← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

٤٩٢٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ ". وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ "، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". وَفِي رِوَايَتِهِمَا: قَالَ: " «نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ» " بَدَلَ: " دَخَلْتُ الْجَنَّةَ ". ــ ٤٩٢٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ» ) أَيْ: فِي عَالَمِ الْمَنَامِ لِمَا سَيَأْتِي ( «فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً» ) ، أَيْ: صَوْتَ قِرَاءَةٍ يَقْرَؤُهَا أَحَدٌ، أَوْ قِرَاءَةَ قَارِئٍ عَلَى أَنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ( «فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟» ) أَيِ: الْقَارِئُ لَهَا ( «قَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ» ) ، بِضَمِّ أَوَّلِهِ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَمَعَهُ جِبْرِيلُ جَالِسٌ بِالْمَقَاعِدِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَجُزْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِي: هَلْ رَأَيْتَ الَّذِي كَانَ مَعِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ» ، وَكَانَ قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، هَذَا وَلَمَّا قَصَّ عَلَيْهِمُ الرُّؤْيَا كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ» إِلَخْ، خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، جَزَاؤُهُ أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ ; حَيْثُ جُعِلَ جَزَاءُ الْبِرِّ بِرًّا (كَذَلِكُمُ الْبِرُّ) . كَرَّرَهُ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّوْكِيدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُشَارُ إِلَيْهِ مَا سَبَقَ، وَالْمُخَاطِبُونَ الصَّحَابَةُ، فَإِنَّهُ ﷺ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا، وَقَصَّ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ نَبَّهَهُمْ عَلَى سَبَبِ نَيْلِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ، فَقَالَ: (كَذَلِكُمُ الْبِرُّ) أَيْ: مِثْلُ تِلْكَ الدَّرَجَةِ تُنَالُ بِسَبَبِ الْبِرِّ. اهـ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ( «كَذَلِكُمُ الْبِرُّ» ) مِنْ جُمْلَةِ مَقُولِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْخِطَابُ لَهُ ﷺ وَجُمِعَ تَعْظِيمًا أَوْ أُرِيدَ هُوَ وَأَصْحَابِهِ تَغْلِيبًا. ( «وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ» ) هَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ . (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَفِي رِوَايَتِهِ) : أَنَّ رِوَايَةَ الْبَيْهَقِيِّ (قَالَ: " «نِمْتُ فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ» " بَدَلُ " «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ» ") : وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي التَّصْحِيحِ بَعْدَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى: رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ، وَرَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ طَرِيقَيْنِ.

стр. 6792

٤٩٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٩٢٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ، أَيِ: ابْنِ الْعَاصِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ» ) وَكَذَا حُكْمُ الْوَالِدَةِ، بَلْ هِيَ أَوْلَى ( «وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا قَالَ: وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدِ وَسُخْطُ اللَّهِ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ» " كَذَا فِي التَّصْحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، وَالْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، وَلَفْظُهُ: " «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسُخْطُهُ فِي سُخْطِهِمَا» "، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ، فِي حَدِيثِ الْأَصْلِ: رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: " «طَاعَةُ اللَّهِ طَاعَةُ الْوَالِدِ وَمَعْصِيَةُ اللَّهِ مَعْصِيَةُ الْوَالِدِ» ". رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَوِ ابْنِ عَمْرٍو، وَلَا يَحْضُرُنِي الْآنَ أَيُّهُمَا وَلَفْظُهُ قَالَ: " «رِضَا الرَّبِّ ﵎ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسُخْطُ الرَّبِّ ﵎ فِي سُخْطِ الْوَالِدَيْنِ» ".

стр. 6793

٤٩٢٨ - «وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَحَافِظْ عَلَى الْبَابِ أَوْ ضَيِّعْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٩٢٨ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) ، كَانَ حَقُّ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ يَذْكُرُ التَّابِعِيَّ لِتَسْتَقِيمَ رِوَايَتُهُ (أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ) أَيْ: أَبَا الدَّرْدَاءِ (فَقَالَ: «إِنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ» ) قَالَ الْقَاضِي أَيْ: خَيْرُ الْأَبْوَابِ وَأَعْلَاهَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ أَحْسَنَ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى وُصُولِ دَرَجَتِهَا الْعَالِيَةِ مُطَاوَعَةُ الْوَالِدِ وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ لِلْجَنَّةِ أَبْوَابًا وَأَحْسَنُهَا دُخُولًا أَوْسَطُهَا، وَإِنَّ سَبَبَ دُخُولِ ذَلِكَ الْبَابِ الْأَوْسَطِ هُوَ مُحَافَظَةُ حُقُوقِ الْوَالِدِ. اهـ. فَالْمُرَادُ بِالْوَالِدِ الْجِنْسُ، أَوْ إِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَالِدِ هَذَا فَحُكْمُ الْوَالِدَةِ أَقْوَى وَبِالِاعْتِبَارِ أَوْلَى. ( «فَإِنْ شِئْتَ فَحَافِظْ عَلَى الْبَابِ» ) أَيْ: دَاوِمْ عَلَى تَحْصِيلِهِ (أَوْ ضَيِّعْ) : حُصُولَ الْبَابِ بِتَرْكِ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كَلَامُ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَالْمَعْنَى: فَاخْتَرْ خَيْرَهُمَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) ، وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَقَالَ: رُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ أَنَّ أُمِّي، أَوْ رُبَّمَا قَالَ أَبِي قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَلَفْظُهُ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي لَمْ يَزَلْ حَتَّى زَوَّجَنِي وَإِنَّهُ الْآنَ يَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا. قَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي آمُرُكَ أَنْ تَعُقَّ وَالِدَكَ، وَلَا بِالَّذِي آمُرُكَ أَنْ تُطَلِّقَ امْرَأَتَكَ، غَيْرَ أَنَّكَ إِنْ شِئْتَ حَدَّثْتُكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَحَافِظْ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شِئْتَ أَوْ دَعْ» . قَالَ فَأَحْسُبُ عَطَاءَ قَالَ فَطَلَّقَهَا. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: " طَلِّقْهَا " ; لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُهَا» . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.

стр. 6794

٤٩٢٩ - «وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: " أُمَّكَ " قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمَّكَ "، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمَّكَ ". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: " أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٩٢٩ - (وَعَنْ بَهْزِ) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ فَزَايٍ (بْنِ حَكِيمٍ) ، أَيْ: ابْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ الْبَصْرِيِّ، قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَلَمْ يُخْرِجِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا شَيْئًا لَهُ، وَقَالَ ابْنُ عُدَيٍّ: لَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا. ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ. (عَنْ أَبِيهِ) ، أَيْ: حَكِيمٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَعْرَابِيٌّ حَسَنُ الْحَدِيثِ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ ابْنُهُ بِهْزٌ وَالْجَزَرِيُّ. (عَنْ جَدِّهِ) ، أَيْ: جَدُ بَهْزٍ وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ لَا فِي الصَّحَابَةِ وَلَا فِي التَّابِعِينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ

стр. 6795

( «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟» ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ: مَنْ أُحْسِنُ إِلَيْهِ وَمَنْ أَصِلُهُ (قَالَ: أَمَّكَ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: بَرَّ أُمَّكَ وَصِلْهَا أَوَّلًا ( «قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟» ) أَيْ: أَبَرُّ ( «قَالَ: أُمَّكَ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمَّكَ» ) : وَتَقَدَّمَتْ حِكْمَةُ هَذَا الْحُكْمِ ( «قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» ) أَيْ: إِلَى آخِرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) ، وَفِي التَّصْحِيحِ أَنَّ اللَّفْظَ لِلتِّرْمِذِيِّ وَقَالَ: حَسَنٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: " «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» ". وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قُلْتُ: وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَوَّلَ الْبَابِ.

стр. 6796

٤٩٣٠ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا اللَّهُ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٩٣٠ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁) أَحَدِ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا اللَّهُ) أَيِ: الْمَعْبُودُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ، وَكَانَ هَذَا تَوْطِئَةً لِلْكَلَامِ ; حَيْثُ ذَكَرَ الْعِلْمَ الْخَاصَّ، ثُمَّ ذَكَرَ الْوَصْفَ الْمُشْتَقَّ مِنْ مَادَّةِ الرَّحِمِ فَقَالَ: (وَأَنَا الرَّحْمَنُ) ، أَيِ: الْمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (خَلَقْتُ الرَّحِمَ) أَيْ: قَدَّرْتُهَا أَوْ صَوَّرْتُهَا مُجَسَّدَةً (وَشَقَقْتُ) أَيْ: أَخْرَجْتُ وَأَخَذْتُ اسْمَهَا (لَهَا) أَيْ: لِلرَّحِمِ (مِنِ اسْمِي) ، أَيِ: الرَّحْمَنُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ الِاسْمِيَّةَ وَاجِبَةُ الرِّعَايَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّهَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُؤْمِنَ التَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّعَلُّقُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلِذَا قَالَ: (فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ) ، أَيْ: إِلَى رَحْمَتِي أَوْ مَحَلِّ كَرَامَتِي (وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ) بِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ الثَّانِيَةِ أَيْ: قَطَعْتُهُ مِنْ رَحْمَتِي الْخَاصَّةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ، وَكِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ: قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي تَصْحِيحِهِ لَهُ نَظَرٌ، فَإِنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا الرَّحْمَنُ، أَنَا خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ، وَمَنْ بَتَّهَا بَتَتُّهُ» "، فَهُوَ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَتِّ الْقَطْعُ الْكُلِّيُّ، وَمِنْهُ طَلَاقُ الْبَتِّ، وَكَذَا قَوْلُهُمُ الْبَتَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالْحَاكِمُ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 6797

٤٩٣١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ الرَّحِمِ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٩٣١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) : جَهْنِيٌّ أَنْصَارِيٌّ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ) ، وَفِي نُسْخَةٍ فِيهِ وَأَفْرَدَهُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْقَوْمِ (قَاطِعُ رَحِمٍ) قَالَ التُّوورِبِشْتِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ يُسَاعِدُونَهُ عَلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّحْمَةِ الْمَطَرُ أَيْ: يُحْبَسُ عَنْهُمُ الْمَطَرُ بِشُؤْمِ الْقَاطِعِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 6798

٤٩٣٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٩٣٢ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) أَيِ: الثَّقَفِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ ذَنْبٍ) " مَا " نَافِيَةٌ، وَمِنْ زَائِدَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ (أَحْرَى) أَيْ: أَحَقُّ وَأَوْلَى (أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ) صِلَةُ أَحْرَى عَلَى تَقْدِيرِ الْبَاءِ أَيْ: بِتَعْجِيلِهِ سُبْحَانَهُ (لِصَاحِبِهِ) أَيْ: لِمُرْتَكِبِ الذَّنْبِ (الْعُقُوبَةَ) مَفْعُولُ يُعَجِّلُ وَظَرْفُهُ قَوْلُهُ: (فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: مَعَ مَا يُؤَجِّلُ مِنَ الْعُقُوبَةِ (لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الذَّنْبِ (فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ) أَيْ: مِنْ بَغْيِ الْبَاغِي، وَهُوَ الظُّلْمُ أَوِ الْخُرُوجُ عَلَى السُّلْطَانِ أَوِ الْكِبْرُ، وَ (مِنْ) تَفْصِيلِيَّةٌ (وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ) أَيْ: وَمِنْ قَطْعِ صِلَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. اهـ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: " «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْخِيَانَةِ وَالْكَذِبِ، وَإِنَّ أَعْجَلَ الطَّاعَةِ ثَوَابًا صِلَةُ الرَّحِمِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ لَيَكُونُوا فَجَرَةً فَتَنْمُو أَمْوَالُهُمْ، وَيَكْثُرُ عَدَدُهُمْ إِذَا تَوَاصَلُوا» ".

стр. 6799

٤٩٣٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٤٩٣٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ» ) ، قِيلَ: هُوَ مِنَ الْمِنَّةِ أَيْ: مَنْ يَمُنُّ عَلَى النَّاسِ بِمَا يُعْطِيهِمْ وَذَلِكَ مَذْمُومٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] ، وَقِيلَ: مِنَ الْمَنِّ بِمَعْنَى الْقَطْعِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] ، وَمِنْهُ الْمَنِيَّةُ أَيْ: قَاطِعُ الرَّحِمِ، وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصِّيغَةَ لِلنِّسْبَةِ أَيْ: صَاحِبُ الْمَنِّ (وَلَا عَاقٌّ) ، أَيْ: عَاصٍ بِأَحَدِ وَالِدَيْهِ (وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ) أَيْ: شَارِبُهُمَا مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى: مَنْ يُدَاوِمُ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ فَلَهُ مَفْهُومٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: مَحْمَلُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَعَ الْفَائِزِينَ، أَوْ لَا يَدْخُلُ حَتَّى يُعَاقَبَ بِمَا اجْتَرَحَهُ مِنَ الْإِثْمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الثَّلَاثَةِ، قُلْتُ: لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْمَشِيئَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، أَيْ: بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 6800

٤٩٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٤٩٣٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ) أَيْ: مِنْ أَسْمَاءِ آبَائِكُمْ وَأَجْدَادِكُمْ وَأَعْمَامِكُمْ وَأَخْوَالِكُمْ وَسَائِرِ أَقَارِبِكُمْ (مَا) أَيْ: قَدْرُ مَا (تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ) ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الصِّلَةَ تَتَعَلَّقُ بِذَوِي الْأَرْحَامِ كُلِّهَا لَا بِالْوَالِدَيْنِ فَقَطْ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبَعْضُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَالْمَعْنَى: تَعَرَّفُوا أَقَارِبَكُمْ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ لِيُمْكِنَكُمْ صِلَةَ الرَّحِمِ، وَهِيَ التَّقَرُّبُ لَدَيْهِمْ وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمْ (فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ) : بِفَتَحَاتٍ وَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ مَفْعَلَةٌ مِنَ الْحُبِّ مَصْدَرِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ: مَظِنَّةٌ لِلْحُبِّ وَسَبَبٌ لِلْوُدِّ (فِي الْأَهْلِ) أَيْ: فِي أَهْلِ الرَّحِمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْمِيمِ، فَفِي الْقَامُوسِ: أَحَبَّهُ، وَهُوَ مَحْبُوبٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَمُحِبُّ قَلِيلٌ، وَحَبَبْتُهُ أَحِبُّهُ بِالْكَسْرِ شَاذٌّ، وَحَبُبْتُ إِلَيْهِ كَكَرُمَ: صِرْتَ حَبِيبًا

стр. 6801

(مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ) ، أَيْ: سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْمَالِ وَهُوَ خَبَرٌ ثَانٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: هِيَ مَفْعَلَةٌ مِنَ الثَّرَى وَهُوَ الْكَثْرَةُ (مَنْسَأَةٌ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَفْعَلَةٌ مِنَ النُّسَأِ وَهُوَ التَّأْخِيرُ (فِي الْأَثَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ: الْأَجَلُ، وَالْمَعْنَى: أَيُّ سَبَبٍ لِتَأْخِيرِ الْأَجَلِ وَمُوجِبٍ لِزِيَادَةِ الْعُمُرِ، وَقِيلَ: بَاعِثُ دَوَامٍ وَاسْتِمْرَارٍ فِي النَّسْلِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ يُمْنَ الصِّلَةِ يُفْضِي إِلَى ذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ: مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

стр. 6802

٤٩٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: " هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ " قَالَ: لَا قَالَ: " وَهَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ قَالَ: " فَبِرَّهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٩٣٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ) أَيْ: فَعَلْتُ (ذَنْبًا عَظِيمًا) أَيْ: قَوْلِيًّا أَوْ فِعْلِيًّا (فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟) أَيْ: رَجْعَةٍ بِطَاعَةٍ فِعْلِيَّةٍ بَعْدَ النَّدَامَةِ الْقَلْبِيَّةِ تَدَارُكًا لِلْمَعْصِيَةِ الْعَظِيمَةِ (قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟) أَيْ: أَلَكَ أُمٌّ فَـ (مِنْ) زَائِدَةٌ (قَالَ: لَا قَالَ: وَهَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " مِنْ " زَائِدَةً أَوْ تَبْعِيضِيَّةً (قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَبَرَّهَا) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَمْرٌ مِنْ بَرِرْتُ فُلَانًا بِالْكَسْرِ أَبَرُّهُ بِالْفَتْحِ، أَيْ: أَحْسَنْتُ إِلَيْهِ، فَأَنَا بَارٌّ بِهِ وَبَرٌّ بِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تُذْهِبِ السَّيِّئَاتِ، أَوْ تَقُومُ مَقَامَهَا مِنَ الطَّاعَاتِ، وَهُوَ أَحَدُ مَعانِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] قَالَ الْمُظْهِرُ: يَجُوزُ أَنَّهُ أَرَادَ عَظِيمًا عِنْدِي ; لِأَنَّ عِصْيَانَ اللَّهِ تَعَالَى عَظِيمٌ وَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ صَغِيرًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَنْبُهُ كَانَ عَظِيمًا مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْبِرِّ يَكُونُ مُكَفِّرًا لَهُ، وَكَانَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ الرَّجُلِ عَلِمَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ. اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ مُصِرٌّ غَيْرُ تَائِبٍ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ لِيَكُونَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 6803

٤٩٣٦ - وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: «بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: " نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٩٣٦ - (وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (السَّاعِدِيِّ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَنْصَارِيٌّ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَلَهُ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ. (قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) بِكَسْرِ اللَّامِ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لَيْسَ فِي الْعَرَبِ سَلِمَةُ غَيْرَهُمْ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوِيَّ) أَيْ: وَالِدَيَّ وَفِيهِ تَغْلِيبٌ (شَيْءٌ) أَيْ: مِنَ الْبِرِّ (أَبَرُّهُمَا) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: أَصِلُهُمَا وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمَا (بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ الشَّيْءِ مِنَ الْبِرِّ الْبَاقِي (بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا) ، أَيِ: الدُّعَاءُ وَمِنْهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ (وَالِاسْتِغْفَارُ) أَيْ: طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ (لَهُمَا) وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ (وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا) أَيْ: إِمْضَاءُ وَصِيَّتِهِمَا (مِنْ بَعْدِهِمَا) ، أَيْ: مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا وَلَوْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمَا (وَصِلَةُ الرَّحِمِ) أَيْ: وَإِحْسَانُ الْأَقَارِبِ (الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا) أَيْ: تَتَعَلَّقُ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ، فَالْمَوْصُولُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِلرَّحِمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَوْصُولُ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ، بَلْ لِلْمُضَافِ أَيِ: الصِّلَةُ الْمَوْصُوفَةُ، فَإِنَّهَا خَالِصَةٌ بِحَقِّهِمَا وَأَضَافَهُمَا لَا لِأَمْرٍ آخَرَ وَنَحْوِهِ. قُلْتُ: يَرْجِعُ الْمَعْنَى إِلَى الْأَوَّلِ فَتَدَبَّرْ وَتَأَمَّلْ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ خُلُوصِ النِّيَّةِ وَتَصْحِيحِ الطَّوِيَّةِ فَمُعْتَبَرٌ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي جُزْئِيَّةٍ مَعَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مُضَافٌ لِمَا نَقَلَهُ عَنِ الْإِمَامِ فِي الْإِحْيَاءِ، وَأَنَّ الْعِبَادَ أُمِرُوا بِأَنْ لَا يَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وَلَا يُرِيدُوا بِطَاعَتِهِمْ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَخْدِمُ أَبَوَيْهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْدِمَ لِطَلَبِ مَنْزِلَةٍ عِنْدَهُمَا إِلَّا مِنْ حَيْثُ أَنَّ رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُرَائِيَ بِطَاعَتِهِ لِيَنَالَ بِهَا مَنْزِلَةً عِنْدَ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ فِي الْحَالِ، وَسَيَكْشِفُ اللَّهُ عَنْ رِيَائِهِ فَتَسْقُطُ مَنْزِلَتُهُ مِنْ قَلْبِهِمَا أَيْضًا. اهـ. فَنَقْلُهُ كَلَامَ الْحُجَّةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَا عَلَيْنَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 6804

٤٩٣٧ - وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْسِمُ لَحْمًا بِالْجِعْرَانَةِ إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ مَنْ هِيَ؟ ، فَقَالُوا: هِيَ أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٩٣٧ - (وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ) : بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْسِمُ لَحْمًا بِالْجِعْرَانَةِ) : بِكَسْرِ جِيمٍ فَسُكُونِ عَيْنٍ وَتَخْفِيفِ رَاءٍ، وَقَدْ يُكْسَرُ وَيُشَدَّدُ الرَّاءُ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ (إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ) وَهِيَ حَلِيمَةٌ (حَتَّى دَنَتْ) أَيْ: قَرُبَتْ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ) إِمَّا لِعَدَمِ التَّكَلُّفِ عَلَى مَا هُوَ دَأْبُ الْعَرَبِ أَوْ لِوُجُودِ أَمْرٍ هُنَاكَ. قِيلَ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْحُقُوقِ الْقَدِيمَةِ، وَلُزُومِ إِكْرَامِ مَنْ لَهُ صُحْبَةٌ سَابِقَةٌ (فَقُلْتُ) أَيْ: لِبَعْضِهِمْ (مَنْ هِيَ؟ فَقَالُوا: هَذِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ: هِيَ (أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ) فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ، أَمَّا أُمُّهُ فِي الرَّضَاعَةِ، فَحَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ مِنْ هَوَازِنَ، وَهِيَ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ حَتَّى أَكْمَلَتْ رِضَاعَهُ، وَجَاءَتْهُ ﵇ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَامَ إِلَيْهَا وَبَسَطَ رِدَاءَهُ لَهَا، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، وَكَذَا ثُوَيْبَةُ جَارِيَةُ أَبِي لَهَبٍ أَيْضًا، وَاخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهَا، كَمَا اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِ حَلِيمَةَ وَزَوْجِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ تَدْخُلُ عَلَيْهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ، فَكَانَتْ تُكْرِمُهَا، وَأَعْتَقَهَا أَبُو لَهَبٍ، وَكَانَ ﵇ يَبْعَثُ إِلَيْهَا مِنَ الْمَدِينَةِ بِكِسْوَةٍ وَصِلَةٍ حَتَّى مَاتَتْ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ. ذَكَرَهُ أَبُو عَمْرٍو. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 6805

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٩٣٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً، فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ قَدْ نَأَى بِي الشَّجَرُ، فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ اللَّهُ لَهُمْ حَتَّى يَرَوْنَ السَّمَاءَ. قَالَ الثَّانِي: إِنَّهُ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيتُهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْهَا. اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرْقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقْرِ وَرَاعِيهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقْرَ وَرَاعِيَهَا. فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ مَا بَقِيَ فَفَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٩٣٨ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا) بِالْمِيمِ (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) ، بِالْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ (يَتَمَاشَوْنَ) بِفَتْحِ الشِّينِ أَيْ: يَسِيرُونَ فِي طَرِيقٍ (أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ) ، أَيْ: جَاءَهُمْ بِكَثْرَةٍ (فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ) أَيْ: نَزَلَتْ وَوَقَعَتْ (عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ) أَيْ: حَجَرٌ كَبِيرٌ مِنَ الْجَبَلِ (فَأَطْبَقَتْ) أَيِ: الصَّخْرَةُ (عَلَيْهِمْ) وَأَغْلَقَتْ عَلَيْهِمْ بَابَ الْغَارِ وَغَطَّتْهُمْ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا) أَيْ: تَفَكَّرُوا وَتَذَكَّرُوا (أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً) ، صِفَةٌ أُخْرَى لِأَعْمَالٍ أَيْ: خَالِصَةً لِوَجْهِهِ لَا رِيَاءَ وَلَا سُمْعَةَ فِيهَا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ابْتِغَاءُ وَجْهِكَ فِيمَا بَعْدُ. كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: صَالِحَةٌ صِفَةٌ لِأَعْمَالٍ، وَفِي الْعِبَارَةِ تَقُدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ أَيِ: انْظُرُوا أَعْمَالًا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَأَخْرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ الْأَعْمَالَ الْغَيْرَ الصَّالِحَةِ، وَبِالثَّانِي الْغَيْرَ الصَّالِحَةِ لِلَّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ. قُلْتُ: لَا شَكَّ أَنَّ كُلًّا مِنْ صَالِحَةٍ وَلِلَّهِ صِفَةٌ لِأَعْمَالًا، سَوَاءٌ أُخِّرَتْ إِحْدَاهُمَا أَوْ قُدِّمَتْ، وَإِنَّمَا حَمَلَ الطِّيبِيُّ الثَّانِيَةَ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ ; لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي عُمِلَتْ لَا تَكُونُ إِلَّا صَالِحَةً، لَكِنَّ قَوْلَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ابْتِغَاءُ وَجْهِكَ فِيمَا بَعْدُ مُسْتَدْرَكٌ ; لِأَنَّهُ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: لِلَّهِ، نَعَمْ كَلَامُ السَّيِّدِ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ، وَتَنْبِيهٌ نَبِيهٌ، لَكِنْ عَلَى رِوَايَتِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لِلَّهِ، وَلِذَا قِيلَ: الْخَلْقُ كُلُّهُمْ هَلْكَى إِلَّا الْعَالِمُونَ، وَالْعَالِمُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إِلَّا الْعَامِلُونَ، وَالْعَامِلُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إِلَّا الْمُخْلِصُونَ، وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ. (فَادْعُوَا اللَّهَ بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَبِجَعْلِهَا شَفِيعَةً وَوَسِيلَةً إِلَى إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ (لَعَلَّهُ) أَيْ: عَلَى رَجَاءِ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْ لِكَيْ (يُفَرِّجُهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ أَيْ: يُزِيلُ الصَّخْرَةَ، أَوْ يَكْشِفُ الْكُرْبَةَ، فَفِي الْقَامُوسِ: فَرَّجَ اللَّهُ الْغَمَّ يُفَرِّجُهُ: كَشَفَهُ كَفَرَجَهُ (فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ جَمْعُ صَبِيٍّ أَيْ: وَلِي أَيْضًا أَطْفَالٌ (صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: أَرْعَى مَاشِيَتَهُمْ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ فُلَانٌ يَرْعَى عَلَى أَبِيهِ أَيْ: يَرْعَى غَنَمَهُ. اهـ.

стр. 6806

وَالتَّحْقِيقُ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ أَنَّ الرَّعْيَ ضُمِّنَ مَعْنَى الْإِنْفَاقِ، فَعُدِّيَ بِعَلَى أَيْ: أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ رَاعِيًا الْغُنَيْمَاتِ وَكَذَا قَوْلُهُ: (فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ) ضُمِّنَ مَعْنَى رَدَدْتُ أَيْ: إِذَا رَدَدْتُ الْمَاشِيَةَ مِنَ الْمَرْعَى إِلَى مَوْضِعِ مَبِيتِهِمْ (فَحَلَبْتُ) : عَطْفٌ عَلَى رُحْتُ وَقَوْلُهُ: (بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ) جَوَابُ إِذَا وَقَوْلُهُ: (أَسْقِيهِمَا) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيُضَمُّ (قَبْلَ وَلَدِي) ، بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمِّ الْوَاوِ وَيُسَكَّنُ اللَّامُ أَيْ: أَوْلَادِي، إِمَّا حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِلْعِلَّةِ (وَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (قَدْ نَأَى بِي الشَّجَرُ) ، أَيْ: بَعُدَ بِي طَلَبُ الْمَرْعَى يَوْمًا، وَفِي نُسْخَةٍ نَاءَ بِهَمْزٍ بَعْدَ الْأَلِفِ، وَهُوَ كَرِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] قَالَ النَّوَوِيُّ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ مُسْلِمٍ: نَأَى بِجَعْلِ الْهَمْزَةِ قَبْلَ الْأَلِفِ، وَبِهِ قَرَأَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ، وَهُمَا لُغَتَانِ أَيْ صَحِيحَتَانِ (فَمَا أَتَيْتُ) أَيْ: إِلَيْهِمْ لِبُعْدِ الْمَرْعَى عَنْهُمْ (حَتَّى أَمْسَيْتُ) أَيْ: دَخَلْتُ فِي الْمَسَاءِ جِدًّا (فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا) ، أَيْ: مِنَ الضَّعْفِ أَوْ مِنْ غَلَبَةِ الِانْتِظَارِ وَكَثْرَةِ الْإِبْطَاءِ (فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ) ، بِضَمِّ اللَّامِ وَيَجُوزُ كَسْرُهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (فَجِئْتُ) أَيْ: إِلَيْهِمَا (بِالْحِلَابِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ الْإِنَاءُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ، قِيلَ: وَقَدْ يُرَادُ بِالْحِلَابِ هُنَا اللَّبَنُ الْمَحْلُوبُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، فَيَكُونُ مَجَازًا بِذِكْرِ الْمَحَلِّ لِإِرَادَةِ الْحَالِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَتَى بِالْحِلَابِ الَّذِي فِيهِ الْمَحْلُوبُ اسْتِعْجَالًا (فَقُمْتُ) أَيْ: وَقَفْتُ (عَلَى رُؤُوسِهِمَا) أَيْ: عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا) ، اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالٌ (وَأَكْرَهُ) يَعْنِي: أَيْضًا (أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا) أَيْ: مَعَ أَنَّهُمْ غَيْرُ نَائِمِينَ لِأَجْلِ الْجُوعِ (وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: يَضِجُّونَ وَيَصِيحُونَ مِنَ الْجُوعِ (عِنْدَ قَدَمَيَّ) ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيفِ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْوُقُوفِ وَغَيْرِهِ (دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ) بِالنَّصْبِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ عَادَتِي وَعَادَتُهُمْ، وَالضَّمِيرُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالصِّبْيَةِ (حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ) ، انْشَقَّ الصُّبْحُ وَظَهَرَ نُورُهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ حِينَئِذٍ سَقَيْتُهُمَا أَوَّلًا، ثُمَّ سَقَيْتُهُمْ ثَانِيًا تَقْدِيمًا لِإِحْسَانِ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْمَوْلُودِينَ لِتَعَارُضِ صِغَرِهِمْ بِكِبَرِهِمَا، فَإِنَّ الرَّجُلَ الْكَبِيرَ يَبْقَى كَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِذَلِكَ أَبْلَاهُ اللَّهُ بِمَا هُنَالِكَ (فَإِنْ كُنْتَ) أَيْ: يَا أَللَّهُ (تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ) ، وَالتَّرْدِيدُ فِي أَنَّ عَمَلَهُ ذَلِكَ هَلِ اعْتُبِرَ عِنْدَ اللَّهِ لِإِخْلَاصٍ فِيهِ أَوْ لَا لِعَدَمِهِ (فَافْرُجْ) بِهَمْزِ وَصْلٍ وَضَمِّ رَاءٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِهَمْزِ قَطْعٍ وَكَسْرِ رَاءٍ. قَالَ مِيرَكُ: بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَضَمِّ الرَّاءِ مِنَ الْفَرَجِ، وَيَجُوزُ بِهَمْزِ الْقَطْعِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنَ الْإِفْرَاجِ أَيِ: اكْشِفْ (لَنَا فُرْجَةً) بِضَمِّ الْفَاءِ وَيُفْتَحُ (نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ) بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ: كَشَفَ (اللَّهُ لَهُمْ حَتَّى يَرَوْنَ السَّمَاءَ) بِإِثْبَاتِ النُّونِ كَمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِ السُّنَّةِ، فَيَكُونُ حِكَايَةَ حَالٍ مَاضِيَةٍ كَقَوْلِكَ: شَرِبَتِ الْإِبِلُ حَتَّى يَخْرُجَ بَطْنُهُ، وَفِي بَعْضِهَا بِإِسْقَاطِهِ، وَحِينَئِذٍ يُضَمُّ الْوَاوُ وَصَلًا لِلِالْتِقَاءِ. (قَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أُحِبُّهَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ وَالْمَذْكُورُ فِي التَّفْسِيرِ مُؤَنَّثٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ. اهـ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَقَعَ فِي كَلَامِ الْأَوَّلِ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ وَالثَّانِي اللَّهُمَّ إِنَّهَا، وَالثَّالِثُ اللَّهُمَّ إِنِّي، وَهُوَ مِنَ التَّفَنُّنِ، وَإِنَّهُ فِي الْأَوَّلِ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَفِي الثَّانِي لِلْقِصَّةِ وَنَاسَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْقِصَّةَ فِي امْرَأَةٍ. اهـ. فَهَذَا الْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ وَقَعَتْ أَنَّهَا فِي كَلَامِ الثَّانِي خِلَافَ الْمِشْكَاةِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عِبَارَةَ الْمِشْكَاةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ مُسْلِمٍ لَفْظًا، وَيَكُونُ قَوْلُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ مَعْنًى (كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ) ، أَيْ: حُبًّا شَدِيدًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]

стр. 6807

قَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: أُحِبُّهَا حُبًّا مِثْلَ أَشَدِّ حُبِّ الرِّجَالِ النِّسَاءَ، أَوْ حَالًا أَيْ: أُحِبُّهَا مُشَابِهًا حُبِّي أَشَدَّ حُبِّ الرِّجَالِ النِّسَاءَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧] ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (أَشَدَّ خَشْيَةً) حَالٌ عَلَى تَقْدِيرِ مُشْبِهِينَ أَشَدَّ خَشْيَةً مِنْ أَهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ (فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا) ، فِيهِ تَضْمِينُ مَعْنَى الْإِرْسَالِ أَيْ: أَرْسَلْتُ إِلَيْهَا طَالِبًا نَفْسَهَا (فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا) : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالسُّكُونِ عَلَى حِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ أَيْ: أَجِيئُهَا (بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيتُهَا) أَيْ: أَتَيْتُهَا (بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا. قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ) يَحْتَمِلُ الِاسْمِيَّةَ وَالْوَصْفِيَّةَ (اتَّقِ اللَّهَ) أَيْ: عَذَابَهُ أَوْ مُخَالَفَتَهُ (وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ) بِفَتْحِ التَّاءِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْبَكَارَةِ (فَقُمْتُ عَنْهَا) أَيْ: مُعْرِضًا عَنْ تَعَرُّضِهَا (اللَّهُمَّ) : فِيهِ زِيَادَةُ تَضَرُّعٍ (فَإِنْ كُنْتَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيِ: اللَّهُمَّ فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَإِنْ كُنْتَ (تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (اللَّهُمَّ) مُقْحَمَةً بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، لِتَأْكِيدِ الِابْتِهَالِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُقَدَّرُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ السَّابِقَةُ وَاللَّاحِقَةُ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ (اللَّهُمَّ) فِي هَذِهِ الْقَرِينَةِ دُونَ أُخْتَيْهَا ; لِأَنَّ هَذَا الْمَقَامَ أَصْعَبُ الْمَقَامَاتِ وَأَشَقُّهَا، فَإِنَّهُ رَدْعٌ لِهَوَى النَّفْسِ فَرْقًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَقَامِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: شَهْوَةُ الْفَرْجِ أَغْلَبُ الشَّهَوَاتِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَأَصْعَبُهَا عِنْدَ الْهَيَجَانِ عَلَى الْعَقْلِ، فَمَنْ تَرَكَ الزِّنَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الْقُدْرَةِ وَارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ، وَتَيَسُّرِ الْأَسْبَابِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ صِدْقِ الشَّهْوَةِ حَازَ دَرَجَةَ الصِّدِّيقِينَ، قَوْلُهُ (ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذَكَرَ (ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا) أَيْ: زِيَادَةً (فُرْجَةً مِنْهَا) ، أَيْ: مِنْ هَذِهِ الْكُرَيَّةِ أَوِ الصَّخْرَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ أَيْ: بَعْضُ الْفُرْجَةِ (فَفَرَجَ) أَيِ: اللَّهُ (لَهُمْ فُرْجَةً) أَيْ: أُخْرَى (وَقَالَ الْآخَرُ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا وَمَآلُهُمَا وَاحِدٌ، وَالثَّانِي أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ (اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرْقِ أَرُزٍّ) ، بِفَتْحِ هَمْزٍ وَضَمِّ رَاءٍ وَتَشْدِيدِ زَايٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْأَرُزِّ كَأَشُدٍّ وَعُتُلٍّ وَقُفْلٍ وَطُنُبٍ، وَرُزٌّ وَرُنْزٌ وَإِرِزٌ كَإِبِلٍ وَأَرُزٌ كَعَضُدٍ. اهـ. فَفِيهِ لُغَاتٌ بِعَدَدِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَالْفَرِقُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَرَقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ مِكْيَالٌ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْفَرَقُ مِكْيَالٌ بِالْمَدِينَةِ يَسَعُ ثَلَاثَةَ آصَعٍ وَيُحَرَّكُ، أَوْ هُوَ أَفْصَحُ وَيَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا أَوْ أَرْبَعَةَ أَرْبَاعٍ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْفَرَقُ بِالتَّحْرِيكِ مِكْيَالٌ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَبِالسُّكُونِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا، ثُمَّ قِيلَ: وَفِي رِوَايَةٍ بِفَرَقِ ذُرَةٍ، فَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْفَرَقَ كَانَ مِنْ صِنْفَيْنِ (فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ) أَيْ: عَمِلَ عَمَلَهُ وَانْتَهَى أَجَلُهُ (قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي. فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، تَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ) أَيْ: أَعْرَضَ عَنْ أَخْذِهِ لِمَانِعٍ أَوْ بَاعِثٍ (فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ) أَيِ: الْأَرُزُّ (حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْأَرُزِّ أَوْ مِنْ زَرْعِهِ (بَقَرًا وَرَاعِيَهَا) ، أَيْ: قِيمَتَهُمَا فَاشْتَرَيْتُهُمَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ فِي مَالِ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ، وَطَرِيقِ الْأَمَانَةِ، وَإِرَادَةِ الشَّفَقَةِ حَيْثُ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ فَهُوَ فِي حُكْمِ التَّقْرِيرِ لَا يُقَالُ لَعَلَّ هَذَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ نَظِيرُهُ فِي زَمَانِهِ ﷺ حَيْثُ دَفَعَ قِيمَةَ كَبْشٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ فَاشْتَرَاهُ بِهَا فَبَاعَهُ بِضِعْفِ ثَمَنِهِ، وَاشْتَرَى كَبْشًا آخَرَ، وَأَتَى بِهِ مَعَ قِيمَتِهِ فَدَعَا لَهُ ﷺ بِالْبَرَكَةِ (فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي) : ظَاهِرُ كَلَامِهِ عُنْفٌ، لَكِنَّ بَاطِنَهُ حَقٌّ وَلُطْفٌ (فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقْرِ وَرَاعِيهَا) .

стр. 6808

قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْبَقَرِ بِاعْتِبَارِ السَّوَادِ الْمَرْئِيِّ، كَمَا يُقَالُ: ذَلِكَ الْإِنْسَانُ أَوِ الشَّخْصُ فَعَلَ كَذَا، وَأُنِّثَ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَى الْبَقَرِ بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ (فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي) بِالْبَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنُّونِ، وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ مِنْ كَلَامِهِ لَا تَظْلِمْنِي جَزَعٌ مَعَ إِبْهَامِ قَوْلِهِ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ (فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقْرَ وَرَاعِيَهَا فَأَخَذَهُ) أَيْ: مَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ، وَفِي نُسْخَةٍ فَأَخَذَهَا أَيْ: كُلَّهَا (فَانْطَلَقَ بِهَا) قَالَ مِيرَكُ عِنْدَ قَوْلِهِ: حَتَّى جَمَعْتُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ، فَثَمَرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَفِيهَا: فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ مِنْ أَجْرِكَ، وَفِيهَا: فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا، فَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمِشْكَاةِ: (جَمَعْتُ بَقَرًا) أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ جَمْعَ الْبَقَرِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا كَانَ الْأَكْثَرَ الْأَغْلَبَ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قِيمَةَ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ. قُلْتُ: وَلَا بِدَعَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ مِنْ زَوَائِدِ الْفَوَائِدِ مُنْضَمَّةٌ إِلَيْهَا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تُوَافِي (فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ) أَيْ: مِنْ إِطْبَاقِ الْبَابِ (فَفَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ) . فَإِنْ قُلْتَ: رُؤْيَةُ الْأَعْمَالِ نُقْصَانٌ عِنْدَ أَهْلِ الْكَمَالِ، فَمَا بَالُ هَذِهِ الْأَحْوَالِ؟ قُلْتُ: فَكَأَنَّهُمْ تَوَسَّلُوا بِمَا وَقَعَ لَهُ تَعَالَى مَعَهُمْ مِنْ تَوْفِيقِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْمَقْرُونِ بِالْإِخْلَاصِ، عَلَى أَنَّهُ يُنْجِيهِمْ مِنْ مَضِيقِ الْهَلَاكِ إِلَى قَضَاءِ الْخَلَاصِ، فَكَأَنَّمَا قَالُوا: كَمَا أَنْعَمْتَ عَلَيْنَا بِمَعْرُوفِكَ أَوَّلًا فَأَتِمَّ عَلَيْنَا بِفَضْلِكَ ثَانِيًا، فَإِنَّا لَا نَسْتَغْنِي عَنْ كَرَمِكَ أَبَدًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ فِي حَالِ كَرْبِهِ، وَفِي الِاسْتِسْقَاءِ وَغَيْرِهِ، وَيَتَوَسَّلَ بِصَالِحِ عَمَلِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ فَعَلُوهُ، وَاسْتُجِيبَ لَهُمْ، وَذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَجَمِيلِ فَضَائِلِهِمْ، وَفِيهِ فَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَإِيثَارُهَا عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا مِنَ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، وَفِيهِ فَضْلُ الْعَفَافِ وَالِانْكِفَافِ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، لَا سِيَّمَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَفِيهِ إِثْبَاتُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ. قُلْتُ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ لِلْوَلِيِّ وَغَيْرِهِ، مَا عَدَا الْكَافِرَ، فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لِاسْتِجَابَةِ دُعَاءِ إِبْلِيسَ. وَالِاسْتِدْلَالُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤] غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي دُعَاءِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ، بِخِلَافِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهُ حِجَابٌ» " عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ، فَمِثْلُ هَذَا لَا يُعَدُّ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ; لِأَنَّ الْكَرَامَةَ مِنْ أَنْوَاعِ خَوَارِقِ الْعَادَةِ قَالَ: وَتَمَسَّكَ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُجَوِّزُ بَيْعَ الْإِنْسَانِ مَالَ غَيْرِهِ، وَالتَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِذَا أَجَازَهُ الْمَالِكُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَفِي كَوْنِهِ شَرْعًا لَنَا خِلَافٌ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّا مُتَعَبِّدُونَ بِهِ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ فِي الذِّمَّةِ، وَلَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ، بَلْ عَرَضَهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ وَلَمْ يَصِرْ مِلْكَهُ، فَالْمُسْتَأْجِرُ قَدْ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، ثُمَّ تَبَرَّعَ بِمَا اجْتَمَعَ مِنْهُ مِنَ الْبَقْرِ وَالْغَنَمِ وَغَيْرِهِمَا. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ اسْتَأْجَرَهُ فِي الذِّمَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِ ; حَيْثُ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ، وَإِلَّا فَالْإِجَارَةُ الْمَجْهُولَةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ عِنْدَهُمْ، وَكَذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لَا يُسَمَّى حَقَّهُ، فَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ وَلَا يُوصَلَ تَقْلِيدٌ وَيَفْرَغَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6809

٤٩٣٩ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ ﵁ «أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَالْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلِهَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ ". وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٩٣٩ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ) : بِجِيمٍ ثُمَّ هَاءٍ مَكْسُورَةٍ سُلَمِيٌّ، عِدَادُهُ فِي الْحِجَازِيِّينَ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَاهُ (أَنَّ جَاهِمَةَ) قِيلَ: هُوَ ابْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ ( «جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَالْزَمْهَا» ) أَيِ: الْتَزِمْ خِدْمَتَهَا وَمُرَاعَاةَ أَمْرِهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ) أَيْ: وَإِنَّ

стр. 6810

وَرَدَ: أَنَّهَا تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي مُوسَى، فَهِيَ حَاصِلَةٌ (عِنْدَ رِجْلِهَا) لِكَوْنِهَا سَبَبًا لِحُصُولِهَا عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ الْخَطِيبِ فِي الْبَدِيعِ، عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: " «الْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: عِنْدَ رِجْلِهَا كِنَايَةٌ عَنْ غَايَةِ الْخُضُوعِ، وَنِهَايَةِ التَّذَلُّلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] ، وَلَعَلَّهُ ﷺ عَرَفَ مِنْ حَالِهِ وَحَالِ أُمِّهِ ; حَيْثُ أَلْزَمَهُ خِدْمَتَهَا، وَلُزُومُهَا أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى بِهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ. وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلَفْظُهُ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَشِيرُهُ فِي الْجِهَادِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَلَكَ وَالِدَانِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: " الْزَمْهُمَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ أَرْجُلِهِمَا» ". اهـ. وَلَعَلَّ الِاقْتِصَارَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ خِدْمَةَ الْوَالِدَةِ هِيَ الْأَوْلَى، وَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَلَى الْأُمِّ ; حَيْثُ قَالَ: «الْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ» " مَعَ أَنَّ خِدْمَةَ الْوَالِدِ أَيْضًا سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ بِلَا مِرْيَةٍ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ " «هُمَا جَنَّتُكَ وَنَارُكَ» ".

стр. 6811

٤٩٤٠ - «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا، وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا، فَقَالَ لِي: طَلِّقْهَا، فَأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَلِّقْهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٩٤٠ - ( «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا، وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا، فَقَالَ لِي: طَلِّقْهَا، فَأَبَيْتُ) ، أَيِ: امْتَنَعْتُ لِأَجْلِ مَحَبَّتِي فِيهَا (فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَلِّقْهَا» ) أَمْرُ نَدْبٍ أَوْ وُجُوبٍ إِنْ كَانَ هُنَاكَ بَاعِثٌ آخَرُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) ، وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ.

стр. 6812

٤٩٤١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا؟ قَالَ: " هُمَا جَنَّتُكَ وَنَارُكَ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٩٤١ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أَيِ: الْبَاهِلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ( «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا؟ قَالَ: هُمَا جَنَّتُكَ وَنَارُكَ» ) أَيْ: أَسْبَابُهُمَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ حَقَّهُمَا رِضَاهُمَا الْمُوجِبُ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَتَرْكُ عُقُوقِهِمَا الْمُقْتَضِي لِدُخُولِ النَّارِ، وَلَا يَنْحَصِرُ فِي حَقٍّ دُونَ حَقٍّ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ السُّؤَالِ، فَالْجَوَابُ لَهُ مُطَابَقَةٌ مَعَ الْمُبَالَغَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجَوَابُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ أَيْ: حَقُّهُمَا الْبِرُّ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا، وَتَرْكُ الْعُقُوقِ الْمُوجِبَانِ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَعْدًا، وَتَرْكُ الْإِحْسَانِ وَالْعُقُوقِ الْمُوجِبَانِ لِدُخُولِ النَّارِ وَعِيدًا فَأَوْجَزَ كَمَا تَرَى، وَقَوْلُهُ: جَنَّتُكَ وَنَارُكَ عَلَى الْخِطَابِ الْعَامِّ ; لِأَنَّ سُؤَالَهُ عَامٌّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ السَّائِلُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 6813

٤٩٤٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَمُوتُ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا وَإِنَّهُ لَهُمَا لَعَاقٌّ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو لَهُمَا وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمَا حَتَّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ بَارًّا» ". ــ ٤٩٤٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَمُوتُ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا وَإِنَّهُ لَهُمَا) أَيْ: لِأَجَلِهِمَا الصَّادِقِ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا (لَعَاقٌّ) ، اللَّامُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ وَلَهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِعَاقٍّ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصَاصِ (فَلَا يَزَالُ) أَيِ: الْعَاقُّ فِي حَيَاتِهِمَا التَّائِبُ بَعْدَ مَوْتِهَا (يَدْعُو لَهُمَا) أَيْ: بِالرَّحْمَةِ وَنَحْوِهَا (وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمَا) أَيْ: لِذُنُوبِهِمَا (حَتَّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ) أَيْ: فِي دِيوَانِ عَمَلِهِ بِأَمْرِ الْحَفَظَةِ (بَارًّا) ، فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالتَّوْبَةِ، فَإِنَّ الْعُقُوقَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ أَيْضًا، فَلَا بُدَّ مِنْهَا حَتَّى يَصِيرَ بَارًّا.

стр. 6814

٤٩٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَنْ أَصْبَحَ مُطِيعًا لِلَّهِ فِي وَالِدَيْهِ أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، وَمَنْ أَمْسَى عَاصِيًا لِلَّهِ فِي وَالِدَيْهِ أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ النَّارِ، إِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا " قَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ؟ قَالَ: " وَإِنْ ظَلَمَاهُ، وَإِنْ ظَلَمَاهُ، وَإِنْ ظَلَمَاهُ» ". ــ ٤٩٤٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَصْبَحَ مُطِيعًا لِلَّهِ فِي وَالِدَيْهِ) أَيْ: فِي حَقِّهِمَا. وَفِيهِ: أَنَّ طَاعَةَ الْوَالِدَيْنِ لَمْ تَكُنْ طَاعَةً مُسْتَقِلَّةً، بَلْ هِيَ طَاعَةُ اللَّهِ الَّتِي بَلَغَتْ تَوْصِيَتُهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِحَسْبِ طَاعَتِهِمَا لِطَاعَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْعِصْيَانُ وَالْأَذَى، وَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَرَدَ: " «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» "، بَلْ مَنْ أَطَاعَهُمَا وَلَمْ يَنْوِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ بَارًّا، وَفِي نُسْخَةٍ (وَالِدُهُ) وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْجِنْسَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وَصْفِ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ صِيَغِ النَّسَبِ كَتَامِرٍ وَلَابِنٍ، فَيَشْمَلُ الْأَبَ وَالْأُمَّ ; قُلْتُ: وَمَعَ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ لِيَسْتَقِيمَ قَوْلُهُ: (أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ الْجَنَّةِ) ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرَى لِقَوْلِهِ: بَابَانِ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي (مَفْتُوحَانِ) ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (وَإِنْ كَانَ) وَفِي نُسَخَةٍ: فَإِنْ كَانَ أَيِ: الْوَالِدُ الْمُطَاعُ (وَاحِدًا فَوَاحِدًا) ، أَيْ: فَكَانَ الْبَابُ الْمَفْتُوحُ وَاحِدًا، إِلَى هُنَا رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( «وَمَنْ أَمْسَى عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي وَالِدَيْهِ أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ النَّارِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا ". قَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ؟» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يُرَادُ بِالظُّلْمِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ لَا الْأُخْرَوِيَّةِ (قَالَ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ، وَإِنْ ظَلَمَاهُ، وَإِنْ ظَلَمَاهُ) : ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ.

стр. 6815

٤٩٤٤ - وَعَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَا مِنْ وَلَدٍ بَارٍّ يَنْظُرُ إِلَى وَالِدَيْهِ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حَجَّةً مَبْرُورَةً ". قَالُوا: وَإِنْ نَظَرَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَطْيَبُ» ". ــ ٤٩٤٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ وَلَدٍ بَارٍّ يَنْظُرُ إِلَى وَالِدَيْهِ) أَيْ: أَوْ أَحَدِهِمَا (نَظْرَةَ رَحْمَةٍ) أَيْ: مَحَبَّةٍ وَشَفَقَةٍ (إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حَجَّةً مَبْرُورَةً) أَيْ: ثَوَابُ حُجَّةٍ نَافِلَةٍ مَقْبُولَةٍ (قَالُوا: وَإِنْ نَظَرَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؟) أَيْ: أَيَكُونُ كَذَلِكَ؟ (قَالَ: نَعَمْ، اللَّهُ أَكْبَرُ) أَيْ: أَعْظَمُ مِمَّا يُتَصَوَّرُ، وَخَيْرُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يُحْصَى وَيُحْصَرُ (وَأَطْيَبُ) أَيْ: أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى قُصُورٍ فِي قُدْرَتِهِ وَنُقْصَانٍ فِي مَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَبِالِاسْتِبْعَادِ مِنْ أَنْ يُعْطَى الرَّجُلُ بِسَبَبِ النَّظْرَةِ حَجَّةً، وَإِنْ نَظَرَ مِائَةَ مَرَّةٍ يَعْنِي: اللَّهُ أَكْبَرُ مِمَّا فِي اعْتِقَادِكَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُكْتَبُ لَهُ تِلْكَ الْأَعْدَادُ الْكَثِيرَةُ، وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَطْيَبُ. اهـ. وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ: (أَطْيَبُ) صِفَةٌ لِلَّهِ لَا لِلثَّوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 6816

٤٩٤٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَهْ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «كُلُّ الذُّنُوبِ يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّهُ يُعَجَّلُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ» ". ــ ٤٩٤٥ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَهْ) : بِالْهَاءِ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ الذُّنُوبِ) أَيْ: جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْمَعَاصِي مَا عَدَا الشِّرْكَ (يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهَا (مَا شَاءَ) فَـ (مِنْ) تَبْعِيضِيَّةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ مُقَدَّمَةٌ (إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّهُ) أَيْ: إِلَيْهِ (يُعَجِّلُ) أَيِ: اللَّهُ (لِصَاحِبِهِ) أَيْ: لِمُرْتَكِبِ الْعُقُوقِ جَزَاءَ ذَنْبِهِ (فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ) أَيْ: فَلَا يُؤَخِّرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَاللَّامُ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَيْ: فِي حَيَاةِ الْعَاقِّ قَبْلَ مَمَاتِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فِي حَيَاةِ الْوَالِدَيْنِ قَبْلَ مَمَاتِهِمَا، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَاهُمَا سَائِرُ حُقُوقِ الْعِبَادِ ; وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْوَعِيدِ أَيْضًا وَرَدَ فِي حَقِّ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّ (مِنْ) تَبْعِيضِيَّةٌ مَنْصُوبَةُ الْمَحَلِّ مَفْعُولُ (يَغْفِرُ) مَجَازًا وَ (مَا شَاءَ) بَدَلٌ مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِيَغْفِرُ وَتَكُونَ ابْتِدَائِيَّةً، وَ (مَا شَاءَ) مَفْعُولٌ، وَمَعْنَى الشُّمُولِ فِي الْكُلِّ الِاسْتِغْرَاقُ، يَعْنِي كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الذُّنُوبِ مَغْفُورًا إِذَا تَعَلَّقَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَهَذَا وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ، وَمَفْعُولُ يُعَجِّلُ مَحْذُوفٌ أَيِ: الْعُقُوبَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ. اهـ.

стр. 6817

وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، لَكِنَّ فِي عِبَارَتِهِمَا خَطَأً فَاحِشًا إِذْ مَفْهُومُهُ أَنَّ مَغْفِرَةَ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ مُسْتَثْنًى، وَلَوْ تَعَلَّقَتْ بِهَا مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِيرَادُ مَا شَاءَ فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لِإِخْرَاجِ الشِّرْكِ فَقَطْ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، فَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهُ: كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الذُّنُوبِ الَّتِي قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَغْفُورٌ إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ مَشِيئَةُ الْمَغْفِرَةِ. وَفِي هَذَا أَوْفَى زَجْرٍ وَتَهْدِيدٍ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ إِلَّا عُقُوقَهُمَا، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَشِيئَةُ مُطْلَقًا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ وَارِدًا عَلَى سَبِيلِ الْوَعِيدِ وَالتَّشْدِيدِ ; لِأَنَّ كَلَامَهُ ﷺ لَا يُحْمَلُ عَلَى مَا يَكُونُ ظَاهِرُهُ مُنَاقِضًا لِكَلَامِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ مَشِيئَتَهُ تَتَعَلَّقُ بِمَا عَدَا الشِّرْكَ.

стр. 6818

٤٩٤٦ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حُقُّ كَبِيرِ الْإِخْوَةِ عَلَى صَغِيرِهِمْ حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٤٩٤٦ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ) : هُوَ أَخُو عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وُلِدَ عَامَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ أَحَدَ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ أَحَدُ الَّذِينَ كَتَبُوا الْمُصْحَفَ لِعُثْمَانَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ عَلَى الْكُوفَةِ، وَغَزَا بِالنَّاسِ طَبَرِسْتَانَ، فَافْتَتَحَهَا وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «حَقُّ كَبِيرِ الْإِخْوَةِ عَلَى صَغِيرِهِمْ حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» ) أَيْ: كَحَقِّهِ عَلَيْهِمْ فَهُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ مُبَالَغَةٌ (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) وَلَفْظُ الْجَامِعِ: كَحَقِّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 6819

[بَابُ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ عَلَى الْخَلْقِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٩٤٧ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [١٥] بَابُ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ عَلَى الْخَلْقِ الشَّفَقَةُ: الِاسْمُ مِنَ الْإِشْفَاقِ، وَهُوَ الْخَوْفُ، وَالشَّفَقَةُ عِنَايَةٌ مُخْتَلِطَةٌ بِخَوْفٍ ; لِأَنَّ الْمُشْفِقَ يُحِبُّ الْمُشْفَقَ عَلَيْهِ، وَيَخَافُ مَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: أَشْفَقَ أَيْ حَاذَرَ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٩٤٧ - (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: الْبَجَلِيُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» ) أَيْ: مَنْ لَا يَتَعَطَّفُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَرْأَفُ بِهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِخْبَارٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنَ الْفَائِزِينَ بِالرَّحْمَةِ الْكَامِلَةِ، وَالسَّابِقِينَ إِلَى دَارِ الرَّحْمَةِ، وَإِلَّا فَرَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الرَّحْمَةُ الثَّانِيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْأَوْلَى عَلَى الْمَجَازِ ; لِأَنَّ الرَّحْمَةَ مِنَ الْخَلْقِ التَّعَطُّفُ وَالرِّقَّةُ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ، وَالرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ الرِّضَا عَمَّنْ رَحِمَهُ ; لِأَنَّ مَنْ رَقَّ لَهُ الْقَلْبُ فَقَدْ رَضِيَ عَنْهُ، أَوِ الْإِنْعَامُ وَإِرَادَةُ الْخَيْرِ ; لِأَنَّ الْمَلِكَ إِذَا عَطَفَ عَلَى رَعِيَّتِهِ رَقَّ لَهُمْ وَأَصَابَهُمْ بِمَعْرُوفِهِ وَإِنْعَامِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالشَّيْخَانِ عَنْ جَرِيرٍ أَيْضًا بِلَفْظِ: " «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ جَرِيرٍ، وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: " «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ» "، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ: " «مَنْ لَا يَرْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يَرْحَمْهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» "، وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ أَيْضًا: " «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ، وَمَنْ لَا يَغْفِرُ لَا يُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ لَا يَتُبْ لَا يُتَبْ عَلَيْهِ» " كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ لَفْظُ الْمِشْكَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 6820

٤٩٤٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَتُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩٤٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (فَقَالَ: أَتُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟) أَيِ: الصِّغَارُ وَالْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ (فَمَا نُقَبِّلُهُمْ) أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ تُقَبِّلُونَهُمْ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، وَهُوَ إِمَّا لِلِاسْتِكْبَارِ أَوْ لِلِاسْتِحْقَارِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ اسْتِبْعَادِيَّةٌ أَيْ: أَتَفْعُلُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْتَبْعَدٌ عِنْدَنَا؟ قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِبْعَادَ مَفْهُومٌ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ لَا مِنَ الْفَاءِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي مَعَانِيهَا. (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوَأَمْلِكُ لَكَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ الْإِنْكَارِيَّةِ وَوَاوِ الْعَاطِفَةِ أَوِ الرَّابِطَةِ (أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أَنْ) فَأَنْ مَعَ الْفِعْلِ مَصْدَرٌ وَقَعَ مَوْقِعَ الظَّرْفِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، فَإِنْ شَرْطِيَّةٌ دَلَّ عَلَى جَزَائِهَا مَا قَبْلَهَا. قَالَ الْأَشْرَفُ: يُرْوَى (أَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ، وَيُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ: لَا أَمْلِكُ لَكَ دَفْعَ نَزْعِ اللَّهِ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ، أَوْ لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أَضَعَ فِي قَلْبِكَ مَا نَزَعَهُ اللَّهُ مِنْهُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَيُرْوَى بِكَسْرِهَا، فَتَكُونُ شَرْطِيَّةً وَالْجَزَاءُ مَحْذُوفٌ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ أَيْ: إِنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ لَا أَمْلِكُ لَكَ دَفْعَهُ وَمَنْعَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6821

٤٩٤٩ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: " مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩٤٩ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُنِي) ، أَيْ: عَطِيَّةً (فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا) ، أَيِ: التَّمْرَةَ وَلَمْ تَسْتَحْقِرْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ، وَلِقَوْلِهِ ﵇: " «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» " (فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا) ، أَيْ: مَعَ جُوعِهَا إِذْ يُسْتَبْعَدُ أَنْ تَكُونَ شَبْعَانَةً مَعَ جُوعِ ابْنَتَيْهَا (ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ) ، أَيْ: بِمَا جَرَى (فَقَالَ: مَنِ ابْتُلِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: امْتُحِنَ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَكْرَهُونَهُنَّ غَالِبًا (مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ) ، مُتَعَلِّقٌ بِـ (ابْتُلِيَ) وَ (مِنْ) بَيَانِيَّةٌ مَعَ مَجْرُورِهَا حَالٌ مِنْ (شَيْءٍ) ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْجِنْسِ. وَقَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ قَوْلُهُ: مَنْ بَلِيَ مِنَ الْإِبْلَاءِ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا، أَيْ: بِشَيْءٍ، وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ: مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَرَوَى لَفْظَ الْمَصَابِيحِ: يَلِيَ مِنَ الْوَلَايَةِ لِمَكَانٍ شَيْئًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ قَوْلُهُ: مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، هَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّوَابُ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ يَتَخَبَّطُ النَّاسُ فِيهَا ; لِمَكَانِ قَوْلِهِ شَيْئًا، وَرَوَى يَلِي بِالْيَاءِ مِنَ الْوِلَايَةِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالصَّوَابُ فِيهِ مَنْ بَلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ. اهـ. وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ إِمَّا ابْتُلِيَ كَمَا فِي الْمِشْكَاةِ، وَإِمَّا بَلِيَ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَإِنَّ الصَّوَابَ فِيهِمَا بِشَيْءٍ، وَإِنَّ (شَيْئًا) بِالنَّصْبِ خَطَأٌ، وَكَذَا يَلِي مِنَ الْوِلَايَةِ، بَلْ هُوَ تَصْحِيفٌ وَتَحْرِيفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الرِّوَايَةُ فِي الْبُخَارِيِّ وَالْحُمَيْدِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَشَرْحِ السُّنَّةِ: مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ وَلَمْ نَقِفْ عَلَى مَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَهُوَ: مَنْ يَلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فِي الْأُصُولِ. اهـ. (فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ) قِيلَ: بِتَزْوِيجِهِنَّ الْأَكْفَاءَ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَعُمَّ الْإِحْسَانُ (كُنَّ لَهُ) أَيْ: لِلْمُبْتَلَى (سِتَرًا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: حِجَابًا دَافِعًا (مِنَ النَّارِ) أَيْ: دُخُولُهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهِنَّ أَنَّ احْتِيَاجَهُنَّ إِلَى الْإِحْسَانِ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنَ الصِّبْيَانِ، فَمَنْ سَتَرَهُنَّ بِالْإِحْسَانِ عَنْ لُحُوقِ الْعَارِ يُجَازَى بِالسَّتْرِ عَنِ النَّارِ جَزَاءً وِفَاقًا، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالِابْتِلَاءِ هَلْ هُوَ نَفْسُ وُجُودِهِنَّ، أَوِ الِابْتِلَاءُ بِمَا صَدَرَ مِنْهِنَّ، أَوِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِنَّ؟ وَكَذَا اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْإِحْسَانِ هَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ، أَوْ مَا زَادَ عَلَيْهِ؟ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، ثُمَّ شَرْطُ الْإِحْسَانِ أَنْ يُوَافِقَ الشَّرْعَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِفَاعِلِهِ إِذَا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ اسْتِغْنَاؤُهُنَّ عَنْهُ بِزَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ الْمِشْكَاةِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.

стр. 6822

٤٩٥٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ هَكَذَا، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٩٥٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ) أَيْ: أَنْفَقَ عَلَيْهِمَا وَقَامَ بِمُؤْنَتِهِمَا (حَتَّى تَبْلُغَا) أَيْ: تُدْرِكَا الْبُلُوغَ أَوْ تَصِلَا إِلَى زَوْجِهِمَا (جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ كَذَلِكَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ بِغَيْرِ وَاوٍ أَيْ: جَاءَ مُصَاحِبًا لِي (وَضَمَّ أَصَابِعَهُ) أَيْ: أُصْبُعَيْهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تُدْرِكَا دَخَلْتُ أَنَا وَهُوَ الْجَنَّةَ كَهَاتَيْنِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ: " «مَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ فَأَدَّبَهُنَّ وَزَوَّجَهُنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ» ".

стр. 6823

٤٩٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالسَّاعِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ ". وَأَحْسَبُهُ قَالَ: " كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩٥١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا. قِيلَ: سَوَاءٌ كَانَتْ غَنِيَّةً أَوْ فَقِيرَةً، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ يَعُمُّهُمَا (وَالْمِسْكِينِ) وَفِي مَعْنَاهُ: الْفَقِيرُ، بَلْ بِالْأَوْلَى عِنْدَ بَعْضِهِمْ (كَالسَّاعِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: ثَوَابُ الْقَائِمِ بِأَمْرِهِمَا وَإِصْلَاحِ شَأْنِهِمَا وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا، كَثَوَابِ الْغَازِي فِي جِهَادِهِ، فَإِنَّ الْمَالَ شَقِيقُ الرُّوحِ، وَفِي بَذْلِهِ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ وَمُطَالَبَةُ رِضَا الرَّبِّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالسَّاعِي الْكَاسِبُ لَهُمَا الْعَامِلُ لِمُؤْنَتِهِمَا، وَالْأَرْمَلَةُ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا، سَوَاءٌ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أَمْ لَا، وَقِيلَ: الَّتِي فَارَقَهَا زَوْجُهَا. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَتْ أَرْمَلَةً لِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنَ الْإِرْمَالِ، وَهُوَ الْفَقْرُ وَذَهَابُ الزَّادِ بِفَقْدِ الزَّوْجِ. يُقَالُ: أَرْمَلَ الرَّجُلُ: إِذَا فَنِيَ زَادُهُ، قُلْتُ: وَهَذَا مَأْخَذٌ لَطِيفٌ فِي إِخْرَاجِ الْغَنِيَّةِ مِنْ عُمُومِ الْأَرْمَلَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ مَعْنَى السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ; لِأَنَّهُ ﷺ عَدَّاهُ بِـ (عَلَى) مُضَمِّنًا فِيهِ مَعْنَى الْإِنْفَاقِ. (وَأَحْسِبُهُ) بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا أَيْ: أَظُنُّهُ (قَالَ: كَالْقَائِمِ) قِيلَ: قَائِلُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ الرَّاوِي عَنْ مَالِكٍ، كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْبُخَارِيِّ، وَمَعْنَاهُ أَظُنُّ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: كَالْقَائِمِ، وَظَاهِرُ الْمِشْكَاةِ أَنَّ قَائِلَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَالتَّقْدِيرُ أَحْسَبُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ أَيْضًا: كَالْقَائِمِ، أَوْ وَقَعَ لَهُ الشَّكُّ فِي التَّشْبِيهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْقَائِمِ اللَّيْلِ الصَّائِمِ النَّهَارِ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ» " أَوْ " بِمَعْنَى " بَلْ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَوْلُهُ: كَالْقَائِمِ أَيْ بِاللَّيْلِ لِلْعِبَادَةِ (لَا يَفْتُرُ) ، مِنَ الْفُتُورِ وَهُوَ الْمَلَلُ وَالْكَسَلُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ نَصَرَ كَمَا فِي الْمَفَاتِيحِ، وَمِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْضًا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَأَكْثَرُ النُّسَخِ عَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ، وَالْمَعْنَى: لَا يَضْعُفُ عَنِ الْعِبَادَةِ (وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ) أَيْ: فِي نَهَارِهِ، بَلْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ قَالَ الْأَشْرَفُ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي كَالْقَائِمِ وَالصَّائِمِ غَيْرُ مُعَرِّفَيْنِ، وَلِذَلِكَ وُصِفَ كُلُّ وَاحِدٍ بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ بَعْدَهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُمَا عِبَارَتَانِ عَنِ الصَّوْمِ بِالنَّهَارِ وَالْقِيَامِ بِاللَّيْلِ، كَقَوْلِهِمْ: نَهَارُهُ صَائِمٌ وَلَيْلُهُ قَائِمٌ، يُرِيدُونَ الدَّيْمُومَةَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَتَقَدَّمَ رِوَايَةُ غَيْرِهِمَا.

стр. 6824

٤٩٥٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا " وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤٩٥٢ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) أَيِ: السَّاعِدِيِّ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ) أَيِ: الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ أَيْ: مُرَبِّيهِ (لَهُ) ، أَيْ: كَائِنًا لِذَلِكَ الْكَافِلِ كَوَلَدِ وَلَدِهِ، وَإِنْ أَسْفَلَ، أَوِ ابْنِ أَخِيهِ وَنَحْوِهِ (وَلِغَيْرِهِ) ، الْوَاوُ بِمَعْنَى: " أَوْ " أَيْ أَوْ كَائِنًا لِغَيْرِهِ فَيَكُونُ أَجْنَبِيًّا مِنْهُ (فِي الْجَنَّةِ) خَبَرُ أَنَا وَمَعْطُوفَةٌ (هَكَذَا) إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْقُرْبِ (وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ) أَيِ: الْمُسَبِّحَةُ (وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: فَرَّقَ (بَيْنَهُمَا شَيْئًا) أَيْ: قَلِيلًا لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْكَثِيرِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى عُلُوِّ مَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ وَإِنْ تَلَاهَا رُتْبَةُ الْفُتُوَّةِ وَالْمُرُوَّةِ، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ: الْكَافِلُ هُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الْيَتِيمِ الْمُرَبِّي لَهُ، وَهُوَ مِنَ الْكَفِيلِ بِمَعْنَى: الضَّمِينِ، وَالضَّمِيرُ فِي لَهُ وَلِغَيْرِهِ رَاجِعٌ إِلَى الْكَافِلِ أَيْ: أَنَّ الْيَتِيمَ سَوَاءٌ كَانَ لِلْكَافِلِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ وَأَنْسَابِهِ، أَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا لِغَيْرِهِ وَتَكَفَّلَ بِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: (فِي الْجَنَّةِ) خَبَرُ (أَنَا) وَهَكَذَا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْخَبَرِ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى أَيْ: أَشَارَ بِهِمَا إِلَى مَا فِي ضَمِيرِهِ ﵇ مِنْ مَعْنَى الِانْضِمَامِ وَهُوَ بَيَانُ (هَكَذَا) . اهـ.

стр. 6825

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ﷺ ضَمَّ أُصْبُعَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: هَكَذَا، فَعَبَّرَ الرَّاوِي عَنْ فِعْلِهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: وَأَشَارَ إِذِ الْإِشَارَةُ عَمَّا فِي ضَمِيرِ ﵇ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ لِلرَّاوِي، قِيلَ: الْيَتِيمُ مِنَ النَّاسِ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ، وَمِنَ الدَّوَابِّ مَنْ مَاتَ أُمُّهُ، وَكَافِلُ الْيَتِيمِ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ وَيَعُولُهُ وَيُرَبِّيهِ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَلَوْ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمِشْكَاةِ: (لَهُ وَلِغَيْرِهِ) مِنْ كَلَامِ سَهْلٍ، أَوْ مَنْ بَعْدَهُ أُدْرِجَ فِي الْحَدِيثِ، أَوْ هُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، وَفِيهَا زِيَادَةٌ مَقْبُولَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَأَشَارَ) فَهُوَ مِنْ كَلَامِ سَهْلٍ، وَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ اخْتِصَارًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 6826

٤٩٥٣ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكِي عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩٥٣ - (وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) : مَرَّ ذِكْرُهُمَا ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ) أَيِ: الْكَامِلِينَ (فِي تَرَاحُمِهِمْ) أَيْ: فِي رَحْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِأُخُوَّةِ الْإِيمَانِ لَا بِسَبَبِ رَحِمٍ وَنَحْوِهِ (وَتَوَادِّهِمْ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: تَوَاصُلِهِمُ الْجَالِبِ لِلْمَحَبَّةِ كَالتَّزَاوُرِ وَالتَّهَادِي (وَتَعَاطُفِهِمْ) أَيْ: بِإِعَانَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا (كَمَثَلِ الْجَسَدِ) أَيْ: جِنْسِهِ (الْوَاحِدِ) : الْمُشْتَمِلِ عَلَى أَنْوَاعِ الْأَعْضَاءِ (إِذَا اشْتَكَى) أَيِ: الْجَسَدُ (عُضْوًا) لِعَدَمِ اعْتِدَالِ حَالِ مِزَاجِهِ، وَنَصْبُهُ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَالْمَعْنَى: إِذَا تَأَلَّمَ الْجَسَدُ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ، وَفِي نُسْخَةٍ إِذَا اشْتَكِي عُضْوٌ بِالرَّفْعِ أَيْ: إِذَا تَأَلَّمَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ جَسَدِهِ (تَدَاعَى لَهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْعُضْوُ (سَائِرُ الْجَسَدِ) أَيْ: بَاقِي أَعْضَائِهِ (بِالسَّهَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: عَدَمِ الرُّقَادِ (وَالْحُمَّى) أَيْ: بِالْحَرَارَةِ وَالتَّكَسُّرِ وَالضَّعْفِ، لِيَتَوَافَقَ الْكُلُّ فِي الْعُسْرِ كَمَا كَانُوا فِي حَالِ الصِّحَّةَ مُتَوَافِقِينَ فِي الْيُسْرِ، ثُمَّ أَصْلُ التَّدَاعِي أَنْ يَدْعُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَتَّفِقُوا عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ، فَالْمَعْنَى: أَنَّهُ كَمَا أَنَّ عِنْدَ تَأَلُّمِ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ يَسْرِي ذَلِكَ إِلَى كُلِّهِ، كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِذَا أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ مُصِيبَةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَغْتَمَّ جَمِيعُهُمْ وَيَهْتَمُّوا بِإِزَالَتِهَا عَنْهُ، وَفِي النِّهَايَةِ: كَانَ بَعْضُهُ دَعَا بَعْضًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: تَدَاعَتِ الْحِيطَانُ أَيْ: تَسَاقَطَتْ أَوْ كَادَتْ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ التَّوَافُقُ فِي الْمَشَقَّةِ وَالرَّاحَةِ وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 6827

٤٩٥٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٩٥٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ النُّعْمَانِ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ) أَيْ: كَأَعْضَاءِ رَجُلٍ (وَاحِدٍ) لِأَنَّهُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ (إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ) بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ وَكَذَا فِيمَا بَعْدَهُ (اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ.

стр. 6828

٤٩٥٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» "، ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩٥٥ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى) أَيِ: الْأَشْعَرِيُّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ) التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ، وَالْمُرَادُ بَعْضُ الْمُؤْمِنِ لِلْبَعْضِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ: كُلُّ مُؤْمِنٍ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ فِي الْأَوَّلِ، وَلِلْجِنْسِ فِي الثَّانِي أَيِ: الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ لِمُطْلَقِ الْمُؤْمِنِ (كَالْبُنْيَانِ) أَيِ: الْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ (يَشُدُّ بَعْضُهُ) أَيْ: بَعْضُ الْبُنْيَانِ (بَعْضًا) وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَوْ صِفَةٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِوَجْهِ الشَّبَهِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ الْقَوِيَّ هُوَ الَّذِي يَشُدُّ الضَّعِيفَ وَيُقَوِّيهِ، وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَتَقَوَّى فِي أَمْرِ دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ إِلَّا بِمَعُونَةِ أَخِيهِ، كَمَا أَنَّ بَعْضَ الْبِنَاءِ يُقَوِّي بَعْضَهُ (ثُمَّ شَبَّكَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ أَبُو مُوسَى (بَيْنَ أَصَابِعِهِ) أَيْ: أَدْخَلَ إِحْدَى يَدِهِ بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدِ الْأُخْرَى قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ (ثُمَّ شَبَّكَ) كَالْبَيَانِ لِوَجْهِ الشَّبَهِ أَيْ: شَدًّا مِثْلَ هَذَا الشَّدِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: اخْتُصَّ الْبُخَارِيُّ بِذِكْرِ التَّشْبِيكِ وَبِدُونِهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِدُونِ التَّشْبِيكِ أَسْنَدَهُ إِلَى الشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ ضَمِيرَ (شَبَّكَ) إِلَى أَبِي مُوسَى، فَمَنْ رَوَاهُ إِنَّمَا رَوَاهُ مُدْرَجًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَعْظِيمُ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَحَثُّهُمْ عَلَى التَّرَاحُمِ وَالْمُلَاطَفَةِ وَالتَّعَاضُدِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّشْبِيهِ وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ لِتَقْرِيبِ الْمَعَانِي إِلَى الْأَفْهَامِ.

стр. 6829

٤٩٥٦ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ: " اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩٥٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ) أَيْ: لِلْعَطِيَّةِ (أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ) أَيْ: إِلَيْهِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ السُّؤَالِ فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ (قَالَ: اشْفَعُوا) أَيْ: لَهُ (فَلْتُؤْجَرُوا) بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ، وَهُوَ أَمْرُ الْمُخَاطَبِ بِاللَّامِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] ، بِالْخِطَابِ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ مِنَ الْعَشَرَةِ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمَرْفُوضِ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ قُرِئَ (فَافْرَحُوا) وَالْفَاءُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنْ شَفَعْتُمْ فَتُؤْجَرُوا، وَفِي الْمُغْنِي أَنَّ اللَّامَ الطَّلَبِيَّةَ قَدْ تَخْرُجُ عَنِ الطَّلَبِيَّةِ إِلَى غَيْرِهِ كَالَّتِي يُرَادُ بِهَا أَوْ بِمَصْحُوبِهَا الْخَيْرُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ، ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] ، أَيْ: فَيَمُدُّ وَنَحْمِلُ. اهـ. وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَكَذَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، ثُمَّ رَأَيْتُ الطِّيبِيَّ قَالَ: الْفَاءُ فِي (فَلْتُؤْجَرُوا) أَوِ اللَّامُ مُقْحَمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، بَلْ كِلَاهُمَا مُؤَكِّدَانِ ; لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: تُؤْجَرُوا جَوَابًا لِلْأَمْرِ تَمَّ كَلَامُهُ، وَلَا يَخْفَى مَا سَبَقَ مِنَ التَّحْقِيقِ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَالْمَعْنَى إِذَا عَرَضَ صَاحِبُ حَاجَةٍ حَاجَتَهُ عَلَيَّ اشْفَعُوا لَهُ إِلَيَّ، فَإِنَّكُمْ إِنْ شَفَعْتُمْ لَهُ حَصَلَ لَكُمْ بِتِلْكَ الشَّفَاعَةِ أَجْرٌ، سَوَاءٌ قُبِلَتْ شَفَاعَتُكُمْ أَوْ لَمْ تُقْبَلْ، وَقَوْلُهُ: وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، أَيْ: يُجْرِي عَلَى لِسَانِي (مَا شَاءَ) أَيْ: إِنْ قَضَيْتُ حَاجَتَهُ مِنْ شَفَاعَتِكُمْ لَهُ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ أَقْضِ فَهُوَ أَيْضًا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ. اهـ. وَقَوْلُهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَقْلًا بِالْمَعْنَى، وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ نَوْعُ الْتِفَاتٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُظْهِرِ، وَفِي زِيَادَةِ الْمُضَافِ إِفَادَةُ أَنَّ غَيْرَهُ فِي هَذَا الْمِلَفِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ إِذِ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ عَلَى لِسَانِي، كَأَنَّهُ قَالَ: اشْفَعُوا لِي وَلَا تَقُولُوا مَا نَدْرِي، أَيَقْبَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَفَاعَتَنَا أَمْ لَا؟ فَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَنَبِيَّهُ وَصَفِيَّهُ لَا أَدْرِي أَيْضًا أَقْبَلُ شَفَاعَتَكُمْ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْقَاضِي، فَإِنْ قَضَى فِي أَنْ أَقْبَلَ أَقْبَلُ وَإِلَّا فَلَا. وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ " «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» " قُلْتُ: وَفِيهِ تَلْمِيحٌ وَتَلْوِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] . قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ بَعْدَ بُلُوغِهَا إِلَى الْإِمَامِ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَقَدْ أَجَازَ الشَّفَاعَةَ فِيهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَشْفُوعُ فِيهِ صَاحِبَ شَرٍّ وَأَذًى لِلنَّاسِ، وَأَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَالْوَاجِبُ التَّعْزِيرُ، فَيَجُوزُ الشَّفَاعَةُ وَالتَّشَفُّعُ فِيهَا سَوَاءٌ بَلَغَتِ الْإِمَامَ أَمْ لَا، ثُمَّ الشَّفَاعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَشْفُوعُ فِيهِ مُؤْذِيًا وَشِرِّيرًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ» ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالثَّلَاثَةُ.

стр. 6830

٤٩٥٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا "، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: " تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَلِكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٩٥٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «انْصُرْ أَخَاكَ» ) أَيِ: الْمُسْلِمُ (ظَالِمًا) حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ (أَوْ مَظْلُومًا) تَنْوِيعٌ (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ) أَيْ: أَنَا (مَظْلُومًا) ، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مَظْلُومًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَبْنَى (فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟) ، فَإِنَّهُ خَفِيُّ الْمَعْنَى (قَالَ: تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ) ، أَيِ: الَّذِي يُرِيدُ فِعْلَهُ (فَذَلِكَ) أَيْ: مَنَعُكَ إِيَّاهُ مِنْهُ (نَصْرُكَ إِيَّاهُ) أَيْ: عَلَى شَيْطَانِهِ الَّذِي يُغْوِيهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ الَّتِي تُطْغِيهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ بِهَذَا السِّيَاقِ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ أَيْضًا، نَعَمْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ بِلَفْظِ: «وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ، فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ» . قُلْتُ: وَيَنْصُرُهُ صَنِيعُ صَاحِبِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ; حَيْثُ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: " «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ". قِيلَ كَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: " تَحْجِزْهُ عَنِ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ وَابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ: " «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا إِنْ يَكُ ظَالِمًا فَارْدُدْهُ عَنْ ظُلْمِهِ وَإِنْ يَكُ مَظْلُومًا فَانْصُرْهُ» ".
следующие страницы →