Полный текст (8 767 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.
стр. 6826
٤٩٥٣ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكِي عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٩٥٣ - (وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) : مَرَّ ذِكْرُهُمَا ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ) أَيِ: الْكَامِلِينَ (فِي تَرَاحُمِهِمْ) أَيْ: فِي رَحْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِأُخُوَّةِ الْإِيمَانِ لَا بِسَبَبِ رَحِمٍ وَنَحْوِهِ (وَتَوَادِّهِمْ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: تَوَاصُلِهِمُ الْجَالِبِ لِلْمَحَبَّةِ كَالتَّزَاوُرِ وَالتَّهَادِي (وَتَعَاطُفِهِمْ) أَيْ: بِإِعَانَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا (كَمَثَلِ الْجَسَدِ) أَيْ: جِنْسِهِ (الْوَاحِدِ) : الْمُشْتَمِلِ عَلَى أَنْوَاعِ الْأَعْضَاءِ (إِذَا اشْتَكَى) أَيِ: الْجَسَدُ (عُضْوًا) لِعَدَمِ اعْتِدَالِ حَالِ مِزَاجِهِ، وَنَصْبُهُ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَالْمَعْنَى: إِذَا تَأَلَّمَ الْجَسَدُ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ، وَفِي نُسْخَةٍ إِذَا اشْتَكِي عُضْوٌ بِالرَّفْعِ أَيْ: إِذَا تَأَلَّمَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ جَسَدِهِ (تَدَاعَى لَهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْعُضْوُ (سَائِرُ الْجَسَدِ) أَيْ: بَاقِي أَعْضَائِهِ (بِالسَّهَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: عَدَمِ الرُّقَادِ (وَالْحُمَّى) أَيْ: بِالْحَرَارَةِ وَالتَّكَسُّرِ وَالضَّعْفِ، لِيَتَوَافَقَ الْكُلُّ فِي الْعُسْرِ كَمَا كَانُوا فِي حَالِ الصِّحَّةَ مُتَوَافِقِينَ فِي الْيُسْرِ، ثُمَّ أَصْلُ التَّدَاعِي أَنْ يَدْعُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَتَّفِقُوا عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ، فَالْمَعْنَى: أَنَّهُ كَمَا أَنَّ عِنْدَ تَأَلُّمِ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ يَسْرِي ذَلِكَ إِلَى كُلِّهِ، كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِذَا أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمْ مُصِيبَةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَغْتَمَّ جَمِيعُهُمْ وَيَهْتَمُّوا بِإِزَالَتِهَا عَنْهُ، وَفِي النِّهَايَةِ: كَانَ بَعْضُهُ دَعَا بَعْضًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: تَدَاعَتِ الْحِيطَانُ أَيْ: تَسَاقَطَتْ أَوْ كَادَتْ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ التَّوَافُقُ فِي الْمَشَقَّةِ وَالرَّاحَةِ وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6827
٤٩٥٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٩٥٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ النُّعْمَانِ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ) أَيْ: كَأَعْضَاءِ رَجُلٍ (وَاحِدٍ) لِأَنَّهُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ (إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ) بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ وَكَذَا فِيمَا بَعْدَهُ (اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
стр. 6828
٤٩٥٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» "، ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٩٥٥ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى) أَيِ: الْأَشْعَرِيُّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ) التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ، وَالْمُرَادُ بَعْضُ الْمُؤْمِنِ لِلْبَعْضِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ: كُلُّ مُؤْمِنٍ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ فِي الْأَوَّلِ، وَلِلْجِنْسِ فِي الثَّانِي أَيِ: الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ لِمُطْلَقِ الْمُؤْمِنِ (كَالْبُنْيَانِ) أَيِ: الْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ (يَشُدُّ بَعْضُهُ) أَيْ: بَعْضُ الْبُنْيَانِ (بَعْضًا) وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَوْ صِفَةٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِوَجْهِ الشَّبَهِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ الْقَوِيَّ هُوَ الَّذِي يَشُدُّ الضَّعِيفَ وَيُقَوِّيهِ، وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَتَقَوَّى فِي أَمْرِ دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ إِلَّا بِمَعُونَةِ أَخِيهِ، كَمَا أَنَّ بَعْضَ الْبِنَاءِ يُقَوِّي بَعْضَهُ (ثُمَّ شَبَّكَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ أَبُو مُوسَى (بَيْنَ أَصَابِعِهِ) أَيْ: أَدْخَلَ إِحْدَى يَدِهِ بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدِ الْأُخْرَى قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ (ثُمَّ شَبَّكَ) كَالْبَيَانِ لِوَجْهِ الشَّبَهِ أَيْ: شَدًّا مِثْلَ هَذَا الشَّدِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: اخْتُصَّ الْبُخَارِيُّ بِذِكْرِ التَّشْبِيكِ وَبِدُونِهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِدُونِ التَّشْبِيكِ أَسْنَدَهُ إِلَى الشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ ضَمِيرَ (شَبَّكَ) إِلَى أَبِي مُوسَى، فَمَنْ رَوَاهُ إِنَّمَا رَوَاهُ مُدْرَجًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَعْظِيمُ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَحَثُّهُمْ عَلَى التَّرَاحُمِ وَالْمُلَاطَفَةِ وَالتَّعَاضُدِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّشْبِيهِ وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ لِتَقْرِيبِ الْمَعَانِي إِلَى الْأَفْهَامِ.
стр. 6829
٤٩٥٦ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ: " اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٩٥٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ) أَيْ: لِلْعَطِيَّةِ (أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ) أَيْ: إِلَيْهِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ السُّؤَالِ فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ (قَالَ: اشْفَعُوا) أَيْ: لَهُ (فَلْتُؤْجَرُوا) بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ، وَهُوَ أَمْرُ الْمُخَاطَبِ بِاللَّامِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] ، بِالْخِطَابِ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ مِنَ الْعَشَرَةِ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمَرْفُوضِ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ قُرِئَ (فَافْرَحُوا) وَالْفَاءُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنْ شَفَعْتُمْ فَتُؤْجَرُوا، وَفِي الْمُغْنِي أَنَّ اللَّامَ الطَّلَبِيَّةَ قَدْ تَخْرُجُ عَنِ الطَّلَبِيَّةِ إِلَى غَيْرِهِ كَالَّتِي يُرَادُ بِهَا أَوْ بِمَصْحُوبِهَا الْخَيْرُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ، ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] ، أَيْ: فَيَمُدُّ وَنَحْمِلُ. اهـ.
وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَكَذَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، ثُمَّ رَأَيْتُ الطِّيبِيَّ قَالَ: الْفَاءُ فِي (فَلْتُؤْجَرُوا) أَوِ اللَّامُ مُقْحَمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، بَلْ كِلَاهُمَا مُؤَكِّدَانِ ; لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: تُؤْجَرُوا جَوَابًا لِلْأَمْرِ تَمَّ كَلَامُهُ، وَلَا يَخْفَى مَا سَبَقَ مِنَ التَّحْقِيقِ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَالْمَعْنَى إِذَا عَرَضَ صَاحِبُ حَاجَةٍ حَاجَتَهُ عَلَيَّ اشْفَعُوا لَهُ إِلَيَّ، فَإِنَّكُمْ إِنْ شَفَعْتُمْ لَهُ حَصَلَ لَكُمْ بِتِلْكَ الشَّفَاعَةِ أَجْرٌ، سَوَاءٌ قُبِلَتْ شَفَاعَتُكُمْ أَوْ لَمْ تُقْبَلْ، وَقَوْلُهُ: وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، أَيْ: يُجْرِي عَلَى لِسَانِي (مَا شَاءَ) أَيْ: إِنْ قَضَيْتُ حَاجَتَهُ مِنْ شَفَاعَتِكُمْ لَهُ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ أَقْضِ فَهُوَ أَيْضًا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ. اهـ.
وَقَوْلُهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَقْلًا بِالْمَعْنَى، وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ نَوْعُ الْتِفَاتٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُظْهِرِ، وَفِي زِيَادَةِ الْمُضَافِ إِفَادَةُ أَنَّ غَيْرَهُ فِي هَذَا الْمِلَفِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ إِذِ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ عَلَى لِسَانِي، كَأَنَّهُ قَالَ: اشْفَعُوا لِي وَلَا تَقُولُوا مَا نَدْرِي، أَيَقْبَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَفَاعَتَنَا أَمْ لَا؟ فَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَنَبِيَّهُ وَصَفِيَّهُ لَا أَدْرِي أَيْضًا أَقْبَلُ شَفَاعَتَكُمْ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْقَاضِي، فَإِنْ قَضَى فِي أَنْ أَقْبَلَ أَقْبَلُ وَإِلَّا فَلَا. وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ " «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» " قُلْتُ: وَفِيهِ تَلْمِيحٌ وَتَلْوِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] . قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ بَعْدَ بُلُوغِهَا إِلَى الْإِمَامِ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَقَدْ أَجَازَ الشَّفَاعَةَ فِيهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَشْفُوعُ فِيهِ صَاحِبَ شَرٍّ وَأَذًى لِلنَّاسِ، وَأَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَالْوَاجِبُ التَّعْزِيرُ، فَيَجُوزُ الشَّفَاعَةُ وَالتَّشَفُّعُ فِيهَا سَوَاءٌ بَلَغَتِ الْإِمَامَ أَمْ لَا، ثُمَّ الشَّفَاعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَشْفُوعُ فِيهِ مُؤْذِيًا وَشِرِّيرًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ» ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالثَّلَاثَةُ.
стр. 6830
٤٩٥٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا "، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: " تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَلِكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٩٥٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «انْصُرْ أَخَاكَ» ) أَيِ: الْمُسْلِمُ (ظَالِمًا) حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ (أَوْ مَظْلُومًا) تَنْوِيعٌ (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ) أَيْ: أَنَا (مَظْلُومًا) ، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مَظْلُومًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَبْنَى (فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟) ، فَإِنَّهُ خَفِيُّ الْمَعْنَى (قَالَ: تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ) ، أَيِ: الَّذِي يُرِيدُ فِعْلَهُ (فَذَلِكَ) أَيْ: مَنَعُكَ إِيَّاهُ مِنْهُ (نَصْرُكَ إِيَّاهُ) أَيْ: عَلَى شَيْطَانِهِ الَّذِي يُغْوِيهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ الَّتِي تُطْغِيهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ بِهَذَا السِّيَاقِ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ أَيْضًا، نَعَمْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ بِلَفْظِ: «وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ، فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ» .
قُلْتُ: وَيَنْصُرُهُ صَنِيعُ صَاحِبِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ; حَيْثُ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: " «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ". قِيلَ كَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: " تَحْجِزْهُ عَنِ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ وَابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ: " «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا إِنْ يَكُ ظَالِمًا فَارْدُدْهُ عَنْ ظُلْمِهِ وَإِنْ يَكُ مَظْلُومًا فَانْصُرْهُ» ".
стр. 6831
٤٩٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٩٥٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» ) ، فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُسْلِمَ وَالْمُؤْمِنَ وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ، وَهُوَ مُجْمَلٌ تَفْصِيلُهُ مَا بَعْدَهُ، وَلِهَذَا وَرَدَ مُنْقَطِعًا عَمَّا بَعْدَهُ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ سُوِيدَ بْنِ حَنْظَلَةَ، وَابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ وَاثِلَةَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُسْلِمَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْأَخُ لَا يَضُرُّ أَخَاهُ، بَلْ يَنْفَعُهُ فِي كُلِّ مَا يَرَاهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ مُبَالَغَةً، كَمَا وَرَدَ: " «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» " (لَا يَظْلِمُهُ) ، نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَظْلِمَهُ، وَفِي حُكْمِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ، فَإِنَّ الظُّلْمَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ الْكَافِرِ، وَهُوَ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِلْمُوجَبِ أَوْ لِوَجْهِ الشَّبَهِ، فَإِنَّ الظَّالِمَ يَنْحَطُّ أَوَّلًا عَنْ رُتْبَةِ النُّبُوَّةِ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] ، وَثَانِيًا عَنْ دَرَجَةِ الْوَلَايَةِ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ، وَثَالِثًا عَنْ مَزِيدِ السَّلْطَنَةِ: لَبَيْتُ الظَّالِمِ خَرَابٌ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ، وَرَابِعًا: عَنْ نَظَرِ الْخَلَائِقِ: جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهَا، وَخَامِسًا: عَنْ حِفْظِ نَفْسِهِ: " وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ".
لَا تَظْلِمْنَ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِرًا ... فَالظُّلْمُ آخِرُهُ يَأْتِيكَ بِالنَّدَمِ
نَامَتْ عُيُونُكَ وَالْمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ ... يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللَّهِ لَمْ تَنَمِ
(وَلَا يُسْلِمُهُ) ، بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ: لَا يَخْذُلُهُ، بَلْ يَنْصُرُهُ، فَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: أَسْلَمَ فُلَانٌ فُلَانًا: إِذَا أَلْقَاهُ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَلَمْ يَحْمِهِ مِنْ عَدُوِّهِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ أَسْلَمْتَهُ إِلَى شَيْءٍ، لَكِنْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ وَغَلَبَ عَلَيْهِ الْإِلْقَاءُ فِي التَّهْلُكَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْهَمْزَةُ فِيهِ لِلسَّلْبِ أَيْ: لَا يُزِيلُ سِلْمَهُ، وَهُوَ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا الصُّلْحُ (وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ) أَيْ: سَاعِيًا فِي قَضَائِهَا (كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ) هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: " «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» "، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى فَضِيلَةِ عَوْنِ الْأَخِ عَلَى أُمُورِهِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُكَافَأَةَ عَلَيْهَا بِجِنْسِهَا مِنَ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ بِقَلْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ بِهِمَا لِدَفْعِ الْمَضَارِّ، أَوْ جَذْبِ الْمَنَافِعِ إِذِ الْكُلُّ عَوْنٌ (وَمَنْ فَرَّجَ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَيُخَفَّفُ، وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ نَفَّسَ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَيْ: أَزَالَ وَكَشَفَ (عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً) أَيْ: مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْكُرْبَةُ بِضَمِّ الْكَافِ فُعْلَةٌ مِنَ الْكَرْبِ، وَهِيَ الْخَصْلَةُ الَّتِي يَحْزَنُ بِهَا وَجَمْعُهَا كُرَبٌ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، وَالتَّنْوِينُ فِيهَا لِلْإِفْرَادِ وَالتَّحْقِيرِ أَيْ: هَمًّا وَاحِدًا مِنْ هُمُومِهَا أَيُّ هَمٍّ كَانَ صَغِيرَهُ أَوْ كَبِيرَهُ عَرْضَهُ وَعِرْضَهُ عَدَدَهُ وَعُدَدَهُ، وَقَوْلُهُ مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا أَيْ: بَعْضِ كُرَبِهَا أَوْ كُرْبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْ كُرَبِهَا (فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) بِضَمِّ الْكَافِ وَالرَّاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيِ الَّتِي لَا تُحْصَى ; لِأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ، وَتَنْفِيسُ الْكُرَبِ إِحْسَانٌ لَهُمْ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ، وَلَيْسَ هَذَا مُنَافِيًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ، لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهَا تُجَازَى بِمَثَلِهَا وَضِعْفِهَا إِلَى عَشْرَةٍ إِلَى مِائَةٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ إِلَى غَيْرِ حِسَابٍ، عَلَى أَنَّ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ تُسَاوِي عَشْرًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْوِينُ التَّعْظِيمِ وَتَخْصِيصُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ دُونَ يَوْمٍ آخَرَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ إِمَّا فِي الْكَمِّيَّةِ أَوْ فِي الْكَيْفِيَّةِ (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا) أَيْ: بَدَنَهُ أَوْ عَيْبَهُ بِعَدَمِ الْغِيبَةِ لَهُ وَالذَّبِّ عَنْ مَعَايِبِهِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَيْسَ مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ، وَإِلَّا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُرْفَعَ قَصْعَتُهُ إِلَى الْوَالِي، فَإِذَا رَآهُ فِي مَعْصِيَةٍ فَيُنْكِرُهَا بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، وَإِنْ عَجَزَ يَرْفَعُهَا إِلَى الْحَاكِمِ إِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ ; كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) وَفِي رِوَايَةٍ: سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ صُوفِيَّةٌ صَفِيَّةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَقَامَاتِ أَهْلِ الْعِرْفَانِ وَكَرَامَاتِ ذَوِي الْإِيقَانِ أَنْ يَحْفَظَ سِرَّهُ وَيَكْتُمَ أَمْرَهُ، فَإِنَّ كَشْفَ الْأَسْرَارِ عَلَى الْأَغْيَارِ يَسُدُّ بَابَ الْعِنَايَةِ وَيُوجِبُ الْحِرْمَانَ وَالْغِوَايَةَ.
مَنْ أَطْلَعُوهُ عَلَى سِرٍّ فَبَاحَ بِهِ ... لَمْ يَأْمَنُوهُ عَلَى الْأَسْرَارِ مَا عَاشَ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ مُسْنَدًا إِلَى مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي الْكِتَابِ.
стр. 6832
٤٩٥٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَهُنَا ". وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٩٥٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ» ) ، بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْخِذْلَانِ، وَهُوَ تَرْكُ النُّصْرَةِ وَالْإِعَانَةِ (وَلَا يَحْقِرُهُ) ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَيْ: لَا يَحْتَقِرُهُ بِذِكْرِ الْمَعَايِبِ وَتَنَابُزِ الْأَلْقَابِ وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ إِذَا رَآهُ رَثَّ الْحَالِ، أَوْ ذَا عَاهَةٍ فِي بَدَنِهِ أَوْ غَيْرَ لَائِقٍ فِي مُحَادَثَتِهِ، فَلَعَلَّهُ أَخْلَصُ ضَمِيرًا وَأَتْقَى قَلْبًا مِمَّنْ هُوَ عَلَى ضِدِّ صِفَتِهِ فَيَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَحْقِيرِ مَنْ وَقَّرَهُ اللَّهُ (التَّقْوَى هَهُنَا) وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي لَا يَجُوزُ تَحْقِيرُ الْمُتَّقِي مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَالتَّقْوَى مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَمَا كَانَ مَحَلُّهُ الْقَلْبَ يَكُونُ مَخْفِيًّا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، وَإِذَا كَانَ مَخْفِيًّا فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ بِعَدَمِ تَقْوَى مُسْلِمٍ حَتَّى يُحَقِّرَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَحَلُّ التَّقْوَى هُوَ الْقَلْبُ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ التَّقْوَى فَلَا يُحَقِّرُ مُسْلِمًا ; لِأَنَّ الْمُتَّقِيَ لَا يُحَقِّرُ الْمُسْلِمَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَوْجَهُ وَالنَّظْمُ لَهُ أَدْعَى ; لِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا شَبَّهَ الْمُسْلِمَ بِالْأَخِ لِيُنَبِّهَ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَأَنْ لَا يَرَى أَحَدٌ لِنَفْسِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَضْلًا وَمَزِيَّةً، وَيُحِبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَتَحْقِيرُهُ إِيَّاهُ مِمَّا يُنَافِي هَذِهِ الْحَالَةَ وَيَنْشَأُ مِنْهُ قَطْعُ وُصْلَةِ الْأُخُوَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا أَنْ تُوصَلَ، وَمُرَاعَاةُ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ أَمْرٌ صَعْبٌ ; لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَوَّى بَيْنَ السُّلْطَانِ وَأَدْنَى الْعَوَامِّ، وَبَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَبَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، وَالْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ هَذِهِ الْخَصْلَةِ إِلَّا مَنِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلتَّقْوَى وَأَخْلَصَهُ مِنَ الْكِبْرِ وَالْغِشِّ وَالْحِقْدِ، وَنَحْوِهَا إِخْلَاصَ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ مِنْ خُبْثِهِ وَنَقَّاهُ مِنْهَا، فَيُؤْثِرُ لِذَلِكَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مُتَابَعَةِ الْهَوَى، كَذَلِكَ جَاءَ قَوْلُهُ ﷺ " «التَّقْوَى هَهُنَا " (وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» ) مُعْتَرِضًا بَيْنَ قَوْلِهِ: وَيَحْقِرُهُ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ( «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» ) ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَضَمِّنٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاحْتِقَارِ، وَأَنْتَ عَرَفْتَ أَنَّ مَوْقِعَ الِاعْتِرَاضِ بَيْنَ الْكَلَامِ مَوْقِعُ التَّأْكِيدِ. وَقَوْلُهُ: ( «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» ) هُوَ الْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ، وَالْمَقْصُودُ الْأَوْلَى، وَالسَّابِقُ كَالتَّمْهِيدِ وَالْمُقَدِّمَةِ لَهُ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمَ وَعِرْضَهُ جُزْءًا مِنْهُ تَلْوِيحًا إِلَى مَعْنَى مَا رُوِيَ: «حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ» ، وَالْمَالُ يُبْذَلُ لِلْعِرْضِ. قَالَ:
أَصُونُ عِرْضِي بِمَالِي لَا أُدَنِّسُهُ ... لَا بَارَكَ اللَّهُ بَعْدَ الْعِرْضِ فِي الْمَالِ
وَلِمَا أَنَّ التَّقْوَى تَشُدُّ مِنْ عَقْدِ هَذِهِ الْأُخُوَّةِ وَتَسْتَوْثِقُ مِنْ عُرَاهَا ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: ١٠] يَعْنِي: إِنَّكُمْ إِنِ اتَّقَيْتُمْ لَمْ تَحْمِلْكُمُ التَّقْوَى إِلَّا عَلَى التَّوَاصُلِ وَالِائْتِلَافِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى إِمَاطَةِ مَا يَفْرُطُ مِنْهُ، وَأَنَّ مُسْتَقَرَّ التَّقْوَى وَمَكَانَهَا الْمُضْغَةُ الَّتِي إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] ، وَلِذَلِكَ كَرَّرَ ﷺ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا عَدَلَ الرَّاوِي عَنِ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الْحَالَةِ فِي مُشَاهَدَةِ السَّامِعِ، وَاهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَفَصْلِ الْخِطَابِ الَّذِي خُصَّ بِهِ هَذَا النَّبِيُّ الْمُكَرَّمُ ﷺ إِلَى هُنَا كَلَامُ الطِّيبِيِّ قَدْ تَمَّ، فَلْنَرْجِعْ إِلَى بَعْضِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ الشَّرِيفِ مِنْ زَوَائِدِ فَوَائِدِ شَرْحِهِ الْمُنِيفِ.
مِنْهَا، قَوْلُهُ: " التَّقْوَى هَهُنَا ". قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَعْنَاهُ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّقْوَى فِي صَدْرِي، وَفُرُوعَهَا فِي قُلُوبِ جَمِيعِ الْخَلْقِ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ عَيْنِ الْجَمْعِ، وَمِرْآةُ كُشُوفِ الْغَيْبِ، كَمَا قَالَ: " «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَخْوَفُكُمْ مِنْهُ» " بَيَّنَ أَنَّ مَنْ زَادَ مَعْرِفَتُهُ زَادَ خَشْيَتُهُ وَتَقْوَاهُ، وَلَيْسَ فِي الْكَوْنَيْنِ أَعْرَفُ مِنْهُ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ قَالَ: " «لِكُلِّ شَيْءٍ مَعْدِنٌ وَمَعْدِنُ التَّقْوَى قُلُوبُ الْعَارِفِينَ» " ; لِأَنَّ الْعَارِفَ غَائِبٌ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، تَائِقٌ إِلَى لِقَائِهِ، هَائِمٌ فِي مَحَبَّتِهِ تَجْرِي عَيْنُ التَّقْوَى مِنْ بِحَارِ مَعْرِفَتِهِ مِنْ رُوحِهِ إِلَى قَلْبِهِ، وَمِنْ قَلْبِهِ إِلَى قَالَبِهِ، وَسِرُّهُ مَعْدِنُ التَّوْحِيدِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ تَجَلَّى فِيهِ بِنَعْتِ الْقِدَمِ، وَرُوحُهُ مَعْدِنُ الْمَعْرِفَةِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ تَجَلَّى بِوَصْفِ الْبَقَاءِ فِيهَا، وَقَلْبُهُ مَعْدِنُ الْخَشْيَةِ وَالتَّقْوَى ; لِأَنَّهُ تَجَلَّى بِوَصْفِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ، فَالتَّوْحِيدُ مِنْ عَيْنِ الْقِدَمِ، وَالْمَعْرِفَةُ مِنْ عَيْنِ الْبَقَاءِ، وَالتَّقْوَى مِنْ عَيْنِ الْكِبْرِيَاءِ، وَقَوْلُهُ: (ثَلَاثُ مِرَارٍ) بِرَاءٍ فِي آخِرِهِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (بِحَسْبِ امْرِئٍ) مُبْتَدَأٌ وَالْبَاءُ فِيهِ
стр. 6833
زَائِدَةٌ ; وَقَوْلُهُ: " أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ " خَبَرُهُ أَيْ: حَسْبُهُ وَكَافِيهِ مِنْ خِلَالِ الشَّرِّ وَرَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ تَحْقِيرُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ مُوهِمٌ أَنَّ قَوْلَهُ: (يَحْقِرُ) مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ فِي الْأُصُولِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَحَسْبُ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالتَّثْنِيَةُ، وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ. قَالَ النُّحَاةُ: إِذَا كَانَ مَا بَعْدَهُ مَعْرِفَةً فَرَفْعُهُ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَالْإِضَافَةُ لَفْظِيَّةٌ، أَوْ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً فَرَفْعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ فَقَطْ، وَالْإِضَافَةُ مَعْنَوِيَّةٌ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْعِرْضِ مَا يَجِبُ أَوْ يُسْتَحَبُّ شَرْعًا حِمَايَتُهُ لَا الْعَصَبِيَّةُ وَالْحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةُ الَّتِي اعْتَادَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَصْرِفُونَ النَّاسَ لِطَلَبِ الْجَاهِ وَالْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، إِذْ هُوَ مِنَ الْهَوَى الْمُتَّبَعِ الْمُهْلِكِ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَمَا أَهْلَكَ النَّاسَ إِلَّا النَّاسُ، وَلَوْ أَنْصَفَ الْعُلَمَاءُ لَعَلِمُوا أَنَّ أَكْثَرَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعُلُومِ وَالْعِبَادَاتِ فَضْلًا عَنِ الْعِبَادَاتِ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهَا إِلَّا مُرَاعَاةُ الْخَلْقِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: الرِّيَاسَةُ مَيَادِينُ إِبْلِيسَ يَنْزِلُ هُوَ وَجُنُودُهُ، وَقِيلَ: آخِرُ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الصِّدِّيقِينَ مَحَبَّةُ الْجَاهِ، هَذَا وَزُبْدَةُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ لَا يَقَعَ فِي عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغِيبَةِ وَالطَّعْنِ وَالْقَذْفِ وَالشَّتْمِ وَالْغَمْزِ وَاللَّمْزِ وَالتَّجَسُّسِ عَنْ عَوْرَاتِهِ وَإِفْشَاءِ أَسْرَارِهِ، فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ فَيَفْضَحُهُ، وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ، وَلَا يُمَارِيهِ، وَيَرَى الْفَضْلَ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى نَفْسِهِ، أَمَّا الصَّغِيرُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَعْصِ اللَّهَ وَهُوَ قَدْ عَصَى، وَالْكَبِيرُ فَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ عِبَادَةً، وَالْعَالِمُ لِعِلْمِهِ، وَالْجَاهِلُ لِأَنَّهُ قَدْ عَصَى اللَّهَ بِجَهْلِهِ، فَحُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْعَالِمِ أَوْكَدُ، وَلِذَا وَرَدَ: وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً، وَوَيْلٌ لِلْعَالَمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلِأَنَّ حُسْنَ الْعَاقِبَةِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَالْمَدَارُ عَلَى خَاتِمَتِهَا. خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بِالْحُسْنَى وَبَلَّغَنَا الْمَقَامَ الْأَسْنَى (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَهُوَ أَيْضًا بَعْضٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمٍ» " الْحَدِيثُ.
стр. 6834
٤٩٦٠ - وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبٍ وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ. وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ، الَّذِينَ فِيكُمْ تَبَعٌ لَا يَبْغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا، وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوِ الْكَذِبَ. وَالشِّنْظِيرُ: الْفَحَّاشُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٩٦٠ - (وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ) وَهُوَ اسْمُ الْحَيَوَانِ الْمَعْرُوفِ، وَالْعَرَبُ مَا كَانُوا يَتَحَاشَوْنَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ حَتَّى كَانُوا يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ كَلْبًا وَكِلَابًا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عِيَاضُ بْنُ حِمَارٍ التَّمِيمِيُّ الْمُجَاشِعِيُّ، يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ، وَكَانَ صَدِيقًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْلَمَ قَدِيمًا، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ) أَيْ: ثَلَاثَةُ أَجْنَاسٍ مِنَ الْأَشْخَاصِ (ذُو سُلْطَانٍ) أَيْ: حُكْمٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: سُلْطَانٌ ; لِأَنَّهُ ذُو قَهْرٍ وَغَلَبَةٍ مِنَ السَّلَاطَةِ، وَهِيَ التَّمَكُّنُ مِنَ الْقَهْرِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] ، وَمِنْهُ سُمِّيَ السُّلْطَانُ، وَقِيلَ: ذُو حُجَّةٍ لِأَنَّهُ يُقَامُ الْحُجَجُ بِهِ (مُقْسِطٌ) بِالرَّفْعِ صِفَةُ الْمُضَافِ أَيْ: عَادِلٌ، يُقَالُ: أَقْسَطَ فَهُوَ مُقْسِطٌ: إِذَا عَدَلَ، وَقَسَطَ فَهُوَ قَاسِطٌ: إِذَا جَارَ، فَالْهَمْزَةُ فِيهِ لِلسَّلْبِ كَمَا يُقَالُ: شَكَا إِلَيْهِ فَأَشْكَاهُ (مُتَصَدِّقٌ) أَيْ: مُحْسِنٌ إِلَى النَّاسِ (مُوَفَّقٌ) أَيِ الَّذِي هُيِّئَ لَهُ أَسْبَابُ الْخَيْرِ، وَفُتِحَ لَهُ أَبْوَابُ الْبِرِّ (وَرَجُلٌ رَحِيمٌ) أَيْ: عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ (رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى) خُصُوصًا (وَمُسْلِمٍ) أَيْ: لِكُلِّ مُسْلِمٍ عُمُومًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ (رَحِيمٌ) أَيْ: يَرِقُّ قَلْبُهُ، وَيَرْحَمُ لِكُلِّ مَنْ بَيْنِهِ وَبَيْنَهُ لُحْمَةُ الْقَرَابَةِ أَوْ صِلَةُ الْإِسْلَامِ. اهـ
وَالظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ بِالرَّحِيمِ صِيغَةٌ فِعْلِيَّةٌ يَظْهَرُ وَجُودُهَا فِي الْخَارِجِ، وَبِالرَّقِيقِ صِفَةٌ قَلْبِيَّةٌ سَوَاءٌ ظَهَرَ أَثَرُهَا أَمْ لَا. وَالثَّانِي أَظْهَرُ، فَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ وَالْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَتَعَلَّقَ رَحْمَةُ الرَّحِيمِ إِلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ مِنَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ الشَّامِلِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالدَّوَابِّ، فَيَكُونُ الثَّانِي أَخَصَّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ.
(وَعَفِيفٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الثَّالِثُ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَيْ: مُجْتَنِبٌ عَمَّا لَا يَحِلُّ (مُتَعَفِّفٌ) أَيْ: عَنِ السُّؤَالِ مُتَوَكِّلٌ عَلَى الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ فِي أَمْرِهِ وَأَمْرِ عِيَالِهِ مَعَ فَرْضِ وَجُودِهِمْ، فَإِنَّهُ أَصْعَبُ، وَلِهَذَا قَالَ: (ذُو عِيَالٍ) أَيْ: لَا يَحْمِلُهُ حُبُّ الْعِيَالِ وَلَا خَوْفُ رِزْقِهِمْ عَلَى تَرْكِ التَّوَكُّلِ بِارْتِكَابِ سُؤَالِ الْخَلْقِ، وَتَحْصِيلِ الْمَالِ الْحَرَامِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِمْ عَنْ
стр. 6835
الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَشَارَ بِالْعَفِيفِ إِلَى مَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْقُوَّةِ الْمَانِعَةِ عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَبِالْمُتَعَفِّفِ إِلَى إِبْرَازِ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ وَاسْتِعْمَالِ تِلْكَ الْقُوَّةِ لِإِظْهَارِ الْعِفَّةِ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِذِ اسْتَقْرَيْتَ أَحْوَالَ الْعِبَادِ عَلَى اخْتِلَافِهَا لَمْ تَجِدْ أَحَدًا يَسْتَأْهِلُ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَيَحِقَّ لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا وَهُوَ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْهَا (وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ) إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَتِهِمْ (الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: لَا رَأْيَ وَلَا عَقْلَ كَامِلًا يَعْقِلُهُ، وَيَمْنَعُهُ عَنِ ارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي، وَقَدْ وَرَدَ: «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ» ، وَفِي الْقَامُوسِ: الزَّبْرُ الْعَقْلُ وَالْكَمَالُ وَالصَّبْرُ وَالِانْتِهَارُ وَالْمَنْعُ وَالنَّهْيُ. اهـ. وَلِكُلٍّ وَجْهٌ فِي الْمَعْنَى.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَيْ: لَا عَقْلَ لَهُ، وَفِي الْغَرِيبَيْنِ يُقَالُ: مَا لَهُ زَبْرٌ أَيْ عَقْلٌ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى لَا يَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَأَرَى الْوَجْهَ فِيهِ أَنْ يُفَسَّرَ بِالتَّمَاسُكِ، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَقُولُونَ لَا زَبْرَ لَهُ أَيْ: لَا تَمَاسُكَ لَهُ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ، وَالْمَعْنَى: لَا تَمَاسُكَ لَهُ عِنْدَ مَجِيءِ الشَّهَوَاتِ، فَلَا يَرْتَدِعُ عَنْ فَاحِشَةٍ وَلَا يَتَوَرَّعُ عَنْ حَرَامٍ. قُلْتُ: التَّمَاسُكُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ وَحَاصِلٌ بِالصَّبْرِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا.
وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: لَعَلَّ الشَّيْخَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ) قِسْمٌ آخَرُ مِنَ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ يَعْنِي بِهِ الْخُدَّامَ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ بِالشُّبُهَاتِ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي ; حَيْثُ قَالَ: الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ يُرِيدُ بِهِ الْخُدَّامَ الَّذِينَ لَا مَطْمَحَ لَهُمْ وَلَا مَطْمَعَ إِلَّا مَا يَمْلَأُونَ بِهِ بُطُونَهُمْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَلَا تَتَخَطَّى هِمَمُهُمْ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ. أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّعِيفَ وَصْفٌ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ تَارَةً بِالْمُفْرَدِ، وَبِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ أُخْرَى بِالْجَمْعِ، أَوِ الْمَوْصُولُ الثَّانِي بَيَانٌ أَوْ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ لِعَدَمِ الْعَاطِفِ كَمَا فِي الْأُصُولِ الْمَشْهُورَةِ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْأَشْرَفِ ; حَيْثُ قَالَ: الَّذِي فِي قَوْلِ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ بِمَعْنَى الَّذِينَ لِلْجَمْعِ، وَهُوَ الَّذِي جَوَّزَ جَعْلَ قَوْلِهِ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ. اهـ كَلَامُهُ. وَعَلَى هَذَا لَا يَتَوَجَّهُ الْإِشْكَالُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَيَتَعَيَّنُ تَقْسِيمُ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ. أَحَدُهَا: الضَّعِيفُ، وَثَانِيهَا: الْخَائِنُ، وَثَالِثُهَا: رَجُلٌ، وَرَابِعُهَا: الْبَخِيلُ، وَخَامِسُهَا: الشِّنْظِيرُ. تَمَّ كَلَامُ الطِّيبِيِّ.
وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ وَالْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى جَعْلِهِ قِسْمًا آخَرَ، وَهُمَا أَعْقَلُ مِنْ أَنْ يُخَالِفَا النَّصَّ عَلَى الْخَمْسِ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الْعَاطِفِ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ الْمَشْهُورَةِ، وَلَا دَلَالَةَ لِتَفْسِيرَيْهِمَا عَلَى مَا تَوَهَّمَ الْفَاضِلُ، إِذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْوَصْفِ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، بَلِ الثَّانِي مُمَيِّزٌ لِلْأَوَّلِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ هُوَ جِنْسُ الضَّعِيفِ فِي أَمْرِ دِينِهِ النَّاقِصُونَ فِي عُقُولِهِمُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ (لَا يَبْغُونَ أَهْلًا) أَيْ: لَا يَطْلُبُونَ زَوْجَةً وَلَا سُرِّيَّةً، فَأَعْرَضُوا عَنِ الْحَلَالِ وَارْتَكَبُوا الْحَرَامَ (وَلَا مَالًا) أَيْ: وَلَا يَطْلُبُونَ مَالًا حَلَالًا مِنْ طَرِيقِ الْكَدِّ وَالْكَسْبِ الطَّيِّبِ، فَقِيلَ: هُمُ الْخَدَمُ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ بِالشُّبَهَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي سَهُلَ عَلَيْهِمْ مَأْخَذُهَا عَمَّا أُبِيحَ لَهُمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ دَاعِيَةٌ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَدُورُونَ حَوْلَ الْأُمَرَاءِ وَيَخْدِمُونَهُمْ، وَلَا يُبَالُونَ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَأْكُلُونَ وَيَلْبَسُونَ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ، لَيْسَ لَهُمْ مَيْلٌ إِلَى أَهْلٍ وَلَا إِلَى مَالٍ، بَلْ قَصَرُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ، ثُمَّ الْإِشْكَالُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ عَلَى مَعْنَى لَا زَبْرَ لَهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ قِسْمًا آخَرَ أَوْ لَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَوْلُهُ: تَبَعٌ هُوَ الْأَصْلُ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ وَهُوَ بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ تَابِعٍ كَخَدَمٍ جَمْعُ خَادِمٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: تَبَعٌ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ مَرْفُوعٌ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ الظَّرْفِ أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الظَّرْفُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُهُمْ، وَفِي بَعْضِهَا مَنْصُوبٌ كَمَا فِي الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي الْخَبَرِ. اهـ. وَقَوْلُهُ: لَا يَبْغُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَسْكِينِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَفِي بَعْضِهَا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الِاتِّبَاعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يُتْبِعُونَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ يُخَفَّفُ وَيُشَدَّدُ مِنَ الِاتِّبَاعِ
стр. 6836
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَبْغُونَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ) مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ قَالَ الْقَاضِي أَيْ: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُطْمَعَ فِيهِ (وَإِنْ دَقَّ) بِحَيْثُ لَا يَكَادُ أَنْ يُدْرَكَ (إِلَّا خَانَهُ) أَيْ: إِلَّا وَهُوَ يَسْعَى فِي التَّفَحُّصِ عَنْهُ، وَالتَّطَلُّعِ عَلَيْهِ حَتَّى يَجِدَهُ فَيَخُونُهُ، وَهَذَا هُوَ الْإِغْرَاقُ فِي الْوَصْفِ بِالْخِيَانَةِ. قُلْتُ: بَلْ هُوَ إِغْرَاقٌ فِي وَصْفِ الطَّمَعِ، وَالْخِيَانَةُ تَابِعَةٌ لَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى عَنِ الطَّمَعِ، وَلَوِ احْتَاجَ إِلَى الْخِيَانَةِ، وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الطَّمَعُ فَسَادُ الدِّينِ وَالْوَرَعُ صَلَاحُهُ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ (خَفِيًّا) مِنَ الْأَضْدَادِ وَالْمَعْنَى لَا يَظْهَرُ لَهُ شَيْءٌ يَطْمَعُ فِيهِ إِلَّا خَانَهُ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا. قُلْتُ: لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْمَعْنَى الْأَسْبَقَ أَبْلَغُ وَأَنْسَبُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ دَقَّ، فَهُوَ بِالِاعْتِبَارِ أَوْلَى وَأَحَقُّ، وَإِنْ كَانَ تَعْدِيَةُ (خَفِيَ) بِاللَّامِ فِي مَعْنَى الْإِظْهَارِ أَظْهَرُ، فَإِنَّهُ يُقَالُ خَفِيَ لَهُ أَيْ: ظَهَرَ، وَخَفِيَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَيِ: اسْتَتَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، لَكِنْ فِي الْقَامُوسِ خَفَاهُ يَخْفِيهِ: أَظْهَرَهُ وَخَفِيَ كَرَضِيَ لَمْ يَظْهَرْ، اهـ
فَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ فِي فَتْحِ الْفَاءِ فِي لَا يَخْفَى إِلَّا إِنْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ بِكَسْرِهَا كَمَا لَا يَخْفَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ) أَيْ: بِسَبَبِهِمَا فَعَنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ، عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] ، أَيْ: حَمَلَهُمَا الشَّيْطَانُ عَلَى الزَّلَّةِ بِسَبَبِهَا (وَذَكَرَ) أَيْ: النَّبِيُّ ﷺ إِنْ كَانَ الشَّكُّ الْآتِي مِنَ الصَّحَابِيِّ، أَوْ ذِكْرُ عِيَاضٍ إِنْ كَانَ مِنَ التَّابِعِيِّ وَهَلُمَّ جَرًّا (الْبُخْلَ) أَيْ: فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ (أَوِ الْكَذِبَ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيِ: الْبَخِيلُ وَالْكَذَّابُ أَقَامَ الْمَصْدَرَ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ الرَّاوِيَ نَسِيَ أَلْفَاظًا ذَكَرَهَا ﷺ فِي شَأْنِ الْبَخِيلِ أَوِ الْكَذَّابِ، فَعَبَّرَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ، وَإِلَّا كَانَ يَقُولُ: وَالْبَخِيلُ أَوِ الْكَذَّابُ. قُلْتُ: الْمَعْنَى كَمَا قَالَ الشَّيْخُ، سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ صِفَةٌ أُخْرَى لَهُمَا أَمْ لَا. هَذَا وَرُوِيَ بِالْوَاوِ وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَنْ يُجْعَلَ اثْنَيْنِ مِنَ الْخَمْسَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (وَالشِّنْظِيرَ) مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى الْكَذِبِ تَتِمَّةً لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَا وَاحِدًا فَيَكُونُ الشِّنْظِيرُ مَرْفُوعًا. كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، لَكِنْ قَوْلُهُ: تَتِمَّةً لَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ التَّعَدُّدَ الْمَفْهُومَ مِنَ الْوَاوِ، وَهُوَ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ وَاقِعٌ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الشِّنْظِيرُ عَطْفَ تَفْسِيرٍ لِلْكَذِبِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّبَايُنِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى " أَوْ " كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ وَالنُّسَخُ الصَّحِيحَةُ، ثُمَّ الشِّنْظِيرُ بِكَسْرِ الشِّينِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ السَّيِّئُ الْخُلُقِ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى التَّصْحِيحِ كَمَا سَبَقَ. قَوْلُهُ: (الْفَاحِشُ) نَعْتٌ لَهُ، وَلَيْسَ بِمَعْنَى لَهُ أَيِ: الْمُكْثِرُ لِلْفُحْشِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ مَعَ سُوءِ خُلُقِهِ فَحَّاشٌ فِي كَلَامِهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّلَازُمِ الْغَالِبِيِّ، هَذَا وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ: أَوِ الْكَذِبَ بِأَوْ وَفِي بَعْضِهَا بِالْوَاوِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: رِوَايَتُنَا عَنْ جَمِيعِ شُيُوخِنَا بِالْوَاوِ إِلَّا ابْنَ أَبِي جَعْفَرٍ عَنِ الطَّبَرِيِّ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَلَعَلَّهُ الصَّوَابُ، وَبِهِ تَكُونُ الْمَذْكُورَاتُ خَمْسَةً. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: وَالشِّنْظِيرُ مَرْفُوعٌ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلَى رَجُلٍ كَمَا سَبَقَ، وَعَلَى تَأْوِيلِ الْوَاوِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا مِنْ تَتِمَّةِ الْكَذِبِ أَوِ الْبُخْلِ أَوِ الْبَخِيلُ السَّيِّئُ الْخُلُقِ الْفَحَّاشُ أَوِ الْكَذَّابُ السَّيِّئُ الْخُلُقِ الْفَحَّاشُ. اهـ. وَمَا قَدَّمْنَاهُ هُوَ التَّحْقِيقُ وَإِنْ خَفِيَ عَلَى بَعْضِ أَرْبَابِ التَّدْقِيقَ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6837
٤٩٦١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٩٦١ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ) أَيْ: إِيمَانًا كَامِلًا (حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ) أَيِ: الْمُسْلِمِ (مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) أَيْ: مِثْلَ جَمِيعِ مَا يُحِبُّهُ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالُوا: لَا يُؤْمِنُ الْإِيمَانَ التَّامَّ، وَإِلَّا فَأَصْلُ الْإِيمَانِ يَحْصُلُ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَالْمُرَادُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مِنَ الْخَيْرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا قَدْ يُعَدُّ مِنَ الصَّعْبِ الْمُمْتَنِعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ مَعْنَاهُ لَا يَكْمُلُ إِيمَانُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَالْقِيَامُ بِذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَنْ يُحِبَّ لَهُ حُصُولَ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ لَا يُزَاحِمُهُ فِيهَا، وَذَلِكَ سَهْلٌ عَلَى الْقَلْبِ السَّلِيمِ. اهـ.
стр. 6838
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُتَّحِدُونَ بِحَسَبِ الْأَرْوَاحِ مُتَعَدِّدُونَ مِنْ حَيْثُ الْأَجْسَامِ وَالْأَشْبَاحِ كَنُورٍ وَاحِدٍ فِي مَظَاهِرَ مُخْتَلِفَةٍ، أَوْ كَنَفْسِ وَاحِدَةٍ فِي أَبْدَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ، بِحَيْثُ لَوْ تَأَلَّمَ الْوَاحِدُ تَأَثَّرَ الْجَمِيعُ، كَمَا لَوَّحَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ ﷺ : " «الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ» "، وَكَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ أَنَّهُ أَحَسَّ بِالْبُرُودَةِ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَغَطَّوْهُ فَجَاءَهُ مُرِيدٌ لَهُ وَقَعَ فِي مَاءٍ بَارِدٍ فِي شِتَاءٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ الشَّيْخُ: أَدْفِئُوهُ، فَلَمَّا دَفِئَ الْمُرِيدُ قَامَ الشَّيْخُ مُسْتَدْفِئًا، وَنَظِيرُهُ أَنَّ لَيْلَى افْتُصِدَتْ فَخَرَجَ الدَّمُ مِنْ يَدِ الْعَامِرِيِّ، فَأَنْشَدَ:
أَنَا مَنْ أَهْوَى وَمَنْ أَهْوَى أَنَا ... نَحْنُ رُوحَانِ حَلَلْنَا بَدَنَا
لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنْ يَقُولَ: نَحْنُ رُوحٌ وَاحِدٌ تَعَلَّقَ بِهَا بَدَنَانِ، فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى الْأَبْدَانِ الْمُكْتَسَبَةِ الْوَاقِعَةِ لِلسَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُوهِمٌ لِلْحُلُولِ، ثُمَّ بَلْ لَوْ تَمَكَّنُوا فِيهِ صَحَّ ذَلِكَ لَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ ضَرَبَ عَبْدُهُ حِمَارًا، فَتَأَلَّمَ الشَّيْخُ بِحَيْثُ رُؤِيَ أَلَمُ الضَّرْبِ فِي عُضْوِهِ الَّذِي بِإِزَاءِ الْعُضْوِ الْمَضْرُوبِ لِلْحِمَارِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ إِيمَانَهُمْ مِنْ أَثَرِ نُورِ الْهِدَايَةِ شَرْعًا وَطَرِيقَةً، وَمِنْ أَثَرِ نُورِ اللَّهِ حَقِيقَةً، وَهُوَ نُورُ التَّوْحِيدِ مِنْ عَكْسِ نُورِ الْفَرْدَانِيَّةِ مِنْ نُورِ الذَّاتِ فَأَرْوَاحُهُمُ اتَّحَدَتْ بِذَلِكَ النُّورِ الْمُقْتَضِي لِلْأُلْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَإِنْ حَزِنَ وَاحِدٌ حَزِنُوا، وَإِنْ فَرِحَ وَاحِدٌ فَرِحُوا، وَهَذَا مَقَامُ الْجَمْعِ بِالرُّوحِ، وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ عِنْدَ تَجَلِّي الرُّوحِ الْأَعْظَمِ عَنْ تَفْرِقَةِ الطَّبِيعَةِ وَتَتَّحِدُ الْأَرْوَاحُ، وَهُنَاكَ مَقَامٌ أَعْلَى يُقَالُ لَهُ: جَمْعُ الْجَمْعِ، وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ عِنْدَ تَجَلِّي الْحَقِّ لَهُ عَنْ تَفْرِقَةِ الْغَيْرِ رُوحَانِيًّا وَنَفْسَانِيًّا مَلَكِيًّا وَمَلَكُوتِيًّا، فَلَا يُرَى غَيْرُ اللَّهِ لِاخْتِفَاءِ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فِي نُورِ التَّوْحِيدِ، كَاخْتِفَاءِ النُّجُومِ عِنْدَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ، وَهَذَا رَشْحُهُ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: مَعْنًى، فَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ وَفِي نُسْخَةٍ عَبْدٌ، وَفِي أُخْرَى أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ قَسَمٍ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ، أَوْ قَالَ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ، فَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ لَفْظَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ لَفْظًا هُوَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ، كَمَا رَوَاهُ النَّوَوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ. وَقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَكَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالثَّلَاثَةُ.
стр. 6839
٤٩٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ". قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٩٦٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَاللَّهِ) قَسَمٌ خَبَرُهُ (لَا يُؤْمِنُ) أَيْ: إِيمَانًا كَامِلًا أَوْ إِيمَانًا مُطَابِقًا لِمَبْنَاهُ وَمَعْنَاهُ (وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ) كَرَّرَهُ ثَلَاثًا لِلتَّأْكِيدِ وَهُوَ بِلَا عَاطِفَةٍ لِلتَّأْكِيدِ (قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) جَمْعُ بَائِقَةٍ بِالْهَمْزِ وَهِيَ الدَّاهِيَةُ أَيْ: غَوَائِلَهُ وَشُرُورَهُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ هُوَ الْعَمَلُ بِالْقُرْآنِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6840
٤٩٦٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٩٦٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ: مَعَ النَّاجِينَ (مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ) وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ ; حَيْثُ جَعَلَ عَدَمَ الْأَمْنِ مِنْ وُقُوعِ الضَّرَرِ سَبَبًا لِنَفْيِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَكَيْفَ إِذَا تَحَقَّقَ لُحُوقُ الضَّرَرِ وَالشَّرِّ؟ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 6841
٤٩٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَازَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٩٦٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مَا زَالَ جِبْرِيلُ) تَقَدَّمَ فِيهِ أَرْبَعُ قِرَاءَاتٍ (يُوصِينِي بِالْجَارِ) أَيْ: يَأْمُرُنِي بِحِفْظِ حَقِّهِ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَدَفْعِ الْأَذَى عَنْهُ (حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ) أَيْ: جِبْرِيلُ (سَيُوَرِّثُهُ) أَيِ: الْجَارَ، وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَرِثَ أَبَاهُ وَمِنْهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ يَرِثُهُ كَيَعِدُهُ وَأَوْرَثَهُ جَعَلَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ أَيْ: سَيُشْرِكُهُ جِبْرِيلُ فِي الْمِيرَاثِ، كَمَا قَالَ شَارِحٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَحْكُمُ بِمِيرَاثِ أَحَدِ الْجَارَيْنِ مِنَ الْآخَرِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِهِمَا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَحْدَهَا، وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَةُ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: " «مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوَرِّثُهُ، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالْمَمْلُوكِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَضْرِبُ لَهُ أَجَلًا أَوْ وَقْتًا إِذَا بَلَغَهُ عَتَقَ» ".
стр. 6842
٤٩٦٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحْزُنَهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٩٦٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً) أَيْ: فِي الْمُصَاحَبَةِ سَفَرًا أَوْ حَضَرًا (فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ) أَيْ: لَا يَتَكَلَّمَا بِالسِّرِّ (دُونَ الْآخَرِ) أَيْ: مُجَازَيْنِ عَنْهُ غَيْرَ مُشَارِكَيْنِ لَهُ، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ أَنَّ نَجْوَاهُمَا لِشَرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِهِ (حَتَّى تَخْتَلِطُوا) أَيْ: جَمِيعُكُمْ (بِالنَّاسِ) وَفِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ النَّهْيَ مَحَلُّهُ أَنْ يَكُونُوا فِي مَوْضِعٍ لَا يَأْمَنُ الْوَاحِدُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ (مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحْزُنَهُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الزَّايِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ، وَهُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ، وَالْأُولَى أَشْهَرُ وَعَلَيْهَا الْأَكْثَرُ، وَأَمَّا مَا ضُبِطَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالزَّايِ فَخَطَأٌ ; لِأَنَّهُ لَازِمٌ وَهُنَا الْفِعْلُ مُتَعَدٍّ وَضَمِيرُ الْفَاعِلِ لِلتَّنَاجِي وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ لِلْآخَرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلنَّهْيِ أَيْ: لَا تَنَاجَوْا لِئَلَّا يَحْزَنَ صَاحِبُكَ، وَأَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَيْ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرَ مِنْكُمْ تَنَاجٍ هُوَ سَبَبٌ لِلْحُزْنِ، فَعُلِمَ أَنَّ هُنَاكَ تَنَاجِيًا غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ لِرِوَايَةِ: فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ.
قَالَ الْخَطَابِيُّ: وَإِنَّمَا يُحْزِنُهُ ذَلِكَ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ. أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ أَنَّ نَجْوَاهُمَا لِتَبْيِيتِ رَأَيٍ فِيهِ أَوْ دَسِيسِ غَائِلَةٍ لَهُ، أَوِ الْأَحْزَانُ لِأَجْلِ الِاخْتِصَاصِ بِالْكَرَامَةِ وَهُوَ يُحْزِنُ صَاحِبَهُ. قُلْتُ: وَيَرُدُّ الْقَوْلَ الْآخَرَ قَوْلُهُ حَتَّى يَخْتَلِطُوا، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَذَا فِي السَّفَرِ، وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ فِيهِ صَاحِبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَمَّا فِي الْحَضَرِ وَبَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْعِمَارَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَقِيلَ قُيِّدَ بِالثَّلَاثَةِ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَتَنَاجَى اثْنَانِ فَلَا بَأْسَ. وَقَالَ شَارِحٌ: إِنْ تَنَاجَى اثْنَانِ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ فَلَا بَأْسَ ; لِأَنَّهُ لَا يَظُنُّ الثَّالِثُ أَنَّهُمَا يَذْكُرَانِ مِنْهُ قَبِيحًا. قُلْتُ: وَلَوْ ظَنَّهُ أَيْضًا لَا يُبَالِي ; حَيْثُ إِنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالنَّاسِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَدْ صَحَّ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهُ يَوْمًا فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ، ثُمَّ سَارَّهَا» ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسَارَّةَ فِي الْجَمْعِ حَيْثُ لَا رِيبَةَ جَائِزَةٌ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا النَّهْيُ عَنْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ بِحَضْرَةِ ثَالِثٍ، وَكَذَا ثَلَاثَةٍ وَأَكْثَرَ بِحَضْرَةِ وَاحِدٍ هُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، فَيَحْرُمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُنَاجَاةُ دُونَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِنَا وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الْأَزْمَانِ حَضَرًا وَسَفَرًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى رَجُلَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْزُنُهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
стр. 6843
٤٩٦٦ - وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الدِّينُ النَّصِيحَةُ " ثَلَاثًا. قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: " لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٩٦٦ - (وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ) : مَنْسُوبٌ إِلَى جَدٍّ لَهُ اسْمُهُ دَارٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمَرْوِيَّاتُهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا هَذَا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ تَمِيمُ بْنُ أَوْسٍ الدَّارِيُّ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَكَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، وَرُبَّمَا رَدَّدَ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ كُلَّهَا إِلَى الصَّبَاحِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ نَامَ لَيْلَةً وَلَمْ يَقُمْ لِلتَّهَجُّدِ فِيهَا حَتَّى أَصْبَحَ، فَقَامَ سَنَةً لَمْ يَنَمْ فِيهَا عُقُوبَةً لِلَّذِي صَنَعَ، سَكَنَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْرَجَ السِّرَاجَ فِي الْمَسْجِدِ، رَوَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ قِصَّةَ
стр. 6844
الدَّجَّالِ وَالْجَسَّاسَةِ وَعَنْهُ أَيْضًا جَمَاعَةٌ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الدِّينُ) أَيْ: أَعْمَالُهُ وَأَفْضَلُ أَعْمَالِهِ أَوِ الْأَمْرُ الْمُهِمُّ فِي الدِّينِ (النَّصِيحَةُ) : وَهِيَ تَحَرِّي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فِيهِ صَلَاحٌ لِصَاحِبِهِ، أَوْ تَحَرِّي إِخْلَاصِ الْوُدِّ لَهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا إِرَادَةُ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ وَهُوَ لَفْظٌ جَامِعٌ لِمَعَانٍ شَتَّى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: النَّصِيحَةُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جُمْلَةٍ هِيَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ، وَلَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِكَلِمَةٍ وَجِيزَةٍ يُحْصِيهَا وَيَجْمَعُ مَعْنَاهَا غَيْرُهَا، كَمَا قَالُوا فِي الْفَلَاحِ لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ كُلِّهِ أَجْمَعُ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْهُ، فَقَوْلُهُ ﵊: " «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» " يُرِيدُ عِمَادَ الدِّينِ وَقِوَامَهُ، إِنَّمَا هُوَ النَّصِيحَةُ وَبِهَا ثَبَاتُهُ، كَقَوْلِهِ ﷺ : " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» " وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ» " فَالْحَصْرُ ادِّعَائِيٌّ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَحَدُ أَرْبَاعِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ مَدَارُ الْإِسْلَامِ كَمَا سَيَأْتِي، فَالْحَصْرُ حَقِيقِيٌّ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ نَصَحْتُ الْعَسَلَ: إِذَا صَفَّيْتَهُ مِنَ الشَّمْعِ، شَبَّهُوا تَخْلِيصَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مِنَ الْغِشِّ بِتَخْلِيصِ الْعَسَلِ مِنَ الشَّمْعِ (ثَلَاثًا) أَيْ: ذَكَرَهَا ثَلَاثًا لِلتَّأْكِيدِ بِهَا وَالِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهَا، وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْأَرْبَعِينَ لِلنَّوَوِيِّ، ثُمَّ لَمَّا كَانَتِ النَّصِيحَةُ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ اسْتُفْصِلَتْ، فَقَالَ الرَّاوِي: (قُلْنَا) أَيْ: مَعْشَرُ الصَّحَابَةِ وَالْمُرَادُ بَعْضُهُمْ (لِمَنْ؟) أَيِ: النَّصِيحَةُ لِمَنْ؟ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵊: (لِلَّهِ) أَيْ: بِالْإِيمَانِ وَصِحَّةِ الِاعْتِقَادِ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ وَتَرْكِ الْإِلْحَادِ فِي صِفَاتِهِ وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ فِي عِبَادَتِهِ، وَبَذْلِ الطَّاقَةِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَالِاعْتِرَافِ بِنِعْمَتِهِ وَالشُّكْرِ لَهُ عَلَيْهَا، وَمُوَالَاةِ مَنْ أَطَاعَهُ، وَمُعَادَاةِ مَنْ عَصَاهُ، وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْعَبْدِ فِي نَصِيحَةِ نَفْسِهِ لِلَّهِ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ نُصْحِ كُلِّ نَاصِحٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ النَّصِيحَةَ لِلَّهِ هِيَ التَّعْظِيمُ لِأَمْرِهِ وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: هِيَ الْإِيمَانُ بِوُجُودِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ وَرَاءَ التَّحَيُّزَاتِ مَوْجُودًا خَالِقًا وَبِصِفَاتِهِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ، وَبِأَفْعَالِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ الْمُسَمَّى بِالْعَالَمِ، فَإِنَّمَا حَدَثَ بِقُدْرَتِهِ، وَهُوَ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الثَّرَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَظَمَةِ الْإِلَهِيَّةِ أَقَلُّ مِنْ خَرْدَلَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الْعَالَمِ، وَبِأَحْكَامِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِغَرَضٍ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِهَا مَنَافِعُ عَائِدَةٌ إِلَى الْعَبْدِ، وَأَنَّ لَهُ الْحُكْمَ كَيْفَ يَشَاءُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إِنْ أَثَابَ فَبِفَضْلِهِ وَإِنَّ عَذَّبَ فَبِعَدْلِهِ. وَأَسْمَائِهِ بِأَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ، ثُمَّ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَالْحُبِّ لَهُ وَالْبُغْضِ فِيهِ (وَلِكِتَابِهِ) أَيْ: وَالنَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَبِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ وَتَنْزِيلُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَإِقَامَةُ حُرُوفِهِ فِي التِّلَاوَةِ، وَالتَّصْدِيقُ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَالِاعْتِبَارُ بِمَوَاعِظِهِ، وَالتَّفَكُّرُ فِي عَجَائِبِهِ، وَالْعَمَلُ بِمُحْكَمِهِ، وَالتَّسْلِيمُ بِمُتَشَابِهِهِ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ.
وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُكْرِمَهُ وَيَبْذُلَ مَجْهُودَهُ فِي الذَّبِّ عَنْهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَابْتِهَالِ الْمُبْطِلِينَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُدَقِّقِينَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِهِ يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ، أَوْ جِنْسِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، إِذِ الْجِنْسُ الْمُضَافُ يُفِيدُ الْعُمُومَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ. عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْمِفْتَاحِ صَرَّحَ بِأَنَّ اسْتِغْرَاقَ الْمُفْرَدِ أَشْمَلُ مِنِ اسْتِغْرَاقِ الْجَمْعِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْكِتَابُ أَكْثَرُ مِنَ الْكُتُبِ لِتَنَاوُلِهِ وُحْدَانَ الْجِنْسِ بِخِلَافِ الْكُتُبِ، لَكِنْ حَقَّقَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ يَشْمَلُ كُلَّ فَرْدٍ مِثْلُ الْمُفْرَدِ. قُلْتُ: وَلَوْ سَلِمَ، فَلَيْسَ شُمُولُ الْجَمْعِ مِثْلَ شُمُولِ الْمُفْرَدِ، ثُمَّ وُقُوعُ الْكِتَابِ فِي جَوَابِ (مَنْ) عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ (وَلِرَسُولِهِ) بِالتَّصْدِيقِ لِنُبُوَّتِهِ وَقَبُولِ مَا جَاءَ بِهِ وَدَعَا إِلَيْهِ، وَبَذْلِ الطَّاعَةِ لَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَالِانْقِيَادِ لَهُ وَإِيثَارِهِ بِالْمَحَبَّةِ فَوْقَ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَالْمُرَادُ مُحَمَّدٌ ﷺ أَوِ الْجِنْسُ لِيَشْمَلَ الْمَلَكَ أَيْضًا إِذْ هُمْ رُسُلٌ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١] ، وَقَالَ: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] ، (وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ) بِأَنْ يَنْقَادَ لِطَاعَتِهِمْ فِي الْحَقِّ، وَلَا يَخْرُجَ عَلَيْهِمْ إِذَا جَارُوا، وَيُذَكِّرَهُمْ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ، وَيُعْلِمَهُمْ بِمَا غَفَلُوا عَنْهُ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُؤَلِّفَ قُلُوبَ النَّاسِ لِطَاعَتِهِمْ، وَمِنَ النَّصِيحَةِ لَهُمْ: الصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ وَالْجِهَادُ مَعَهُمْ وَأَدَاءُ الصَّدَقَاتِ إِلَيْهِمْ، وَأَنْ لَا يُغْرِيَهُمْ بِالثَّنَاءِ الْكَاذِبِ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ بِالصَّلَاحِ، هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَئِمَّةِ الْخُلَفَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَقُومُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْوِلَايَةِ، وَمُجْمَلُ مَعْنَى الْإِمَامِ مَنْ لَهُ خِلَافَةُ الرَّسُولِ فِي إِقَامَةِ الدِّينِ
стр. 6845
بِحَيْثُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ عَلَى الْكُلِّ، وَقَدْ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ هُمْ عُلَمَاءُ الدِّينِ، وَأَنَّ مِنْ نَصِيحَتِهِمْ قَبُولَ مَا رَوَوْهُ، وَتَقْلِيدَهُمْ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِحْسَانَ الظَّنِّ بِهِمْ (وَعَامَّتِهِمْ) أَيْ: وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ تَرْكِ إِعَادَةِ الْعَامِلِ هُنَا إِشَارَةٌ إِلَى حَطِّ مَرْتَبَتِهِمْ بِسَبَبِ تَبَعِيَّتِهِمْ لِلْخَوَاصِّ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْمَعْمُولَاتِ مُسْتَقِلٌّ فِي قَصْدِ النَّصِيحَةِ، ثُمَّ نَصِيحَةُ الْعَامَّةِ بِإِرْشَادِهِمْ إِلَى مَصَالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَكَفِّ الْأَذَى عَنْهُمْ وَتَعْلِيمِهِمْ مَا يَنْفَعُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَإِعَانَتِهِمْ عَلَيْهِ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَسَتْرِ عَوْرَاتِهِمْ، وَسَدِّ خَلَّاتِهِمْ، وَدَفْعِ الْمَضَارِّ عَنْهُمْ، وَجَلْبِ الْمَنَافِعِ لَهُمْ، وَأَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ بِرِفْقٍ، وَتَوْقِيرِ كَبِيرِهِمْ وَرَحْمِ صَغِيرِهِمْ، وَتَخَوُّلِهِمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَتَرْكِ غِيبَتِهِمْ وَحَسَدِهِمْ وَالذَّبِّ عَنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، وَمُجْمَلُهُ أَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَيَكْرَهَ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الشَّرِّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَجُمَّاعُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ النَّصِيحَةَ هِيَ خُلُوصُ الْمَحَبَّةِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ وَالتَّحَرِّي فِيمَا يَسْتَدْعِيهِ حَقُّهُ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ نَفْسَهُ بِأَنْ يَنْصَحَهَا بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وَأَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى طَرِيقَتِهَا مُتَدَارِكَةً لِلْفُرُطَاتِ مَاحِيَةً لِلسَّيِّئَاتِ، وَيَجْعَلَ قَلْبَهُ مَحَلًّا لِلنَّظَرِ وَالْفِكْرِ، وَرُوحَهُ مُسْتَقَرًّا لِلْمَحَبَّةِ، وَسِرَّهُ مَنَصًّا لِلْمُشَاهَدَةِ، وَعَلَى هَذَا أَعْمَالُ كُلِّ عُضْوٍ مِنَ الْعَيْنِ بِأَنْ يَحْمِلَهَا عَلَى النَّظَرِ إِلَى الْآيَاتِ النَّازِلَةِ، وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ، وَاللِّسَانِ عَلَى النُّطْقِ بِالْحَقِّ وَتَحَرِّي الصِّدْقِ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَثَنَائِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ صَدْرَ الْحَدِيثِ فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُهُ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ، عَنْ ثَوْبَانَ وَالْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ أَحَدُ أَرْبَاعِ الْإِسْلَامِ أَيِ: الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تَجْمَعُ أُمُورَ الْإِسْلَامِ، فَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، بَلِ الْمَدَارُ عَلَى هَذَا وَحْدَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ أَنَّ النَّصِيحَةَ تُسَمَّى دِينًا وَإِسْلَامًا وَأَنَّ الدِّينَ يَقَعُ عَلَى الْعَمَلِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْقَوْلِ، وَقَالُوا: النَّصِيحَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَالنَّصِيحَةُ لَازِمَةٌ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ إِذَا عَلِمَ النَّاصِحُ أَنَّهُ تُقْبَلُ نَصِيحَتُهُ وَيُطَاعُ أَمْرُهُ، وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَكْرُوهَ، وَإِنْ خَشِيَ أَذًى فَهُوَ فِي سِعَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 6846
٤٩٦٧ - وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٩٦٧ - (وَعَنْ جَرِيرٍ) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ وَهُوَ الْبَجَلِيُّ (قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ) أَيْ: إِقَامَتِهَا وَإِدَامَتِهَا وَحَذْفُ تَاءِ الْإِقَامَةِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ لِلْإِطَالَةِ (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أَيْ: إِعْطَائِهَا وَتَمْلِيكِهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِكَوْنِهِمَا أُمَّيِ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ، وَهُمَا أَهَمُّ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ وَإِظْهَارِهَا. اهـ. لَا يُقَالُ لَعَلَّ غَيْرَهُمَا مِنَ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ لَمْ يَكُونَا وَاجِبَيْنِ حِينَئِذٍ ; لِأَنَّهُ أَسْلَمَ عَامَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَبَقَ فِي تَرْجَمَتِهِ ; وَلِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَمَنْ أَقَامَ عَلَى مُحَافَظَةِ الصَّلَوَاتِ وَمُدَاوَمَتِهَا، فَبِالْأَوْلَى أَنْ يُقِيمَ بِالصَّوْمِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي أَهْلِ الزَّمَانِ، وَالْحَجِّ مُرَكَّبٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ، فَمَنْ قَامَ بِهِمَا قَامَ بِهِ، لَا سِيَّمَا وَمَحَلُّهُ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ لَهَا أَوْقَاتًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ (وَالنُّصْحِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: وَبِالنَّصِيحَةِ (لِكُلِّ مُسْلِمٍ) أَيْ: مِنْ خَاصَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: رُوِيَ «أَنَّ جَرِيرًا ﵁ اشْتُرِيَ لَهُ فَرَسٌ بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ جَرِيرٌ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ: فَرَسُكَ خَيْرٌ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَتَبِيعُهُ بِأَرْبَعِمِائَةٍ؟ قَالَ: ذَلِكَ إِلَيْكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَقَالَ: فَرَسُكَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ أَتَبِيعُهُ بِخَمْسِمِائَةٍ؟ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَزِيدُهُ مِائَةً مِائَةً حَتَّى بَلَغَ ثَمَانِمِائَةٍ، فَاشْتَرَاهُ بِهَا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 6847
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٩٦٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ ﷺ يَقُولُ: " «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٩٦٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ) : أَيْ: فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ (الْمَصْدُوقَ) : أَيِ: الْمَشْهُودَ بِصِدْقِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﷺ : قَالَ الْمُظْهِرُ: الصَّادِقُ مَنْ صَدَقَ فِي قَوْلِهِ، وَتَحَرَّاهُ بِفِعْلِهِ، وَالْمَصْدُوقُ مَنْ صَدَقَهُ غَيْرُهُ. اهـ. وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: صَدَقْتَ، وَأَمَّا بِتَشْدِيدِ الدَّالِ فَالْمَفْعُولُ مِنْهُ مُصَدَّقٌ لَا مَصْدُوقٌ فَافْهَمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (يَقُولُ: لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: لَا تُسْلَبُ الشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَمِنْهُمْ نَفْسُهُ الَّتِي هِيَ أَوْلَى بِالشَّفَقَةِ وَالْمَرْحَمَةِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا، بَلْ فَائِدَةُ شَفَقَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ رَاجِعَةٌ إِلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] ، وَلِأَنَّ شَفَقَتَهُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ سَبَبٌ لِرَحْمَتِهِ تَعَالَى عَلَيْهِ لِمَا سَيَأْتِي: أَنَّ الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ. (إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ) : أَيْ: كَافِرٍ، أَوْ فَاجِرٍ يَتْعَبُ فِي الدُّنْيَا وَيُعَاقَبُ فِي الْعُقْبَى (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ. قُلْتُ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 6848
٤٩٦٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٩٦٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» ) : لِأَنَّهُمْ مَظَاهِرُهُ، وَمُتَخَلِّقُونَ بِأَخْلَاقِهِ (ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَتَى بِصِيغَةِ الْعُمُومِ ; لِيَشْمَلَ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْخَلْقِ فَيَرْحَمَ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ وَالنَّاطِقَ وَالْبُهْمَ وَالْوُحُوشَ وَالطَّيْرَ اهـ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِيرَادَ (مَنْ) لِتَغْلِيبِ ذَوِي الْعُقُولِ لِشَرَفِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ أَوْ لِلْمُشَاكَلَةِ الْمُقَابَلَةِ بِقَوْلِهِ: (يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) : وَهُوَ مَجْزُومٌ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: مِنْ مُلْكِهِ الْوَاسِعِ وَقُدْرَتِهِ الْبَاهِرَةِ فِي السَّمَاءِ، أَوْ مَنْ أَمْرُهُ نَافِذٌ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَخَصَّ السَّمَاءَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا أَوْ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُفْهَمُ بِالْأَوْلَى، أَوْ لِأَنَّ السَّمَاءَ مُحِيطَةٌ بِهَا وَهِيَ كَحَلَقَةٍ بِجَنْبِهَا فِي وَسَطِهَا فَلَا تُذْكَرُ مَعَهَا ; لِحَقَارَتِهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَنْ سَكَنَ فِيهَا وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِنَّهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينِ تَابُوا﴾ [غافر: ٧] الْآيَةَ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَقِيلَ: هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَيِ: ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ شَفَقَةً يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ تَفَضُّلًا، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ مُلْكُهُ وَقُدْرَتُهُ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَى السَّمَاءِ ; لِأَنَّهَا أَوْسَعُ وَأَعْظَمُ مِنَ الْأَرْضِ، أَوْ لِعُلُوِّهَا وَارْتِفَاعِهَا، أَوْ لِأَنَّهَا قِبْلَةُ الدُّعَاءِ وَمَكَانُ الْأَرْوَاحِ الْقُدْسِيَّةِ الطَّاهِرَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ أَيْ: يَحْفَظْكُمُ الْمَلَائِكَةُ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَالْمُؤْذِيَاتِ، بِأَمْرِ اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُوا لَكُمُ الرَّحْمَةَ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ. قُلْتُ: الْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْمُدَارُ عَلَيْهِ كَمَا أَشَارَ صَدْرُ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ رَحْمَةَ الْمَلَائِكَةِ فَرْعُ رَحْمَتِهِ تَعَالَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَزَادَ فِيهِ: " «الرَّحِمُ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ مَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ» " وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ. كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ. وَهَذَا هُوَ الْحَدِيثُ الْمُسَلْسَلُ بِالْأَوَّلِيَّةِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ وَبَيَّنَّا طَرِيقَهُ فِي بَحْثِ الْمُسَلْسَلِ مِنْ شَرْحِنَا عَلَى شَرْحِ النُّخْبَةِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ: وَالرَّحِمُ إِلَخْ.
стр. 6849
٤٩٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤٩٧٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ مِنَّا) أَيْ: مِنْ خَوَاصِّنَا وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّبْرِئَةِ: (مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ) : بِالْجَزْمِ وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَمْ يُوَقِّرْ أَيْ: لَمْ يُعَظِّمْ (كَبِيرَنَا) : وَهُوَ شَامِلٌ لِلشَّابِّ، وَالشَّيْخِ (وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ) : بِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى الْمَجْزُومِ وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) : وَهُوَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَأَمَّا إِثْبَاتُهُ عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ رِوَايَةً، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهُ دِرَايَةٍ فَتَأَمَّلْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَفِي نُسْخَةٍ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا، لَكِنْ بِلَفْظٍ: " «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا، فَلَيْسَ مِنَّا» ".
стр. 6850
٤٩٧١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا مِنْ أَجْلِ سِنِّهِ، إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ سِنِّهِ مَنْ يُكْرِمُهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٩٧١ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَكْرَمَ) أَيْ: مَا أَعْظَمَ وَوَقَّرَ (شَابٌّ شَيْخًا مِنْ أَجْلِ سِنِّهِ) أَيْ: كِبَرِ عُمُرِهِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ زِيَادَةُ عِلْمٍ وَعَمَلٍ مَعَ سَبْقِ إِيمَانِهِ، (إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ) : بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] أَيْ قَدَرٌ (لَهُ) أَيْ: لِلشَّابِّ (عِنْدَ سِنِّهِ) أَيْ: حَالِ كِبَرِهِ (مَنْ يُكْرِمُهُ) أَيْ: قَرِينًا يُعَظِّمُهُ وَيَخْدِمُهُ ; لِأَنَّ مَنْ خَدَمَ خُدِمَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى طُولِ عُمُرِ الشَّابِّ الْمُعَظِّمِ لِلشَّيْخِ الْمُكَرَّمِ، وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الْمُرِيدِينَ خَرَجَ مِنْ خُرَاسَانَ ; لِمُلَازِمَةِ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ وَكَانَ مَعَهُ مُدَّةً، فَجَاءَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَكَابِرِ ; لِزِيَارَةِ الشَّيْخِ، فَأَشَارَ الْمُرِيدُ أَنْ يُمْسِكَ دَوَابَّهُمْ، فَخَرَجَ الْمُرِيدُ إِلَى الْخِدْمَةِ، لَكِنْ خَطَرَ بِبَالِهِ أَنَّهُ مَعَ طُولِ مُدَّةِ السَّفَرِ وَاجْتِمَاعِهِ سِنِينَ مَعَ الشَّيْخِ فِي الْحَضَرِ هَذَا نَتِيجَتُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ الْأَكَابِرُ، وَدَخَلَ الْمُرِيدُ عِنْدَ الْأُسْتَاذِ، فَقَالَ: يَا وَلَدِي! سَيَأْتِيكَ الْأَكَابِرُ وَيُقَدِّرُ اللَّهُ لَكَ مَنْ يَخْدِمُهُمْ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَنَدِيمٌ الْبَارِيُّ عَبْدُ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ، نَفَعَنَا اللَّهُ مِنْ بَرَكَاتِهِمْ أَجْمَعِينَ، فَكَانَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ زَمَانٌ إِلَّا عَلَى بَابِهِ بَغْلٌ أَوْ فَرَسٌ ; لِكَثْرَةِ زِيَارَةِ الْأَكَابِرِ، هَذَا وَرَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِهَذَا الْمَنْصِبِ الْجَلِيلِ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِخِدْمَةِ الْحَبِيبِ وَعُمُرُهُ عَشْرُ سِنِينَ، وَقَدْ أَطَالَ اللَّهُ عُمُرَهُ، وَأَكْثَرَ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، فَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَثَلَاثُ سِنِينَ، وَوُلِدَ لَهُ مِائَةُ وَلَدٍ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
стр. 6851
٤٩٧٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ، وَحَامِلُ الْقُرْآنِ غَيْرَ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامُ السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٩٧٢ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ) أَيْ: تَعْظِيمِهِ وَتَكْرِيمِهِ وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي، كَمَا هُوَ مُتَعَيَّنٌ فِي قَوْلِهِ: (إِكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلُ الْقُرْآنِ) أَيْ: وَإِكْرَامُ قَارِئِهِ وَحَافِظِهِ وَمُفَسِّرِهِ (غَيْرَ الْغَالِي فِيهِ) : بِالْجَرِّ، أَيْ: غَيْرَ الْمُجَاوِرِ عَنِ الْحَدِّ لَفْظًا وَمَعْنًى كَالْمُوَسْوَسِينَ وَالشَّكَّاكِينَ أَوِ الْمُرَائِينَ أَوِ الْخَائِنِ فِي لَفْظِهِ بِتَحْرِيفِهِ كَأَكْثَرِ الْعَوَامِّ، بَلْ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَوْ فِي مَعْنَاهُ بِتَأْوِيلِهِ الْبَاطِلَ كَسَائِرِ الْمُبْتَدِعَةِ. (وَلَا الْجَافِي عَنْهُ) ، أَيْ: وَغَيْرَ الْمُتَبَاعِدِ عَنْهُ الْمُعْرِضِ عَنْ تِلَاوَتِهِ، وَأَحْكَامِ قِرَاءَتِهِ، وَإِتْقَانِ مَعَانِيهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ، وَقِيلَ: الْغُلُوُّ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّجْوِيدِ أَوِ الْإِسْرَاعُ فِي الْقِرَاءَةِ، بِحَيْثُ يَمْنَعُهُ عَنْ تَدَبُّرِ الْمَعْنَى، وَالْجَفَاءُ أَنْ يَتْرُكَهُ بَعْدَمَا عَلِمَهُ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ نَسِيَهُ، فَإِنَّهُ عُدَّ مِنَ الْكَبَائِرِ. فِي النِّهَايَةِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ» ، أَيْ: تَعَاهَدُوهُ، وَلَا تَبْعُدُوا عَنْ تِلَاوَتِهِ بِأَنْ تَتْرُكُوا قِرَاءَتَهُ وَتَشْتَغِلُوا
стр. 6852
بِتَفْسِيرِهِ وَتَأْوِيلِهِ، وَلِذَا قِيلَ: اشْتَغِلْ بِالْعِلْمِ بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُكَ عَنِ الْعَمَلِ، وَاشْتَغِلْ بِالْعَمَلِ بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُكَ عَنِ الْعِلْمِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ مَذْمُومٌ وَالْمَحْمُودُ هُوَ الْوَسَطُ الْعَادِلُ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يَغْلِبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ خِلَافًا لِمَنْ كَانَ عَكْسُهُ، فَإِنَّ الْبُعْدَ عَنْهُ أَفْضَلُ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: مَنْ قَالَ فِي هَذَا الزَّمَانِ سُلْطَانُنَا عَادِلٌ، فَهُوَ كَافِرٌ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو كُلُّ سُلْطَانٍ عَنْ نَوْعِ عَدْلٍ، وَتَحْقِيقُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ يَعْدِلُ وَبَيْنَ الْعَادِلِ، فَإِنَّ الثَّانِيَ يُطْلَقُ عُرْفًا عَلَى مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِالْعَدْلِ عَلَى طَرِيقِ الدَّوَامِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ الْمُصَلِّي وَفُلَانٌ الَّذِي يُصَلِّي، هَذَا وُفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ طَاوُسٌ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُوَقِّرَ أَرْبَعَةً: الْعَالِمَ وَذَا الشَّيْبَةِ وَالسُّلْطَانَ وَالْوَالِدَ. قُلْتُ: وَفِي مَعْنَاهُ الْوَالِدَةُ، وَالْمُرَادُ بِالْعَالِمِ: هُوَ الْجَامِعُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، كَمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: (حَامِلُ الْقُرْآنِ) . وَلَعَلَّ عَدَمَ ذِكْرِ الْوَالِدِ فِي الْحَدِيثِ لِظُهُورِهِ وَعُمُومِهِ، أَوْ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَجَانِبِ، فَإِذَا كَانَ الْأَبُ شَيْخًا وَحَامِلًا لِلْقُرْآنِ وَسُلْطَانًا ظَاهِرِيًّا فَيَزْدَادُ إِجْلَالُهُ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ تَعْظِيمُهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَرَوَى الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ «مِنَ الْإِجْلَالِ تَوْقِيرُ الشَّيْخِ مِنْ أُمَّتِي» ، وَلَعَلَّهُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَإِنَّ الشَّيْخَ يُطْلَقُ عَلَى ذِي الشَّيْبَةِ وَالْعَالِمِ وَالرَّئِيسِ، وَمِنْهُ مَا رُوِيَ: الشَّيْخُ فِي قَوْمِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ.
стр. 6853
٤٩٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٤٩٧٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ) أَيْ: فِيمَا بَيْنَ بُيُوتِهِمْ (بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ) ، بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ) أَيْ: يُؤْذَى بِالْبَاطِلِ، فَإِنَّ ضَرْبَهُ لِلتَّأْدِيبِ، وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ جَائِزٌ، فَهُمَا دَاخِلَانِ فِي الْإِحْسَانِ مَعْنًى، وَإِنْ كَانَ فِي الصُّورَةِ إِسَاءَةٌ وَالْعَكْسُ عَكْسٌ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : زَادَ فِي الْجَامِعِ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا» ، وَقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 6854
٤٩٧٤ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ " وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٤٩٧٤ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أَيِ: الْبَاهِلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ) : وَكَذَا حُكْمُ الْيَتِيمَةِ، بَلْ هِيَ الْأَوْلَى بِالْحِنِّيَّةِ ; لِضَعْفِهَا، ثُمَّ التَّنْكِيرُ يُفِيدُ الْعُمُومَ فَيَشْمَلُ الْقَرِيبَ، وَالْأَجْنَبِيَّ يَكُونُ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ. (لَمْ يَمْسَحْهُ) : حَالٌ مِنْ فَاعِلِ مَسَحَ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ (إِلَّا لِلَّهِ) أَيْ: لَا لِغَرَضٍ سِوَاهُ (كَانَ لَهُ) أَيْ: لِلْمَاسِحِ (بِكُلِّ شَعْرَةٍ) : بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَيُفْتَحُ أَيْ: بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ (يَمُرُّ) : بِالتَّذْكِيرِ وَيُؤَنَّثُ مِنَ الْمُرُورِ أَيْ: يَأْتِي (عَلَيْهَا) : وَكَذَا حُكْمُ مُحَاذِيهَا (يَدُهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: مِنَ الْإِمْرَارِ فَفَاعِلُهُ ضَمِيرُ الْمَاسِحِ وَيَدُهُ مَفْعُولُهُ (حَسَنَاتٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى اسْمِ كَانَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَسَنَاتِ مُخْتَلِفَةٌ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً بِاعْتِبَارِ تَحْسِينِ النِّيَّاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ كِنَايَةٌ عَنِ الشَّفَقَةِ وَالتَّلَطُّفِ إِلَيْهِ، وَلَمَّا لَمْ تَكُنِ الْكِنَايَةُ مُنَافِيَةً لِإِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ وَتُرِيدُ طُولَ قَامَتِهِ، مَعَ طُولِ عَلَاقَةِ سَيْفِهِ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ يَدُهُ. (وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ) : قِيلَ: " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ وَقَدَّمَ الْيَتِيمَةَ ; لِأَنَّهَا أَحْوَجُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْيَتِيمِ قَدْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ، فَفِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ جَبْرُ الْيَتِيمَةِ بِاللُّطْفِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُخَصَّ الْإِحْسَانُ بِالْإِنْعَامِ وَالْإِنْفَاقِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يُغَايِرُ مَعْنَى مُطْلَقِ الْإِحْسَانِ الشَّامِلِ لِلْمَسْحِ، فَـ (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ حِينَئِذٍ مَعَ احْتِمَالِ الشَّكِّ ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ غَالِبًا يَسْتَوِي فِيهَا الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ فَصْلٍ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى حِدَةٍ سَمِعَهُ الرَّاوِي، فَجَمَعَهُمَا فِي الْأَدَاءِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (عِنْدَهُ) : أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْيَتِيمُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ
стр. 6855
(كُنْتُ أَنَا وَهُوَ) أَيِ: الْمُحْسِنُ وَأَتَى بِضَمِيرِ الْفَصْلِ، لِيَصِحَّ الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ (فِي الْجَنَّةِ) : خَبَرُ كَانَ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ مُتَعَلِّقُهُ خَاصًّا يُوَافِقُ قَوْلَهُ: (كَهَاتَيْنِ) أَيْ: مُتَقَارِنَيْنِ فِي الْجَنَّةِ اقْتِرَانًا مِثْلَ هَاتَيْنِ الْأُصْبُعَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَهَاتَيْنِ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَقِرِّ فِي الْخَبَرِ، وَأَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَبَرَ، وَفِي الْجَنَّةِ ظَرْفٌ لَكُنْتُ كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ (وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ) أَيِ: الْمِسْبَحَةُ وَالْوُسْطَى. وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «مَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمٍ أَوْ يَتِيمَةٍ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ» " رَوَاهُ الْحَكِيمُ عَنْ أَنَسٍ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: " «مَنْ آوَى يَتِيمًا أَوْ يَتِيمَيْنِ، ثُمَّ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ» ".
стр. 6856
٤٩٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ آوَى يَتِيمًا إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ أَلْبَتَّةَ، إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ. وَمَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ أَوْ مِثْلَهُنَّ مِنَ الْأَخَوَاتِ فَأَدَّبَهُنَّ وَرَحِمَهُنَّ حَتَّى يُغْنِيَهُنَّ اللَّهُ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاثْنَتَيْنِ؟ قَالَ: " أَوِ اثْنَتَيْنِ " حَتَّى لَوْ قَالُوا: أَوْ وَاحِدَةً؟ لَقَالَ: وَاحِدَةً " وَمَنْ أَذْهَبَ اللَّهُ بِكَرِيمَتَيْهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا كَرِيمَتَاهُ؟ قَالَ: " عَيْنَاهُ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
٤٩٧٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ آوَى) : بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَيُقْصَرُ فَفِي النِّهَايَةِ: آوَى وَأَوَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْمَقْصُورُ مِنْهُمَا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ أَيْ ضَمَّ. (يَتِيمًا) : وَالْيَتِيمَةُ بِالْأُولَى أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ (إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ) أَيْ: سَوَاءٌ أَكَلَ مَعَهُ، أَمْ لَا وَالضَّمِيرَانِ لِمَنْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا لِلْيَتِيمِ، وَإِلَى بِمَعْنَى " مَعَ " فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي التَّرْغِيبِ وَيُفْهَمُ الْأَوَّلُ بِالْأَوْلَى (أَوْجَبَ) : أَيْ أَثْبَتَ (اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ) ، أَوْ أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمُقْتَضَى وَعْدِهِ (أَلْبَتَّةَ) ، أَيْ: إِيجَابًا قَاطِعًا بِلَا شَكٍّ وَشُبْهَةٍ (إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ) الْمُرَادُ مِنْهُ الشِّرْكُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَالَ شَارِحٌ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ أَيِ: الشِّرْكُ، وَقِيلَ مَظَالِمُ الْخَلْقِ. قُلْتُ: وَالْجَمْعُ هُوَ الْأَظْهَرُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْعِبَادِ لَا يُغْفَرُ بِمُجَرَّدِ ضَمِّ الْيَتِيمِ أَلْبَتَّةَ، مَعَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ حُقُوقِ الْعِبَادِ أَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ، نَعَمْ يَكُونُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، فَالتَّقْدِيرُ إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ أَوْ بِالِاسْتِحْلَالِ وَنَحْوِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ سَائِرَ الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تُغْفَرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَمَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ) أَيْ: تَعَهَّدَهُنَّ وَقَامَ بِمُؤْنَتِهِنَّ (أَوْ مِثْلَهُنَّ) أَيْ: فِي الْعَدَدِ (مِنَ الْأَخَوَاتِ فَأَدَّبَهُنَّ) أَيِ: الْبَنَاتِ أَوِ الْأَخَوَاتِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَرَحَمَهُنَّ) أَيْ: أَشْفَقَ عَلَيْهِنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ (حَتَّى يُغْنِيَهُنَّ اللَّهُ) : إِمَّا بِمَالٍ، أَوْ بِزَوْجٍ أَوْ بِمَوْتٍ (أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوِ اثْنَتَيْنِ) ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفُ تَلْقِينٍ أَيْ قُلْ أَوِ اثْنَتَيْنِ وَلِذَلِكَ (قَالَ: أَوِ اثْنَتَيْنِ) : قُلْتُ: وَ (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ أَوْ بِمَعْنَى " بَلْ " أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ لِلتَّشْرِيكِ فِي الْحُكْمِ، وَكَأَنَّ الْحُكْمَ الْإِلَهِيَّ كَانَ عَامًّا أَوْ مُطْلَقًا مُفَوَّضًا إِلَيْهِ فَاخْتَارَ الْأَكْثَرَ بِالذِّكْرِ تَرْغِيبًا، فَلَمَّا قِيلَ تَهْوِينًا لِلْأَمْرِ أَوِ اثْنَتَيْنِ قَالَ: أَوِ اثْنَتَيْنِ. (حَتَّى لَوْ قَالُوا) : أَيْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ الْقَائِلِ (أَوْ وَاحِدَةً) ؟ بِالنَّصْبِ (فَقَالَ: وَاحِدَةً) أَيْ (أَوْ وَاحِدَةً) قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى غَايَةِ الْمُرَافَقَةِ أَيْ: لَمْ يَزَلْ يُوَافِقُهُ فِي التَّنَزُّلِ حَتَّى لَوْ قَالَ أَوْ وَاحِدَةً لَوَافَقَهُ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ عَنْ حُكْمِ الثَّلَاثِ. وَقَالَ رَجُلٌ: أَوِ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ بِوَحْيٍ جَدِيدٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ حَتَّى لَوْ قَالُوا أَوْ وَاحِدَةً لَوَافَقَهُمْ بِنَاءً عَلَى عَادَةِ اللَّهِ الْجَارِيَةِ لِلْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ مِنْ كَمَالِ لُطْفِهِ وَكَرَمِهِ إِلَيْهِمْ بِبَرَكَتِهِ ﷺ وَنَظِيرُهُ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ؟» الْحَدِيثَ. اسْتَدْعَى أَنْ يَشْمَلَ الرَّحْمَةَ لِلْمُقَصِّرِينَ أَيْضًا، وَإِنَّمَا وَقَعَ الِالْتِمَاسُ التَّلْقِينِيُّ هُنَا ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا تُوجَدُ عِنْدَ شَخْصٍ ثَلَاثَةٌ أَوِ اثْنَتَانِ فَيَصِيرُ مَحْرُومًا مِنَ الثَّوَابِ وَهُمْ حَرِيصُونَ عَلَى تَحْصِيلِهِ مِنْ كُلِّ بَابٍ، كَمَا وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ
стр. 6857
وَلَدِهَا ثَلَاثَةً إِلَّا كُنَّ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ ". فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوِ اثْنَيْنِ فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ؟ ثُمَّ قَالَ: " وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ مُعَاذٍ: " «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يُتَوَفَّى لَهُمَا ثَلَاثَةٌ إِلَّا أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمَا " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوِ اثْنَانِ؟ قَالَ: " أَوِ اثْنَانِ ". قَالُوا: " أَوْ وَاحِدٌ ". قَالَ: " أَوْ وَاحِدٌ» ". وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ، فَإِنَّا فَرَطُهُ ; فَإِنَّهُمْ لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي، وَحَاصِلُهُ أَنَّ حُكْمَ الْبِنْتِ وَالْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ كَذَلِكَ، لَكِنَّهَا فِي الْمَرْتَبَةِ الْأَدْنَى، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِنْتٌ أَوْ أُخْتٌ فَلْيَتَعَهَّدْ يَتِيمَةً مِنَ الْأَقَارِبِ أَوِ الْأَجَانِبِ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ فَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ. (وَمَنْ أَذْهَبَ اللَّهُ كَرِيمَتَيْهِ) أَيْ عَيْنَيْهِ، وَالْمُرَادُ نُورُهُمَا وَهُوَ بِأَنْ خُلِقَ أَكْمَهَ أَوْ حَدَثَ لَهُ فِي الصِّغَرِ أَوِ الْكِبَرِ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: جَارِحَتَيْهِ الْكَرِيمَتَيْنِ عَلَيْهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُكْرَمُ عَلَيْكَ فَهُوَ كَرِيمُكَ وَكَرِيمَتُكَ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْكَرِيمَانِ: الْحَجُّ وَالْجِهَادُ، وَمِنْهُ «خَيْرُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ بَيْنَ كَرِيمَيْنِ» ، أَوْ مَعْنَاهُ بَيْنَ فَرَسَيْنِ يَغْزُو عَلَيْهِمَا، أَوْ بَعِيرَانِ يَسْتَقِي عَلَيْهِمَا، وَأَبَوَانِ كَرِيمَانِ مُؤْمِنَانِ، وَكَرِيمَتُكَ ابْنَتُكَ، وَكُلُّ جَارِحَةٍ شَرِيفَةٍ كَالْأُذُنِ، وَالْكَرِيمَتَانِ: الْعَيْنَانِ اهـ. فَتَأَمَّلْ. وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: بِكَرِيمَتَيْهِ، فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ فِيهَا، لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْدِيَةِ، وَالْمَعْنَى فَصَبَرَ عَلَى فَقْدِهِمَا وَشَكَرَ رَبَّهُ عَلَى سَائِرِ نِعَمِهِ. (وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ) . وَفِي نُسْخَةٍ إِلَّا أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا كَرِيمَتَاهُ؟ قَالَ: عَيْنَاهُ) : وَالظَّاهِرُ أَنْ يُرَادَ التَّثْنِيَةُ ; لِإِزَالَةِ كَمَالِ الثَّوَابِ وَإِلَّا فَقْدُ وَاحِدَةٍ أَيْضًا لَا يَخْلُو عَنِ الْمَثُوبَةِ (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوَيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ أَنَّ الْحَدِيثَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِجُمْلَتِهِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْهُ إِلَى قَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ. وَرَوَاهُ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْمَصَابِيحِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِتَمَامِهِ أَيْضًا إِلَّا قَوْلَهُ: إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ اهـ. فَالصَّوَابُ أَنْ يُنْسَبَ الْحَدِيثُ إِلَى الطَّبَرَانِيِّ فَيَتَوَجَّهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ فِي قُصُورِ تَتَبُّعِهِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «مَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ فَأَدَّبَهُنَّ وَزَوَّجَهُنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَفِيهِ أَيْضًا: " «مَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنْ كَانَ صَالِحًا» " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
стр. 6858
٤٩٧٦ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَنَاصِحٌ الرَّاوِي لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِالْقَوِيِّ.
ــ
٤٩٧٦ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) : ﵁ مَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ) أَيْ: وَاللَّهِ لَتَأْدِيبُ الرَّجُلِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ (وَلَدَهُ) أَيْ: تَأْدِيبًا وَاحِدًا لَيُلَائِمُ قَوْلَهُ: (خَيْرٌ لَهُ) أَيْ: لِلرَّجُلِ (مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ) . وَإِنَّمَا يَكُونُ خَيْرًا لَهُ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّهِ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِ الثَّانِي ; فَإِنَّهُ تَحْتَ الِاحْتِمَالِ، أَوْ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إِفَادَةٌ عِلْمِيَّةٌ حَالِيَّةٌ، وَالثَّانِي عَمَلِيَّةٌ مَالِيَّةٌ، أَوْ لِأَنَّ أَثَرَ الثَّانِي سَرِيعُ الْفَنَاءِ، وَنَتِيجَةَ الْأَوَّلِ طَوِيلَةُ الْبَقَاءِ، أَوْ لِأَنَّ الرَّجُلَ بِتَرْكِ الْأَوَّلِ قَدْ يُعَاقَبُ، وَبِتَرْكِ الثَّانِي لَمْ يُعَاقَبْ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَنَاصِحٌ الرَّاوِي لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِالْقَوِيِّ) . أَيْ: وَلَمْ يَعْرِفْ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ اهـ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَعَلَى تَقْدِيرِ ضَعْفِهِ يَعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ إِجْمَاعًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْدِيبِ هُنَا تَعْلِيمُ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُسْتَفَادٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْحَدِيثِيَّةِ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا " «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ» " وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي مِمَّا يَلِيهِ.
стр. 6859
٤٩٧٧ - وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ مِنْ نُحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا عِنْدِي حَدِيثٌ مُرْسَلٌ.
ــ
٤٩٧٧ - (وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى) أُمَوِيٌّ تَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ عَطَاءٍ وَمَكْحُولٍ وَطَبَقَتِهِمَا، وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ وَكَانَ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: مُوسَى بْنِ عَمْرٍو، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ أَوْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وُلِدَ عَامَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ أَحَدَ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ أَحَدُ الَّذِينَ كَتَبُوا الْمُصْحَفَ لِعُثْمَانَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ عَلَى الْكُوفَةِ، وَغَزَا بِالنَّاسِ طَبَرِسْتَانَ فَافْتَتَحَهَا وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا نَحَلَ) أَيْ: مَا أَعْطَى (وَالِدٌ وَلَدَهُ مِنْ نُحْلٍ) : بِضَمِّ النُّونِ وَيُفْتَحُ أَيْ عَطِيَّةً أَوْ إِعْطَاءً، فَفِي النِّهَايَةِ: النَّحْلُ الْعَطِيَّةُ وَالْهِبَةُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَلَا اسْتِحْقَاقٍ، يُقَالُ: نَحَلَهُ يَنْحَلُهُ نُحْلًا بِالضَّمِّ، وَالنِّحْلَةُ بِالْكَسْرِ الْعَطِيَّةُ. وَفِي الْقَامُوسِ: النِّحْلُ الشَّيْءُ الْمُعْطَى وَبِالضَّمِّ مَصْدَرُ نَحَلَهُ أَعْطَاهُ، وَالِاسْمُ النِّحْلَةُ بِالْكَسْرِ وَيُضَمُّ (أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ) . وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلْعُرْفِ الْمُوَافِقُ لِلشَّرْعِ قَالَ الطِّيبِيُّ: جَعَلَ الْأَدَبَ الْحَسَنَ مَنْ جِنْسِ الْمَالِ وَالْعَطَيَاتِ مُبَالَغَةً، كَمَا جَعَلَ اللَّهُ الْقَلْبَ السَّلِيمَ مَنْ جِنْسِ الْبَنِينَ وَالْمَالِ. فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] قُلْتُ وَالصَّحِيحُ فِي الْآيَةِ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ أَيْ: وَلَكِنَّ سَلَامَةَ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ تَنْفَعُهُ، أَوْ مُتَّصِلٌ وَالْمَعْنَى: الْآمَالُ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ وَبَنُوهُ حَيْثُ أَنْفَقَ مَالَهُ مِنَ الْبِرِّ، وَأَرْشَدَ بَنِيهِ إِلَى الْحَقِّ، وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَالُ وَالْبَنُونَ أَيْ: لَا يَنْفَعُ غِنَى الْأَغْنِيَاءِ، هَذَا وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ الْمُبَالَغَةِ لَا فِي الْحَدِيثِ، وَلَا فِي الْآيَةِ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّكَلُّفِ، فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: الْأَدَبُ خَيْرٌ مِنَ الذَّهَبِ، أَوِ الْبَشَرِ خَيْرٌ مِنَ الْمُلْكِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ أَحْسَنٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى جَعْلِ أَحَدِهِمَا مِنْ جِنْسِ الْآخَرِ، إِذْ مَعْنَى الْكَلَامِ تَامٌّ بِدُونِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ عِنْدِي مُرْسَلٌ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: عِنْدِي يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ عَنْ جَدِّهِ يُوهِمُ الِاتِّصَالَ وَالْإِرْسَالَ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَدُّ أَيُّوبَ وَهُوَ عَمْرٌو، فَيَكُونُ مُرْسَلًا، وَأَنْ يَكُونَ جَدُّ أَبِيهِ وَهُوَ سَعِيدٌ صَحَابِيًّا، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَوَى الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ فِي تَارِيخِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُ جَدِّ أَيُّوبَ، فَوَافَقَ التِّرْمِذِيُّ الْبُخَارِيَّ وَقَالَ: هَذَا عِنْدِي مُرْسَلٌ. وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ حَيْثُ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مُرْسَلٌ حَيْثُ قَالَ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، هَذَا وَكَلَامُ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ لَهُ سَمَاعُ جَدِّ أَيُّوبَ إِنْ أَرَادَ بِهِ جَدَّهُ الْكَبِيرَ، فَلَا يَضُرُّ الْحَدِيثَ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ جَدَّهُ بِلَا وَاسِطَةٍ فَهُوَ الْمُرْسَلُ الْمُتَعَارَفُ، لَكِنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
стр. 6860
٤٩٧٨ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بْنُ ذُرَيْعٍ إِلَى الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ " امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا، ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجِمَالٍ، حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٩٧٨ - (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَيُفْتَحُ بِتَقْدِيرِ هِيَ أَوْ أَعْنِي أَيْ: مُتَغَيِّرَةُ لَوْنِ الْخَدَّيْنِ، لِمَا يُكَابِدُهَا مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالضَّنْكِ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِاعْتِبَارِ غَالِبِ حَالِهَا لِيَصِحَّ الْإِطْلَاقُ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: " «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ هَكَذَا» ". (كَهَاتَيْنِ) أَيْ: مِنَ الْأُصْبُعَيْنِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَوْمَأَ) : بِهَمْزٍ فِي آخِرِهِ مِنْ وَمَأَ إِلَيْهِ أَشَارَ كَأَوْمَأَ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ مَادَّةُ وَمِ يَ فَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أُومِيَ بِالْيَاءِ لَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِالْإِبْدَالِ وَإِبْدَالُ الْقَامُوسِ الْهَمْزَ الْمُتَحَرِّكَ ضَعِيفٌ عِنْدَ قَوْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَشَارَ (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) : بِضَمِّ زَايٍ وَفَتْحِ رَاءٍ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (إِلَى الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ) أَيْ: بَيَانًا لِهَاتَيْنِ (امْرَأَةٌ) أَيْ: هِيَ فَهِيَ خَبَرُهَا
стр. 6861
مَحْذُوفُ (آمَتْ) : بِمَدِّ هَمْزَةٍ وَتَخْفِيفِ مِيمٍ أَيْ: صَارَتْ أَيِّمًا بِأَنْ فَارَقَتْ (مِنْ زَوْجِهَا) بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ (ذَاتُ مَنْصِبٍ) : بِكَسْرِ الصَّادِ أَيْ: صَاحِبَةُ نِسَبٍ أَوْ حَسَبٍ (وَجَمَالٍ) أَيْ: كَمَالِ صُورَةٍ وَسِيرَةٍ فَهِيَ صِفَةٌ لِامْرَأَةٍ، وَأُرِيدَ بِهَا كَمَالُ الثَّوَابِ وَلَيْسَتْ لِلِاحْتِرَازِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا هَذِهِ مَعَ الصِّفَةِ الْمَرْغُوبَةِ الْمَطْلُوبَةِ لِكُلِّ أَحَدٍ (حَبَسَتْ نَفْسَهَا) : فَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ أَوْ صِفَةٌ أُخْرَى أَوْ حَالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أَوْ بِدُونِهِ أَيْ: مَنَعَتْهَا عَنِ الزَّوَاجِ صَابِرَةً أَوْ شَفَقَةً (عَلَى يَتَامَاهَا) . وَقَالَ شَارِحٌ: أَيِ اشْتَغَلَتْ بِخِدْمَةِ الْأَوْلَادِ، وَعَمِلَتْ لَهُمْ، فَكَأَنَّهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا أَيْ: وَقَفَتْ عَلَيْهِمْ وَفِي نُسْخَةٍ: عَلَى أَيْتَامِهَا (حَتَّى بَانُوا) أَيْ: إِلَى أَنْ كَبِرُوا وَحَصَلَتْ لَهُمُ الْإِبَانَةُ، أَوْ وَصَلُوا إِلَى مَرْتَبَةِ كَمَالِهِمْ، فَإِنَّ الْبَيْنَ مِنَ الْأَضْدَادِ بِمَعْنَى الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ حَتَّى فَضَلُوا، وَزَادُوا قُوَّةً وَعَقْلًا وَاسْتَقَلُّوا بِأَمْرِهِمْ مِنَ الْبَوْنِ وَهُوَ الْفَضْلُ وَالْمَزِيَّةُ (أَوْ مَاتُوا) أَيْ: أَوْ مَاتَتْ فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَقَالَ الْقَاضِي قَوْلُهُ: (امْرَأَةٌ آمَتْ) إِلَخْ بَدَلٌ مُجْرَى مَجْرَى الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ، وَآمَتِ الْمَرْأَةُ أَيْمَةً وَأُيُومًا إِذَا صَارَتْ بِلَا زَوْجٍ وَقَوْلُهُ: (حَتَّى بَانُوا) أَيِ اسْتَقَلُّوا بِأَمْرِهِمْ وَانْفَصَلُوا عَنْهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: التَّنْكِيرُ فِي (امْرَأَةٌ) لِلتَّعْظِيمِ وَقَوْلُهُ (سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ) نُصِبَ أَوْ رُفِعَ عَلَى الْمَدْحِ وَهُوَ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6862
٤٩٧٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا وَلَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا - يَعْنِي الذُّكُورَ - أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٩٧٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى) أَيْ: بِنْتٌ أَوْ أُخْتٌ (فَلَمْ يَئِدْهَا) : عَلَى وَزْنِ يَعِدْهَا أَيْ: لَمْ يَدْفِنْهَا حَيَّةً كَمَا هُوَ عَادَةُ الْجَاهِلِيَّةِ ; لِلْفِرَارِ عَنِ الْفَقْرِ أَوِ الْعَارِ (وَلَمْ يُهِنْهَا) : مِنَ الْإِهَانَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ - يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩] فَالْمَعْنَى: وَلَمْ يُمْسِكْهَا عَلَى هَوَانٍ وَمَذَلَّةٍ وَحَقَارَةٍ وَمَشَقَّةٍ (وَلَمْ يُؤْثِرْ) : مِنَ الْإِيثَارِ أَيْ: لَمْ يَخْتَرْ (وَلَدَهُ) أَيْ: صَبِيَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الْأُنْثَى، وَلَمَّا كَانَ الْوَلَدُ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى الِابْنِ وَالْبِنْتِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيَّ ﵇ بِالْوَلَدِ (الذُّكُورَ) . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ لِغَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ تَفْسِيرُ الْوَلَدِ بِالذُّكُورِ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ اسْمُ جِنْسٍ، أَوِ الْجِنْسِيَّةُ هُنَا مُسْتَفَادَةٌ مِنَ الْإِضَافَةِ، وَلَعَلَّ الْعُدُولَ فِي التَّفْسِيرِ عَنِ الذَّكَرِ إِلَى الذُّكُورِ تَحَاشِيًا عَنْ ذِكْرِ الذَّكَرِ فَتَدَبَّرْ. (أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ) أَيْ: مَعَ السَّابِقِينَ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي وَضْعِ الْأُنْثَى مَوْضِعَ الْبِنْتِ تَحْقِيرٌ لِشَأْنِهَا، كَمَا وُضِعَ الْوَلَدُ مَوْضِعَ مَكَانِ الِابْنِ تَعْظِيمًا لَهُ إِيذَانًا بِمُخَالِفَةٍ عَظِيمَةٍ لِهَوَى النَّفْسِ، وَإِيثَارِ رِضَا اللَّهِ عَلَى رِضَاهُ، وَلِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ دُخُولُ الْجَنَّةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 6863
٤٩٨٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنِ اغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ فَنَصَرَهُ، نَصْرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَإِنْ لَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ ; أَدْرَكَهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
٤٩٨٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنِ اغْتِيبَ) : يَجُوزُ كَسْرُ النُّونِ وَضَمِّهَا وَصَلًا أَيْ مِنْ تَكَلَّمٍ بِالْغِيبَةِ (عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ مَنْ (فَنَصَرَهُ) ، عَطْفٌ عَلَى الشَّرْطِ أَيْ: فَمَنَعَهُ وَدَفَعَهُ وَجَزَاؤُهُ (نَصَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ، أَدْرَكَهُ اللَّهُ) أَيْ: عَاقَبَهُ (بِهِ) أَيْ: بِسَبَبِ عَدَمِ نَصْرِهِ عِنْدَ وُجُودِ قُدْرَتِهِ (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : وَفَى سَنَدِهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدٌ يُقَوِّي بِهَا نَقْلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
стр. 6864
٤٩٨١ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِالْمَغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٤٩٨١ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) أَيِ: ابْنُ السَّكَنِ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ ذَبَّ) أَيْ: دَفَعَ (عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ) : كِنَايَةٌ عَنْ غَيْبَتِهِ عَلَى طِبْقِ الْآيَةِ، وَالْمَعْنَى مَنْ دَفَعَ أَوْ مَنْ مَنَعَ مُغْتَابًا عَنْ غِيبَةِ أَخِيهِ (بِالْمَغِيبَةِ) أَيْ: فِي زَمَانِ كَوْنِ أَخِيهِ غَائِبًا وَهُوَ مَصْدَرٌ أَوِ اسْمُ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ قِيلَ مَنْ ذَبَّ عَنْ غَيْبَةِ أَخِيهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَعَلَى هَذَا بِالْمَغِيبَةِ ظَرْفٌ، وَيَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ حَالًا، وَفِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْغَيْبَةَ كَأَكْلِ لَحْمِ الْإِنْسَانِ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ، بَلْ جَعَلَهَا كَلَحْمِ أَخِيهِ ; لِأَنَّهُ أَشَدُّ نِفَارًا مِنْ لَحْمِ الْأَجَانِبِ، وَزَادَ فِي الْمُبَالَغَةِ حَيْثُ جَعَلَ الْأَخَ مَيْتًا. (كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ) أَيْ: ثَابِتًا عِنْدَهُ أَوْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، بِمُقْتَضَى وَعْدِهِ (أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ) . وَهُوَ إِمَّا فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ قَبْلَ دُخُولِهَا أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْعُقُوبَةِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَفِي التَّصْحِيحِ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَمُحْيِي السُّنَّةِ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ نَقْلَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْمَغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَقِيَهُ مِنَ النَّارِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ.
стр. 6865
٤٩٨٢ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
٤٩٨٢ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ» ) أَيْ: يَمْنَعُ عَنْ غَيْبَةِ أَخِيهِ مَثَلًا (إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ) أَيْ: يَصْرِفُ (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الرَّادِّ (نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ تَلَا) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ اسْتِشْهَادًا، أَوْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَرَأَ أَبُو الدَّرْدَاءِ اعْتِضَادًا ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا إِلَخْ اسْتِشْهَادٌ لِقَوْلِهِ: إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ، وَالضَّمِيرُ فِي عَنْهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُسْلِمِ الذَّابِّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ أَتَى بِالْعَامِّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مِنْ سَبَقَ لَهُ الْكَلَامُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ لَوْ قِيلَ عَلَيْهِمْ لِمَوْقِعِ الْكِنَايَةِ اهـ. وَلَا خَفَاءَ أَنْ " مَا " فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ نَافِيَةٌ وَ " مِنْ " مَزِيدَةٌ ; لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ، فَالْحُكْمُ عَامٌّ شَامِلٌ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مِنْ سَبَقَ لَهُ الْكَلَامُ لِيَدْخُلَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، وَأَمَّا الْآيَةُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ حِكْمَةَ الْعُدُولِ عَنْ عَلَيْهِمْ إِلَى عَلَى الْكَافِرِينَ ; لِيَخْرُجَ مَنْ سَيُؤْمِنُ مِنْهُمْ وَيَدْخُلُ فِيهِمْ غَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ الْكُفَّارِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَنْبِيهِ نَبِيِّهِ عَلَى أَنَّ لَعْنَ الْأَحْيَاءِ مِنَ الْكُفَّارِ غَيْرُ جَائِزٍ إِذَا كَانُوا قَوْمًا مَحْصُورِينَ ; لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْخَاتِمَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ وَاحِدٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] فَفِيهِ أَنَّ الصَّوَابَ كَوَّنَ مَفْهُومُهُمَا لُغَةً وَشَرِيعَةً مُتَغَايِرَيْنِ عَلَى مَا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ تَغَايُرِ تَعْرِيفِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، نَعَمْ مَاصَدَقُهُمَا وَاحِدٌ فِي اعْتِبَارِ عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ بِحَيْثُ يُطْلِقُ كُلُّ مَوْضِعٍ الْآخَرَ ; لِأَنَّ انْقِيَادَ الظَّاهِرِ بِدُونِ انْقِيَادِ الْبَاطِنِ غَيْرٌ صَحِيحٍ، وَكَذَا الْعَكْسُ. فَلَا بُدَّ مِنْ تُحَقُّقِهِمَا، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ عَدَمُ انْقِيَادِ الظَّاهِرِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَرْكِهِ كَسَلًا وَإِعْرَاضًا، فَمَنْ تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا أَوْ قَتَلَ نَفْسًا غَيْرُ مُعْتَقِدٍ وُجُوبَ الْأَوَّلِ وَحُرْمَةَ الْآخَرِ كَانَ كَافِرًا، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْفَارِقُ بَيْنَ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَبَيْنَ مَشْرَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ، وَسَائِرِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَالْبِدْعَةِ. (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) .
следующие страницы →