْ أَصْحَابِ طَرِيقَتِنَا (مَنْ دَعَا) أَيِ: النَّاسَ (إِلَى عَصَبِيَّةٍ) أَيْ: إِلَى اجْتِمَاعِ عَصَبِيَّةٍ فِي مُعَاوَنَةِ ظَالِمٍ، وَفِي الْحَدِيثِ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: هُوَ قَوْلُهُمْ يَا آلَ فُلَانٍ! كَانُوا يَدْعُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا عِنْدَ الْأَمْرِ الْحَادِثِ (وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَصَبِيَّةً) أَيْ: بِالْبَاطِلِ ( «وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ» ) أَيْ: عَلَى طَرِيقَتِهِمْ مِنْ حَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6768

٤٩٠٨ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٩٠٨ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: حُبُّكَ) : مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ وَمَفْعُولِهِ (الشَّيْءَ) : وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( «يُعْمِي وَيُصِمُّ» ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَكَسْرِ عَيْنِهِمَا أَيْ: يَجْعَلُكَ أَعْمَى عَنْ رُؤْيَةِ مَعَايِبِ الشَّيْءِ الْمَحْبُوبِ بِحَيْثُ لَا تُبْصِرُ فِيهِ عَيْبًا، وَيَجْعَلُكَ أَصَمَّ عَنْ سَمَاعِ قَبَائِحِهِ بِحَيْثُ لَا تَسْمَعُ فِيهِ كَلَامًا قَبِيحًا لِاسْتِيلَاءِ سُلْطَانِ الْمَحَبَّةِ عَلَى فُؤَادِكَ، كَمَا قَالَ: وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ ... وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا وَحَاصِلُهُ، أَنَّكَ تَرَى الْقَبِيحَ مِنْهُ حَسَنًا، وَتَسْمَعُ مِنْهُ الْخَنَا قَوْلًا جَمِيلًا كَمَا قِيلَ: وَيَقْبُحُ مِنْ سِوَاكَ الْفِعْلُ عِنْدِي ... فَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَا وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ: حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي عَنِ الْغَيْرِ غَيْرَةً وَعَنِ الْمَحْبُوبِ هَيْبَةً. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَوْرِدُ الْحَدِيثِ فِي الذَّمِّ، وَذِكْرُ الْعَصَبِيَّةِ يَسْتَدْعِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ ﷺ قَالَ فِيمَنْ يَتَعَصَّبُ لِغَيْرِهِ وَيُحَامِيهِ بِالْبَاطِلِ، وَحُبُّهُ إِيَّاهُ يُعْمِيهِ عَنْ أَنْ يُبْصِرَ الْحَقَّ فِي قَضِيَّتِهِ، وَيُصِمُّهُ عَنْ أَنْ يَسْمَعَ الْحَقَّ فِي قِصَّتِهِ، وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ ذُو وَجْهَيْنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْهُ، وَالْخَرَائِطِيُّ فِي اعْتِلَالِ الْقُلُوبِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 6769

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٩٠٩ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ كَثِيرٍ الشَّامِيِّ، مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ، فِي امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا فَسِيلَةُ، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ؟ قَالَ: " لَا، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَنْصُرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٩٠٩ - (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ كَثِيرٍ الشَّامِيِّ) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ) : بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَنُونٍ مَفْتُوحَةٍ، وَفِي الْمُغْنِي فِلَسْطُونَ وَفِلَسْطِينَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا، وَفِي الْقَامُوسِ: وَقَدْ يُفْتَحُ فَاؤُهُمَا كُورَةٌ بِالشَّامِ، تَقُولُ فِي حَالِ الرَّفْعِ بِالْوَاوِ وَبِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ بِالْيَاءِ، أَوْ تَلْزَمُهَا الْيَاءُ فِي كُلِّ حَالٍ (عَنِ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ (يُقَالُ لَهَا فَسِيلَةُ) : بِفَتْحِ فَاءٍ فَكَسْرِ سِينٍ مُهْمِلَةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّصْغِيرِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِيَّاتِ (أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي) : لَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي أَسْمَاءِ الْمُؤَلِّفِ (يَقُولُ) أَيْ: أَبُو فَسِيلَةَ ( «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ؟» ) أَيْ: حُبًّا بَلِيغًا ( «قَالَ: لَا، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَنْصُرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ» ) أَيْ: عَلَى ظُلْمِهِمْ أَوْ مَعَ ظُلْمِهِمْ أَوْ عَلَى وَجْهِ الظُّلْمِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 6770

٤٩١٠ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَنْسَابُكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَسَبَّةٍ عَلَى أَحَدٍ، كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ طَفُّ الصَّاعِ بِالصَّاعِ لَمْ تَمْلَأْهُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلَّا بِدِينٍ وَتَقْوًى، كَفَى بِالرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ بَذِيًّا فَاحِشًا بَخِيلًا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٩١٠ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْسَابُكُمْ هَذِهِ» ) أَيِ: الْمَعْرُوفَةُ الْمَشْهُورَةُ كَأَمْرٍ مَحْسُوسٍ يُشَارُ إِلَيْهِ ( «لَيْسَتْ بِمَسَبَّةٍ» ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ: مَحَلُّ سَبٍّ وَسَبَبُ عَارٍ (عَلَى أَحَدٍ) أَيْ: مِنْكُمْ ( «كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ» ) أَيْ: جَمِيعُكُمْ أَوْلَادُ آدَمَ وَحَوَّاءَ ( «طَفُّ الصَّاعِ بِالصَّاعِ» ) : بِفَتْحِ طَاءٍ وَتَشْدِيدِ فَاءٍ وَهُوَ مَرْفُوعٌ وَمَنْصُوبٌ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ عَلَى أَنَّهُ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَرَفْعُهُ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَبَنُو آدَمَ بَيَانٌ أَوْ بَدَلٌ أَوْ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، فَيَكُونُ مِنَ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، أَيْ: كُلُّكُمْ مُتَسَاوُونَ فِي النِّسْبَةِ إِلَى أَبٍ وَاحِدٍ، مُتَقَارِبُونَ كَتَقَارُبِ مَا فِي الصَّاعِ أَوْ تَسَاوِيهِ لِلصَّاعِ إِذَا لَمْ يُمْلَأْ مَلْأً تَامًّا، حَتَّى يَزْدَادَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (لَمْ تَمْلَأْهُ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّكُمْ لَمْ تَمْلَؤُوهُ وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: قَرِيبٌ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، يُقَالُ: هَذَا طَفُّ الْمِكْيَالِ أَيْ: مَا قَرُبَ مِنْ مِلْئِهِ، وَالْمَعْنَى: كُلُّكُمْ فِي الِانْتِسَابِ إِلَى أَبٍ وَاحِدٍ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي النَّقْصِ وَالتَّقَاصُرِ عَنْ غَايَةِ التَّمَامِ، شَبَّهَهُمْ فِي نُقْصَانِهِمْ بِالْمَكِيلِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الْمِكْيَالَ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّفَاضُلَ لَيْسَ بِالنَّسَبِ، وَلَكِنْ بِالتَّقْوَى ; حَيْثُ قَالَ: (لَيْسَ لِأَحَدٍ) أَيْ: " عَلَى أَحَدٍ ": كَمَا فِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ (فَضْلٌ) أَيْ: زِيَادَةٌ مُرَتَّبَةٌ (إِلَّا بِدِينٍ) أَيْ: مِنَ الْأَدْيَانِ الْحَقَّةِ (وَتَقْوَى) : بِالْقَصْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ أَيْ: بِاجْتِنَابِ الشِّرْكِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ، وَاحْتِرَازٍ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَفْرَادَ الْإِنْسَانِ كُلَّهُمْ فِي مَرْتَبَةِ النُّقْصَانِ وَالْخُسْرَانِ إِلَّا ذَوِي التَّقْوَى وَالْكَمَالِ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: طَفُّ الصَّاعِ يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ نَحْوَ: زَيْدٌ أَبُوكَ عَطُوفًا، فَإِنَّ ذِكْرَ بَنِي آدَمَ يَدُلُّ عَلَى النُّقْصَانِ، لِكَوْنِهِمْ مِنَ التُّرَابِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَالْبَاءُ فِي بِالصَّاعِ لِلْحَالِ أَيْ: طَفُّ الصَّاعِ مُقَابَلًا بِمِثْلِهِ مِنَ النُّقْصَانِ، وَالْمُرَادُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ فِي النُّقْصَانِ. (كَفَى بِالرَّجُلِ) : الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فَاعِلُ كَفَى، وَالتَّمْيِيزُ مَحْذُوفٌ أَيْ: مَسَبَّةً وَعَارًا أَوْ نُقْصَانًا (أَنْ يَكُونَ بَذِيًّا) : بَيَانٌ لِلتَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ ﷺ : " «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» "، وَهُوَ فَعِيلٌ مِنَ الْبَذَاءِ بِمَعْنَى: الْكَلَامِ الْقَبِيحِ فَقَوْلُهُ: (فَاحِشًا) : عَطْفُ بَيَانٍ لَهُ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْبَذِيُّ كَرَضِيٍّ الرَّجُلُ الْفَاحِشُ (بَخِيلًا) أَيْ: جَامِعًا بَيْنَ إِطَالَةِ اللِّسَانِ وَتَقْصِيرِ الْإِحْسَانِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 6771

[بَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ]

стр. 6772

(١٤) بَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٩١١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: " أُمُّكَ " قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمُّكَ ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمُّكَ " قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أَبُوكَ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [١٤] بَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ فِي النِّهَايَةِ: الْبِرُّ بِالْكَسْرِ الْإِحْسَانُ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ضِدُّ الْعُقُوقِ، وَهُوَ الْإِسَاءَةُ إِلَيْهِمْ، وَالتَّضْيِيعُ لِحَقِّهِمْ، يُقَالُ: بَرَّ يَبِرُّ فَهُوَ بَارٌّ وَجَمْعُهُ بَرَرَةٌ، وَجَمْعُ الْبَرِّ أَبْرَارٌ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقْرَبِينَ مِنْ ذَوِي النَّسَبِ وَالْأَصْهَارِ، وَالتَّعَطُّفِ عَلَيْهِمْ، وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَالرِّعَايَةِ لِأَحْوَالِهِمْ، وَقَطْعُ الرَّحِمِ ضِدُّ ذَلِكَ، يُقَالُ: وَصَلَ رَحِمَهُ يَصِلُهَا وَصْلًا وَصِلَةً، وَالْهَاءُ فِيهَا عِوَضٌ عَنِ الْوَاوِ الْمَحْذُوفَةِ، فَكَأَنَّهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ قَدْ وَصَلَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنْ عَلَاقَةِ الْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٩١١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ) أَيْ: أَوْلَى وَأَلْيَقُ (بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ أَيْ: بِإِحْسَانِ مُصَاحَبَتِي فِي مُعَاشَرَتِي. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: صَحِبَهُ يَصْحَبُهُ صُحْبَةً بِالضَّمِّ وَصَحَابَةً بِالْفَتْحِ، وَفِي الْقَامُوسِ: صَحِبَهُ كَسَمِعَهُ صَحَابَةً وَيُكْسَرُ وَصَحِبَهُ عَاشَرَهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ هُنَا بِمَعْنَى: الصُّحْبَةِ (قَالَ: أُمُّكَ) : بِالرَّفْعِ كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ إِلَى آخِرِ الرِّوَايَةِ الْأَوْلَى، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ وَهُوَ خَطَأٌ كَمَا سَنَذْكُرُ وَجْهَهُ ( «قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمُّكَ " قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمُّكَ " قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أَبُوكَ» وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ) : قَالَ مِيرَكُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ فَتَأَمَّلْ فِي قَوْلِهِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قُلْتُ: أَرَادَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ مَعْنًى. (أُمَّكَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيِ: الْزَمْ أُمَّكَ، أَيْ: أَحْسِنْ صُحْبَتَهَا أَوْ رِعَايَةَ مُعَاشَرَتِهَا، أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: أَحْسِنْ إِلَيْهَا، أَوْ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: بِرَّ أُمَّكَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. ( «ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ» ) أَيْ: أَقْرَبُكَ (أَدْنَاكَ) : بِحَذْفِ الْعَاطِفِ أَوْ أُعِيدَ لِلتَّأْكِيدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: " أُمُّكَ " إِلَخْ، جَاءَ مَرْفُوعًا فِي رِوَايَةٍ، وَفِي أُخْرَى مَنْصُوبًا، أَمَّا الرَّفْعُ فَظَاهِرٌ وَالنَّصْبُ عَلَى مَعْنَى أَحَقُّ مَنْ أَبَرَّ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ مَنْ أَبَرَّ. اهـ. وَهُوَ مُوهِمٌ أَنَّ أُمَّكَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ جَاءَ مَرْفُوعًا وَمَنْصُوبًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الرَّفْعُ مُتَعَيِّنٌ فِي الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ: أَبُوكَ هُنَاكَ، وَالنَّصْبُ مُتَعَيِّنٌ هُنَا لِقَوْلِهِ أَبَاكَ، فَإِيَّاكَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَخْلِطَ الرِّوَايَةَ فَتُحْرَمَ الدِّرَايَةَ. وَفَى شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: فِيهِ الْحَثُّ عَلَى بِرِّ الْأَقَارِبِ وَأَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّهُمْ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَهَا الْأَبُ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ. قَالُوا: وَسَبَبُ تَقَدُّمِ الْأُمِّ تَعَبُهَا عَلَيْهِ وَشَفَقَتُهَا وَخِدْمَتُهَا، قُلْتُ: وَفِي التَّنْزِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ، فَالتَّثْلِيثُ فِي مُقَابَلَةِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مُخْتَصَّةٍ بِالْأُمِّ، وَهَى تَعَبُ الْحَمْلِ وَمَشَقَّةُ الْوَضْعِ وَمِحْنَةُ الرَّضَاعِ " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6773

٤٩١٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ ". قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٩١٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَغِمَ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: لَصِقَ بِالرُّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ الْمُخْتَلِطَةُ بِالرَّمْلِ (أَنْفُهُ) : وَالْمُرَادُ بِهِ الذُّلُّ، وَهُوَ إِخْبَارٌ أَوْ دُعَاءُ، وَالضَّمِيرُ مُبْهَمٌ سَنُبَيِّنُهُ، وَالْقَصْدُ مِنَ الْإِبْهَامِ، ثُمَّ التَّبْيِينُ كَوْنُهُ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ، وَكَذَا تَأْكِيدُهُ بِإِعَادَتِهِ مَرَّتَيْنِ. (رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ قِيلَ: مَنْ) أَيْ: مَنْ هُوَ أَوْ هُوَ مَنْ أَوْ تَعْنِي مَنْ أَوْ أَنْفُ مَنْ (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ) : فِيهِ تَغْلِيبٌ (عِنْدَ الْكِبَرِ) : خُصَّ بِهِ ; لِأَنَّهُ أَحْوَجُ الْأَوْقَاتِ إِلَى حُقُوقِهِمَا. قَالَ الْمُظْهِرُ: هُوَ ظَرْفٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالظَّرْفُ إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ يَرْفَعُ مَا بَعْدَهُ، فَقَوْلُهُ: (أَحَدُهُمَا) : مَرْفُوعٌ بِالظَّرْفِ وَقَوْلُهُ:

стр. 6774

(أَوْ كِلَاهُمَا) : مَعْطُوفٌ عَلَى أَحَدِهِمَا. اهـ. فَهُمَا فَاعِلَانِ فِي الْمَعْنَى، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: مُدْرِكُهُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، فَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَ شَيْئًا فَقَدْ أَدْرَكَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ. وَفِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ قَوْلُهُ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ الْكِبَرُ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا. الْكِبَرُ: فَاعِلُ أَدْرَكَ، وَأَحَدُهُمَا مَفْعُولُهُ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ مَفْعُولِهِ وَهُوَ وَالِدَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: عِنْدَ الْكِبَرِ بِالْإِضَافَةِ، وَأَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا مَرْفُوعَانِ، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ، وَفِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَغَيْرُهُ فِي بَعْضِهَا إِلَى قَوْلِهِ عِنْدَهُ بِالْهَاءِ وَالْكِبَرُ بِالرَّفْعِ، وَأَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا بِالنَّصْبِ، نَعَمْ هُوَ فِي التِّرْمِذِيِّ، كَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ ﷺ : " «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ» ". اهـ. ثُمَّ عَطَفَ عَلَى (أَدْرَكَ) أَيْ: (ثُمَّ) : بَعْدَ إِدْرَاكِهِ مَا ذُكِرَ وَإِمْهَالِهِ مُدَّةً يَسَعُ فِيهَا قَضَاءَ حُقُوقِهِمَا وَأَدَاءَ بَرِّهِمَا (لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ) : بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ مِنَ الدُّخُولِ أَيْ: لَمْ يَدْخُلْهَا بِسَبَبِ عُقُوقِهِمَا وَالتَّقْصِيرِ فِي حُقُوقِهِمَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ بِرَّهُمَا عِنْدَ كِبَرِهِمَا وَضَعْفِهِمَا بِالْخِدْمَةِ وَالنَّفَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَمَنْ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ فَاتَهُ دُخُولُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، (ثُمَّ) فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ اسْتِبْعَادِيَّةٌ يَعْنِي: ذَلَّ وَخَابَ وَخَسِرَ مَنْ أَدْرَكَ تِلْكَ الْفُرْصَةَ الَّتِي هِيَ مُوجِبَةٌ لِلْفَلَاحِ وَالْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ لَمْ يَنْتَهِزْهَا، وَانْتِهَازُهَا هُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] ، فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى الِاجْتِنَابِ عَنْ جَمِيعِ الْأَقْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ كَرَائِمِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالْخِدْمَةِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ الدُّعَاءُ لَهُمَا فِي الْعَاقِبَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَهُ الْكِبَرُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ» ".

стр. 6775

٤٩١٣ - «وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: " نَعَمْ صِلِيهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩١٣ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) أَيِ: الصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ ( «﵄، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي» ) أَيْ: مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ (وَهِيَ مُشْرِكَةٌ) أَيْ: مَا أَسْلَمَتْ بَعْدُ (فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِقَدِمَتْ أَيْ: كَانَ ذَلِكَ الْقُدُومُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ عَهْدُ الْمُصَالَحَةِ بَيْنَهُ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ عَلَى تَرْكِ قِتَالِهِمْ فِيهَا (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ) أَيْ: نَزَلَتْ عِنْدِي (وَهِيَ رَاغِبَةٌ) : بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مُعْرِضَةٌ عَنِ الْإِسْلَامِ أَوْ مَائِلَةٌ فِيهِ، أَوْ رَاغِبَةٌ فِي صِلَتِي أَوْ رَاغِبَةٌ فِي الْإِشْرَاكِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ رَاغِمَةٌ بِالْمِيمِ أَيْ: كَارِهَةٌ إِسْلَامِي وَهِجْرَتِي، أَوْ ذَلِيلَةٌ مُحْتَاجَةٌ إِلَى عَطَائِي، وَقِيلَ: أَيْ هَارِبَةٌ مِنْ قَوْمِهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ رُوِيَ بِالْبَاءِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمَصَابِيحِ. وَالصَّوَابُ: رَاغِمَةٌ بِالْمِيمِ بَدَلُ الْبَاءِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَوْ رَاهِبَةٌ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: رَاغِبَةٌ بِلَا شَكٍّ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الصَّحِيحُ رَاغِبَةٌ بِلَا شَكٍّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: رَاغِبَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، وَهِيَ رَاغِبَةٌ مُشْرِكَةٌ. قِيلَ: مَعْنَاهُ رَاغِبَةٌ عَنِ الْإِسْلَامِ أَوْ كَارِهَةٌ لَهُ، وَقِيلَ: طَامِعَةٌ فِيمَا أُعْطِيهَا حَرِيصَةٌ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى رَاغِمَةٍ بِالْمِيمِ: كَارِهَةٌ لِلْإِسْلَامِ سَاخِطَةٌ لَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: تَحْرِيرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: رَاغِبَةٌ إِذَا أُطْلِقَتْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ يُقَدَّرُ رَاغِبَةً عَنِ الْإِسْلَامِ لَا غَيْرُ، وَإِذَا قُرِنَتْ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ مُشْرِكَةٌ أَوْ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ يُقَدَّرُ رَاغِبَةً فِي صِلَتِي لِيُطَابِقَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَهِيَ رَاغِمَةٌ. (أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ صِلِيهَا) أَيْ: وَأَعْطِيهَا مَا يُرْضِيهَا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ جَوَازُ صِلَةِ الْقَرِيبِ الْمُشْرِكِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6776

٤٩١٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩١٤ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ آلَ أَبِي) أَيْ: " أَبِي فُلَانٍ " كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، فَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ، وَالْمُكَنَّى عَنْهُ هُوَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَقِيلَ: هُوَ الْحَكَمُ بْنُ الْعَاصِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ طَوَائِفِ قُرَيْشٍ أَوْ بَنِي هَاشِمٍ أَوْ أَعْمَامِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، أَيْ: أَهْلُ أَبِي (لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ) ; لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٩٦] وَفِي نُسْخَةٍ: بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَرُوِيَ مَكْسُورَةً (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ: صُلَحَاؤُهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالصَّالِحِ الْجِنْسُ وَلِذَلِكَ عَمَّ بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ، إِيمَاءٌ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ» "، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ الْأَنْبِيَاءُ، وَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَقِيلَ: عَلِيٌّ، وَالصَّحِيحُ الْعُمُومُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى أَنِّي لَا أُوَالِي أَحَدًا بِالْقَرَابَةِ، وَإِنَّمَا أُحِبُّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، وَأُوَالِي مَنْ وَالَى بِالْإِيمَانِ وَالصَّلَاحِ، وَأُرَاعِي لِذَوِي الرَّحِمِ حَقَّهُمْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَكِنْ لَهُمْ) أَيْ: لِآلِ أَبِي (رَحِمٌ) أَيْ: قَرَابَةٌ أَعَمُّ مِنْ ذِي مَحْرَمٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَبُلُّهَا) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَاللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ: أَصِلُهَا (بِبَلَالِهَا) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الثَّانِيَةِ وَيُفْتَحُ، أَيْ: بِصِلَتِهَا وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَالْأَصْلُ فِي مَعْنَاهُ أَنْ يُقَالَ: أُنَدِّيهَا بِمَا يَجِبُ أَنْ تُنَدَّى لِئَلَّا تَنْقَطِعَ، وَأَصِلُهَا بِمَا يَنْبَغِي أَنْ تُوصَلَ بِهِ، يُقَالُ: الْوَصْلُ بَلٌّ يُوجِبُ الِالْتِصَاقَ وَالِاتِّصَالَ، وَالْهَجْرُ يُبْسٌ يُفْضِي إِلَى التَّعَنُّتِ وَالِانْفِصَالِ، فَالْبِلَالُ بِالْكَسْرِ مَا يُبَلُّ بِهِ الْحَلْقُ مِنَ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَهُنَا مَا يُوصَلُ بِهِ الرَّحِمُ مِنَ الْإِحْسَانِ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: يُرْوَى بِفَتْحِ الْبَاءِ عَلَى الْمَصْدَرِ وَبِكَسْرِهَا جَمْعُ بَلَلٍ مِثْلُ جَمَلٍ وَجِمَالٍ، وَقِيلَ الْكَسْرُ أَوْجَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ عَلَى مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَسُوَيْدِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " «بُلُّوَا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ» " أَيْ: صِلُوهَا وَنَدُّوهَا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْقَطِيعَةِ الْيُبْسُ شَبَّهَ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ بِالْحَرَارَةِ تُطْفَأُ بِالْمَاءِ وَتُنَدَّى بِالصِّلَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6777

٤٩١٥ - وَعَنِ الْمُغِيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ. وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩١٥ - (وَعَنِ الْمُغِيرَةَ) أَيِ: ابْنِ شُعْبَةَ الثَّقَفِيِّ، أَسْلَمَ عَامَ الْخَنْدَقِ وَقَدِمَ مُهَاجِرًا مَاتَ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ أَمِيرُهَا لِمُعَاوِيَةَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ» ) أَيْ: مُخَالَفَتَهُمْ مَنِ الْعَقِّ، وَهُوَ الْقَطْعُ وَالشَّقُّ الْمُرَادُ صُدُورُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ وَلَدِهِ عُرْفًا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَخَصَّ الْأُمَّهَاتِ بِالذِّكْرِ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِنَّ وَضَعْفِهِنَّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ مِنَ الْآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أَيْ: وَالْبَرْدَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَمْ يَخُصَّ الْأُمَّهَاتِ بِالْعُقُوقِ، فَإِنَّ عُقُوقَ الْآبَاءِ مُحَرَّمٌ أَيْضًا، وَلَكِنْ نَبَّهَ بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، فَإِنَّ بِرَّ الْأُمِّ مُقَدَّمٌ عَلَى بِرِّ الْأَبِ إِلَّا أَنَّ لِعُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ مَزِيَّةً فِي الْقُبْحِ، وَحَقُّ الْأَبِ مُقَدَّمٌ فِي الطَّاعَةِ وَحُسْنِ الْمُتَابَعَةِ لِرَأْيِهِ وَالنُّفُوذِ لِأَمْرِهِ، وَقَبُولِ الْأَدَبِ مِنْهُ. (وَوَأْدَ الْبَنَاتِ) : بِسُكُونِ الْهَمْزِ وَيُبْدَلُ، أَيْ: دَفْنَهُنَّ حَيَّاتٍ قِيلَ: قَدَّمَ حُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ ; لِأَنَّهُنَّ الْأُصُولُ وَعَقَّبَهُ بِوَأْدِ الْبَنَاتِ ; لِأَنَّهُنَّ الْفُرُوعُ، فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ قَطْعُ النَّسْلِ الَّذِي هُوَ مُوجِبٌ لِخَرَابِ الْعَالَمِ. (وَمَنَعَ) : بِسُكُونِ النُّونِ وَيُفْتَحُ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ أَوْ مَاضٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: (وَمَنْعًا) بِالتَّنْوِينِ (وَهَاتِ) : بِكَسْرِ التَّاءِ هُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَعْطِ، وَعَبَّرَ بِهِمَا عَنِ الْبُخْلِ وَالسُّؤَالِ أَيْ: كَرِهَ أَنْ يَمْنَعَ الرَّجُلُ مَا عِنْدَهُ وَيَسْأَلَ مَا عِنْدَ غَيْرِهِ، قِيلَ: وَلَمْ يُنَوَّنْ عَلَى رِوَايَةٍ

стр. 6778

الْمَصْدَرِ ; لِأَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَحْذُوفٌ مِنْهُ مُرَادًا، أَيْ: كَرِهَ مَنْعَ مَا عِنْدَهُ وَقَوْلَ هَاتِ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: حَرُمَ عَلَيْكُمْ مَنْعُ مَا عَلَيْكُمْ عَطَاؤُهُ وَطَلَبُ مَا لَيْسَ لَكُمْ أَخْذُهُ. اهـ. وَقِيلَ: نَهَى عَنْ مَنْعِ الْوَاجِبِ مِنْ أَمْوَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ مِنَ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ فِيهَا، وَنَهَى عَنِ اسْتِدْعَاءِ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ، وَتَكْلِيفُهُ إِيَّاهُمْ بِالْقِيَامِ بِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَكَأَنَّهُ يُنْصِفُ وَلَا يَنْتَصِفُ، وَهَذَا مِنْ أَسْمَجِ الْخِلَالِ (وَكَرِهَ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِهَا مَعَ فَتْحِهَا، فِي الْقَامُوسِ: كَرِهَهُ كَسَمِعَهُ وَكَرَّهَهُ إِلَيْهِ تَكْرِيهًا صَيَّرَهُ كَرِيهًا (لَكُمْ) أَيْ: لِأَجَلِكُمْ (قِيلَ وَقَالَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْلُومِ لِلْمَاضِي. فِي الْفَائِقِ: نَهَى عَنْ فُضُولِ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ الْمُجَالِسُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ قِيلَ كَذَا وَقَالَ كَذَا، وَبِنَاؤُهُمَا عَلَى كَوْنِهِمَا فِعْلَيْنِ مَحْكِيَّيْنِ مُتَضَمِّنَيْنِ لِلضَّمِيرِ، وَالْإِعْرَابُ عَلَى إِجْرَائِهِمَا مَجْرَى الْأَسْمَاءِ خَالِيَيْنِ مِنَ الضَّمِيرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: إِنَّمَا الدُّنْيَا قَالَ وَقِيلَ، وَإِدْخَالُ حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِمَا لِذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ: يَعْرِفُ الْقَالَ مِنَ الْقِيلِ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَهَذَا النَّهْيُ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي قَوْلٍ لَا يَصِحُّ وَلَا يُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ، فَأَمَّا مَنْ حَكَى مَا يَصِحُّ وَيُعْرَفُ حَقِيقَتُهُ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى ثِقَةِ صَادِقٍ، فَلَا وَجْهَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَلَا ذَمَّ ; وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فِيهِ تَجُوُّزُ عَرَبِيَّةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجْعَلُ كُلًّا مِنَ الْقِيلِ وَالْقَالِ مَصْدَرًا كَأَنَّهُ نَهَى عَنْ قِيلٍ وَقَوْلٍ. يُقَالُ: قُلْتُ قَوْلًا وَقَالًا وَقِيلًا، وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَى أَنَّهُمَا اسْمَانِ، وَقِيلَ: أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ كَثْرَةِ الْكَلَامِ مُبْتَدِئًا وَمُجِيبًا. وَقِيلَ: هَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ بِعُمُومِهِ حُرْمَةَ النَّمِيمَةِ وَالْغِيبَةِ، فَإِنَّ تَبْلِيغَ الْكَلَامِ مِنْ أَقْبَحِ الْخِصَالِ، وَالْإِصْغَاءَ إِلَيْهَا مِنْ أَفْحَشِ الْفِعَالِ. وَقَالَ شَارِحٌ: قَوْلُهُ: " قِيلَ وَقَالَ " إِمَّا مَصْدَرَانِ أُتِيَ بِهِمَا لِلتَّأْكِيدِ وَحَذْفِ التَّنْوِينِ لِإِرَادَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفِ، أَيْ: كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، أَوْ مَاضِيَانِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَرْكِ الْخَوْضِ فِي أَخْبَارِ النَّاسِ وَتَتَبُّعِ أَحْوَالِهِمْ وَحِكَايَةِ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: الْمُرَادُ بِهَا كَثْرَةُ الْكَلَامِ ; لِأَنَّهَا تَؤُولُ إِلَى الْخَطَأِ فِي الْمُرَامِ، وَقِيلَ حِكَايَةُ أَقَاوِيلِ النَّاسِ، وَالْبَحْثُ عَنْهَا لِيُخْبِرَ بِهَا وَيَقُولَ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا وَقِيلَ لَهُ كَذَا، وَالنَّهْيُ إِمَّا لِلزَّجْرِ عَنِ الِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ، أَوْ لِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ أَنْ يَكْرَهَهُ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ، ثُمَّ هُمَا فِعْلَانِ ذُكِرَا عَلَى الْحِكَايَةِ، وَقِيلَ: اسْمَانِ مَصْدَرَانِ بِمَعْنَى الْقَوْلِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ (قِيلٌ وَقَالٌ) بِالتَّنْوِينِ. (وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) : بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ وَفِيهِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: مَا فِي الْفَائِقِ: السُّؤَالُ عَنْ أُمُورِ النَّاسِ وَكَثْرَةُ الْبَحْثِ عَنْهَا. وَثَانِيهَا: مَسْأَلَةُ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَلَا أَرَى حَمْلَهُ عَلَى هَذَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْكَثْرَةِ. وَثَالِثُهَا: كَثْرَةُ السُّؤَالِ فِي الْعِلْمِ لِلِامْتِحَانِ وَإِظْهَارِ الْمِرَاءِ، وَقِيلَ بِلَا حَاجَةٍ أَوْ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ قَدْ يُفْضِي بِهِ إِلَى مَا لَا يَعْنِيهِ. وَرَابِعُهَا: كَثْرَةُ سُؤَالِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ، (وَإِضَاعَةَ الْمَالِ) فِي الْفَائِقِ: هُوَ إِنْفَاقُهُ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالسَّرَفِ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قِيلَ: وَالتَّقْسِيمُ الْحَاصِرُ فِيهِ الْحَاوِي بِجَمِيعِ أَقْسَامِهِ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ الَّذِي يُصْرَفُ إِلَيْهِ الْمَالُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا كَالنَّفَقَةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا، فَهَذَا لَا ضَيَاعَ فِيهِ، وَهَكَذَا إِنْ كَانَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا وَلَا إِشْكَالَ إِلَّا فِي هَذَا الْقِسْمِ، إِذْ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمُورِ يَعُدُّهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ كَذَلِكَ كَتَشْيِيدِ الْأَبْنِيَةِ وَتَزْيِينِهَا وَالْإِسْرَافِ فِي النَّفَقَةِ، وَالتَّوَسُّعِ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ النَّاعِمَةِ وَالْأَطْعِمَةِ الشَّهِيَّةِ اللَّذِيذَةِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ قَسَاوَةَ الْقَلْبِ وَغِلَظَ الطَّبْعِ يَتَوَلَّدُ مِنْ لُبْسِ الرِّقَاقِ، وَأَكْلِ الرُّقَاقِ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الِارْتِفَاقِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَمْوِيهُ الْأَوَانِي وَالسُّقُوفِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَسُوءُ الْقِيَامِ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ، حَتَّى تَضِيعَ وَتَهْلَكَ، وَقِسْمَةُ مَا لَا يَنْتَفِعُ الشَّرِيكُ بِهِ كَاللُّؤْلُؤَةِ وَالسَّيْفِ يُكْسَرَانِ، وَكَذَا احْتِمَالُ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ فِي الْبِيَاعَاتِ، وَإِيتَاءُ الْمَالِ صَاحَبَهُ وَهُوَ سَفِيهٌ حَقِيقٌ بِالْحَجْرِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ حُسْنِ الْخُلُقِ الَّذِي هُوَ مَنْبَعُ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَالْخِلَالِ الْجَمِيلَةِ. قُلْتُ: وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَبَدَائِعِ الْحِكَمِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ السَّجْعِ حَيْثُ لَا تَكَلُّفَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6779

٤٩١٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: " نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩١٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَيِ: ابْنُ الْعَاصِ ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مِنَ الْكَبَائِرِ) أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهَا أَوْ بَعْضِهَا ( «شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ» ) أَيْ: سَبُّهُ إِيَّاهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا وَلَوْ تَسَبُّبًا ( «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ» ) : بِكَسْرِ عَيْنِهِ وَيُضَمُّ يَسُبُّ (الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) أَيْ: هَلْ يَقَعُ ذَلِكَ (قَالَ: نَعَمْ) أَيْ: يَقَعُ حَقِيقَةً تَارَةً وَهُوَ نَادِرٌ وَمَجَازًا أُخْرَى، وَهُوَ كَثِيرٌ لَكِنْ مَا تَعْرِفُونَهُ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ( «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ» ) أَيِ: الرَّجُلُ (أَبَاهُ) أَيْ: أَبَا مَنْ سَبَّهُ (وَيَسُبُّ) أَيْ: تَارَةً أُخْرَى، وَقَدْ يَجْمَعُ وَيَسُبُّ أَيْضًا (أُمَّهُ) أَيْ: أُمَّ الرَّجُلِ (فَيَسُبُّ) أَيِ: الرَّجُلُ (أُمَّهُ) أَيْ: أُمَّ سَابِّهِ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الشَّتْمِ وَالسَّبِّ تَفَنُّنٌ، فَفِي الْقَامُوسِ: شَتَمَهُ يَشْتِمُهُ وَيَشْتُمُهُ: سَبَّهُ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَيُقَالُ: السَّبُّ أَعَمُّ، فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلَّعْنِ أَيْضًا بِخِلَافِ الشَّتْمِ، وَأَصْلُ السَّبِّ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ قَطْعُهُ وَطَعْنُهُ فِي السُّبَّةِ أَيِ: الْأَسْتِ وَشَتْمُهُ، وَالسُّبَّةُ بِالضَّمِّ الْعَارُ. قِيلَ: وَإِنَّمَا يَصِيرُ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِذَا كَانَ الشَّتْمُ مِمَّا يُوجِبُ حَدًّا كَمَا إِذَا شَتَمَهُ بِالزِّنَا وَالْكُفْرِ، وَقَالَ لَهُ: أَبُوكَ زَانٍ أَوْ كَافِرٌ أَوْ نَحْوُهُمَا، فَقَالَ فِي جَوَابِهِ: بَلْ أَبُوكَ كَافِرٌ أَوْ زَانٍ، أَمَّا إِذَا شَتَمَهُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ لَهُ أَبُوكَ أَحْمَقُ أَوْ جَاهِلٌ أَوْ نَحْوُهُمَا، فَلَا يَكُونُ مِنَ الْكَبَائِرِ. قُلْتُ: إِذَا كَانَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ كَبِيرَةً فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ سَبَبَ السَّبِّ سَبٌّ، فَكَأَنَّهُ وَاجَهَ أَبَاهُ بِقَوْلِهِ أَنْتَ أَحْمَقُ أَوْ جَاهِلٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنَ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وَنَحْوَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ، قُلْتُ: السَّبُّ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً، لَا سِيَّمَا إِذَا وُجِدَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَنْ سَبَّ رَافِضِيًّا أَوْ خَارِجِيًّا، فَسَبَّ أَحَدُهُمَا بَعْضَ الصَّحَابَةِ لَا يُعَدُّ الْأَوَّلُ سَابًّا، وَكَذَا إِذَا كَانَ أَحَدُ بَعْضِ الْكُفَّارِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ، فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ كَافِرًا، نَعَمْ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ، لَكِنْ بِشَرْطِ قَصْدِهِ وَعِلْمِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ قَطْعٌ بِتَحْرِيمِ الْوَسَائِلِ وَالذَّرَائِعِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُ الْخَمْرَ وَالسِّلَاحَ مِمَّنْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَنَحْوَ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ هَذَا الْحُكْمُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْغَضَبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «مِنَ الْكَبَائِرِ اسْتِطَالَةُ الرَّجُلِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَمِنَ الْكَبَائِرِ الْبُهْتَانُ بِالسُّبَّةِ» ".

стр. 6780

٤٩١٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٩١٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ» ) أَيْ: أَفْضَلُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَالِدِهِ، وَكَذَا الْوَالِدَةُ أَوْ هِيَ بِالْأُولَى ( «صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ» ) : بِضَمِّ الْوَاوِ أَيْ: أَصْحَابُ مَوَدَّتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْوُدُّ: الْحُبُّ وَالْمُحِبُّ وَيُثَلَّثُ. اهـ. وَإِرَادَةُ الْمَعْنَى الثَّانِي أَبْلَغُ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى. ( «بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ» ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: يُدْبِرُ وَيَغِيبُ بِسَفَرٍ أَوْ مَوْتٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِكَوْنِهِ أَبْعَدَ مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، فَيَكُونُ أَخْلَصَ فَأَجْرُهُ أَكْثَرُ، وَلِمَا رَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصِلَ أَبَاهُ فِي قَبْرِهِ، فَلْيَصِلْ إِخْوَانَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِمَّا يَتَخَبَّطُ النَّاسُ فِيهَا، وَالَّذِي أَعْرِفُهُ هُوَ أَنَّ الْفِعْلَ مُسْنَدٌ إِلَى أَبِيهِ أَيْ: بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ أَبُوهُ أَوْ يَمُوتَ مِنْ وَلَّى يُوَلِّي، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ يَعْنِي: الْآتِي إِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَكَذَا صُحِّحَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَمَشَارِقِ الْأَنْوَارِ أَنْ يُوَلَّى بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْخَبْطَ جَاءَ مِنْ قَبِيلِ

стр. 6781

الضَّبْطِ بِأَنَّ ضَبْطَ (يُوَلِّيَ) مَجْهُولًا أَوْ مَعْلُومًا مِنَ التَّوَلِّي، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْإِسْنَادِ ; حَيْثُ أُسْنِدَ إِلَى أَهْلِ وُدِّ أَبِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الْمَعْنَى: أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمَبَرَّاتِ الْفُضْلَى مَبَرَّةَ الرَّجُلِ مِنْ أَحِبَّاءِ أَبِيهِ، فَإِنَّ مَوَدَّةَ الْآبَاءِ قَرَابَةُ الْأَبْنَاءِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ إِذَا غَابَ الْأَبُ أَوْ مَاتَ يَحْفَظُ أَهْلَ وُدِّهِ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْأَبِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَبَرَّ ; لِأَنَّهُ إِذَا حَفِظَ غَيْبَتَهُ فَهُوَ يَحْفَظُ حُضُورَهُ أَوْلَى، وَإِذَا رَاعَى أَهْلَ وُدِّهِ فَكَانَ مُرَاعَاةُ أَهْلِ رَحِمِهِ أَحْرَى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6782

٤٩١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؟ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩١٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ» ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُوَسَّعُ (لَهُ فِي رِزْقِهِ) أَيْ: فِي دُنْيَاهُ أَوْ آخِرَتِهِ (وَيُنْسَأُ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ فَنَصْبٍ فَهَمْزَةٍ أَيْ: يُؤَخَّرُ (لَهُ فِي أَثَرِهِ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: أَجَلِهِ (فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) : فِي النِّهَايَةِ: النَّسَأُ التَّأْخِيرُ يُقَالُ: نَسَأْتُ الشَّيْءَ أَنْسَأُ وَأَنْسَأْتُهُ إِنْسَاءً: إِذَا أَخَّرْتَهُ، وَالنَّسَاءُ الِاسْمُ، وَيَكُونُ فِي الْعُمُرِ وَالدِّينِ وَالْأَثَرِ وَالْأَجَلِ، وَيُسَمَّى بِهِ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْعُمُرَ. قَالَ زُهَيْرٌ: يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا ... وَالنَّفْسُ وَاحِدَةٌ وَالْهَمُّ مُنْتَشِرُ وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ ... لَا يَنْتَهِي الْعُمُرُ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَثَرُ وَأَصْلُهُ مِنْ أَثَرِ مَشْيِهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ، فَلَا يُرَى لِأَقْدَامِهِ فِي الْأَرْضِ أَثَرٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي تَأْخِيرِ الْأَجَلِ سُؤَالٌ مَشْهُورٌ، وَهُوَ أَنَّ الْآجَالَ وَالْأَرْزَاقَ مُقَدَّرَةٌ وَلَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] ، وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِوُجُوهٍ، أَحَدِهَا: أَنَّ الزِّيَادَةَ بِالْبَرَكَةِ فِي الْعُمُرِ بِسَبَبِ التَّوْفِيقِ فِي الطَّاعَاتِ وَعِمَارَةِ أَوْقَاتِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَصِيَانَتِهَا عَنِ الضَّيَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَظْهَرُ لَهُمْ فِي اللَّوْحِ أَنَّ عُمْرَهُ سِتُّونَ سَنَةً إِلَّا أَنْ يَصِلَ رَحِمَهُ، فَإِنْ وَصَلَهَا زِيدَ لَهُ أَرْبَعُونَ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مَا سَيَقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] ، فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا سَبَقَ قَدَرُهُ لَا زِيَادَةَ، بَلْ هِيَ مُسْتَحِيلَةٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ظَهَرَ لِلْمَخْلُوقِينَ يُتَصَوَّرُ الزِّيَادَةُ وَهُوَ مُرَادُ الْحَدِيثِ، وَثَالِثِهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بَقَاءُ ذِكْرِهِ الْجَمِيلِ بَعْدَهُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَهُوَ ضَعِيفٌ. اهـ. وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْقَوْلِ الْأَوْسَطِ: إِنَّهُ مُرَادُ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ بَرَكَةَ الْعُمُرِ وَتَوْفِيقَ الْعَمَلِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَدَّرَاتِ الَّتِي لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَكَذَا الْأَخِيرُ، وَإِنَّمَا ضَعْفُهُ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الصِّيتِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ غَالِبًا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُرَادَ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تُزِيدُ فِي الْعُمُرِ، فَإِرَادَةُ غَيْرِ الْأَجَلِ الْمُتَعَارَفِ خِلَافُ الْحَقِيقَةِ، وَالْعُدُولُ مِنْهَا إِلَى الْمَجَازِ غَيْرُ جَائِزٍ بِلَا ضَرُورَةٍ. وَقَدْ غَفَلَ الطِّيبِيُّ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، فَتَعَقَّبَ النَّوَوِيَّ عَلَى غَيْرِ الْمَبْنَى، فَقَالَ: وَكَانَ هَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرَ، فَإِنَّ أَثَرَ الشَّيْءِ حُصُولُ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ، فَمَعْنَى يُؤَخَّرُ فِي أَثَرِهِ أَيْ: يُؤَخَّرُ ذِكْرُهُ الْجَمِيلُ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ يُجْرَى لَهُ ثَوَابُ عَمَلِهِ الصَّالِحِ بَعْدَ مَوْتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] ، قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ الْمَعْنَى الثَّانِيَ عَامٌّ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِوَاصِلِ الرَّحِمِ. بَقِيَ الْأَوَّلُ قَالَ: وَعَلَيْهِ كَلَامُ صَاحِبِ الْفَائِقِ ; حَيْثُ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ يُبْقِي أَثَرَ وَاصِلِ الرَّحِمِ فِي الدُّنْيَا طَوِيلًا، فَلَا يَضْمَحِلُّ سَرِيعًا كَمَا يَضْمَحِلُّ أَثَرُ قَاطِعِ الرَّحِمِ. قُلْتُ: كَيْفَ يَجُوزُ مَا عَبَّرَ عَنْهُ الْفَائِقُ بِيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَظْهَرَ فِي مُرَادِ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَأَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 6783

٤٩١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوَيِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطْعِيَّةِ. قَالَ: " أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ! قَالَ: فَذَاكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩١٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ» ) أَيْ: قَدَّرَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْعِلْمِ السَّابِقِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَقْتَ وُجُودِهِمْ، (فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ) أَيْ: لَمَّا صَحَّ ذَلِكَ وَوَقَعَ مَا هُنَالِكَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: قَضَاهُ وَأَتَمَّهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْهَدُ بِأَنَّهُ مَجَازُ الْقَوْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ حَتَّى يُطْلَقَ عَلَيْهِ الْفَرَاغُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الشَّغْلِ. (قَامَتِ الرَّحِمُ) أَيْ: قِيَامُ صُورَةٍ مُصَوَّرَةٍ أَوْ مَعْنَوِيَّةٍ مُقَدَّرَةٍ (فَأَخَذَتْ بِحَقْوَيِ الرَّحْمَنِ) أَيْ: بِكَتِفَيْ رَحْمَتِهِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَالْحَقْوُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ الْإِزَارُ وَالْخَصْرُ، وَمَعْقِدُ الْإِزَارِ فِي اللُّغَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ الِاسْتِعَارَةُ عَنِ الِاسْتِغَاثَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ، كَمَا يُقَالُ: أَخَذْتُ بِذَيْلِ الْمَلِكِ حَتَّى أَنْصَفَنِي، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِ الْمُسْتَجِيرِ أَنْ يَسْتَمْسِكَ بِحَقْوَيِ الْمُسْتَجَارِ بِهِ، وَهُمَا جَنْبَاهُ الْأَيْمَنُ وَالْأَيْسَرُ اسْتَعَارَ الْأَخْذَ بِالْحَقْوَيْنِ فِي اللِّيَاذِ بِالشَّيْءِ. تَقُولُ الْعَرَبُ: عُذْتُ بِحَقْوِ فُلَانٍ أَيِ: اسْتَجَرْتُ وَاعْتَصَمْتُ بِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّحِمَ اسْتَعَاذَتْ بِلِسَانِ الْمَقَالِ، أَوْ بَيَانِ الْحَالِ، وَالْتَجَأَتْ وَعَاذَتْ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ مِنْ أَنْ يَقْطَعَهَا أَحَدٌ، وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الرَّحْمَنِ لَا يَخْفَى مِنْ مُنَاسَبَةِ الْمَبْنَى وَالْمَعْنَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ بِحَقْوَيْ عَرْشِ الرَّحْمَنِ أَيْ: بِطَرَفَيْهِ، أَوْ أَطْرَافِ ذَيْلِهِ مُتَرَدِّدَةً مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي: الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ. (فَقَالَ: مَهْ) بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ هَاءٍ اسْمُ فِعْلٍ أَيِ: اكْفُفِي وَامْتَنِعِي عَنْ هَذَا الِالْتِجَاءِ، فَإِنَّ حَاجَتَكِ مَقْضِيَّةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ اسْتِفْهَامًا وَقُلِبَتِ الْأَلِفُ هَاءً، وَيُمْكِنُ حَذْفُ أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ، ثُمَّ إِتْيَانُ هَاءِ السَّكْتِ، وَالْمَعْنَى مَا يَقُولُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْأَمْرُ بِإِظْهَارِ الْحَاجَةِ لِيُعْلَمَ الِاعْتِنَاءُ بِهَا لَا الِاسْتِعْلَامُ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى. (قَالَتْ: هَذَا) أَيْ: مَقَامِي هَذَا (مَقَامُ الْعَائِذِ) أَيِ: الْمُسْتَعِيذُ بِكَ (مِنَ الْقَطِيعَةِ) أَيْ: قَطِيعَتِي، وَالْمَعْنَى: أَنَّ سَبَبَ عِيَاذِي وَبَاعِثَ لِيَاذِي بِذَيْلِ رَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَنْ يَقْطَعَنِي أَحَدٌ، فَيَقَعُ فِي غَضَبِكَ وَسُخْطِكَ (قَالَ أَلَا تَرْضَيْنَ) بِفَتْحِ الضَّادِ أَيْ: أَلَا تُحِبِّينَ ( «أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ» ) أَيْ: أَرْضَى بِذَلِكَ، فَإِنَّكَ الرَّبُّ تُرْبِي مَنْ تَشَاءُ بِمَا تَشَاءُ وَتُعْطِي مَنْ تَشَاءُ مَا تَشَاءُ. (قَالَ: فَذَاكِ) . بِكَسْرِ الْكَافِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: لَكِ، وَالْمَعْنَى: أَفْعَلُ مَا قُلْتِ مِنَ الْوَصْلِ وَالْقَطْعِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الرَّحِمُ الَّتِي تُوصَلُ وَتُقْطَعُ إِنَّمَا هِيَ مَعْنَى مِنَ الْمَعَانِي، وَالْمَعَانِي لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا الْقِيَامُ وَلَا الْكَلَامُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ تَعْظِيمَ شَأْنِهَا وَفَضِيلَةَ وَاصِلِهَا وَعِظَمَ إِثْمِ قَاطِعِهَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَطِيعَتَهَا مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَلِلصِّلَةِ دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا أَرْفَعُ مِنْ بَعْضٍ، وَأَدْنَاهَا تَرْكُ الْمُهَاجَرَةِ، وَصِلَتُهَا بِالْكَلَامِ وَلَوْ بِالسَّلَامِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقُدْرَةِ وَالْحَاجَةِ، فَمِنْهَا وَاجِبٌ، وَمِنْهَا مُسْتَحَبٌّ، وَلَوْ وَصَلَ بَعْضَ الصِّلَةِ وَلَمْ يَصِلْ غَايَتَهَا وَلَا يُسَمَّى قَاطِعًا، وَلَوْ قَصَّرَ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ لَا يُسَمَّى وَاصِلًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6784

٤٩٢٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الرَّحِمُ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ. فَقَالَ اللَّهُ مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٩٢٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الرَّحِمُ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ أَيْ: رَحِمُ الْأَقَارِبِ كَيْفَ كَانُوا (شِجْنَةٌ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِضَمِّ وَسُكُونِ الْجِيمِ فَنُونٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: إِنَّهَا مُثَلَّثَةٌ وَضُبِطَ فِي النِّهَايَةِ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ، وَبَعْضُ الشُّرَّاحِ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ عُرُوقُ الشَّجَرِ الْمُشْتَبِكَةُ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ (مِنَ الرَّحْمَنِ) أَيْ مِنَ الْحَرَمِ الْمُشْتَقِّ مِنِ اسْمِ الرَّحْمَنِ، فَكَأَنَّهَا مُشْتَبِكَةٌ بِهِ اشْتِبَاكَ الْعُرُوقِ، وَقِيلَ فِي وَجْهِ الشَّجْنَةِ أَنَّ حُرُوفَ الرَّحِمِ مَوْجُودَةٌ فِي اسْمِ الرَّحْمَنِ، وَمُتَدَاخِلَةٌ فِيهِ كَتَدَاخُلِ الْعُرُوقِ لِكَوْنِهَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ مُشْتَبِكَةٌ بِهَا، فَالْقَاطِعُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْوَاصِلُ فِيهَا وَاصِلٌ إِلَى رَحْمَتِهِ تَعَالَى كَمَا بَيَّنَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ( «فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ» ) أَيْ: أَيُّهَا الرَّحِمُ بِالصِّلَةِ (وَصَلْتُهُ) أَيْ: بِالرَّحْمَةِ ( «وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ» ) أَيْ: عَنْهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَلَكِنْ عَنْ عَائِشَةَ.

стр. 6785

٤٩٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩٢١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ» ) : أَيُّ مُسْتَمْسِكَةٌ بِعَرْشِ الرَّحْمَنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِذَيْلِهِ مُسْتَجِيرَةٌ مِنَ الْقَطِيعَةِ مُخْبِرَةٌ عَنْ حُكْمِ الصِّلَةِ (تَقُولُ) أَيْ: بِطَرِيقِ الْإِخْبَارِ بِدَايَةً وَرِوَايَةً وَحِكَايَةً وَتَلَذُّذًا بِمَا سَمِعَتْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَاءِ ( «مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ» ) ، أَيْ: بِحُسْنِ رِعَايَتِهِ وَبِجَمِيلِ حِمَايَتِهِ ( «وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» ) أَيْ: عَنْ عَيْنِ عِنَايَتِهِ، وَمِنْ كَمَالِ رَحْمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ، فَالْوَصْلُ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِقْبَالِ إِلَيْهِ وَالْقَبُولِ مِنْهُ، وَالْقَطْعُ عِبَارَةٌ عَنِ الْغَضَبِ عَلَيْهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الرَّحِمِ الَّتِي يَجُبُّ صِلَتُهَا فَقِيلَ: فِي كُلِّ رَحِمٍ مُحَرَّمٍ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ أَحَدُهَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى حَرُمَتْ مُنَاكَحَتُهَمَا، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَعْمَامِ، وَأَوْلَادُ الْأَخْوَالِ، وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِلُ بِتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا فِي النِّكَاحِ وَنَحْوِهِ، وَجَوَازُ ذَلِكَ فِي بَنَاتِ الْأَعْمَامِ، وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ رَحِمٍ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فِي الْمِيرَاثِ يَسْتَوِي الْمُحَرَّمُ وَغَيْرُهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : " «ثُمَّ أَدْنَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ» " قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْقَائِلُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّمَا هُوَ تَعْرِيفُ ذِي رَحِمِ مُحَرَّمٍ لَا مُطْلَقُ الرَّحِمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ أُسْنِدَ إِلَى مُسْلِمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 6786

٤٩٢٢ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» " مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩٢٢ - (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) : مَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» ) أَيْ: لِلرَّحِمِ أَوْ لِلطَّرِيقِ، وَيَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ إِيرَادُهُ فِي هَذَا الْبَابِ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ " قَدْ سَبَقَ نَظَائِرُهُ مِمَّا حُمِلَ تَارَةً عَلَى مَنْ يَسْتَحِلُّ الْقَطْعَةَ بِلَا سَبَبٍ، وَلَا شُبْهَةَ مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهَا، وَأُخْرَى لَا يَدْخُلُهَا مَعَ السَّابِقَيْنِ. قُلْتُ: وَأُخْرَى لَا يَدْخُلُهَا مَعَ النَّاجِينَ مِنَ الْعَذَابِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.

стр. 6787

٤٩٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٩٢٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ وَفِي نُسْخَةٍ بِلَا وَاوٍ. قَالَ مِيرَكُ: الصَّحِيحُ أَنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَا ابْنُ عُمَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: وَكَذَا أَسْنَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى ابْنِ عَمْرٍو (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ الْوَاصِلُ» ) أَيْ: وَاصِلُ الرَّحِمِ (بِالْمُكَافِئِ) : بِكَسْرِ فَاءٍ فَهَمْزٍ أَيِ: الْمُجَازِي لِأَقَارِبِهِ إِنْ صِلَةً فَصِلَةٌ، وَإِنْ قَطْعًا فَقَطْعٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْكَمَالِ ( «وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ» ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَفَتْحِ اللَّامِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَخْفِيفِ النُّونِ وَكَسْرِهَا لِلِالْتِقَاءِ وَرَفْعِ اللَّامِ أَيْ: وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الْعَمَلَ ( «الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ» ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (رَحِمُهُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى نِيَابَةِ الْفَاعِلِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْجَامِعِ إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ وَنَصْبِ رَحِمِهِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (وَصَلَهَا) أَيْ: قَرَابَتَهُ الَّتِي تُقْطَعُ عَنْهُ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥] ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ عَلَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيٍّ: " صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وَأَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ، وَقُلِ الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ ". هَذَا وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّعْرِيفُ فِي الْوَاصِلِ لِلْجِنْسِ أَيْ: لَيْسَ حَقِيقَةُ الْوَاصِلِ وَمَنْ يُعْتَدُّ بِوَصْلِهِ مَنْ يُكَافِئُ صَاحِبَهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُكَ: هُوَ لَيْسَ بِالرَّجُلِ، بَلِ الرَّجُلُ مَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ الْمَكَارِمُ وَالْفَضَائِلُ، وَالرِّوَايَةُ فِي لَكِنْ بِالتَّشْدِيدِ، وَإِنْ جَازَ التَّخْفِيفُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ.

стр. 6788

٤٩٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ. فَقَالَ: " لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٩٢٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً» ) أَيْ: ذَوِي قَرَابَةٍ ( «أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِّي» ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيُخَفَّفُ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَصْلِ الْمَأْتِيَّ إِلَيْهِمْ وَبِالْقَطْعِ ضِدَّهُ، إِذْ قَالَ: (وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ) أَيْ: بِالْبِرِّ وَالْوَفَاءِ (وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ) ، أَيْ: بِالْجَوْرِ وَالْجَفَاءِ (وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ) أَيْ: بِالْعَفْوِ وَالتَّحَمُّلِ (وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ) أَيْ: بِالسَّبِّ وَالْغَضَبِ، وَكَانَ لَفْظَةُ (عَلَيَّ) سَاقِطَةً فِي أَصْلِ الطِّيبِيِّ، فَقَالَ: قَوْلُهُ: (وَيَجْهَلُونَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ: عَلَيَّ يَعْنِي يَغْضَبُونَ، ثُمَّ هَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: وَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي أَبِي ... وَبَيْنَ بَنِي عَمِّي لِمُخْتَلِفٌ جِدًّا إِذَا أَكَلُوا لَحْمِي وَفَّرْتُ لُحُومَهُمْ ... وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدًا وَإِنْ ضَيَّعُوا غَيْبِي حَفِظْتُ غُيُوبَهُمْ ... وَإِنْ هُمْ هَوُوا غَيِّي هَوِيتُ لَهُمْ رُشْدَا (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ، ﷺ (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ) أَيْ: إِنْ كَانَ مَقُولُكَ كَمَا قُلْتَ، أَوْ إِنْ كُنْتَ مِثْلَ مَا قُلْتَ مِنَ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْجَزِيلَةِ (فَكَأَنَّمَا) : بِالْفَاءِ تُسِفُّهُمْ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَتَشْدِيدِ فَاءٍ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّفُوفِ وَبِالْفَتْحِ، يُقَالُ: سَفِفْتُهُ بِالْكَسْرِ أَسُفُّهُ وَأَسْفَفْتُهُ غَيْرِي أَيْ: تُلْقِي فِي وُجُوهِهِمُ (الْمَلَّ) ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيِ: الرَّمَادُ الْحَارُّ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ الْخُبْزُ لِيَنْضَجَ، أَيْ: تَجْعَلُ الْمِلَّةَ لَهُمْ سَفُوفًا يَسُفُّونَهُ، وَالْمَعْنَى إِذَا لَمْ يَشْكُرُوا، فَإِنَّ عَطَاءَكَ إِيَّاهُمْ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ وَنَارٌ فِي بُطُونِهِمْ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ إِحْسَانُكَ إِلَيْهِمْ إِذَا كَانُوا يُقَابِلُونَهُ بِالْإِسَاءَةِ يَعُودُ وَبَالًا عَلَيْهِمْ، حَتَّى كَأَنَّكَ فِي إِحْسَانِكَ إِلَيْهِمْ مَعَ إِسَاءَتِهِمْ إِيَّاكَ أَطْعَمْتَهُمُ النَّارَ. اهـ. وَقِيلَ: إِنَّكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ تُخْزِيهِمْ وَتُحَقِّرُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، فَصَارُوا كَمَنْ سَفَّ الْمَلَّ، وَقِيلَ: إِحْسَانُكَ إِلَيْهِمْ كَالْمَلِّ يَحْرِقُ أَحْشَاءَهُمْ، وَقِيلَ: يَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ كَلَوْنِ الرَّمَادِ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّمَا) فِي الْمَصَابِيحِ وَمُسْلِمٍ وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ بِالْفَاءِ، وَالظَّاهِرُ بِاللَّامِ ; لِأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: لَئِنْ كُنْتَ مُوطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وَهَذِهِ جَوَابُهُ سَدَّ مَسَدَّ جَوَابِ الشَّرْطِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُعْكَسَ وَيُجْعَلَ جَزَاءَ الشَّرْطِ سَادًّا مَسَدَّ جَوَابِ الْقَسَمِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَكَأَنَّمَا ( «وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ» ) أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ (ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ) أَيْ: مُعِينٌ لَكَ عَلَيْهِمْ وَدَافِعٌ عَنْكَ أَذَاهُمْ (مَادُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذَكَرْتَ مِنْ إِحْسَانِكَ وَإِسَاءَتِهِمْ، فَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَئِنْ كُنْتَ، وَإِنْ عُطِفَتْ عَلَى (فَكَأَنَّمَا) فَقَوْلُهُ: (مَادُمْتَ) وَاقِعٌ مَوْقِعَ التَّأْكِيدِ وَإِشْعَارٌ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَسْلَكُ السَّدِيدُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّفْسِ لَشَدِيدًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 6789

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٩٢٥ - عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٩٢٥ - (عَنْ ثَوْبَانَ) أَيْ: مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ» ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَقَدْ يُسَكَّنُ أَيِ: الْقَضَاءَ الْمُعَلَّقَ (إِلَّا الدُّعَاءُ) ، أَيِ: الْمُسْتَجَابُ الْمُحَقَّقُ ( «وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ» ) بِضَمَّتَيْنِ، وَهُوَ الْأَفْصَحُ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: أَيَّامُ الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ الَّتِي خُلِقَتْ لِعِمَارَةِ الْحَيَاةِ الْبَاقِيَةِ (إِلَّا الْبِرُّ) ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ، فَالدُّنْيَا مَعْمَرٌ وَالْآخِرَةُ مَعْبَرٌ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَدَرِ أَمْرًا لَوْلَا الدُّعَاءُ لَكَانَ مُقَدَّرًا وَبِالْعُمُرِ مَا لَوْلَا الْبِرُّ لَكَانَ قَصِيرًا، وَهُوَ الْقَضَاءُ الْمُعَلَّقُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ الْمَكْشُوفِ لِمَلَائِكَتِهِ، وَبَعْضِ خُلَّصِ عِبَادِهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، لَا مِنَ الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِأُمِّ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] ، فَيَكُونُ الدُّعَاءُ وَالْبِرُّ سَبَبَيْنِ مِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ، وَهُمَا

стр. 6790

مُقَدَّرَانِ أَيْضًا كَتَقْدِيرِ حَسَنِ الْأَعْمَالِ وَسَيِّئِهَا اللَّذَيْنِ مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، مَعَ أَنَّهُمَا مُقَدَّرَانِ أَيْضًا، أَوِ الْمُرَادُ بِرَدِّ الْقَدَرِ تَسْهِيلٌ لِلْأَمْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ قَدْ رُدَّ، وَالْمُرَادُ بِزِيَادَةِ الْعُمُرِ الْبَرَكَةُ فِيهِ، فَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ ذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ دَوَامَ الْمَرْءِ عَلَى الدُّعَاءِ يُطَيِّبُ لَهُ وُرُودَ الْقَضَاءِ، فَكَأَنَّمَا رَدَّهُ وَالْبِرُّ يُطَيِّبُ لَهُ عَيْشَهُ، فَكَأَنَّمَا زِيدَ فِي عُمُرِهِ، وَالذَّنْبُ يُكَدِّرُ عَلَيْهِ صَفَاءَ رِزْقِهِ إِذَا فَكَّرَ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ فَكَأَنَّمَا حُرِمَهُ. (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ وَقَوْلُهُ: (الرِّزْقَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَالْمَعْنَى: لِيَصِيرَ مَحْرُومًا مِنَ الرِّزْقِ (بِالذَّنْبِ) أَيْ: بِسَبَبِ ارْتِكَابِهِ (يُصِيبُهُ) أَيْ: حَالُ كَوْنِهِ يُصِيبُ الذَّنْبَ وَيَكْتَسِبُهُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَادَ بِالرِّزْقِ ثَوَابُ الْآخِرَةِ، وَثَانِيهُمَا: أَنْ يُرَادَ بِهِ الرِّزْقُ الدُّنْيَوِيُّ مِنَ الْمَالِ وَالصِّحَّةُ وَالْعَافِيَةُ، وَعَلَى هَذَا إِشْكَالٌ فَإِنَّا نَرَى الْكُفَّارَ وَالْفُسَّاقَ أَكْثَرَ مَالًا وَصِحَّةً مِنَ الصُّلَحَاءِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدِيثَ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِ يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ أَنْ يَرْفَعَ دَرَجَتَهُ فِي الْآخِرَةِ، فَيُعَذِّبُهُ بِسَبَبِ ذَنْبِهِ الَّذِي يُصِيبُهُ فِي الدُّنْيَا. قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْقَضَاءِ الْمُعَلَّقِ ; لِأَنَّ الْآجَالَ وَالْآمَالَ وَالْأَخْلَاقَ وَالْأَرْزَاقَ كُلَّهَا بِتَقْدِيرِهِ وَتَيْسِيرِهِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ سَلْمَانَ، وَفِي الْحِصْنِ: " «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ. قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَلْمَانَ، وَالْبَاقِيَانِ عَنْ ثَوْبَانَ، لَكِنَّ فِي رِوَايَتِهِمَا: لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ، كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ السِّلَاحِ عَنْهُمَا. وَفِي التَّرْغِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ كَمَا فِي أَصْلِ الْمِشْكَاةِ، وَقَالَ: رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 6791

٤٩٢٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ ". وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ "، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". وَفِي رِوَايَتِهِمَا: قَالَ: " «نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ» " بَدَلَ: " دَخَلْتُ الْجَنَّةَ ". ــ ٤٩٢٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ» ) أَيْ: فِي عَالَمِ الْمَنَامِ لِمَا سَيَأْتِي ( «فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً» ) ، أَيْ: صَوْتَ قِرَاءَةٍ يَقْرَؤُهَا أَحَدٌ، أَوْ قِرَاءَةَ قَارِئٍ عَلَى أَنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ( «فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟» ) أَيِ: الْقَارِئُ لَهَا ( «قَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ» ) ، بِضَمِّ أَوَّلِهِ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَمَعَهُ جِبْرِيلُ جَالِسٌ بِالْمَقَاعِدِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَجُزْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِي: هَلْ رَأَيْتَ الَّذِي كَانَ مَعِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ» ، وَكَانَ قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، هَذَا وَلَمَّا قَصَّ عَلَيْهِمُ الرُّؤْيَا كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ» إِلَخْ، خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، جَزَاؤُهُ أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ ; حَيْثُ جُعِلَ جَزَاءُ الْبِرِّ بِرًّا (كَذَلِكُمُ الْبِرُّ) . كَرَّرَهُ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّوْكِيدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُشَارُ إِلَيْهِ مَا سَبَقَ، وَالْمُخَاطِبُونَ الصَّحَابَةُ، فَإِنَّهُ ﷺ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا، وَقَصَّ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ نَبَّهَهُمْ عَلَى سَبَبِ نَيْلِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ، فَقَالَ: (كَذَلِكُمُ الْبِرُّ) أَيْ: مِثْلُ تِلْكَ الدَّرَجَةِ تُنَالُ بِسَبَبِ الْبِرِّ. اهـ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ( «كَذَلِكُمُ الْبِرُّ» ) مِنْ جُمْلَةِ مَقُولِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْخِطَابُ لَهُ ﷺ وَجُمِعَ تَعْظِيمًا أَوْ أُرِيدَ هُوَ وَأَصْحَابِهِ تَغْلِيبًا. ( «وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ» ) هَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ . (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَفِي رِوَايَتِهِ) : أَنَّ رِوَايَةَ الْبَيْهَقِيِّ (قَالَ: " «نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ» " بَدَلُ " «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ» ") : وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي التَّصْحِيحِ بَعْدَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى: رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ، وَرَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ طَرِيقَيْنِ.

стр. 6792

٤٩٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٩٢٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ، أَيِ: ابْنِ الْعَاصِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ» ) وَكَذَا حُكْمُ الْوَالِدَةِ، بَلْ هِيَ أَوْلَى ( «وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا قَالَ: وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدِ وَسُخْطُ اللَّهِ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ» " كَذَا فِي التَّصْحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، وَالْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، وَلَفْظُهُ: " «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسُخْطُهُ فِي سُخْطِهِمَا» "، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ، فِي حَدِيثِ الْأَصْلِ: رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: " «طَاعَةُ اللَّهِ طَاعَةُ الْوَالِدِ وَمَعْصِيَةُ اللَّهِ مَعْصِيَةُ الْوَالِدِ» ". رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَوِ ابْنِ عَمْرٍو، وَلَا يَحْضُرُنِي الْآنَ أَيُّهُمَا وَلَفْظُهُ قَالَ: " «رِضَا الرَّبِّ ﵎ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسُخْطُ الرَّبِّ ﵎ فِي سُخْطِ الْوَالِدَيْنِ» ".

стр. 6793

٤٩٢٨ - «وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَحَافِظْ عَلَى الْبَابِ أَوْ ضَيِّعْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٩٢٨ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) ، كَانَ حَقُّ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ يَذْكُرُ التَّابِعِيَّ لِتَسْتَقِيمَ رِوَايَتُهُ (أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ) أَيْ: أَبَا الدَّرْدَاءِ (فَقَالَ: «إِنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ» ) قَالَ الْقَاضِي أَيْ: خَيْرُ الْأَبْوَابِ وَأَعْلَاهَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ أَحْسَنَ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى وُصُولِ دَرَجَتِهَا الْعَالِيَةِ مُطَاوَعَةُ الْوَالِدِ وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ لِلْجَنَّةِ أَبْوَابًا وَأَحْسَنُهَا دُخُولًا أَوْسَطُهَا، وَإِنَّ سَبَبَ دُخُولِ ذَلِكَ الْبَابِ الْأَوْسَطِ هُوَ مُحَافَظَةُ حُقُوقِ الْوَالِدِ. اهـ. فَالْمُرَادُ بِالْوَالِدِ الْجِنْسُ، أَوْ إِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَالِدِ هَذَا فَحُكْمُ الْوَالِدَةِ أَقْوَى وَبِالِاعْتِبَارِ أَوْلَى. ( «فَإِنْ شِئْتَ فَحَافِظْ عَلَى الْبَابِ» ) أَيْ: دَاوِمْ عَلَى تَحْصِيلِهِ (أَوْ ضَيِّعْ) : حُصُولَ الْبَابِ بِتَرْكِ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كَلَامُ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَالْمَعْنَى: فَاخْتَرْ خَيْرَهُمَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) ، وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَقَالَ: رُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ أَنَّ أُمِّي، أَوْ رُبَّمَا قَالَ أَبِي قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَلَفْظُهُ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي لَمْ يَزَلْ حَتَّى زَوَّجَنِي وَإِنَّهُ الْآنَ يَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا. قَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي آمُرُكَ أَنْ تَعُقَّ وَالِدَكَ، وَلَا بِالَّذِي آمُرُكَ أَنْ تُطَلِّقَ امْرَأَتَكَ، غَيْرَ أَنَّكَ إِنْ شِئْتَ حَدَّثْتُكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَحَافِظْ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شِئْتَ أَوْ دَعْ» . قَالَ فَأَحْسُبُ عَطَاءَ قَالَ فَطَلَّقَهَا. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: " طَلِّقْهَا " ; لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُهَا» . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.

стр. 6794

٤٩٢٩ - «وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: " أُمَّكَ " قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمَّكَ "، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمَّكَ ". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: " أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٩٢٩ - (وَعَنْ بَهْزِ) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ فَزَايٍ (بْنِ حَكِيمٍ) ، أَيْ: ابْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ الْبَصْرِيِّ، قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَلَمْ يُخْرِجِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا شَيْئًا لَهُ، وَقَالَ ابْنُ عُدَيٍّ: لَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا. ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ. (عَنْ أَبِيهِ) ، أَيْ: حَكِيمٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَعْرَابِيٌّ حَسَنُ الْحَدِيثِ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ ابْنُهُ بِهْزٌ وَالْجَزَرِيُّ. (عَنْ جَدِّهِ) ، أَيْ: جَدُ بَهْزٍ وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ لَا فِي الصَّحَابَةِ وَلَا فِي التَّابِعِينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ

стр. 6795

( «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟» ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ: مَنْ أُحْسِنُ إِلَيْهِ وَمَنْ أَصِلُهُ (قَالَ: أَمَّكَ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: بَرَّ أُمَّكَ وَصِلْهَا أَوَّلًا ( «قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟» ) أَيْ: أَبَرُّ ( «قَالَ: أُمَّكَ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمَّكَ» ) : وَتَقَدَّمَتْ حِكْمَةُ هَذَا الْحُكْمِ ( «قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» ) أَيْ: إِلَى آخِرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) ، وَفِي التَّصْحِيحِ أَنَّ اللَّفْظَ لِلتِّرْمِذِيِّ وَقَالَ: حَسَنٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: " «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» ". وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قُلْتُ: وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَوَّلَ الْبَابِ.
следующие страницы →