← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

قَالَ الطِّيبِيُّ: أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِهَذَا أَنَّ رَاوِي الْحَدِيثِ فِي الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ، هُوَ حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ. وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ وَهْبٍ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ: لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ فِي الصَّحَابَةِ، فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ حِينَئِذٍ أَيْ: إِنْ صَحَّ كَوْنُهُ تَابِعِيًّا، وَكَذَا قَوْلُ الَّذِي جَمَعَ وَمَنَعَ لَيْسَ فِي الْأُصُولِ، وَقَدْ أُثْبِتَ فِي حَوَاشِي الْمَصَابِيحِ، فَأُلْحِقَ بِالْمَتْنِ وَكَذَا قَوْلُهُ: الْغَلِيظُ الْفَظُّ فِي الْمَصَابِيحِ تَفْسِيرٌ لِلْجَعْظَرِيِّ، وَفِي الْأُصُولِ تَفْسِيرٌ لِلْجَوَّاظِ. تَمَّ كَلَامُهُ. وَفِي الْجَامِعِ بِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: " «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ جَمَّاعٍ مَنُوعٍ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ مِسْكِينٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ".

стр. 7002

٥٠٨١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ أَثْقَلَ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُلُقٌ حَسَنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ. ــ ٥٠٨١ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَثْقَلَ شَيْءٍ يُوضَعُ) أَيْ: ثَوَابُهُ وَصَحِيفَتُهُ أَوْ عَيْنُهُ الْمُجَسِّدُ (فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَلُقٌ حَسَنٌ) : فَإِنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّهُ وَيَرْضَى عَنْ صَاحِبِهِ (وَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحْشَ) أَيْ: لِفُحْشِهِ أَيْ: وَالْفُحْشُ أَيْضًا (الْبَذِيءُ) : فَعِيلٌ مِنَ الْبِذَاءِ، وَهُوَ ضِدُّ الْحَيِيِّ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَقَامِ، وَفِي الْغَرِيبَيْنِ رَجُلٌ بَذِيءٌ أَيْ فَاحِشٌ سَيِّئُ الْخُلُقِ اهـ. وَفِي الْمُقَرَّرِ أَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ مَبْغُوضًا لِلَّهِ لَيْسَ لَهُ وَزْنٌ وَقَدْرٌ كَمَا أَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ مَحْبُوبًا لَهُ يَكُونُ عِنْدَهُ عَظِيمًا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكُفَّارِ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: " «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» " وَبِهَذَا تَمَّتِ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ الْقَرِينَتَيْنِ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أُوقِعَ قَوْلُهُ: وَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ: إِنَّ أَثْقَلَ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ أَخَفَّ مَا يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ هُوَ سُوءُ الْخُلُقِ، وَأَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ أَحَبُّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ اللَّهِ وَالْخُلُقُ السَّيِّئُ أَبْغَضُهَا لِأَنَّ الْفُحْشَ وَالْبَذَاءَةَ أَسْوَأُ شَيْءٍ فِي مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ (رَوَاهُ) أَيِ: الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ (التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) أَيِ: الْقَرِينَةُ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ» ، وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْمُعْبِسَ فِي وُجُوهِ إِخْوَانِهِ» .

стр. 7003

٥٠٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ وَصَائِمِ النَّهَارِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٥٠٨٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ) أَيِ: الْكَامِلَ وَهُوَ الْعَالِمُ الْعَامِلُ (يُدْرِكَ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ) أَيْ: فِي الطَّاعَةِ (وَصَائِمِ النَّهَارِ) : قَالَ الْحَسَنُ: حُسْنُ الْخُلُقِ بَسْطُ الْوَجْهِ وَبَذْلُ النَّدَى، وَكَفُّ الْأَذَى. وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ: هُوَ أَنْ لَا يُخَاصِمَ وَلَا يُخَاصَمَ مِنْ شِدَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ أَيْضًا: هُوَ إِرْضَاءُ الْخَلْقِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. وَقَالَ سَهْلٌ: أَدْنَى حُسْنِ الْخُلُقِ الِاحْتِمَالُ وَتَرْكُ الْمُكَافَأَةِ وَالرَّحْمَةُ لِلظَّالِمِ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: " دَرَجَةَ الْقَائِمِ الصَّائِمِ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهَا.

стр. 7004

٥٠٨٣ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٥٠٨٣ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ) أَيِ: الْغِفَارِيُّ رَابِعُ الْإِسْلَامِ أَوْ خَامِسُهُ، زَادَ النَّوَوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ: وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: مُخْتَصًّا لِي بِخِطَابِهِ وَهُوَ لَا يُنَافِي التَّعَدُّدَ لِاحْتِمَالِ اخْتِلَافِ الْمَجْلِسِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْأَرْبَعِينَ. (اتَّقِ اللَّهَ) أَيْ: بِالْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ سَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ، فَإِنَّ التَّقْوَى أَسَاسُ الدِّينِ، وَبِهِ يَرْتَقِي إِلَى مَرَاتِبِ الْيَقِينِ، ثُمَّ التَّحْقِيقُ أَنَّ التَّقْوَى أَدْنَاهَا التَّبَرُؤُ عَنِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وَأَعْلَاهَا

стр. 7005

الْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهُ، وَمَا بَيْنَهُمَا مَرَاتِبُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِنْ تَرْكِ الْمَحْظُورِ، ثُمَّ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ الْمُبَاحِ مِمَّا لَا يَعْنِي، لِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْحَالِ: مَنْ عَرَفَ اللَّهُ فَلَمْ تُغْنِهِ ... مَعْرِفَةُ اللَّهِ فَذَاكَ الشَّقِي مَا يَصْنَعُ الْعَبْدُ بِعِزِّ الْغِنَى ... فَالْعِزُّ كُلُّ الْعِزِّ لِلْمُتَّقِي (حَيْثُمَا كُنْتَ) أَيْ: فِي الْخَلَاءِ وَفِي النَّعْمَاءِ وَالْبَلَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِسِرِّ أَمْرِكَ كَمَا أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى ظَوَاهِرِكَ، فَعَلَيْكَ بِرِعَايَةِ دَقَائِقِ الْأَدَبِ فِي حِفْظِ أَوَامِرِهِ وَمَرَاضِيهِ، وَالِاحْتِرَازِ عَنْ مَسَاخِطِهِ وَمَسَاوِيهِ، وَعَنْ دَاوُدَ الطَّائِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ صَوْتًا مِنْ قَبْرٍ: أَلَمْ أُزَكِّ أَلَمْ أُصَلِّ أَلَمْ أَصُمْ أَلَمْ أَفْعَلْ كَذَا؟ أُجِيبَ: بَلَى يَا عَبْدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ إِذَا خَلَوْتَ بَارَزْتَهُ بِالْمَعَاصِي وَلَمْ تُرَاقِبْهُ. (وَأَتْبِعِ) : أَمْرٌ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ: هُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ (السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ) أَيِ: التَّوْبَةَ وَالطَّاعَةَ مُطْلَقًا، أَوْ بِأَنْ تُبَاشِرَ حَسَنَاتٍ تُضَادُّ آثَارُهَا تِلْكَ السَّيِّئَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَسَمَاعُ الْمَلَاهِي يُكَفَّرُ بِسَمَاعِ الْقُرْآنِ وَبِمَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْوَعْظِ عَنِ الْمَنَاهِي، وَشُرْبُ الْخَمْرِ يُكَفَّرُ بِالصِّدْقِ بِكُلِّ شَرَابٍ حَلَالٍ، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ لِأَنَّ الْمَرَضَ يُعَالَجُ بِضِدِّهِ، وَالْمُتَضَادَّاتُ هِيَ الْمُنَاسَبَاتُ، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَمْحُوَ كُلَّ سَيِّئَةٍ بِحَسَنَةٍ مِنْ جِنْسِهَا لَنْ تُضَادَّهَا، فَالْبَيَاضُ يُزَالُ بِالسَّوَادِ لَا بِغَيْرِهِ، وَحُبُّ الدُّنْيَا لِأَنَّ أَثَرَ السُّرُورِ بِهَا فِي الْقَلْبِ، فَلَا جَرَمَ كَفَّارَتُهُ كُلُّ أَذًى يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ اهـ. وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ حُسْنُ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ حُبِّ الدُّنْيَا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ لِأَنَّ الْهَمَّ وَالْغَمَّ لَيْسَا مِنَ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْمُرَادُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ، عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَتْبِعِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ مُقَابَلَةَ حُبِّ الدُّنْيَا بِضِدِّهَا، وَهُوَ بُغْضُهَا بِأَنْ يَتَصَدَّقَ وَلَوْ بِبَعْضِهَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي مَحْوِ السَّيِّئَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَقَدْ وَرَدَتِ الْآيَةُ فِيمَنْ قَبَّلَ امْرَأَةً، ثُمَّ صَلَّى مَعَهُ ﷺ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَمْحُهَا) أَيْ: تَدْفَعُ الْحَسَنَةُ السَّيِّئَةَ وَتَرْفَعُهَا وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ، وَالْمُرَادُ يَمْحُو اللَّهُ بِهَا آثَارَهَا مِنَ الْقَلْبِ أَوْ مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ، هَذَا إِذَا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَبْدِ فَتُدْفَعُ الْحَسَنَةُ إِلَى خَصْمِهِ عِوَضًا عَنِ الْمَظْلِمَةِ أَوْ يُرْضِيهِ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي وَأَحْسَنَ إِلَيَّ إِلَّا أَنَّهُ حَاسَبَنِي حَتَّى طَالَبَنِي بِيَوْمٍ كُنْتُ صَائِمًا، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ أَخَذْتُ حِنْطَةً مِنْ حَانُوتِ صَدِيقٍ لِي فَكَسَرْتُهَا فَذَكَرْتُ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِي، فَأَلْقَيْتُهَا عَلَى حِنْطَتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ حَسَنَاتِي بِمِقْدَارِ أَرْشِ كَسْرِهَا. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: صَغَائِرُ الذُّنُوبِ تَقَعُ مُكَفَّرَةً بِالْحَسَنَاتِ، وَكَذَا مَا خُفِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وَالْحَدِيثِ، أَمَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَتَحَقَّقَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَلَا يَسْقُطُ حَدُّهَا وَلَا بِالتَّوْبَةِ، وَلَمَّا وَصَّاهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِصْلَاحِ نَفْسِهِ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ فَقَالَ: (وَخَالِقِ النَّاسَ) : أَمْرٌ مِنَ الْمُخَالَقَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخُلُقِ مَعَ الْخَلْقِ أَيْ: خَالِطْهُمْ وَعَامِلْهُمْ (بِخُلُقٍ حَسَنٍ) : وَهُوَ بَسْطُ الْمُحَيَّا وَبَذْلُ النَّدَى وَتَحَمُّلُ الْأَذَى (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَفِي الْأَرْبَعِينَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ. كَلَامُهُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعَاذٍ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَنَسٍ.

стр. 7006

٥٠٨٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ وَبِمَنْ تَحْرُمُ النَّارُ عَلَيْهِ؟ عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ قَرِيبٍ سَهْلٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٠٨٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ) : بِضَمِّ الرَّاءِ (عَلَى النَّارِ) أَيْ: يُمْنَعُ عَنْهَا (وَبِمَنْ تَحْرُمُ النَّارُ عَلَيْهِ؟) : زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ، وَإِلَّا فَالْمَعْنَيَانِ مُتَلَازِمَانِ، وَلَمَّا كَانَ مَآلُهُمَا

стр. 7007

وَاحِدًا اكْتَفَى بِالْجَوَابِ عَنِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ الْمُعَوِّلُ وَالثَّانِي مُؤَكِّدٌ مُحْمَلٌ مُجْمَلٌ فَقَالَ قَبْلَ قَوْلِهِمْ: بَلَى (عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ) : بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ فِيهِمَا أَيْ: تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ سَهْلٍ طَلْقٍ حَلِيمٍ لَيِّنِ الْجَانِبِ، قِيلَ: هُمَا يُطْلَقَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ بِالتَّثْقِيلِ وَالتَّخْفِيفِ، وَعَلَى غَيْرِهِ بِالتَّشْدِيدِ، وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ بِالتَّخْصِيصِ لِلْمَدْحِ وَبِالتَّشْدِيدِ لِلذَّمِّ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: هَيِّنٌ فَعِيلٌ مِنَ الْهَوْنِ وَهُوَ السُّكُونُ وَالْوَقَارُ وَالسُّهُولَةُ فَعَيْنُهُ وَاوٌ، فَأُبْدِلَتْ وَأُدْغِمَتْ، وَأَمَّا اللَّيِّنُ فَيَأْتِي (قَرِيبٌ) أَيْ: مِنَ النَّاسِ بِمُجَالَسَتِهِمْ فِي مَحَافِلِ الطَّاعَةِ وَمُلَاطَفَتِهِمْ قَدْرَ الطَّاعَةِ (سَهْلٌ) أَيْ: فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ سَمْحُ الْقَضَاءِ سَمْحُ الِاقْتِضَاءِ سَمْحُ الْبَيْعِ سَمْحُ الشِّرَاءِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْمُؤْمِنَ الْكَامِلِ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ هَذَا جَوَابٌ عَنِ السُّؤَالَيْنِ وَالْجَوَابُ الظَّاهِرُ عَنْهُمَا كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ، ثُمَّ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يُقَالَ عَنِ الْأَوَّلِ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ، وَعَلَى الثَّانِي تَحْرُمُ النَّارُ عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ، فَأَتَى بِجَوَابٍ مُوجَزٍ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا بِالتَّفْصِيلِ وَلَوْ أَتَى بِهِ كَمَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ وَهُوَ قَوْلُهُ: كُلِّ هَيِّنٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَى التَّفْصِيلِ اهـ. وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْهُ، فَإِنَّ دَلَالَةَ مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ عَلَى التَّفْصِيلِ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَةِ الْجَوَابِ الْمُوجَزِ عِنْدَهُ عَلَيْهِ، كَمَا يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ حِينَئِذٍ هُوَ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ، وَيَكُونُ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْوَصْفَيْنِ، وَهُوَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ، وَمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ، بَلْ لَوْ حَقَّقْتَ النَّظَرَ وَدَقَّقْتَ التَّأَمُّلَ لَوَجَدْتَ أَنَّ جَوَابَهُ الْمُوجِزَ عَلَى زَعْمِهِ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ أَصْلًا، بَلْ دَلَالَتُهُ إِجْمَالِيَّةٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أَيْ: وَالْبَرْدَ، فَكَذَلِكَ هُنَا يُقَدَّرُ: وَعَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ الْقَرِينَةَ الثَّانِيَةَ زَائِدَةٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ غَدًا عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ قَرِيبٍ سَهْلٍ» ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) : وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ جَابِرٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

стр. 7008

٥٠٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالْفَاجِرُ خَبٌّ لَئِيمٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٥٠٨٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْمُؤْمِنُ) أَيْ: الْبَارُّ (غِرٌّ) : بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (كَرِيمٌ) أَيْ: مَوْصُوفٌ بِالْوَصْفَيْنِ أَيْ: لَهُ الِاغْتِرَارُ لِكَرَمِهِ، وَلَهُ الْمُسَامَحَةُ فِي حُظُوظِ الدُّنْيَا لَا لِجَهْلِهِ (وَالْفَاجِرُ خَبٌّ) : بِفَتْحِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَتُكْسَرُ وَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ: خَدَّاعٌ (لَئِيمٌ) أَيْ: بَخِيلٌ لَجُوجٌ سَيِّئُ الْخُلُقِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا الْوَصْفُ الثَّانِي سَبَبٌ لِلْأَوَّلِ؟ وَهُوَ نَتِيجَةُ الثَّانِي فَتَأَمَّلْ، فَكِلَاهُمَا مِنْ بَابِ التَّذْيِيلِ وَالتَّكْمِيلِ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: لَيْسَ بِذِي مَكْرٍ فَهُوَ يَنْخَدِعُ لِانْقِيَادِهِ وَلِينِهِ وَهُوَ ضِدُّ الْخَبِّ، يُرِيدُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْمَحْمُودَ مِنْ طَبْعِهِ الْغِرَارَةُ وَقِلَّةُ الْفِطْنَةِ لِلشَّرِّ وَتَرْكُ الْبَحْثِ عَنْهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ جَهْلًا، وَلَكِنَّهُ كَرَمٌ وَحُسْنُ خُلُقٍ، وَالْفَاجِرُ مِنْ عَادَتِهِ الْبَحْثُ لَا عَلَى أَنَّهُ عَقْلٌ مِنْهُ، بَلْ خُبْثٌ وَلُؤْمٌ اهـ. قَالَ الْفَرَزْدَقُ: إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا خَادَعْتَهُ انْخَدَعَا وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُجَرِّبُوا الْأُمُورَ، فَهُمْ قَلِيلُو الشَّرِّ مُنْقَادُونَ، فَإِنَّ مَنْ آثَرَ الْخُمُولَ وَإِصْلَاحَ نَفْسِهِ الْمُتَزَوِّدَ لِمِعَادِهِ وَنَبَذَ أُمُورَ الدُّنْيَا، فَلَيْسَ غِرَّا فِيمَا قَصَدَهُ وَلَا مَذْمُومًا بِنَوْعٍ مِنَ الذَّمِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ لِمَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ ﵊: " «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ» " وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَنْخَدِعُ فِي مَقَامِ اللِّينِ وَالتَّعَطُّفِ مَعَ الْأَغْيَارِ، رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كُلَّمَا صَلَّى عَبْدٌ لَهُ أَعْتَقَهُ، فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: مَنْ خَادَعَنَا بِاللَّهِ نَنْخَدِعْ. قُلْتُ: وَمِنْ ذَلِكَ انْخِدَاعُ آدَمَ وَحَوَّاءَ بِكَلَامِ إِبْلِيسَ حَيْثُ قَاسَمَهَا إِنِّي لَكُمَا لِمَنِ النَّاصِحِينَ. قَالَ: وَلَفْظُ الْحَدِيثِ أَيْضًا يُسَاعِدُهُ لِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا وَصَفَهُ بِالْغُرُورِ أَيْ: بِوَصْفٍ غَيْرِ كَامِلٍ كَمَّلَهُ بِقَوْلِهِ (كَرِيمٌ) ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ فِيهِ ذَلِكَ نَقْصًا، وَالْخَبُّ بِالْفَتْحِ الْخَدَّاعُ وَهُوَ الْحَرِيزُ الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ النَّاسِ بِالْفَسَادِ، يُقَالُ: رَجُلٌ خَبٌّ، وَقَدْ تُكْسَرُ خَاؤُهُ، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَبِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ اهـ. فَالْكَسْرُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ فَتَأَمَّلْ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: «الْمُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ حَيِيٌّ تَخَالُهُ مِنَ اللِّينِ أَحْمَقَ» .

стр. 7009

٥٠٨٦ - وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ كَالْجَمَلِ الْآنِفِ إِنْ قِيدَ انْقَادَ، وَإِنْ أُنِيخَ عَلَى صَخْرَةٍ اسْتَنَاخَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا. ــ ٥٠٨٦ - (وَعَنْ مَكْحُولٍ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ) : بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفَانِ، فَفِي النِّهَايَةِ هُمَا تَخْفِيفُ الْهَيِّنِ وَاللَّيِّنِ اهـ. وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ ضَعِيفُ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِثَبْتٍ، فَالْجَزْمُ بِهِ غَيْرُ تَثَبُّتٍ، وَفِي الْفَائِقِ: وَالْمَحْذُوفُ مِنْ يَاءَيْ هَيِّنٍ وَلَيِّنٍ الْأُولَى، وَقِيلَ! الثَّانِيَةُ. قُلْتُ: الثَّانِيَةُ أَوْلَى مِنَ الْأُولَى لِلِاحْتِيَاجِ عِنْدَهَا لِلتَّخْفِيفِ وَلِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى تَخْفِيفٍ آخَرَ، فَتَدَبَّرْ. (كَالْجَمَلِ الْآنِفِ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيُمَدُّ وَكَسْرِ النُّونِ فَفِي الْقَامُوسِ: أَنِفَ الْبَعِيرُ كَفَرِحَ اشْتَكَى أَنْفَهُ مِنَ الْبَرِّةِ، فَهُوَ أَنِفٌ كَكَتِفٍ وَصَاحِبٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَفْصَحُ. وَقَالَ شَارِحٌ: الْمَدُّ فِيهِ خَطَأٌ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ رِوَايَةً أَوْ دِرَايَةً. وَفِي النِّهَايَةِ: الْأَنْفُ بِمَعْنَى الْمَأْنُوفِ وَهُوَ الَّذِي عَقَرَ الْخِشَاشُ أَنْفَهُ فَهُوَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى قَائِدِهِ لِلْوَجَعِ الَّذِي بِهِ، وَقِيلَ الْأَنِفُ الذَّلُولُ يُقَالُ: أَنِفَ الْبَعِيرُ فَهُوَ أَنِفٌ إِذَا اشْتَكَى أَنْفَهُ مِنَ الْحِشَاشِ، وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ يُقَالَ: مَأْنُوفٌ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ كَمَا يَقُولُ مَصْدُورٌ وَمَبْطُونٌ لِلَّذِي يَشْتَكِي صَدْرَهُ وَبَطْنَهُ، وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا شَاذًّا وَيُرْوَى كَالْجُمَلِ الْآنِفِ بِالْمَدِّ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. الْجَوْهَرِيُّ: الْخِشَاشُ بِالْكَسْرِ خَشَبٌ يَدْخُلُ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ، ثُمَّ الْكَافُ مَرْفُوعَةُ الْمَحَلِّ عَلَى أَنَّهَا خَبَرٌ ثَالِثٌ، وَالْمَوْتُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ مَحَلُّهَا عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لَيِّنُونَ لِينًا مِثْلَ الْجَمَلِ الْأَنِفِ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَالثَّانِي أَظْهَرُ وَالْأَوَّلُ أَدَقُّ وَبِالِاعْتِمَادِ أَحَقُّ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ مِنْ كَمَالِ انْقِيَادِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ فِي سَبِيلِ رِضَاءِ مَوْلَاهُمْ، مِثْلَ الْجَمَلِ الْوَاحِدِ الْمَأْنُوفِ. فَالْجُمَلُ صَحِيحٌ مَعَ إِفَادَةِ الْمُبَالِغَةِ كَمَا وَرَدَ: " «الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى رَأْسَهُ اشْتَكَى كُلَّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى عَيْنَهُ اشْتَكَى كُلَّهُ» " عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْجَمَلِ الْجِنْسُ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ فَلَا إِشْكَالَ (إِنْ قِيدَ) : مَجْهُولٌ قَادَهُ وَجَرَّهُ وَقَوْلُهُ (انْقَادَ) : وَمُطَاوِعٌ لَهُ أَيْ: طَاوَعَهُ وَانْسَحَبَ مَعَهُ (وَإِنْ أُنِيخَ) : مَجْهُولٌ أَنَاخَ الْبَعِيرَ إِذَا بَرَّكَهُ وَمِنْهُ حَدِيثُ: مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ (عَلَى صَخْرَةٍ) أَيْ: فَرْضًا أَوْ مَثَلًا (اسْتَنَاخَ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ شَدِيدُ الِانْقِيَادِ لِلشَّارِعِ فِي أَوَامِرِهِ، وَنَوَاهِيهِ. وَفِي قَوْلِهِ: إِنْ أُنِيخَ عَلَى صَخْرَةٍ اسْتَنَاخَ إِيذَانٌ بِكَثْرَةِ تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ؛ لِأَنَّ الْإِنَاخَةَ عَلَى الصَّخْرِ شَاقَّةٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا) : وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْ: مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا.

стр. 7010

٥٠٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٥٠٨٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» ) : فِيهِ فَضِيلَةُ الْخِلْطَةِ عَلَى الْعُزْلَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَأَهْلِهِمَا مَعَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي آدَابِ الصُّحْبَةِ، فَفِي الْأَحْيَاءِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُخَالَطَةِ وَالْعُزْلَةِ، وَتَفْضِيلِ أَحَدِهَا عَلَى الْآخَرِ فَقَالَ أَكْثَرُ التَّابِعِينَ: بِاسْتِحْبَابِ الْمُخَالَطَةِ وَاسْتِكْثَارِ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ لِلتَّأَلُّفِ وَالتَّحَبُّبِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا تَعَاوُنًا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْإِخْوَانِ، فَإِنَّهُمْ عُدَّةٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ النَّارِ: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ - وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَدَّلُ شَيْءٍ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمُخَالَطَةِ، وَمَالَ أَكْثَرُ الْعُبَّادِ وَالزُّهَّادِ إِلَى اخْتِيَارِ الْعُزْلَةِ وَتَفْضِيلِهَا عَلَى الْمُخَالَطَةِ، وَعَلَيْهِ الْفُضَيْلُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ عُمَرُ ﵁: خُذُوا بِحَظِّكُمْ مِنَ الْعُزْلَةِ، وَقَالَ فُضَيْلٌ: كَفَى بِاللَّهِ مُحِبًّا وَبِالْقُرْآنِ مُؤْنِسًا وَبِالْمَوْتِ وَاعِظًا، اتَّخِذِ اللَّهَ صَاحَبًا وَدَعِ النَّاسَ جَانِبًا، وَأَوْصَى دَاوُدُ الطَّائِيُّ أَبَا الرَّبِيعِ فَقَالَ: صُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَاجْعَلْ فِطْرَكَ الْآخِرَةَ، وَفِرَّ مِنَ النَّاسِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ الْوَرْدِ: بَلَغَنَا أَنَّ الْحِكْمَةَ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي الصَّمْتِ، وَالْعَاشِرُ فِي عُزْلَةِ النَّاسِ، وَدَخَلَ عَلَى حَاتِمٍ الْأَصَمِّ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: أَنْ لَا تَرَانِي. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَفْضَلُ الْمَجَالِسِ مَجْلِسٌ فِي قَعْرِ بَيْتِكَ أَنْ لَا تَرَى وَلَا تُرَى، وَقِيلَ: آدَابُ الْعُزْلَةِ أَرْبَعَةٌ: أَنْ يَنْوِيَ بِهَا كَفَّ شَرِّهِ أَوَّلًا. ثُمَّ السَّلَامَةُ مِنَ الشَّرِّ ثَانِيًا، ثُمَّ الْخَلَاصُ مِنَ الْإِخْلَاصِ بِالْحُقُوقِ ثَالِثًا، ثُمَّ التَّجَرُّدُ بِكُنْهِ الْهِمَّةِ لِلْعِبَادَةِ رَابِعًا اهـ.

стр. 7011

وَالْمُخْتَارُ هُوَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الْعُزْلَةِ عَنْ أَكْثَرِ النَّاسِ وَعَوَامِّهِمْ، وَالْخِلْطَةُ بِالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ وَخَوَاصِّهِمْ، وَالِاجْتِمَاعُ مَعَ عَامَّتِهِمْ فِي نَحْوِ جُمْعَتِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ الْمُحْتَاجِ إِلَى الْعَمَلِ، وَوُصُولِ الزُّهْدِ الْمُوجِبِ لِقَطْعِ الطَّمَعِ عَنِ الْخُلُقِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الْعُزْلَةُ بِغَيْرِ عَيْنِ الْعِلْمِ زَلَّةٌ وَبِغَيْرِ زَايِ الزُّهْدِ عِلَّةٌ، وَهَذَا طَرِيقُ الْكُمَّلِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ الصَّفِيَّةِ كَالنَّقْشَبَنْدِيَّةِ وَالشَّاذِلِيَّةِ وَالْبَكْرِيَّةِ فَهُمْ كَائِنُونَ بَائِنُونَ قَرِيبُونَ غَرِيبُونَ فَرْشِيُّونَ عَرْشِيُّونَ، كَمَا قِيلَ: كُنْ وَسَطًا وَامْشِ جَانِبًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُهُ النَّاسُ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

стр. 7012

٥٠٨٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٠٨٨ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ) أَيِ: ابْنِ أَنَسٍ كَمَا فِي الْمَعَالِمِ (عَنْ أَبِيهِ) : الْمُتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَعْنَاهُ هُوَ ابْنُ جَبَلٍ لِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ أِلَّا أَنَّهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُعَاذُ بْنُ أَنَسٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ سَهْلُ بْنُ مُعَاذٍ، فَإِنَّهُ وَلَدُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ فَقَدْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ: هُوَ مُعَاذُ بْنُ أَنَسٍ الْجُهَنِيُّ، مَعْدُودٌ فِي أَهْلِ مِصْرَ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَهُمْ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ سَهْلٌ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ كَظَمَ غَيْظًا) أَيِ: اجْتَرَعَ غَضَبًا كَامِنًا فِيهِ (وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنَفِّذَهُ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: يُمْضِيَهُ وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى إِنْفَاذِهِ، فَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْفَاءِ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَجَوَابُ الشَّرْطِ (دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: شَهَرَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَتَبَاهَى بِهِ، وَيُقَالُ فِي حَقِّهِ: هَذَا الَّذِي صَدَرَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْخَصْلَةُ الْعَظِيمَةُ (حَتَّى يُخَيِّرَهُ) أَيْ: يَجْعَلُهُ مُخَيَّرًا (فِي أَيِّ الْحَوَرِ شَاءَ) أَيْ: فِي أَخْذِ أَيِّهِنَّ شَاءَ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِدْخَالِهِ الْجَنَّةَ الْمَنِيعَةَ وَإِيصَالِهِ الدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ. وَفِي النِّهَايَةِ: كَظْمُ الْغَيْظِ تَجَرُّعُهُ وَاحْتِمَالُ سَبَبِهِ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا حُمِدُ الْكَظْمُ لِأَنَّهُ قَهْرٌ لِلنَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَلِذَلِكَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ، وَمَنْ نَهَى النَّفْسَ عَنْ هَوَاهُ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ، وَالْحُورَ الْعَيْنَ جَزَاهُ. قُلْتُ: وَهَذَا الثَّنَاءُ الْجَمِيلُ وَالْجَزَاءُ الْجَزِيلُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى مُجَرَّدِ كَظْمِ الْغَيْظِ، فَكَيْفَ إِذَا انْضَمَّ الْعَفْوُ إِلَيْهِ أَوْ زَادَ بِالْإِحْسَانِ عَلَيْهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْإِحْسَانُ أَنْ تُحْسِنَ إِلَى الْمُسِيءِ، فَإِنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى الْمُحْسِنِ مُتَاجَرَةٌ، وَفِي الْبَيْضَاوِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ هَؤُلَاءِ فِي أُمَّتِي قَلِيلٌ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ كَانُوا كَثِيرًا مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي مَضَتِ اهـ. وَهُوَ قَدْ ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ. قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ إِلَخْ. وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ - أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ - فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ - ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ - وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٤] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

стр. 7013

٥٠٨٩ - وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " «مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَأَمَانًا» ". وَذُكِرَ حَدِيثُ سُوْيَدٍ: " «مَنْ تَرَكَ لِبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ» " فِي " كِتَابِ اللِّبَاسِ ". ــ ٥٠٨٩ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) : ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ، وَقَالَ: هُوَ شَيْخٌ لِابْنِ عَجْلَانَ (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنْ أَبِيهِ) أَيِ: الصَّحَابِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِابْنُ أَيْضًا صَحَابِيًّا، وَأَنْ يَكُونَ تَابِعِيًّا (قَالَ) أَيْ: بَدَلَ الْجَزَاءِ السَّابِقِ مَعَ مُحَافَظَةِ الْإِبْقَاءِ عَلَى شَرْطِهِ إِلَّا قَوْلَ أَنْ يُنَفِّذَهُ، فَإِنَّ أُصُولَ هَذَا الْحَدِيثِ اتَّفَقَتْ عَلَى تَبْدِيلِهِ عَلَى إِنْفَاذِهِ (مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا) : وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْغَضَبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (وَذَكَرَ حَدِيثَ سُوَيْدٍ) أَيِ: ابْنِ وَهْبٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ (وَمَنْ تَرَكَ لِبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ) أَيْ: وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ (فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ) : وَهُوَ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ عَنْ تَكْرِيرٍ أَسْقَطَهُ، وَأَنْ يَكُونَ حَوَّلَهُ مِنْ هُنَا إِلَى ذَلِكَ الْبَابِ لِمُنَاسَبَتِهِ إِلَى ذَلِكَ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 7014

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٠٩٠ - عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٠٩٠ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ) : تَابِعِيٌّ رَوَى عَنْهُ سَلَمَةُ بْنُ صَوَّانٍ الزُّرَّقِيُّ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مَالِكٌ فِي الْحَيَاءِ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا) أَيْ: مُخْتَصًّا بِهِ أَوْ غَالِبًا فِيهِ (وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ) أَيْ: فِيمَا شُرِعَ فِيهِ الْحَيَاءُ بِخِلَافِ مَا لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ كَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، وَالْقِيَامِ بِهِ، وَأَدَاءِ الشَّهَادَاتِ عَلَى وَجْهِهَا، كَذَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ ارْتِكَابَ الْمَذْكُورَاتِ لَا يَخْلُو عَنِ الْحَيَاءِ عَنِ الْحَقِّ، وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْخَلْقِ عَلَى مَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ وَحُقِّقَ طَرِيقَهُ، فَالْحُكْمُ عَلَى عُمُومِهِ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ بِأَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْ فِعْلِ الْآثَامِ، وَمِنْ تَرْكِ شُعْبَةٍ مِنْ شُعَبِ الْإِسْلَامِ، بَلْ وَلَا عِبْرَةَ بِالْحَيَاءِ مِنَ الْأَنَامِ لَا فِعْلًا وَلَا تَرْكًا عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْخُلُقُ الدَّيْنُ وَالطَّبْعُ وَالسَّجِيَّةُ. قُلْتُ: الْمُرَادُ هُنَا السَّجِيَّةُ أَيْ: بِمَعْنَى الْخَصْلَةِ أَيْ: لِكُلِّ دِينٍ سَجِيَّةٌ شُرِعَتْ فِيهِ، وَحَضَّ أَهْلُ ذَلِكَ الدِّينِ عَلَيْهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمَعْنَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ دِينٍ سَجِيَّةٌ سِوَى الْحَيَاءِ، وَالْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ دِينِنَا الْحَيَاءُ لِأَنَّهُ مُتَمِّمٌ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَإِنَّمَا بُعِثَ ﷺ لِإِتْمَامِهَا، وَقَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: " «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ» ". الْحَدِيثَ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ دِينٍ سَجِيَّةٌ سِوَى الْحَيَاءِ، فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْغَلَبَةِ لَنَا مَعَ اشْتِرَاكِنَا بِجَمِيعِ الْمَلَلِ فِي سَائِرِ السَّجِيَّاتِ، لِقَوْلِهِ ﵊: " «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» ، بَلِ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَخْلَاقَ كُلَّهَا كَانَتْ نَاقِصَةً فِيمَنْ قَبْلَنَا، وَإِنَّمَا كَمُلَتْ فِي دِينِنَا بِبَرَكَةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الْآيَةَ. (رَوَاهُ مَالِكٌ) أَيْ: عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ (مُرْسَلًا) : لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ.

стр. 7015

٥٠٩١ - ٥٠٩٢ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ "، عَنْ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. ــ ٥٠٩١ - ٥٠٩٢ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ) أَيْ: مَرْفُوعًا لَا مَوْقُوفًا كَمَا يُتَوَهَّمُ مِنَ الْإِطْلَاقِ، ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُرْوَى عَنْ كِلَيْهِمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَسْنَدَ الْحَدِيثَ إِلَى ابْنِ مَاجَهْ بِرِوَايَتِهِ عَنْهُمَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ كَذَلِكَ.

стр. 7016

٥٠٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْإِيمَانَ قُرَنَاءُ جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ» ". ــ ٥٠٩٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْإِيمَانَ) أَيِ: الْكَامِلَ (قُرَنَاءُ) : جَمْعُ قَرِينٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ: أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ اهـ. وَفِي نُسْخَةٍ قُرِنَا بِالْمَاضِي الْمُثَنَّى الْمَجْهُولِ أَيْ: جُعِلَا مَقْرُونَيْنِ (جَمِيعًا) أَيْ: مُجْتَمِعَيْنِ وَهُوَ تَأْكِيدٌ فِي الْمَعْنَى (فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ) .

стр. 7017

٥٠٩٤ - وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «فَإِذَا سُلِبَ أَحَدُهُمَا تَبِعَهُ الْآخَرُ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٥٠٩٤ - (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فَإِذَا سُلِبَ أَحَدُهُمَا تَبِعَهُ الْآخَرُ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَوَافَقَهُ الْحَاكِمُ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَوَافَقَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنْ لَفْظُهُ: الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ فِي قَرَنٍ، فَإِذَا سُلِبَ أَحَدُهُمَا تَبِعَهُ الْآخَرُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُوسَى بِلَفْظِ: «الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ مَقْرُونَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ إِلَّا جَمِيعًا» .

стр. 7018

٥٠٩٥ - وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ آخِرُ مَا وَصَّانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ أَنْ قَالَ: " يَا مُعَاذُ! أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ. ــ ٥٠٩٥ - (وَعَنْ مُعَاذٍ) أَيِ: ابْنِ جَبَلٍ (قَالَ: كَانَ آخِرَ مَا وَصَّانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: حَالَةَ تَوَجُّهِي إِلَى الْيَمَنِ بِأَمْرِهِ (حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ) : بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَسُكُونِ رَاءٍ فَزَايٍ، أَيْ: فِي مَوْضِعِ رِكَابٍ مِنْ رَحْلِ الْبَعِيرِ، كَالرِّكَابِ لِلسَّرْجِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ، وَفِي النِّهَايَةِ الْغَرْزُ رِكَابُ كُورِ الْجَمَلِ إِذَا كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خَشَبٍ، وَقِيلَ هُوَ الْكُورُ مُطْلَقًا كَالرِّكَابِ لِلسَّرْجِ. (أَنْ قَالَ: يَا مُعَاذُ! أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ قَالَ خَبَرُ كَانَ وَحِينَ وَضَعْتُ ظَرْفٌ قَالَهُ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ لِلْقَضَاءِ أَوْصَاهُ لِيُجَامِلَ النَّاسَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: تَحْسِينُ خُلُقِهِ أَنْ يُظْهِرَ لِمَنْ يُجَالِسُهُ أَوْ وَرَدَ عَلَيْهِ الْبِشْرَ وَالْحِلْمَ وَالْإِشْفَاقَ، وَالصَّبْرَ عَلَى التَّعْلِيمِ، وَالتَّوَدُّدَ إِلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، فَأَمَّا أَهْلُ الْكُفْرِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الْكَبَائِرِ وَالتَّمَادِي عَلَى الظُّلْمِ، فَلَمْ يُؤْمَرْ بِتَحْسِينِ الْخُلُقِ لَهُمْ، بَلْ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُغْلِظَ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: قَدْ يُقَالُ: إِنَّ الرِّفْقَ مِنْ جُمْلَةِ حُسْنِ الْخُلُقِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَعُمَّ جَمْعَ الْخَلْقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الْآيَةَ (رَوَاهُ مَالِكٌ) .

стр. 7019

٥٠٩٦ - وَعَنْ مَالِكٍ ﵁ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ» ". رَوَاهُ فِي " الْمُوَطَّأِ ". ــ ٥٠٩٦ - (وَعَنْ مَالِكٍ، بَلَغَهُ) : بِتَخْفِيفِ اللَّامِ وَضَمِيرِ الْمَفْعُولِ إِلَيْهِ، وَالْفَاعِلُ قَوْلُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا عِنْدَ مَالِكٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ التَّابِعِيَّ وَلَا الصَّحَابِيَّ، وَأَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا بِأَنْ تَرَكَ فِيهِ رَاوِيَانِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَإِلَّا لَذَكَرَ الصَّحَابِيَّ، فَكَانَ مَرْفُوعًا، أَوْ ذَكَرَ التَّابِعِيَّ فَكَانَ مُرْسَلًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، وَرَاوِي مَالِكٍ لَمْ يَذْكُرِ الِاتِّصَالَ وَأَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ التَّابِعِيَّ، وَلَا الصَّحَابِيَّ، وَقِيلَ إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ. قُلْتُ: هَذَا كُلُّهُ احْتِمَالَاتٌ عَقْلِيَّةٌ وَكَوْنُهُ مُنْقَطِعًا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْقَوَاعِدِ الْحَدِيثِيَّةِ، إِذْ لَا يُقَالُ فِي غَيْرِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ، بَلِ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُعَلَّقِ، وَفِيهِ بَحْثٌ طَوِيلٌ بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ. (قَالَ: بُعِثْتُ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: أُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ (لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ) : بِضَمِّ حَاءٍ وَسُكُونِ سِينٍ، أَيِ: الْأَخْلَاقُ الْحَسَنَةُ وَالْأَفْعَالُ الْمُسْتَحْسَنَةُ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ لِأَنْ أَجْعَلَ حُسْنَهَا أَحْسَنَهَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ أَحْسَنَ أَخْلَاقًا بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَكَانُوا ضَلُّوا بِالْكُفْرِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا: فَبُعِثَ ﷺ لِيُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَالتَّحْقِيقُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: لِأُتَمِّمَ إِلَخْ. يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّهُ كَمَّلَهَا بَعْدَ النُّقْصَانِ وَأَنَّهُ جَمَعَهَا بَعْدَ التَّفْرِقَةِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] قَالَ الْإِمَامُ فَخَرُ الدِّينِ: الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى فَضْلِهِ ﵊، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهُدَاهُمْ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنِ امْتِثَالِهِ لِذَلِكَ الْأَمْرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ جَمِيعُ خَصَائِلِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمُ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَإِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ أَشَارَ ﷺ بِقَوْلِهِ: " «مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ قَصْرٍ أُحْسِنَ بُنْيَانُهُ وَتُرِكَ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ مِنْهُ " إِلَى أَنْ قَالَ: " لَكُنْتُ أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ حَتَّى تَمَّ بِيَ الْبُنْيَانُ» اهـ. وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي مَرْتَبَةِ جَمْعِ الْجَمْعِ، اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا فِي الْمَسِيرِ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. (رَوَاهُ) أَيْ: مَالِكٌ (فِي الْمُوَطَّأِ) : وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنَ الْمُنَاقَشَةِ أَوْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ مَالِكٍ، فَكَانَ حَقُّ الْمُؤَلِّفِ أَنْ يَقُولَ: كَذَا فِي الْمُوَطَّأِ.

стр. 7020

٥٠٩٧ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ــ ٥٠٩٧ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَيْ: مَرْفُوعًا وَفِي الْجَامِعِ " «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» " رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 7021

٥٠٩٨ - وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَسَّنَ خُلُقِي وَخَلْقِي، وَزَانَ مِنِّي مَا شَانَ مِنْ غَيْرِي» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " مُرْسَلًا. ــ ٥٠٩٨ - (وَعَنْ جَعْفَرٍ) أَيِ: الصَّادِقِ (ابْنِ مُحَمَّدٍ) أَيِ: الْبَاقِرِ (عَنْ أَبِيهِ) : تَابِعِيٌّ أَدْرَكَ جَابِرًا وَبَلَّغَهُ السَّلَامَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَظَرَ) أَيْ: إِلَى وَجْهِهِ الشَّرِيفِ (فِي الْمِرْآةِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ (قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَسَّنَ) : بِتَشْدِيدِ السِّينِ أَيْ: حَسَّنَ (خَلْقِي وَخُلُقِي) : بِفَتْحٍ الْأَوَّلِ وَضَمِّ الثَّانِي وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِظُهُورِهِ أَوَّلًا وَنَظَرَ التَّرَقِّيَ (وَزَانَ) أَيْ: زَيَّنَ (مِنِّي) أَيْ: مِنْ خُلُقِي وَخَلْقِي (مَا شَانَ) أَيْ: عَابَهُ وَقَبَّحَهُ (مِنْ غَيْرِي) : سَوَاءٌ فِي خَلْقِهِ أَوْ خُلُقِهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى أَنَّ صُورَتَهُ وَسِيرَتَهُ عَلَى أَتَمِّ الْحُسْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ مَعْنَى قَوْلِهِ " «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ» " فَجُعِلَ النُّقْصَانُ شَيْنًا كَمَا قَالَ أَبُو الطِّيبِ: وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ عَيْبًا ... كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ وَعَلَى نَحْوِ هَذَا الْحَمْدِ حَمْدُ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥] وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ النَّظَرِ فِي الْمِرْآةِ، وَالْحَمْدُ عَلَى حُسْنِ الْخِلْقَةِ وَالْخُلُقِ، لَأَنَّهُمَا نِعْمَتَانِ) مَوْهُوبَتَانِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهِمَا اهـ. بَقِيَ أَنَّ مَعْرِفَةَ حُسْنِ الظَّاهِرِ مِنَ الْمِرْآةِ ظَاهِرَةٌ بِاعْتِبَارِ الْمَظَاهِرِ، فَمَا مَعْنَى ذِكْرِ الْخُلُقِ وَالسِّيرَةِ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ بَاطِنٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ. فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ وَيَقُولَ: هَذَا الْحَمْدُ أَوْ هَذَا مُخْتَصٌّ بِهِ ﵊، وَيَكُونُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ؟ قُلْتُ: وَيَجُوزُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ الْقَوْلَ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ هُوَ خُلِقَ عَلَى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَصَاحِبُ الْإِيمَانِ لَا شَكَ أَنَّهُ عَلَى خُلُقٍ مُسْتَقِيمٍ وَدِينٍ قَوِيمٍ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا) : وَكَذَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَوَّى خَلْقِي وَأَحْسَنَ صُورَتِي، وَزَانَ مِنِّي مَا شَانَ مِنْ غَيْرِي» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ السُّنِّيِّ، عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: " «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَوَّى خَلْقِي فَعَدَلَهُ، وَصُوَّرَ صُورَةَ وَجْهِي فَأَحْسَنَهَا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ".

стр. 7022

٥٠٩٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٥٠٩٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ) أَيْ: مُطْلَقًا أَوْ عِنْدَ نَظَرِهِ إِلَى الْمِرْآةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ، وَهُوَ اللَّائِقُ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ. (اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي) : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ طَلَبَ الْكَمَالِ وَإِتْمَامَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ بِإِكْمَالِ دِينِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، وَأَنْ يَكُونَ قَدْ طَلَبَ الْمَزِيدَ وَالثَّبَاتَ عَلَى مَا كَانَ. قُلْتُ: طَلَبُ الثَّبَاتِ عَلَى مَا كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ كَتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ الَّذِي لَا يَرْضَى بِهِ الْكَامِلُ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لِطَلَبِ الْمَزِيدِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ بِأَنَّ التَّرْقِيَاتِ الْبَاطِنِيَّةَ لَا تَتَنَاهَى حَتَّى فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ مِنَ التَّجَلِّيَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَهِيَ لَا تُحْصَى، وَلَعَلَّ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] إِيمَاءً إِلَى هَذِهِ الْإِفَادَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَفْظُهُمَا: " «اللَّهُمَّ أَنْتَ حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي» ". وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا بِلَفْظِ: " «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي وَحَرِّمْ وَجْهِي عَلَى النَّارِ» ".

стр. 7023

٥١٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ " قَالُوا: بَلَى قَالَ: " خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا، وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٥١٠٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: خِيَارُكُمْ أَطُولُكُمْ أَعْمَارًا) أَيْ: فِي الْكَمِّيَّةِ أَوِ الْكَيْفِيَّةِ (وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا) أَيْ: إِلَهِيَّةً وَإِنْسَانِيَّةً أَوْ عَبَّرَ عَنِ الْأَعْمَالِ بِالْأَخْلَاقِ لِأَنَّهَا مَنْبَعُهَا وَمَعْدِنُهَا وَلِأَنَّ مَدَارَهَا فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ ﵇ عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ مَرْفُوعًا: " «طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى «قَوْلِهِ ﷺ فِي جَوَابٍ مَنْ سَأَلَهُ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» " فَقَوْلُهُ: وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا كَقَوْلِهِ: وَحَسُنَ عَمَلُهُ فِي إِرَادَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ طُولِ الْعُمُرِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 7024

٥١٠١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٥١٠١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَةٍ: وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ.

стр. 7025

٥١٠٢ - وَعَنْهُ «أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ يَتَعَجَّبُ وَيَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَامَ فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ. قَالَ: كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ ". ثُمَّ قَالَ: " يَا أَبَا بَكْرٍ! ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلِمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ إِلَّا أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا قِلَّةً» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٥١٠٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (يَتَعَجَّبُ) أَيْ: مِنْ شَتْمِ الرَّجُلِ وَقِلَّةِ حَيَائِهِ، أَوْ مِنْ صَبْرِ أَبِي بَكْرٍ وَكَثْرَةِ وَفَائِهِ (وَيَتَبَسَّمُ) : لِمَا يَرَى مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِهِمَا مِنَ الْعُقُوبَةِ الْكَامِلَةِ وَالرَّحْمَةِ النَّازِلَةِ وَلِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ مَظَاهِرِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ عَلَى مَا هُوَ مَشْهُودُ أَهْلِ الْكَمَالِ (فَلَمَّا أَكْثَرَ) أَيِ: الرَّجُلُ فِي مَقَالِهِ (رَدَّ) أَيْ: أَجَابَ أَبُو بَكْرٍ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الرَّجُلِ (بَعْضَ قَوْلِهِ) : عَمَلًا بِالرُّخْصَةِ الْمُجَوِّزَةِ لِلْعَوَامِّ وَتَرْكًا لِلْعَزِيمَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِمَرْتَبَةِ الْخَوَاصِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] ، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وَقَالَ : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] وَهُوَ ﵁ وَإِنْ كَانَ جَمَعَ بَيْنَ الِانْتِقَامِ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ وَبَيْنَ الصَّبْرِ عَنْ بَعْضِهِ، لَكِنَّ لَمَّا كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْكَمَالَ الْمُنَاسِبَ لِمَرْتَبَتِهِ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ مَا اسْتَحْسَنَهُ ﷺ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: تَغَيَّرَ مِنْهُ تَغَيُّرَ الْغَضْبَانِ (وَقَامَ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَخَلَّاهُمَا عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] (فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ) أَيْ: مُعْتَذِرًا وَمُسْتَفْهِمًا (وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَانَ) أَيِ: الرَّجُلُ (يَشْتُمُنِي) : بِضَمِّ التَّاءِ وَالْكَسْرِ (وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ) أَيْ: مِنَ الشَّتْمِ بِعَيْنِهِ أَوْ بِمَا يُنَاسِبُهُ (غَضِبْتَ وَقُمْتَ) : يَعْنِي فَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ؟ (قَالَ: كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ) أَيْ: وَيَدُلُّكَ عَلَى الصَّبْرِ (فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ) أَيْ: بِذَاتِكَ وَدَخَلَ فِيهِ حَظُّ النَّفْسِ (وَقَعَ الشَّيْطَانُ) أَيْ: وَطَلَعَ الْمَلَكُ، وَالشَّيْطَانُ إِنَّمَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ فَخِفْتُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَعَدَّى عَلَى خَصْمِكَ وَتَرْجِعَ ظَالِمًا بَعْدَ أَنْ كُنْتَ مَظْلُومًا، وَقَدْ رُوِيَ: كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَظْلُومَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الظَّالِمَ، وَفِي رِوَايَةٍ: كُنْ خَيْرَ ابْنَيْ آدَمَ، قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ هَابِيلَ جَوَابًا لِقَابِيلَ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨] مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، وَكَانَ أَقْوَى مِنْهُ لَكِنِ اخْتَارَ الطَّرِيقَ الْأَكْمَلَ لِيَكُونَ مِنْ

стр. 7026

الْفَرِيقِ الْكَمَلِ. (ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! ثَلَاثٌ) أَيْ: خِصَالٌ (كُلُّهُنَّ حَقٌّ) أَيْ: ثَابِتٌ وَصِدْقٌ (مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِمَظْلِمَةٍ) : بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيْضًا، وَأَنْكَرَهُ بَعْضٌ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ بِالضَّمِّ أَيْضًا. وَفِي الْمُغْرِبِ: الْمَظْلِمَةُ الظُّلْمُ وَاسْمُ الْمَأْخُوذُ، وَفِي الْقَامُوسِ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَالْمَظْلِمَةِ بِكَسْرِ اللَّامِ مَا يَظْلِمُهُ الرَّجُلُ. (فَيُغْضِي) : مِنَ الْإِغْضَاءِ بِالْغَيْنِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَهُوَ إِدْنَاءُ الْجُفُونِ بِمَعْنَى الْإِغْمَاضِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الْإِعْرَاضُ، وَفِي نُسْخَةٍ فَيُعْفَى بِالْعَيْنِ الْمُهْمِلَةِ مِنَ الْإِعْفَاءِ وَهُوَ لُغَةٌ فِي الْعَفْوِ وَالْمَعْنَى فَيُسَامِحُ (عَنْهَا) أَيْ: عَنْ تِلْكَ الْمَظْلِمَةِ وَيَتْرُكُ جَوَاهَا أَوِ الْمُطَالَبَةَ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَوْ مُطْلَقًا (لِلَّهِ أَيْ: لَا لِفَخْرٍ وَلَا سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ (إِلَّا أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا) أَيْ: بِمُقَابَلَةِ تِلْكَ الْمَظْلِمَةِ وَالْإِهَانَةِ أَوْ بِسَبَبِ تِلْكَ الْخَصْلَةِ الْمُعَانَةِ (نُصْرَةً) أَيْ: إِعَانَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ) أَيْ: صَدَقَةٍ (يُرِيدُ بِهَا صِلَةً) أَيْ: صِلَةً لِلرَّحِمِ وَالْقَرَابَةِ أَوْ وَصْلَةً لِلْقُرْبَةِ وَفِي رِوَايَةٍ (بَابَ عَطِيَّةٍ) بِصَدَقَةٍ أَوْ صِلَةٍ (إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا كَثْرَةً) أَيْ: بَرَكَةً صُورِيَّةً وَمَعْنَوِيَّةً (وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ) أَيْ: سُؤَالٍ مِنْ مَخْلُوقٍ (يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً) أَيْ: لَا دَفْعَ حَاجَةٍ ضَرُورِيَّةٍ تُلْجِئُهُ (إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا قِلَّةً) أَيْ: حِسِّيَّةً أَوْ حَقِيقِيَّةً، وَفِي رِوَايَةٍ (إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى) فِي الْمَوْضِعَيْنِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْغَضَبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَلَفْظُهُ: ( «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ مَا نَقَصَ مَالٌ قَطُّ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا، وَلَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلِمَةٍ ظُلِمَهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عَزًّا فَاعْفُوا يَزِدْكُمُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ وَلَفْظُهُ: «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتْحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهَ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا. فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» .

стр. 7027

٥١٠٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يُرِيدُ اللَّهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ رِفْقًا إِلَّا نَفَعَهُمْ، وَلَا يَحْرِمُهُمْ إِيَّاهُ إِلَّا ضَرَّهُمْ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٥١٠٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يُرِيدُ اللَّهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ رِفْقًا إِلَّا نَفَعَهُمْ) أَيِ: اللَّهُ بِهِ (وَلَا يَحْرِمُهُمْ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَقِيلَ بِضَمِّهِ أَيْ: وَلَا يَمْنَعُ أَهْلَ بَيْتٍ (إِيَّاهُ) أَيِ: الرِّفْقَ (إِلَّا ضَرَّهُمْ) أَيْ: أَضَرَّهُمُ اللَّهُ بِهِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 7028

[بَابُ الْغَضَبِ وَالْكِبْرِ]

стр. 7029

[٢٠] بَابُ الْغَضَبِ وَالْكِبْرِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥١٠٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِنِي. قَالَ: " لَا تَغْضَبْ ". فَرَدَّدَ ذَلِكَ مِرَارًا قَالَ: " لَا تَغْضَبْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ [٢٠] بَابُ الْغَضَبِ وَالْكِبْرِ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْغَضَبُ فَوَرَانُ دَمِ الْقَلْبِ أَوْ عَرَضٌ يَتْبَعُهُ ذَلِكَ لِدَفْعِ الْمُؤْذِيَاتِ، وَلِلِانْتِقَامِ بَعْدَ وُقُوعِهَا. فَإِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ كَمَا فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ: " «مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» " مَجَازٌ أَيْ: يَفْعَلُ بِهِ مَا يَفْعَلُ الْمَلِكُ إِذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ تَحْتَ يَدِهِ مِنَ الِانْتِقَامِ لِإِنْزَالِ الْعُقُوبَةِ، وَأَمَّا الْكِبْرُ فَقَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ الْحَالَةُ الَّتِي يَتَخَصَّصُ بِهَا الْإِنْسَانُ مِنْ إِعْجَابِ نَفْسِهِ بِأَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَكْبَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَعْظَمُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِذْعَانِ لِلْعِبَادَةِ، وَالِاسْتِكْبَارُ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَحَرَّى الْإِنْسَانُ أَنْ يَصِيرَ كَبِيرًا، وَذَلِكَ مَتَى كَانَ عَلَى مَا يُحَبُّ فَهُوَ الْمَحْمُودُ، وَالثَّانِي: أَنْ يَتَشَبَّعَ فَيُظْهِرُ مِنْ نَفْسِهِ مَا لَيْسَ لَهُ فَهُوَ الْمَذْمُومُ كَقَوْلِهِ: أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَالْمُتَكَبِّرُ أَيْضًا عَلَى وَجْهَيْنِ، إِمَّا مَحْمُودٌ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُهُ الْحَسَنَةُ كَثِيرَةً زَائِدَةً فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَحَاسِنِ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُتَكَبِّرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] أَوْ مَذْمُومٌ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مُتَكَلِّفًا مُتَشَبِّعًا لِذَلِكَ، وَهَذَا وَصْفُ عَامَّةِ النَّاسِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الْكِبْرُ يَنْقَسِمُ إِلَى ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ، فَإِذَا ظَهَرَ عَلَى الْجَوَارِحِ يُقَالُ تَكَبُّرٌ، وَإِذَا لَمْ يَظْهَرُ يُقَالُ فِي نَفْسِهِ كِبْرٌ، فَالْأَصْلُ هُوَ الْخُلُقُ فِي النَّفْسِ وَهُوَ الِاسْتِرْوَاحُ وَالرُّكُونُ إِلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ فَوْقَ الْمُتَكَبِّرِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْكِبْرَ يَسْتَدْعِي مُتَكَبِّرًا عَلَيْهِ لِيَرَى نَفْسَهُ فَوْقَهُ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ وَمُتَكَبِّرًا بِهِ، وَبِهِ يُفْصَلُ الْكِبْرُ عَنِ الْعُجْبِ، فَإِنَّ الْعُجْبَ لَا يَسْتَدْعِي غَيْرَ الْمُعْجَبِ بِهِ، بَلْ لَوْ لَمْ يُخْلُقْ إِلَّا وَحْدَهُ تُصُوِّرَ أَنْ يَكُونَ مُعْجَبًا، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَبِّرًا. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥١٠٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا) : هُوَ ابْنُ عُمَرَ أَوْ حَارِثَةُ بْنُ قُدَامَةَ أَوْ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِنِي) أَيْ: أَرْشِدْنِي بِخُصُوصِي إِلَى عُمُومِ مَا يَنْفَعُنِي دِينًا وَدُنْيَا وَيُقَرِّبُنِي إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (قَالَ: " لَا تَغْضَبْ " فَرَدَّدَ) أَيِ: الرَّجُلُ السُّؤَالَ وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ لِذَلِكَ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ (مِرَارًا) أَيْ: ثَلَاثًا أَوْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى رَجَاءَ أَنْ يَضُمَّ مَعَهُ إِيصَاءً آخَرَ (قَالَ: لَا تَغْضَبْ) : قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْغَضَبُ مِنْ نَزَعَاتِ الشَّيْطَانِ يَخْرُجُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ صُورَةً وَسُرَّةً حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِالْبَاطِلِ وَيَفْعَلَ الْمَذْمُومَ شَرْعًا وَعُرْفًا، وَيَنْوِيَ الْحِقْدَ وَالْبُغْضَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ الَّتِي كُلُّهَا مِنْ أَثَرِ سُوءِ الْخُلُقِ، بَلْ قَدْ يَكْفُرُ، وَلِهَذَا قَالَ: لَا تَغْضَبْ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ مَعَ إِلْحَاحِ السَّائِلِ مُرِيدًا لِلزِّيَادَةِ أَوِ التَّبْدِيلِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: حَسِّنْ خُلُقَكَ، وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَالْحَدِيثُ مِنْ بَدَائِعِ الْكَلِمِ، ثُمَّ عِلَاجُهُ مَعْجُونٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِأَنْ يَرَى الْكُلَّ مِنَ اللَّهِ، وَيُذَكِّرَ نَفْسَهُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ أَعْظَمُ وَفَضْلَهُ أَكْثَرُ، وَكَمْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَلَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِ، وَيَتَعَوَّذَ وَيَتَوَضَّأَ وَيَشْغَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ كَانَ ﷺ مُكَاشِفًا بِأَوْضَاعِ الْخَلْقِ عَارِفًا بِأَدْوَائِهِمْ يَضَعُ الْهَنَا مَوْضِعَ النَّقْبِ يَأْمُرُهُمْ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِمْ، فَلَمَّا اسْتَوْصَاهُ الرَّجُلُ وَقَدْ رَآهُ مَمْلُوءًا بِالْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ لَمْ يَرَ لَهُ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَتَجَنَّبَ عَنْ دَوَاعِي الْغَضَبِ وَيُزَحْزِحَ نَفْسَهُ عَنْهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَعَلَّهُ ﷺ لَمَّا رَأَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ وَتَعْتَرِيهِ إِنَّمَا تَعْرُضُ لَهُ مِنْ فَرْطِ شَهْوَتِهِ وَاسْتِيلَاءِ غَضَبِهِ، وَالشَّهْوَةُ مَكْثُورَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَقْتَضِيهُ الْغَضَبُ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إِلَيْهَا، فَلَمَّا سَأَلَهُ الرَّجُلُ أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ مَا يَتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى التَّجَنُّبِ عَنِ الْقَبَائِحِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ مَظَانِّهَا نَهَاهُ عَنِ الْغَضَبِ الدَّاعِي إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا وَأَكْثَرَ وِزْرًا، فَإِنَّ ارْتِفَاعَ السَّبَبِ يُوجِبُ ارْتِفَاعَ مُسَبِّبَاتِهِ لَا مَحَالَةَ. قُلْتُ: هُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ وَبَيَانٌ مُسْتَحْسَنٌ إِلَّا أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ مَدَارَ الْغَضَبِ عَلَى شَهْوَةِ النَّفْسِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَغْضَبُ غَضَبًا مَذْمُومًا إِلَّا بِتَوَهُّمِ فَوْتِ شَهْوَةٍ لَهُ أَوْ بَعْدَ تَحَقُّقِ فَرْقًا، وَلِهَذَا تَرَى كُلَّ مَا كَانَ شَهْوَتُهُ أَكْثَرَ كَالْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ يَكُونُ غَضَبُهُ أَكْبَرَ، وَيَجُبُّ عَنْهُ الْحَذَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَحْمَدَ وَالْحَاكِمِ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ قُدَامَةَ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْغَضَبِ عَنْ رَجُلٍ وَلَفْظُهُ: لَا تَغْضَبْ، فَإِنَّ الْغَضَبَ مَفْسَدَةٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا، وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «لَا تَغْضَبْ وَلَكَ الْجَنَّةُ» .

стр. 7030

٥١٠٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥١٠٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ الشَّدِيدُ) أَيِ: الْقَوِيُّ كَامِلُ الْقُوَّةِ (بِالصُّرَعَةِ) : بِضَمٍّ فَفَتَحِ هَمْزَةٍ مِنْ يُكْثِرُ الصَّرْعَ وَهُوَ إِسْقَاطُ الْمُصَارِعِ لَهُ، لِأَنَّهُ قُوَّةٌ صُورِيَّةٌ نَفْسِيَّةٌ، فَنِّيَّةُ (إِنَّمَا الشَّدِيدُ) أَيِ: الْكَامِلُ (الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عَنْدَ الْغَضَبِ) : فَإِنَّهُ قُوَّةٌ دِينِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ إِلَهِيَّةٌ بَاقِيَةٌ، فَحَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ مَعْنَى هَذَا الِاسْمِ مِنَ الْقُوَّةِ الظَّاهِرَةِ إِلَى الْبَاطِنَةِ، وَمِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَى الدِّينِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الصُّرَعَةُ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُبَالِغُ فِي الصَّرْعِ الَّذِي لَا يُغْلَبُ، فَنَقَلَهُ إِلَى الَّذِي يَمْلِكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، فَإِنَّهُ إِذَا مَلَكَهَا كَانَ قَدْ قَهَرَ أَقْوَى أَعْدَائِهِ وَشَرَّ خُصُومِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: أَعْدَى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ، وَهَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْ وَضْعِهَا اللُّغَوِيِّ بِضَرْبٍ مِنَ التَّوَسُّعِ وَالْمَجَازِ، وَهُوَ مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَضْبَانُ بِحَالَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ الْغَيْظِ، وَقَدْ ثَارَتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ الْغَضَبِ، فَقَهَرَ بِحِلْمِهِ وَصَرَعَهَا بِثَبَاتِهِ كَانَ كَالصُّرَعَةِ الَّذِي يَصْرَعُ الرِّجَالَ وَلَا يَصْرَعُونَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

стр. 7031

٥١٠٦ - وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: " كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ ". ــ ٥١٠٦ - (وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ) : ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ) : بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرٍ هُوَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ. قَالَ شَارِحٌ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ النَّاسُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَتُهُ الْآتِيَةُ، فَالْحُكْمُ كُلِّيٌّ لَا غَالِبِيٌّ عَلَى مَا سَيَجِيءُ وَقَوْلُهُ: (مُتَضَعِّفٍ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُكْسَرُ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ كَجُنُودٍ مُجَنَّدَةٍ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ وَظِلٍّ ظَلِيلٍ، وَفَائِدَةُ التَّاءِ الْمَوْضُوعِ لِلطَّلَبِ أَنَّ الضَّعْفَ الْحَاصِلَ فِيهِ كَأَنَّ مَطْلُوبٌ مِنْهُ التَّذَلُّلَ وَالتَّوَاضُعَ، مَعَ إِخْوَانِهِ وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا مُتَرَجِّلًا مَعَ أَعْدَائِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ كَثُرَ تَوَاضُعُهُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ يَكُونُ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمُقَرَّبِينَ، كَمَا أَنَّ مَنْ يَكُونُ أَكْثَرَ تَكَبُّرًا وَتَجَبُّرًا يَكُونُ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطُوهُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا، وَالْمَشْهُورُ الْفَتْحُ، وَمَعْنَاهُ يَسْتَضْعِفُهُ النَّاسُ وَيَحْتَقِرُونَهُ وَيَتَجَرَّأُونَ عَلَيْهِ لِضَعْفِ حَالِهِ فِي الدُّنْيَا، يُقَالُ: تَضَعَّفَهُ وَاسْتَضْعَفَهُ، وَأَمَّا عَلَى الْكَسْرِ فَمَعْنَاهُ مُتَوَاضِعٌ مُتَذَلِّلٌ خَامِلٌ وَاضِعٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَغْلَبَ أَهْلِ الْجَنَّةِ هَؤُلَاءِ، كَمَا أَنَّ مُعْظَمَ أَهْلِ النَّارِ الْقِسْمُ الْأَخِيرُ (لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ) أَيْ: فِي فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ (لَأَبَرَّهُ) أَيْ: لَأَمْضَاهُ عَلَى الصِّدْقِ وَجَعَلَهُ بَارًّا غَيْرَ حَانِثٍ فِي طَلَبِهِ مِنَ الْحَقِّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَوْ حَلَفَ يَمِينًا طَمَعًا فِي كَرَمِ اللَّهِ بِإِبْرَارِهِ لَأَبَرَّهُ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ) : بِضَمَّتَيْنِ فَتَشْدِيدٌ أَيْ: جَافٍ شَدِيدُ الْخُصُومَةِ بِالْبَاطِلِ، وَقِيلَ: الْجَافِي الْفَظُّ الْغَلِيظُ (جَوَّاظٍ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ: جَمُوعٍ مَنُوعٍ أَوْ مُخْتَالٍ، وَقِيلَ: السَّمِينُ مِنَ التَّنْعِيمِ، وَقِيلَ: الْفَاجِرُ بِالْجِيمِ، وَقِيلَ: بِالْخَاءِ (مُسْتَكْبِرٍ) أَيْ: مُتَكَبِّرٍ عَنِ الْحَقِّ أَوْ عَلَى أَهْلِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُعَاذٍ وَلَفْظُهُ: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ رَجُلٌ ضَعِيفٌ مُسْتَضْعَفٌ ذُو طِمْرَيْنِ لَا يَؤُبَّهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» " وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِلَفْظِ: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ، كُلُّ جَعْظَرِيِّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ جَمَّاعٍ مَنُوعٍ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، كُلُّ مِسْكِينٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ) : وَالزَّنِيمُ: الدَّعِيُّ فِي النَّسَبِ الْمُلْصَقِ بِالْقَوْمِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ تَشْبِيهًا لَهُ بِالزَّنَمَةِ وَهِيَ شَيْءٌ يُقْطَعُ مِنْ أُذُنِ الشَّاهِ وَيُتْرَكُ مُعَلَّقًا بِهَا ذَكَرُهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْآيَةِ الْوَارِدَةِ فِي حَقِّ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةَ وَأَضْرَابِهِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَهُوَ اللَّئِيمُ الْمَعْرُوفُ بِلُؤْمِهِ أَوْ شَرِّهِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الزَّنِيمُ كِنَايَةً عَنْ هَذَا الْوَصْفِ، فَإِنَّهُ لَازَمَهُ غَالِبًا، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ» ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا عَمِلَ بِعَمَلِ أَبَوَيْهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ( «وَلَدُ الزِّنَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» ) فَلَا أَصْلَ لَهُ أَصْلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 7032

٥١٠٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥١٠٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَدْخُلُ النَّارَ) أَيْ: دُخُولَ خُلُودٍ (أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ) أَيْ: مِقْدَارُ وَزْنِ حَبَّةٍ (مِنْ خَرْدَلٍ) : قِيلَ: إِنَّهُ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ وَهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقِلَّةِ كَمَا جَاءَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ (مِنْ إِيمَانٍ) أَيْ: مِنْ ثَمَرَتِهِ وَهِيَ أَخْلَاقُهُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَاطِنِ أَوِ الظَّاهِرِ الصَّادِرِ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ، وَظُهُورِ الْإِيقَانِ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ لَيْسَ قَابِلًا لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَقَوْلُ الطِّيبِيِّ فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ صَدَرَ مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ بِحَقِيقَةِ الْإِيقَانِ وَالْإِتْقَانِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَجَزَّأُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْمُؤْمِنِ بِهِ، وَلَا شَكَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِبَعْضِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ كَلَا إِيمَانَ. نَعَمْ لَهُ شُعَبٌ كَثِيرَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَسَائِرِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، وَكَالتَّوَاضُعِ وَالتَّرَحُّمِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الْبَاطِنَةِ الْبَاهِرَةِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: " «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» " وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُهُ: «وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَفْهُومِ الْإِيمَانِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ: مَعَ السَّابِقِينَ (أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ) : فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ أَنَّ " الْكِبْرَ الْمُجَرَّدَ لَيْسَ بِكُفْرٍ، كَمَا أَنَّ الْكِبْرَ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ كُفْرٌ إِجْمَاعًا، نَعَمِ الْكُفْرُ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَالْكُفْرَانِ إِلَى النُّورِ أَيْ: نُورِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ الْكِبْرِ، بَلْ يُصَفَّى مِنْهُ وَمِنْ كُلِّ خَصْلَةٍ مَذْمُومَةٍ إِمَّا بِالتَّعْذِيبِ أَوْ بِعَفْوِ اللَّهِ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لِلْحَدِيثِ تَأْوِيلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَادَ بِالْكِبْرِ الْكُفْرُ وَالشِّرْكُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ قَابَلَهُ فِي نَقِيضِهِ بِالْإِيمَانِ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ نَزَعَ مِنْ قَلْبِهِ مَا كَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْكِبْرِ، حَتَّى يَدْخُلَهَا بِلَا كِبْرٍ وَغِلٍّ فِي قَلْبِهِ، وَقَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُ النَّارَ) يَعْنِي دُخُولَ تَأْيِيدٍ وَتَخْلِيدٍ اهـ. وَأَرَادَ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي بِالْكِبْرِ التَّكَبُّرَ عَلَى النَّاسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَنْفَسِهَا فَإِنَّهُ أَشَارَ بِالْإِيمَانِ، إِلَى أَنَّ الْكِبْرَ مِنْ صِفَاتِ الْكَافِرِينَ، فَيَجِبُ أَنْ يَجْتَنِبَ عَنْهُ، وَبِالْكِبْرِ تَلْمِيحٌ إِلَى أَنَّ التَّوَاضُعَ مِنْ سِمَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُرْغَبَ فِيهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْأَوْلَى فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَإِيرَادَهُ إِلَى مَعْنَى الْوَصْفَيْنِ لِلتَّرْغِيبِ فِي أَحَدِهِمَا، وَالتَّنْفِيرِ عَنِ الْآخَرِ لَا إِلَى حُكْمِ الْمَوْصُوفِينَ وَإِنْ لَزِمَهُ تَبَعًا اهـ. وَهُوَ غَايَةُ التَّحْقِيقِ وَنِهَايَةُ التَّدْقِيقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7033

٥١٠٨ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ". فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا. قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ. الْكِبَرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥١٠٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ " فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَوْ رَبِيعَةُ بْنُ عَامِرٍ أَقْوَالٍ. (إِنَّ الرَّجُلَ) أَيْ: جِنْسُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الشَّخْصُ (يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَاعِيَ نَظَرَ الْخَلْقِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ، وَعَلَامَةُ صِدْقِهِ أَنْ يُحِبَّ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْخَلَاءِ، ثُمَّ النَّعْلُ مَا وُقِيَتْ بِهِ الْقَدَمُ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ جَمَاعِيَّةٌ. ذَكَرَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي رِسَالَتِهِ فِيمَا يَجِبُ تَأْنِيثُهُ، وَفِي الْمَشَارِقِ: وَنَعْلُهُ حَسَنَةٌ فَالتَّذْكِيرُ هُنَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا، هُوَ مَا وُقِيَتْ بِهِ الْقَدَمُ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ: وَنَعْلُهُ ذَاتُ حُسْنٍ، أَوْ عَدَلَ عَنْ فَعْلَاءَ أَيْ فَعَلَ لِلْمُشَاكَلَةِ مَعَ قَابِلِيَّةِ اللَّفْظِ أَنْ يُقْرَأَ كَذَلِكَ، وَلَعَلَّ سَبَبَ السُّؤَالِ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى الرَّجُلُ الْعَادَةَ فِي الْمُتَكَبِّرِينَ لِبْسَ الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ سَأَلَ مَا سَأَلَ.

стр. 7034

(قَالَ) أَيْ: مُجِيبًا لَهُ (إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ) أَيْ: فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَفِعَالِهِ وَكُلِّ جَمَالٍ صُورِيٍّ أَوْ جَمِيلٍ مَعْنَوِيٍّ، فَهُوَ أَثَرُ جِمَالِهِ، فَلَا جَمَالَ وَلَا جَلَالَ وَلَا كَمَالَ إِلَّا لَهُ سُبْحَانَهُ (يُحِبُّ الْجَمَالَ) أَيْ: ظُهُورَهُ فِي مَخْلُوقَاتِهِ، وَلِذَلِكَ أَظْهَرَهُمْ وَجَعَلَهُمْ مَظَاهِرَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» " (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ أَيِ: الْكِبْرُ الْمَذْمُومُ بُطْلَانُ جَمَالِ الْحَقِّ (وَغَمْصِ النَّاسِ) أَيِ: اسْتِحْقَارِ الْخَلْقِ، وَأَصْلُ الْبَطَرِ شِدَّةُ الْفَرَحِ وَالنَّشَاطِ، وَالْمُرَادُ هُنَا قِيلَ سَوَاءٌ احْتِمَالُ الْغِنَى، وَقِيلَ الطُّغْيَانُ عِنْدَ النِّعْمَةِ وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ. وَفِي النِّهَايَةِ: بَطَرُ الْحَقِّ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ مَا يَجْعَلُهُ اللَّهُ حَقًّا مِنْ تَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ بَاطِلًا، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَجَبَّرَ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يَرَاهُ حَقًّا. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يَقْبَلُهُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَتَفْسِيرُهُ عَلَى الْبَاطِلِ أَشْبَهُ لِمَا وَرَدَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ سَفَهِ الْحَقِّ، وَغَمْصِ النَّاسِ أَيْ: رَأَى الْحَقَّ سَفَهًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ، وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِزِيَادَةِ: " «وَيُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ وَيُبْغِضُ الْبُؤْسَ وَالتَّبَاؤُسَ» ". وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِزِيَادَةِ: " سَخِيٌّ يُحِبُّ السَّخَاءَ نَطِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ ".

стр. 7035

٥١٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥١٠٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ثَلَاثَةٌ) أَيْ: أَشْخَاصٌ (لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) أَيْ: كَلَامَ رِضًا أَوْ مُطْلَقًا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: وَقْتَ ظُهُورِ عَدْلِهِ وَفَضْلِهِ وَغَضَبِهِ وَرِضَاهُ (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أَيْ: لَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ (وَفِي رِوَايَةٍ) : بَدَلًا عَمَّا قَبْلَهُ أَوْ زِيَادَةً عَلَيْهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أَيْ: نَظَرَ لُطْفٍ وَعِنَايَةٍ وَرَحْمَةٍ وَرِعَايَةٍ (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَتِمَّةِ الرِّوَايَةِ، وَأَنْ يَكُونَ عَوْدًا إِلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَقَوْلِهِ: (شَيْخٌ زَانٍ) : لِأَنَّ الزِّنَا إِذَا كَانَ قَبِيحًا مِنَ الشَّابِّ مَعَ كَوْنِهِ مَعْذُورًا طَبْعًا، فَمِنَ الشَّيْخِ الْمُنْطَفِئِ شَهْوَتُهُ الْمُنْتَفِي غُلْمَتُهُ يَكُونُ أَقْبَحَ، وَفِي نَظَرِ الْعَقْلِ أَسْمَجَ (وَمَلِكٌ كَذَّابٌ) أَيْ: كَثِيرُ كَذِبٍ أَوْ ذُو كَذِبٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصِّيغَةَ لِلْمُبَالَغَةِ، أَوِ النِّسْبَةِ، وَالثَّانِي أَبْلَغُ (وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ) أَيْ: فَقِيرٌ مُتَكَبِّرٌ، لِأَنَّ كِبْرًا مَعَ انْعِدَامِ سَبَبِهِ فِيهِ مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ بِالطَّبْعِ ذَمِيمًا فِي الشَّرْعِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعَائِلِ ذُو الْعِيَالِ، فَتَكَبُّرُهُ عَنْ أَخْذِ الصَّدَقَةِ قَدْرَ مَا يَسُدُّ خَلَّتَهُ وَخَلَّةَ عِيَالِهِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِاسْتِيلَاءِ هَذِهِ الرَّذِيلَةِ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ وَعِيَالَهُ الضَّرَرُ الشَّدِيدُ مِنْ تَكَبُّرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي الزِّنَا قَبِيحٌ وَمِنَ الشَّيْخِ أَقْبَحُ وَالْكَذِبُ سَمِجٌ، وَمِنَ الْمَلِكِ أَسْمَجُ، وَالتَّكَبُّرُ مَذْمُومٌ وَمِنَ الْفَقِيرِ أَذَمُّ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالشَّيْخِ الْمُحْصَنُ سَوَاءٌ يَكُونُ شَابًّا أَوْ لَا. وَلِكَوْنِ الزِّنَا أَقْبَحَ مِنْهُ شَرْعًا وَعُرْفًا وَجَبَ فِيهِ الرَّجْمُ كَمَا فِي الْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهِ عَزِيزُ حَكِيمُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَلِكِ الْغَنِيُّ، فَإِنَّ الْفَقِيرَ قَدْ يَكْذِبُ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ مِنْ مَنْفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَالْغَنِيُّ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مُطْلَقًا. فَالْكَذِبُ مِنْهُ أَقْبَحُ، وَالْمُرَادُ بِالْفَقِيرِ الَّذِي يَتَكَبَّرُ عَلَى الْفُقَرَاءِ ; لِأَنَّ التَّكَبُّرَ عَلَى الْمُتَكَبِّرِينَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ صَدَقَةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْفَقِيرُ الْمُتَكَبِّرُ عَنِ الْكَسْبِ وَالْكَدِّ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي أَهْلِ زَمَانِنَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا التَّكَبُّرَ الْمُتَضَمِّنَ لِلرُّعُونَةِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ مَعَ إِضْرَارِ النَّفْسِ، وَارْتِكَابِ السُّؤَالِ، وَأَخْذِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ حَلَالٍ أَقْبَحُ مِنْ تَكَبُّرِ الْأَغْنِيَاءِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ يَتَكَلَّفُ وَيَتَزَيَّا بِزِيِّ الْأَكَابِرِ، كَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ، بِأَنَّ الْحَلَالَ مَا حَلَّ بِنَا وَأَنَّ الْحَرَامَ مَا حَرَّمْنَا، فَإِنَّ الْعِلَلَ الْمُرَكَّبَةَ دَاءٌ عُضَالٌ يَعْجِزُ عَنْهُ الْحُكَمَاءُ وَإِنْ بَلَغُوا مَبْلَغَ الْكَمَالِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: " «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» ".

стр. 7036

٥١١٠ - وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْكِبْرَيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» ؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ــ ٥١١٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: (الْكِبْرِيَاءُ) أَيِ: الذَّاتِيُّ (رِدَائِي) أَيْ: بِمَنْزِلَتِهِ عِنْدَكُمْ (وَالْعَظْمَةُ) أَيِ: الصِّفَاتِيُّ (إِزَارِي) أَيْ: فِي مَرْتَبَتِهِ لَدَيْكُمْ، فَإِنَّ رُتْبَةَ الصِّفَةِ دُونَ رُتْبَةِ الذَّاتِ، وَلِذَا خُصَّ التَّكْبِيرُ بِكَوْنِهِ تَحْرِيمَةً لِلصَّلَاةِ فِي الْقِيَامِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالتَّعْظِيمُ بِالرُّكُوعِ الْمَنْدُوبِ فِيهِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَمِنْهُ التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَحَقِيقَتُهُ تَرْكُ الِاشْتِغَالِ بِمَا سِوَاهُ، فَالتَّرْكِيبُ نَوْعٌ مِنَ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا مُخْتَصَّانِ بِيَ اخْتِصَاصًا ظَاهِرًا كَنِسْبَةِ الثَّوْبَيْنِ إِلَيْكُمْ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَحَدٍ عَلَيْكُمْ، فَإِذَا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ وَعَلِمْتُمْ مَا هُنَالِكَ. (فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا) أَيْ: مِنَ الْوَصْفَيْنِ بِأَنْ تَكَبَّرَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، أَوْ تَعْظِيمٍ مِنْ حَيْثِيَّةِ صِفَاتِهِ وَأَرَادَ نَوْعًا مِنَ الْمُشَارَكَةِ مَعِي فِي نُعُوتِ ذَاتِي وَصِفَاتِي (أَدْخَلْتُهُ النَّارَ) أَيْ: نَارَ الْعَذَابِ وَعِقَابَ الْحِجَابِ، فَإِنَّهُ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ وَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ: (قَذَفْتُهُ) أَيْ: رَمَيْتُهُ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ بِهِ (فِي النَّارِ) : هَذَا مُجْمَلُ الْمَرَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَمَّا تَفْصِيلُهُ فَفِي النِّهَايَةِ: الْكِبْرِيَاءُ وَالْعَظَمَةُ وَالْمُلْكُ وَقِيلَ: هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِ الذَّاتِ وَكَمَالِ الْوُجُودِ، وَلَا يُوصَفُ بِهِمَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ مِنَ الْكِبْرِ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْعَظَمَةُ وَيُقَالُ: كَبُرَ بِالضَّمِّ يَكْبُرُ أَيْ: عَظُمَ فَهُوَ كَبِيرٌ اهـ. وَقِيلَ: إِنَّ الْكِبْرِيَاءَ وَالْعَظَمَةَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ مُتَّحِدَةُ الْمَعْنَى، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ مُعْظَمُهُمْ لِلْفَرْقِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْفَرْقِ إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ التَّرَادُفِ، وَلِمَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ مِنَ الْفَرْقِ فِي مَرْتَبَةِ الْجَمْعِ. قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: جُعِلَ الْكِبْرِيَاءُ قَائِمًا مَقَامَ الرِّدَاءِ، وَالْعَظْمَةُ قَائِمَةً مَقَامَ الْإِزَارِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرِّدَاءَ أَرْفَعُ دَرَجَةً مِنَ الْإِزَارِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ صِفَةُ الْكِبْرِيَاءِ أَرْفَعَ حَالًا مِنْ صِفَةِ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ قَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَبِّرًا فِي ذَاتِهِ سَوَاءٌ اسْتَكْبَرَهُ غَيْرُهُ أَمْ لَا. وَسَوَاءٌ عَرَفَ هَذِهِ الصِّفَةَ أَحَدٌ أَمْ لَا. وَأَمَّا الْعَظَمَةُ فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَسْتَعْظِمُهُ غَيْرُهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتِ الصِّفَةُ الْأَوْلَى ذَاتِيَّةً، وَالثَّانِيَةُ إِضَافِيَّةً، وَالذَّاتِيُّ أَعْلَى مِنَ الْإِضَافِيِّ اهـ. وَأَطْنَبَ الطِّيبِيُّ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِ الْفَخْرِ وَتَوْضِيحِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ عَرَفْتُ مَا قِيلَ أَنَّ الْكِبْرَ هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْحَقِّ وَتَحْقِيرِ النَّاسِ، فَالتَّوَاضُعُ هُوَ الْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ وَتَوْقِيرُ النَّاسِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، فَالْمَعْنَى مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى الْخَلْقِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِقَذْفِهِ فِي أَقْصَى دَرَكَاتِ النِّيرَانِ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ مَعَ الْخَلْقِ رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ: ( «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي رِدَائِي قَصَمْتُهُ» ) : وَرَوَاهُ سَمُّوَيْهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ ( «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعِزُّ إِزَارِي مَنْ نَازَعَنِي فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ» ) .

стр. 7037

الْفَصْلُ الثَّانِي ٥١١١ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارِينَ، فَيُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٥١١١ - (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) : صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ) : قَالَ الْمُظْهِرُ وَغَيْرُهُ: الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: يُعْلِي نَفْسَهُ وَيَرْفَعُهَا وَيُبْعِدُهَا عَنِ النَّاسِ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَيَعْتَقِدُهَا عَظِيمَةَ الْقَدْرِ أَوْ لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ: يُرَافِقُ نَفْسَهُ فِي ذَهَابِهَا إِلَى الْكِبْرِ وَيُعَزِّزُهَا وَيُكْرِمُهَا، كَمَا يُكْرِمُ الْخَلِيلُ الْخَلِيلَ، حَتَّى تَصِيرَ مُتَكَبِّرَةً، وَفِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ يُقَالُ: ذَهَبَ بِهِ مَرَّ بِهِ مَعَ نَفْسِهِ. قُلْتُ: وَمِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] أَيْ: أَذْهَبُ نُورَهُمْ، وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُذْهِبُهَا عَنْ دَرَجَتِهَا وَمَرْتَبَتِهَا إِلَى مَرْتَبَةٍ أَعْلَى وَهَكَذَا. (حَتَّى يُكْتَبَ) أَيِ: اسْمَهُ أَوْ يُثْبَتَ رَسْمُهُ (فِي الْجَبَّارِينَ) أَيْ: فِي دِيوَانِ الظَّالِمِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ أَوْ مَعَهُمْ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ (فَيُصِيبَهُ) : بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ أَيْ: فَيَنَالُ الرَّجُلُ مِنْ بَلِيَّاتِ الدُّنْيَا وَعُقُوبَاتِ الْعُقْبَى (مَا أَصَابَهُمْ) أَيِ: الْجَبَّارِينَ كَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 7038

٥١١٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «يُحْشُرُ الْمُتَكَبِّرُونَ أَمْثَالَ الذَّرِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى: بُولَسُ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥١١٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يُحْشُرُ الْمُتَكَبِّرُونَ أَمْثَالَ الذَّرِّ) أَيْ: فِي الصِّغَرِ وَالْحَقَارَةِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ) أَيْ: مِنْ جِهَةِ وُجُوهِهِمْ أَوْ مِنْ حَيْثِيَّةِ هَيْئَتِهِمْ مِنِ انْتِصَابِ الْقَامَةِ (يَغْشَاهُمْ) أَيْ: يَأْتِيهِمْ (الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) أَيْ: مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْمَذَلَّةِ وَالنَّقِيصَةِ يَطَؤُهُمْ أَهْلُ الْمَحْشَرِ بِأَرْجُلِهِمْ مِنْ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ: الذَّرُّ النَّمْلُ الْأَحْمَرُ الصَّغِيرُ وَاحِدُهَا ذَرَّةٌ، وَقِيلَ: الذَّرَّةُ يُرَادُ بِهَا مَا يُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ الدَّاخِلَ فِي النَّافِذَةِ. قُلْتُ: نَعَمْ قَدْ يُرَادُ بِهَا، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة: ٨] كَمَا أَنَّهُ الْمُرَادُ جَزْمًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ، وَأَمَّا إِرَادَةُ هَذَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِقَوْلِهِ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَقَالِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ أَيْ: أَذِلَّاءَ مُهَانِينَ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَرْجُلِهِمْ، وَإِنَّمَا مَنَعَنَا عَنِ الْقَوْلِ بِظَاهِرِهِ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ : " «إِنَّ الْأَجْسَادَ تُعَادُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ حَتَّى إِنَّهُمْ يُحْشُرُونَ غُرْلًا يُعَادُ مِنْهُمْ مَا انْفَصَلَ عَنْهُمْ مِنَ الْقُلْفَةِ» " وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ بِقَوْلِهِ: يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ. قَالَ الْأَشْرَفُ: إِنَّمَا قَالَ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَمْثَالَ الذَّرِّ قَطْعًا مِنْهُ حَمْلَ قَوْلِهِ أَمْثَالَ الذَّرِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَدَفْعًا لِوَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُتَكَبِّرَ لَا يُحْشُرُ فِي صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَتَحْقِيقًا لِإِعَادَةِ الْأَجْسَادِ الْمَعْدُومَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي صُوَرُهُمْ صُوَرُ الْإِنْسَانِ، وَجُثَّتُهُمْ كَجُثَّةِ الذَّرِّ فِي الصِّغَرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَفْظُ الْحَدِيثِ يُسَاعِدُ هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَمْثَالَ الذَّرِّ تَشْبِيهٌ لَهُمْ بِالذَّرِّ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ وَجْهِ الشَّبَهِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الشَّبَهِ الصِّغَرَ فِي الْجُثَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْحَقَارَةَ وَالصَّغَارَ، فَقَوْلُهُ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ بَيَانٌ لِلْوَجْهِ وَدَفُعُ وَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ خِلَافَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْأَجْسَادَ تُعَادُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ، فَلَيْسَ فِيهِ أَنْ لَا تُعَادَ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ الْأَصْلِيَّةُ فِي مِثْلِ الذَّرِّ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ، وَعَلَى هَذَا الْحَقَارَةُ مَلْزُومُ هَذَا التَّرْكِيبِ، فَلَا يُنَافِي إِرَادَةَ الْجُثَّةِ مَعَ الْحَقَارَةِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا كَلَامَ فِي قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ هَلْ تُعَلَّقُ الْقُدْرَةُ بِهِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا صَحَّ فِي الْخَبَرِ: أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يُحْشُرُونَ غُرْلًا، فَلَا شَكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ إِعَادَةِ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ الْأَصْلِيَّةِ مِنَ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ، كَالْأَظْفَارِ الْمَقْلُوعَةِ، وَالشُّعُورِ الْمَحْلُوقَةِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ تَصْمِيمًا لِكَلَامِ الشَّارِعِ، وَتَحْقِيقًا لِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ، وَحُصُولُ هَذَا كُلِّهِ فِي ذَرَّةٍ مِنَ الْمُحَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَنَفْيُهُ يُعْتَبَرُ فِي الْقَوَاعِدِ النَّقْلِيَّةِ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ دُخُولَ الْكُفَّارِ الْجَنَّةَ مِنَ الْمُحَالِ الَّذِي لَا يَقَعُ أَبَدًا كَوُجُودِ الْجَمَلِ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا عَلِمْتَ أَنَّ الشَّيْخَ التُّورِبِشْتِيَّ عَدَلَ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ لِلضَّرُورَةِ الْمُلْجِئَةِ لَهُ إِلَيْهِ، لَكِنْ يَأْبَاهُ مَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ بَقِيَّةُ الشُّرَّاحِ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ اللَّهَ يُعِيدُهُمْ عِنْدَ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ عَلَى أَكْمَلِ صُوَرِهِمْ، وَجَمْعُ أَجْزَائِهِمُ الْمَعْدُومَةِ تَحْقِيقًا لِوَصْفِ الْإِعَادَةِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، ثُمَّ فِي يَجْعَلُهُمْ فِي مَوْقِفِ الْجَزَاءِ عَلَى الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ إِهَانَةً وَتَذْلِيلًا لَهُمْ جَزَاءً وِفَاقًا، أَوْ يَتَصَاغَرُونَ مِنَ الْهَيْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ إِلَى مَوْضِعِ الْحِسَابِ، وَظُهُورِ أَثَرِ الْعُقُوبَةِ السُّلْطَانِيَّةِ الَّتِي لَوْ وُضِعَتْ عَلَى الْجِبَالِ لَصَارَتْ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَقَدْ ثَبَتَ تَبْدِيلُ صُوَرِ أَهْلِ جَهَنَّمَ عَلَى أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَصُوَرٍ مُتَبَايِنَةٍ كَصُوَرِ الْكِلَابِ وَالْخَنَازِيرِ وَالْحَمِيرِ، بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِصِفَاتِهِمْ وَحَالَاتِهِمْ، وَقَدْ تَكْبُرُ جُثَّتُهُمْ حَتَّى يَكُونَ ضِرْسُ الْكَافِرِ كَجَبَلِ أُحُدٍ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَكَذَا تَغْيِيرُ صُوَرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ السَّوَادِ إِلَى الْبَيَاضِ، وَمِنَ الْقِصَرِ إِلَى الطُّولِ الْمُعْتَدِلِ، وَمِنَ الْكِبَرِ إِلَى السَّنِّ الْمُتَوَسِّطِ، وَجَعْلِهِمْ جُرْدًا مُكَحَّلَيْنِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.

стр. 7039

وَيَدُلُّ عَلَى مَا قَرَّرْنَا أَنَّ تَبْدِيلَهُمْ إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ أَمْرِهِمْ قَوْلَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ أَوْ عَلَى الْحَالِ الْبَيَانِيِّ (يُسَاقُونَ) : بِضَمِّ الْقَافِ أَيْ: يُسْحَبُونَ وَيُجَرُّونَ (إِلَى سِجْنٍ) أَيْ: مَكَانِ حَبْسٍ مُظْلِمٍ مُضَيَّقٍ مُنْقَطِعٍ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ (يُسَمَّى) أَيْ: ذَلِكَ السِّجْنُ (بَوْلَسُ) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَفَتْحِ لَامٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، فَفِي الْقَامُوسِ: بَوْلَسُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ سِجْنُ جَهَنَّمَ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْمُوَحِّدَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ اللَّامِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَقَالَ شَارِحٌ: بِفَتْحِ الْمُوَحِّدَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا فَوْعَلُ مِنَ الْإِبْلَاسِ بِمَعْنَى الْيَأْسِ سُمِّيَ بِهِ لِيَأْسِ دَاخِلِهِ مِنَ الْخَلَاصِ، وَفِي النِّهَايَةِ: فَكَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مُسَمًّى، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِضَبْطِهِ، فَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَصَاحِبُ الْقَامُوسِ أَوْلَى مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِمَا لِجَلَالَتِهِمَا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَعْلُوهُمْ) أَيْ: تُحِيطُ بِهِمْ وَتَغْشَاهُمْ كَالْمَاءِ يَعْلُو الْغَرِيقَ (نَارُ الْأَنْيَارِ) أَيْ: نَارُ النِّيرَانِ. قَالَ شَارِحٌ: أَنْيَارٌ جَمْعُ نَارٍ كَأَنْيَابٍ جَمْعٌ نَابٍ، وَفِيهِ أَنَّ النَّابَ يَائِيٌّ وَالنَّارَ وَاوِيٌّ، وَلِذَا لَمْ يُذْكَرْ أَنْيَارٌ فِي الْقَامُوسِ لِكَوْنِهِ شَاذًّا، وَالْقِيَاسُ الْأَنْوَارُ إِلَّا أَنَّهُ قِيلَ الْأَنْيَارُ لِئَلَّا يُشْتَبَهُ بِجَمْعِ النُّورِ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِضَافَةُ النَّارِ إِلَيْهَا لِلْمُبَالَغَةِ كَأَنَّ هَذِهِ النَّارَ لِفَرْطِ إِحْرَاقِهَا وَشِدَّةِ حَرِّهَا تَفْعَلُ بِسَائِرِ النِّيرَانِ مَا تَفْعَلُ النَّارُ بِغَيْرِهَا. أَقُولُ: أَوْ لِأَنَّهَا أَصْلُ نِيرَانِ الْعَالَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: ١٢] وَلِقَوْلِهِ ﷺ : " نَارُكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ " عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ، وَفِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: نَارُ الْأَنْيَارِ لَمْ أَجِدْهُ مَشْرُوحًا وَلَكِنْ هَكَذَا يُرْوَى، فَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ نَارَ النِّيرَانِ، فَجَمَعَ النَّارَ عَلَى أَنْيَارٍ، وَأَصْلُهَا أَنْوَارٌ، لِأَنَّهَا مِنَ الْوَاوِ، وَكَمَا جَاءَ فِي رِيحٍ وَعِيدٍ أَرْيَاحٌ وَأَعْيَادٌ وَهُمَا مِنَ الْوَاوِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُمَا وَتَوْجِيهُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَخَافَةِ الِالْتِبَاسِ، فَإِنَّ الْأَعْوَادَ بِمَعْنَى الْأَخْشَابِ، وَالْأَرْوَاحَ جَمْعُ الرُّوحِ. (يُسْقَوْنَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِكْرَاهِ وَإِيمَاءٌ إِلَى زِيَادَةِ الْإِحْرَاقِ الْمُؤْثَرِ إِلَى بِطُونِهِمْ أَيْضًا (مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ) أَيْ: صَدِيدِهِمُ الْمُنْتِنِ الْمُحْمَى غَايَةِ الْحَرَارَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِحَمِيمٍ (طِينَةِ الْخَبَالِ) : تَفْسِيرٌ لِمَا قَبِلَهُ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ بِمَعْنَى الْفَسَادِ. قَالَ شَارِحٌ: هُوَ اسْمُ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ، وَهُوَ مَا يَسِيلُ مِنْهُمْ مَنِ الصَّدِيدِ وَالْقَيْحِ وَالدَّمِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يُجَاءُ بِالْجَبَّارِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ رِجَالٌ فِي صُوَرِ الذَّرِ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ مِنْ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى نَارِ الْأَنْيَارِ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا نَارُ الْأَنْيَارِ؟ قَالَ: " عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْبُدُورِ السَّافِرَةِ فِي أَحْوَالِ الْآخِرَةِ.

стр. 7040

٥١١٣ - وَعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عُرْوَةَ السَّعْدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا يُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٥١١٣ - (وَعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عُرْوَةَ السَّعْدِيِّ) : مَنْسُوبٌ إِلَى سَعْدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ» ) أَيْ: مِنْ أَثَرِ وَسْوَسَتِهِ (وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ) : قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] ، وَقَالَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، وَمَعْنَى خَلْقِهِ مِنْهَا أَنَّ عُنْصُرَهُ النَّارِيَّ غَالِبٌ عَلَى سَائِرِ أَجْزَائِهِ، بِخِلَافِ الْإِنْسَانِ (وَإِنَّمَا يُطْفَأُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَهْمُوزٌ أَيْ: يَدْفَعُ (النَّارُ) ، أَيْ: الْحِسِّيَّةَ (بِالْمَاءِ) أَيِ: الْحَقِيقِيِّ (فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ) أَيْ: وَاشْتَعَلَتْ نَارُ غَضَبِهِ مِنْ جَوْفِهِ، وَيُرِيدُ إِحْرَاقَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ بِنَوْعٍ مِنْ عَذَابِهِ. (فَلْيَتَوَضَّأْ) : فَإِنَّ الْوُضُوءَ مُرَكَّبٌ
следующие страницы →