Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.
стр. 6861
مَحْذُوفُ (آمَتْ) : بِمَدِّ هَمْزَةٍ وَتَخْفِيفِ مِيمٍ أَيْ: صَارَتْ أَيِّمًا بِأَنْ فَارَقَتْ (مِنْ زَوْجِهَا) بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ (ذَاتُ مَنْصِبٍ) : بِكَسْرِ الصَّادِ أَيْ: صَاحِبَةُ نِسَبٍ أَوْ حَسَبٍ (وَجَمَالٍ) أَيْ: كَمَالِ صُورَةٍ وَسِيرَةٍ فَهِيَ صِفَةٌ لِامْرَأَةٍ، وَأُرِيدَ بِهَا كَمَالُ الثَّوَابِ وَلَيْسَتْ لِلِاحْتِرَازِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا هَذِهِ مَعَ الصِّفَةِ الْمَرْغُوبَةِ الْمَطْلُوبَةِ لِكُلِّ أَحَدٍ (حَبَسَتْ نَفْسَهَا) : فَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ أَوْ صِفَةٌ أُخْرَى أَوْ حَالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أَوْ بِدُونِهِ أَيْ: مَنَعَتْهَا عَنِ الزَّوَاجِ صَابِرَةً أَوْ شَفَقَةً (عَلَى يَتَامَاهَا) . وَقَالَ شَارِحٌ: أَيِ اشْتَغَلَتْ بِخِدْمَةِ الْأَوْلَادِ، وَعَمِلَتْ لَهُمْ، فَكَأَنَّهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا أَيْ: وَقَفَتْ عَلَيْهِمْ وَفِي نُسْخَةٍ: عَلَى أَيْتَامِهَا (حَتَّى بَانُوا) أَيْ: إِلَى أَنْ كَبِرُوا وَحَصَلَتْ لَهُمُ الْإِبَانَةُ، أَوْ وَصَلُوا إِلَى مَرْتَبَةِ كَمَالِهِمْ، فَإِنَّ الْبَيْنَ مِنَ الْأَضْدَادِ بِمَعْنَى الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ حَتَّى فَضَلُوا، وَزَادُوا قُوَّةً وَعَقْلًا وَاسْتَقَلُّوا بِأَمْرِهِمْ مِنَ الْبَوْنِ وَهُوَ الْفَضْلُ وَالْمَزِيَّةُ (أَوْ مَاتُوا) أَيْ: أَوْ مَاتَتْ فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَقَالَ الْقَاضِي قَوْلُهُ: (امْرَأَةٌ آمَتْ) إِلَخْ بَدَلٌ مُجْرَى مَجْرَى الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ، وَآمَتِ الْمَرْأَةُ أَيْمَةً وَأُيُومًا إِذَا صَارَتْ بِلَا زَوْجٍ وَقَوْلُهُ: (حَتَّى بَانُوا) أَيِ اسْتَقَلُّوا بِأَمْرِهِمْ وَانْفَصَلُوا عَنْهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: التَّنْكِيرُ فِي (امْرَأَةٌ) لِلتَّعْظِيمِ وَقَوْلُهُ (سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ) نُصِبَ أَوْ رُفِعَ عَلَى الْمَدْحِ وَهُوَ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6862
٤٩٧٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا وَلَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا - يَعْنِي الذُّكُورَ - أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٩٧٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى) أَيْ: بِنْتٌ أَوْ أُخْتٌ (فَلَمْ يَئِدْهَا) : عَلَى وَزْنِ يَعِدْهَا أَيْ: لَمْ يَدْفِنْهَا حَيَّةً كَمَا هُوَ عَادَةُ الْجَاهِلِيَّةِ ; لِلْفِرَارِ عَنِ الْفَقْرِ أَوِ الْعَارِ (وَلَمْ يُهِنْهَا) : مِنَ الْإِهَانَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ - يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩] فَالْمَعْنَى: وَلَمْ يُمْسِكْهَا عَلَى هَوَانٍ وَمَذَلَّةٍ وَحَقَارَةٍ وَمَشَقَّةٍ (وَلَمْ يُؤْثِرْ) : مِنَ الْإِيثَارِ أَيْ: لَمْ يَخْتَرْ (وَلَدَهُ) أَيْ: صَبِيَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الْأُنْثَى، وَلَمَّا كَانَ الْوَلَدُ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الِابْنِ وَالْبِنْتِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيَّ ﵇ بِالْوَلَدِ (الذُّكُورَ) . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ لِغَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ تَفْسِيرُ الْوَلَدِ بِالذُّكُورِ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ اسْمُ جِنْسٍ، أَوِ الْجِنْسِيَّةُ هُنَا مُسْتَفَادَةٌ مِنَ الْإِضَافَةِ، وَلَعَلَّ الْعُدُولَ فِي التَّفْسِيرِ عَنِ الذَّكَرِ إِلَى الذُّكُورِ تَحَاشِيًا عَنْ ذِكْرِ الذَّكَرِ فَتَدَبَّرْ. (أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ) أَيْ: مَعَ السَّابِقِينَ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي وَضْعِ الْأُنْثَى مَوْضِعَ الْبِنْتِ تَحْقِيرٌ لِشَأْنِهَا، كَمَا وُضِعَ الْوَلَدُ مَوْضِعَ مَكَانِ الِابْنِ تَعْظِيمًا لَهُ إِيذَانًا بِمُخَالِفَةٍ عَظِيمَةٍ لِهَوَى النَّفْسِ، وَإِيثَارِ رِضَا اللَّهِ عَلَى رِضَاهُ، وَلِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ دُخُولُ الْجَنَّةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6863
٤٩٨٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنِ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ فَنَصَرَهُ، نَصْرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَإِنْ لَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ ; أَدْرَكَهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
٤٩٨٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنِ اغْتِيبَ) : يَجُوزُ كَسْرُ النُّونِ وَضَمِّهَا وَصَلًا أَيْ مِنْ تَكَلَّمٍ بِالْغِيبَةِ (عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ مَنْ (فَنَصَرَهُ) ، عَطْفٌ عَلَى الشَّرْطِ أَيْ: فَمَنَعَهُ وَدَفَعَهُ وَجَزَاؤُهُ (نَصَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ، أَدْرَكَهُ اللَّهُ) أَيْ: عَاقَبَهُ (بِهِ) أَيْ: بِسَبَبِ عَدَمِ نَصْرِهِ عِنْدَ وُجُودِ قُدْرَتِهِ (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : وَفَى سَنَدِهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدٌ يُقَوِّي بِهَا نَقْلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
стр. 6864
٤٩٨١ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِالْمَغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٩٨١ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) أَيِ: ابْنُ السَّكَنِ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ ذَبَّ) أَيْ: دَفَعَ (عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ) : كِنَايَةٌ عَنْ غَيْبَتِهِ عَلَى طِبْقِ الْآيَةِ، وَالْمَعْنَى مَنْ دَفَعَ أَوْ مَنْ مَنَعَ مُغْتَابًا عَنْ غِيبَةِ أَخِيهِ (بِالْمَغِيبَةِ) أَيْ: فِي زَمَانِ كَوْنِ أَخِيهِ غَائِبًا وَهُوَ مَصْدَرٌ أَوِ اسْمُ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ قِيلَ مَنْ ذَبَّ عَنْ غَيْبَةِ أَخِيهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَعَلَى هَذَا بِالْمَغِيبَةِ ظَرْفٌ، وَيَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ حَالًا، وَفِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْغَيْبَةَ كَأَكْلِ لَحْمِ الْإِنْسَانِ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ، بَلْ جَعَلَهَا كَلَحْمِ أَخِيهِ ; لِأَنَّهُ أَشَدُّ نِفَارًا مِنْ لَحْمِ الْأَجَانِبِ، وَزَادَ فِي الْمُبَالَغَةِ حَيْثُ جَعَلَ الْأَخَ مَيْتًا. (كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ) أَيْ: ثَابِتًا عِنْدَهُ أَوْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، بِمُقْتَضَى وَعْدِهِ (أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ) . وَهُوَ إِمَّا فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ قَبْلَ دُخُولِهَا أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْعُقُوبَةِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَفِي التَّصْحِيحِ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَمُحْيِي السُّنَّةِ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ نَقْلَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْمَغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَقِيَهُ مِنَ النَّارِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ.
стр. 6865
٤٩٨٢ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
٤٩٨٢ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ» ) أَيْ: يَمْنَعُ عَنْ غَيْبَةِ أَخِيهِ مَثَلًا (إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ) أَيْ: يَصْرِفُ (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الرَّادِّ (نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ تَلَا) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ اسْتِشْهَادًا، أَوْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَرَأَ أَبُو الدَّرْدَاءِ اعْتِضَادًا ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا إِلَخْ اسْتِشْهَادٌ لِقَوْلِهِ: إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ، وَالضَّمِيرُ فِي عَنْهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُسْلِمِ الذَّابِّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ أَتَى بِالْعَامِّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مِنْ سَبَقَ لَهُ الْكَلَامُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ لَوْ قِيلَ عَلَيْهِمْ لِمَوْقِعِ الْكِنَايَةِ اهـ. وَلَا خَفَاءَ أَنْ " مَا " فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ نَافِيَةٌ وَ " مِنْ " مَزِيدَةٌ ; لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ، فَالْحُكْمُ عَامٌّ شَامِلٌ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مِنْ سَبَقَ لَهُ الْكَلَامُ لِيَدْخُلَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، وَأَمَّا الْآيَةُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ حِكْمَةَ الْعُدُولِ عَنْ عَلَيْهِمْ إِلَى عَلَى الْكَافِرِينَ ; لِيَخْرُجَ مَنْ سَيُؤْمِنُ مِنْهُمْ وَيَدْخُلُ فِيهِمْ غَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ الْكُفَّارِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَنْبِيهِ نَبِيِّهِ عَلَى أَنَّ لَعْنَ الْأَحْيَاءِ مِنَ الْكُفَّارِ غَيْرُ جَائِزٍ إِذَا كَانُوا قَوْمًا مَحْصُورِينَ ; لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْخَاتِمَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ وَاحِدٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] فَفِيهِ أَنَّ الصَّوَابَ كَوَّنَ مَفْهُومُهُمَا لُغَةً وَشَرِيعَةً مُتَغَايِرَيْنِ عَلَى مَا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ تَغَايُرِ تَعْرِيفِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، نَعَمْ مَاصَدَقُهُمَا وَاحِدٌ فِي اعْتِبَارِ عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ بِحَيْثُ يُطْلِقُ كُلُّ مَوْضِعٍ الْآخَرَ ; لِأَنَّ انْقِيَادَ الظَّاهِرِ بِدُونِ انْقِيَادِ الْبَاطِنِ غَيْرٌ صَحِيحٍ، وَكَذَا الْعَكْسُ. فَلَا بُدَّ مِنْ تُحَقُّقِهِمَا، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ عَدَمُ انْقِيَادِ الظَّاهِرِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَرْكِهِ كَسَلًا وَإِعْرَاضًا، فَمَنْ تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا أَوْ قَتَلَ نَفْسًا غَيْرُ مُعْتَقِدٍ وُجُوبَ الْأَوَّلِ وَحُرْمَةَ الْآخَرِ كَانَ كَافِرًا، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْفَارِقُ بَيْنَ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَبَيْنَ مَشْرَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ، وَسَائِرِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَالْبِدْعَةِ. (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) .
стр. 6866
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ التَّوْبِيخِ وَلَفْظُهُ قَالَ: «مَنْ ذَبَّ عَنْ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] » نَقْلَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَيْضًا بِلَفْظِ: " «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ» ".
стр. 6867
٤٩٨٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٩٨٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَخْذُلُ» ) : بِضَمِّ الذَّالِ ( «امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَهَكُ» ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُتَنَاوَلُ بِمَا لَا يَحِلُّ (فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (حُرْمَتُهُ) أَيِ: احْتِرَامُهُ وَبَعْضُ إِكْرَامِهِ، وَرِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ حُرْمَتِهِ، وَلَعَلَّهُ هُوَ الصَّوَابُ فِي الرِّوَايَةِ كَمَا تَقْتَضِي الدِّرَايَةُ مِنْ حُسِنِ الْمُقَابَلَةِ إِلَّا أَنَّ فِي الْجَامِعِ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مَنْ حُرْمَتِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَرْتِيبَهُ أَيْضًا هُوَ الْأَنْسَبُ ; لِيَكُونَ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ فَعَكَسَ فِي تَرْتِيبِ الْمِشْكَاةِ هُنَا بِقَوْلِهِ: (وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عَرْضِهِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الِانْتِقَاصِ وَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ أَحَدٌ يَتْرُكُ نُصْرَةَ مُسْلِمٍ مَعَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ عِنْدَ حُضُورِ غَيْبَتِهِ أَوْ إِهَانَتِهِ أَوْ ضَرْبِهِ أَوْ قَتْلِهِ وَنَحْوِهَا. (إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ) أَيْ: ذَلِكَ الْخَاذِلُ (فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ (نُصْرَتَهُ) أَيْ: إِعَانَتَهُ سُبْحَانَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِضَافَتُهُ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَذَلِكَ شَامِلٌ لِمَوَاطِنِ الدُّنْيَا، وَمَوَاقِفِ الْآخِرَةِ. ( «وَمَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ مِنْ عَرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ» ) أَيْ: " فِيهِ " كَمَا فِي نُسْخَةٍ مُطَابِقَةٍ لِرِوَايَةِ الْجَامِعِ. (مِنْ حُرْمَتِهِ) أَيْ: مِنْ بَعْضِ احْتِرَامِهِ مِنْ لَوَازِمَ إِكْرَامِهِ (إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ) : فِيهِ تَفَنَّنَ بِالْعِبَارَةِ، وَرِوَايَةُ الْجَامِعِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِلَفْظِ: مَوْطِنٍ. (يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ) : وَلَعَلَّ هَذَا مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] وَقَوْلِهِ : ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَالضِّيَاءُ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي طَلْحَةَ بْنِ سَعْدٍ.
стр. 6868
٤٩٨٤ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
ــ
٤٩٨٤ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَأَى عَوْرَةً» ) : وَهِيَ مَا يَكْرَهُ الْإِنْسَانُ ظُهُورَهُ، فَالْمَعْنَى مَنْ عَلِمَ عَيْبًا أَوْ أَمْرًا قَبِيحًا فِي مُسْلِمٍ (فَسَتَرَهَا) : أَوْ رَأَى عَوْرَةَ مُسْلِمٍ مَكْشُوفَةً فَسَتَرَهَا بِثَوْبِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: مَنْ رَأَى خَلَلًا مِنْ هَتْكِ سِتْرٍ أَوْ وَقْعٍ فِي عِرْضٍ وَنَحْوِهِمَا ; لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلُّ حَالُهُمْ عِنْدَهَا. (كَانَ كَمَنْ أَحْيَا) أَيْ: كَانَ ثَوَابُهُ كَثَوَابِ مَنْ أَحْيَا (مَوْءُودَةً) : بِأَنْ رَأَى أَحَدٌ أَحَدًا يُرِيدُ وَأْدَ بِنْتٍ فَمَنَعَ أَوْ سَعَى فِي خَلَاصِهَا وَلَوْ بِحِيلَةٍ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: بِأَنْ رَأَى حَيًّا مَدْفُونًا فِي قَبْرٍ فَأَخْرَجَ ذَلِكَ الْمَدْفُونَ مِنَ الْقَبْرِ كَيْلَا يَمُوتَ، وَوَجْهُ تَشْبِيهِ السَّتْرِ عَلَى عُيُوبِ النَّاسِ بِإِحْيَاءِ الْمَوْءُودَةِ أَنَّ مَنِ انْتَهَكَ سِتْرَةً يَكُونُ مِنَ الْخَجَالَةِ كَمَيِّتٍ إِذْ يُحِبُّ الْمَوْتَ مِنْهَا، فَإِذَا سَتَرَ أَحَدٌ عَلَى عَيْبِهِ، فَقَدْ دَفَعَ عَنْهُ الْخَجَالَةَ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ اهـ.
стр. 6869
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَجْهُ الْمُشَابَهَةِ هُوَ الْمُنَاسَبَةُ الضِّدِّيَّةُ، فَإِنَّ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ ضِدُّهُ، وَالْمَعْنَى مَنْ سَتَرَ مَا شَرَعَ اللَّهُ سَتْرَهُ كَانَ كَمَنْ رَفَعَ السِّتْرَ عَمَّا لَمْ يُشْرَعْ سِتْرُهُ، أَوْ وَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ إِصْلَاحُ الْفَسَادِ فِي الْقَرِينَتَيْنِ فَلَا إِشْكَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ يَعْنِي مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فَقَدِ ارْتَكَبَ أَمْرًا عَظِيمًا كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً، فَإِنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَيَدُلُّ عَلَى فَخَامَةِ تِلْكَ الشَّنْعَاءِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] الْكَشَّافُ: فِيهِ تَعْظِيمُ قَتْلِ النَّفْسِ وَإِحْيَائِهَا فِي الْقُلُوبِ ; لِيَسْتَمِرَّ النَّاسُ عَلَى الْجَسَارَةِ عَلَيْهَا، وَيَتَرَاغَبُوا فِي الْمُحَامَاةِ عَلَى حُرْمَتِهَا ; لِأَنَّ الْمُتَعَرِّضَ لِقَتْلِ النَّفْسِ إِذَا تَصَوَّرَ قَتْلَهَا بِصُورَةِ قَتْلِ جَمِيعِ النَّاسِ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَثَبَّطَهُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي أَرَادَ إِحْيَاءَهَا اهـ كَلَامُهُ.
فَكَذَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتُرَ عَيْبَ مُؤْمِنٍ وَعِرْضَهُ إِذَا تَصَوَّرَ أَنَّهُ إِحْيَاءُ الْمَوْءُودَةِ عَظُمَ عِنْدَهُ سَتْرُ عَوْرَةِ الْمُؤْمِنِ، فَيَتَحَرَّى فِيهِ وَيَبْذُلُ جُهْدَهُ. قُلْتُ: وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِيهِ اعْتِبَارُ وَجْهِ الشَّبَهِ فِيمَا سَبَقَ، نَعَمْ فِي الْآيَةِ لَمَّا عَظُمَ عَلَى صَاحِبِ الْكَشَّافِ وَجْهُ شَبَهِ قَتْلِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ بِقَتْلِ الْأَنْفُسِ جَمِيعِهَا، وَكَذَا إِحْيَاؤُهَا بِإِحْيَائِهَا اعْتُبِرَ مَعْنَى الْعَظَمَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ لِلْمُشَابَهَةِ بَيْنَ الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ، مَعَ أَنَّ فِي الْآيَةِ مَعَانِيَ أُخَرَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ الْكَشَّافِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَيْ: مَنِ اسْتَحَلَّ دَمَ مُسْلِمٍ فَكَأَنَّمَا اسْتَحَلَّ دِمَاءَ النَّاسِ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ نَفْسٍ وَنَفْسٍ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ قِصَاصًا كَمَا لَوْ قَتَلَ جَمِيعَ النَّاسِ وَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ كَمَا لَوْ قَتَلَ الْجَمِيعَ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، أَوْ كَمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وِزْرًا وَإِثْمًا، وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَهُوَ تَعْظِيمٌ لِلْقَتْلِ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا مِنْ حَيْثُ أَنَّ قَتْلَ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ سَوَاءٌ فِي اسْتِجْلَابِ غَصْبِ اللَّهِ وَالْعَذَابِ الْعَظِيمِ أَيْ: فِي أَصْلِ الِاسْتِجْلَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) . وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ أَنَّهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ قِصَّةٌ وَقَدْ جَاءَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ اهـ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ.
стр. 6870
٤٩٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ، فَإِنْ رَأَى بِهِ أَذًى فَلْيُمِطْ عَنْهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِأَبِي دَاوُدَ: " «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَنْهُ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ» ".
ــ
٤٩٨٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَحَدَكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ» ) ، بِكَسْرِ مِيمٍ وَمَدِّ هَمْزٍ أَيْ: آلَةٌ لِإِرَاءَةِ مَحَاسِنِ أَخِيهِ وَمَعَايِبِهِ، لَكِنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَإِنَّ النَّصِيحَةَ فِي الْمَلَأِ فَضِيحَةٌ، وَأَيْضًا هُوَ يَرَى مِنْ أَخِيهِ مَا لَا يَرَاهُ مِنْ نَفْسِهِ كَمَا يُرْسَمُ فِي الْمِرْآةِ مَا هُوَ مُخْتَفٍ عَنْ صَاحِبِهِ فَيَرَاهُ فِيهَا أَيْ: إِنَّمَا يَعْلَمُ الشَّخْصُ عَيْبَ نَفْسِهِ بِإِعْلَامِ أَخِيهِ كَمَا يَعْلَمُ خَلَلَ وَجْهِهِ بِالنَّظَرِ فِي الْمِرْآةِ (فَإِنْ رَأَى) أَيْ: أَحَدُكُمْ (بِهِ) أَيْ: بِأَخِيهِ (أَذًى) أَيْ: عَيْبًا مِمَّا يُؤْذِيهِ أَوْ يُؤْذِي غَيْرَهُ (فَلْيُمِطْ) أَيْ: فَلْيُمِطْهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنَ الْإِمَاطَةِ، وَالْمَعْنَى فَلْيُزِلْ ذَلِكَ الْأَذَى (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَخِيهِ إِمَّا بِإِعْلَامِهِ حَتَّى يَتْرُكَهُ أَوْ بِالدُّعَاءِ لَهُ حَتَّى يُرْفَعَ عَنْهُ، وَهَذَا وَجْهُ قَوْلٍ عُمَرَ ﵁: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إِلَيَّ بِعُيُوبِ نَفْسِي، وَفِي إِتْيَانِهِ - بِصِيغَةِ الْجَمْعِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّفْسَ مَعْدِنُ الْعُيُوبِ وَمَنْبَعُهَا وَلِذَا قِيلَ:
وُجُودُكَ ذَنْبٌ لَا يُقَاسُ بِهِ ذَنْبُ
وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ قِيلَ أَيِ: الْمُؤْمِنُ فِي إِرَاءَةِ عَيْبِ أَخِيهِ كَالْمِرْآةِ الْمَجْلُوَّةِ الَّتِي تَحْكِي كُلَّ مَا يُرْسَمُ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، وَلَوْ كَانَ أَدْنَى شَيْءٍ، فَالْمُؤْمِنُ إِذَا نَظَرَ إِلَى أَخِيهِ يَسْتَشِفُّ مِنْ وَرَاءِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ تَعْرِيفَاتٍ وَتَلْوِيحَاتٍ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ، فَأَيُّ وَقْتٍ ظَهَرَ مِنْ أَحَدِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُجْتَمِعِينَ فِي عَقْدِ الْأُخُوَّةِ عَيْبٌ فَادِحٌ فِي أُخُوَّتِهِ نَافِرُوهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ بِظُهُورِ النَّفْسِ مِنْ تَضْيِيعِ حَقِّ الْوَقْتِ، فَعَلِمُوا مِنْهُ خُرُوجَهُ بِذَلِكَ عَنْ دَائِرَةِ الْجَمْعِيَّةِ فَنَافَرُوهُ ; لِيَعُودَ إِلَى دَائِرَةِ الْجَمْعِيَّةِ، قَالَ رُوَيْمٌ: لَا يَزَالُ الصُّوفِيَّةُ بِخَيْرٍ مَا تَنَافَرُوا، فَإِذَا اصْطَلَحُوا هَلَكُوا، وَهَذَا إِشَارَةٌ
стр. 6871
إِلَى حُسْنٍ تَفَقُّدِ بَعْضِهِمْ أَحْوَالَ الْبَعْضِ إِشْفَاقًا مِنْ ظُهُورِ النَّفْسِ، يَقُولُ: إِذَا اصْطَلَحُوا وَرُفِعَ التَّنَافُرُ بَيْنَهُمْ يُخَافُ أَنْ يُخَامِرَ الْبَوَاطِنَ الْمُسَاهَلَةُ وَالْمِرْآةُ، وَمُسَامَحَةُ الْبَعْضِ الْبَعْضِ فِي إِهْمَالِ دَقِيقِ آدَابِهِمْ، وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ النُّفُوسُ وَتَتَوَلَّى، وَتَصْدَأُ مِرْآةُ الْقَلْبِ، فَلَا يُرَى فِيهَا الْخَلَلُ وَالْعَيْبُ. قَالَ عُمَرُ ﵁ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ تَرَخَّصْتُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَاذَا كُنْتُمْ فَاعِلِينَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟ فَلَمْ يُجِيبُوا. قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَوَّمْنَاكَ تَقْوِيمَ الْقَدَحِ. قَالَ عُمَرُ: أَنْتُمْ إِذًا أَنْتُمْ كَذَا فِي كِتَابِ الْعَوَارِفِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِأَبِي دَاوُدَ) : وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ ( «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَنْهُ ضَيْعَتَهُ» ) ، أَيْ: يَمْنَعُ عَنْ أَخِيهِ تَلَفَهُ وَخُسْرَانَهُ، فَهُوَ مَرَّةٌ مِنَ الضَّيَاعِ، وَقِيلَ ضَيْعَةُ الرَّجُلِ مَا يَكُونُ مِنْهُ مَعَاشُهُ أَيْ: يَجْمَعُ عَلَيْهِ مَعِيشَتَهُ. (وَيَحُوطُهُ) أَيْ: يَحْفَظُهُ وَيُخَصِّرُهُ وَيَضُمُّهُ إِلَيْهِ (مِنْ وَرَائِهِ) أَيْ: فِي غَيْبَتِهِ نَفْسًا وَمَالًا وَعِرْضًا بِأَنْ لَا يَسْكُتَ إِذَا اغْتِيبَ عِنْدَهُ وَقَدَرَ عَلَى دَفْعِهِ، هَذَا وَصَدْرُ الْحَدِيثِ هُوَ قَوْلُهُ: (الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ) حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ أَيْضًا. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالضِّيَاءُ عَنْ أَنَسٍ.
وَلِلطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةِ الصَّفِيَّةِ تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ حَيْثُ تَصْوِيرُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْكَثْرَةِ وَالْوَحْدَةِ تَارَةً بِوُجُودِ مِرْآةٍ وَاحِدَةٍ وَمِرَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَتَارَةً بِالْعَكْسِ فِي الِانْعِكَاسِ، وَجَعَلُوا أَحَدَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَارَةً عَنِ الْمُؤْمِنِ الْمُهَيْمِنِ الْمُتَعَالِ، وَهُوَ تِمْثَالٌ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَالصِّفَةُ الْأَعْلَى مِنْ حُجَّةِ دَلَالَتِهِ عَلَى تَنْزِيهِ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ مِنَ الْمُحِبِّ وَالْمَحْبُوبِ، وَالطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ. وَمِنْ حَيْثِيَّةِ كَوْنِ الْمِرْآةِ مَظْهَرًا وَمَظْهَرَ الْمُتَعَالِي عَنِ الْمَحْلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَالِانْفِصَالِ وَالِاتِّصَالِ خِلَافُ مَا تَصَوَّرَهُ أَهْلُ الضَّلَالِ، وَأَيْضًا فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَجَلِّيَّاتِ الظُّهُورِ الرَّبَّانِيِّ، وَتَجَلِّيَّاتِ الْعَوَارِفِ الصَّمَدَانِيِّ إِنَّمَا هُوَ بِقَدْرِ صَفَاءِ الْمِرْآةِ عَنْ صَدَاءِ الذُّنُوبِ، وَتَجَلِّيَّاتِ الشَّهَوَاتِ وَسَائِرِ الْعُيُوبِ مِمَّا يَحْجِبُ الْقُلُوبَ عَنْ مُطَالَعَةِ الْغُيُوبِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ الرَّائِي مُتَوَجِّهًا إِلَى مِرْآةِ الْقَلْبِ لَا مُعْرِضًا عَنْهَا، وَإِلَّا فَيَكُونُ وَجْهُ الْمِرْآةِ وَقَفَاؤُهَا مُسْتَوِيَيْنِ عِنْدَهُ، وَكَذَا إِذَا تَرَاكَمَ الصَّدَأُ وَالرَّيْنُ وَارْتَفَعَ الْعَيْنُ بِسَبَبِ الْغَيْنِ، فَيَكُونُ مَحْجُوبًا فِي الْبَيْنِ، فَانْظُرِ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَإِنَّهُ بَوْنٌ بَيِّنٌ، وَلِذَا قَالَ نَدِيمُ الْبَارِيِّ خَوَاجَهْ عَبْدُ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، صَاحِبُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ، وَمَقَامَاتِ الطَّائِرِينَ: آهْ آهْ مِنْ تَفَاوُتِ سَالِكِي طَرِيقِ الْإِلَهِ، مَعَ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ حَدِيدٍ وَاحِدٍ فِي كَيْرٍ وَارِدٍ، فَيُصَاغُ مِنْ قِطْعَةِ مِرْآةٍ يَرَى بِهَا وَجْهَهُ الْمَحْبُوبَ، وَيُصْنَعُ مِنْ أُخْرَى نَعْلٌ يُوضَعُ تَحْتَ رِجْلِ الْمَرْكُوبِ مُشِيرًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] أَيِ: الْكَافِرُونَ الْكَامِلُونَ فِي الْغَفْلَةِ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ فِي مَرْتَبَةِ الْحُضُورِ دَائِمًا كَالْأَنْبِيَاءِ، أَوْ غَالِبًا كَالْأَوْلِيَاءِ، وَتَارَةً كَسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، فَإِنَّ الْغَفْلَةَ كُفْرٌ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ حِزْبِ الْفَتْحِ لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ السَّرِيَّ، هَذَا وَكَانَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا مِثْلَ آدَمَ وَمُوسَى وَالْخَاتَمَ، وَبِالْآخَرِ: إِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ وَأَبَا جَهْلٍ، لَكِنْ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ نَبِيُّنَا الرَّئِيسُ بِمُقَابَلَةِ إِبْلِيسَ، فَإِنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا أَعْظَمُ مَظَاهِرِ الْجَمَالِ وَإِبْلِيسَ أَقْوَى مَظَاهِرِ الْجَلَالِ، وَكَذَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُتَابَعَتِهِمَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ وَالنَّارِ وَالْعِقَابِ، وَأَبُو جَهْلٍ يُقَابَلُ بِآدَمَ الَّذِي هُوَ أَبُو الْعِلْمِ، وَلِكُلِّ فِرْعَوْنَ مُوسَى، وَهُنَا يُفْتَحُ أَبْوَابُ بَحْثِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَيَدْخُلُ أَسْبَابُ التَّحَيُّرِ فِي أَمْرِ الْقُوَى وَالْقَدْرِ، وَالْجَوَابُ الْمُحَمَّدِيُّ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، ثُمَّ هَذَانِ الْأَمْرَانِ لِاقْتِضَاءِ صِفَتَيِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ مِنْ صَاحِبِ الْكَمَالِ، وَبَسْطِهِمَا يُوجِبُ كَلَالَ أَرْبَابِ الْمِلَالِ، مَعَ أَنَّهُ غَايَةُ ذَوْقِ أَصْحَابِ الْحَالِ، فَقَدْ مَزَجْتُ لَكَ الْإِشَارَةَ الصُّوفِيَّةَ الْبَاطِنِيَّةَ بِالْعِبَارَةِ الْعِلْمِيَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ، لَعَلَّكَ تَعْتَرِفُ بِالْجَهْلِ مِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ، وَتَغْتَرِفُ بِالْعِلْمِ مِنْ هَذَا الْمَشْرَبِ، وَلَوْ كَانَ مَمْزُوجًا لِعَدَمِ حُصُولِهِ صَرْفًا، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ وَبُرْهَانُهُ حَيْثُ قَالَ: " ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٢] " إِلَى أَنْ قَالَ: " ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ - خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ - وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ - عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٨] " وَقَدْ قَالَ الْعَارِفُ ابْنِ الْفَارِضِ:
عَلَيْكَ بِهَا صَرْفًا وَإِنْ شِئْتَ مَزْجَهَا ... فَعَدْلُكَ عَنْ ظُلْمِ الْحَبِيبِ هُوَ الظُّلْمُ
أَذَاقَنَا اللَّهُ مِنْ كَأْسِ مَشْرَبِهِمْ، وَرَزَقَنَا سُلُوكَ مَذْهَبِهِمْ وَحُسْنَ مَطْلَبِهِمْ.
стр. 6872
٤٩٨٦ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ بِهِ شَيْنَهُ حَبْسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٩٨٦ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ﵁ أَيِ: الْجُهَنِيِّ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ سَهْلٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ حَمَى) أَيْ: حَرَسَ (مُؤْمِنًا) أَيْ: عِرْضَهُ (مِنْ مُنَافِقٍ) أَيْ: مُغْتَابٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مُنَافِقًا ; لِأَنَّهُ لَا يُظْهِرُ عَيْبَ أَخِيهِ عِنْدَهُ لِيَتَدَارَكَ، بَلْ يُظْهِرُ عِنْدَ خِلَافِ ذَلِكَ، أَوْ لِأَنَّهُ يُظْهِرُ النَّصِيحَةَ وَيُبْطِنُ الْفَضِيحَةَ. (بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ) أَيْ: لَحْمَ حَامِي الْمُؤْمِنِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَمَنْ رَمَى) أَيْ: قَذَفَ (مُسْلِمًا) : فِيهِ تَفَنُّنٌ لِإِشْعَارٍ بِصِحَّةِ إِطْلَاقِ كُلِّ مَوْضِعٍ الْآخَرَ (بِشَيْءٍ) أَيْ: مِنَ الْعُيُوبِ (يُرِيدُ بِهِ شَيْنَهُ) أَيْ: غَيْبَهُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّنْ يُرِيدُ بِهِ زَجْرَهُ، أَوِ احْتِرَاسِ غَيْرِهِ عَنْهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْمُجَوَّزَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. (حَبَسَهُ اللَّهُ) أَيْ: وَقَّفَهُ (عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ) : وَهُوَ صِرَاطٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهَا أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ (حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ) أَيْ: مِنْ عُهْدَتِهِ، وَالْمَعْنَى حَتَّى يُنَقَّى مِنْ ذَنْبِهِ ذَلِكَ بِإِرْضَاءِ خَصْمِهِ أَوْ بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِتَعْذِيبِهِ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . أَيْ: مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 6873
٤٩٨٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤٩٨٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَيْرُ الْأَصْحَابِ» ) أَيْ: أَكْثَرُهُمْ ثَوَابًا (عِنْدَ اللَّهِ) أَيْ: فِي حُكْمِهِ الَّذِي هُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ الْكُلِّ (خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ) أَيْ: أَكْثَرُهُمْ إِحْسَانًا وَلَوْ بِالنَّصِيحَةِ ( «وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» ) أَيْ: وَلَوْ بِرَفْعِ الْأَذَى عَنْهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارُقُطْنِيُّ) ، وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: ( «خَيْرُ الْأَصْحَابِ صَاحِبٌ إِذَا ذَكَرْتَ اللَّهَ أَعَانَكَ، وَإِنْ نَسِيتَ ذَكَّرَكَ» ) . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْإِخْوَانِ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا.
стр. 6874
٤٩٨٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ إِذَا أَحْسَنْتُ أَوْ إِذَا أَسَأْتُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِذَا سَمِعْتَ جِيرَانَكَ يَقُولُونَ: قَدْ أَحْسَنْتَ؟ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ أَسَأْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٤٩٨٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : كَيْفَ لِي أَنْ أَعْرِفَ إِذَا أَحْسَنْتُ أَوْ إِذَا أَسَأْتُ» ) ؟ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ بِمَعْنَى أَوْ، وَالْمَعْنَى كَيْفَ يَحْصُلُ لِي الْعِلْمُ بِإِحْسَانِي أَوْ إِسَاءَتِي إِذَا صَدَرَ مِنْ عَمَلٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ شَرْعًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِذَا سَمِعْتَ جِيرَانَكَ) أَيْ: جَمِيعَهُمْ لِعَدَمِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الضَّلَالَةِ غَالِبًا (يَقُولُونَ: قَدْ أَحْسَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ أَسَأْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَلْسِنَةَ الْخَلْقِ أَقْلَامُ الْحَقِّ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) ، وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُ ابْنِ مَاجَهْ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا شَيْخَهُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى قَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ، كَذَا فِي التَّصْحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْ كُلْثُومَ الْخُزَاعِيِّ.
стр. 6875
٤٩٨٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٩٨٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَنْزِلُوا النَّاسَ) : أَمْرٌ مِنَ الْإِنْزَالِ وَقَوْلُهُ: (مَنَازِلَهُمْ) مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ قِيلَ: أَيْ: مَقَامَاتِهِمُ الْمُعَيَّنَةِ الْمَعْلُومَةِ لَهُمْ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْمَلَائِكَةِ: " ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] " وَلِكُلِّ أَحَدٍ مَرْتَبَةٌ وَمَنْزِلَةٌ لَا يَتَخَطَّاهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَالْوَضِيعُ لَا يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الشَّرِيفِ، وَلَا الشَّرِيفُ فِي مَنْزِلِ الْوَضِيعِ، فَاحْفَظُوا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَنْزِلَتَهُ، وَلَا تُسَوُّوا بَيْنَ الْخَادِمِ وَالْمَخْدُومِ، وَالسَّائِدِ وَالْمُسَوَّدِ، وَأَكْرِمُوا كُلًّا عَلَى حَسَبِ فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: " ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] " وَهَذَا الْحَدِيثُ مَبْدَأُ فَهْمِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي تَفَاضُلِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَفْضِيلِ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَكِ وَتَفْضِيلِ الْخُلَفَاءِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنَ الْمَبَاحِثِ كَمَا أَنَّهُ مَنْشَأُهُمُ الْأَغْنِيَاءَ وَالْأَغْبِيَاءَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ عَلَى مَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي مَجَالِسِ الْحَوَادِثِ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ، وَفَهِمَ كُلُّ فَرِيقٍ مَذْهَبَهُمْ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ شُعَيْبَ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ: مَيْمُونُ بْنُ شُعَيْبَ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ اهـ. وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: مَيْمُونٌ عَنْ عَائِشَةَ مُتَّصِلٌ؟ قَالَ: لَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ، فَالِاعْتِرَاضُ مُتَوَجِّهٌ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ، وَكَذَا عَلَى صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ فِي غَفْلَةِ الْأَوَّلِ بِإِيرَادِهِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، وَفِي تَقْصِيرِ الثَّانِي بِقُصُورِ التَّتَبُّعِ، بَلْ وَعَلَى صَاحِبِ التَّصْحِيحِ إِنْ كَانَ نَقْلُ الْجَامِعِ هُوَ الصَّحِيحَ، هَذَا وَرَوَاهُ الْخَرَائِطِيُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ بِلَفْظِ: «أَنْزِلِ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَأَحْسِنْ أَدَبَهُمْ عَلَى الْأَخْلَاقِ الصَّالِحَةِ» .
стр. 6876
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٩٩٠ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ يَوْمًا، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَذَا؟ " قَالُوا: حَبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَلْيُصَدِّقْ حَدِيثَهُ إِذَا حَدَّثَ، وَلْيُؤَدِّ أَمَانَتَهُ إِذَا أُؤْتُمِنَ، وَلِيُحْسِنَ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَهُ» ".
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٩٩٠ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ) بِضَمِّ الْقَافِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: صَحَابِيٌّ أَسْلَمِيٌّ، يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ، رَوَى عَنْهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ وَغَيْرُهُ. ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ يَوْمًا، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَمْسَحُونَ بِوَضُوئِهِ» ) ، بِفَتْحِ الْوَاوِ وَأَبْعَدَ مَنْ ضَمَّهَا وَقَدَرِ الْمَاءِ (فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : مَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَذَا؟) أَيِ: التَّمَسُّحِ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْمَعْلُومِ الْوَاضِحِ عِنْدَهُ أَنَّهُ لِلتَّبَرُّكِ النَّاشِئِ عَنْ حُسْنِ الِاعْتِقَادِ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَالسُّؤَالُ لِإِظْهَارِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْجَوَابِ. (قَالُوا: حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أَيِ: الْحَامِلُ أَوْ حَمَلَنَا، (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ) أَيْ: عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ (أَوْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) : أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ بِمَعْنَى بَلْ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَيُحْتَمَلُ شَكُّ الرَّاوِي (فَلْيُصَدِّقْ) : بِضَمِّ الدَّالِ (حَدِيثَهُ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: فِي حَدِيثِهِ فَفِي الْقَامُوسِ: الصِّدْقُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ ضِدُّ الْكَذِبِ، أَوْ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ وَبِالْكَسْرِ الِاسْمُ، وَصَدَقَ فِي الْحَدِيثِ وَصَدَّقَ فُلَانًا الْحَدِيثَ أَوِ الْقِتَالَ، وَصَدَّقَهُ تَصْدِيقًا ضِدُّ كَذَّبَهُ. (إِذَا حَدَّثَ) ، أَيْ: مَتَى تَكَلَّمَ وَتَحَدَّثَ ( «وَلْيُؤَدِّ أَمَانَتَهُ إِذَا أُؤْتُمِنَ» ) بِسُكُونِ الْهَمْزِ وَيُبَدَّلُ أَلِفًا حَالَ الْوَصْلِ، وَهُوَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ وَيُكْتَبُ بِالْوَاوِ ; لِأَنَّ حَالَةَ الِابْتِدَاءِ بِهِ بَعْدَ الْوَقْفِ عَلَى مَا قَبْلَهُ يَجِبْ قَلْبُ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ وَاوًا، وَلَا يَغُرَّكَ كِتَابَتُهُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ إِذَا ائْتَمَنَ بِالْيَاءِ، فَإِنَّهُ نَشَأَ مِنْ قِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الرَّسْمِ وَآدَابِ الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، وَهُوَ عِلْمٌ مُسْتَقِلٌّ، بَلْ عِلْمَانِ غَيْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الْقَوَاعِدِ الصَّرْفِيَّةِ وَالنَّحْوِيَّةِ، وَسَائِرِ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
стр. 6877
﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي أُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] (وَلِيُحْسِنْ) : مِنَ الْإِحْسَانِ أَيْ: لِيُكْرِمْ (جِوَارَ مَنْ جَاوَرَهُ) . بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: مُجَاوَرَةَ جِيرَانِهِ، وَمُعَاشَرَةَ أَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَضْدَادَهَا مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِينَ، فَالْمَدَارُ عَلَى الْأَفْعَالِ الْبَاطِنَةِ دُونَ الْأَحْوَالِ الظَّاهِرَةِ، فَكَأَنَّهُ ﷺ نَبَّهَهُمْ عَلَى أَنَّ جُمْلَةَ هِمَّتِهِمْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ دُونَ الِاكْتِفَاءِ بِظَوَاهِرِ الْأُمُورِ الْمُشْتَرَكَ فِيهَا الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَالْمُخَالِفُ وَالْمُوَافِقُ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَخُلَاصَةُ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: يُرِيدُ أَنَّ ادِّعَاءَكُمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَمَحَبَّةَ رَسُولِهِ لَا يَتِمُّ، وَلَا يَسْتَتِبُّ بِمَسْحِ الْوَضُوءِ فَقَطْ، بَلْ بِالصِّدْقِ فِي الْمَقَالِ، وَبِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَبِالْإِحْسَانِ إِلَى الْجَارِ.
стр. 6878
٤٩٩١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ» ". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٩٩١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَيْسَ الْمُؤْمِنُ) أَيِ: الْكَامِلُ (بِالَّذِي) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ قَدْ تَدْخُلُ فِي خَبَرِ لَيْسَ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ الَّذِي (يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ) الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَشْبَعُ أَيْ: وَهُوَ عَالِمٌ بِحَالِ اضْطِرَارِهِ، وَقِلَّةِ اقْتِدَارِهِ، وَفِي ذِكْرِ الْجَنْبِ إِشْعَارٌ بِكَمَالِ غَفْلَتِهِ عَنْ تَعَهُّدِ جَارِهِ (رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَالْأَوَّلُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَالثَّانِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
стр. 6879
٤٩٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فُلَانَةً تُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا. قَالَ: " هِيَ فِي النَّارِ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّ فُلَانَةً تُذْكَرُ قِلَّةَ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي بِلِسَانِهَا جِيرَانَهَا قَالَ: " هِيَ فِي الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٩٩٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فُلَانَةً) : بِفَتْحِ آخِرِهَا وَهَى كِنَايَةٌ عَنِ اسْمِ امْرَأَةٍ (تُذْكَرُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُسْنَدٍ إِلَى ضَمِيرِ " فُلَانَةً "، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تُذْكَرُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ بِطَرِيقِ الشُّهْرَةِ (مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا) أَيْ: مِنْ أَجْلِ هَذِهِ النَّوَافِلِ، وَ (مِنْ) تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (تُذْكَرُ) (غَيْرَ أَنَّهَا) أَيْ: إِلَّا أَنَّهَا (تُؤْذِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ يَعْنِي لَكِنْ تُؤْذِي (جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا) . وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّقْيِيدِ بِاللِّسَانِ أَنَّهُ أَغْلَبُ مَا يُؤْذَى بِهِ وَأَقْوَى مَا يَتَأَذَّى لَهُ الْإِنْسَانُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
جِرَاحَاتُ السِّنَّانِ لَهَا الْتِئَامُ ... وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ
(قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ) . أَيْ: لِارْتِكَابِ النَّفْلِ الْمُبَاحِ تَرْكُهُ وَاكْتِسَابِ الْأَذَى الْمُحَرَّمِ فِي الشَّرْعِ، وَفِي نَظِيرِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَاقِعُونَ حَتَّى عِنْدَ دُخُولِ الْبَيْتِ الشَّرِيفِ، وَاسْتِلَامِ الرُّكْنِ الْمُنِيفِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ عَمَلُ الظَّلَمَةِ مِنْ جَمْعِ مَالِ الْحَرَامِ وَصَرْفِهِ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ، وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ. (قَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فُلَانَةً) أَيْ: غَيْرَهَا (تُذْكَرُ) أَيْ: عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ (قِلَّةَ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصِلَاتِهَا) ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا قَالَ الطِّيبِيُّ: الْقَرِينَةُ الثَّانِيَةُ لَيْسَتْ فِيهَا مِنْ " وَقِلَّةَ " نُصِبَ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ اهـ. وَكَأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ رِوَايَةُ النَّصْبِ كَمَا تَقْتَضِي مُرَاعَاةُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْقَرِينَتَيْنِ، وَإِلَّا فَلَوْ رُوِيَ أَوْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ فَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَإِنَّهَا) : بِالْكَسْرِ (تُصَدَّقُ) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَضَمِّ الْقَافِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ وَإِنْ رُوِيَ بِفَتْحِ أَنَّ عَطْفًا عَلَى (أَنَّهَا) مَعْمُولُ (تُذْكَرُ) ، فَلَهُ وَجْهٌ فَتُذْكَرُ. وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَتَصَدَّقُ. (بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ) ، أَيْ: بِقِطَعٍ مِنْهُ جَمْعُ ثَوْرٍ بِالْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْأَقِطِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، فَفِي الْكَلَامِ تَجْرِيدٌ أَوْ تَوْكِيدٌ، وَفِي ذِكْرِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ صَدَقَتَهَا بِالنِّسْبَةِ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ قَلِيلَةٌ جِدًّا، ثُمَّ فِي الْقَرِينَةِ الثَّانِيَةِ تَوَسَّطَتِ الْعِبَادَةُ الْمَالِيَّةُ بَيْنَ عِبَادَتَيِ الْبَدَنِيَّةِ لَعَلَّهَا بِسَبَبِ طَرَفَيْهَا تَنْجَبِرُ قِلَّتُهَا. (وَلَا تُؤْذِي بِلِسَانِهَا جِيرَانَهَا) : عَطْفٌ عَلَى تَصَدَّقُ أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِهِ
стр. 6880
(قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ) ؛ لِأَنَّ مَدَارَ أَمْرِ الدِّينِ عَلَى اكْتِسَابِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي تَحْصِيلِ الْفُضُولِ وَتَضْيِيعِ الْأُصُولِ، وَكَمَا هُوَ وَاقِعٌ فِيهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَكَثِيرٌ مِنَ الصُّلَحَاءِ، حَيْثُ لَمْ يَقُمِ الْأَوَّلُونَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ، وَلَمْ يُحَصِّلِ الْآخَرُونَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ، وَأَمَّا الصُّوفِيَّةُ الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ الْمَقْرُونَيْنِ بِالْإِخْلَاصِ، فَهُمْ يَأْدِمُونَ رِعَايَةَ الِاحْتِمَاءِ عَلَى إِعْطَاءِ الدَّوَاءِ سَالِكِينَ سَبِيلَ الْحُكَمَاءِ فَيَقُولُونَ: التَّخْلِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ، وَلِذَا جَعَلُوا التَّوْبَةَ أَوَّلَ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ وَمَقَامَاتِ الطَّائِرِينَ. وَفِي كَلِمَهِ التَّوْحِيدُ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا الْمَلَفِّ بِطَرِيقِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ دَائِمًا إِلَى أَنَّ الصِّفَافَ السَّلْبِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى النُّعُوتِيَّةِ الثُّبُوتِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْأَوْلَى حُصُولُ الثَّانِيَةِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَكَذَا الْبَزَّارُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 6881
٤٩٩٣ - وَعَنْهُ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ عَلَى نَاسٍ جُلُوسٍ فَقَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ؟ " قَالَ: فَسَكَتُوا فَقَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ رَجُلٌ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا فَقَالَ: " خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ، وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ــ
٤٩٩٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رِضَى اللَّهِ عَنْهُ - (قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ عَلَى نَاسٍ جُلُوسٍ» ) أَيْ: جَالِسِينَ أَوْ ذَوِي جُلُوسٍ ( «فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ» ) ؟ أَيْ: مُمَيِّزًا مِنْهُ حَالٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (فَسَكَتُوا) أَيْ: مُتَوَقِّفِينَ فِي أَنَّ السُّؤَالَ أَوْلَى أَوِ السُّكُوتَ أَحْرَى خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ: " ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] " وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ : " «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» ". (فَقَالَ ذَلِكَ) أَيِ: الْكَلَامَ السَّابِقَ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) : فَلَمَّا أَفَادَ التَّكْرَارُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الِاخْتِيَارِ أَجَابَ بَعْضُهُمْ (فَقَالَ رَجُلٌ) أَيْ: كُلُّ الرَّجُلِ شَدِيدُ الْقَلْبِ فَتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ ( «بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا» ) . وَفِيهِ بَسْطُ الْكَلَامِ بِمُقْتَضَى انْبِسَاطِ الْمَقَامِ (فَقَالَ) أَيْ: بِطَرِيقِ الْإِبْهَامِ احْتِرَازًا مِنْ فَضِيحَةِ الْأَنَامِ ( «خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ» ) : فَخَيْرُ الْأَوَّلِ بِمَعْنَى الْأَخْيَرِ، وَالثَّانِي مُفْرَدُ الْخُيُورِ أَيْ: مَنْ يَرْجُو النَّاسُ مِنْهُ إِحْسَانَهُ إِلَيْهِمْ (وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ) ، أَيْ: مَنْ يَأْمَنُونَ عَنْهُ عَنْ إِسَاءَتِهِ عَلَيْهِمْ ( «وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ» ) . وَتَرَكَ ذِكْرَ مَنْ يَأْتِي مِنْهُ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ وَنَقِيضُهُ، فَإِنَّهُمَا سَاقِطَا الِاعْتِبَارِ حَيْثُ تَعَارَضَا تَسَاقُطًا، وَنَظِيرُهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مَا مَعْنَاهُ: أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ هُوَ سَرِيعُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْءِ، فَهَذَا بِذَاكَ، وَمِنْهُمْ بَطِيءُ الْغَضَبِ بَطِيءُ الْفَيْءِ، فَكَذَلِكَ وَخَيْرُهُمْ مَنْ يَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الرُّجُوعِ، وَشَرُّهُمْ عَكْسُ ذَلِكَ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَمَّا تَوَهَّمُوا مَعْنَى التَّمْيِيزِ وَتَخَوَّفُوا مِنَ الْفَضِيحَةِ سَكَتُوا حَتَّى كَرَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَبْرَزَ الْبَيَانَ فِي مَعْرِضِ الْعُمُومِ، لِئَلَّا يُفْضَحُوا فَقَالَ: (خَيْرُكُمْ) . وَالتَّقْسِيمُ الْعَقْلِيُّ يَقْتَضِي أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ ذَكَرَ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ تَرْغِيبًا، وَتَرْهِيبًا، وَتَرْكَ قِسْمَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا تَرْغِيبٌ وَتَرْهِيبٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ» " الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ، وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ؟ خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ» " إِلَخْ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ مُعَاذٍ بِلَفْظِ: " «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟ مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ وَمَنَعَ رِفْدَهُ، وَسَافَرَ وَحْدَهُ وَضَرَبَ عَبْدَهُ، أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ يَبْغَضُ النَّاسَ وَيَبْغَضُونَهُ. أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ يُخْشَى شَرُّهُ: لَا يُرْجَى خَيْرُهُ. أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ. إِلَّا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ أَكَلَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ» ".
стр. 6882
٤٩٩٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا مَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يُسْلِمَ قَلْبُهُ، وَلِسَانُهُ، وَلَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ".
ــ
٤٩٩٤ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهُ فَفِي الْقَامُوسِ قَسَمَهُ وَقَسَّمَهُ جَزَّأَهُ، وَالْمَعْنَى قَدَّرَ بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ (بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ) أَيْ: أَعْمَالَكُمْ، وَأَحْوَالَكُمْ ( «كَمَا قَسَّمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ» ) أَيْ: أَمْوَالَكُمْ سَوَاءٌ حَرَامَكُمْ وَحَلَالَكُمْ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] إِلَى أَنْ قَالَ: " ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] " اللَّهُمَّ فَحَسِّنْ أَخْلَاقَنَا، وَطَيِّبْ أَرْزَاقَنَا. ( «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا» ) أَيِ: الْأَرْزَاقَ الدُّنْيَوِيَّةَ الدَّنِيَّةَ (مَنْ يُحِبُّ) أَيْ: مَنْ يُحِبُّهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَوْلِيَاءِ كَسُلَيْمَانَ وَعُثْمَانَ (وَمَنْ لَا يُحِبُّ) ، أَيْ: وَيُعْطِيهَا أَيْضًا مَنْ لَا يُحِبُّهُ كَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢٠] ، (وَلَا يُعْطِي الدِّينَ) أَيِ: الْأَخْلَاقَ الْحَسَنَةَ، وَالْآدَابَ الْمُسْتَحْسَنَةَ (إِلَّا مَنْ أَحَبَّ) : قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: التَّصَوُّفُ هُوَ الْخُلُقُ، فَمَنْ زَادَ عَلَيْكَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ، فَقَدْ زَادَ عَلَيْكَ فِي التَّصَوُّفِ ( «فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ» ) أَيْ: سَوَاءٌ أَعْطَاهُ الدُّنْيَا أَمْ لَا، وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ مَنْ جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الْأَرْزَاقِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالْأَخْلَاقِ الدِّينِيَّةِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِمَّنِ اقْتَصَرَ لَهُ عَلَى الدِّينِ مَعَ قَدْرِ كِفَايَتِهِ مِنَ الدُّنْيَا، كَمَا يَتَبَادَرُ إِلَى فَهْمِ أَرْبَابِ الْعُقُولِ النَّاقِصَةِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، وَمَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى» ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " «أَجْوَعُكُمْ فِي الدُّنْيَا أَشْبَعُكُمْ فِي الْآخِرَةِ» ". وَوَرَدَ أَنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ بِخَمْسِمَائَةِ عَامٍ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ، يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَبْوًا، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ يَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ أَمِ الْغَنِيَّ الشَّاكِرَ؟ وَإِجْمَاعُ الصُّوفِيَّةِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ، بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَقِيرُ الشَّاكِرُ أَفْضَلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّفْوِيضُ وَالتَّسْلِيمُ أَكْمَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ دَخْلٌ فِي الْبَحْثِ، بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠] ، وَقَدْ بَسَطْتُ فِي الْجُمْلَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ حِزْبِ الْفَتْحِ لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ، وَالْعَاقِلُ يَكْفِيهِ الْإِشَارَةُ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَطْوِيلِ الْعِبَارَةِ، وَمَنْ أَرَادَ الِاسْتِقْصَاءَ فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ الْإِحْيَاءِ. (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسْلِمُ عَبْدٌ) أَيْ: إِسْلَامًا كَامِلًا مُطَابِقًا لِمُسَمَّاهُ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَمُوَافِقًا وَصْفُهُ لِمَأْخَذِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالسَّلَامَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَدَارَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ عَلَى تَرْكِ الْإِسَاءَةِ وَإِحْسَانِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، إِذْ هُمَا مَنْبَعُ الْأَخْلَاقِ، وَأَحَدُهُمَا تُرْجُمَانُ الْآخَرِ، فَإِنَّ الْإِنَاءَ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ. (حَتَّى يُسْلِمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ) ، وَفِي نُسْخَةٍ يَسْلَمُ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنَى يَنْقَادُ (وَلَا يُؤْمِنُ) أَيْ: عَبَدٌ إِيمَانًا تَامًّا (حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ) أَيْ: خُصُوصًا أَوْ مَثَلًا (بَوَائِقَهُ) . أَيْ: شُرُورَهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا كَالنَّشْرِ لِمَا لَفَّ قَبْلَهُ، وَأَشَارَ بِالدُّنْيَا إِلَى الْأَرْزَاقِ، وَبِالدِّينِ إِلَى الْأَخْلَاقِ لِيُشْعِرَ بِأَنَّ الرِّزْقَ الَّذِي يُقَابِلُ الْخُلُقَ هُوَ الدُّنْيَا، وَلَيْسَ مِنَ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، وَأَنَّ الْأَخْلَاقَ الْحَمِيدَةَ لَيْسَتْ غَيْرَ الدِّينِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . ثُمَّ أَتَى بِمَا يُفَضِّلُ الدِّينَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْخَارِجَةِ وَالدَّاخِلَةِ مِنَ الِانْقِيَادِ وَالتَّصْدِيقِ، كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ﵇: «أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ» بَعْدَ ذِكْرِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، وَفَسَّرَهُمَا بِمَا يُنْبِئُ عَنِ الْأَخْلَاقِ، وَخَصَّ الْقَلْبَ وَاللِّسَانَ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّ مَدَارَ الْإِنْسَانِ عَلَيْهِمَا، كَمَا وَرَدَ فِي الْمَثَلِ: الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ، فَإِسْلَامُ اللِّسَانِ كَفُّهُ عَمَّا فِيهِ آفَاتُهُ وَهِيَ لَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ، وَإِسْلَامُ الْقَلْبِ تَطْهِيرُهُ عَنِ الْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ، وَالْآرَاءِ الزَّائِفَةِ، وَالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، ثُمَّ تَحْلِيَتُهُمَا بِمَا يُخَالِفُهُمَا.
стр. 6883
٤٩٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ مَأْلَفٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ» " رَوَاهُمَا أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٩٩٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْمُؤْمِنُ مَأْلَفٌ» ) : بِفَتْحِ اللَّامِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، اسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، أَيْ: يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَيُؤَيِّدُهُ آخِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ يَعْنِي إِذَا لَمْ يَأْلَفْ صَاحِبَهُ أَلِفَ مَعَهُ، وَإِذَا ائْتُلِفَ ائْتَلَفَ، أَوِ اسْمَ مَكَانٍ أَيْ: يَكُونُ مَكَانَ الْأُلْفَةِ وَمَنْشَأَهَا وَمِنْهُ إِنْشَاؤُهُ، إِلَيْهِ مَرْجِعُهَا ( «وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ» ) : لِأَنَّ التَّآلُفَ سَبَبُ الِاعْتِصَامِ بِاللَّهِ وَبِحَبْلِهِ وَبِهِ يَحْصُلُ الِاجْتِمَاعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَبِضِدِّهِ يَحْصُلُ التَّفْرِقَةُ بِهِمْ وَهُوَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَتَأْلِيفِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . (رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَى الْحَدِيثَ الثَّانِيَ أَحْمَدُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَرَوَاهُ الدَّارُقُطْنِيُّ فِي الْإِفْرَادِ وَالضِّيَاءِ عَنْ جَابِرٍ وَلَفْظُهُ: " «الْمُؤْمِنُ يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ، وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» ".
стр. 6884
٤٩٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَضَى لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِي حَاجَةً يُرِيدُ أَنْ يَسُرَّهُ بِهَا فَقَدْ سَرَّنِي، وَمَنْ سَرَّنِي فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ، وَمَنْ سَرَّ اللَّهَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» ".
ــ
٤٩٩٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَضَى لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِي» ) أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ (حَاجَةً) أَيْ: دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً (يُرِيدُ أَنْ يُسِرَّهُ) أَيْ: أَحَدَ أُمَّتِي (بِهَا) أَيْ: بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ (فَقَدْ سَرَّنِي) أَيْ: فَإِنِّي أُسَرُّ بِسُرُورِ جَمِيعِ أُمَّتِي ( «وَمَنْ سَرَّنِي فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ» ) أَيْ: أَرْضَاهُ ( «وَمَنْ سَرَّ اللَّهَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» ) أَيْ: وَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ» ". رَوَاهُ الْخَطِيبُ عَنْ أَنَسٍ. «وَمَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَمَنْ خَدَمَ اللَّهَ عُمُرَهُ» " رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا.
стр. 6885
٤٩٩٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَغَاثَ مَلْهُوفًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ مَغْفِرَةً، وَاحِدَةٌ فِيهَا صَلَاحُ أَمْرِهِ كُلِّهِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ لَهُ دَرَجَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".
ــ
٤٩٩٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَغَاثَ مَلْهُوفًا» ) أَيْ: ضَعِيفًا مُتَحَيِّرًا. وَفِي النِّهَايَةِ مَكْرُوبًا ( «كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ مَغْفِرَةً» ) : حِكْمَةُ الْعَدَدِ مُفَوَّضٌ إِلَى صَاحِبِ الْوَحْيِ، وَلَعَلَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَثُوبَتَهُ مَزِيدَةٌ بِوَصْفِ الْجَمْعِيَّةِ عَلَى الْعَدَدِ الْمَشْهُورِ فِي الْكَثْرَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالنَّظَرِ إِلَى صَاحِبِ الْحِسَابِ عَدَدُ الثَّلَاثِ مَأْخُوذٌ مِنْ ثَلَاثَةِ الْحُرُوفِ فِي آخِرِ الْمَلْهُوفِ، وَعَدَدُ السَّبْعِينَ مِنْ مَجْمُوعِ الْمِيمِ وَاللَّامِ، وَهَذَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْمِيَةِ وَالْإِبْهَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. (وَاحِدَةٌ فِيهَا صَلَاحُ أَمْرِهِ كُلِّهِ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا (وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ لَهُ دَرَجَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : فِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى بِشَارَةِ حِلْيَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْمَغْفِرَةَ الْوَاحِدَةَ تَعُمُّ جَمِيعَ ذُنُوبِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيُعَوَّضُ عَنْ سَائِرِ أَعْدَادِ الْمَغْفِرَةِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الْعُقْبَى، وَلَعَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَأْخَذُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَالنَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الْمُكَفِّرَاتِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فَتَتَوَجَّهُ أَوَّلًا إِلَى مَحْوِ الصَّغَائِرِ، ثُمَّ إِلَى تَخْفِيفِ الْكَبَائِرِ مِنَ السَّيِّئَاتِ، ثُمَّ تَكُونُ سَبَبًا لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ غُفْرَانَ الذُّنُوبِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى فَتْحِ بَابِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى، وَمِنْ ثَمَّ قَدَّمَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] عَلَى قَوْلِهِ: " ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢] " ﴿وَيَهْدِيَكَ﴾ [الفتح: ٢] ; لِأَنَّ التَّحْلِيَةَ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ اهـ. فَتَأَمَّلْ يَظْهَرُ لَكَ مَا لَا يَخْفَى.
стр. 6886
٤٩٩٨ - و ٤٩٩٩ - وَعَنْهُ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى عِيَالِهِ» ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٩٩٨ -، ٤٩٩٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ ﵁ (وَعَنْ) : بِالْعَاطِفِ مَعَ إِعَادَةِ الْعَامِلِ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ (عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (قَالَا) أَيْ: كِلَاهُمَا (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ» ) : عِيَالُ الْمَرْءِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مَنْ يَعُولُهُ، وَيَقُومُ بِرِزْقِهِ وَإِنْفَاقِهِ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ مَجَازُ صُورَةٍ، وَإِلَّا فَهُوَ الرَّزَّاقُ كَمَا أَنَّهُ هُوَ الْخَلَّاقُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦] ( «فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى عِيَالِهِ» ) أَيْ: مَنْ هُيِّئَ، وَوُفِّقَ إِلَى الْإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ تَعَالَى، كَمَا وَرَدَ: خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ، فَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ» . وَقَالَ: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبَزَّارُ عَنْ أَنَسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَلَعَلَّهُ عَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ بِأَنْ يَقُولَ رَوَاهَا إِلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ تَنْصِيصًا عَلَى الْعَدَدِ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِالتَّثْنِيَةِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى، ثُمَّ الْحَدِيثُ الثَّانِي مِنْهَا أَسْنَدَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى الْبُخَارِيِّ فِي تَارِيخِهِ عَنْهُ أَيْضًا ".
стр. 6887
٥٠٠٠ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَوَّلُ خَصْمَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارَانِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٥٠٠٠ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَّلُ خَصْمَيْنِ» ) أَيْ: مُتَخَاصِمَيْنِ بَعْدَ خِصَامِ أَهْلِ الدَّارِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارَانِ) أَيْ: فِيمَا حَصَلَ مِنَ الْأَذَى، أَوْ وَقَعَ تَقْصِيرٌ مِنْ حُقُوقِ وَاجِبِ الْأَدَاءِ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: وَرَدَ «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صِلَاتُهُ» ، وَوَرَدَ: أَوَّلُ مَا بَيْنَ النَّاسِ الدَّمُ، وَلَا تَنَافِي ; لِأَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَظَالِمِ كَذَا فِي الزُّجَاجَةِ حَاشِيَةٌ عَلَى ابْنِ مَاجَهْ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ الْعَبْدُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ هُوَ الصَّلَاةُ ; لِفَضْلِهَا عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ قَتْلُ النَّفْسِ ; فَإِنَّهُ أَكْبَرُ الْخَطِيئَاتِ وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَمُقَيَّدٌ بِاخْتِصَامِ خَصْمَيْنِ وَقَعَ الذَّنْبُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا نَوْعُ تَقْصِيرٍ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَإِطْلَاقُ الْخَصْمَيْنِ عَلَى التَّغْلِيبِ أَوِ الْمُشَاكَلَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فَالْأَوَّلُ إِضَافِيَّةٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الصَّغَائِرُ دُونَ الْكَبَائِرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ.
стр. 6888
٥٠٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ: " امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ، وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٥٠٠١ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَجُلًا شَكَا) : يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ بِالْأَلْفِ كَدَعَا وَعَفَا، وَيَجُوزُ كِتَابَتُهَا بِالْيَاءِ أَيْضًا ; لِأَنَّ (شَكَيْتُ) لُغَةٌ فِي شَكَوْتُ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَسْوَةَ قَلْبِهِ) أَيْ: قَسَاوَتَهُ وَشِدَّتَهُ وَقِلَّةَ رِقَّتِهِ وَعَدَمَ أُلْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ( «قَالَ: امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» ) : لِتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ فَيَغْتَنِمَ الْحَيَاةَ، فَإِنَّ الْقَسْوَةَ مَنْشَؤُهَا الْغَفْلَةُ. ( «وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ» ) : لِتَرَى آثَارَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ حَيْثُ أَغْنَاكَ، وَأَحْوَجَ إِلَيْكَ سِوَاكَ فَيَرِقَّ قَلْبُكَ وَيَزُولَ قَسْوَتُهُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهِمَا بِالذِّكْرِ أَنَّ الرَّحْمَةَ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مُوجِبَةٌ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ الْمُتَخَلِّقِ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ، فَيُنْزِلُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ، وَيَرْفَعُ عَنْهُ الْقَسْوَةَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنِ ارْتِكَابِ أَسْبَابِ تَحْصِيلِ الْأَخْلَاقِ بِالْمُعَالَجَةِ الْعِلْمِيَّةِ أَوْ بِالْعَمَلِيَّةِ، أَوْ بِالْمَعْجُونِ الْمُرَكَّزِ مِنْهُمَا عَلَى مَا بَيَّنَهُ فِي الْإِحْيَاءِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ تَلْمِيحًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ، وَمُرَاعَاتُهُمَا مِنِ اقْتِحَامِ الْعَقَبَةِ الشَّاقَّةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُعَانَاةِ الْمَشَقَّةِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، فَمَنِ اقْتَحَمَ تِلْكَ الْعَقَبَةَ يَرِقُّ قَلْبُهُ وَتَسْمَحُ نَفْسُهُ فِي تَعَاطِي كُلِّ خَيْرٍ، وَفِيهِ أَنَّ مَنِ ابْتُلِيَ بِدَاءٍ مِنَ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ يَكُونُ تَدَارُكُهُ بِمَا يُضَادُّهُ مِنَ الدَّوَاءِ فَالتَّكَبُّرُ يُدَاوَى بِالتَّوَاضُعِ، وَالْبُخْلُ بِالسَّمَاحَةِ، وَقَاسِي الْقَلْبِ بِالتَّعَطُّفِ وَالرِّقَّةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 6889
٥٠٠٢ - وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ؟ ابْنَتُكَ مَرْدُودَةً إِلَيْكَ لَيْسَ لَهَا كَاسِبٌ غَيْرُكَ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٠٠٢ - (وَعَنْ سُرَاقَةَ) : بِضَمِّ السِّينِ (ابْنُ مَالِكٍ) أَيِ: ابْنُ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ؟ ابْنَتُكَ» ) : بِالرَّفْعِ أَيْ: هُوَ صَدَقَتُهَا (مَرْدُودَةً) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِيَّةِ أَيْ: مُطَلَّقَةً رَاجِعَةً (إِلَيْكَ لَيْسَ لَهَا كَاسِبٌ) أَيْ: مُنْفِقٌ عَلَيْهَا (غَيْرُكَ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْوَصْفِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الصَّحِيحَ فِي ذِي الْحَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْرِفَةَ هَذَا. وَفِي النِّهَايَةِ الْمَرْدُودَةُ هِيَ الَّتِي تُطَلَّقُ وَتُرَدُّ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا، وَأَرَادَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَفْضَلِ أَهْلِ الصَّدَقَةِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ تُقَدَّرَ: صَدَقَةً تَسْتَحِقُّهَا ابْنَتُكَ فِي حَالِ رَدِّهَا إِلَيْكَ، وَلَيْسَ لَهَا كَاسِبٌ غَيْرُكَ وَهُمَا حَالَانِ إِمَّا مُتَرَادِفَانِ أَوْ مُتَدَاخِلَتَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 6890
[بَابُ الْحُبِّ فِي اللَّهِ وَمِنَ اللَّهِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٠٠٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[١٦] بَابُ الْحُبِّ فِي اللَّهِ وَمِنَ اللَّهِ
الْحُبُّ فِي اللَّهِ أَيْ: فِي ذَاتِ اللَّهِ وَجِهَتِهِ لَا يَشُوبُهُ الرِّيَاءُ وَالْهَوَى، وَمِنَ اللَّهِ أَيْ: مِنْ جِهَةِ اللَّهِ أَيْ: إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا أَحَبَّهُ لِأَجْلِ اللَّهِ وَسَبَبِهِ، وَمِنْ هَاهُنَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣] وَفِي كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَيْثُ جَعَلَ الْمَحَبَّةَ مَظْرُوفًا، كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ مَآلَهُمَا إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ عُنْوَانُ الْبَابِ فَضِيلَةُ الْحُبِّ لِلَّهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْحُبِّ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ، كَمَا سَيُصَرِّحُ الْأَحَادِيثُ الْآتِيَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ (فِي) تَعْلِيلِيَّةٌ وَ (مِنَ) ابْتِدَائِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى حُبُّ الْعَبْدِ الْعَبْدَ لِأَجْلِ رِضَا الرَّبِّ، وَالْحُبُّ الْكَائِنُ مِنَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، وَالثَّانِي نَتِيجَةُ الْأَوَّلِ، كَمَا فِي الشَّرِيعَةِ، أَوْ مُقَدِّمَةٌ لَهُ كَمَا فِي الطَّرِيقَةِ، أَوْ هُوَ مَحْفُوفٌ بِهِمَا، كَمَا فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٠٠٣ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْأَرْوَاحُ» ) أَيْ: أَرْوَاحُ الْإِنْسَانِ (جُنُودٌ) : جَمْعُ جُنْدٍ أَيْ: جُمُوعٌ (مُجَنَّدَةٌ) : بِفَتْحِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: مُجْتَمِعَةٌ مُتَقَابِلَةٌ، أَوْ مُخْتَلِطَةٌ مِنْهَا: حِزْبُ اللَّهِ " ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] " وَمِنْهَا حِزْبُ الشَّيْطَانِ " ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] " وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح: ٤] إِشَارَةٌ إِلَى الْجُنْدَيْنِ حَيْثُ أَحَدُهُمَا عُلْوِيُّ الْهِمَّةِ، وَالْآخَرُ سُفْلِيُّ الْهِمَّةِ. (فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا) : التَّعَارُفُ جَرَيَانُ الْمَعْرِفَةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَالتَّنَاكُرُ ضِدُّهُ أَيْ: فَمَا تَعْرِفُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ قَبْلَ حُلُولِهَا فِي الْأَبْدَانِ (ائْتَلَفَ) : بِهَمْزَةِ وَصْلٍ، ثُمَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ تُبْدَلُ أَلِفًا فِي الْوَصْلِ جَوَازًا، وَتُبَدَلُ يَاءً حَالَ الِابْتِدَاءِ وُجُوبًا أَيْ: حَصَلَ بَيْنَهُمَا الْأُلْفَةُ وَالرَّأْفَةُ حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا بِالْأَجْسَادِ فِي الدُّنْيَا (وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا) أَيْ: فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ (اخْتَلَفَ) أَيْ: فِي عَالَمِ الْأَشْبَاحِ، وَالْإِفْرَادُ وَالتَّذْكِيرُ فِي الْفِعْلَيْنِ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ مَا، وَالْمُرَادُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ أَنَّ الْأَرْوَاحَ الْبَشَرِيَّةَ الَّتِي هِيَ النُّفُوسُ النَّاطِقَةُ مَجْبُولَةٌ عَلَى مَرَاتِبَ مُخْتَلِفَةٍ وَشَوَاكِلَ مُتَبَايِنَةٍ، وَكُلُّ مَا شَاكَلَ مِنْهَا فِي عَالَمِ الْأَمْرِ
стр. 6891
فِي شَاكِلَتِهِ تَعَارَفَتْ فِي عَالَمِ الْخَلْقِ وَائْتَلَفَتْ وَاجْتَمَعَتْ، وَكُلُّ مَا كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فِي عَالَمِ الْأَمْرِ تَنَاكَرَتْ فِي عَالَمِ الْخَلْقِ فَاخْتَلَفَتْ وَافْتَرَقَتْ، فَالْمُرَادُ بِالتَّعَارُفِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّنَاسُبِ وَالتَّشَابُهِ، وَبِالتَّنَاكُرِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّنَافُرِ وَالتَّبَايُنِ، فَتَارَةً عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ وَتَارَةً عَلَى وَجْهِ النُّقْصَانِ، إِذْ قَدْ يُوجَدُ كُلٌّ مِنَ التَّعَارُفِ وَالتَّنَاكُرِ بِأَدْنَى مُشَاكَلَةٍ بَيْنَهُمَا إِمَّا ظَاهِرًا وَإِمَّا بَاطِنًا، وَبِحَقِيقَةٍ يَطُولُ وَتَخَافُ مِنْ إِعْرَاضِ الْمُلُولِ وَاعْتِرَاضِ الْفُضُولِ، هَذَا وَقِيلَ: هَذَا الِاجْتِمَاعُ كَانَ يَوْمِ الْمِيثَاقِ فَمَنْ تَقَابَلَ مِنْهُمُ اثْنَانِ يَوْمَئِذٍ يَأْتَلِفَانِ فِي الدُّنْيَا غَايَةَ الْمُؤَالَفَةِ، وَمَنْ تَدَابَرَ مِنْهُمْ شَخْصَانِ يَخْتَلِفَانِ فِي نِهَايَةِ الْمُخَالَفَةِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الِاجْتِنَابِ لَهُ مُشَارَكَةٌ مِنْ مُشَاكَلَةِ كُلِّ بَابٍ كَالْمُنَافِقِينَ، وَأَشْبَاهِهِمْ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ، ثُمَّ لَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا التَّعَارُفِ وَالتَّنَاكُرِ وَصْلَةُ الْأَجَانِبِ وَشَجْنَةُ الْأَقَارِبِ.
كَانَتْ مَوَدَّةُ سَلْمَانَ لَهُ نَسَبًا ... وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحٍ وَابْنِهِ رَحِمٌ
وَلَا يَدْفَعُهُ بُعْدُ الدَّارِ وَلَا يَجْمَعُهُ قُرْبُ الْمَزَارِ.
مُنَاسَبَةُ الْأَرْوَاحِ بَيْنَ وَبَيْنَهَا ... وَإِلَّا فَأَيْنَ التُّرْكُ مِنْ سَاكِنِي نَجْدٍ
قَالَ حَكِيمٌ: أَقْرَبُ الْقُرْبِ مَوَدَّةُ الْقَلْبِ وَإِنْ تَبَاعَدَ جِسْمُ أَحَدِهَا مِنَ الثَّانِي، وَأَبْعَدُ الْبُعْدِ تَنَافُرُ التَّدَانِي.
وَفِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ أَيْ: مَجْمُوعَةٌ كَمَا يُقَالُ: أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ وَقَنَاطِيرُ مُقَنْطَرَةٌ، وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَنْ مَبْدَأِ كَوْنِ الْأَرْوَاحِ وَتَقْدُمُهَا الْأَجْسَادُ أَيْ: إِنَّهَا خُلِقَتْ أَوَّلَ خِلْقَتِهَا عَلَى قِسْمَيْنِ مِنِ ائْتِلَافٍ وَاخْتِلَافٍ، كَالْجُنُودِ الْمُجَنَّدَةِ الْمَجْمُوعَةِ إِذَا تَقَابَلَتْ وَتَوَاجَهَتْ، وَمَعْنَى تَقَابُلِ الْأَرْوَاحِ مَا جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهَا مِنَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَالْأَخْلَاقِ فِي مَبْدَأِ الْخَلْقِ يَقُولُ: إِنَّ الْأَجْسَادَ الَّتِي فِيهَا الْأَرْوَاحُ تَلْتَقِي فِي الدُّنْيَا فَتَأْتَلِفُ وَتَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبِ مَا خُلِقَتْ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا تَرَى الْخَيِّرَ يُحِبُّ الْأَخْيَارَ، وَيَمِيلُ إِلَيْهِمْ، وَالشِّرِّيرُ يُحِبُّ الْأَشْرَارَ، وَيَمِيلُ إِلَيْهِمُ اهـ. وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَعُنْوَانِ الْبَابِ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ صَدْرُ الْخِطَابِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ لَيْسَتْ بِأَعْرَاضٍ وَعَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الْأَجْسَادِ فِي الْخِلْقَةِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ.
стр. 6892
٥٠٠٤ - وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ــ
٥٠٠٤ - (وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَزَادَ فِيهِ: «تَلْتَقِي فَتُشَامُ كَمَا تُشَامُ الْخَيْلُ» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: سَأَلْتُ الْحَاكِمَ عَنْ مَعْنَاهُ؟ فَقَالَ: الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ لَا يَسْكُنُ قَلْبُهُ إِلَّا إِلَى شَكْلِهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا بِلَفْظِ: " «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا فِي اللَّهِ ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا فِي اللَّهِ اخْتَلَفَ» ".
стр. 6893
٥٠٠٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ. فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فَلَانَا فَأَبْغِضُوهُ. قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٠٠٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا» ) أَيْ: إِذَا أَرَادَ إِظْهَارَ مَحَبَّتِهِ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ وَهِيَ إِمَّا مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ فَمَعْنَاهَا إِرَادَةُ الْخَيْرِ، أَوْ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ فَهِيَ بِمَعْنَى إِكْرَامِهِ لَهُ وَإِحْسَانِهِ لَهُ وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ (دَعَا جِبْرِيلَ) : يَدُلُّ عَلَى جَلَالَتِهِ مِنْ حَيْثُ خَصَّهُ مِنْ بَيْنِ أَفْرَادِ الْمَلَائِكَةِ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ إِسْرَافِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَسَائِرِ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ تَخْصِيصِهِ لِكَوْنِهِ سَفِيرًا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ الْمَبْعُوثِينَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ (فَقَالَ) أَيِ: اللَّهُ (إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا) : وَفِي عَدَمِ ذِكْرِ سَبَبٍ لِمَحَبَّتِهِ مِنْ أَوْصَافِ عَبْدِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى مُبَرَّأَةٌ عَنِ الْأَغْرَاضِ وَالْعِلَلِ، بَلْ يَتَرَتَّبُ عَلَى مَحَبَّتِهِ تَعَالَى مَحَبَّةُ الْعَبْدِ إِيَّاهُ بِسُلُوكِ سَبِيلِهِ وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ، وَدَوَامِ اشْتِغَالِهِ بِذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَثَنَائِهِ وَالشَّوْقِ إِلَى رِضَائِهِ وَلِقَائِهِ. (فَأَحِبَّهُ) أَيْ: أَنْتَ أَيْضًا زِيَادَةً لِإِكْرَامِ الْعَبْدِ، وَإِلَّا فَكَفَى بِاللَّهِ مُحِبًّا وَمَحْبُوبًا وَطَالِبًا وَمَطْلُوبًا وَحَامِدًا وَمَحْمُودًا.
(قَالَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ) أَيْ: ضَرُورَةُ عَدَمِ عِصْيَانِهِ أَمْرَ رَبِّهِ فَيُحِبُّهُ لِحُبِّهِ، وَهَذَا مِنَ الْمَحَبَّةِ فِي اللَّهِ أَيْ: لَا يُحِبُّهُ لِغَرَضٍ سِوَى مَرْضَاةِ مَوْلَاهُ، وَمَحَبَّةُ جِبْرِيلَ دُعَاؤُهُ وَاسْتِغْفَارُهُ لَهُ، وَالْمَيْلُ إِلَى الِاجْتِمَاعِ بِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. (ثُمَّ يُنَادِي) أَيْ: جِبْرِيلُ بِأَمْرِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ (فِي السَّمَاءِ) أَيْ: فِي أَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا فِي قَرِينَتِهِ الْآتِيَةِ،
стр. 6894
وَالْمَعْنَى بِحَيْثُ يَصِلُ بِسَمَاعِ كَلَامِهِ إِلَى أَهْلِهَا كُلِّهَا ( «فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ» ) أَيْ: جَمِيعُهُمْ (ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ) : وَهُوَ مِنْ آثَارِ الْمَحَبَّةِ، ثُمَّ هَذَا الْوَضْعُ ابْتِدَاءً مِنْ جِبْرِيلَ أَوْ غَيْرِهِ. (فِي الْأَرْضِ) أَيْ: فِي قُلُوبِ أَهْلِهَا مِنْ أَهْلِ الْمَحَبَّةِ، فَلَا يُرَدُّ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ لَيْسَ لَهُمْ قَبُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِخَوَاصِّ الْأَنَامِ لَا بِالْعَوَامِّ كَالْأَنْعَامِ. ( «وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ. فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ» ) .
قَالَ النَّوَوِيُّ: مَحَبَّةُ اللَّهِ الْعَبْدَ هِيَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ وَهِدَايَتُهُ وَإِنْعَامُهُ عَلَيْهِ وَرَحْمَتُهُ، وَبُغْضُهُ إِرَادَةُ عُقُوبَتِهِ وَشَقَاوَتِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَحُبُّ جِبْرِيلَ وَالْمَلَائِكَةِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحُدُهَا: اسْتِغْفَارُهُمْ لَهُ وَثَنَاؤُهُمْ عَلَيْهِ وَدُعَاؤُهُمْ لَهُ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ مَحَبَّتَهُمْ عَلَى ظَاهِرِهَا الْمَعْرُوفَةُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَهُوَ مَيْلُ الْقَلْبِ إِلَيْهِ، وَاشْتِيَاقُهُ إِلَى لِقَائِهِ، قُلْتُ: هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ مَتَى صَحَّ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ فَلَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ إِلَى الْمَجَازِ، مَعَ أَنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ مُتَفَرِّعٌ عَلَى الثَّانِي. قَالَ: وَسَبَبُ حُبِّهِمْ إِيَّاهُ كَوْنُهُ مُطِيعًا لِلَّهِ مَحْبُوبًا لَهُ. قُلْتُ: مُطِيعًا إِمَّا سَابِقًا أَوْ لَاحِقًا، كَمَا حُقِّقَ فِي مَرْتَبَتَيِ السَّالِكِ وَالْمَجْذُوبِ وَالْمُرِيدِ وَالْمُرَادِ. قَالَ: وَمَعْنَى يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ الْحُبُّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَرِضَاهُمْ عَنْهُ، فَتَمِيلُ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ وَتَرْضَى عَنْهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ فَتُوضَعُ لَهُ الْمَحَبَّةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْكَلَامُ فِي الْمَحَبَّةِ وَبَيَانِ اشْتِقَاقِهَا مَضَى مُسْتَوْفًى فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، قُلْتُ: وَبَقِيَ كَثِيرٌ مَحَلُّهُ كِتَابُ الْإِحْيَاءِ. (ثُمَّ يُنَادِي) أَيْ: جِبْرِيلُ (فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ) : بِالْكَسْرِ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ، عَلَى أَنَّ فِي النِّدَاءِ مَعْنَى الْقَوْلِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِالْفَتْحِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى إِضْمَارِ الْبَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣٩] فَإِنَّ جُمْهُورَ الْقُرَّاءِ فِيهِ عَلَى الْفَتْحِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ (إِنْ) إِذَا كَانَتْ مَكْسُورَةً تَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُنَادَى، بِخِلَافِ (مَا) إِذَا كَانَتْ مَفْتُوحَةً وَأَصْلُهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ (يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ) : وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمَلَأَ الْأَعْلَى لَيْسَ لَهُمْ شُعُورٌ بِمَحْبُوبِهِ تَعَالَى وَمَبْغُوضِهِ إِلَّا بِإِعْلَامِهِ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ مِثْلَ هَذَا الْمَحْبُوبِ وَالْمَبْغُوضِ لَا يَنْقَلِبُ حُكْمُهُ، لِئَلَّا يَلْزَمَ خُلْفٌ فِي إِخْبَارِهِ تَعَالَى (قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْبُغْضُ فِي الْأَرْضِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] ، أَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] مَا هُوَ؟ قَالَ: " الْمَحَبَّةَ فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ يَا عَلِيٌّ! إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى الْمَقْتَ وَالْمَحَبَّةَ وَالْحَلَاوَةَ وَالْمَهَابَةَ فِي صُدُورِ الصَّالِحِينَ» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَهَنَّادٌ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] قَالَ: يُحِبُّهُمْ وَيُحَبِّبُهُمْ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبَدًا نَادَى جِبْرِيلَ ﵇: إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ الْمَحَبَّةُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنِّي قَدْ أَبْغَضْتُ فُلَانًا فَيُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُنْزِلُ لَهُ الْبَغْضَاءَ فِي الْأَرْضِ» اهـ. فَحَدِيثُ الْمِشْكَاةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى.
стр. 6895
٥٠٠٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٠٠٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ تَعْظِيمًا لِبَعْضِ الْعِبَادِ مِنَ الْعِبَادِ ( «أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟» ) أَيْ: بِسَبَبِ عَظَمَتِي وَلِأَجْلِ تَعْظِيمِي، أَوِ الَّذِينَ يَكُونُ التَّحَابُبُ بَيْنَهُمْ ; لِأَجْلِ رِضَا جَنَابِي وَجَزَاءِ ثَوَابِي. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَاءُ فِيهِ. بِمَعْنَى " فِي " وَفِيهِ مَا فِيهِ. قَالَ: وَخُصَّ الْجَلَالُ بِالذِّكْرِ ; لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْهَيْبَةِ وَالسَّطْوَةِ أَيِ: الْمُنَزَّهُونَ عَنْ شَائِبَةِ الْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ فِي
стр. 6896
الْمَحَبَّةِ، فَلَا يَتَحَابُّونَ إِلَّا لِأَجْلِي وَلِوَجْهِي. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ وَالتَّقْدِيرِ بِجَلَالِي وَجَمَالِي أَيِ: الْمُتَحَابُّونَ لِي أَيْ: فِي حَالَتَيِ الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ، وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَالْمِحْنَةِ وَالْمِنْحَةِ، فَيُفِيدُ دَوَامَ تَحَابِيهِمْ (الْيَوْمَ) : قَالَ شَارِحٌ: ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَيْنَ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: (أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي) أَيْ: أُدْخِلُهُمْ فِي ظِلِّ حِمَايَتِي، أَوْ أُرِيحُهُمْ مِنْ حَرَارَةِ الْمَوْقِفِ رَاحَةَ مَنِ اسْتَظَلَّ أَوْ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّ عَرْشِي وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: " «الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ عَلَى كَرَاسِيٍّ مِنْ يَاقُوتٍ تَحْتَ الْعَرْشِ» " وَقَوْلُهُ: (يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي) : بَدَلٌ مِنَ الْيَوْمِ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا قَالَ الطِّيبِيُّ، أَوْ مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي: الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي ظِلِّ اللَّهِ عَنِ الْحَرِّ وَوَهَجِ الْمَوْقِفِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ فِي كَنَفِهِ وَسِتْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنِ الرَّاحَةِ وَالتَّنْعِيمِ يُقَالُ: هُوَ فِي عَيْشٍ ظَلِيلٍ أَيْ: طَيِّبٍ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَأَوْسَطُ الْأَقْوَالِ هُوَ الْأَوْسَطُ، إِذْ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُ الظِّلِّ حَقِيقَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ بِارْتِكَابِ الْمَجَازِ أَوْ بِحَذْفِ الْمُضَافِ وَمَا أَبْعَدَ الِاحْتِمَالَ الْأَخِيرَ، إِذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ أُنْعِمُهُمْ فِي نِعْمَتِي، وَلَكِنَّ التَّقْلِيدَ مُتَغَلِّبٌ عَلَى الْأُمِّيِّ وَحُبُّ الشَّيْءِ يُصِمُّ وَيُعْمِي. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ.
стр. 6897
٥٠٠٧ - وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُّبُّهَا؟ قَالَ: لَا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٠٠٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ) أَيْ: أَرَادَ زِيَارَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ أَوْ مُتَوَاخِيهِ فِي اللَّهِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَخَاهُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا (فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى) أَيْ: غَيْرِ مَكَانِ الزَّائِرِ (فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ) أَيْ: أَعَدَّ وَهَيَّأَ أَوْ أَقْعَدَ فِي طَرِيقِهِ (مَلَكًا) : وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: وَكَّلَهُ بِحِفْظِ مَدْرَجَتِهِ يُقَالُ: رَصَدْتُهُ إِذْ قَعَدْتَ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ تَتَرَقَّبُهُ اهـ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] فِيهِ تَجْرِيدٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مُرَاقِبٌ لِلْعِبَادِ، قَالَ: الْمَدْرَجَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ هِيَ الطَّرِيقُ سُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ النَّاسَ يُدْرَجُونَ عَلَيْهَا أَيْ: يَمْضُونَ وَيَمْشُونَ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَدْرَجَةَ مِنَ الطَّرِيقِ مَكَانٌ مُرْتَفِعٌ يَمْشِي فِيهِ دَرَجَةً دَرَجَةً فِي الطُّلُوعِ وَالنُّزُولِ، وَمِنْهُ مَدْرَجَةُ مِنًى الَّتِي هِيَ وَصْلَةٌ إِلَى مِنًى يَعْرِفُهَا مَنْ ذَهَبَ فِي طَرِيقِ الْمَعْرِفَةِ إِلَى عَرَفَاتِ الْهَنَا مِنْ هُنَا. (قَالَ) : اسْتِئْنَافُ جَوَابٍ لِمَنْ قَالَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ أَيِ: الْمَلَكُ لِلزَّائِرِ. (أَيْنَ تُرِيدُ؟) : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ تَجَاهُلِ الْعَارِفِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ النُّورِيَّةِ حَيْثُ إِنَّ مَقْصُودَهُ الْأَصْلِيَّ مَنْ تُرِيدُ، وَلَمَّا كَانَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ ذِكْرَهُ وَالْإِنَاءُ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ. (قَالَ) : أَيِ: الزَّائِرُ (أُرِيدَ أَخًا) أَيْ: زِيَارَةَ أَخٍ (لِي) أَيْ: مُخْتَصًّا لِي (فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ) : وَلَعَلَّ تَعْيِينَهَا عُلِمَ بِالْإِشَارَةِ. وَأَطْنَبَ فِي الْكَلَامِ ; لِيَتَضَمَّنَ الْمَرَامَ عَلَى نَوْعٍ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: لَا تَسْأَلْ عَنِ الْمَحَلِّ وَاكْتَفِ بِالسُّؤَالِ عَنِ الْحَالِ، فَإِنَّ هَذَا طَرِيقُ أَرْبَابِ الْحَالِ بِلَا مُحَالٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ طَابَقَ هَذَا سُؤَالَهُ بِقَوْلِهِ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: مِنْ حَيْثُ إِنَّ السُّؤَالَ مُتَضَمِّنٌ لِقَوْلِهِ أَيْنَ تَتَوَجَّهُ وَمَنْ تَقْصِدُ، وَلَمَّا كَانَ قَصْدُهُ الْأَوْلَى الزِّيَارَةَ ذَكَرَهُ وَتَرَكَ مَا لَا يُهِمُّهُ. قُلْتُ: هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ لَمْ يَقُلْ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: " ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٣] " لَمَّا كَانَ الْغَرَضُ مِنَ السُّؤَالِ فِي اسْتِعْجَالِهِ إِنْكَارَ تَرْكِهِ الْقَوْمَ وَرَاءَهُ وَتَقَدُّمَهُ عَلَيْهِمْ قَدَّمَهُ فِي الْجَوَابِ، وَأَخَّرَ مَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ. قُلْتُ: فِي كَوْنِهِ نَظِيرًا لَهُ نَظَرٌ، بَلْ مِثَالٌ لَهُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى، وَتَوْضِيحُهُ مَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٨٣] سُؤَالٌ عَنْ سَبَبِ الْعَجَلَةِ يَتَضَمَّنُ إِنْكَارَهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا نَقِيصَةٌ فِي نَفْسِهَا انْضَمَّ إِلَيْهَا إِغْفَالُ الْقَوْمِ وَإِبْهَامُ التَّعْظِيمِ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ أَجَابَ مُوسَى عَنِ الْأَمْرَيْنِ، وَقَدَّمَ جَوَابَ الْإِنْكَارِ ; لِأَنَّهُ أَهَمُّ ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ [طه: ٨٤] أَيْ: مَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ إِلَّا بِخُطًا يَسِيرَةٍ لَا يُعْتَدُّ بِهَا عَادَةً، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ إِلَّا مَسَافَةٌ قَرِيبَةٌ يَتَقَدَّمُ بِهَا الرُّفْقَةُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] ، فَإِنَّ الْمُسَارَعَةَ إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِكَ وَالْوَفَاءِ بِوَعْدِكَ يُوجِبُ مَرْضَاتَكَ اهـ.
стр. 6898
(قَالَ) أَيِ: الْمَلَكُ لِلزَّائِرِ (هَلْ لَكَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَزُورِ (مِنْ نِعْمَةٍ تَرُّبُّهَا؟) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدِّدَةِ أَيْ: تَقُومُ بِإِصْلَاحِهَا وَإِتْمَامِهَا أَيْ: هَلْ هُوَ مَمْلُوكُكَ أَوْ وَلَدُكَ أَوْ غَيْرُهُمَا مِمَّنْ هُوَ فِي نَفَقَتِكَ وَشَفَقَتِكَ ; لِتُحْسِنَ إِلَيْهِ مِنْ رَبَّ فُلَانٌ الضَّيْعَةَ أَيْ: أَصْلَحَهَا وَأَتَمَّهَا. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: هَلْ لَهُ عَلَيْكَ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا أَيْ: تَقُومُ لِشُكْرِهَا؟ ثُمَّ قِيلَ: نِعْمَةٌ: مُبْتَدَأٌ، وَمِنْ زَائِدَةٌ، وَلَكَ خَبَرُهُ، وَعَلَيْهِ، مُتَعَلِّقٌ بِحَالٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هَلْ لَكَ نِعْمَةٌ دَاعِيَةٌ عَلَى زِيَارَتِهِ تَرُبُّهَا أَيْ: تَحْفَظُهَا وَتَتَزَيَّدُهَا بِالْقِيَامِ عَلَى شُكْرِهَا؟ وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: هَلْ أَوْجَبْتَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ تَذْهَبُ إِلَيْهَا فَتَرُبُّهَا أَيْ: تَمْلِكُهَا مِنْهُ وَتَسْتَوْفِيَهَا؟ (قَالَ: لَا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ) أَيْ: لَيْسَ لِي دَاعِيَةٌ إِلَى زِيَارَتِهِ إِلَّا مَحَبَّتِي إِيَّاهُ فِي طَلَبِ مَرْضَاةِ اللَّهِ (قَالَ) أَيِ: الْمَلَكُ (فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ) : وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّشْبِيهِ أَنَّهُ كَمَا أَحَبَّهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ دُنْيَوِيٍّ، كَذَلِكَ الْحَقُّ أَحَبَّهُ مِنْ غَيْرِ بَاعِثٍ آخَرَ مِنْ عَمَلٍ أُخْرَوِيٍّ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ لِلتَّعْلِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضْلُ الْمَحَبَّةِ فِي اللَّهِ، وَأَنَّهَا سَبَبٌ لِحُبِّ اللَّهِ وَفَضِيلَةِ زِيَارَةِ الصَّالِحِينَ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَرَى الْمَلَائِكَةَ. قُلْتُ: رُؤْيَةُ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى صُوَرِ الْبَشَرِ أَمْرٌ وَاضِحٌ ثَبَتَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ هُنَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِرْسَالِ اللَّهِ الْمَلَائِكَةَ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ، وَمُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهُمْ بِتَبْلِيغِ الْمَرَامِ زِيَادَةً عَلَى مَرْتَبَةِ الْإِلْهَامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ خَصَائِصِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ تَحْقِيقًا لَخَتْمِ النُّبُوَّةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6899
٥٠٠٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ: " الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٠٠٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا» ) أَيْ: مِنَ الْعُلَمَاءِ أَوِ الصُّلَحَاءِ (وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟) أَيْ: بِالصُّحْبَةِ أَوِ الْعِلْمِ أَوِ الْعَمَلِ أَوْ بِمَجْمُوعِهِمَا أَيْ: لَمْ يُصَاحِبْهُمْ، وَلَمْ يُعَامَلْ مُعَامَلَتَهُمْ وَقِيلَ أَيْ: لَمْ يَرَهُمْ (فَقَالَ: " «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» ) أَيْ: يُحْشَرُ مَعَ مَحْبُوبِهِ، وَيَكُونُ رَفِيقًا لِمَطْلُوبِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] الْآيَةَ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْعُمُومُ الشَّامِلُ لِلصَّالِحِ وَالطَّالِحِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» " كَمَا سَيَأْتِي، فَفِيهِ تَرْغِيبٌ وَتَرْهِيبٌ وَوَعْدٌ وَوَعِيدٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَالشَّيْخَانِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ: " «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ» ".
стр. 6900
٥٠٠٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: " وَيْلَكَ! وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ ". قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: " أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ " قَالَ أَنَسٌ: فَمَا رَأَيْتُ الْمُسْلِمِينَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحَهُمْ بِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٠٠٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَتَى السَّاعَةُ؟» ) أَيْ: وَقْتُ قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ مُحْتَمِلًا لِأَنَّ يَكُونَ تَعَنُّتًا وَإِنْكَارًا لَهَا، وَأَنْ يَكُونَ تَصْدِيقًا بِهَا وَإِشْفَاقًا مِنْهَا وَاشْتِيَاقًا لِلِقَاءِ رَبِّهَا. (قَالَ) : امْتِحَانًا لَهُ (وَيْلَكَ! وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟) : وَإِلَّا لَوْ تَحَقَّقَ عِنْدَهُ ﷺ إِيمَانُهُ بِهَا وَإِيقَانُهُ إِلَّا لَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ بَدَلَ وَيْلَكَ. (قَالَ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا إِلَّا أَنِّي أَحَبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) : وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ ; لِأَنَّهَا كُلُّهَا فُرُوعٌ لِلْمَحَبَّةِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ أَعْلَمُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ، وَأَعْلَى مَقَامَاتِ الطَّائِرِينَ، فَإِنَّهَا بَاعِثَةٌ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ أَوْ نَتِيجَةٌ لَهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وَقَالَ: " ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] " فَكَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ الْوَاضِحِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمَحَبَّةَ الْمُجَرَّدَةَ مِنْ غَيْرِ الْمُتَابَعَةِ لَيْسَ لَهَا كَثِيرُ فَائِدَةٍ وَلَا كَبِيرُ عَائِدَةٍ، (قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) أَيْ: مُلْحَقٌ بِمَنْ غَلَبَ مَحَبَّتُهُ عَلَى مَحَبَّةِ غَيْرِهِ مِنَ النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ، وَمُدْخَلٌ فِي زُمْرَتِهِ، وَمِنْ عَلَامَةِ الْمَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ أَنْ يَخْتَارَ أَمْرَ الْمَحْبُوبِ وَفِيهِ عَلَى مُرَادِ غَيْرِهِ، وَلِذَا قَالَتْ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ:
تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا لَعَمْرُكَ فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ ... إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ.
следующие страницы →