Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.
стр. 7106
الْقَلْبِ حَتَّى ضَاقَ، وَانْكَمَدَ، وَهَلِ السِّجْنُ إِلَّا تَضْيِيقٌ وَحَجْزٌ مِنَ الْخُرُوجِ وَالْوُلُوجِ، فَكُلَّمَا هَمَّ الْقَلْبُ بِالتَّبَرُّؤِ عَنْ مَشَائِمِ الْأَهْوَاءِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالتَّخَلُّصِ عَنْ قُيُودِ الشَّهَوَاتِ الْعَاجِلَةِ تَسَبُّبًا إِلَى الْآجِلَةِ، وَتَنَزُّهًا فِي فَضَاءِ الْمَلَكُوتِ، وَمَشَاهَدَةً لِلْجَمَالِ الْأَزَلِيِّ حَجَزَهُ الشَّيْطَانُ الْمَرْدُودُ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْمَطْرُودِ بِالِاحْتِجَابِ، فَيُدْلَى بِحَسَبِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ إِلَيْهِ، فَكَدَّرَ صَفْوَ الْعَيْشِ عَلَيْهِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحْبُوبِ طَبْعِهِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ السُّجُونِ وَأَضْيَقِهَا، فَإِنَّ مَنْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحْبُوبِهِ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ حَيْثُ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨] الْآيَةَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ سَلْمَانَ، وَالْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَالْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَلَفْظُهُ: " «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسَنَتُهُ فَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ» ". وَالسَّنَةُ: بِفَتْحِ أَوَّلِهِ الْقَحْطُ وَالْجَدَبُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: ( «إِنَّ الدُّنْيَا جَنَّةُ الْكَافِرِ وَسِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ حِينَ تَخْرُجُ نَفْسُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ فِي سِجْنٍ فَأُخْرِجَ مِنْهُ فَجَعَلَ يَتَقَلَّبُ فِي الْأَرْضِ وَيَتَفَسَّحُ فِيهَا» ) . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: ( «يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَالْقَبْرَ أَمْنُهُ، وَالْجَنَّةَ مَصِيرُهُ. يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنَّ الدُّنْيَا جَنَّةُ الْكَافِرِ، وَالْقَبْرَ عَذَابُهُ، وَالنَّارَ مَصِيرُهُ» ) . وَرَوَى ابْنُ لَالَ عَنْ عَائِشَةَ: الدُّنْيَا لَا تَصْفُو لِمُؤْمِنٍ، كَيْفَ وَهِيَ سِجْنُهُ وَبَلَاؤُهُ.
стр. 7107
٥١٥٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥١٥٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً» ) : قَالَ شَارِحٌ: أَيْ لَا يُضِيعُ أَجْرَ حَسَنَةِ الْمُؤْمِنِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ حَاصِلُ الْمَعْنَى، وَأَمَّا بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ وَالْمَعْنَى، فَالظَّالِمُ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤] وَفِي الْقَامُوسِ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ أَيْ: مَنَعَهُ إِيَّاهُ، فَالْحَدِيثُ تَفْسِيرٌ لِمَا فِي الْقُرْآنِ، وَتَبْيِينٌ لِمَا فِيهِ مِنْ نَوْعَيْ جِنْسِ الْإِنْسَانِ، وَبَيَانُ أَنَّ اللَّهَ يُجَازِي عِبَادَهُ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ عَلَى النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ، وَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْعُقْبَى، كَمَا قَالَ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] وَقَالَ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وَلِذَا قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْ كَانَ لِي حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ لَكَفَتْنِي، بِنَاءً عَلَى الْمُضَاعَفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْمَثُوبَةِ الْعَظِيمَةِ الْمَسْطُورَةِ. (يُعْطَى) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُعْطَى الْمُؤْمِنُ كُلَّ خَيْرٍ (بِهَا) أَيْ: بِسَبَبِ تِلْكَ الْحَسَنَةِ (فِي الدُّنْيَا) : مِنْ رَفْعِ الْبَلَاءِ وَتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّعْمَاءِ.
وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ: يُعْطِي اللَّهُ إِيَّاهُ بِتِلْكَ الْحَسَنَةِ أَجْرًا فِي الدُّنْيَا (وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَوِ الْفَاعِلِ طِبْقَ مَا قَبْلَهُ (وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ لَا غَيْرَ أَيْ: يُعْطَى، وَفِي الْعُدُولِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَطْمَحَ نَظَرِ الْكَافِرِ فِي الْعَطَاءِ إِنَّمَا هُوَ بَطْنُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُجْزَى (بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ) أَيْ: مِنْ إِطْعَامِ فَقِيرٍ وَإِحْسَانٍ لِيَتِيمٍ وَإِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ وَنَحْوِهَا مِنْ طَاعَاتٍ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا الْإِسْلَامُ (فِي الدُّنْيَا) : ظَرْفٌ لِيُطْعَمُ (حَتَّى إِذَا أَفْضَى) أَيْ: وَصَلَ (إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ) : بِالتَّأْنِيثِ وَتُذَكَّرُ أَيْ: لَمْ يَبْقَ وَلَمْ يُوجَدْ (لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا) : فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ: لَا يَظْلِمُ لَا يُنْقِصُ، وَهُوَ مُعَدًّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ أَحَدُهُمَا (مُؤْمِنًا) وَالْآخَرُ (حَسَنَةً) ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا اكْتَسَبَ حَسَنَةً يُكَافِئُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَيَرْغُدَ عَيْشَهُ فِي
стр. 7108
الدُّنْيَا، وَبِأَنْ يُجْزَى وَيُثَابَ فِي الْآخِرَةِ، وَالْكَافِرُ إِذَا اكْتَسَبَ حَسَنَةً فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يَفُكَّ أَسِيرًا أَوْ يُنْقِذَ غَرِيقًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَلَا يُجْزَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللَّهَ يُقَابِلُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْفَضْلِ، وَالْكَافِرَ بِالْعَدْلِ، وَلَا يُسْئِلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً يُعْطَى عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَيُثَابُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بِهَا خَيْرًا» " اهـ.
وَمُقْتَضَى الْمُقَابَلَةِ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: " «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجْزَى بِسَيِّئَاتِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمِحْنَةِ وَالْمَشَقَّةِ وَالْبَلَايَا وَالرَّزَايَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَيِّئَةٌ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا» ". وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ «لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: فَمَنْ يَنْجُو مِنْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ ﵊: " غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْتَ تَحَرُّرُ؟ أَلَسْتَ تَنْصَبُ؟ أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟ أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ؟ " قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: " هُوَ مِمَّا تُجْزَوْنَ بِهِ» ". وَقَدْ صَحَّ عَلَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ: الْمَصَائِبُ وَالْأَمْرَاضُ فِي الدُّنْيَا جَزَاءٌ. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرْفُوعًا: " «مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا» ". وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يُصِيبُ عَبْدٌ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ دَرَجَاتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَرِيمًا. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا.
стр. 7109
٥١٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنْ عِنْدَ مُسْلِمٍ: (حُفَّتْ) بَدَلَ (حُجِبَتْ) .
ــ
٥١٦٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " حُجِبَتِ النَّارُ) أَيْ: أُحِيطَتْ (بِالشَّهَوَاتِ) : كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا (وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ) : كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِلَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ: (حُفَّتْ) بَدَلَ (حُجِبَتْ) : يَعْنِي لَفْظُ حُجِبَتْ لِلْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُ حُفَّتْ لِمُسْلِمٍ فَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعْنًى، وَقَدْ وَافَقَ مُسْلِمًا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، لَكِنَّ حَدِيثَهُمْ فِيهِ تَقَدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مُخَالِفٌ لِلْبُخَارِيِّ فِي تَرْتِيبِهِ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: ( «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» ) وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ لَا يُوصَلُ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا بِارْتِكَابِ الْمَكَارِهِ، وَلَا يُوصَلُ إِلَى النَّارِ إِلَّا بِارْتِكَابِ الشَّهَوَاتِ، وَكَذَلِكَ بِهَا مَحْجُوبَتَانِ بِهِمَا، فَمَنْ هَتَكَ الْحِجَابَ وَصَلَ إِلَى الْمَحْجُوبِ، فَهَتْكُ حِجَابِ الْجَنَّةِ بِاقْتِحَامِ الْمَكَارِهِ، وَهَتْكُ حُجُبِ النَّارِ بِارْتِكَابِ الشَّهَوَاتِ، وَأَمَّا الْمَكَارِهُ فَيَدْخُلُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ وَالْعَادَاتُ، وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَالصَّبْرُ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ الَّتِي النَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا الشَّهَوَاتُ الْمُحَرَّمَةُ كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ الْمُبَاحَةُ فَلَا تَدْخُلُ فِي هَذَا اهـ. وَيُنَاسِبُ هَذَا الْحَدِيثَ مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ بَنَى مَكَّةَ عَلَى الْمَكْرُوهَاتِ وَالدَّرَجَاتِ» " أَيْ: لَا تَحْصُلُ دَرَجَاتُهَا إِلَّا بِالتَّحَمُّلِ عَلَى مَكْرُوهَاتِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7110
٥١٦١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتُقِشَ. طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثُ رَأْسُهُ، مُغَبَّرَةٌ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥١٦١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَعِسَ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَيُفْتَحُ أَيْ: خَابَ وَخَسِرَ (عَبْدُ الدِّينَارِ) أَيِ: الَّذِي اخْتَارَهُ عَلَى رِضَا مَعْبُودِهِ الْجَبَّارِ بِأَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَأَنْ لَا يَصْرِفَهُ فِي مَحَلِّهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ) : وَهَذَانَ مِثَالَانِ وَخُصَّا بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهُمَا النَّقْدَانِ الْحَاصِلُ بِهِمَا جَمِيعُ مَقَاصِدِ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ. (وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ) : وَهِيَ ثَوْبُ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ مُعْلَمٍ، وَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي لِبْسِهَا الْخُيَلَاءُ وَالرُّعُونَةُ وَالرِّيَاءُ وَالسُّمْعَةُ، وَمِنْ كَمَالِ مَيْلِ النَّفْسِ إِلَيْهَا وَعَدَمِ الطَّاقَةِ عَلَى مُفَارَقَتِهَا، فَكَأَنَّهُ عَبْدٌ لَهَا،
стр. 7111
وَقِيلَ: هِيَ كِسَاءٌ أَسْوَدُ مُرَبَّعٌ لَهُ عَلَمَانِ أَرَادَ بِهِ مُحِبَّ كَثْرَةِ الثِّيَابِ النَّفِيسَةِ وَالْحَرِيصَ عَلَى التَّحَمُّلِ فَوْقَ الطَّاقَةِ، تَعِسَ ذَمُّ التَّقَيُّدِ بِالزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً أَوْ مَكْرُوهَةً، وَعَدَمُ التَّعَلُّقِ بِتَخْلِيَةِ الْبَاطِنِ عَنِ الْأَوْصَافِ الدَّنِيَّةِ وَتَحْلِيَتُهَا بِالنُّعُوتِ الرَّضِيَّةِ، فَإِنَّ مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ رَقَّ ثَوْبُهُ رَقَّ دِينُهُ، ثُمَّ تَطْوِيلُ الْأَكْمَامِ وَجَرُّ الْأَذْيَالِ حَرَامٌ عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ وَالْخُيَلَاءِ وَمَكْرُوهٌ إِذَا كَانَ بِخِلَافِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ اللِّبْسُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَاحِ فِي الشَّرِيعَةِ، فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ فِي اخْتِيَارِ التَّكَلُّفِ وَالتَّقَشُّفِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الْآيَةَ. وَاخْتَلَفَ السَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ فِي أَيِّهِمَا أَفْضَلُ، وَمُخْتَارُ الشَّاذِلِيَّةِ، وَالنَّقْشَبَنْدِيَّةِ وَالْبِكْرِيَّةِ التَّلَبُّسُ بِلِبَاسِ الْأَغْنِيَاءِ كَمَا عَلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ فَرْقَدًا السَّبَخِيَّ دَخَلَ عَلَى الْحَسَنِ وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ وَعَلَى الْحَسَنِ حُلَّةٌ فَجَعَلَ يَلْمِسُهَا فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: مَا لَكَ تَنْظُرُ إِلَى ثِيَابِي؟ ثِيَابِي ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَثِيَابُكَ ثِيَابُ أَهْلِ النَّارِ. بَلَغَنِي أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ أَصْحَابُ الْأَكْسِيَةِ، ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ: جَعَلُوا الزُّهْدَ فِي ثِيَابِهِمْ وَالْكِبْرَ فِي صُدُورِهِمْ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَأَحَدُهُمْ بِكِسَائِهِ أَعْظَمُ كِبْرًا مِنْ صَاحِبِ الْمِطْرَفِ بِمِطْرَفِهِ، ثُمَّ الْجُمْلَةُ لَهَا خَبَرٌ أَوْ دُعَاءٌ عَلَى مَنِ اسْتَعْبَدَهُ حُبُّ الدُّنْيَا، وَاسْتَرَقَّهُ الْهَوَى، وَأَعْرَضَ عَنْ عُبُودِيَّةِ الْمَوْلَى، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ:
أَتَمَنَّى عَلَى الزَّمَانِ مُحَالًا ... أَنْ تَرَى مُقْلَتَايَ طَلْعَةَ حُرٍّ
وَلَمْ يَقُلْ صَاحِبُهَا إِيذَانًا بِأَنَّ الْمَذْمُومَ مَنْ يَكُونُ أَسِيرًا لِجَمْعِ الْمَالِ بِحَيْثُ لَا يُؤَدِّي حَقَّ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ. (إِنْ أُعْطِيَ) أَيْ: هَذَا التَّعِيسُ (رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ: غَضِبَ، وَالْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ وَانْقِلَابِ حَالِهِ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْمُنَافِقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَانْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] الْآيَةَ. وَكَمَا قَالَ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَئَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١] (تَعِسَ) : كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ لِيَعْطِفَ عَلَيْهِ لِلتَّشْدِيدِ قَوْلَهُ: (وَانْتَكَسَ) أَيْ: صَارَ ذَلِيلًا (وَإِذَا شِيكَ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: دَخَلَ شَوْكٌ فِي عُضْوِهِ (فَلَا انْتُقِشَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَعْلُومِ أَيْ: فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِخْرَاجِهِ، أَوْ لَا يَجِدُ مَنْ يُخْرِجُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ فِي الْبَلَاءِ لَا يُرْحَمُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ بِنَفْسِهِ أَيْضًا، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ: تَعِسَ إِذَا عَثَرَ وَانْكَبَّ لِوَجْهِهِ، وَقَدْ تُفْتَحُ الْعَيْنُ وَهُوَ دُعَاءُ عَلَيْهِ بِالْخَيْبَةِ لِأَنَّ مَنِ انْتَكَسَ فِي أَمْرِهِ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، وَإِذَا شِيكَ أَيْ: إِذَا شَاكَتْهُ شَوْكَةٌ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى انْتِقَاشِهَا، وَهُوَ إِخْرَاجُهَا بِالْمِنْقَاشِ، وَالْخَمِيصَةُ: ثَوْبُ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ مُعْلَمٍ، وَقِيلَ: لَا تُسَمَّى خَمِيصَةٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ سَوْدَاءَ مُعْلَمَةً وَكَانَتْ مِنْ لِبَاسِ النَّاسِ قَدِيمًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قِيلَ خُصَّ الْعَبْدُ بِالذِّكْرِ لِيُؤْذَنَ بِانْغِمَاسِهِ فِي مَحَبَّةِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا كَالْأَسِيرِ الَّذِي لَا خَلَاصَ لَهُ عَنْ أَسْرِهِ، وَلَمْ يُقِلْ: مَالِكُ الدِّينَارِ وَلَا جَامِعُ الدِّينَارِ ; لِأَنَّ الْمَذْمُومَ مِنَ الدُّنْيَا الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ لَا قَدْرَ الْحَاجَةِ. وَقَوْلُهُ: إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، يُؤْذِنُ إِلَى شِدَّةِ حِرْصِهِ فِي جَمْعِ الدُّنْيَا وَطَمَعِهِ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَفِي قَوْلِهِ: " تَعِسَ وَانْتَكَسَ " صَنْعَةٌ لِتَرْدِيدٍ مَعَ التَّرَقِّي أَعَادَ تَعِسَ الَّذِي هُوَ الِانْكِبَابُ عَلَى الْوَجْهِ لِيَضُمَّ مَعَهُ الِانْتِكَاسَ الَّذِي هُوَ الِانْقِلَابُ عَلَى الرَّأْسِ، لِيَتَرَقَّى فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِ مِنَ الْأَهْوَنِ إِلَى الْأَغْلَظِ، ثُمَّ تَرَقَّى مِنْهُ إِلَى قَوْلِهِ: " إِذَا شِيكَ فَلَا انْتُقِشَ " عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ فِي الْبَلَاءِ فَلَا يُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَنْ وَقَعَ فِي الْبَلَاءِ إِذَا تَرَحَّمَ لَهُ النَّاسُ رُبَّمَا هَانَ الْخَطْبُ عَلَيْهِ، وَتَسَلَّى بَعْضَ التَّسَلِّي، وَهَؤُلَاءِ بِخِلَافِهِ، بَلْ يُرِيدُ غَيْظَهُمْ بِفَرَحِ الْأَعْدَاءِ وَشَمَاتَتِهِمْ، وَإِنَّمَا خُصَّ انْتِقَاشُ الشَّوْكِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الِانْتِقَاشَ أَسْهَلُ مَا يُتَصَوَّرُ مِنَ الْمُعَاوَنَةِ لَمَّا أَصَابَهُ مَكْرُوهٌ، فَإِنْ نَفَى ذَلِكَ الْأَهْوَنَ فَيَكُونُ مَا فَوْقَ ذَلِكَ مَنْفِيًّا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. (طُوبَى) أَيْ: حَالَةٌ طَيِّبَةٌ أَوْ شَجَرَةٌ وَالْجَنَّةُ (لِعَبْدٍ) أَيْ:
стр. 7112
خَالِصٍ لِلَّهِ تَعَالَى (آخِذٍ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ: مَاسِكٍ (بِعِنَانِ فَرَسِهِ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: بِلِجَامِهِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: طَرِيقِ الْجِهَادِ (أَشْعَثَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ عَبْدٍ أَوْ حَالٌ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ (رَأْسُهُ) مَرْفُوعٌ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ الْأَشْعَثَ وَهُوَ مُغْبَرُّ الرَّأْسِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِهِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ عَبْدٍ، وَقَوْلُهُ: (مُغْبَرَّةٍ) : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، وَفِي أُخْرَى بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ عَبْدٍ، وَقَوْلُهُ: (قَدَمَاهُ) : فَاعِلُهَا.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَشْعَثَ وَمُغْبَرَّةً حَالَانِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي آخِذٍ لِاعْتِمَادِهِ عَلَى الْمَوْصُوفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا حَالَيْنِ مِنَ الْعَبْدِ ; لِأَنَّ مَوْصُوفَ (إِنْ كَانَ) أَيْ: ذَاكَ الْعَبْدُ (فِي الْحِرَاسَةِ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ: حِمَايَةِ الْجَيْشِ وَمُحَافَظَتِهِمْ عَنْ أَنْ يَتَهَجَّمَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ (كَانَ) أَيْ: كَامِلًا (فِي الْحِرَاسَةِ) : غَيْرَ مُقَصِّرٍ فِيهَا بِالنَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَالْحِرَاسَةُ وَإِنْ كَانَتْ فِي اللُّغَةِ أَعَمَّ لَكِنَّهَا فِي الْعُرْفِ مُخْتَصَّةٌ بِمُقَدِّمَةِ الْعَسْكَرِ، وَلِذَا قَالَ: (وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ) أَيْ: فِي مُؤَخَّرَةِ الْجَيْشِ (كَانَ فِي السَّاقَةِ) أَيْ: كَامِلًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَيْضًا بِأَنْ لَا يَخَافَ مِنَ الِانْقِطَاعِ، وَلَا يَهْتَمَّ إِلَى السَّبْقِ بَلْ يُلَازِمُ مَا هُوَ لِأَجْلِهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي أَنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ إِذَا اتَّحَدَا يُرَادُ بِالْجَزَاءِ الْكَمَالُ، فَالْمَعْنَى إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ أَوِ السَّاقَةِ يَبْذُلُ جُهْدَهُ فِيهَا، وَلَا يَغْفُلُ عَنْهَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: أَرَادَ بِالْحِرَاسَةِ حِرَاسَتَهُ مِنَ الْعَدُوِّ أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي مُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ، وَالسَّاقَةُ مُؤَخَّرَةُ الْجَيْشِ، فَالْمَعْنَى ائْتِمَارُهُ لِمَا أُمِرَ، وَإِقَامَتُهُ حَيْثُ أُقِيمَ، لَا يُفْقَدُ مِنْ مَكَانِهِ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحِرَاسَةَ وَالسَّاقَةَ لِأَنَّهُمَا أَشَدُّ مَشَقَّةً، وَأَكْثَرُ آفَةً، الْأَوَّلُ عِنْدَ دُخُولِهِمْ دَارَ الْحَرْبِ، وَالْآخِرُ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ. (إِنِ اسْتَأْذَنَ) أَيْ: طَلَبَ الْإِذْنَ فِي دُخُولِ مَحْفِلٍ، وَفِي نُسْخَةٍ: إِذَا اسْتَأْذَنَ (لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ) أَيْ: لِعَدَمِ مَالِهِ وَجَاهِهِ (وَإِنْ شَفَعَ) أَيْ: لِأَحَدٍ (لَمْ يُشْفَّعْ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ: لَمْ تُقْبَلْ شَفَاعَتُهُ، وَتَوْضِيحَهُ مَا قِيلَ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى عَدَمِ الْتِفَاتِهِ إِلَى الدُّنْيَا وَأَرْبَابِهَا بِحَيْثُ يَفْنَى بِكُلِّيَّتِهِ فِي نَفْسِهِ، لَا يَبْتَغِي مَالًا وَلَا جَاهًا عِنْدَ النَّاسِ، بَلْ يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا، وَلَمْ يَقْبَلِ النَّاسُ شَفَاعَتَهُ، وَعِنْدَ اللَّهِ يَكُونُ شَفِيعًا مُشَفَّعًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ صَدْرَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ: " «لُعِنَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» " مُخْتَصَرًا.
стр. 7113
٥١٦٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا " فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُنَزَّلُ عَلَيْهِ، قَالَ فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ وَقَالَ: " أَيْنَ السَّائِلُ؟ وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ أَكَلَتْ حَتَّى امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا، اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ. وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥١٦٢ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الصَّحَابَةُ أَوْ أَيُّهَا الْأُمَّةُ (مِنْ بَعْدِي) أَيْ: بَعْدَ وَفَاتِي وَفَقْدِ حَيَاتِي (مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا) : بِفَتْحِ الزَّايِ: وَسُكُونُ الْهَاءِ وَبِفَتْحٍ، فَفِي الْقَامُوسِ: الزَّهْرَةُ وَيُحَرَّكُ النَّبَاتُ أَوْ نَوْرُهُ أَوِ الْأَصْفَرُ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ حُسْنُهَا وَبَهْجَتُهَا، فَقَوْلُهُ: (وَزِينَتُهَا) : عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالزَّهْرَةِ إِشَارَةً إِلَى حُدُوثِهَا حُلْوَةً خَضِرَةً وَسُرْعَةِ فِنَائِهَا، وَالْمَعْنَى أَنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنَّ كَثْرَةَ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ فَتْحِ بِلَادِكُمْ تَمْنَعُكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَتَشْغَلُكُمْ عَنِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَتُحَدِثُ فِيكُمُ الْأَخْلَاقَ الدَّنِيَّةَ مِنَ التَّكَبُّرِ وَالْعُجْبِ وَالْغُرُورِ وَمَحَبَّةِ الْمَالِ وَالْجَاهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ لَوَازِمِ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ، وَمَا بَعْدَهُ حَتَّى الْأَحْوَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ ( «فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ» ؟) : بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلِاسْتِرْشَادِ، وَالْمَعْنَى أَيُفْتَحُ عَلَيْنَا وَيَأْتِي الْخَيْرُ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالْمَالِ وَالْحَلَالِ، وَتَوْسِيعِ الرِّزْقِ مَصْحُوبًا بِالشَّرِّ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَرْكُ الْخَيْرِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ مِمَّا يُخَافُ عَلَيْنَا. وَقِيلَ: الْبَاءُ صِلَةُ يَأْتِي وَهِيَ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: هَلْ يَسْتَجْلِبُ الْخَيْرُ الشَّرَّ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ حُصُولَ الْغَنِيمَةِ لَنَا خَيْرٌ، وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ الْخَيْرُ سَبَبًا لِلشَّرِّ؟ (فَسَكَتَ) أَيْ: مُتَأَمِّلًا أَوْ مُسْتَغْرِقًا أَوْ مُنْتَظِرًا لِلْوَحْيِ سُكُوتًا مُمْتَدًّا، (حَتَّى ظَنَّنَا أَنَّهُ يُنَزَّلُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: نَزَلَ الْوَحْيُ (عَلَيْهِ) أَيْ: بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ وَإِلَّا فَهُوَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى إِمَّا وَحْيًا جَلِيًّا أَوْ خَفِيًّا.
(قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (فَمَسَحَ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ وَجْهِهِ الشَّرِيفِ (الرُّحَضَاءَ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمَدِّ، عَرَقُ الْحُمَّى عَلَيْهِ مَا فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا عَرَقٌ يَظْهَرُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ نُزُولِ
стр. 7114
الْوَحْيِ عَلَيْهِ، فَالتَّرْكِيبُ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَسَحَ عَنْهُ عَرَقًا كَعَرَقِ أَثَرِ الْحُمَّى تَرْحَضُ الْجَسَدَ أَيْ: تَغْسِلُهُ مِنْ كَثْرَتِهِ. (وَقَالَ: " أَيْنَ السَّائِلُ؟ " وَكَأَنَّهُ) أَيِ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (حَمِدَهُ) أَيْ: حَمِدَ السَّائِلَ وَاسْتَحْسَنَهُ فِي سُؤَالِهِ لِكَوْنِهِ سُؤَالَ اسْتِرْشَادٍ لِنَفْعِ الْعِبَادِ وَالْعُبَّادِ (فَقَالَ: " إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ) أَيْ: حَقِيقَةً لِتَنَافِيهِمَا، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْخَيْرُ سَبَبًا لِلشَّرِّ، فَضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا بِقَوْلِهِ المُنَاسِبِ لِتَعْبِيرِ الْخَيْرِ بِالزَّهْرَةِ حَيْثُ قَالَ: (وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ) أَيْ: بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ وَخَلْقِ أَسْبَابِهِ وَآلَتِهِ (مَا يَقْتُلُ) أَيْ: نَبَاتًا أَوْ شَيْئًا يُهْلِكُ الدَّوَابَّ (حَبَطًا) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ: انْتِفَاخَ بَطْنٍ مِنَ الِامْتِلَاءِ وَهُوَ تَمْيِيزٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قَدْ يَقْتُلُ حَقِيقَةً (أَوْ يُلِمُّ) : بِضَمِّ يَاءٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ، أَيْ: يَكَادُ أَنْ يَقْتُلَ وَيَقْرُبُ أَنْ يُهْلِكَ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الرَّبِيعَ يُنْبِتُ خِيَارَ الْعُشْبِ فَتَسْتَكْثِرُ مِنْهُ الْمَاشِيَةُ لَاسْتَطَابَتِهَا إِيَّاهُ حَتَّى تُنْفَخَ بُطُونُهَا عِنْدَ مُجَاوَزَتِهَا حَدَّ الِاعْتِدَالِ، فَتَنْفَتِقَ أَمْعَاؤُهَا مِنْ ذَلِكَ فَتَمُوتَ أَوْ تَقْرُبَ الْمَوْتَ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الرَّبِيعَ يُنْبِتُ أَضْرَابَ الْعُشْبِ فَهِيَ كُلُّهَا خَيْرٌ فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا يَأْتِي الشَّرُّ مِنْ قِبَلِ إِفْرَاطِ الْأَكْلِ، فَكَذَلِكَ الْمُفْرِطُ فِي جَمْعِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، أَوْ مِنَ الْحَلَالِ الْمُشْغِلِ عَنْ حَالِهِ يُكْثِرُ فِي التَّنَعُّمِ بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ فِي مَآلِهِ، فَيَقْسُو قَلْبُهُ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ، فَيُورِثُ الْأَخْلَاقَ الدَّنِيَّةَ فَيَتَكَبَّرُ وَيَتَجَبَّرُ وَيُقِرُّ النَّاسَ، وَيَمْنَعُ ذَا الْحَقِّ مِنْهَا، فَحَيْثُ آلَ مَآلُ الْمَالِ لِهَلَاكِهِ فِي الدُّنْيَا وَلِعَذَابِهِ فِي الْعُقْبَى يَصِيرُ سَبَبَ الْوَبَالِ وَشَدَّةَ النَّكَالِ وَسُوءَ الْحَالِ. (إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ الطَّرِيُّ الْغَضُّ مِنَ النَّبَاتِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ خُضْرَةٍ، وَرُوِيَ بِزِيَادَةِ الْهَاءِ، وَالْمَعْنَى يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ كُلَّ آكِلِهِ إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَالْبَيَانِ الْمَسْطُورِ لِقَوْلِهِ: (أَكَلَتْ) أَيِ: الْمَاشِيَةُ الْآكِلَةُ الْمُفْرِطَةُ أَكْلَهَا (حَتَّى امْتَدَّتْ) أَيِ: امْتَلَأَتْ وَشَبِعَتْ (خَاصِرَتَاهَا) أَيْ: جَنْبَاهَا، وَعَبَّرَ عَنِ الشِّبَعِ بِامْتِدَادِهِمَا لِأَنَّهُمَا يَمْتَدَّانِ عِنْدَ امْتِلَاءِ الْبَطْنِ (اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ) أَيْ: ذَاتَهَا وَقُرْصَهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا بَرَكَتْ مُسْتَقْبِلَةً إِلَيْهَا تَسْتَمْرِئُ بِذَلِكَ مَا أَكَلَتْ. وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ: تَرَكَتِ الْأَكْلَ وَلَمْ تَأْكُلْ مَا فَوْقَ طَاقَةِ كِرْشِهَا حَتَّى تَقْتُلَهَا كَثْرَةُ الْأَكْلِ، وَتَوَجَّهَتْ إِلَى مَسْقَطِ ضَوْئِهَا وَاسْتَرَاحَتْ فِيهِ. (فَثَلَطَتْ) أَيْ: أَلْقَتْ رَوْثَهَا رَقِيقًا سَهْلًا (وَبَالَتْ) أَيْ: فَزَالَ عَنْهَا الْحَبَطُ (ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ) أَيْ: ثُمَّ إِذَا حَصَلَ لَهَا خِفَّةٌ وَاحْتَاجَتْ إِلَى الْأَكْلِ عَادَتْ فَأَكَلَتْ، كَذَلِكَ مَنْ أَخْرَجَ مَا فِي الْمَالِ حَتَّى الْحُقُوقِ، وَعَالَجَ نَفْسَهُ بِالِاحْتِمَاءِ عَنْ مَسَاوِئِ الْأَغْنِيَاءِ، وَعَرَفَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ كَلَامَ الْحُكَمَاءِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، فَيَكُونُ الْمَالُ حِينَئِذٍ خَيْرًا لَهُ، لِأَنَّهُ مَعُونَةٌ لَهُ فِي تَحْصِيلِ الْخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْخَطَرُ فِيهِ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَضُرُّ السَّالِكِينَ بِحَسَبِ الْأَغْلَبِ اخْتَارَ اللَّهُ لِأَكْثَرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ طَرِيقَ الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ. وَذَهَبَ الصُّوفِيَّةُ أَجْمَعُهُمْ، وَالْعُلَمَاءُ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ هَذَا مُجْمَلُ الْكَلَامِ وَمَرَامُ الْمَقَامِ.
وَأَمَّا تَفْصِيلُهُ لُغَةً وَحَلًّا مِنْ جِهَةِ الْمَبْنَى وَالْمَعْنَى، فَفِي النِّهَايَةِ: الْحَبَطُ بِالتَّحْرِيكَ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: حَبِطَتِ الدَّابَّةُ تُحْبِطُ حَبَطًا بِالتَّحْرِيكَ إِذَا أَصَابَتْ مَرْعًى طَيِّبًا، فَأَفْرَطَتْ فِي الْأَكْلِ حَتَّى تَنْتَفِخَ فَتَمُوتَ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّبِيعَ يُنْبِتُ أَحْرَارَ الْعُشْبِ فَتَسْتَكْثِرُ مِنْهُ الْمَاشِيَةُ، وَيُلِمُّ أَيْ: يَقَرُبُ وَيَدْنُو مِنَ الْهَلَاكِ، وَالْخَضِرُ بِكَسْرِ الضَّادِ نَوْعٌ مِنَ الْبُقُولِ لَيْسَ مِنْ أَحْرَارِهَا وَجَيِّدِهَا وَإِنَّمَا تَرْعَاهَا الْمَوَاشِي إِذَا لَمْ تَجِدْ غَيْرَهَا فَلَا تُكْثِرُ مِنْ أَكْلِهَا وَلَا تَسْتَمْرِئُهَا.
قَالَ الْقَاضِي: آكِلَةَ نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ يَقْتُلُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ آكِلَهُ إِلَّا آكِلَ الْخَضِرِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُفَرَّغُ مِنَ الْمُثْبَتِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ فِيهِ، وَنَظِيرُهُ قَرَأْتُ إِلَّا يَوْمَ كَذَا. قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُظْهِرِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ لِوُقُوعِهِ فِي الْكَلَامِ الْمُثْبَتِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْكَشَّافِ إِلَّا بِالتَّأْوِيلِ فِيهِ لِأَنَّ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا بَعْضُ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ لِدَلَالَةِ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ عَلَيْهِ وَالتَّقْسِيمِ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا آكِلَ الْخَضِرِ غَيْرَ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا، يَشْهَدُ لَهُ مَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَفِيهِ مَثَلَانِ، ضُرِبَ أَحَدُهُمَا لِلْمُفْرِطِ فِي جَمْعِ الدُّنْيَا وَمَنْعِهَا مِنْ حَقِّهَا، وَضُرِبَ الْآخَرُ لِلْمُقْتَصِدِ فِي أَخْذِهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا فَهُوَ مَثَلٌ لِلْمُفْرِطِ الَّذِي يَأْخُذُهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّبِيعَ يُنْبِتُ أَحْرَارَ الْعُشْبِ فَتَسْتَكْثِرُ مِنْهَا الْمَاشِيَةُ، حَتَّى يَنْتَفِخَ بُطُونُهَا لِمَا قَدْ جَاوَزَتْ حَدَّ
стр. 7115
الِاحْتِمَالِ فَتَنْفَتِقُ أَمْعَاؤُهَا فَتَهْلِكُ، كَذَلِكَ الَّذِي يَجْمَعُ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا، وَيَمْنَعُ ذَا الْحَقِّ حَقَّهُ يَهْلِكُ فِي الْآخِرَةِ بِدُخُولِ النَّارِ، وَأَمَّا مَثَلُ الْمُقْتَصِدِ فَقَوْلُهُ ﵊: " إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ " وَذَلِكَ أَنَّ الْخَضِرَ لَيْسَتْ مِنْ أَحْرَارِ الْبُقُولِ الَّتِي يُنْبِتُهَا الرَّبِيعُ فَتَسْتَكْثِرُ مِنْهَا الْمَاشِيَةُ، وَلَكِنَّهَا مِنْ كَلَأِ الصَّيْفِيِّ الَّتِي تَرْعَاهَا الْمَوَاشِي بَعْدَ هَشِيمِ الْبُقُولِ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنْ غَيْرِ اسْتِكْثَارٍ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِمَنْ يَقْتَصِدُ فِي أَخْذِ الدُّنْيَا، وَلَا يَحْمِلُهُ الْحِرْصُ عَلَى أَخْذِهَا فَهُوَ يَنْجُو مِنْ وَبَالِهَا. قَالَ الْأَشْرَفُ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، إِنَّ الْمُقْتَصِدَ الْمَحْمُودَ الْعَاقِبَةِ وَإِنْ جَاوَزَ حَدَّ الِاقْتِصَادِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَقَرُبَ مِنَ السَّرَفِ الْمَذْمُومِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ الْمَرْكُوزَةِ فِي الْإِنْسَانِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: أَكَلَتْ حَتَّى امْتَدَّتْ خَاصِرَتُهَا، لَكِنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ قَرِيبٍ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِّ الْمَذْمُومِ، وَلَا يَلْبَثُ عَلَيْهِ، بَلْ يَلْتَجِئُ إِلَى الدَّلَائِلِ النَّيِّرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ الدَّافِعَةِ لِلْحِرْصِ الْمُهْلِكِ الْقَامِعَةِ لَهُ، وَهُوَ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، فَحَذَفَ مَا حَذَفَ مِنَ الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهَا عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ الْمَحْمُودَ الْعَاقِبَةِ وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الِاقْتِصَادِ وَالْقُرْبِ مِنْ حَدِّ الْإِسْرَافِ مَرَّةً بَعْدَ أُولَى، وَثَانِيَةً بَعْدَ أُخْرَى لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِ وَقُوَّتِهَا فِيهِ، لَكِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَبْعُدَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْحَدِّ الْمَذْمُومِ الَّذِي هُوَ الْإِسْرَافُ، وَيَقْرُبُ مِنَ الِاقْتِصَادِ الَّذِي هُوَ الْحَدُّ الْمَحْمُودُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَعَلَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ لَكِنْ يَجِبُ التَّأْوِيلُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ شَيْئًا يَقْتُلُ آكِلَهُ إِلَّا الْخَضِرَ مِنْهُ إِذَا اقْتَصَدَ فِيهِ آكِلُهُ وَتَحَرَّى دَفْعَ مَا يُؤَدِّيهِ إِلَى الْهَلَاكِ. (وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ) أَيِ: الْمَحْسُوسَ فِي الْبَالِ (خَضِرَةٌ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (حُلْوَةٌ) : بِضَمِّ الْحَاءِ أَيْ: حَسَنَةُ الْمَنْظَرِ لِزِيَادَةِ الْمَذَاقِ وَالتَّأْنِيثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ هَذَا الْمَالَ عِبَارَةٌ عَنِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، إِذِ التَّقْدِيرُ أَنَّ زَهْرَةَ هَذَا الْمَالِ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: كَذَلِكَ نَرْوِيهِ مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ عَلَى التَّأْنِيثِ، وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا خَضِرٌ حُلْوٌ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا أُنِّثَ عَلَى مَعْنَى تَأْنِيثِ الْمُشَبَّهِ بِهِ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ شَيْءٌ كَالْخَضِرِةِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ كَالْبَقْلَةِ الْخَضِرَةِ، أَوْ يَكُونُ عَلَى مَعْنَى فَائِدَةِ الْمَالِ أَيْ: أَنَّ الْحَيَاةَ بِهِ أَوِ الْمَعِيشَةَ خَضِرَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنِ الْمَالِ بِالدُّنْيَا، لِأَنَّهُ أَعْظَمُ زِينَتَيِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] فَيُوَافِقُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: " «الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ» . . " عَلَى مَا مَرَّ فِي الْبَابِ السَّابِقِ اهـ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْمَالَ مُشَبَّهٌ بِالْمَرْعَى الْمُشْتَهَاةِ لِلْأَنْهَامِ (فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ) أَيْ: بِقَدْرِ احْتِيَاجِهِ مِنْ طَرِيقِ حِلِّهِ (وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ) أَيْ: فِي مَحَلِّهِ الْوَاجِبِ أَوْ نَدَبَهُ (فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ) أَيْ: مَا يُعَانُ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُدْفَعُ بِهِ ضَرُورَاتُ الْمُؤْنَةِ، إِذِ الْمُرَادُ بِالْمَعُونَةِ الْوَصْفُ مُبَالَغَةً أَيْ: فَنِعْمَ الْمُعِينُ عَلَى الدِّينِ. (هُوَ) أَيِ: الْمَالُ، وَنَظِيرُ مَا وَرَدَ: نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ، (وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَيْهِ وَجَمَعَهُ مِنْ حَرَامٍ وَلَمْ يَصْرِفْهُ فِي مَرْضَاةِ رَبِّهِ (كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) : فَيَقَعُ فِي الدَّاءِ الْعُضَالِ وَالْوَرْطَةِ الْمُهْلِكَةِ لِغَلَبَةِ الْحِرْصِ كَالَّذِي بِهِ جُوعُ الْبَقَرِ، وَكَالْمَرِيضِ الَّذِي لَهُ الِاسْتِسْقَاءُ حَيْثُ مَا يُرْوَى، وَكُلَّمَا يَشْرَبُ يَزِيدُ عَطَشًا وَانْتِفَاخًا (وَيَكُونُ) أَيِ: الْمَالُ (شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: حُجَّةً عَلَيْهِ يَوْمَ يَشْهَدُ عَلَى حِرْصِهِ وَإِسْرَافِهِ، وَأَنَّهُ أَنْفَقَهُ فِيمَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ لِعِبَادِ اللَّهِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: مِثَالُ الْمَالِ مِثَالُ الْحَيَّةِ الَّتِي فِيهَا تِرْيَاقٌ نَاقِعٌ وَسُمٌّ نَافِعٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا الْمُعَزِّمُ الَّذِي يَعُودُ وَجْهُ الِاحْتِرَازِ عَنْ شَرِّهَا وَطَرِيقِ اسْتِخْرَاجِ تِرْيَاقِهَا كَانَتْ نِعْمَةً، وَإِنْ أَصَابَهَا السَّوَادِيُّ الْغَبِيُّ فَهِيَ عَلَيْهِ بَلَاءٌ مُهْلِكٌ، وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَهُ الْخَوَاجَةُ عُبَيْدُ اللَّهِ النَّقْشَبَنْدِيُّ ﵀: أَنَّ الدُّنْيَا كَالْحَيَّةِ، فَكُلُّ مَنْ يَعْرِفُ رُقْيَتَهَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا، وَإِلَّا فَلَا. فَقِيلَ وَمَا رُقْيَتُهَا؟ فَقَالَ: أَنْ يَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ يَأْخُذُهَا وَفِي أَيْنَ يَصْرِفُهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7116
٥١٦٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكُكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥١٦٣ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ) : بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِلِاهْتِمَامِ عَلَى عَامِلِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَأَخْشَى عَلَيْكُمْ) وَالْمَعْنَى: مَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ الْفَقْرَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ السَّلَامَةُ وَأَنَّهُ أَنْفَعُ لَكُمْ، وَلِذَا قِيلَ: إِنَّ مِنَ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَقْدِرَ وَإِنْ كَانَ كَادَ الْفَقْرَ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا (وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ) أَيْ: تُوَسَّعَ (عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا) أَيْ: فَتَعْمَلُوا مُعَامَلَةَ الْأَغْنِيَاءِ الْأَغْنِيَاءَ فَتَهْلَكُوا بِأَنْوَاعِ الْبَلَاءِ. (كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أَيْ: فَهَلَكُوا بِسَبَبِ عَدَمِ تَرَحُّمِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِأَجْلِ كَمَالِ الْمَيْلِ إِلَى الْمَالِ (فَتَنَافَسُوهَا) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ عَطْفٌ عَلَى تُبْسَطَ، مِنْ نَافَسْتُ فِي الشَّيْءِ أَيْ: رَغِبْتُ فِيهِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمُنَافَسَةَ وَالتَّنَافُسَ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وَالْمَعْنَى فَتَخْتَارُوهَا أَنْتُمْ وَتَرْغَبُوا فِيهَا غَايَةَ الرَّغْبَةِ (كَمَا تَنَافَسُوهَا) : بِصِيغَةِ الْمَاضِي أَيْ: كَمَا رَغِبَ فِيهَا مَنْ قَبْلَكُمْ (وَتُهْلِكُكُمْ) أَيِ: الدُّنْيَا (كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَائِدَةُ فِي تَقَدُّمِ الْمَفْعُولِ فِي الْقَرِينَةِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ؟ قُلْتُ: فَائِدَتُهُ الِاهْتِمَامُ بِشَأْنِ الْفَقْرِ لِأَنَّ الْأَبَ الْمُشْفِقَ إِذَا احْتَضَرَ إِنَّمَا يَكُونُ اهْتِمَامُهُ بِشَأْنِ الْوَلَدِ وَضَيَاعِهِ وَإِعْدَامِهِ الْمَالَ، كَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " حَالِي مَعَكُمْ خِلَافَ حَالِ الْوَالِدِ فَإِنِّي لَا أَخْشَى الْفَقْرَ كَمَا يَخْشَاهُ الْوَالِدُ وَلَكِنْ خَوْفِي مِنَ الْغِنَى الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ " ثُمَّ التَّعْرِيفُ فِي الْفَقْرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ، فَهُوَ الْفَقْرُ الَّذِي كَانَتِ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِعْدَامِ وَالْقِلَّةِ، وَالْبَسْطُ هُوَ مَا بَسَطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَتْحِ الْبِلَادِ، وَإِمَّا لِلْجِنْسِ وَهُوَ الْفَقْرَ الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ مَا هُوَ، وَالْبَسْطُ الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَنَظِيرُهُ مَا فُسِّرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا - إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَقْرِ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ وَالْبَدَنِ، وَبِالْغِنَى الزِّيَادَةُ عَلَى مِقْدَارِ الْكِفَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلطُّغْيَانِ، وَشَغْلِ الْإِنْسَانِ عَنْ عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، فَالْمَعْنَى كَمَا قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: تَرْغَبُونَ فِيهَا فَتَشْتَغِلُونَ بِجَمْعِهَا، وَتَحْرِصُونَ عَلَى إِمْسَاكِهَا، فَتَطْغَوْنَ بِهَا فَتَهْلَكُونَ بِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى - أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَلَاكُهُمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمَالَ مَرْغُوبٌ فِيهِ فَيَطْمَعُ النَّاسُ وَيَتَوَقَّعُونَ مِنْهُ فَمَنَعَهُ مِنْهُمْ فَتَقَعُ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُمْ " فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى الْهَلَاكِ اهـ. وَهَذَا الِاحْتِمَالُ بَعِيدٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْحَدِيثَ بَلْ مُحَالٌ بِلَا مَجَالٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: " «مَنْ أَصْبَحَ حَزِينًا عَلَى الدُّنْيَا أَصْبَحَ سَاخِطًا عَلَى رَبِّهِ تَعَالَى، وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَإِنَّمَا يَشْكُو اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ تَضَعْضَعَ لِغَنِيٍّ لِيَنَالَ مِمَّا فِي يَدَيْهِ أَسْخَطَ اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ أُعْطِيَ الْقُرْآنَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى» ". وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الثَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: " «وَمَنْ قَعَدَ أَوْ جَلَسَ إِلَى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ لِدُنْيَا تُصِيبُهُ ذَهَبَ ثُلْثَا دِينِهِ وَدَخَلَ النَّارَ»
".
стр. 7117
٥١٦٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا» ". وَفِي رِوَايَةٍ: (كَفَافًا) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥١٦٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ) أَيْ: ذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ أَتْبَاعِ مُحَمَّدٍ وَأَحْبَابِهِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ (قُوتًا) أَيْ: مَا يُكْسِبُ قُوَّةً عَلَى الطَّاعَةِ وَيَسُدُّ رَمَقًا فِي الْمَعِيشَةِ. (وَفِي رِوَايَةٍ: " كَفَافًا) : بِفَتْحِ الْكَافِ، وَهُوَ مِنَ الْقُوتِ مَا يَكُفُّ الرَّجُلَ مِنَ الْجُوعِ أَوْ عَنِ السُّؤَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تَفْسِيرٌ لِلْأُولَى، وَبَيَانُ أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِأَدْنَى الْمَعِيشَةِ هُوَ الطَّرِيقُ الْأَوْلَى، وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ فِي حَقِّ مَنْ شَاءَ مِمَنْ أَرَادَ اصْطِفَاءَهُ وَاجْتِبَاءَهُ، وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ
стр. 7118
بِالْآلِ خَوَاصُّ أُمَّتِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْكَمَالِ مَا وَرَدَ فِي دُعَائِهِ ﵊ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ غَيْلَانَ الثَّقَفِيِّ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: " «اللَّهُمَّ مَنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي وَعَلِمَ أَنَّ مَا جِئْتُ بِهِ هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَقْلِلْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَحَبِّبَ إِلَيْهِ لِقَاءَكَ وَعَجِّلْ لَهُ الْقَضَاءَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِي وَلَمْ يُصَدِّقْنِي وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَا جِئْتُ بِهِ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَطِلْ عُمُرَهُ» " وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «قَلِيلٌ يَكْفِيكَ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُطْغِيكَ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: «قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ» ، وَنِعْمَ مَا قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْحَالَ:
زِيَادَةُ الْمَرْءِ فِي دُنْيَاهُ نُقْصَانُ ... وَرِبْحُهُ غَيْرَ مَحْضِ الْخَيْرِ خُسْرَانُ
هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ: الْكَفَافُ هُوَ الَّذِي لَا يَفَضِلُ عَنِ الشَّيْءِ وَيَكُونُ بِقَدَرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُفَسِّرَةٌ لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى، لِأَنَّ الْقُوتَ مَا يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ، وَقِيلَ: سُمِّيَ قُوتًا لِحُصُولِ الْقُوَّةِ مِنْهُ سَلَكَ ﷺ طَرِيقَ الِاقْتِصَادِ الْمَحْمُودِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْمَالِ تُلْهِي وَقِلَّتَهُ تُنْسِي، فَمَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى. وَفِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِرْشَادٌ لِأُمَّتِهِ كُلَّ الْإِرْشَادِ إِلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْكَفَافِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْعَبَ الرَّجُلُ فِي طَلَبِهِ ; لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَحُكْمُ الْكَفَافِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَادُ قِلَّةَ الْأَكْلِ حَتَّى إِنَّهُ يَأْكُلُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً فَكَفَافُهُ وَقُوتُهُ تِلْكَ الْمَرَّةُ فِي أُسْبُوعٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَادُ الْأَكْلَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَكَفَافُهُ ذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّهُ إِنْ تَرَكَهُ أَضَرَّهُ ذَلِكَ، وَلِمَ يَقْوَ عَلَى الطَّاعَةِ. وَمِنْهَا مَنْ يَكُونُ كَثِيرَ الْعِيَالِ فَكَفَافُهُ مَا يَسُدُّ رَمَقَ عِيَالِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِلُّ عِيَالُهُ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى طَلَبِ الزِّيَادَةِ وَكَثْرَةِ الِاشْتِغَالِ، فَإِذًا قَدْرُ الْكِفَايَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَمِقْدَارُهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ إِلَّا أَنَّ الْمَحْمُودَ مَا بِهِ الْقُوَّةُ، عَلَى الطَّاعَةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ: " «اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ فِي الدُّنْيَا قُوتًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 7119
٥١٦٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥١٦٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَدْ أَفْلَحَ) أَيْ: فَازَ وَظَفِرَ بِالْمَقْصُودِ (مَنْ أَسْلَمَ) أَيِ: إِنْقَادَ لِرَبِّهِ الْمَعْبُودِ (وَرُزِقَ) أَيْ: مِنَ الْحَلَالِ (كَفَافًا) أَيْ: مَا كَفَاهُ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَكَفَّهُ عَمَّا سِوَاهُ (وَقَنَّعَهُ اللَّهُ) أَيْ: جَعَلَهُ قَانِعًا (بِمَا آتَاهُ) أَيْ: بِمَا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، بَلْ جَعَلَهُ شَاكِرًا لِمَا أَعْطَاهُ رَاضِيًا بِكُلِّ مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: " «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَخْلَصَ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، وَجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيمًا، وَلِسَانَهُ صَادِقًا، وَنَفْسَهُ مُطْمَئِنَّةً، وَخَلِيقَتَهُ مُسْتَقِيمَةً، وَأُذُنَهُ مُسْتَمِعَةً، وَعَيْنَيْهِ نَاظِرَةً» " وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ مُخْتَصَرًا: " «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ رُزِقَ لُبًّا» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ قُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] الْآيَاتِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ النِّيَّاتِ.
стр. 7120
٥١٦٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي، مَالِي. وَإِنَّ مَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لَكَ» ) . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
٥١٦٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَقُولُ الْعَبْدُ) أَيْ: مَعَ أَنَّ الْعَبْدَ وَمَا فِي يَدِهِ لِمَوْلَاهُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْسِبَ إِلَى نَفْسِهِ شَيْئًا، كَمَا قَالَتْهُ الصُّوفِيَّةُ الصَّفِيَّةُ (مَالِي، مَالِي) أَيْ: مَالِي كَذَا، مَالِي كَذَا، وَالْمَعْنَى يَعُدُّهُ افْتِخَارًا أَوْ يَذْكُرُهُ احْتِقَارًا، أَوْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَالِ، وَلَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَآلِ مِنَ الْوَبَالِ. (وَإِنَّ مَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ) : " مَا " الْأَوْلَى مَوْصُولَةٌ وَلَهُ صِلَتُهُ، وَمِنْ مَالِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالصِّلَةِ، وَثَلَاثٌ خَبَرٌ، وَإِنَّمَا أَنَّثَهُ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَنَافِعِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثُ مَنَافِعَ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنَّ مَنْفَعَةً وَاحِدَةً مِنْهَا حَقِيقَةٌ بَاقِيَةٌ، وَالْبَاقِي مِنْهَا صُورِيَّةٌ فَانِيَةٌ. (مَا أَكَلَ) أَيْ: مَا اسْتَعْمَلَ مِنْ جِنْسِ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ، فَفِيهِ تَغْلِيبٌ أَوِ اكْتِفَاءٌ (فَأَفْنَى) أَيْ: فَأَعْدَمَهُمَا (أَوْ لَبِسَ) أَيْ: مِنَ الثِّيَابِ (فَأَبْلَى) أَيْ: فَأَخْلَقَهَا (أَوْ أَعْطَى) أَيْ: لِلَّهِ تَعَالَى (فَاقْتَنَى) أَيْ: جَعَلَهُ قِنْيَةً وَذَخِيرَةً لِلْعُقْبَى (وَمَا سِوَى ذَلِكَ) أَيْ: وَمَا عَدَا مَا ذُكِرَ مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْمَالِ مِنَ الْمَوَاشِي وَالْعَقَارِ وَالْخَدَمِ وَالنُّقُودِ وَالْجَوَاهِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (فَهُوَ) أَيِ: الْعَبْدُ (ذَاهِبٌ) أَيْ: عَنْهُ (وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ) أَيْ: مِنَ الْوَرَثَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ بِلَا فَائِدَةٍ رَاجِعَةٍ إِلَيْهِ، مَعَ أَنَّ مُطَالَبَةَ الْمُحَاسَبَةِ وَالْمُعَاقَبَةِ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7121
٥١٦٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ: فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥١٦٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَتْبَعُ الْمَيِّتَ) أَيْ: إِلَى قَبْرِهِ (ثَلَاثَةٌ) أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ الْأَشْيَاءِ (فَيَرْجِعُ اثْنَانِ) أَيْ: إِلَى مَكَانِهِمَا وَيَتْرُكَانِهِ وَحْدَهُ (وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ) أَيْ: لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ (يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ) أَيْ: أَوْلَادُهُ وَأَقَارِبُهُ وَأَهْلُ صُحْبَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ (وَمَالُهُ) : كَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالدَّابَّةِ وَالْخَيْمَةِ وَنَحْوِهَا. قَالَ الْمُظْهِرُ: أَرَادَ بَعْضَ مَالِهِ وَهُوَ مَمَالِيكُهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اتِّبَاعُ الْأَهْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَاتِّبَاعُ الْمَالِ عَلَى الِاتِّسَاعِ، فَإِنَّ الْمَالَ حِينَئِذٍ لَهُ نَوْعٌ تَعَلَّقَ بِالْمَيِّتِ مِنَ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ وَمُؤْنَةِ الْغُسْلِ وَالْحَمْلِ وَالدَّفْنِ، فَإِذَا دُفِنَ انْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ بِالْكُلِّيَّةِ (وَعَمَلُهُ) أَيْ: مِنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهِ. (فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ) أَيْ: كَمَا تُشَاهِدُ حَالَهُ وَمَآلَهُ (وَيَبْقَى) أَيْ: مَعَهُ (عَمَلُهُ) أَيْ: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ، وَلِذَا قِيلَ: الْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَلِ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ» " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7122
٥١٦٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا مَنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ: (فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥١٦٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ» ؟) أَيْ: مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ( «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا مَنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ: " فَإِنَّ مَالَهُ» ) أَيْ: حَقِيقَةً (مَا قَدَّمَ) أَيْ: مَا قَدَّمَهُ عَلَى مَوْتِهِ بِإِرْسَالِهِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ النَّافِعُ الْبَاقِي لَهُ فِيهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] (وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ) أَيْ: مَا خَلَّفَهُ لَهُمْ حَيْثُ يَفْعَلُونَ فِيهِ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7123
٥١٦٩ - وَعَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] قَالَ: (يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي. قَالَ: (وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ! إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ» ؟) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥١٦٩ - (وَعَنْ مُطَرِّفٍ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ، وَمَرَّ ذِكْرُهُ. (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] أَيْ: أَشْغَلَكُمْ طَلَبُ كَثْرَةِ الْمَالِ (قَالَ: " يَقُولُ ابْنُ آدَمَ) أَيْ: لِكَوْنِهِ ظَلُومًا جَهُولًا فِي حَمْلِ الْأَمَانَةِ عَنِ الْخِيَانَةِ (مَالِي، مَالِي) أَيْ: يَغْتَرُّ بِنِسْبَةِ الْمَالِ تَارَةً وَيَفْتَخِرُ بِهِ أُخْرَى (قَالَ) : أُعِيدَ لِلتَّأْكِيدِ وَدَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي (وَهَلْ لَكَ) أَيْ: وَهَلْ يَحْصُلُ لَكَ مِنَ الْمَالِ وَيَنْفَعُكَ مِنَ الْمَآلِ (يَا ابْنَ آدَمَ! إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟) أَيْ: فَأَمْضَيْتَهُ مِنَ الْإِفْنَاءِ وَالْإِبْلَاءِ، وَأَبْقَيْتَهُ بِنَفْسِكَ يَوْمَ الْجَزَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وَقَالَ : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١] (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7124
٥١٧٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥١٧٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ تَعَالَى وَسَلَّمَ: " لَيْسَ الْغِنَى) أَيِ: الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَقِيقَةِ غِنًى صَادِرًا (عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ) : وَهُوَ غِنَى الْيَدِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَارِضَةِ، وَالْأَحْوَالِ الْحَادِثَةِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ مَتَاعُ الدُّنْيَا وَحُطَامُهَا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ شَارِحٌ: الْعَرَضُ بِالتَّحْرِيكَ يَتَنَاوَلُ النُّقُودَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَبِالسُّكُونِ لَا يَتَنَاوَلُ النُّقُودَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَعَنْ هَذِهِ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] الْكَشَّافُ أَيْ: فَحَمَلَهُمَا الشَّيْطَانُ عَلَى الزَّلَّةِ بِسَبَبِهَا، وَتَحْقِيقُهُ: فَأَصْدَرَ الشَّيْطَانُ زَلَّتَهُمَا عَنْهُ. (وَلَكِنَّ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهُ (الْغِنَى) أَيِ: الْغِنَى الْحَقِيقِيُّ (غِنَى النَّفْسِ) أَيْ: عَنِ الْمَخْلُوقِ لِاسْتِغْنَاءِ الْقَلْبِ بِإِغْنَاءِ الرَّبِّ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْغِنَى الْحَقِيقِيَّ هُوَ قَنَاعَةُ النَّفْسِ بِمَا أَعْطَاهُ الْمَوْلَى، وَالتَّجَنُّبُ عَنِ الْحِرْصِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ قَلْبُهُ حَرِيصًا عَلَى جَمْعِ الْمَالِ، فَهُوَ فَقِيرٌ فِي حَقِيقَةِ الْحَالِ وَنَتِيجَةِ الْمَآلِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَمْوَالِ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى طَلَبِ الزِّيَادَةِ بِمُوجِبِ طُولِ الْآمَالِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ قَانِعٌ بِالْقُوتِ وَرَاضٍ بِعَطِيَّةِ مَالِكِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، فَهُوَ غَنِيٌّ بِقَلْبِهِ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْغَيْرِ بِرَبِّهِ، سَوَاءٌ يَكُونُ فِي يَدِهِ مَالٌ أَوْ لَا. إِذْ لَا يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْقُوتِ وَلَا يُتْعِبُ نَفْسَهُ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا إِلَى أَنْ يَمُوتَ، بَلْ يَسْتَعِينُ بِالْقَلِيلِ مِنَ الدُّنْيَا لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ الْجَمِيلِ فِي الْعُقْبَى وَالثَّنَاءِ الْجَزِيلِ مِنَ الْمَوْلَى، رَزَقَنَا الْمَقَامَ الْأَعْلَى. وَفِي الْحَدِيثِ: " «الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى» ". وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَنْفَدُ، وَمَا أَحْسَنَ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْحَالِ:
عَزِيزُ النَّفْسِ مَنْ لَزِمَ الْقَنَاعَةَ ... وَلَمْ يَكْشِفْ لِمَخْلُوقٍ قِنَاعَهُ
قَالَ الْأَشْرَفُ: الْمُرَادُ بِغِنَى النَّفْسِ الْقَنَاعَةُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا يَسُدُّ الْحَاجَةَ. قَالَ الشَّاعِرُ:
غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِنْ سَدِّ حَاجَةٍ ... فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرًا
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِغِنَى النَّفْسِ حُصُولُ الْكِمَالَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، وَأَنْشَدَ أَبُو الطَّيِّبِ مَعْنَاهُ:
وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ ... مَالِهِ مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الْفَقْرُ
يَعْنِي: يَنْبَغِي أَنْ يُنْفِقَ سَاعَاتِهِ وَأَوْقَاتَهُ فِي الْغِنَى الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ طَلَبُ الْكَمَالَاتِ لِيَزِيدَ غِنًى بَعْدَ غِنًى، لَا فِي الْمَالِ لِأَنَّهُ فَقْرٌ بَعْدَ فَقْرٍ اهـ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْكَمَالِ:
رَضِينَا قِسْمَةَ الْجَبَّارِ ... فِينَا لَنَا عِلْمٌ وَلِلْأَعْدَاءِ مَالُ
فَإِنَّ الْمَالَ يَفْنَى عَنْ قَرِيبٍ ... وَإِنَّ الْعِلْمَ يَبْقَى لَا يُزَالُ
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَالَ إِرْثُ فِرْعَوْنَ وَقَارُونَ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ إِرْثُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَبْرَارِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 7125
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥١٧١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟) قُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَخَذَ يَدِي فَعَدَّ خَمْسًا، فَقَالَ: (اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ ; فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكَ تُمِيتُ الْقَلْبَ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥١٧١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ يَأْخُذْ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) أَيِ: الْأَحْكَامَ الْآتِيَةَ لِلسَّامِعِ الْمُصَوَّرَةَ فِي ذِهْنِ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَيْ لِلِاسْتِفْهَامِ (فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يَعْلَمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟) : أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦] ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ " أَوْ " فِي الْآيَةِ لِلتَّنْوِيعِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ بِقَوْلِهِ: عُذْرًا لِلْمُحِقِّينَ، وَنُذْرًا لِلْمُبْطِلِينَ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ " أَوْ " فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى " بَلْ " إِشَارَةً إِلَى
стр. 7126
التَّرَقِّي مِنْ مَرْتَبَةِ الْكَمَالِ إِلَى مِنَصَّةِ التَّكْمِيلِ، عَلَى أَنَّ كَوْنَهَا لِلتَّنْوِيعِ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ وَتَنْبِيهٌ نَبِيهٌ، عَلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ فِعْلِهِ قَدْ يَكُونُ بَاعِثًا لِغَيْرِهِ عَلَى مِثْلِهِ كَقَوْلِهِ: فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، (قُلْتُ: أَنَا) أَيْ: آخُذُهَا عَنْكَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ) : وَهَذِهِ مُبَايَعَةٌ خَاصَّةٌ وَمُعَاهَدَةٌ خَالِصَةٌ، وَنَظِيرُهُ مَا عَاهَدَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُ مَخْلُوقًا، وَكَانَ إِذَا وَقَعَ سَوْطَهُ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ رَاكِبٌ نَزَلَ وَأَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. (فَأَخَذَ بِيَدِي) أَيْ: تَحْقِيقًا لِلْقَضِيَّةِ وَتَقْرِيبًا لِلْخُصُوصِيَّةِ (فَعَدَّ خَمْسًا) أَيْ: مِنَ الْخِصَالِ، أَوْ مِنَ الْأَصَابِعِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، (فَقَالَ: " اتَّقِ الْمَحَارِمَ) : وَهِيَ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ فِعْلِ الْمَنْهِيَّاتِ وَتَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ (تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ) : إِذْ لَا عِبَادَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْفَرَائِضِ، وَعَوَامُّ النَّاسِ يَتْرُكُونَهَا وَيَعْتَنُونَ بِكَثْرَةِ النَّوَافِلِ، فَيُضَيِّعُونَ الْأُصُولَ وَيَقُومُونَ بِالْفَضَائِلِ، فَرُبَّمَا يَكُونُ عَلَى شَخْصٍ قَضَاءُ صَلَوَاتٍ وَيَغْفُلُ عَنْ أَدَائِهَا، وَيَطْلُبُ عِلْمًا أَوْ يَجْتَهِدُ عَمَلًا فِي صَلَوَاتٍ وَعِبَادَاتِ نَفْلٍ، أَوْ يَكُونُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الزَّكَاةِ أَوْ حُقُوقِ النَّاسِ، فَيُطْعِمُ الْفُقَرَاءَ أَوْ يَبْنِي الْمَسَاجِدَ وَالْمَدَارِسَ وَنَحْوَهَا، وَلَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالِاتِّقَاءِ اعْتِنَاءٌ لِجَانِبٍ الِاحْتِمَاءِ عَلَى قَاعِدَةِ الْحُكَمَاءِ فِي مُعَالَجَةِ الدَّاءِ بِالدَّوَاءِ. ( «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ» ) أَيْ: سَوَاءٌ يَقَعُ لَكَ بِوَاسِطَةِ مَخْلُوقٍ أَوْ بِغَيْرِهَا (تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ) : سَأَلَ شَخْصٌ السَّيِّدَ أَبَا الْحَسَنِ الشَّاذِلِيَّ ﵀ عَنِ الْكِيمْيَاءِ؟ فَقَالَ: هِيَ كَلِمَتَانِ: اطْرَحِ الْخَلْقَ عَنْ نَظَرِكَ وَاقْطَعْ طَمَعَكَ عَنِ اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَكَ غَيْرَ مَا قَسَمَ لَكَ. وَقَالَ السَّيِّدُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلِيُّ عَلَيْهِ رَحْمَةُ الْبَارِي: اعْلَمْ أَنَّ الْقَسْمَ لَا يَفُوتُكَ بِتَرْكَ الطَّلَبِ، وَمَا لَيْسَ بِقَسْمٍ لَا تَنَالُهُ بِحِرْصِكَ فِي الطَّلَبِ، وَالْجَدِّ وَالِاجْتِهَادِ، فَاصْبِرْ وَالْزَمِ الْحَالَ وَارْضَ بِهِ لِيَرْضَى عَنْكَ ذُو الْجَلَالِ. (وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ) أَيْ: وَلَوْ أَسَاءَ إِلَيْكَ (تَكُنْ مُؤْمِنًا) أَيْ: كَامِلًا أَوْ مُعْطِيًا لَهُ الْأَمْنَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» " أَيْ: شُرُورَهُ وَغَوَائِلَهُ. (وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ) أَيْ: عُمُومًا (مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ) أَيْ: مِثْلَ مَا تُحِبُّهُ لَكَ خَاصَّةً حَتَّى تُحِبَّ الْإِيمَانَ لِلْكَافِرِ وَالتَّوْبَةَ لِلْفَاجِرِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. (تَكُنْ مُسْلِمًا) أَيْ: كَامِلًا. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَعَمُّ مِنْ حَدِيثِ: " «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» " وَقَدِ اسْتَشْهَدَ الطِّيبِيُّ ﵀ بِهِ، فَالْأَظْهَرُ فِيمَا اعْتَضَدَهُ حَدِيثُ: " «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ» ". (وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ) أَيْ: تَكُنْ طَيِّبَ الْقَلْبِ وَحَيًّا بِذِكْرِ الرَّبِّ (فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكَ) أَيِ: الْمُوَرِّثَةَ لِلْغَفْلَةِ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الزَّادِ لِلْمَعَادِ (تُمِيتُ الْقَلْبَ) أَيْ: إِنْ كَانَ حَيًّا وَيَزِيدُ اسْوِدَادًا إِنْ كَانَ مَيِّتًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
وَفِي التَّصْحِيحِ لِلْجَزَرِيِّ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ الْبَاجِيُّ عَنِ الْحَسَنِ هَذَا الْحَدِيثَ قَوْلَهُ، وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ: الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِنَحْوِهِ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ لَهُ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ، لَكِنَّ بَقِيَّةَ إِسْنَادِهِ فِيهِ ضَعْفٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِيهِ أَنَّ حَدِيثَ الْحَسَنِ اعْتَضَدَ بِحَدِيثِ مَكْحُولٍ فَتَرَقَّى عَنْ دَرَجَةِ الضَّعْفِ، مَعَ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ إِجْمَاعًا.
стр. 7127
٥١٧٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ! تَفْرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسِدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَكَ شُغُلًا وَلَمْ أَسِدَّ فَقْرَكَ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥١٧٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ) : خُصَّ بِالنِّدَاءِ لِأَنَّهُ عُمْدَةُ الْعَابِدِينَ، وَأُضِيفَ إِلَى آدَمَ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي مَرْتَبَةِ التَّائِبِينَ (تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي) أَيْ: بَالِغْ فِي فَرَاغِ قَلْبِكَ لِعِبَادَةِ رَبِّكَ (أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى) أَيْ: أَحْسِنْ قَلْبَكَ عُلُومًا وَمَعَارِفَ تُورِثُ الْغِنَى عَنْ غَيْرِ الْمَوْلَى (وَأَسِدَّ فَقْرَكَ) أَيْ: وَأَسِدَّ بَابَ حَاجَتِكَ إِلَى النَّاسِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ لِعَطْفِهِ عَلَى الْمَجْزُومِ مِنْ جَوَابِ الْأَمْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا لِمُتَابَعَةِ عَيْنِهَا، وَقَدْ جُوِّزَ فِي لَمْ يَمُدَّ الْحَرَكَاتِ الثَّلَاثَ مَعَ الْإِدْغَامِ (وَإِنْ لَا تَفْعَلُ) أَيْ: مَا أَمَرْتُكَ مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ عَلَى عِبَادَةِ الْمَوْلَى النَّافِعَةِ فِي الدِّينِ وَالْأُخْرَى. (مَلَأْتُ يَدَكَ) أَيْ: جَوَارِحَكَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ يَدَيْكَ، وَفِي الْجَامِعِ: يَدَيْكَ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ، وَإِنَّمَا خُصَّتِ الْيَدُ لِمُزَاوَلَةِ أَكْثَرِ الْأَفْعَالِ بِهَا. (شُغْلًا) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَيَجُوزُ ضَمُّهُمَا وَفَتْحُهُمَا وَفَتْحٌ فَسُكُونٌ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، أَيِ: اشْتِغَالًا مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ. (وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ) أَيْ: لَا مِنْ شُغْلِكَ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّكَ تُتْعِبُ نَفْسَكَ بِكَثْرَةِ التَّرَدُّدِ فِي طَلَبِ الْمَالِ، وَلَا تَنَالُ إِلَّا مَا قَدَّرْتُ لَكَ مِنَ الْمَالِ فِي الْآزَالِ وَتُحْرَمُ عَنْ غِنَى الْقَلْبِ لِتَرْكِ عِبَادَةِ الرَّبِّ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ، وَفِي التَّصْحِيحِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ الْوَالِبِيِّ، وَاسْمُهُ هُرَيْرَةُ، وَيُقَالُ هَرَمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: فِي حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ لِينٌ، وَقَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِاخْتِصَارٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَدَيْكَ شُغْلًا، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ.
قَالَ مِيرَكُ: وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَقُولُ رَبُّكُمْ: يَا ابْنَ آدَمَ! تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ قَلْبَكَ غِنًى وَأَمْلَأْ يَدَيْكَ رِزْقًا. يَا ابْنَ آدَمَ! لَا تُبَاعِدْ عَنِّي أَمْلَأْ قَلْبَكَ فَقْرًا وَأَمْلَأْ يَدَيْكَ شُغْلًا» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ وَالدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا " «خُيِّرَ سُلَيْمَانُ بَيْنَ الْمَالِ وَالْمُلْكِ وَالْعِلْمِ، فَاخْتَارَ الْعِلْمَ، فَأُعْطِيَ الْمُلْكَ وَالْمَالَ لِاخْتِيَارِهِ الْعِلْمَ» ". وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا: " «مَنِ انْقَطَعَ إِلَى اللَّهِ كَفَاهُ كُلَّ مُؤْنَةٍ وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَمَنِ انْقَطَعَ إِلَى الدُّنْيَا وَكَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا» ". وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «آلَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ إِلَّا مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» ".
стр. 7128
٥١٧٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «ذُكِرَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعِبَادَةٍ وَاجْتِهَادٍ، وَذُكِرَ آخَرُ بِرِعَّةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لَا تَعْدِلْ بِالرِّعَّةِ) . (يَعْنِي الْوَرَعَ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥١٧٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «ذُكِرَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعِبَادَةٍ وَاجْتِهَادٍ» ) أَيْ: فِي طَاعَةٍ مَعَ قِلَّةِ وَرَعٍ عَنْ مَعْصِيَةٍ، وَالتَّنْوِينُ فِيهِمَا لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لِلتَّنْكِيرِ (وَذُكِرَ أَيْ: عِنْدَهُ (آخَرُ بِرِعَّةٍ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى وَزْنِ عِدَّةٍ أَيْ: بِوَرَعٍ عَنْ حَرَامٍ مَعَ قِلَّةِ عِبَادَةٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانَ الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا. (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَعْدِلْ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ مَجْزُومًا وَقِيلَ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ مَرْفُوعًا أَيْ: لَا تَزْنِ وَلَا تُقَابِلِ الْعِبَادَةَ (بِالرِّعَّةِ " يَعْنِي الْوَرَعَ) : تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمُرَادُ بِالْوَرَعِ التَّقْوَى عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ فَإِنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى امْتِثَالِ الْوَاجِبَاتِ مِنَ الْعِبَادَاتِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: لَا تَعْدِلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَهْيُ الْمُخَاطَبِ الْمُذَكَّرِ مَجْزُومَ اللَّامِ، يَعْنِي لَا تُقَابِلْ شَيْئًا بِالرِّعَّةِ، وَهِيَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْعَيْنِ الْوَرَعُ، فَإِنَّ الْوَرَعَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ خَصْلَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مَنْفِيًّا بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ أَيْ: لَا تُقَابِلْ خَصْلَةً بِالْوَرَعِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْخِصَالِ. قَالَ الرَّاغِبُ: الْوَرَعُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْكِ التَّسَرُّعِ إِلَى تَنَاوُلِ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: وَاجِبٌ وَهُوَ الْإِحْجَامُ عَنِ الْمَحَارِمِ وَذَلِكَ لِلنَّاسِ كَافَّةً، وَنَدْبٌ وَهُوَ الْوُقُوفُ عَنِ الشُّبَهَاتِ وَذَلِكَ لِلْأَوْسَاطِ، وَفَضِيلَةٌ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلِّ الضَّرُورَاتِ، وَذَلِكَ لِلنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَقَدْ أُلْحِقَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا تَعْدِلْ بِالرِّعَّةِ قَوْلُهُ شَيْئًا، وَلَيْسَ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَأَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ مِنْهُ أَثَرٌ. قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ ضُبِطَ لَا يُعْدَلُ بِصِيغَةِ الْمُذَكَّرِ الْمَجْهُولِ، عَلَى أَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا، حَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ شَيْءٍ مُطْلَقًا.
стр. 7129
٥١٧٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: " «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا.
ــ
٥١٧٤ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَمُهْمَلَةٍ نِسْبَةً إِلَى أَوْدِ بْنِ صَعْبٍ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ ﵀. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَأَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَلْقَهُ، هُوَ مَعْدُودٌ فِي كِبَارِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، رَوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ) : حَالٌ، (" اغْتَنِمْ ") : مِنَ الِاغْتِنَامِ، هُوَ أَخْذُ الْغَنِيمَةِ (" خَمْسًا ") أَيْ: مِنَ الْأَحْوَالِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْحَالِ (" قَبْلَ خَمْسٍ ") أَيْ: مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُتَوَقَّعَةِ فِي الِاسْتِقْبَالِ (" شَبَابَكَ ") أَيْ: زَمَانَ قُوَّتِكَ عَلَى الْعِبَادَةِ (قَبْلَ هَرَمِكَ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: قَبْلَ كِبَرِكَ وَضَعْفِكَ عَنِ الطَّاعَةِ (وَصِحَّتَكَ) أَيْ: وَلَوْ فِي هَرَمِكَ (قَبْلَ سَقَمِكَ) بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: مَرَضِكَ وَ (" غِنَاكَ ") أَيْ: قُدْرَتَكَ عَلَى الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْخَيْرَاتِ وَالْمَبَرَّاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ فِي مُطْلَقِ الْأَحْوَالِ، وَمِنْ أَعَمِّ الْأَمْوَالِ (" قَبْلَ فَقْرِكَ ") أَيْ: فَقَدِكَ إِيَّاهُ بِالْحَيَاةِ أَوِ الْمَمَاتِ، فَإِنَّ الْمَالَ فِي ضِدِّهِ الزَّوَالُ (" وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ") : سَبَقَ بَيَانُ مَبْنَاهُ وَمَعْنَاهُ (" وَحَيَاتَكَ ") : وَلَوْ فِي الْكِبَرِ الْمَقْرُونِ بِالْمَرَضِ وَالْفَقْرِ الْمُمْكِنِ فِيهِ الْإِتْيَانُ بِذِكْرِ اللَّهِ (" قَبْلَ مَوْتِكَ ") أَيْ: وَقْتِ إِتْيَانِ أَجَلِكَ وَانْقِطَاعِ عَمَلِكَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا) : قَالَ الْجَزَرِيُّ ﵀ فِي التَّصْحِيحِ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ هَكَذَا مُرْسَلًا، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مِنَ الْمُخَضْرَمِينَ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَأَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَلْقَهُ. قَالَ مِيرَكُ: وَلَهُ شَاهِدٌ مَرْفُوعٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا اللَّفْظِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا. قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: " «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَشَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ مُرْسَلًا.
стр. 7130
٥١٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَا يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ إِلَّا غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفْسِدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ، فَالدَّجَّالُ شَرٌّ غَائِبٌ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ، وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٥١٧٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (" مَا يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ ") : خَرَجَ مَخْرَجَ التَّوْبِيخِ عَلَى تَقْصِيرِ الْمُكَلَّفِينَ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ، أَيْ: مَتَى تَعْبُدُونَ رَبَّكُمْ فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ مَعَ قِلَّةِ الشَّوَاغِلِ وَقُوَّةِ الْبَدَنِ، كَيْفَ تَعْبُدُونَهُ مَعَ كَثْرَةِ الشَّوَاغِلِ وَضَعْفِ الْقُوَى؟ لَعَلَّ أَحَدَكُمْ مَا يَنْتَظِرُ (" إِلَّا غِنًى مُطْغِيًا ") أَيْ: جَاعِلُكَ طَاغِيًا عَاصِيًا مُجَاوِزًا لِلْحَدِّ (" أَوْ فَقْرًا مُنْسِيًا ") : مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى لِمُشَاكَلَةِ الْأُولَى أَيْ: جَاعِلًا صَاحَبَهُ مَدْهُوشًا يُنْسِيهِ الطَّاعَةَ مِنَ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ وَالتَّرَدُّدِ فِي طَلَبِ الْقُوتِ. (" أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ") أَيْ: لِلْبَدَنِ لِشِدَّتِهِ، أَوْ لِلدِّينِ لِأَجْلِ الْكَسَلِ الْحَاصِلِ مِنْهُ (" أَوْ هَرَمًا مُفْنِدًا ") : بِالتَّخْفِيفِ أَيْ: مُبْلِغًا صَاحَبَهُ إِلَى الْفَنَدِ وَهُوَ ضَعْفُ الرَّأْيِ: يُقَالُ: أَفْنَدَهُ إِذَا جَعَلَ رَأْيَهُ ضَعِيفًا وَقَالَ شَارِحٌ: يُقَالُ فَنِدَ الرَّجُلُ إِذَا كَثُرَ كَلَامُهُ مِنَ الْخَرَفِ، وَأَفْنَدَهُ الْكِبْرُ يَقِفُ الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ مِنْ غَايَةِ كِبَرِهِ اه.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ التَّفْنِيدَ لِلنِّسْبَةِ إِلَى الْخَرَفِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ يَعْقُوبَ ﵊: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤] قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ ﵀ أَيْ: تَنَسُبُونِي إِلَى الْفَنَدِ، وَهُوَ نُقْصَانُ عَقْلٍ يَحْدُثُ مِنْ هَرَمٍ، وَفِي الْقَامُوسِ الْفَنَدُ: بِالتَّحْرِيكِ الْخَرَفُ وَإِنْكَارُ الْعَقْلِ لِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ، وَالْخَطَأُ فِي الْقَوْلِ وَالرَّأْيِ وَالْكَذِبُ كَالْإِفْنَادِ، وَفَنَّدَهُ تَفْنِيدًا كَذَّبَهُ وَعَجَّزَهُ وَخَطَّأَ رَأْيَهُ كَأَفْنَدَهُ، وَلَا تَقُلْ عَجُوزٌ مُفْنِدَةٌ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ رَأْيٍ أَبَدًا اه.
وَكَذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ ﵀ مُعَلِّلًا يَكُونُ نُقْصَانُ عَقْلِهَا ذَاتِيًّا. أَقُولُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ نُقْصَانَ عَقْلِهَا إِضَافِيٌّ. وَمَعَ هَذَا لَا يُنَافِي صِحَّةَ إِطْلَاقِهِ عَلَيْهَا لِنُقْصَانٍ عَرَضِيٍّ، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ: الْفَنَدُ فِي الْأَصْلِ الْكَذِبُ، وَأَفْنَدَ تَكَلَّمَ بِالْفَنَدِ، وَفِي الْفَائِقِ قَالُوا لِلشَّيْخِ إِذَا هَرِمَ: قَدْ أَفْنَدَ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِالْمُحَرَّفِ مِنَ الْكَلَامِ عَنْ سُنَنِ الصِّحَّةِ، فَشُبِّهَ بِالْكَاذِبِ فِي تَحْرِيفِهِ، وَالْهَرِمُ الْمُفْنِدُ مِنْ أَخَوَاتِ قَوْلِهِمْ: نَهَارُهُ صَائِمٌ جُعِلَ الْفَنَدُ لِلْهَرِمِ وَهُوَ لِلْهَرَمِ، وَيُقَالُ أَيْضًا أَفْنَدَهُ الْهَرَمُ،
стр. 7131
وَفِي كِتَابِ الْعَيْنِ: شَيْخٌ مُفْنِدٌ يَعْنِي مَنْسُوبٌ إِلَى الْفَنَدِ، وَلَا يُقَالُ امْرَأَةٌ مُفْنِدَةٌ ; لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ فِي شَبِيبَتِهَا ذَاتَ رَأْيٍ فَتُفَنَّدَ فِي كِبَرِيِّتِهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀، قَوْلُهُ: مُفْنِدٌ الرِّوَايَةُ فِيهِ بِالتَّخْفِيفِ، وَمَنْ شَدَّدَهُ فَلَيْسَ بِمُصِيبٍ. (" أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ") بِالتَّخْفِيفِ أَيْ: قَاتِلًا بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى تَوْبَةٍ وَوَصِيَّةٍ فَفِي النِّهَايَةِ الْمُجْهِزُ هُوَ السَّرِيعُ، يُقَالُ: أَجْهَزَ عَلَى الْجَرِيحِ إِذَا أَسْرَعَ قَتْلَهُ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْمَوْتُ الْمُجْهِزُ الْمُسْرِعُ يُرِيدُ بِهِ الْفُجَاءَةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ مَرَضٍ أَوْ كِبَرِ سِنٍّ كَقَتْلٍ وَغَرَقٍ وَهَدْمٍ. (أَوِ الدَّجَّالَ، فَالدَّجَّالُ ") : وَفِي نُسْخَةٍ: وَالدَّجَّالُ (" شَرٌّ غَالِبٌ يُنْتَظَرُ ") أَيْ: أَسْوَأُهُ (" أَوِ السَّاعَةَ ") أَيِ: الْقِيَامَةُ (وَالسَّاعَةُ أَدْهَى ") أَيْ: أَشَدُّ الدَّوَاهِي وَأَفْظَعُهَا وَأَصْعَبُهَا (" وَأَمَرُّ ") أَيْ: أَكْثَرُ مَرَارَةً مِنْ جَمِيعِ مَا يُكَابِدُهُ الْإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشَّدَائِدِ لِمَنْ غَفَلَ عَنْ أَمْرِهَا، وَلَمْ يُعِدَّ لَهَا قَبْلَ حُلُولِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَالدَّجَّالُ تَفْسِيرِيَّةٌ لِأَنَّهُ فَسَّرَ مَا أُبْهِمَ مِمَّا سَبَقَ، وَالْوَاوُ فِي السَّاعَةِ نَائِبَةٌ مَنَابَ الْفَاءِ الْمُلَابِسَةِ لِلْعَطْفِ. قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَحَاصِلُ مُجْمَلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ اسْتِبْطَاءٌ لِمَنْ تَفَرَّغَ الْأَمْرَ وَهُوَ لَا يَغْتَنِمُ الْفُرْصَةَ فِيهِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الرَّجُلَ فِي الدُّنْيَا يَنْتَظِرُ إِحْدَى الْحَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ. فَالسَّعِيدُ مَنِ انْتَهَزَ الْفُرْصَةَ وَاغْتَنَمَ الْمُكْنَةَ وَاشْتَغَلَ بِأَدَاءِ مُفْتَرَضِهِ وَمَسْنُونِهِ قَبْلَ حُلُولِ رَمْسِهِ، وَهَذِهِ مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ وَتَذْكِرَةٌ بَالِغَةٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 7132
٥١٧٦ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥١٧٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَلَا ") : لِلتَّنْبِيهِ (" إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ ") أَيْ: مَبْعُودَةٌ مِنَ اللَّهِ لِكَوْنِهَا مُبْعَدَةً عَنِ اللَّهِ (" مَلْعُونٌ مَا فِيهَا ") أَيْ: مِمَّا يَشْغَلُ عَنِ اللَّهِ (" إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ ") بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ. (" وَمَا وَالَاهُ ") أَيْ: أَحَبَّهُ اللَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَأَفْعَالِ الْقُرْبِ، أَوْ مَعْنَاهُ مَا وَالَى ذِكْرَ اللَّهِ أَيْ: قَارَبَهُ مَنْ ذَكَرَ خَيْرًا وَتَابَعَهُ مِنِ اتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، لِأَنَّ ذِكْرَهُ يُوجِبُ ذَلِكَ. قَالَ الْمُظْهِرُ أَيْ: مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْمُوَالَاةُ الْمَحَبَّةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا يَعْنِي مَلْعُونٌ مَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ، وَمَا أَحَبَّهُ اللَّهُ مِمَّا يَجْرِي وَالدُّنْيَا وَمَا سِوَاهُ مَلْعُونٌ. وَقَالَ الْأَشْرَفُ: هُوَ مِنَ الْمُوَالَاةِ وَهِيَ الْمُتَابَعَةُ، وَيَجُورُ أَنْ يُرَادَ بِمَا يُوَالِي ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى طَاعَتَهُ وَاتِّبَاعَ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابَ نَهْيِهِ. (" وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ ") : أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، فَيَكُونُ الْوَاوَانِ بِمَعْنَى " أَوْ " قَالَ الْأَشْرَفُ قَوْلُهُ: وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ مَرْفُوعٌ، وَاللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْصُوبٌ مُسْتَثْنًى مِنَ الْمُوجَبِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ هَكَذَا وَمَا وَالَاهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ وَبِالرَّفْعِ، وَكَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ إِلَّا أَنَّ بَدَلَ أَوْ فِيهِ الْوَاوُ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ: أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا بِالنَّصْبِ مَعَ أَوْ مُكَرَّرًا، وَالنَّصْبُ فِي الْقَرَائِنِ الثَّلَاثِ هُوَ الظَّاهِرُ وَالرَّفْعُ فِيهَا عَلَى التَّأْوِيلِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: الدُّنْيَا مَذْمُومَةٌ لَا يُحْمَدُ فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَعَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ. قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْإِحْيَاءِ: الدُّنْيَا أَدْنَى الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ دُنْيَا وَهِيَ مَعْبَرَةٌ إِلَى الْآخِرَةِ، وَالْمَهْدُ هُوَ الْمِيلُ الْأَوَّلُ، وَاللَّحْدُ هُوَ الْمِيلُ الثَّانِي وَبَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ هِيَ الْقَنْطَرَةُ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ أَعْيَانٍ مَوْجُودَةٍ لِلْإِنْسَانِ فِيهَا حَظٌّ، وَلَهُ فِي إِصْلَاحِهَا شُغْلٌ، وَيَعْنِي بِالْأَعْيَانِ الْأَرْضَ وَمَا عَلَيْهَا مِنَ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَعَادِنِ، وَيَعْنِي بِالْحَظِّ حُبَّهَا فَيَنْدَرِجُ فِيهَا جَمِيعُ الْمُهْلِكَاتِ الْبَاطِنَةِ كَالرِّيَاءِ وَالْحِقْدِ وَغَيْرِهِمَا. وَنَعْنِي بِقَوْلِنَا فِي إِصْلَاحِهَا شُغْلٌ أَنَّهُ يُصْلِحُهَا بِحَظٍّ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ دُنْيَوِيٌّ أَوْ أُخْرَوِيٌّ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الْحِرَفُ الصِّنَاعَاتُ، وَإِذَا عَرَفْتَ حَقِيقَةَ الدُّنْيَا فَدُنْيَاكَ مَا لَكَ فِيهِ لَذَّةٌ فِي الْعَاجِلِ، وَهِيَ مَذْمُومَةٌ، فَلَيْسَتْ وَسَائِلُ الْعِبَادَاتِ مِنَ الدُّنْيَا كَأَكْلِ الْخُبْزِ مَثَلًا لِلتَّقَوِّي عَلَيْهَا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ لِقَوْلِهِ: الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ، وَقَوْلُهُ ﷺ : " «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ وَمَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ مِنْهَا» " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الدُّنْيَا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَجُزْءٌ لِلْمُنَافِقِ، وَجُزْءٌ لِلْكَافِرِ، فَالْمُؤْمِنُ يَتَزَوَّدُ، وَالْمُنَافِقُ يَتَزَيَّنُ، وَالْكَافِرُ يَتَمَتَّعُ.
стр. 7133
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَكَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ: وَمَا وَالَاهُ لِاحْتِوَائِهِ عَلَى جَمِيعِ الْخَيْرَاتِ وَالْفَاضِلَاتِ وَمُسْتَحْسَنَاتِ الشَّرْعِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: وَالْعِلْمَ تَخْصِيصًا بَعْدَ التَّعْمِيمِ دَلَالَةً عَلَى فَضْلِهِ، فَعَدَلَ إِلَى قَوْلِهِ: وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمَا صَرِيحًا بِخِلَافِ ذَلِكَ التَّرْكِيبِ، فَإِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَيْهِ بِالِالْتِزَامِ، وَلِيُؤْذِنَ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ سِوَى الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ هَمَجٌ، وَلِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى بِالْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ الْعُلَمَاءُ بِاللَّهِ الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَيُخْرِجُ مِنْهُ الْجُهَلَاءَ وَالْعَالِمَ الَّذِي لَمْ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ، وَمَنْ تَعَلَّمَ عِلْمَ الْفُضُولِ وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ رَأْسُ كُلِّ عِبَادَةٍ وَرَأْسُ كُلِّ سَعَادَةٍ، بَلْ هُوَ كَالْحَيَاةِ لِلْأَبْدَانِ وَالرُّوحِ لِلْإِنْسَانِ، وَهَلْ لِلْإِنْسَانِ عَنِ الْحَيَاةِ غِنًى، وَهَلْ لَهُ عَنِ الرُّوحِ مَعْدَلٌ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ بِهِ بَقَاءُ الدُّنْيَا وَقِيَامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. رَوَيْنَا عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ اللَّهُ اللَّهُ» " فَالْحَدِيثُ إِذًا مِنْ بَدَائِعِ الْحِكَمِ، وَجَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي خُصَّ بِهَا هَذَا النَّبِيُّ الْمُكَرَّمُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُ دَلَّ بِالْمَنْطُوقِ عَلَى جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَبِالْمَفْهُومِ عَلَى رَذَائِلِهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: وَقَالَ: حَسَنٌ. (وَابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ وَفِي الْجَامِعِ نُسِبَ إِلَيْهِمَا بِدُونِ لَفْظِ إِلَّا وَبِالنَّصْبِ وَلَفْظِ " أَوْ " فِي قَوْلِهِ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا، وَهَذَا فِي بَابِ الْهَمْزَةِ، وَأَمَّا فِي بَابِ الدَّالِ فَقَالَ: " «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا لِلَّهِ » " رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنْ جَابِرٍ، وَأَيْضًا: " «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ وَعَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وَأَيْضًا " «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ ذِكْرَ اللَّهِ» " رَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ. وَأَيْضًا " «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ » " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.
стр. 7134
٥١٧٧ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥١٧٧ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) أَيِ: السَّاعِدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ، صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ ") : بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ أَيْ: تَزِنُ وَتُسَاوِي (" عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ") أَيْ: رِيشَةَ نَامُوسَةٍ وَهُوَ مَثَلٌ لِلْقِلَّةِ وَالْحَقَارَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهَا أَدْنَى قَدْرٍ (" مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا ") أَيْ: مِنْ مِيَاهِ الدُّنْيَا (" شَرْبَةَ مَاءٍ ") أَيْ: يَمْنَعُ الْكَافِرَ مِنْهَا أَدْنَى تَمَتُّعٍ، فَإِنَّ الْكَافِرَ عَدُوُّ اللَّهِ، وَالْعَدُوُّ لَا يُعْطِي شَيْئًا مِمَّا لَهُ قَدْرٌ عِنْدَ الْمُعْطِي فَمِنْ حَقَارَتِهَا عِنْدَهُ لَا يُعْطِيهَا لِأَوْلِيَائِهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ حَدِيثُ: " «إِنَّ اللَّهَ يَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ عَنِ الدُّنْيَا، كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمُ الْمَرِيضَ عَنِ الْمَاءِ» "، وَحَدِيثُ: " مَا زُوِيَتِ الدُّنْيَا عَنْ أَحَدٍ إِلَّا كَانَتْ خِيَرَةً لَهُ "، وَمِنْ كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ: إِنَّ مِنَ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا يَقْدِرَ. وَفِي دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَامِعُ الْمَانِعُ الْقَائِمُ فِي مَقَامِ الرِّضَا الْقَانِعُ بِمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنَ الْقَضَاءِ، «اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ» ، وَمِنْ دَنَاءَتِهَا لَدَيْهِ أَنْ يُكَثِّرَهَا عَلَى الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ، بَلْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] الْآيَةَ. «وَقَالَ ﷺ لِعُمَرَ: " أَمَا تَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ» ". قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] ، ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ ": وَكَذَا الضِّيَاءُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
стр. 7135
٥١٧٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥١٧٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ» ") : وَهِيَ الْبُسْتَانُ وَالْقَرْيَةُ وَالْمَزْرَعَةُ. وَفِي النِّهَايَةِ: الضَّيْعَةُ فِي الْأَصْلِ الْمَرَّةُ مِنَ الضَّيَاعِ، وَضَيْعَةُ الرَّجُلِ مَا يَكُونُ مِنْهُ مَعَاشُهُ كَالضَّيْعَةِ وَالتِّجَارَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (" فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا ") أَيْ: فَتَمِيلُوا إِلَيْهَا عَنِ الْأُخْرَى، وَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِهَا وَبِأَمْثَالِهَا مِمَّا يَكُونُ مَانِعًا عَنِ الْقِيَامِ بِعِبَادَةِ الْمَوْلَى، وَعَنِ التَّوَجُّهِ كَمَا يَنْبَغِي إِلَى أَمْرِ الْعُقْبَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْمَعْنَى لَا تَتَوَغَّلُوا فِي اتِّخَاذِ الضَّيْعَةِ فَتُلْهُوَا بِهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] الْآيَةَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ.
стр. 7136
٥١٧٩ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥١٧٩ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (" مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ ") أَيْ: حُبًّا يَغْلِبُ عَلَى حُبِّ مَوْلَاهُ (" أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ ") : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَكَذَا فِي الْقَرِينَةِ الْآتِيَةِ أَيْ: نَقْصُ دَرَجَتِهِ فِي الْآخِرَةِ ; لِأَنَّهُ يَشْغَلُ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ بِالدُّنْيَا، فَلَا يَكُونُ لَهُ فَرَاغٌ لِأَمْرِ الْأُخْرَى وَلِطَاعَةِ الْمَوْلَى (" «وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ» ") أَيْ: لِعَدَمِ تَوَجُّهِ فِكْرِهِ وَخَاطِرِهِ لِأَمْرِهَا لِاشْتِغَالِهِ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ وَمُهِمِّهَا، (" فَآثِرُوا ") : تَفْرِيعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ أَوْ جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا عَرَفْتُمْ أَنَّهُمَا ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَلِذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «أَجْوَعُكُمْ فِي الدُّنْيَا أَشْبَعُكُمْ فِي الْعُقْبَى، وَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ فِي الْأُخْرَى» ". وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ السَّاعَةِ ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣] فَآثِرُوا بِالْمَدِّ أَيْ: فَاخْتَارُوا. (" مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى ") : فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَخْتَارُ الْخَزَفَ الْبَاقِيَ عَلَى الذَّهَبِ الْفَانِي، فَكَيْفَ وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ؟ وَلِذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: أَقَلُّ الْعِلْمِ، بَلْ أَقَلُّ الْإِيمَانِ، بَلْ أَقَلُّ الْعَقْلِ أَنْ يَعْرِفَ صَاحِبُهُ أَنَّ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ، وَأَنَّ الْآخِرَةَ بَاقِيَةٌ، وَنَتِيجَةُ هَذَا الْعِلْمِ أَنْ يُعْرِضَ عَنِ الْفَانِي، وَيُقْبِلَ عَلَى الْبَاقِي، وَعَلَامَةُ الْإِقْبَالِ عَلَى الْعُقْبَى وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيَا وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ وُقُوعِ الْمِيعَادِ وَظُهُورِ الْمَعَادِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ: هُمَا كَكِفَّتَيْ مِيزَانٍ، فَإِذَا رَجَحَتْ إِحْدَى الْكِفَّتَيْنِ خَفَّتِ الْأُخْرَى، وَبِالْعَكْسِ. وَذَلِكَ أَنَّ مَحَبَّةَ الدُّنْيَا سَبَبٌ لِاشْتِغَالِهِ بِهَا، وَالِانْهِمَاكِ فِيهَا، وَذَلِكَ لِلِاشْتِعَالِ عَنِ الْآخِرَةِ، فَيَخْلُو عَنِ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ وَالطَّاعَةِ، فَيَفُوتُ الْفَوْزُ بِدَرَجَاتِهَا وَثَوَابِهَا. وَهُوَ عَيْنُ الْمَضَرَّةِ سِوَى مَا يُقَاسِيهِ مِنَ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ وَالْغَمِّ وَالْهَمِّ وَالتَّعَبِ فِي دَفْعِ الْحُسَّادِ، وَتَجَشُّمِ الْمَصَاعِبِ فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَكَسْبِهَا فِي الْبِلَادِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَرَوَى الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «خَيْرُكُمْ مَنْ لَمْ يَتْرُكْ آخِرَتَهُ لِدُنْيَاهُ وَلَا دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ كَلًّا عَلَى النَّاسِ» ".
стр. 7137
٥١٨٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لُعِنَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَلُعِنَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥١٨٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لُعِنَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَلُعِنَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» ") : كَذَا بِالْعَطْفِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَوَقَعَ فِي الْجَامِعِ بِغَيْرِ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَنَظِيرُهُ مِنْ حَدِيثِ: " «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ» " قَدْ تَقَدَّمَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7138
٥١٨١ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٥١٨١ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) : أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ (عَنْ أَبِيهِ) : هَكَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ جَمِيعِهَا وَهُوَ سَهْوُ قَلَمٍ وَخَطَأُ قَدَمٍ، وَلِذَا قَالَ مِيرَكُ: صَوَابُهُ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ بِدُونِ عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ الَّتِي رَأَيْنَاهَا، وَكَذَلِكَ وَجَدْنَاهُ فِي غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ نُسْخِ الْمَصَابِيحِ وَهُوَ سَهْوٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ وَاقِعًا مِنْ كِتَابِ الْمَصَابِيحِ، وَوَقَعَ مِنْ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ تَقْلِيدًا، وَصَوَابُهُ: عَنِ ابْنِ كَعْبِ ابْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ، كَمَا فِي أَصْلِ التِّرْمِذِيِّ، وَالِابْنُ الْمَذْكُورُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا ") : نَافِيَةٌ (" ذِئْبَانِ ") : بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَيُبْدَلُ (" جَائِعَانِ ") : أَتَى بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ (" أُرْسِلَا ") أَيْ: خُلِّيَا وَتُرِكَا (" فِي غَنَمٍ ") أَيْ: فِي قِطْعَةِ غَنَمٍ (" بِأَفْسَدَ ") : الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ: أَكْثَرُ إِفْسَادًا (" لَهَا ") أَيْ: لِتِلْكَ الْغَنَمِ، وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ أَوِ الْقِطْعَةِ (" مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ ") : الْمُشَبَّهُ بِالذِّئْبَيْنِ لِتَعَلُّقِهِ بِالشَّيْئَيْنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَهُمَا قَوْلُهُ: (" عَلَى الْمَالِ ") أَيِ: الْكَثِيرِ (" وَالشَّرَفِ ") أَيِ: الْجَاهِ الْوَسِيعِ، وَقَوْلُهُ: (" لِدِينِهِ ") مُتَعَلِّقٌ بِأَفْسَدَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ حِرْصَ الْمَرْءِ عَلَيْهِمَا أَكْثَرُ فَسَادًا لِدِينِهِ الْمُشَبَّهِ بِالْغَنَمِ لِضَعْفِهِ بِجَنْبِ حِرْصِهِ مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ لِلْغَنَمِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " مَا " بِمَعْنَى لَيْسَ، وَذِئْبَانِ اسْمُهَا، وَجَائِعَانِ صِفَةٌ لَهُ، وَأُرْسِلَا فِي غَنَمِ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ، وَقَوْلُهُ: بِأَفْسَدَ خَبَرٌ لِمَا وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ وَهُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ أَيْ: بِأَشَدَّ إِفْسَادًا، وَالضَّمِيرُ فِي لَهَا لِلْغَنَمِ وَاعْتُبِرَ فِيهَا الْجِنْسِيَّةُ، فَلِذَا أُنِّثَ. وَقَوْلُهُ: مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ هُوَ الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِاسْمِ التَّفْضِيلِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ يَتَعَلَّقُ بِالْحِرْصِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَاهُ. وَقَوْلُهُ (لِدِينِهِ) اللَّامُ فِيهِ بَيَانٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] كَأَنَّهُ قِيلَ: بِأَفْسَدَ لِأَيِّ شَيْءٍ؟ قِيلَ: لِدِينِهِ، وَمَعْنَاهُ لَيْسَ ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ جِنْسِ الْغَنَمِ بِأَشَدَّ إِفْسَادًا لِتِلْكَ الْغَنَمِ مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالْجَاهِ، فَإِنَّ إِفْسَادَهُ لِدِينِ الْمَرْءِ أَشَدُّ مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ الْجَائِعَيْنِ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ إِذَا أُرْسِلَا فِيهَا، أَمَّا الْمَالُ فَإِفْسَادُهُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْقُدْرَةِ يُحَرِّكُ دَاعِيَةَ الشَّهَوَاتِ، وَيَجُرُّ إِلَى التَّنْعِيمِ فِي الْمُبَاحَاتِ، فَيَصِيرُ التَّنَعُّمُ مَأْلُوفًا، وَرُبَّمَا يَشْتَدُّ أُنْسُهُ بِالْمَالِ، وَيَعْجِزُ عَنْ كَسْبِ الْحَلَالِ، فَيَقْتَحِمَ فِي الشُّبَهَاتِ مَعَ أَنَّهَا مُلْهِيَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذِهِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا أَحَدٌ، وَأَمَّا الْجَاهُ فَكَفَى بِهِ إِفْسَادًا أَنَّ الْمَالَ يُبْذَلُ لِلْجَاهِ، وَلَا يُبْذَلُ الْجَاهُ لِلْمَالِ وَهُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، فَيَخُوضُ فِي الْمُرَاءَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ وَالنِّفَاقِ، وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، فَهُوَ أَفْسَدُ وَأَفْسَدُ اه.
وَقَدْ قَالَتِ السَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ ﵏: إِنَّ آخِرَ مَا خَرَجَ مِنْ رَأْسِ الصِّدِّيقِينَ مُحِبَّةُ الْجَاهِ، فَإِنَّ الْجَاهَ وَلَوْ كَانَ فِي الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ وَالْمَشْيَخَةِ وَالْحَالَاتِ الْكَشْفِيَّةِ، فَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إِلَى الْمَخْلُوقِ وَالْغَفْلَةُ وَالْغَيْرَةُ الرُّبُوبِيَّةُ أَوِ الرُّؤْيَةُ الِاثْنَيْنِيَّةُ بَعْدَ ظُهُورِ أَنْوَارِ الْأَحَدِيَّةِ يَحْجُبُ السَّالِكَ عَنِ الْخَلْوَةِ فِي الْجَلْوَةِ بِوَصْفِ الْبَقَاءِ بِاللَّهِ، وَالْفِنَاءِ عَمَّا سِوَاهُ، هَذَا وَقَدْ رَوَى صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: يَكُونُ الرَّجُلُ مُرَائِيًا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ. قِيلَ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: يُحِبُّ أَنْ يَكْثُرَ النَّاسُ فِي جِنَازَتِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : لَعَلَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لِلتِّرْمِذِيِّ، وَإِلَّا فَحَقُّ التَّرْتِيبِ أَنْ يُقَدَّمَ الدَّارِمِيُّ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، هَذَا وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ، عَنْ أَبِيهِ.
стр. 7139
٥١٨٢ - وَعَنْ خَبَّابٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَا أَنْفَقَ مُؤْمِنٌ مِنْ نَفَقَةٍ إِلَّا أُجِرَ فِيهَا، إِلَّا نَفَقَتَهُ فِي هَذَا التُّرَابِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥١٨٢ - (وَعَنْ خَبَّابٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى، وَهُوَ ابْنُ الْأَرَتِّ بِفَتْحَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّ، لَحِقَهُ سَبْيٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاشْتَرَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ وَأَعْتَقَتْهُ، أَسْلَمَ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَارَ الْأَرْقَمِ، وَهُوَ مِمَّنْ عُذِّبَ فِي اللَّهِ عَلَى إِسْلَامِهِ فَصَبَرَ، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا أَنْفَقَ مُؤْمِنٌ مِنْ نَفَقَةٍ إِلَّا أُجِرَ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أُثِيبَ: (" فِيهَا ") أَيْ: فِي تِلْكَ النَّفَقَةِ أَوْ إِنْفَاقِهَا (" إِلَّا نَفَقَتَهُ ") : بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْمُوجَبِ ; لِأَنَّ النَّفْيَ عَادَ إِلَى الْإِيجَابِ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ. (" فِي هَذَا التُّرَابِ ") أَيِ: الْبِنَاءِ فَوْقَ الْحَاجَةِ وَهَذَا لِلتَّحْقِيرِ، وَقِيلَ: التُّرَابُ كِنَايَةٌ عَنِ الْبَدَنِ وَمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ اللَّذَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: (نَفَقَتَهُ) مَنْصُوبَةٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُوجَبِ، إِذِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُسْتَثْنًى مِنْ كَلَامٍ مَنْفِيٍّ فَيَكُونُ مُوجَبًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 7140
٥١٨٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «النَّفَقَةُ كُلُّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا الْبِنَاءَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥١٨٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " النَّفَقَةُ كُلُّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ") أَيْ: ثَابِتٌ فِي طَرِيقِ رِضَاهُ (" إِلَّا الْبِنَاءَ ") : اللَّامُ لِلْعَهْدِ، أَيْ: إِلَّا الْبِنَاءَ الزَّائِدَ عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ (فَلَا خَيْرَ فِيهِ) : لِوُقُوعِ الْإِسْرَافِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، وَأَمَّا النَّفَقَةُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا السَّرَفُ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْإِطْعَامِ وَالْإِنْعَامِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا خَيْرٌ، سَوَاءٌ وَقَعَ الْمُسْتَحِقُّ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنَامِ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلَا خَيْرَ فِيهِ تَفْرِيعِيَّةٌ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ، وَكَأَنَّهُ وَقَعَ فِي أَصْلِ الطِّيبِيِّ ﵀ بِالْوَاوِ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِهِ قَوْلَهُ: وَلَا خَيْرَ فِيهِ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ الْجُمْلَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 7141
٥١٨٤ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «خَرَجَ يَوْمًا وَنَحْنُ مَعَهُ، فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً، فَقَالَ " مَا هَذِهِ؟ " قَالَ أَصْحَابُهُ: هَذِهِ لِفُلَانٍ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا فِي نَفْسِهِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، صَنَعَ ذَلِكَ مِرَارًا حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الْغَضَبَ فِيهِ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُنْكِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالُوا: خَرَجَ فَرَأَى قُبَّتَكَ. فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالْأَرْضِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمْ يَرَهَا، قَالَ: " مَا فَعَلَتِ الْقُبَّةُ؟ " قَالُوا: شَكَا إِلَيْنَا صَاحِبُهَا إِعْرَاضَكَ، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَهَدَمَهَا. فَقَالَ: " أَمَا إِنَّ كَلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا لَا، إِلَّا مَا لَا " يَعْنِي إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥١٨٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا) أَيْ: وَقْتًا (وَنَحْنُ مَعَهُ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً) أَيْ: بِنَاءً عَالِيًا (فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ ") : اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ أَيْ: مَا هَذِهِ الْعِمَارَةُ الْمُنْكَرَةُ وَمَنْ بَانِيهَا؟ (قَالَ أَصْحَابُهُ: هَذِهِ لِفُلَانٍ، رَجُلٍ) : بِالْجَرِّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ (مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا) أَيْ: أَضْمَرَ تِلْكَ الْفَعْلَةَ (فِي نَفْسِهِ) : غَضَبًا عَلَى فَاعِلِهَا فِي فِعْلِهَا، فَفِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ حَمَلْتَ الْحِقْدَ عَلَيْهِ إِذَا أَضْمَرْتَهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَا أَحْمِلُ الْحِقْدَ الْقَدِيمَ عَلَيْهِمُ ... وَلَيْسَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الْحِقْدَا
(حَتَّى لَمَّا جَاءَ صَاحِبُهَا، فَسَلَّمَ) أَيْ: صَاحِبُهَا (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى النَّبِيِّ ﵊ (فِي النَّاسِ) أَيْ: فِي مَحْضَرٍ مِنْهُمْ، أَوْ فِيمَا بَيْنَهُمْ (فَأَعْرَضَ عَنْهُ) أَيْ: فَلَمْ يَرُدَّ ﵇، أَوْ رَدَّ وَأَعْرَضَ عَنِ الِالْتِفَاتِ، كَمَا هُوَ دَأْبُهُ مِنَ الْمُلَاطَفَةِ لَدَيْهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْدِيبًا لَهُ وَتَنْبِيهًا لِغَيْرِهِ (صَنَعَ ذَلِكَ مِرَارًا) : لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ لَمَّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَدْخُولَ حَتَّى، وَلَمَّا الْحِينِيَّةُ ظَرْفٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ مُسَامَحَةً، وَكَانَ الطِّيبِيُّ ﵀ جَعَلَ قَوْلَهُ صَنَعَ اسْتِئْنَافَ بَيَانٍ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ: فَأَعْرَضَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ لَمَّا مَعَ الْفَاءِ وَهُوَ قَلِيلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ جَوَابَ لَمَّا أَيْ كَرِهَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَقَوْلُهُ: (حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الْغَضَبَ فِيهِ) أَيْ: عَرَفَ أَنَّ الْغَضَبَ كَانَ لِأَجْلِهِ (وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ)
стр. 7142
أَيْ: بِسَبَبِهِ (فَشَكَا ذَلِكَ) أَيْ: مَا رَآهُ مِنْ أَثَرِ الْغَضَبِ وَالْإِعْرَاضِ (إِلَى أَصْحَابِهِ) أَيْ: أَصْحَابِهِ الْخُلَّصِ، أَوْ إِلَى أَصْحَابِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَقَالَ) : تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ (وَاللَّهِ إِنِّي لَأُنْكِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْ: أَرَى مِنْهُ مَا لَمْ أَعْهَدْهُ مِنَ الْغَضَبِ وَالْكَرَاهَةِ، وَلَا أَعْرِفْ لَهُ سَبَبًا، وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَظْهَرُ لَهَا وَجْهٌ، (قَالُوا: خَرَجَ فَرَأَى قُبَّتَكَ. فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالْأَرْضِ) : اخْتِيَارًا لِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ وَمَا تَهْوَاهُ، (فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَرَهَا) أَيِ: الْقُبَّةَ (قَالَ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (" مَا فَعَلَتِ الْقُبَّةُ؟ ") : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ (قَالُوا: شَكَا إِلَيْنَا صَاحِبُهَا إِعْرَاضَكَ) أَيْ: سَبَبَهُ (فَأَخْبَرْنَاهُ) أَيْ: بِأَنَّهُ لِأَجْلِ بِنَائِكَ الْقُبَّةَ (فَهَدَمَهَا. قَالَ: " أَمَا ") : بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ لِلتَّنْبِيهِ (" إِنَّ كُلَّ بِنَاءٍ ") : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَبْنِيُّ (" وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا لَا، إِلَّا مَا لَا) : كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ (يَعْنِي: إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ) أَيْ: لَا فِرَاقَ عَنْهُ، قِيلَ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ بِنَاءٍ بَنَاهُ صَاحِبُهُ فَهُوَ وَبَالٌ أَيْ: عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالْوَبَالُ فِي الْأَصْلِ الثِّقَلُ، وَالْمَكْرُوهُ أَرَادَ مَا بَنَاهُ لِلتَّفَاخُرِ وَالتَّنَعُّمِ فَوْقَ الْحَاجَةِ لَا أَبْنِيَةَ الْخَيْرِ مِنَ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَالرِّبَاطَاتِ، فَإِنَّهَا مِنَ الْآخِرَةِ، وَكَذَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلرَّجُلِ مِنَ الْقُوتِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَسْكَنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «كُلُّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَسْجِدًا» ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ مَرْفُوعًا: " «كُلُّ بُنْيَانٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا كَانَ هَكَذَا» ". وَأَشَارَ بِكَفِّهِ " وَكُلُّ عِلْمٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَا عَمِلَ بِهِ ".
стр. 7143
٥١٨٥ - وَعَنْ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ ﵁ قَالَ: «عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ (الْمَصَابِيحِ) عَنْ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عَتْبَدَ، بِالدَّالِ بَدَلَ التَّاءِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ.
ــ
٥١٨٥ - (وَعَنْ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ) : بِضَمِّ عَيْنٍ فَسُكُونِ فَوْقِيَّةٍ فَمُوَحَّدَةٍ بَعْدَهَا هَاءٌ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ شَيْبَةُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ، وَهُوَ خَالُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَسَكَنَ الشَّامَ، وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَانَ فَاضِلًا صَالِحًا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، رَوَى عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ. (قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ: أَوْصَانِي (قَالَ) : بَدَلٌ مِنْ عَهِدَ أَوْ تَفْسِيرٌ وَبَيَانٌ لِلْعَهْدِ، وَاخْتَارَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْأَوَّلَ حَيْثُ قَالَ: بَدَلٌ مِنْهُ بَدَلَ الْفِعْلِ مِنَ الْفِعْلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ:
مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا
أَبْدَلَ تُلْمِمْ بِنَا مِنْ قَوْلِهِ تَأْتِنَا. (" إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ ") أَيْ: لِلْوَسِيلَةِ بِحَسَبِ الْمَآلِ (" خَادِمٌ ") أَيْ: فِي السَّفَرِ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ (" وَمَرْكَبٌ ") أَيْ: مَرْكُوبٌ يُسَارُ عَلَيْهِ (" فِي سَبِيلِ اللَّهِ ") أَيْ: فِي الْجِهَادِ أَوِ الْحَجِّ أَوْ طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْقَنَاعَةُ وَالِاكْتِفَاءُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا لِلْآخِرَةِ، كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، «عَنْ خَبَّابٍ: " إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُ زَادِ الرَّاكِبِ» ". (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَفِي الْجَامِعِ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّمَا يَكْفِيهِ إِلَخْ. نِسْبَةٌ إِلَى الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ، عَنْ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، وَلِلْحَدِيثِ تَتِمَّةُ قِصَّةٍ تَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ (وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ عَنْ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عَتْبَدَ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونِ فَوْقِيَّةٍ فَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ (بِالدَّالِ) أَيِ: الْمُهْمَلَةِ (بَدَلَ التَّاءِ) أَيِ: الْفَوْقِيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي آخِرِ لَفْظِ: عُتْبَةَ (وَهُوَ تَصْحِيفٌ) : إِذْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَسْمَاءِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا سَبَقَ مِنَ الضَّبْطِ الْوَاقِعِ فِي الْأُصُولِ، وَهُنَا تَحْرِيفٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَبَعْضِ الْحَوَاشِي أَيْضًا، فَاحْذَرْ فَإِنَّ الصَّوَابَ مَا تَحَرَّرَ.
стр. 7144
٥١٨٦ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ: بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥١٨٦ - (وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ ") أَيْ: حَاجَةٌ (" فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَوْصُوفٌ سِوَى مَحْذُوفٍ أَيْ: شَيْءٌ سِوَى هَذِهِ اه. وَفِي نُسْخَةٍ مُوَافِقَةٍ لِمَا فِي الْجَامِعِ فِيمَا سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ، وَالْمُرَادُ بِهَا ضَرُورِيَّاتُ بَدَنِهِ الْمُعِينِ عَلَى دِينِهِ (" بَيْتِ ") : بِالْجَرِّ، وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ، وَكَذَا فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الْخِصَالِ الْمُبَيَّنَةِ (" يَسْكُنُهُ ") أَيْ: دَفْعًا لِلْحَرِّ وَالْبَرْدِ (" وَثَوْبٌ يُوَارِي ") أَيْ: يَسْتُرُ (" بِهِ عَوْرَتَهُ ") أَيْ: عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، أَوْ حَالَ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِيهَا (" وَجِلْفُ الْخُبْزِ ") : بِكَسْرِ جِيمٍ وَسُكُونِ لَامٍ وَيُفْتَحُ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْجِلْفُ بِالْكَسْرِ الْغَلِيظُ الْيَابِسُ مِنَ الْخُبْزِ غَيْرِ الْمَأْدُومِ، أَوْ حَرْفُ الْخُبْزِ، وَالظَّرْفُ، وَالْوِعَاءُ. وَقَالَ شَارِحٌ: الْجِلْفُ ظَرْفُهُمَا مِنْ جِرَابٍ وَرَكْوَةٍ، وَأَرَادَ الْمَظْرُوفَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ الظَّرْفَ وَالْمَظْرُوفَ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ لِتَلَازُمِهِمَا فِي الْحَاجَةِ. (" وَالْمَاءِ ") : بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْجِلْفِ أَوِ الْخُبْزِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الشُّرَّاحِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالرَّفْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِحْدَى الْخِصَالِ. قَالَ شَارِحٌ: أَرَادَ بِالْحَقِّ مَا وَجَبَ لَهُ مِنَ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ تَبِعَةٍ فِي الْآخِرَةِ وَسُؤَالٍ عَنْهُ، وَإِذَا اكْتَفَى بِذَلِكَ مِنَ الْحَلَالِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي لَا بُدَّ لِلنَّفْسِ مِنْهَا، وَأَمَّا مَا سِوَاهُ مِنَ الْحُظُوظِ يُسْأَلُ عَنْهُ وَيُطَالَبُ بِشُكْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي ﵀: أَرَادَ بِالْحَقِّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْإِنْسَانُ لِافْتِقَارِهِ إِلَيْهِ، وَتَوَقَّفَ تَعَيُّشُهُ عَلَيْهِ، وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْحَقِيقِيُّ مِنَ الْمَالِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَبِعَةُ حِسَابٍ إِذَا كَانَ مُكْتَسَبًا مِنْ وَجْهٍ حَلَالٍ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْجِلْفُ وَالْخُبْزُ وَحْدَهُ لَا أُدْمَ مَعَهُ، وَقِيلَ: هُوَ الْخَبْزُ الْغَلِيظُ الْيَابِسُ. قَالَ: وَيُرْوَى بِفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ جِلْفَةٍ وَهِيَ الْكِسْرَةُ مِنَ الْخُبْزِ، وَفِي الْغَرِيبَيْنِ، قَالَ شِمْرٌ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: الْجِلْفُ الظَّرْفُ مِثْلُ الْخُرْجِ وَالْجُوَالِقِ، قَالَ الْقَاضِي ﵀: ذَكَرَ الظَّرْفَ، وَأَرَادَ بِهِ الْمَظْرُوفَ أَيْ: كِسْرَةَ خُبْزٍ وَشَرْبَةَ مَاءٍ اه. وَالْمَقْصُودُ غَايَةُ الْقَنَاعَةِ، وَنِهَايَةُ الْكِفَايَةِ، كَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ أَدْهَمَ:
وَمَا هِيَ إِلَّا جَوْعَةٌ قَدْ سَدَدْتُهَا ... وَكُلُّ طَعَامٍ بَيْنَ جَنْبَيَّ وَاحِدُ
وَلِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
أَيَا نَفْسُ يَكْفِيكِ طُولُ الْحَيَاةِ ... إِذَا مَا قَنَعْتِ وَرَبِّ الْفَلَقْ
رَغِيفٌ بِفَوْذَنْجٍ يَابِسٌ ... وَمَا رَوَى وَلُبْسٌ خَلِقْ
وَخُفْشٌ تَكُفُّكَ جُدْرَانُهُ ... فَمَاذَا الْعَنَا وَمَاذَا الْقَلَقْ
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 7145
٥١٨٧ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ. قَالَ: " ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥١٨٧ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ) أَيْ: جَامِعٍ نَافِعٍ فِي بَابِ الْمَحَبَّةِ (إِذَا أَنَا) : لِلتَّأْكِيدِ (عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِيَ اللَّهُ وَأَحَبَّنِيَ النَّاسُ) : بِفَتْحِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَيُسْكَنُ (قَالَ: " ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا ") أَيْ: بِتَرْكِ حُبِّهَا، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ زَوَائِدِهَا، وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْآخِرَةِ وَعَوَائِدِهَا، (" يُحِبَّكَ اللَّهُ ") أَيْ: لِعَدَمِ مَحَبَّتِكَ عَدُوَّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدِّدَةِ لِلْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَقِيلَ مَرْفُوعٌ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ (" وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ ") أَيْ: مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ (" يُحِبَّكَ النَّاسُ ") : لِتَرْكِكَ مَحْبُوبِهِمْ، وَعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
وَمَا الزُّهْدُ إِلَّا فِي انْقِطَاعِ الْخَلَائِقِ ... وَمَا الْحَقُّ إِلَّا فِي وُجُودِ الْحَقَائِقِ
وَمَا الْحُبُّ إِلَّا حُبُّ مَنْ كَانَ قَلْبُهُ ... عَنِ الْخَلْقِ مَشْغُولًا بِرَبِّ الْخَلَائِقِ
следующие страницы →