Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.
стр. 7036
٥١١٠ - وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْكِبْرَيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» ؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ــ
٥١١٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: (الْكِبْرِيَاءُ) أَيِ: الذَّاتِيُّ (رِدَائِي) أَيْ: بِمَنْزِلَتِهِ عِنْدَكُمْ (وَالْعَظْمَةُ) أَيِ: الصِّفَاتِيُّ (إِزَارِي) أَيْ: فِي مَرْتَبَتِهِ لَدَيْكُمْ، فَإِنَّ رُتْبَةَ الصِّفَةِ دُونَ رُتْبَةِ الذَّاتِ، وَلِذَا خُصَّ التَّكْبِيرُ بِكَوْنِهِ تَحْرِيمَةً لِلصَّلَاةِ فِي الْقِيَامِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالتَّعْظِيمُ بِالرُّكُوعِ الْمَنْدُوبِ فِيهِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَمِنْهُ التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَحَقِيقَتُهُ تَرْكُ الِاشْتِغَالِ بِمَا سِوَاهُ، فَالتَّرْكِيبُ نَوْعٌ مِنَ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا مُخْتَصَّانِ بِيَ اخْتِصَاصًا ظَاهِرًا كَنِسْبَةِ الثَّوْبَيْنِ إِلَيْكُمْ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَحَدٍ عَلَيْكُمْ، فَإِذَا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ وَعَلِمْتُمْ مَا هُنَالِكَ. (فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا) أَيْ: مِنَ الْوَصْفَيْنِ بِأَنْ تَكَبَّرَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، أَوْ تَعْظِيمٍ مِنْ حَيْثِيَّةِ صِفَاتِهِ وَأَرَادَ نَوْعًا مِنَ الْمُشَارَكَةِ مَعِي فِي نُعُوتِ ذَاتِي وَصِفَاتِي (أَدْخَلْتُهُ النَّارَ) أَيْ: نَارَ الْعَذَابِ وَعِقَابَ الْحِجَابِ، فَإِنَّهُ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ وَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: (قَذَفْتُهُ) أَيْ: رَمَيْتُهُ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ بِهِ (فِي النَّارِ) : هَذَا مُجْمَلُ الْمَرَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَمَّا تَفْصِيلُهُ فَفِي النِّهَايَةِ: الْكِبْرِيَاءُ وَالْعَظَمَةُ وَالْمُلْكُ وَقِيلَ: هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِ الذَّاتِ وَكَمَالِ الْوُجُودِ، وَلَا يُوصَفُ بِهِمَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ مِنَ الْكِبْرِ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْعَظَمَةُ وَيُقَالُ: كَبُرَ بِالضَّمِّ يَكْبُرُ أَيْ: عَظُمَ فَهُوَ كَبِيرٌ اهـ. وَقِيلَ: إِنَّ الْكِبْرِيَاءَ وَالْعَظَمَةَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ مُتَّحِدَةُ الْمَعْنَى، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ مُعْظَمُهُمْ لِلْفَرْقِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْفَرْقِ إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ التَّرَادُفِ، وَلِمَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ مِنَ الْفَرْقِ فِي مَرْتَبَةِ الْجَمْعِ.
قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: جُعِلَ الْكِبْرِيَاءُ قَائِمًا مَقَامَ الرِّدَاءِ، وَالْعَظْمَةُ قَائِمَةً مَقَامَ الْإِزَارِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرِّدَاءَ أَرْفَعُ دَرَجَةً مِنَ الْإِزَارِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ صِفَةُ الْكِبْرِيَاءِ أَرْفَعَ حَالًا مِنْ صِفَةِ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ قَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَبِّرًا فِي ذَاتِهِ سَوَاءٌ اسْتَكْبَرَهُ غَيْرُهُ أَمْ لَا. وَسَوَاءٌ عَرَفَ هَذِهِ الصِّفَةَ أَحَدٌ أَمْ لَا. وَأَمَّا الْعَظَمَةُ فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَسْتَعْظِمُهُ غَيْرُهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتِ الصِّفَةُ الْأَوْلَى ذَاتِيَّةً، وَالثَّانِيَةُ إِضَافِيَّةً، وَالذَّاتِيُّ أَعْلَى مِنَ الْإِضَافِيِّ اهـ.
وَأَطْنَبَ الطِّيبِيُّ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِ الْفَخْرِ وَتَوْضِيحِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ عَرَفْتُ مَا قِيلَ أَنَّ الْكِبْرَ هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْحَقِّ وَتَحْقِيرِ النَّاسِ، فَالتَّوَاضُعُ هُوَ الْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ وَتَوْقِيرُ النَّاسِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، فَالْمَعْنَى مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى الْخَلْقِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِقَذْفِهِ فِي أَقْصَى دَرَكَاتِ النِّيرَانِ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ مَعَ الْخَلْقِ رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ: ( «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي رِدَائِي قَصَمْتُهُ» ) : وَرَوَاهُ سَمُّوَيْهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ ( «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعِزُّ إِزَارِي مَنْ نَازَعَنِي فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ» ) .
стр. 7037
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥١١١ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارِينَ، فَيُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥١١١ - (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) : صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ) : قَالَ الْمُظْهِرُ وَغَيْرُهُ: الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: يُعْلِي نَفْسَهُ وَيَرْفَعُهَا وَيُبْعِدُهَا عَنِ النَّاسِ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَيَعْتَقِدُهَا عَظِيمَةَ الْقَدْرِ أَوْ لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ: يُرَافِقُ نَفْسَهُ فِي ذَهَابِهَا إِلَى الْكِبْرِ وَيُعَزِّزُهَا وَيُكْرِمُهَا، كَمَا يُكْرِمُ الْخَلِيلُ الْخَلِيلَ، حَتَّى تَصِيرَ مُتَكَبِّرَةً، وَفِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ يُقَالُ: ذَهَبَ بِهِ مَرَّ بِهِ مَعَ نَفْسِهِ. قُلْتُ: وَمِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] أَيْ: أَذْهَبُ نُورَهُمْ، وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُذْهِبُهَا عَنْ دَرَجَتِهَا وَمَرْتَبَتِهَا إِلَى مَرْتَبَةٍ أَعْلَى وَهَكَذَا. (حَتَّى يُكْتَبَ) أَيِ: اسْمَهُ أَوْ يُثْبَتَ رَسْمُهُ (فِي الْجَبَّارِينَ) أَيْ: فِي دِيوَانِ الظَّالِمِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ أَوْ مَعَهُمْ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ (فَيُصِيبَهُ) : بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ أَيْ: فَيَنَالُ الرَّجُلُ مِنْ بَلِيَّاتِ الدُّنْيَا وَعُقُوبَاتِ الْعُقْبَى (مَا أَصَابَهُمْ) أَيِ: الْجَبَّارِينَ كَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7038
٥١١٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «يُحْشُرُ الْمُتَكَبِّرُونَ أَمْثَالَ الذَّرِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى: بُولَسُ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥١١٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يُحْشُرُ الْمُتَكَبِّرُونَ أَمْثَالَ الذَّرِّ) أَيْ: فِي الصِّغَرِ وَالْحَقَارَةِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ) أَيْ: مِنْ جِهَةِ وُجُوهِهِمْ أَوْ مِنْ حَيْثِيَّةِ هَيْئَتِهِمْ مِنِ انْتِصَابِ الْقَامَةِ (يَغْشَاهُمْ) أَيْ: يَأْتِيهِمْ (الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) أَيْ: مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْمَذَلَّةِ وَالنَّقِيصَةِ يَطَؤُهُمْ أَهْلُ الْمَحْشَرِ بِأَرْجُلِهِمْ مِنْ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ: الذَّرُّ النَّمْلُ الْأَحْمَرُ الصَّغِيرُ وَاحِدُهَا ذَرَّةٌ، وَقِيلَ: الذَّرَّةُ يُرَادُ بِهَا مَا يُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ الدَّاخِلَ فِي النَّافِذَةِ. قُلْتُ: نَعَمْ قَدْ يُرَادُ بِهَا، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة: ٨] كَمَا أَنَّهُ الْمُرَادُ جَزْمًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ، وَأَمَّا إِرَادَةُ هَذَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِقَوْلِهِ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَقَالِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ أَيْ: أَذِلَّاءَ مُهَانِينَ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَرْجُلِهِمْ، وَإِنَّمَا مَنَعَنَا عَنِ الْقَوْلِ بِظَاهِرِهِ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ : " «إِنَّ الْأَجْسَادَ تُعَادُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ حَتَّى إِنَّهُمْ يُحْشُرُونَ غُرْلًا يُعَادُ مِنْهُمْ مَا انْفَصَلَ عَنْهُمْ مِنَ الْقُلْفَةِ» " وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ بِقَوْلِهِ: يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ. قَالَ الْأَشْرَفُ: إِنَّمَا قَالَ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَمْثَالَ الذَّرِّ قَطْعًا مِنْهُ حَمْلَ قَوْلِهِ أَمْثَالَ الذَّرِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَدَفْعًا لِوَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُتَكَبِّرَ لَا يُحْشُرُ فِي صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَتَحْقِيقًا لِإِعَادَةِ الْأَجْسَادِ الْمَعْدُومَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي صُوَرُهُمْ صُوَرُ الْإِنْسَانِ، وَجُثَّتُهُمْ كَجُثَّةِ الذَّرِّ فِي الصِّغَرِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: لَفْظُ الْحَدِيثِ يُسَاعِدُ هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَمْثَالَ الذَّرِّ تَشْبِيهٌ لَهُمْ بِالذَّرِّ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ وَجْهِ الشَّبَهِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الشَّبَهِ الصِّغَرَ فِي الْجُثَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْحَقَارَةَ وَالصَّغَارَ، فَقَوْلُهُ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ بَيَانٌ لِلْوَجْهِ وَدَفُعُ وَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ خِلَافَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْأَجْسَادَ تُعَادُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ، فَلَيْسَ فِيهِ أَنْ لَا تُعَادَ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ الْأَصْلِيَّةُ فِي مِثْلِ الذَّرِّ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ، وَعَلَى هَذَا الْحَقَارَةُ مَلْزُومُ هَذَا التَّرْكِيبِ، فَلَا يُنَافِي إِرَادَةَ الْجُثَّةِ مَعَ الْحَقَارَةِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا كَلَامَ فِي قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ هَلْ تُعَلَّقُ الْقُدْرَةُ بِهِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا صَحَّ فِي الْخَبَرِ: أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يُحْشُرُونَ غُرْلًا، فَلَا شَكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ إِعَادَةِ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ الْأَصْلِيَّةِ مِنَ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ، كَالْأَظْفَارِ الْمَقْلُوعَةِ، وَالشُّعُورِ الْمَحْلُوقَةِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ تَصْمِيمًا لِكَلَامِ الشَّارِعِ، وَتَحْقِيقًا لِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ، وَحُصُولُ هَذَا كُلِّهِ فِي ذَرَّةٍ مِنَ الْمُحَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَنَفْيُهُ يُعْتَبَرُ فِي الْقَوَاعِدِ النَّقْلِيَّةِ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ دُخُولَ الْكُفَّارِ الْجَنَّةَ مِنَ الْمُحَالِ الَّذِي لَا يَقَعُ أَبَدًا كَوُجُودِ الْجَمَلِ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا عَلِمْتَ أَنَّ الشَّيْخَ التُّورِبِشْتِيَّ عَدَلَ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ لِلضَّرُورَةِ الْمُلْجِئَةِ لَهُ إِلَيْهِ، لَكِنْ يَأْبَاهُ مَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ بَقِيَّةُ الشُّرَّاحِ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ اللَّهَ يُعِيدُهُمْ عِنْدَ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ عَلَى أَكْمَلِ صُوَرِهِمْ، وَجَمْعُ أَجْزَائِهِمُ الْمَعْدُومَةِ تَحْقِيقًا لِوَصْفِ الْإِعَادَةِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، ثُمَّ فِي يَجْعَلُهُمْ فِي مَوْقِفِ الْجَزَاءِ عَلَى الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ إِهَانَةً وَتَذْلِيلًا لَهُمْ جَزَاءً وِفَاقًا، أَوْ يَتَصَاغَرُونَ مِنَ الْهَيْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ إِلَى مَوْضِعِ الْحِسَابِ، وَظُهُورِ أَثَرِ الْعُقُوبَةِ السُّلْطَانِيَّةِ الَّتِي لَوْ وُضِعَتْ عَلَى الْجِبَالِ لَصَارَتْ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَقَدْ ثَبَتَ تَبْدِيلُ صُوَرِ أَهْلِ جَهَنَّمَ عَلَى أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَصُوَرٍ مُتَبَايِنَةٍ كَصُوَرِ الْكِلَابِ وَالْخَنَازِيرِ وَالْحَمِيرِ، بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِصِفَاتِهِمْ وَحَالَاتِهِمْ، وَقَدْ تَكْبُرُ جُثَّتُهُمْ حَتَّى يَكُونَ ضِرْسُ الْكَافِرِ كَجَبَلِ أُحُدٍ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَكَذَا تَغْيِيرُ صُوَرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ السَّوَادِ إِلَى الْبَيَاضِ، وَمِنَ الْقِصَرِ إِلَى الطُّولِ الْمُعْتَدِلِ، وَمِنَ الْكِبَرِ إِلَى السَّنِّ الْمُتَوَسِّطِ، وَجَعْلِهِمْ جُرْدًا مُكَحَّلَيْنِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
стр. 7039
وَيَدُلُّ عَلَى مَا قَرَّرْنَا أَنَّ تَبْدِيلَهُمْ إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ أَمْرِهِمْ قَوْلَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ أَوْ عَلَى الْحَالِ الْبَيَانِيِّ (يُسَاقُونَ) : بِضَمِّ الْقَافِ أَيْ: يُسْحَبُونَ وَيُجَرُّونَ (إِلَى سِجْنٍ) أَيْ: مَكَانِ حَبْسٍ مُظْلِمٍ مُضَيَّقٍ مُنْقَطِعٍ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ (يُسَمَّى) أَيْ: ذَلِكَ السِّجْنُ (بَوْلَسُ) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَفَتْحِ لَامٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، فَفِي الْقَامُوسِ: بَوْلَسُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ سِجْنُ جَهَنَّمَ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْمُوَحِّدَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ اللَّامِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَقَالَ شَارِحٌ: بِفَتْحِ الْمُوَحِّدَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا فَوْعَلُ مِنَ الْإِبْلَاسِ بِمَعْنَى الْيَأْسِ سُمِّيَ بِهِ لِيَأْسِ دَاخِلِهِ مِنَ الْخَلَاصِ، وَفِي النِّهَايَةِ: فَكَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مُسَمًّى، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِضَبْطِهِ، فَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَصَاحِبُ الْقَامُوسِ أَوْلَى مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِمَا لِجَلَالَتِهِمَا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَعْلُوهُمْ) أَيْ: تُحِيطُ بِهِمْ وَتَغْشَاهُمْ كَالْمَاءِ يَعْلُو الْغَرِيقَ (نَارُ الْأَنْيَارِ) أَيْ: نَارُ النِّيرَانِ. قَالَ شَارِحٌ: أَنْيَارٌ جَمْعُ نَارٍ كَأَنْيَابٍ جَمْعٌ نَابٍ، وَفِيهِ أَنَّ النَّابَ يَائِيٌّ وَالنَّارَ وَاوِيٌّ، وَلِذَا لَمْ يُذْكَرْ أَنْيَارٌ فِي الْقَامُوسِ لِكَوْنِهِ شَاذًّا، وَالْقِيَاسُ الْأَنْوَارُ إِلَّا أَنَّهُ قِيلَ الْأَنْيَارُ لِئَلَّا يُشْتَبَهُ بِجَمْعِ النُّورِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَإِضَافَةُ النَّارِ إِلَيْهَا لِلْمُبَالَغَةِ كَأَنَّ هَذِهِ النَّارَ لِفَرْطِ إِحْرَاقِهَا وَشِدَّةِ حَرِّهَا تَفْعَلُ بِسَائِرِ النِّيرَانِ مَا تَفْعَلُ النَّارُ بِغَيْرِهَا. أَقُولُ: أَوْ لِأَنَّهَا أَصْلُ نِيرَانِ الْعَالَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: ١٢] وَلِقَوْلِهِ ﷺ : " نَارُكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ " عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ، وَفِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: نَارُ الْأَنْيَارِ لَمْ أَجِدْهُ مَشْرُوحًا وَلَكِنْ هَكَذَا يُرْوَى، فَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ نَارَ النِّيرَانِ، فَجَمَعَ النَّارَ عَلَى أَنْيَارٍ، وَأَصْلُهَا أَنْوَارٌ، لِأَنَّهَا مِنَ الْوَاوِ، وَكَمَا جَاءَ فِي رِيحٍ وَعِيدٍ أَرْيَاحٌ وَأَعْيَادٌ وَهُمَا مِنَ الْوَاوِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُمَا وَتَوْجِيهُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَخَافَةِ الِالْتِبَاسِ، فَإِنَّ الْأَعْوَادَ بِمَعْنَى الْأَخْشَابِ، وَالْأَرْوَاحَ جَمْعُ الرُّوحِ. (يُسْقَوْنَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِكْرَاهِ وَإِيمَاءٌ إِلَى زِيَادَةِ الْإِحْرَاقِ الْمُؤْثَرِ إِلَى بِطُونِهِمْ أَيْضًا (مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ) أَيْ: صَدِيدِهِمُ الْمُنْتِنِ الْمُحْمَى غَايَةِ الْحَرَارَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِحَمِيمٍ (طِينَةِ الْخَبَالِ) : تَفْسِيرٌ لِمَا قَبِلَهُ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ بِمَعْنَى الْفَسَادِ. قَالَ شَارِحٌ: هُوَ اسْمُ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ، وَهُوَ مَا يَسِيلُ مِنْهُمْ مَنِ الصَّدِيدِ وَالْقَيْحِ وَالدَّمِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يُجَاءُ بِالْجَبَّارِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ رِجَالٌ فِي صُوَرِ الذَّرِ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ مِنْ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى نَارِ الْأَنْيَارِ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا نَارُ الْأَنْيَارِ؟ قَالَ: " عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْبُدُورِ السَّافِرَةِ فِي أَحْوَالِ الْآخِرَةِ.
стр. 7040
٥١١٣ - وَعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عُرْوَةَ السَّعْدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا يُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» ".
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥١١٣ - (وَعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عُرْوَةَ السَّعْدِيِّ) : مَنْسُوبٌ إِلَى سَعْدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ» ) أَيْ: مِنْ أَثَرِ وَسْوَسَتِهِ (وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ) : قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] ، وَقَالَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، وَمَعْنَى خَلْقِهِ مِنْهَا أَنَّ عُنْصُرَهُ النَّارِيَّ غَالِبٌ عَلَى سَائِرِ أَجْزَائِهِ، بِخِلَافِ الْإِنْسَانِ (وَإِنَّمَا يُطْفَأُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَهْمُوزٌ أَيْ: يَدْفَعُ (النَّارُ) ، أَيْ: الْحِسِّيَّةَ (بِالْمَاءِ) أَيِ: الْحَقِيقِيِّ (فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ) أَيْ: وَاشْتَعَلَتْ نَارُ غَضَبِهِ مِنْ جَوْفِهِ، وَيُرِيدُ إِحْرَاقَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ بِنَوْعٍ مِنْ عَذَابِهِ. (فَلْيَتَوَضَّأْ) : فَإِنَّ الْوُضُوءَ مُرَكَّبٌ
стр. 7041
مَعْجُونٌ مِنَ الْمَاءِ الْحِسِّيِّ وَالْمُطَهِّرِ الْمَعْنَوِيِّ الْمُؤَثِّرِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَهَذَا مِنْ طِبِّ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِي غَفَلُوا عَنْهُ الْحُكَمَاءُ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ عَنْ حَقِيقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَاعِثٍ مِنَ الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ; فَإِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَصَوَّرَ حَالَةَ الْغَضَبِ وَمَنْشَأَهُ، ثُمَّ الْإِرْشَادَ إِلَى تَسْكِينِهِ، فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ هَذَا الْمَخْرَجَ لِيَكُونَ أَجْمَعَ وَأَنْفَعَ، وَلِلْمَوَانِعِ أَزْجَرَ، وَهَذَا التَّصْوِيرُ لَا يُمْنَعُ مِنْ إِجْرَائِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ اهـ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ عِلَاجٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجُرْزِيُّ فِي الْحِصْنِ، حَيْثُ قَالَ: وَمَنْ غَضِبَ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُّ، وَنَسَبَهُ إِلَى الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنِّسَائِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «إِذَا غَضِبَ الرَّجُلُ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ سَكَنَ غَضَبُهُ» " وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ هَذَا عِلَاجٌ قَوْلِيٌّ سَهْلُ التَّنَازُلِ وَالْحُصُولِ، وَالْوُضُوءَ مُعَالَجَةٌ فِعْلِيَّةٌ صَعْبُ الْوُصُولِ، لَا سِيَّمَا وَالْوُضُوءُ مُقَدِّمَةٌ لِلصَّلَاةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْجُونِ الْمُسَهِّلِ الْمُخْرِجِ لِلْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ مِنْ أَصْلِهَا، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الِاسْتِعَاذَةِ فَهَمٌّ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِفْرَاغِ لِتَخْلِيَةِ الْمَعِدَةِ مِنْ آثَارِ التُّخَمَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنِ الْحَكِيمَ الْكَامِلَ يُدْرِجُ فِي الْمُعَالَجَةِ، وَيَعْلَمُ مِزَاجَ كُلِّ صَاحِبِ عِلَّةٍ بِمَا يُوَافِقُهُ، وَيُنَاسِبُهُ مِنْ خَوَاصِّ الْأَشْيَاءِ الْمُفْرَدَةِ وَالْمُرَكَّبَةِ وَأَنْوَاعِ الْغَضَبِ كَالْأَمْرَاضِ الْمُخْتَلِفَةِ فَعَلَى الْعَلِيلِ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمًا وَيَجْعَلَ حِسَّهُ بَيْنَ يَدَيِ الطَّيِّبِ الْحَبِيبِ الْكَامِلِ كَالْمَيْتِ بَيْنَ يَدَيِ الْغَاسِلِ، وَخُلَاصَةُ الْكَلَامِ أَنَّهُ إِذَا أَحَسَّ بِالْغَضَبِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ أَوَّلًا، ثُمَّ إِذَا رَأَى أَنَّهُ مَا يَزُولُ لَهُ يَقُومُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ دَوَاءُ صَبْرٍ كَرِيهٌ عَلَى الطَّبْعِ الشَّيْطَانِيِّ وَالْمِزَاجِ النَّفْسَانِيِّ، بَلْ هُوَ كَعُرُوقِ السُّوسِ يُخْرِجُ كُلَّ مَرَضٍ مَدْسُوسٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا أَحْمَدُ.
стр. 7042
٥١١٤ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥١١٤ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ) أَيْ: ظَهَرَ أَثَرُ غَضَبِهِ عَلَى أَحَدٍ (وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ) : لِأَنَّ الْمُعَالَجَةَ بِالْأَضْدَادِ وَالْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ تَقْتَضِي الْخِفَّةَ وَالتَّعْلِيَةَ الَّتِي مِنْ خَوَاصِّ النَّارِ وَالْقِيَامِ لِأَجْلِ الِانْتِقَامِ، فَمُخَالَفَتُهُ بِالْجُلُوسِ الْمُشِيرِ إِلَى الْقُعُودِ عَنِ الْفِتْنَةِ نَافِعَةٌ جِدًّا (فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ) أَيْ: أَثَرُ حَرَارَتِهِ وَقُوَّةُ مَرَارَتِهِ بِالْجُلُوسِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ بِهِ (فَلْيَضْطَجِعْ) : مُبَالَغَةٌ فِي الْمُعَالَجَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى رُجُوعِ الْإِسْنَادِ إِلَى مَأْخَذِهِ مِنَ التَّوْبَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلتَّوَاضُعِ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِ الشَّيْطَانِ بِمُقْتَضَى جِبِلَّيَّتِهِ مِنَ الشُّعْلَةِ النَّارِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّكَبُّرِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَرْجِعُ إِلَى أَصْلِهِ، هَذَا وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ لِئَلَّا يَحْصُلَ مِنْهُ فِي حَالِ غَضَبِهِ مَا يَنْدَمُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُضْطَجِعَ أَبْعَدُ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالْبَطْشِ مِنَ الْقَاعِدِ، وَالْقَاعِدَ مِنَ الْقَائِمِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ التَّوَاضُعَ وَالْخَفْضَ، لِأَنَّ الْغَصْبَ مَنْشَؤُهُ التَّكَبُّرُ وَالتَّرَفُّعُ. قُلْتُ: لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، فَإِنَّ كَلَامَهُ ﷺ مَنْبَعُ الْحِكَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الصَّنِيعُ مِنْهُ قَبْلَ الْوُضُوءِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ إِنْ لَمْ يَذْهَبِ الْغَضَبُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
стр. 7043
٥١١٥ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيَّلَ وَاخْتَالَ، وَنَسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ وَاعْتَدَى، وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ سَهَى وَلَهَى، وَنَسِيَ الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى، بِئْسَ الْعَبْدُ - عَبْدٌ عَتَى وَطَغَى، وَنَسِيَ الْمُبْتَدَأَ وَالْمُنْتَهَى، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدِّينَ بِالشُّبَهَاتِ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ يَقُودُهُ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هَوًى يُضِلُّهُ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ رَغَبٌ يُذِلُّهُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". وَقَالَا: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥١١٥ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ) : بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهَا (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بِئْسَ الْعَبْدُ) : لَمْ يُقِلْ بِئْسَ الرَّجُلُ أَوِ الْمَرْءُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْأَوْصَافَ الْآتِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ
стр. 7044
مُقْتَضَيَاتِ الْعَبْدِيَّةِ، وَلَا مِنْ نُعُوتِ الْعُبُودِيَّةِ (عَبْدٌ تَخَيَّلَ) أَيْ: تَكَبَّرَ وَتَجَبَّرَ (وَاخْتَالَ) أَيْ: تَمَايَلَ وَتَبَخْتَرَ مِنَ الْخُيَلَاءِ وَهُوَ الْكِبَرُ وَالْعُجْبُ بِالْجَاهِ وَالْمَالِ وَالْجِمَالِ وَالْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَحْوَالِ. وَتَوَهَّمَ الْكَمَالَ، حَيْثُ يُخَيَّلُ لَهُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْكَمَالِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: تَخَيَّلَ لَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ وَاحْتَالَ أَيْ: تَكَبَّرَ (وَنَسْيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ) : بِحَذْفِ الْيَاءِ مُرَاعَاةً لِلْفَاصِلَةِ وَهُوَ لُغَةٌ فِي الْمَنْقُوصِ الْمُعَرَّفِ، وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] وَأَثْبَتَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْحَالَيْنِ، وَمَعْنَى الْكَبِيرِ عَلِيُّ الشَّأْنِ جَلِيُّ الْبُرْهَانِ، وَالْمُتَعَالِي أَيْ: عَنِ الْأَشْبَاهِ وَالْأَضْدَادِ وَالْأَنْدَادِ أَيْ: نَسِيَ أَنَّ الْكِبْرِيَاءَ وَالتَّعَالِي لَيْسَ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ نَسِيَ مُحَاسَبَتَهُ وَمُعَاتَبَتَهُ وَمُعَاقَبَتَهُ فِي الْعُقْبَى، حَيْثُ لَمْ يُرَاعِ مُرَاقَبَتَهُ فِي الدُّنْيَا بِالتَّقْوَى (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ) أَيْ: قَهَرَ عَلَى الْمَظْلُومِينَ (وَاعْتَدَى) أَيْ: تَجَاوَزَ قَدْرَهُ وَمَا رَاعَى حُكْمَ رَبِّهِ وَأَمْرَهُ. (وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى) أَيِ: الْقَهَّارَ الَّذِي فَوْقَ عِبَادِهِ الْغَالِبَ عَلَى أَمْرِهِ (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ سَهَى وَلَهَى) : حَقُّهُمَا أَنْ يُكْتَبَا بِالْأَلْفِ لِأَنَّهُمَا وَاوِيَّانِ مَأْخُوذَانِ مِنَ السَّهْوِ وَاللَّهْوِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ بِالْيَاءِ، فَلَعَلَّهُ لِلْمُشَاكَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ فِي الْفَوَاصِلِ السَّجْعِيَّةِ، وَمَعْنَى سَهَا أَيْ: صَارَ غَافِلًا عَنِ الْحَقِّ وَالطَّاعَةِ وَإِلَّا فَسَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَعَامَّةُ الصُّلَحَاءِ قَدْ سَهَوْا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يُقِلْ فِي صَلَاتِهِمْ وَإِلَّا كَانَ لَهُمُ الْوَيْلُ كُلَّ الْوَيْلِ عَلَى الْكُلِّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلِ، وَلَهَا أَيِ: اشْتَغَلَ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] وَخُلَاصَتُهُمَا أَنَّهُ سَهَا عَنْ أُمُورِ الدِّينِ الرَّضِيَّةِ وَلَهَا بِأَمْرِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ (وَنَسِيَ الْمَقَابِرَ) أَيْ: أَهْلَهَا بِالتَّذَكُّرِ وَالْعِبْرَةِ بِهِمْ أَوْ بِذِكْرِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الرَّحْمَةِ وَزِيَارَتِهِمْ، وَذِكْرُ الْمَقَابِرِ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَعْنَى أَيْ: نَسِيَ الْمَوْتَ بِعَدَمِ الِاسْتِعْدَادِ لَهُ، وَكَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا، أَوْ نَسِيَ مَرْجِعَ الْأَحْيَاءِ مِنْ أَمَاكِنِ الْأَمْوَاتِ، وَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْوَحْشَةِ وَالظُّلْمَةِ وَالْغُرْبَةِ وَالضِّيقِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَعْسُرُ ضَبْطُهَا وَحَصْرُهَا. (وَالْبِلَى) : بِكَسْرِ الْمُوَحِّدَةِ وَهُوَ تَفَتُّتُ الْأَعْضَاءِ وَتَشَتُّتُ الْأَجْزَاءِ إِلَى أَنْ تَصِيرَ رَمِيمًا وَرُفَاتًا (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ عَتَا) : مِنَ الْعُتُوِّ أَيْ: أَفْسَدَ (وَطَغَى) : مِنَ الطُّغْيَانِ أَيْ: تَجَاوَزَ عَنِ الْحَدِّ، وَقِيَامُ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَأَتَى بِهِمَا تَأْكِيدًا أَوِ الثَّانِي تَفْسِيرًا وَأَتَى بِهِ لِلْفَاصِلَةِ (وَنَسِيَ الْمُبْتَدَأَ وَالْمُنْتَهَى) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ. قَالَ الْأَشْرَفُ أَيْ: نَسِيَ ابْتِدَاءَ خَلَقِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ نُطْفَةً وَانْتِهَاءَ حَالِهِ الَّذِي يَؤُولُ إِلَيْهِ وَهُوَ صَيْرُورَتُهُ تُرَابًا أَيْ: مَنْ كَانَ ذَلِكَ ابْتِدَاءَهُ، وَيَكُونُ انْتِهَاؤُهُ، هَذَا جَدِيرٌ بِأَنْ يُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمَا اللَّهُ أَيْ نَسِيَ الْذِي صَدَرَ ابْتِدَاءُ وَجُودِهِ مِنْهُ، وَلَا بُدَّ مِنَ انْتِهَاءِ رُجُوعِهِ إِلَيْهِ فَتَرَكَ مُرَاعَاةَ أَمْرِهِ أَوَّلًا وَمُحَافَظَةَ نَهْيِهِ آخِرًا (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ) : بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ: يَطْلُبُ (الدُّنْيَا بِالدِّينِ) أَيْ: بِعَمَلِ الْآخِرَةِ مِنْ خَتَلَهُ إِذَا خَدَعَهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَالْمَعْنَى لَمْ يَخْدَعْ أَهْلَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الصُّلَحَاءِ لِيَعْتَقِدُوا فِيهِ، وَيَنَالَ مِنْهُمْ مَالًا أَوْ جَاهًا مِنْ خَتَلَ الذِّئْبُ لِصَيْدٍ خَدَعَهُ وَخَفَى لَهُ. قَالَ الْقَاضِي: خَتَلَ الصَّائِدُ إِذَا مَشَى الصَّيْدُ قَلِيلًا قَلِيلًا، لِئَلَّا يُحِسَّ بِهِ، شَبَّهَ فِعْلَ مَنْ يُرَى وَرِعًا وَدَيِّنًا لِيَتَوَسَّلَ إِلَى الْمَطَالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِخَتْلِ الذِّئْبِ الصَّائِدَ. (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدَّيْنَ) أَيْ: يُفْسِدُهُ (بِالشُّبَهَاتِ) : بِضَمَّتَيْنِ وَبِفَتْحِ الثَّانِيَةِ (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ) أَيْ: لَهُ طَمَعٌ أَوْ ذُو طَمَعٍ، أَوْ وُصِفَ بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً، وَلَوْ قُرِئَ بِإِضَافَةِ الْعَبْدِ لَاسْتَقَامَ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَقَوْلُهُ: (يَقُودُهُ) أَيْ: يَسْحَبُهُ الطَّمَعُ عَنْ وُجْهَةِ الْمَوْلَى إِلَى جِهَةِ السَّوِيِّ، وَمِنَ الْغَرَائِبِ مَا حُكِيَ عَنِ السَّيِّدِ الشَّاذِلِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ عِلْمِ الْكِيمْيَاءِ؟ فَقَالَ: هُوَ كَلِمَتَانِ: اطْرَحِ الْخَلْقَ عَنْ نَظَرِكَ، وَاقْطَعْ طَمَعَكَ عَنِ الْحَقِّ أَنْ يُعْطِيَكَ غَيْرَ مَا قَسَمَ لَكَ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ حَدِيثُ الْقَنَاعَةِ مَالٌ لَا يَمُدُّ عَلَى مَا رَوَاهُ الْقُضَاعِيُّ عَنْ أَنَسٍ (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هَوًى يُضِلُّهُ) : قَالَ الْأَشْرَفُ: كَأَنَّهُ مِنْ كَثْرَةِ الطَّمَعِ وَالْهَوَى اللَّازِمَيْنِ لِلْعَبْدِ وَشِدَّةِ اتْصَالِهِمَا بِهِ أَطْلَقَ نَفْسَ الطَّمَعِ وَالْهَوَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَا قَائِمَيْنِ بِهِ، وَتَقْدِيرُهُ ذُو طَمَعٍ يَقُودُهُ وَذُو هَوًى يُضِلُّهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ (طَمَعٌ) فَاعِلُ (يَقُودُهُ) (وَهَوًى) فَاعِلُ (يُضِلُّهُ) مُقَدَّمَيْنِ عَلَى فِعْلِهِمَا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
стр. 7045
صَدَدْتَ فَأَطْوَلْتَ الصُّدُودَ وَقَلَّمَا ... وِصَالٌ عَلَى طُولِ الصُّدُودِ يَدُومُ
أَيْ: قَلَّمَا يَدُومُ وِصَالٌ عَلَى الصُّدُودِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَجْهُ الثَّانِي أَقْرَبُ مِنَ الْأَوَّلِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ وَصْفُ الْوَصْفِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: يَقُودُهُ عَلَى هَذَا صِفَةُ طَمَعٍ وَهُوَ صِفَةُ عَبْدٍ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ (طَمَعٌ) مُبْتَدَأً (وَيَقُودُهُ) خَبَرَهُ أَيْ: طَمَعٌ عَظِيمٌ يَقُودُهُ، نَحْوَ: شَرٌّ أَهِرٌّ ذَا نَابٍ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ عَبْدٍ. قُلْتُ: هَذَا مُرَاعَاةٌ لِلْمَبْنَى وَغَفْلَةٌ عَنِ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الذَّمَّ مُتَرَتِّبٌ عَلَى مُطْلَقِ الطَّمَعِ الَّذِي يَقُودُهُ إِلَى الْهَوَى، وَكَذَا حُكْمُ الْهَوَى عَلَى مَا لَا يَخْفَى. (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ رَغَبٌ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَبِفَتَحَاتٍ فَفِي الْقَامُوسِ: رَغِبَ فِيهِ كَسَمِعَ رَغَبًا وَيُضَمُّ وَرَغْبَةً أَرَادَهُ، وَإِلَيْهِ رَغْبَةٌ مُحَرِّكَةٌ. وَفِي الْمَشَارِقِ الرَّغْبِ بِسُكُونِ الْغَيْنِ وَفَتْحِهَا وَبِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْقَاضِي كَمَا سَيَأْتِي، وَهُوَ يُؤَيِّدُ جَوَازَ كَوْنِهَا فِيمَا قَبْلَهَا مِنَ الْوَصْفَيْنِ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الشَّرَهُ وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا، وَقِيلَ: الرُّغْبُ سِعَةُ الْأَمَلِ وَطَلَبُ الْكَثِيرِ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ بِمَعْنَى الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا وَقَوْلُهُ: (يُذِلُّهُ) أَيْ: يَجْعَلُهُ ذَلِيلًا. قَالَ الْإِمَامُ التُّورِبِشْتِيُّ: الرِّوَايَةُ عِنْدِي بِفَتْحِ الْغَيْنِ أَيْ: مَذَلَّةَ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: الرُّغْبُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهُوَ الشَّرَهُ، يُقَالُ: الرُّغْبُ شُؤْمٌ، وَلَعَلَّ الْأَصْلَ فِيهِ السِّعَةُ يُقَالُ: جَوْفٌ رَغِيبٌ أَيْ: وَاسِعٌ، فَكُنِّيَ بِهِ عَنِ الْحِرْصِ وَالشَّرَهِ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وُفِي الْقَامُوسُ: الرُّغُبُ بِضَمٍّ وَبِضَمَّتَيْنِ كَثْرَةُ الْأَكْلِ وَشِدَّةُ النَّهَمِ، وَفِعْلُهُ كَكَرُمَ فَهُوَ رَغِيبٌ كَكَرِيمٍ. قَالَ الْقَاضِي: لِإِضَافَةِ الْعَبْدِ لِلْإِهَانَةِ كَقَوْلِهِمْ: عَبُدُ الْبَطْنِ لِأَنَّ مَجَامِعَ هَمَّتِهُ وَاجْتِهَادِهِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِ عَائِدَةٌ إِلَيْهِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَكْرَارَ جُمْلَةِ الذَّمِّ فِي صَدْرِ الْجَمَلِ الْمَذْكُورَةِ وَالنُّعُوتِ الْمَسْطُورَةِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ مُسْتَقِلَّةٌ فِي اسْتِحْقَاقِ ذَمِّ فَاعِلِهَا، وَأَنَّ مُرَاعَاةَ السَّجْعِ. مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ الطَّبْعِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ فِي الشَّرْعِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَالَا) أَيْ: كِلَاهُمَا (لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدٍ الْكُوفِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِهِ وَقَالَ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: قَدْ وُجِدَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مُتَابِعٌ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّازٍ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَلَا شَكَ أَنَّ كَثْرَةَ الطُّرُقِ تُقَوِّي الضَّعِيفَ وَتَجْعَلُهُ حَسَنًا لِغَيْرِهِ، وَبِهِ يُتْمُ الْمَقْصُودُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا) أَيْ: مَعَ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ الْغَرَابَةَ لَا تُنَافِي الصِّحَّةَ، وَالْحُسْنُ غَايَتُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، وَهُوَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ اتِّفَاقًا، فَفِي الْمَوَاعِظِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِالْأَوْلَى.
стр. 7046
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥١١٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥١١٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ أَفْضَلَ) أَيْ: تَجَرُّعًا أَفْضَلَ (عِنْدَ اللَّهِ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُ) : بِكَسْرِ الظَّاءِ أَيْ: يَبْلَعُهَا وَيَمْنَعُهَا مِنْ إِظْهَارِهَا مَعَ كَثْرَتِهَا وَمَلْءِ بَاطِنِهِ مِنْهَا مِنْ كَظَمَ الْقِرْبَةَ مَلَأَهَا وَشَدَّ فَمَهَا عَلَى مَا فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ الْجَامِعِ: (كَظَمَهَا) بِصِيغَةِ الْمَاضِي (ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ: طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ وَلَا لِعَجْزٍ عَنْ إِمْضَائِهَا (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ.
стр. 7047
٥١١٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] قَالَ: الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَالْعَفْوُ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمَهُمُ اللَّهُ وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ قَرِيبٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.
ــ
٥١١٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ادْفَعْ) أَيِ: السَّيِّئَةَ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ﴾ [فصلت: ٣٤] (بِالَّتِي) أَيْ: بِالْخَصْلَةِ الَّتِي (هِيَ أَحْسَنُ) فِيهِ مُبَالَغَةٌ عَظِيمَةٌ حَيْثُ عَدَلَ عَنِ الْحَسَنَةِ إِلَى الْأَحْسَنِ مَعَ الرُّخْصَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] أَمِ الْمُرَادُ أَنَّهَا أَحْسَنُ مِنْ مُجَازَاةِ السَّيِّئَةِ بِالسَّيِّئَةِ، فَإِنَّهَا أَحْسَنُ، لِأَنَّهَا سُمِّيَتْ سَيِّئَةً فِي الْآيَةِ لِلْمُشَاكَلَةِ أَوْ بِالنِّسْبَةِ وَالْإِضَافَةِ إِلَى الْأَحْسَنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا بَعْدَهَا: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ - وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦] فَفِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِهَا أَكْمَلُ الْأَخْلَاقِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْهَا أَكْثَرُ الْأَفْرَادِ الْبَشَرِيَّةِ.
(قَالَ) أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ بَيَانًا لِلْخَصْلَةِ (الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَبِ) : قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ غَضَبُ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ سَيِّئَةٌ مِنْهُ فَيُقَابِلُهُ بِالصَّبْرِ الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ مِنْ مُجَازَاتِهِ بِالْغَضَبِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: اللَّهُ يَصْبِرُ عِنْدَ أَثَرِ ظُهُورِ الْغَضَبِ، فَإِنَّ كَظْمَ الْغَيْظِ أَحْسَنُ مِنْ إِمْضَائِهِ (وَالْعَفْوُ) أَيْ: عَنِ الْمُسِيءِ (عِنْدَ الْإِسَاءَةِ) أَيْ: وَقْتَ تَحَقُّقِهَا وَالْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ أَفْرَادِ الْخَصْلَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَكَأَنَّهُ ﵁ مَثَّلَ بِأَقَلِّ الْمَطْلُوبِ مِنَ السَّالِكِ وَإِلَّا فَالسَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ عَلَى الْمُجَازَاةِ بِأَحْسَنِ مَا يُتَصَوَّرُ لَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَتَقْبِيلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَبِإِعْطَاءِ الْبِرِّ الْمَالِيِّ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَأَقَلُّ الْمَرَاتِبِ أَنْ يُحَلِّلَهُ وَيَدْعُوَ لَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالْهِدَايَةِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ: الْوَعْدُ لَهُ بِالشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا خَوَارِقُ عَادَاتٍ تَطْوِي بِسَاطَ كَرَامَاتٍ رُبَّمَا يَكُونُ تَحْتَهَا غُرُورٌ فِي بِدَايَاتٍ أَوْ نِهَايَاتٍ، وَلِذَا قَالُوا: الِاسْتِقَامَةُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ كَرَامَةٍ، وَقَدْ وَرَدَ " «شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ» " فَقِيلَ لِمَا فِيهَا مِنْ آيَةِ ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وَقِيلَ لِمَا فِيهَا مِنْ وَقَائِعِ الْأُمَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَإِذَا فَعَلُوا) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْمِثَالَيْنِ وَأَمْثَالِهِمَا (عَصَمَهُمُ اللَّهُ) أَيْ: حَفِظَهُمْ مِنَ الزَّيْغِ وَالتَّعَدِّي عَلَى أَحْبَابِهِمْ (وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ) أَيْ: حَيَاءً مِنْهُمْ وَرَجَعُوا عَنْ إِسَاءَتِهِمْ إِلَيْهِمْ وَالْغَضَبِ عَلَيْهِمْ (كَأَنَّهُ) أَيِ: الْعَدُوَّ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُفْرَدُ وَالْجَمْعُ (وَلِيٌّ) أَيْ: نَاصِرُهُمْ (حَمِيمٌ) : صَدِيقٌ يَهْتَمُّ لِأَمْرِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ وَيُحَمَّمُ بِحَرَّارَتِهِمْ وَحُرْقَتِهِمْ (قَرِيبٌ) أَيْ: ذُو قُرَابَةٍ مِنْهُمْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْخَصْلَةَ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ تَقْلِبُ الْعَدَاوَةَ مَحَبَّةً، وَتَرَفَعُ الْأَخْلَاقَ الذَّمِيمَةَ مِنَ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا التَّفْسِيرُ عَلَى أَنْ تَكُونَ (لَا) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا السَّيِّئَةُ) مَزِيدَةٌ وَالْمَعْنَى لَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ، فَعَلَى هَذَا يُرَادُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الَّتِي هِيَ حَسَنَةٌ، فَوَضَعَ الْأَحْسَنَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الدَّفْعِ بِالْحَسَنَةِ، وَإِذَا لَمْ تَجْعَلْ لَا مَزِيدَةً يَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ الْحَسَنَةَ وَالسَّيِّئَةَ مُتَقَارِنَتَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا فَخُذْ بِالْحَسَنَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِهَا، فَإِذَا اعْتَرَضَتْكَ حَسَنَاتٌ، فَادْفَعْ بِهَا السَّيِّئَةَ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْكَ مِنْ بَعْضِ أَعْدَائِكَ، وَمِثَالُهُ رَجُلٌ أَسَاءَ إِلَيْكَ إِسَاءَةً، فَالْحَسَنَةُ أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُ، وَالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أَنْ تُحْسِنَ إِلَيْهِ مَكَانَ إِسَاءَتِهِ إِلَيْكَ مِثْلَ أَنْ يَذُمَّكَ فَتَمْدَحَهُ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ انْقَلَبَ عَدُوُّكَ الْمَشَاقُّ مِثْلَ الْوَلِيِّ الْحَمِيمِ مُصَافَاةً لَكَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا) أَيْ: بِلَا إِسْنَادٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَا عَلَّقَهُ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ضَعِيفٌ، وَمَا رَوَاهُ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ صَحِيحٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 7048
٥١١٨ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْغَضَبَ لَيُفْسِدُ الْإِيمَانَ كَمَا يُفْسِدُ الصَّبِرُ الْعَسَلَ» ".
ــ
٥١١٨ - (وَعَنْ بَهْزٍ) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ فَزَايٍ تَابِعِيٌّ (ابْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ) : تَابِعِيٌّ حَسَنُ الْحَدِيثِ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقَشِيرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْغَضَبَ لَيُفْسِدُ الْإِيمَانَ) أَيْ: كَمَالَهُ أَوْ نُورَهُ وَبَهَاءَهُ، وَقَدْ يَجُرُّ إِلَى بُطْلَانِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ كَذَلِكَ صَحَّ التَّشْبِيهُ بِقَوْلِهِ: (كَمَا يُفْسِدُ الصَّبِرُ الْعَسَلَ) : وَهُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَيُسَكَّنُ عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الصَّبِرُ كَكَتِفٍ وَلَا يُسَكَّنُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ عُصَارَةُ شَجَرٍ مُرٍّ اهـ. وَأَمَّا كَسْرُ الصَّادِ وَسُكُونُ الْبَاءِ عَلَى مَا اشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، فَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: كَكَتِفٍ، فَإِنَّ الْكَتِفَ فِيهِ لُغَتَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 7049
٥١١٩ - «وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! تَوَاضَعُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيمٌ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ، فَهُوَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ، وَفِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ، حَتَّى لَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ» ".
ــ
٥١١٩ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ وَهُوَ) أَيْ: عُمَرُ (عَلَى الْمِنْبَرِ) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حِفْظِ الْقَضِيَّةِ وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ كَالْمَسْأَلَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ لِكَوْنِهِ فِي مَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) : وَلَعَلَّ الْعُدُولَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ وَنَفْيِ تَوَهُّمِ الْخُصُوصِ (تَوَاضَعُوا) أَيْ: لِيَتَوَاضَعَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ وَيَتْرُكَ التَّكَبُّرَ عَلَى إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وَالتَّعْبِيرُ بِالْأَذِلَّةِ لِلْإِشْعَارِ بِكَمَالِ التَّوَاضُعِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ» ) : هَذِهِ الْجُمْلَةُ فَقَطْ رَوَاهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (فَهُوَ) : الْفَاءُ تَفْرِيعِيَّةٌ أَيْ: فَالْمُتَوَاضِعُ الْمَرْفُوعُ نَتِيجَتُهُ أَوْ عَلَامَتُهُ أَنَّهُ (فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ) : أَوْ جَزَائِيَّةٌ وَتَقْدِيرِيَّةٌ، وَإِذَا رَفَعَهُ اللَّهُ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ حَقِيرٌ خَالٍ عَنِ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ. (وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيمٌ) أَيْ: عَظِيمُ الْقَدْرِ جَلِيلُ الشَّأْنِ لِرَفْعِهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ الْحَمِيدَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي نَفْسِي صَغِيرًا. وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا. (وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ، فَهُوَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ، وَفِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ، حَتَّى) : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ صَغِيرٌ أَوْ بِحَاصِلِ الْمَجْمُوعِ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ حَتَّى هَذِهِ ابْتِدَائِيَّةٌ فَفِي الْمُغْنِي أَنَّ حَتَّى قَدْ تَكُونُ حَرْفَ ابْتِدَاءٍ أَيْ: حَرْفًا يُبْتَدَأُ بَعْدَهُ الْجُمَلُ أَيْ: تُسْتَأْنَفُ فَيَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ:
فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا ... بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى دُخُولُ لَامِ الِابْتِدَاءِ فِي قَوْلِهِ: (لَهُوَ) أَيِ: الْمُتَكَبِّرُ الْمَوْضُوعُ، (أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ) أَيْ: أَذَلُّ وَأَحْقَرُ عَلَى النَّاسِ (مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ) : وَالتَّنْوِيعُ إِمَّا بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُتَكَبِّرِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَحْوَالِ النَّاسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَهُوَ جَزَائِيَّةٌ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ يَعْنِي مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ هَضَمَ حَقَّهُ مِنْ نَفْسِهِ لِيَجْعَلَ نَفْسَهُ دُونَ مَنْزِلَتِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ) ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُهُ مِنْ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، الَّتِي هِيَ حَقُّهُ إِلَى مَا هِيَ أَرْفَعُ مِنْهَا وَيُعَظِّمُهُ عِنْدَ النَّاسِ وَبِعَكْسِهِ فِي الْقَرِينَةِ الْأُخْرَى، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَوَاضَعَ رَفَعَ اللَّهَ حِكْمَتَهُ، وَقَالَ: انْتَفِشْ نَفْسَكَ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرٌ، وَإِذَا بَطَرَ وَعَدَا طَوَرَهُ وَهَضَهُ اللَّهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَقَالَ: اخْسَأْ أَخْسَأَكَ اللَّهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ، حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْخِنْزِيرِ.
стр. 7050
٥١٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ﵇: يَا رَبِّ! مَنْ أَعَزُّ عِبَادِكَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: مَنْ إِذَا قَدَرَ غَفَرَ» ".
ــ
٥١٢٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ) : ﵇: (يَا رَبِّ مَنْ أَعَزُّ عِبَادِكَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: مَنْ إِذَا قَدَرَ غَفَرَ) : وَالْمُرَادُ أَنَّ الْأَعَزَّ فِي الْمَرْتَبَةِ الْجَمْعِيَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ الْعِنْدِيَّةِ هُوَ الَّذِي اخْتَارَ كَوْنَهُ أَذَلَّ فِي طَرِيقِ الْعُبُودِيَّةِ الْعَبْدِيَّةِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ وَالْعِبَادَةَ مَأْخُوذَانِ مِنْ طَرِيقٍ مُعَبَّدٍ أَيْ: مُذَلَّلٍ، وَقَدْ قَالُوا: الْعِبَادَةُ هِيَ أَقْصَى غَايَةِ الْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ، وَلِذَلِكَ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، مَعَ أَنَّ الْغُفْرَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهُ ﵇ عَلَى الْعَفْوِ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْحِدَّةَ الْجَلَالِيَّةَ، لِيَحْصُلَ لَهُ الِاعْتِدَالُ كَمَا يَقْتَضِيهِ الْكَمَالُ، بَلْ يَنْبَغِي غَلَبَةُ نَعْتِ الْجَمَالِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ: ( «غَلَبَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» ) وَلِكَوْنِ الرَّحْمَةِ غَالِبَةً عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ وُصِفَ بِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأُمَّتُهُ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، فَإِنَّ الرَّاحِمِينَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ عَلَى مَا سَبَقَ فِيهِ الْبَيَانَ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «مَنْ عَفَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْعُسْرَةِ» ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.
стр. 7051
٥١٢١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ خَزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إِلَى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ» ".
ــ
٥١٢١ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ خَزَنَ) : بِفَتْحِ زَايٍ أَيْ: حَفِظَ (لِسَانَهُ) : قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَخْزُنْ عَلَيْهِ لِسَانَهُ ... فَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ سِوَاهُ بِخَزَّانِ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: مَنْ سَتَرَ عُيُوبَ النَّاسِ وَكَتَمَهَا (سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ) أَيْ: عَيْبَهُ عَنِ النَّاسِ، أَوْ عَنِ الْحَفَظَةِ وَلَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ (وَمَنْ كَفَّ) أَيْ: مَنَعَ (غَضَبَهُ) أَيْ: عَنِ النَّاسِ (كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ) أَيِ: الَّذِي أَثَّرَ غَضَبَهُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : جَزَاءً وِفَاقًا. وَفِي الْجَامِعِ بِرِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ أَيْ: بِأَنْ لَمْ يُعَذِّبْهُ» فَتَوَافَقَ الْحَدِيثَانِ (وَمَنِ اعْتَذَرَ) : فِيمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ التَّقْصِيرِ (إِلَى اللَّهِ) أَيْ: بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ وَإِظْهَارِ الْعَجْزِ لَدَيْهِ (قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ) : ظَاهِرُ نَظَائِرِهِ أَنْ يُقَالَ: وَمَنْ قَبِلَ عُذْرَ أَخِيهِ قَبَلَ اللَّهُ عُذْرَهُ، وَلَعَلَّهُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الرُّوَاةِ أَوِ الْحِكْمَةُ اقْتَضَتْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا هُنَالِكَ.
стр. 7052
٥١٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ، وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ؟ فَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ: فَتَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْحَقِّ فِي الرِضَا وَالسُّخْطِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ. وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ: فَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ أَشَدُّهُنَّ» ". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٥١٢٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ثَلَاثٌ) أَيْ: مِنَ الْخِصَالِ (مُنْجِيَاتٌ) أَيْ: أَسْبَابُ نَجَاةٍ وَخَلَاصٍ (وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ فَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ: فَتَقْوَى اللَّهِ) أَيْ: خَوْفُهُ (فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالسُّخْطِ) أَيْ: لَا يُبَدِّلُ الْقَوْلَ الْحَقَّ لِأَجْلِ مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ عَنْ أَحَدٍ أَوْ سُخْطِهِ وَغَضَبِهِ عَلَى أَحَدٍ، (وَالْقَصْدُ) أَيِ: التَّوَسُّطُ فِي النَّفَقَةِ (فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ) أَيْ: فِي الْحَالَيْنِ بِالِاجْتِنَابِ عَنْ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ (وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ: فَهَوًى) . أَيْ: لِلنَّفْسِ (مُتَّبَعٌ) : احْتِرَازٌ عَنْ مَتْرُوكٍ، فَإِنَّ مُخَالَفَةَ النَّفْسِ مِنْ أَكْبُرِ الْمُنْجِيَاتِ كَمَا أَنَّ مُتَابَعَتَهَا مِنْ أَكْبَرِ الْمُهْلِكَاتِ (وَشَحٌّ) أَيْ: بُخْلٌ (مُطَاعٌ) أَيْ: مُطَاوِعٌ لَهُ مَعْمُولٌ بِمُقْتَضَاهُ، فَقِيلَ: الشُّحُّ مَنْعُ الْوَاجِبِ، وَقِيلَ أَكْلُ مَالِ الْغَيْرِ، وَقِيلَ الْعَمَلُ بِمَعَاصِي اللَّهِ، وَقِيلَ الشُّحُّ مِمَّا فِي يَدِ غَيْرِكَ. وَالْبُخْلُ مِمَّا فِي يَدِكَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الشُّحَّ هُوَ الْبُخْلُ الْمَقْرُونُ بِالْحِرْصِ (وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ) أَيْ: بِاسْتِحْسَانِ أَعْمَالِهَا وَأَحْوَالِهَا أَوْ مَالِهَا وَجِمَالِهَا وَسَائِرِ مَا يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ كَمَالِهَا (وَهِيَ) أَيِ: الْخَصْلَةُ الْأَخِيرَةُ (أَشَدُّهُنَّ) أَيْ: أَعْظَمُهُنَّ وِزْرًا وَأَكْثَرُهُنَّ ضَرَرًا لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَتُوبَ مِنْ مُتَابَعَةِ الْهَوَى، وَمِنْ رَذِيلَةِ الْبُخْلِ، وَالْمُعْجَبُ مَغْرُورٌ وَمُزَيَّنٌ فَهُوَ مَحْبُوبٌ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْمُبْتَدَعِ، فَإِنَّهُ قَلَّ أَنْ يَتُوبَ مِنْ بِدْعَتِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ الْمُعْجَبَ بِنَفْسِهِ مُتَّبِعٌ هَوَاهُ وَمِنْ هَوَى النَّفْسِ الشُّحُّ الْمُطَاعُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] حَيْثُ أَضَافَ الشُّحَّ إِلَى النَّفْسِ (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 7053
[بَابُ الظُّلْمِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥١٢٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الظُّلْمُ ظُلْمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٢١] بَابُ الظُّلْمِ
قَالَ الرَّاغِبُ: الظُّلْمُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الْمُخْتَصُّ لَهُ إِمَّا بِنُقْصَانٍ أَوْ بِزِيَادَةٍ، وَإِمَّا بِعُدُولٍ عَنْ وَقْتِهِ أَوْ مَكَانِهِ. وَقَالَ الْقُطْبُ الرَّبَّانِيُّ الشَّيْخُ عَبْدُ الْكَبِيرِ الْيَمَانِيُّ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ قَلْبَ عَبْدِهِ لِذَكَرِهِ وَفِكْرِهِ، فَمَنْ وَضَعَ فِيهِ غَيْرَهُ فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ الْعَارِفُ ابْنُ الْفَارِضِ مُومِيًا إِلَى الِاشْتِغَالِ بِالْوَحْدَةِ وَالنُّبُوَّةِ أَوِ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ أَوِ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ:
عَلَيْكَ بِهَا صَرْفًا وَإِنْ شِئْتَ مَزْجَهَا ... فَعَدْلُكَ عَنْ ظُلْمِ الْحَبِيبِ هُوَ الظُّلْمُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥١٢٣ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " الظُّلْمُ) أَيْ: جِنْسُهُ الشَّامِلُ لِلْمُتَعَدِّي وَالْقَاصِرُ الصَّادِرُ مِنَ الْكَافِرِ وَالْفَاجِرِ (ظُلُمَاتٌ) أَيْ: أَسْبَابُ ظُلْمَةٍ لِمُرْتَكِبِهِ أَوْ مُوجِبَاتُ شِدَّةٍ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَفْهُومُهِ أَنَّ
стр. 7054
الْعَدْلَ بِأَنْوَاعِهِ أَنْوَارٌ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : لِأَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَيَكُونُ ظُلُمَاتٍ عَلَى صَاحِبِهِ لَا يَهْتَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْعَى بِنُورٍ هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْ إِيمَانِهِ فِي الدُّنْيَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالظُّلُمَاتِ هُنَا الشَّدَائِدُ، وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] أَيْ: شَدَائِدِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْأَنْكَالِ وَالْعُقُوبَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: عَلَى ظَاهِرِهِ يُوهِمُ أَنَّ قَوْلَهُ ظُلُمَاتٌ هُنَا لَيْسَ مَجَازًا، بَلْ حَقِيقَةً، لَكِنَّهُ مَجَازٌ لِأَنَّهُ حَمَلَ الْمُسَبِّبَ عَلَى السَّبَبِ، فَالْمُرَادُ ظُلُمَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ مُسَبَّبَةٌ عَنِ الظُّلْمِ. قُلْتُ: إِنَّمَا أَرَادَ الْقَاضِي بِالْحَقِيقَةِ الْمُقَابَلَةِ لِلْمَجَازِ الْمُفَسَّرِ بِالشِّدَّةِ نَظَرًا إِلَى جَوْهَرِ الْمَعْنَى مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ حَمْلِ اللَّفْظِ بِالْإِعْرَابِ وَالْمَبْنِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّدَائِدِ وَالْأَنْكَالِ أَنَّ الشَّدَائِدَ كَائِنَةٌ فِي الْعَرَصَاتِ قَبْلَ دُخُولِ النَّارِ، وَالْأَنْكَالَ بَعْدَ الدُّخُولِ: قُلْتُ: فَالْمُرَادُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ الدَّارُ الْآخِرَةُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7055
٥١٢٤ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ " ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] » الْآيَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥١٢٤ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ) : مِنَ الْإِمْلَاءِ أَيْ: يُمْهِلُهُ وَيُؤَخِّرُهُ وَيُطَوِّلُ عُمْرَهُ حَتَّى يَكْثُرَ مِنْهُ الظُّلْمُ (حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ) : مِنَ الْإِفْلَاتِ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ ضِيقٍ مَعَ فِرَارٍ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَالْمَعْنَى ثُمَّ يَتْرُكُهُ، بَلْ أَخَذَهُ أَخْذًا شَدِيدًا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ قِيلَ: أَفْلَتَ الشَّيْءُ وَتَفَلَّتْ وَانْفَلَتَ بِمَعْنَى وَأَفْلَتَهُ غَيْرُهُ، فَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: لَمْ يَنْفَلِتْ مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَمْ يُفْلِتْهُ مِنْهُ أَحَدٌ أَيْ: لَمْ يُخَلِّصْهُ. قُلْتُ: هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الظَّاهِرُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ، أَمَّا حَاصِلُ الْمَعْنَى أَوْ يُقَالُ بِالْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ فِي الْحَالِ وَوَعِيدٌ لِلظَّالِمِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِالْإِمْهَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ اعْتِضَادًا أَوْ أَبُو مُوسَى اسْتِشْهَادًا ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ [هود: ١٠٢] أَيْ: أَهْلَهَا ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] الْآيَةَ أَيْ: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ كَمَا فِي نُسْخَةٍ بَدَلَ الْآيَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ إِلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ قَرَأَ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 7056
٥١٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَرَّ بِالْحِجْرِ قَالَ: " لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ " ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى اجْتَازَ الْوَادِيَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥١٢٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَرَّ) أَيْ: أَرَادَ الْمُرُورَ (بِالْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ: دِيَارِ ثَمُودَ قَوْمِ صَالِحٍ (قَالَ: لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) أَيْ: بِالْكُفْرِ (إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ) أَيْ: لِئَلَّا يُصِيبَكُمْ أَوْ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَكُمْ (مَا أَصَابَهُمْ) أَيْ: نَوْعٌ مِنَ الْعَذَابِ أَيْ: مِثْلَ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْعِقَابِ، إِذْ لَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الذُّنُوبِ إِذَا شَدَّدَ عَلَيْهِ الْحِسَابَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنْ يُصِيبَ مُنَافِقِيكُمْ عَيْنَ مَا أَصَابَهُمْ فَعَمَّمَ الْحُكْمَ بِالتَّخْوِيفِ تَسَتُّرًا عَلَيْهِمْ، (ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ مُبَالَغَةً مِنَ الْإِقْنَاعِ أَيْ: أَطْرَقَ رَأْسَهُ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ يَمِينًا وَشِمَالًا كَالْخَائِفِ لِئَلَّا يَقَعَ نَظَرُهُ عَلَى مَسَاكِنِهِمْ، أَوْ جَعَلَ قِنَاعَهُ عَلَى رَأْسِهِ شِبْهَ الطَّيْلَسَانِ. (وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى اجْتَازَ الْوَادِي) أَيْ: تَجَاوَزَهُ أَيْ: قَطَعَ عَرْضَهُ وَخَرَجَ عَنْ حَدِّهِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ لِيَقْتَدُوا بِهِ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ تَأْكِيدًا فِي الْقَضِيَّةِ، أَوْ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْخَشْيَةِ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْمَعْرِفَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وَقَدْ قَالَ: " «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ» " هَذَا مُجْمَلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَأَمَّا تَفْصِيلُهُ، فَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْحِجْرُ مَنَازِلُ ثَمُودَ، وَذَلِكَ فِي سَيْرِهِ إِلَى تَبُوكَ خَشِيَ عَلَى أَصْحَابِهِ أَنْ يَجْتَازُوا عَلَى تِلْكَ الدِّيَارِ سَاهِينَ غَيْرَ مُتَّعِظِينَ بِمَا أَصَابَ أَهْلَ تِلْكَ الدِّيَارِ، وَقَدْ أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالِانْتِبَاهِ وَالِاعْتِبَارِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ. قَالَ الْقَاضِي: وَلِذَلِكَ اسْتَثْنَى عَنِ النَّهْيِ وَأَنْ يُصِيبَكُمْ نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ أَيْ: مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَكُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمَعْنَى لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَهُمْ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا حَالِ كَوْنِكُمْ بَاكِينَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ الدَّاخِلُ فِي دَارِ قَوْمٍ أُهْلِكُوا بِخَسْفٍ أَوْ عَذَابٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَاكِيًا إِمَّا شَفَقَةً عَلَيْهِمْ وَإِمَّا خَوْفًا مِنْ حُلُولِ مِثْلِهَا بِهِ كَانَ قَاسِيَ الْقَلْبِ قَلِيلَ الْخُشُوعِ فَلَا يَأْمَنُ إِذَا كَانَ هَكَذَا أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمُ اهـ.
стр. 7057
وَمَا أَصَابَ فِي قَوْلِهِ إِمَّا شَفَقَةً عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨] وَقَوْلِهِ : ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَهَاهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مَاءَهَا وَكَانُوا قَدْ خَمَّرُوا بِهِ عَجِينَهُمْ، فَأَمْرَهُمْ أَنْ يَعْلِفُوهَا دَوَابَّهُمْ وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي الْأَكْلِ مِنْهَا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنَازِلَ هَؤُلَاءِ لَا تُتَّخَذُ سَكَنًا وَوَطَنًا لِأَنَّهُ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْ دُخُولِهَا إِلَّا مَعَ الْبُكَاءِ، فَالْمُتَوَطِّنُ يَكُونُ دَهْرُهُ بَاكِيًا. قُلْتُ: وَيُلَائِمُهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْأَمَاكِنَ لَهَا تَأْثِيرٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى سُكَّانِهَا مِحْنَةً وَمِنْحَةً كَمَا فِي الْأَزْمِنَةِ مِنْ مَوْسِمِ الطَّاعَاتِ وَسَاعَاتِ الْإِجَابَةِ، وَمِنْهُ مَا رُوِيَ: «أَنَّ لِلَّهِ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا» ، وَقَدْ تَقَدَّمَ «أَنَّ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ الْمَسَاجِدُ، وَأَبْغَضَهَا الْأَسْوَاقُ» ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ تَأْثِيرُ صُحْبَةِ الْأَخْيَارِ وَالْأَشْرَارِ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْأَخْبَارُ وَأَثَارُ الْأَبْرَارِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7058
٥١٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥١٢٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ) : بِكَسْرِ اللَّامِ وَبِفَتْحِ اسْمِ مَا أَخَذَهُ الظَّالِمُ أَوْ تَعَرَّضَ لَهُ (لِأَخِيهِ) أَيْ: فِي الدِّينِ (مِنْ عِرْضِهِ) : بَيَانٌ لِلْمَظْلِمَةِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ جَانِبِهِ الذِّي يَصُونُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَنَسَبِهِ وَحَسَبِهِ وَيَتَحَامَى أَنْ يَنْتَقِصَ (أَوْ شَيْءٍ) أَيْ: أَمْرٌ آخَرُ كَأَخْذِ مَالِهِ أَوِ الْمَنْعِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ، أَوْ هُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (فَيَتَحَلَّلَهُ) أَيْ: فَلْيَطِبِ الظَّالِمُ حِلَّ مَا ذُكِرَ (مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْمَظْلُومِ فِي النِّهَايَةِ: يُقَالُ تَحَلَّلْتُهُ وَاسْتَحْلَلْتُهُ إِذَا سَأَلْتَهُ أَنْ يَجْعَلَكَ فِي حِلٍّ (الْيَوْمَ) أَيْ: فِي أَيَّامِ الدُّنْيَا لِمُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: (قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ) أَيْ: لَا يُوجَدُ (دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ) : وَهُوَ تَعْبِيرٌ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَفِي التَّعْبِيرِ بِهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ، وَلَوْ بَذَلَ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ فِي بَذْلِ مَظْلِمَتِهِ، لِأَنَّ أَخْذَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ الْيَوْمَ عَلَى التَّحَلُّلِ أَهْوَنُ مِنْ أَخْذِ الْحَسَنَاتِ أَوْ وَضْعِ السَّيِّئَاتِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ التَّحَلُّلِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ) أَيْ: بِأَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا ظَالِمًا غَيْرَ مَعْفُوٍّ مِنْ مَظْلُومِهِ (أُخِذَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: عَمَلُهُ الصَّالِحُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ صَاحِبِهِ الظَّالِمِ عَلَى غَيْرِهِ (بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ) : وَمَعْرِفَةُ مِقْدَارِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ كَمِّيَّةٌ وَكَيْفِيَّةٌ مُفَوَّضٌ عِلْمُهَا إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: إِنْ كَانَ اسْتِئْنَافٌ كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ بَدَلَ مَظْلِمَتِهِ تَوَجَّهَ لِسَائِلٍ أَنْ يَسْأَلَ فَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ بَدَلَ مَظْلِمَتِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ إِلَخِ اهـ. (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ) أَيْ: لَمْ تُوجَدْ (لَهُ حَسَنَاتٌ) أَيْ: بَاقِيَةٌ أَوْ مُطْلَقًا (أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ) أَيِ: الْمَظْلُومِ (فَحُمِلَ عَلَيْهِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُخَفَّفًا أَيْ: فَوَضَعَ عَلَى الظَّالِمِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ نَفْسَ الْأَعْمَالِ بِأَنْ تَتَجَسَّمَ فَتَصِيرَ كَالْجَوَاهِرِ، وَأَنْ يَكُونَ مَا أَعَدَّ لَهُمَا مِنَ النِّعَمِ وَالنِّقَمِ إِطْلَاقًا لِلسَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] لِأَنَّ الظَّالِمَ فِي الْحَقِيقَةِ مَجْزِيٌّ بِوِزْرِ ظُلْمِهِ، وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ تَخْفِيفًا لَهُ وَتَحْقِيقًا لِلْعَدْلِ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7059
٥١٢٧ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ ". قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: " إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥١٢٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَتَدْرُونَ) أَيْ: (أَتَعْلَمُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟) كَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ وَشَرْحِ السُّنَّةِ، فَعَلَى هَذَا السُّؤَالُ عَنْ وَصْفِ الْمُفْلِسِ لَا عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَجَابَ ﷺ بِوَصْفِهِ فِي قَوْلِهِ: شَتْمٌ وَأَكْلٌ وَقَذْفٌ، وَفِي مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ فِي الْمُفْلِسِ، وَهَذَا سُؤَالُ إِرْشَادٍ لَا اسْتِعْلَامٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ كَذَا وَكَذَا. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ مَا الْمُفْلِسُ مَنِ الْمُفْلِسُ، بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ فِي جَوَابِ الصَّحَابَةِ، وَفِي كَلَامِهِ ﷺ أَيْضًا مِنَ التَّعْبِيرِ بِمَنْ (قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ أَصْحَابِهِ (الْمُفْلِسُ فِينَا) أَيْ: فِيمَا بَيْنَنَا (مَنْ لَا دِرْهَمَ) أَيْ: مِنْ نَقْدٍ (لَهُ) :
стр. 7060
أَيْ: مِلْكًا (وَلَا مَتَاعَ) أَيْ: مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ النَّقْدُ وَيَتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الْأَقْمِشَةِ وَالْعِقَادِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْمَوَاشِي وَالْعَبِيدِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ أَجَابُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِحَسَبِ عُرْفِ أَهْلِ الدُّنْيَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ فِينَا وَغَفَلُوا عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ كَانَ حَقُّهُمْ أَنْ يَقُولُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ كَانَ وَاضِحًا عِنْدَهُ ﷺ فَلَمَّا أَجَابُوهُ بِمَا أَجَابُوهُ. (فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ) أَيِ: الْحَقِيقِيُّ أَوِ الْمُفْلِسُ فِي الْآخِرَةِ (مِنْ أُمَّتِي) أَيْ: كُلِّ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا فِي الدُّنْيَا بِالدِّرْهَمِ وَالْمَتَاعِ (مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ) أَيْ: مَقْبُولَاتٍ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: مَصْحُوبًا بِهَا (وَيَأْتِي) أَيْ: وَيَحْضُرُ أَيْضًا حَالَ كَوْنِهِ (قَدْ شَتَمَ هَذَا) أَيْ: وَقَعَ لَهُ شَتْمٌ لِأَحَدٍ (وَقَذَفَ هَذَا) أَيْ: بِالزِّنَا وَنَحْوَهُ (وَأَكَلَ مَالَ هَذَا) أَيْ: بِالْبَاطِلِ (وَسَفَكَ) أَيْ: أَرَاقَ (دَمَ هَذَا) أَيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ (وَضَرَبَ هَذَا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ أَوْ زِيَادَةٍ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَالْمَعْنَى مَنْ جَمَعَ بَيْنَ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ وَهَذِهِ السَّيِّئَاتِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " وَلَكِنْ لَفْظُ الْمُفْلِسِ يُلَائِمُ كَثْرَةَ الْمَعَاصِي الْمُوجِبَةِ لِإِفْلَاسِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَيُعْطَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (هَذَا) أَيِ: الْمَظْلُومُ (مِنْ حَسَنَاتِهِ) أَيْ: بَعْضِ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ (وَهَذَا) أَيْ: وَيُعْطِي الْمَظْلُومَ الْآخَرَ (مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: يُؤَدِّي (مَا عَلَيْهِ) أَيْ: مِنَ الْحُقُوقِ (أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ) أَيْ: مِنْ سَيِّئَاتِ أَصْحَابِ الْحُقُوقِ (فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ) : أَوْ وُضِعَتْ عَلَى الظَّالِمِ (ثُمَّ طُرِحَ) أَيْ: أُلْقِيَ وَرُمِيَ (فِي النَّارِ) : وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا عَفْوَ وَلَا شَفَاعَةَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ يَرْضَى خَصْمُهُ بِمَا أَرَادَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يَعْنِي حَقِيقَةَ الْمُفْلِسِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ وَمَنْ قَلَّ مَالُهُ، فَالنَّاسُ يُسَمُّونَهُ مُفْلِسًا، وَلَيْسَ هَذَا حَقِيقَةَ الْمُفْلِسِ، لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَزُولُ وَيَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ وَرُبَّمَا انْقَطَعَ بِيَسَارٍ يَحْصُلُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ الْمُفْلِسِ، فَإِنَّهُ يَهْلَكَ مِنَ الْهَلَاكِ التَّامِّ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ الْمُبْتَدَعَةِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَهُوَ بَاطِلٌ وَجَهَالَةٌ بَيِّنَةٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا عُوقِبَ بِفِعْلِهِ وَوِزْرِهِ، فَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ لِغُرَمَائِهِ، فَدُفِعَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ خُصُومِهِ، فَوُضِعَتْ عَلَيْهِ، فَحَقِيقَةُ الْعُقُوبَةِ مُسَبَّبَةٌ عَنْ ظُلْمِهِ وَلَمْ يُعَاقَبْ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ مِنْهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا مِنْ ضَرُورَةِ قَضِيَّةِ الْعَدْلِ الثَّابِتِ لَهُ تَعَالَى بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ، فَإِنَّ الظَّالِمَ إِذَا أَكْثَرَ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ مِنْهَا وَغَلَبَتْ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، فَإِنْ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ يَبْقَى حَقُّ الْمَظْلُومِ ضَائِعًا، وَإِنْ أُدْخِلَ النَّارَ يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] وَسَيَأْتِي أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ مِمَّا لَا يُتْرَكُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا أَخْذَ الْحَسَنَاتِ وَإِمَّا وَضْعَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ خِفَّةُ مِيزَانِ عَمَلِهِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ فَيُعَذَّبُ بِقَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِسَبَبِ الْحَسَنَاتِ الْبَاقِيَةِ إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ، وَإِلَّا بِبَرَكَةِ الْإِيمَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَهَذَا مِنَ الْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ الْمُؤَيِّدَةِ بِالشَّوَاهِدِ وَالْأَدِلَّةِ اللَّائِحَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7061
٥١٢٨ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ: " «اتَّقَوُا الظُّلْمَ» ". فِي " بَابِ الْإِنْفَاقِ ".
ــ
٥١٢٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَتُؤَدَّنَّ) : بِفَتْحِ الدَّالِّ الْمُشَدَّدَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّهَا فَقَوْلُهُ: (الْحُقُوقُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْأَوَّلِ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الثَّانِي (إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : وَجَزَمَ شَارِحٌ وَقَالَ: هُوَ بِفَتْحِ الدَّالِّ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ وَالْحُقُوقُ أُقِيمَ مَقَامَ فَاعِلِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اللَّامُ فِيهِ جَوَابٌ قَسَمُهُ مُقَدَّرٌ وَالدَّالُ فِيهِ مَضْمُومَةٌ، وَالْفِعْلُ مُسْنَدٌ إِلَى الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهِ وَالْحُقُوقُ مَفْعُولُهُ، وَقِيلَ: الدَّالُ فِيهِ مَفْتُوحَةٌ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ وَالْحُقُوقُ نَائِبُ الْفَاعِلِ، لَكِنْ هَذَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَظَهَرَ الْيَاءُ وَقَالَ: لَتُؤَدِّينَ اهـ. وَأَرَادَ أَنَّهُ حِينَئِذٍ صِيغَةُ الْوَاحِدَةِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ اخْشَيْنَ وَاغْزُونَ وَارْمِينَ بِتَسْكِينِ اللَّامَاتِ وَفَتْحِهَا عَلَى طَبْقِ التَّثْنِيَةِ، كَمَا تَقُولُ: اخْشَيَا وَارْمِيَا وَاغْزُوَا عَلَى مَا حُقِّقَ فِي مَحَلِّهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ. وَالْحُقُوقُ: مَرْفُوعٌ هَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الْمُعْتَدُّ بِهَا، وَيَزْعُمُ بَعْضُهُمْ ضَمَّ الدَّالِّ وَنَصْبَ الْحُقُوقِ، الْفِعْلُ مُسْنَدٌ إِلَى الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهِ، وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ اهـ.
стр. 7062
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ صِحَّةَ الرِّوَايَةِ وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ صِحَّةُ الدِّرَايَةِ بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُ كَلَامَ الشَّيْخِ ضَبْطُ الْكَلِمَةِ بِفَتْحِ الدَّالِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَسَائِرِ الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ عُومِلَ مُعَامَلَةَ الْفِعْلِ الصَّحِيحِ حَيْثُ يُقَالُ فِي الْمُفْرَدِ الْمَجْهُولِ: لِيَضْرِبَنَّ بِفَتْحِ الْمُوَحِّدَةِ، وَقَدْ غَفَلَ الطِّيبِيُّ عَنْ هَذَا الْمَبْنَى، وَذَهَبَ إِلَى رِعَايَةِ الْمَعْنَى حَيْثُ قَالَ: إِنْ كَانَ الرَدُّ لِأَجْلِ الرِّوَايَةِ فَلَا مَقَالَ، وَإِنْ كَانَ بِحَسَبِ الدِّرَايَةَ، فَإِنَّ بَابَ التَّغْلِيبِ وَاسِعٌ، فَيَكُونُ قَدْ غَلَبَ الْعُقَلَاءُ عَلَى غَيْرِهِمْ وَجَعَلَ قَوْلَهُ: (حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ) : غَايَةً بِحَسَبِ التَّغْلِيبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١] فَالضَّمِيرُ فِي يَذْرَؤُكُمْ رَاجِعٌ إِلَى الْأَنَاسِيِّ وَالْأَنْعَامِ عَلَى التَّغْلِيبِ اهـ.
وَالْمَعْنَى يُكَثِّرُكُمْ مِنَ الذَّرْءِ وَهُوَ الْبَثُّ، وَقَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ: فِي هَذَا التَّدْبِيرِ وَهُوَ جَعْلُ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَوَالُدٌ، فَإِنَّهُ كَانَ كَالْمَنْبَعِ لِلْبَثِّ وَالتَّكْثِيرِ ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ، وَجَعَلَ فِي لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَشَبَّهَ التَّدْبِيرَ بِالْمَنْبَعِ، وَفِي الْإِتْقَانِ أَنَّ فِي بِمَعْنَى الْبَاءِ أَيْ: بِسَبَبِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا، وَهَذَا إِذَا أُرِيدَ بِالْجَلْحَاءِ وَالْقَرْنَاءِ الشَّاتَانِ الْمَعْرُوفَتَانِ، وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِالْجَلْحَاءِ الْفَقِيرُ أَوِ الْمَظْلُومُ وَبِالْقَرْنَاءِ الْغَنِيُّ أَوِ الظَّالِمُ عَلَى مَا قِيلَ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ارْتِكَابِ التَّغْلِيبِ وَالْأَمْرُ قَرِيبٌ، ثُمَّ الْجَلْحَاءُ بِجِيمٍ فَلَامٍ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: الْجَلْحَاءُ بِالْمَدِّ هِيَ الْجَمَّاءُ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا، وَالْقَرْنَاءُ ضِدُّهَا، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِحَشْرِ الْبَهَائِمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِعَادَتِهَا كَمَا يُعَادُ أَهْلُ التَّكْلِيفِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَالْأَطَالِلِ وَالْمَجَانِينِ، وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ، وَعَلَى هَذَا تَظَاهَرَتْ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. قَالَ تَعَالَى ﷻ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] وَإِذَا وَرَدَ لَفْظُ الشَّرْعِ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ إِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ شَرْعٌ وَلَا عَقْلٌ وَجَبَ حَمْلُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ قَالُوا: وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحَشْرِ وَالْإِعَادَةِ فِي الْقِيَامَةِ الْمُجَازَاةُ وَالْعِقَابُ وَالثَّوَابُ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ مِنَ الْقَرْنَاءِ لِلْجَلْحَاءِ، فَلَيْسَ مِنْ قَصَاصِ التَّكْلِيفِ، بَلْ هُوَ قَصَاصُ مُقَابَلَةٍ اهـ. وَفِي كَوْنِهِ قَصَاصَ مُقَابَلَةٍ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، مَعَ أَنَّ قَصَاصَ الْمُقَابَلَةِ نَحْنُ مُكَلَّفُونَ بِهِ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: لَوْ نَطَحَ شَاةٌ قَرْنَاءُ شَاةً جَلْحَاءَ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُؤْخَذُ الْقَرْنُ مِنَ الْقَرْنَاءِ وَيُعْطَى الْجَلْحَاءَ حَتَّى تَقْتَصَّ لِنَفْسِهَا مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: الشَّاةُ غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ، فَكَيْفَ يُقْتَصُّ مِنْهَا؟ قُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَعَالٌ لِمَا يُرِيدُ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ إِعْلَامُ الْعِبَادِ بِأَنَّ الْحُقُوقَ لَا تَضِيعُ، بَلْ يُقْتَصُّ حَقُّ الْمَظْلُومِ مِنَ الْمَظَالِمِ اهـ. وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ وَتَوْجِيهٌ مُسْتَحْسَنٌ إِلَّا أَنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الْحِكْمَةِ بِالْغَرَضِ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْقَضِيَّةَ دَالَّةٌ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ عَلَى كَمَالِ الْعَدَالَةِ بَيْنَ كَافَّةِ الْمُكَلَّفِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ هَذَا حَالُ الْحَيَوَانَاتِ الْخَارِجَةِ عَنِ التَّكْلِيفِ، فَكَيْفَ بِذَوِي الْعُقُولِ مِنَ الْوَضِيعِ وَالشَّرِيفِ وَالْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ؟ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَفِي الْجَامِعِ بِزِيَادَةِ تَنْطَحُهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَالتِّرْمِذِيُّ.
(وَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ اتَّقَوُا الظُّلْمَ) : تَمَامُهُ: «فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقَوُا الشُّحَّ ; فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» (فِي بَابِ الْإِنْفَاقِ) أَيْ: مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَهَذَا مِنَ الْمُؤَلِّفِ إِنْ كَانَ عَنْ تَكْرَارٍ أَسْقَطَهُ فَهُوَ اعْتِذَارٌ حَسَنٌ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ بَابِ تَحْوِيلِ الْحَدِيثِ إِلَى بَابٍ أَنْسَبَ مِنْهُ فَهُوَ اعْتِرَاضٌ لَكِنْ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ شَامِلٌ.
стр. 7063
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥١٢٩ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ. وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥١٢٩ - (عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَالْهَاءِ لِلْمُبَالَغَةِ وَهَمْزَتُهُ أَصْلِيَّةٌ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ فَلَا يُقَالُ امْرَأَةٌ إِمَّعَةٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ: هُوَ الَّذِي يُتَابِعُ كُلَّ نَاعِقٍ وَيَقُولُ لِكُلِّ أَحَدٍ: أَنَا مَعَكَ لِأَنَّهُ لَا رَأْيَ لَهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَوَزْنُهُ فِعَّلَةٌ كَدِيَّمَةٍ، وَلَا يَجُوزُ
стр. 7064
الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِزِيَادَةِ الْهَمْزَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصِّفَاتِ إِفْعَلَةٌ، وَهِيَ فِي الْأَسْمَاءِ أَيْضًا قَلِيلَةٌ، وَمَعْنَاهُ الْمُقَلِّدُ الَّذِي يَجْعَلُ دِينَهُ تَابِعًا لِدِينِ غَيْرِهِ بِلَا رِوَايَةٍ وَلَا تَحْصِيلِ بُرْهَانٍ اهـ. كَلَامُهُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّقْلِيدِ الْمُجَرَّدِ حَتَّى فِي الْأَخْلَاقِ فَضْلًا عَنِ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، ثُمَّ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْكَلِمَةَ غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِصِفَةٍ أَوِ اسْمٍ، بَلْ مَوْضُوعَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُمَا بِأَنَّا مَعَكَ وَنَظِيرُهَا الْبَسْمَلَةُ وَالْحَيْعَلَةُ وَنَحْوَهُمَا. وَفِي الْقَامُوسِ: الْإِمَّعُ كَهِلَّعٍ وَهِلَّعَةٍ وَيُفْتَحَانِ الرَّجُلُ يُتَابِعُ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى رَأْيِهِ لَا يَثْبُتُ عَلَى شَيْءٍ، وَمُتَّبِعُ النَّاسِ إِلَى الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْعَى، وَالْمُحْقِبُ النَّاسَ دِينَهُ وَالْمُتَرَدِّدُ فِي غَيْرِ صَنْعَةٍ، وَمَنْ يَقُولُ: أَنَا مَعَ النَّاسِ، لَا يُقَالُ امْرَأَةٌ إِمَّعَةٌ أَوْ قَدْ يُقَالُ وَتَأَمَّعَ وَاسْتَأْمَعَ صَارَ إِمَّعَةً. وَقَالَ شَارِحٌ: الْإِمَّعُ وَالْإِمَّعَةُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ الرَّجُلُ الَّذِي يَكُونُ لِضَعْفِ رَأْيِهِ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَنْ يَكُونُ مَعَ مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ، وَيُلَائِمُ أَرْبَ نَفْسِهِ وَمَا يَتَمَنَّاهُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ هُنَا الَّذِي يَقُولُ: أَنَا أَكُونُ مَعَ النَّاسِ كَمَا يَكُونُونَ مَعِي إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ. قُلْتُ: وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُتَعَيَّنُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (يَقُولُونَ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمَّعَةَ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُفْرَدُ وَغَيْرُهُ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَوْصُوفِينَ هَذَا الْوَصْفَ يَقُولُونَ: (إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ) أَيْ: إِلَيْنَا أَوْ إِلَى غَيْرِنَا (أَحْسَنَّا) أَيْ: جَزَاءً أَوْ تَبَعًا لَهُمْ (وَإِنْ ظَلَمُوا) أَيْ: ظَلَمُونَا أَوْ ظَلَمُوا غَيْرَنَا فَكَذَلِكَ نَحْنُ (ظَلَمْنَا) : عَلَى وَفْقِ أَعْمَالِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: يَقُولُونَ إِلَخْ. بَيَانٌ وَتَفْسِيرٌ لِلْأَمَّعَةِ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ وَإِنْ ظَلَمُوا أَنَا مُقَلِّدُ النَّاسِ فِي إِحْسَانِهِمْ وَظُلْمِهِمْ وَمُقْتَفِي أَثَرِهِمْ، (وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ) : أَمْرٌ مِنَ التَّوْطِينِ وَهُوَ الْعَزْمُ وَالْجَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ أَيْ: عَزِّمُوا أَنْفُسِكُمْ عَلَى (إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا) أَيْ: فَعَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا (وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا) : قَالَ فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ: أَوْطَنَ الْأَرْضَ وَوَطَّنَهَا وَاسْتَوْطَنَهَا، وَمِنَ الْمَجَازِ وَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى كَذَا فَتَوَطَّنَتْ قَالَ:
وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُوَطِّنُ نَفْسَهُ ... عَلَى نَائِبَاتِ الدَّهْرِ حِينَ تَنُوبُ
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَوْجِبُوا عَلَى أَنْفُسِكُمُ الْإِحْسَانَ بِأَنْ تَجْعَلُوهَا وَطَنًا لِلْإِحْسَانِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا أَنْ تُحْسِنُوا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَطِّنُوا وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنْ تُحْسِنُوا، وَالتَّقْدِيرُ: وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الْإِحْسَانِ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا لِأَنَّ عَدَمَ الظُّلْمِ إِحْسَانٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7065
٥١٣٠ - «وَعَنْ مُعَاوِيَةَ، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ أَنِ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلَا تُكْثِرِي. فَكَتَبَتْ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مَئُونَةَ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ " وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥١٣٠ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ) أَيِ: ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ صَحَابِيَّانِ مَشْهُورَانِ (أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ) أَيْ: أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (أَنِ اكْتُبِي) : أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي الْكِتَابَةِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ (إِلَيَّ) أَيْ: مُرْسَلًا أَوْ مَوْصُولًا حَالٌ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ مِنْ كُلِّ بَابٍ (وَلَا تُكْثِرِي) أَيْ: بِالْإِطْنَابِ، بَلْ أَوْجِزِي بِكَلَامٍ جَامِعٍ يَكُونُ فَصْلَ الْخِطَابِ، لِأَنَّهَا مِنْ أَصْلِ بَيْتِ مَنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْحِكَمِ وَبَدَائِعَ الْكَلِمِ. (فَكَتَبَتْ: سَلَامٌ عَلَيْكَ) : وَاقْتَصَرَتْ عَلَى غَنِيمَةِ السَّلَامَةِ خَوْفَ السَّآمَةِ (أَمَّا بَعْدُ) أَيْ: بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ مَا بَعْدَ مَا سَبَقَ مِنَ الْكَلَامِ (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ) أَيْ: مَنْ طَلَبَ رِضَاهُ فِي شَيْءٍ يَسْخَطُ النَّاسُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ (كَفَاهُ اللَّهُ مَئُونَةَ النَّاسِ) أَيْ: وَمَئُونَةَ شَرِّهِمْ مِنَ الظُّلْمِ عَلَيْهِ وَالْإِسَاءَةِ إِلَيْهِ (وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ) : بِتَخْفِيفِ الْكَافِ أَيْ: خَلَّاهُ وَتَرَكَ نَصْرَهُ وَدَفَعَهُ (إِلَى النَّاسِ) : وَهَذَا وَصِيَّةٌ جَامِعَةٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ. قَالَ الْمُظْهِرُ يَعْنِي إِذَا عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ فِي فِعْلِهِ رِضَا اللَّهِ وَغَضَبَ النَّاسِ أَوْ عَكْسِهِ، فَإِنْ فَعَلَ الْأَوَّلَ ﵁ وَدَفَعَ عَنْهُ شَرَّ النَّاسِ، وَإِنْ فَعَلَ الثَّانِي وَكَلَهَ إِلَى النَّاسِ يَعْنِي سَلَّطَ النَّاسَ عَلَيْهِ حَتَّى يُؤْذُوهُ وَيَظْلِمُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ شَرَّهُمْ. وَفِي النِّهَايَةِ: وَكَلْتُ أَمْرِي إِلَى فُلَانٍ أَيْ: أَلْجَأْتُهُ إِلَيْهِ وَاعْتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْهِ. (وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ) : فَالْأَوَّلُ بِمَنْزِلَةِ سَلَامِ الْمُلَاقَاةِ، وَالثَّانِي فِي مَرْتَبَةِ الْمُوَادَعَةِ أَوْ كَأَنَّهَا قَالَتْ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَوَّلًا وَآخِرًا أَوْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِي تَكْرَارِ السَّلَامِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى تَأْكِيدِ طَلَبِ السَّلَامَةِ وَتَرْكِ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْمَلَامَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7066
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥١٣١ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] . شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَيْسَ ذَاكَ؟ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . وَفِي رِوَايَةٍ: " لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥١٣١ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ) : بِالتَّأْنِيثِ لِكَوْنِ مَا بَعْدَهُ مِنْ فَاعِلِهِ آيَةً وَالتَّقْدِيرُ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام: ٨٢] بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: لَمْ يَخْلِطُوا ﴿إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] تَمَامُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام: ٨٢] أَيْ: فِي الْآخِرَةِ ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] أَيْ: فِي الدُّنْيَا (شَقَّ ذَلِكَ) أَيْ: صَعُبَ ذَلِكَ الْكَلَامُ أَوِ الْحُكْمُ (عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظُّلْمِ مُطْلَقُ الْمَعَاصِي كَمَا يَتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ، لَا سِيَّمَا مِنَ التَّنْكِيرِ الَّذِي يُفِيدُ الْعُمُومَ (وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) أَيْ: ظُلْمًا قَاصِرًا أَوْ مُتَعَدِّيًا مَعَ أَنَّ الثَّانِي أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى ظُلْمِ النَّفْسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ ذَاكَ) أَيْ: لَيْسَ مَعْنَاهُ كَمَا فَهِمْتُمْ (إِنَّمَا هُوَ) أَيِ: الظُّلْمُ (الشِّرْكُ) : فَفِي التَّنْكِيرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَيُّ نَوْعٍ مِنَ الْكُفْرِ أَوْ أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ أَيْ بِظُلْمٍ عَظِيمٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ لُقْمَانَ لِابْنِهِ) أَيْ: وَهُوَ مُؤْمِنٌ (يَا بُنَيَّ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣] أَيْ: لَا تَخْلِطِ الْإِشْرَاكَ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَسَائِرِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] : اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ أَيْ: فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الْإِيمَانَ وَيَسْتَأْصِلُهُ وَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَعَاصِي، فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي الْإِيمَانَ عَلَى مَذْهَبِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَةِ، فَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فَهِمُوا خَلْطَ الْمَعْصِيَةِ بِالْإِيمَانِ، لِأَنَّ الشِّرْكَ لَا يُتَصَوَّرُ خَلْطُهُ بِهِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ خَلْطَهُ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَيُشْرِكَ فِي عِبَادَتِهِ غَيْرَهُ، فَيَكُونُ إِيمَانًا لُغَوِيًّا لَا شَرْعِيًّا، وَإِلَّا فَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ إِنَّمَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى إِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ نُعُوتِ النَّقْصِ، وَإِلَّا فَيَلْزَمُ أَنَّهُ يَكُونُ جَمِيعُ الْكُفَّارِ مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ حَقِيقَةً. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِالْإِشْرَاكِ الصُّورِيِّ أَيْضًا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: ( «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكَ» ) . فَإِذَا تَأَمَّلْتَ ظَهَرَ لَكَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ الشِّرْكِ الْحَقِيقِيِّ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذِ الْمُمْكِنُ بِجَنْبِ وَاجِبِ الْوُجُودِ كَالْمَعْدُومِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ: لَيْسَ هُوَ) أَيِ: الْأَمْرُ أَوِ الظُّلْمُ أَوِ الْحُكْمُ (كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ) أَيْ: إِلَخْ. قَالَ الطِّيبِيُّ فُهِمَ مِنْ مَعْنَى اللَّبْسِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الظُّلْمِ الْمَعْصِيَةُ لِأَنَّ لَفْظَ اللَّبْسِ يَأْبَى أَنْ يُرَادَ بِهِ الشِّرْكُ، فَالْمَعْنَى لَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ بِمَعْصِيَةٍ تُفَسِّقُهُمْ، كَذَا فِي الْكَشَّافِ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ ذَاكَ مَعْنَاهُ لَيْسَ كَمَا تَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّبْسَ يَقْتَضِي الْخَلْطَ وَلَا يُتَصَوَّرُ خَلْطُ الشِّرْكَ بِالْإِيمَانِ، بَلْ هُوَ وَاقِعٌ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُشْرِكُ فِي عِبَادَتِهِ غَيْرَهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] قَالَ الْحَسَنُ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ مَعَهُمْ شِرْكٌ وَإِيمَانٌ بِهِ، وَقِيلَ النِّفَاقُ لِبْسُ الْإِيمَانِ الظَّاهِرِ بِالْكُفْرِ الْبَاطِنِ وَفِي الْآيَةِ شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالظُّلْمِ فِيهَا الشِّرْكُ، وَمَنْ أَرَادَ زِيَادَةَ اطِّلَاعٍ عَلَيْهِ فَلْيَنْظُرْ فِي فُتُوحِ الْغَيْبِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7067
٥١٣٢ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدٌ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥١٣٢ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أَيِ: الْبَاهِلِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مِنْ شَرِّ النَّاسِ) : وَفِي الْجَامِعِ بِزِيَادَةٍ إِنَّ لِلتَّأْكِيدِ (مَنْزِلَةً) أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : قُيِّدَ بِهِ لِظُهُورِ الْأَمْرِ فِيهِ (عَبْدٌ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ) أَيْ: ضَيَّعَهَا (بِدُنْيَا غَيْرِهِ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ.
стр. 7068
٥١٣٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ: دِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ. يَقُولُ اللَّهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُهُ اللَّهُ: ظُلْمُ الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَقْتَصَّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ ظُلْمُ الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، فَذَاكَ إِلَى اللَّهِ: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ تَجَاوَزَ عَنْهُ» ".
ــ
٥١٣٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الدَّوَاوِينُ) أَيْ: صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ (ثَلَاثَةٌ) أَيْ: ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ الدَّوَاوِينِ، وَفِي الْمُغْرِبِ: الدِّيوَانُ الْجَرِيدَةُ مِنْ دُونِ الْكُتُبِ إِذَا جَمَعَهَا لِأَنَّهَا قِطَعٌ مِنَ الْقَرَاطِيسِ مَجْمُوعَةٌ. (دِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ) أَيْ: لَا يَغْفِرُهُ وَلَا يَعْفُو عَنْهُ أَلْبَتَّةَ (الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) : وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْكُفْرُ بِأَنْوَاعِهِ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] أَيْ: بِلَا تَوْبَةٍ أَوْ لَا يَغْفِرُ الْإِشْرَاكَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُهُ اللَّهُ) أَيْ: بِلَا مُحَاسَبَةٍ وَلَا مُطَالَبَةٍ لَا مَحَالَةَ (ظُلْمُ الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَقْتَصَّ) : مُتَعَلِّقٌ بِلَا يَتْرُكُهُ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ حَتَّى يَقْتَصَّ (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) : أَوْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَى بَعْضِهِمْ بِإِرْضَاءِ خُصُومِهِمْ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الِاقْتِصَاصِ قَائِمٌ مَقَامَ الدِّيَةِ فِي الدُّنْيَا (وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: لَا يُبَالِي (بِهِ) : وَلَا يَرَى لَهُ وَزْنًا مِنَ الْعِبْءِ وَهُوَ الثِّقْلُ (ظُلْمُ الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ) : وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يُوجِدُ حَقُّ عَبْدٍ إِلَّا وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ أَيْضًا، فَحُقُوقُ الْعِبَادِ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْجِهَتَيْنِ وَالْجِهَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَدَدِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُخْرَى لِفَقْرِ الْعَبْدِ وَاسْتِغْنَائِهِ سُبْحَانَهُ (فَذَاكَ) : بِالْأَلْفِ دُونِ اللَّامِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْقَرِيبِ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ (إِلَى اللَّهِ) أَيْ: مُفَوَّضٌ إِلَى مَشِيئَتِهِ (إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) أَيْ: بِقَدْرِ ذَنْبِهِ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهُ (وَإِنْ شَاءَ تَجَاوَزَ عَنْهُ) أَيْ: غَفَرَهُ مَجَّانًا وَبِتَقْدِيرِنَا هَذَا يَنْدَفِعُ مَا يَرِدُ فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ حَيْثُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ مِنَ التَّقْسِيمِ قَدْ يُنَافِيهِ آيَةُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْقَرِينَةِ الْأُولَى لَا يَغْفِرُ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ أَصْلًا، وَفِي الثَّانِيَةِ لَا يُتْرَكُ فَيُؤْذِنُ بِأَنَّ حَقَّ الْغَيْرِ لَا يُهْمَلُ قَطْعًا إِمَّا بِأَنْ يَقْتَصَّ مِنْ خَصْمِهِ أَوْ يُرْضِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي الثَّالِثَةِ لَا يَعْبَأُ لِيَشْعُرَ بِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُسَاهَلَةِ فَيَتْرُكَ حَقَّهُ كَرَمًا وَلُطْفًا.
стр. 7069
٥١٣٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى حَقَّهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمْنَعُ ذَا حَقٍّ حَقَّهُ» ".
ــ
٥١٣٤ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ) أَيْ: وَلَوْ ذِمِّيًّا (فَإِنَّمَا يَسْأَلُ اللَّهَ حَقَّهُ) أَيْ: سُؤَالَ مُحَاسَبَةٍ وَمُطَالَبَةٍ (وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمْنَعُ ذَا حَقٍّ حَقَّهُ) أَيْ: بَلْ يُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ حَقٌّ وَوَعْدُ صِدْقٍ وَفِعْلَهُ عَدْلٌ، ثُمَّ بَعْدَهُ فَضْلٌ.
стр. 7070
٥١٣٥ - وَعَنْ أَوْسِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُقَوِّيَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ» .
ــ
٥١٣٥ - (وَعَنْ أَوْسِ بْنِ شُرَحْبِيلَ) : بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ رَاءٍ وَسُكُونِ مُهْمِلَةٌ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَتَرْكِ صَرْفٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي، وَلَمْ يُذَكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُقَوِّيَهُ) : وَفِي الْجَامِعِ لِيُعِينَهُ (وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ) أَيْ: فِيهِ (فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ) أَيْ: مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ أَوْ مِنْ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ الْمُقْتَضِي أَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.
стр. 7071
٥١٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَلَى وَاللَّهِ، حَتَّى الْحُبَارَى لَتَمُوتُ فِي وَكْرِهَا هُزْلًا لِظُلْمِ الظَّالِمِ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٥١٣٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ) : وَهَذَا الْكَلَامُ حَقٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] وَكَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ فَهِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا يَسْرِي أَثَرُ ظُلْمِهِ إِلَّا إِلَى نَفْسِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَصْرُ (فَقَالَ: بَلَى) أَيْ: بَلَى قَدْ يَضُرُّ غَيْرَهُ أَيْضًا، وَلَيْسَ يَنْحَصِرُ أَثَرُ ضَرَرِهِ عَلَى نَفْسِهِ (وَاللَّهِ حَتَّى) أَيْ: حَتَّى يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ الْمُسْتَأْنَسِ وَغَيْرِهِ حَتَّى (الْحُبَارَى) : بِضَمِّ الْحَاءِ طَيْرٌ مَشْهُورٌ (لَتَمُوتُ فِي وَكْرِهَا) أَيْ: بَيْتِهَا وَعُشِّهَا (هُزْلًا) : بِضَمِّ هَاءٍ وَسُكُونِ زَايٍ نَقِيضَ السِّمَنِ (لِظُلْمِ الظَّالِمِ) أَيْ: لِأَجْلِ ظُلْمِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وَيُمْهِلُ عَنْ بَعْضٍ وَلَا يُهْمِلُ حَقَّ الْمَظْلُومِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] الْآيَةَ. وَفِي النِّهَايَةِ: يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْبِسُ الْقَطْرَ عَنِ الْحُبَارَى بِشُؤْمِ ذُنُوبِ الظَّالِمِ، وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَبْعَدُ الطَّيْرِ نُجْعَةً أَيْ: طَبْعًا لِلْكَلَأِ النَّاشِئِ مِنَ الْغَيْثِ، فَرُبَّمَا تُذْبَحُ بِالْبَصْرَةِ، وَيُوجَدُ فِي حَوْصَلَتِهَا الْحَبَّةُ الْخَضْرَاءُ وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ وَمَبِيتِهَا مَسِيرَةَ أَيَّامٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: بَلَى إِيجَابٌ لِمَا نُفِيَ قَبْلَهُ وَهَهُنَا وَقَعَتْ جَوَابًا لِلْمَنْبَتِ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ لَا يَضُرُّ غَيْرَهُ. فَقَالَ: بَلَى يَضُرُّ غَيْرَهُ حَتَّى يَضُرَّ الْحُبَارَى (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ أَيْضًا عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ وَلَفْظُهُ: " «الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ فَدِيوَانٌ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكَ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، أَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا فَالْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ تَرَكَهُ أَوْ صَلَاةٍ تَرَكَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ وَيَتَجَاوَزُ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا فَمَظَالِمُ لِلْعِبَادِ بَيْنَهُمُ، الْقَصَاصُ لَا مَحَالَةَ» .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي: فَقَدْ أَخْرَجَهُ سَمُّوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ وَلَفْظُهُ: " «إِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا حِجَابٌ دُونَ اللَّهِ » " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو لَيْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَالضِّيَاءُ عَنْ أَنَسٍ: " «اتَّقَوْا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا ; فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا رَادٌّ وَلَا حِجَابٌ» " رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُهُ: " «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ; فَإِنَّهَا تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ كَأَنَّهَا شَرَارَةٌ» " وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، وَلَفْظُهُ: " «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ; فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» ".
وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ أَوْسِ بْنِ شُرَحْبِيلَ أَيْضًا.
стр. 7072
[بَابُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ]
стр. 7073
(٢٢) بَابُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥١٣٧ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٢ - بَابُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ
وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَعْرُوفُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، وَكُلِّ مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْهُ مِنَ الْمُحَسِّنَاتِ وَالْمُقَبَّحَاتِ، وَهُوَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ أَيْ: أَمْرٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا رَأَوْهُ لَا يُنْكِرُونَهُ، وَالْمَعْرُوفُ النَّصَفَةُ وَحُسْنُ الصُّحْبَةِ مَعَ الْأَهْلِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ، وَالْمُنْكَرُ ضِدُّ ذَلِكَ جَمِيعِهِ اهـ. وَكَانَ حَقُّ الْمُؤَلِّفِ أَنْ يَقُولَ: وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ يَعُمُّ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الْآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أَيْ: وَالْبَرْدَ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥١٣٧ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ رَأَى) أَيْ: عَلِمَ (مِنْكُمْ مُنْكَرًا) أَيْ: فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ أَصَالَةً وَلِغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَّةِ تَبَعًا، وَفِي الْإِتْيَانِ بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُبَاشِرُهُ إِلَّا مَنْ يَعْرِفُ مَرَاتِبَ الْإِحْسَانِ وَتَفَاوُتِ الْمُنْكَرَاتِ، وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفِ فِيهِ مِنْهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَخُلَاصَةُ الْكَلَامِ: مَنْ أَبْصَرَ مَا أَنْكَرَهُ الشَّرْعُ (فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ) أَيْ: بِأَنْ يَمْنَعَهُ بِالْفِعْلِ بِأَنْ يَكْسِرَ الْآلَاتِ وَيُرِيقَ الْخَمْرَ وَيَرُدَّ الْمَغْصُوبَ إِلَى مَالِكِهِ، (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أَيِ: التَّغْيِيرَ بِالْيَدِ وَإِزَالَتَهُ بِالْفِعْلِ، لِكَوْنِ فَاعِلِهِ أَقْوَى مِنْهُ (فَبِلِسَانِهِ) أَيْ: فَلْيُغَيِّرْهُ بِالْقَوْلِ وَتِلَاوَةِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ، وَذِكْرِ الْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ وَالنَّصِيحَةِ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أَيِ: التَّغْيِيرَ بِاللِّسَانِ أَيْضًا (فَبِقَلْبِهِ) : بِأَنْ لَا يَرْضَى بِهِ وَيُنْكِرَ فِي بَاطِنِهِ عَلَى مُتَعَاطِيهِ، فَيَكُونُ تَغْيِيرًا مَعْنَوِيًّا إِذْ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إِلَّا هَذَا الْقَدْرِ مِنَ التَّغْيِيرِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ لَا يُتَصَوَّرُ بِالْقَلْبِ، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ مِنْ بَابِ: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] (وَذَلِكَ) أَيِ: الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ وَهُوَ الْكَرَاهِيَةُ (أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) أَيْ: شُعَبِهِ أَوْ خِصَالِ أَهْلِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَقَلُّهَا ثَمَرَةً، فَمَنْ غَيَّرَ الْمَرَاتِبَ مَعَ الْقُدْرَةِ كَانَ عَاصِيًا، وَمَنْ تَرَكَهَا بِلَا قُدْرَةٍ أَوْ يَرَى الْمَفْسَدَةَ أَكْثَرَ وَيُكَرِّرُ مُنْكِرًا لِقَلْبِهِ، فَهُوَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَذَلِكَ أَضْعَفُ زَمَنِ الْإِيمَانِ، إِذْ لَوْ كَانَ إِيمَانُ أَهْلِ زَمَانِهِ قَوِيًّا لَقَدَرَ عَلَى الْإِنْكَارِ الْقَوْلِيِّ أَوِ الْفِعْلِيِّ، وَلَمَا احْتَاجَ إِلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الْإِنْكَارِ الْقَلْبِيِّ، أَوْ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْمُنْكِرُ بِالْقَلْبِ فَقَطْ أَضْعَفُ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ قَوِيًّا صُلْبًا فِي الدِّينِ لَمَا اكْتَفَى بِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: " «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» " وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] هَذَا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ لِلْأُمَرَاءِ، وَالثَّانِي لِلْعُلَمَاءِ، وَالثَّالِثُ لِعَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى إِنْكَارُ الْمَعْصِيَةِ بِالْقَلْبِ أَضْعَفُ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهُ إِذَا رَأَى مُنْكَرًا مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ وَلَمْ يَكْرَهْهُ، وَرَضِيَ بِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ كَانَ كَافِرًا، وَلَعَلَّ الْإِطْلَاقَ الدَّالَّ عَلَى الْعُمُومِ لِإِفَادَةِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀ فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فَمَا تَأْوِيلُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؟ قُلْنَا: مَعْنَاهُ أَضْعَفُ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ وَالْإِنْكَارِ بِالْقَلْبِ مِنْهَا. فَإِنْ قُلْتَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنَ الْإِيمَانِ لِانْتِفَائِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَلَيْسَ وَرَاءَ
стр. 7074
ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ. قُلْتُ: أَرَادَ بِهِ أَنَّ الثَّمَرَاتِ الْقَوِيَّةَ وَالضَّعِيفَةَ إِذَا انْتَفَتْ كَانَ الْإِيمَانُ كَالْمَعْدُومِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ الْحَدِيثُ دَلِيلًا لِلْخَصْمِ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ أَوْ مِنَ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ، لَا يُقَالُ هَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ الْكَمَالِ وَالنُّقْصَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيمَانِ، فَإِنَّا نَقُولُ: الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ، هَلْ هُوَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ أَمْ لَا؟ بَلِ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ، فَإِنَّ نَفْسَ الْإِيمَانِ وَجَوْهَرَهُ لَا يَتَجَزَّأُ، أَوْ إِنَّمَا كَمَالُهُ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ وُجُودُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيْثُ مَدَحَ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ عَطَفَ الْأَعْمَالَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧] وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَطْفِ التَّغَايُرُ، وَأَمَّا كَوْنُ الْأَعْمَالِ جُزْءَ الْإِيمَانِ حَقِيقَةً، فَإِنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَأَمَّا الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَإِمَّا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى تَعَدُّدِ الْمُؤْمِنِ بِهِ، وَهَذَا بَحْثٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ مَحَلُّهُ كُتُبُ الْعَقَائِدِ وَمَبَاحِثُ الْكَلَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْمَرَامِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُنْكَرُ حَرَامًا وَجَبَ الزَّجْرُ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ مَكْرُوهًا نُدِبَ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ أَيْضًا تَبَعٌ لِمَا يُؤْمَرُ بِهِ، فَإِنْ وَجَبَ فَوَاجِبٌ، وَإِنْ نُدِبَ فَمَنْدُوبٌ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ شَامِلٌ لَهُ، إِذِ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، وَضِدُّ الْمَنْهِيِّ إِمَّا وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ مُبَاحٌ وَالْكُلُّ مَعْرُوفٌ، وَشَرْطُهُمَا أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إِلَى الْفِتْنَةِ، كَمَا عُلِمَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَنْ يُظَنَّ قَبُولُهُ، فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ فَيُسْتَحْسَنُ إِظْهَارُ شِعَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَفْظُ مَنْ لِعُمُومِهِ شَمِلَ كُلَّ أَحَدٍ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، عَبْدًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ صَبِيًّا مُمَيِّزًا إِذَا كَانَ، وَإِنْ كَانَ يُسْتَقْبَحُ ذَلِكَ فِي الْفَاسِقِ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] وَقَالَ : ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] وَأَنْشَدَ:
وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى ... طَبِيبٌ يُدَاوِي النَّاسَ وَهْوَ مَرِيضُ
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلَهُ: " فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ " هُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ، وَقَدْ تَطَابَقَ عَلَى وُجُوبِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَهِيَ أَيْضًا مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدَّيْنُ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا بَعْضُ الرَّوَافِضِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَبُو الْمَعَالِي: لَا نَكْتَرِثُ بِخِلَافِهِمْ، وَوُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَفَعَلَهُ وَلَمْ يَمْتَثِلِ الْمُخَاطَبُ، فَلَا عَتْبَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَدَّى مَا عَلَيْهِ، وَمَا عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَمَنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ وَتَرَكَهُ بِلَا عُذْرٍ أَثِمَ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ كَمَا إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ إِلَّا هُوَ، أَوْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ، وَكَمَنَ يَرَى زَوْجَتَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ غُلَامَهُ عَلَى مُنْكَرٍ. قَالُوا: وَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِ لِظَنِّهِ أَنْ لَا يُفِيدَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْآمِرِ وَالنَّاهِي أَنْ يَكُونَ كَامِلَ الْحَالِ مُمْتَثِلًا مَا يَأْمُرُ بِهِ مُجْتَنِبًا مَا يَنْهَى عَنْهُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ شَيْئَانِ أَنْ يَأْمُرَ نَفْسَهُ وَيَنْهَاهَا وَيَأْمُرَ غَيْرَهُ وَيَنْهَاهُ، فَإِذَا أَخَلَّ بِأَحَدِهِمَا كَيْفَ يُبَاحُ لَهُ الْإِخْلَالُ بِالْآخَرِ؟ قَالُوا: وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَصْحَابِ الْوِلَايَاتِ، بَلْ هُوَ ثَابِتٌ عَلَى آحَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا يَأْمُرُونَ الْوُلَاةَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، مَعَ تَقْرِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ وَتَرْكِ تَوْبِيخِهِمْ عَلَى التَّشَاغُلِ بِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ إِنَّمَا يَأْمُرُ وَيَنْهَى مَنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشَّيْءِ فَإِنْ كَانَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ أَوِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَشْهُورَةِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالزِّنَا وَالْخَمْرِ وَنَحْوِهَا، فَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ عَالِمٌ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ دَقَائِقِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاجْتِهَادِ لَمْ يَكُنْ لِلْعَوَامِّ مُدْخَلٌ فِيهِ، لِأَنَّ إِنْكَارَهُ عَلَى ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ، وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا إِنْكَارَ فِيهِ، لِأَنَّ عَلَى أَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ كُلَّ مُجْتَهِدٍ نَصِيبٌ، وَيَنْبَغِي لِلْآمِرِ وَالنَّاهِي أَنْ يَرْفُقَ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَطْلُوبِ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَدْ نَصَحَهُ وَزَانَهُ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ فَضَحَهُ وَشَانَهُ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: إِنَّ هَذَا الْبَابَ بَابٌ عَظِيمٌ فِي الدِّينِ بِهِ قِوَامُ الْأَمْرِ وَمِلَاكُهُ، فَإِذَا فَسَدَ عَمَّ الْعِقَابُ الصَّالِحَ وَالظَّالِمَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ.
стр. 7075
٥١٣٨ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَثَلُ الْمُدَاهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُّوا سَفِينَةً، فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا، وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا فَتَأَذَّوْا بِهِ، فَأَخَذَ فَأْسًا، فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: تَأَذَّيْتُمْ بِهِ وَلَا بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ. فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥١٣٨ - (وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَثَلُ الْمُدَاهِنِ) أَيِ: الْمُدَاهِنُ الْمُتَسَاهِلُ (فِي حُدُودِ اللَّهِ) أَيْ: تَرَكَ الْقِيَامَ لِإِقَامَتِهَا، أَوْ بِالنَّهْيِ عَنِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي الَّتِي تُوجِبُ الْحُدُودَ، وَلَعَلَّ التَّخْصِيصَ لِلِاعْتِنَاءِ أَوْ لِأَنَّ ضَرَرَهَا قَدْ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِ فَاعِلِهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْحُدُودِ مُطْلَقُ الْمَعَاصِي، فَذَكَرَ الْحُدُودَ لِتَغْلِيبِ الْأَقْوَى، أَوْ لِأَنَّ حَدَّ كُلِّ مَعْصِيَةٍ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ، (وَالْوَاقِعِ فِيهَا) أَيْ: وَمَثَلُ الْفَاعِلِ لِلْمَنَاهِي وَفِي التَّعْبِيرِ بِالْوَاقِعِ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ كَأَنَّهُ طَارِحٌ مِنْ عُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ فِي هَوَى بِئْرٍ عَمِيقٍ وَمَكَانٍ سَحِيقٍ. (مَثَلُ قَوْمٍ) : بِالرَّفْعِ أَيْ: كَمَثَلِ جَمْعٍ مُجْتَمِعٍ مِنَ الصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ (اسْتَهَمُوا سَفِينَةً) أَيِ: اقْتَسَمُوا مَحَالَّهَا وَمَنَازِلَهَا بِالْقُرْعَةِ، وَهَذَا قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي جَمْعٍ خَاصٍّ مَلَكُوهَا بِالشَّرِكَةِ الْمُتَسَاوِيَةِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ الِاقْتِسَامُ بِحَسَبِ أَمْرِ صَاحِبِ السَّفِينَةِ عَلَى مُقْتَضَى الْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ نَدْبُ الْقُرْعَةِ إِذَا تَشَاجَرُوا أَيْ: تَنَازَعُوا عَلَى الْجُلُوسِ فِي الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ، وَذَلِكَ إِذَا نَزَلُوا فِيهَا جُمْلَةً أَمَّا إِذَا نَزَلُوا مُتَفَرِّقِينَ، فَمَنْ سَبَقَ مِنْهُمْ إِلَى مَكَانٍ فَهُوَ أَحَقُّ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَصِحُ إِلَّا إِذَا كَانَتِ السَّفِينَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى الْحُجَّاجِ وَالْغُزَاةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِأَحَدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ، (فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا) أَيْ: مِنَ الْمَنَازِلِ (وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا) أَيْ: فِي الْمَجْلِسِ (فَكَانَ الَّذِي) أَيْ: وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا (فِي أَسْفَلِهَا) أَيْ: فِي الْبَعْضِ الَّذِي مُسْتَقِرٌّ فِي أَسْفَلِهَا، فَأَفْرَدَ الْمَوْصُولَ نَظَرًا إِلَى لَفْظَةِ الْبَعْضِ، وَإِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِشْعَارًا بِأَنَّ الصُّلَحَاءَ فِي الْأُمَّةِ كَثِيرُونَ، وَأَنَّ الطُّلَحَاءَ قَلِيلُونَ مَغْلُوبُونَ مَقْهُورُونَ، أَوْ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ الصَّالِحَ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَهُوَ كَثِيرٌ كَبِيرٌ عَالٍ بِعُلُوِّ الدِّينِ، وَالْفَسَقَةَ وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَهُمْ فِي مَرْتَبَةِ الْقِلَّةِ وَمَنْزِلَةِ الذِّلَّةِ وَمَقَامِ أَسْفَلِ السَّافِلِينَ. (يَمُرُّ بِالْمَاءِ) أَيْ: بِسَبَبِهِ (عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا، فَتَأَذَّوْا بِهِ) أَيْ: فَتَأَذَّى مَنْ بِالْأَعْلَى بِمُرُورِهِ عَلَيْهِمْ، وَحَاصِلُهُ، أَنَّهُ يَجِيءُ مِنْ أَسْفَلِهَا إِلَى أَعْلَاهَا لِيَأْخُذَ الْمَاءَ وَيَذْهَبَ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَفِي ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ وَإِمْرَارِهِ بِالْمَاءِ عَلَيْهِمْ تَأَذَّوْا بِهِ بِحَيْثُ ظَهَرَ لَهُ، أَوْ أَظْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ الْغَلِيظِ أَوِ الْفِعْلِ الشَّنِيعِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمَاءُ كِنَايَةً عَنِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَإِمْرَارِهِ لِطَرْحِهِ فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُوجَدُ التَّأَذِّي أَكْثَرَ، وَوَجْهُ الْمُضَايَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ أَظْهَرُ خُصُوصًا إِذَا كَانَ أَهْلُ السُّفْلِ فُقَرَاءَ عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى مُقْتَضَى طَالِعِهِمْ وَنَازِلِهِمْ فِي الْحَظِّ عَنْ مَنَازِلِهِمْ، ثُمَّ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ صَوَّرَ مَحَلَّ الْأَوَّلِينَ أَعْلَى لَخُلُّوِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ عَنِ الْمَعَاصِي، وَجَعَلَ مُقَابِلَهُمْ أَسْفَلَ لِارْتِكَابِهِ الْمَنْهِيَّ، (فَأَخَذَ فَأْسًا بِإِبِطِهِ) : بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبَدِّلُ أَلِفًا (فَجَعَلَ) أَيْ: شَرَعَ (يَنْقُرُ) : بِضَمِّ الْقَافِ أَيْ: يَدُقُّ وَيَخْرُقُ وَيَقْطَعُ (أَسْفَلَ السَّفِينَةِ) أَيْ: مِنْ أَلْوَاحِهَا (فَأَتَوْهُ) أَيْ: فَجَاءَهُ أَهْلُ الْعَوَالِي (فَقَالُوا: مَا لَكَ؟) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ بَاعِثٍ لَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ (قَالَ: تَأَذَّيْتُمْ بِي وَلَا بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ) أَيْ: مِنَ اسْتِعْمَالِهِ أَوْ طَرْحِهِ (فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ) أَيْ: مَنَعُوهُ. يُقَالُ: أَخَذْتُ عَلَى يَدِ فُلَانٍ إِذَا مَنَعْتَهُ عَمَّا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ، كَأَنَّكَ أَمْسَكْتَ يَدَهُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (أَنْجَوْهُ) أَيْ: خَلَّصُوهُ (وَنَجَّوْا) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: وَخَلَّصُوا (أَنْفُسَهُمْ) أَيْضًا فَخَلَصُوا مِنَ الْهَلَاكَ جَمِيعًا، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ تَفَنُّنٌ فِي الْعِبَارَتَيْنِ (وَإِنْ تَرَكُوهُ) أَيْ: عَلَى فِعْلِهِ (أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ) : وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَذَلِكَ إِنْ مَنَعَ النَّاسُ الْفَاسِقَ عَنِ الْفِسْقِ نَجَا وَنَجَوْا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ تَرَكُوهُ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ حَلَّ بِهِمُ الْعَذَابُ وَهَلَكُوا بِشُؤْمِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] أَيْ: بَلْ تُصِيبُكُمْ عَامَّةً بِسَبَبِ مُدَاهَنَتِكُمْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَاهِنَةِ الْمَنْهِيَّةِ وَالْمُدَارَاةِ الْمَأْمُورَةِ أَنَّ الْمُدَاهَنَةَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنْ يَرَى مُنْكَرًا وَيَقْدِرَ عَلَى دَفْعِهِ، وَلَمْ يَدْفَعْهُ حِفْظًا لِجَانِبِ مُرْتَكِبِهِ، أَوْ جَانِبِ غَيْرِهِ لِخَوْفٍ أَوْ طَمَعٍ، أَوْ لِاسْتِحْيَاءٍ مِنْهُ أَوْ قِلَّةِ مُبَالَاةٍ فِي الدِّينِ، وَالْمُدَارَاةُ مُوَافَقَتُهُ بِتَرْكِ حَظِّ نَفْسِهِ وَحَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ وَعِرْضِهِ، فَيَسْكُتُ عَنْهُ دَفْعًا لِلشَّرِّ وَوُقُوعِ الضَّرَرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَدَارِهِمْ مَا دُمْتَ فِي دَارِهِمْ
следующие страницы →