Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.
стр. 7141
٥١٨٤ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «خَرَجَ يَوْمًا وَنَحْنُ مَعَهُ، فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً، فَقَالَ " مَا هَذِهِ؟ " قَالَ أَصْحَابُهُ: هَذِهِ لِفُلَانٍ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا فِي نَفْسِهِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، صَنَعَ ذَلِكَ مِرَارًا حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الْغَضَبَ فِيهِ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُنْكِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالُوا: خَرَجَ فَرَأَى قُبَّتَكَ. فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالْأَرْضِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمْ يَرَهَا، قَالَ: " مَا فَعَلَتِ الْقُبَّةُ؟ " قَالُوا: شَكَا إِلَيْنَا صَاحِبُهَا إِعْرَاضَكَ، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَهَدَمَهَا. فَقَالَ: " أَمَا إِنَّ كَلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا لَا، إِلَّا مَا لَا " يَعْنِي إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥١٨٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا) أَيْ: وَقْتًا (وَنَحْنُ مَعَهُ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَرَأَى قُبَّةً مُشْرِفَةً) أَيْ: بِنَاءً عَالِيًا (فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ ") : اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ أَيْ: مَا هَذِهِ الْعِمَارَةُ الْمُنْكَرَةُ وَمَنْ بَانِيهَا؟ (قَالَ أَصْحَابُهُ: هَذِهِ لِفُلَانٍ، رَجُلٍ) : بِالْجَرِّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ (مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا) أَيْ: أَضْمَرَ تِلْكَ الْفَعْلَةَ (فِي نَفْسِهِ) : غَضَبًا عَلَى فَاعِلِهَا فِي فِعْلِهَا، فَفِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ حَمَلْتَ الْحِقْدَ عَلَيْهِ إِذَا أَضْمَرْتَهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَا أَحْمِلُ الْحِقْدَ الْقَدِيمَ عَلَيْهِمُ ... وَلَيْسَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الْحِقْدَا
(حَتَّى لَمَّا جَاءَ صَاحِبُهَا، فَسَلَّمَ) أَيْ: صَاحِبُهَا (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى النَّبِيِّ ﵊ (فِي النَّاسِ) أَيْ: فِي مَحْضَرٍ مِنْهُمْ، أَوْ فِيمَا بَيْنَهُمْ (فَأَعْرَضَ عَنْهُ) أَيْ: فَلَمْ يَرُدَّ ﵇، أَوْ رَدَّ وَأَعْرَضَ عَنِ الِالْتِفَاتِ، كَمَا هُوَ دَأْبُهُ مِنَ الْمُلَاطَفَةِ لَدَيْهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْدِيبًا لَهُ وَتَنْبِيهًا لِغَيْرِهِ (صَنَعَ ذَلِكَ مِرَارًا) : لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ لَمَّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَدْخُولَ حَتَّى، وَلَمَّا الْحِينِيَّةُ ظَرْفٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ مُسَامَحَةً، وَكَانَ الطِّيبِيُّ ﵀ جَعَلَ قَوْلَهُ صَنَعَ اسْتِئْنَافَ بَيَانٍ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ: فَأَعْرَضَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ لَمَّا مَعَ الْفَاءِ وَهُوَ قَلِيلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ جَوَابَ لَمَّا أَيْ كَرِهَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَقَوْلُهُ: (حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الْغَضَبَ فِيهِ) أَيْ: عَرَفَ أَنَّ الْغَضَبَ كَانَ لِأَجْلِهِ (وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ)
стр. 7142
أَيْ: بِسَبَبِهِ (فَشَكَا ذَلِكَ) أَيْ: مَا رَآهُ مِنْ أَثَرِ الْغَضَبِ وَالْإِعْرَاضِ (إِلَى أَصْحَابِهِ) أَيْ: أَصْحَابِهِ الْخُلَّصِ، أَوْ إِلَى أَصْحَابِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَقَالَ) : تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ (وَاللَّهِ إِنِّي لَأُنْكِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْ: أَرَى مِنْهُ مَا لَمْ أَعْهَدْهُ مِنَ الْغَضَبِ وَالْكَرَاهَةِ، وَلَا أَعْرِفْ لَهُ سَبَبًا، وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَظْهَرُ لَهَا وَجْهٌ، (قَالُوا: خَرَجَ فَرَأَى قُبَّتَكَ. فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالْأَرْضِ) : اخْتِيَارًا لِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ وَمَا تَهْوَاهُ، (فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَرَهَا) أَيِ: الْقُبَّةَ (قَالَ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (" مَا فَعَلَتِ الْقُبَّةُ؟ ") : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ (قَالُوا: شَكَا إِلَيْنَا صَاحِبُهَا إِعْرَاضَكَ) أَيْ: سَبَبَهُ (فَأَخْبَرْنَاهُ) أَيْ: بِأَنَّهُ لِأَجْلِ بِنَائِكَ الْقُبَّةَ (فَهَدَمَهَا. قَالَ: " أَمَا ") : بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ لِلتَّنْبِيهِ (" إِنَّ كُلَّ بِنَاءٍ ") : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَبْنِيُّ (" وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا لَا، إِلَّا مَا لَا) : كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ (يَعْنِي: إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ) أَيْ: لَا فِرَاقَ عَنْهُ، قِيلَ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ بِنَاءٍ بَنَاهُ صَاحِبُهُ فَهُوَ وَبَالٌ أَيْ: عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالْوَبَالُ فِي الْأَصْلِ الثِّقَلُ، وَالْمَكْرُوهُ أَرَادَ مَا بَنَاهُ لِلتَّفَاخُرِ وَالتَّنَعُّمِ فَوْقَ الْحَاجَةِ لَا أَبْنِيَةَ الْخَيْرِ مِنَ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَالرِّبَاطَاتِ، فَإِنَّهَا مِنَ الْآخِرَةِ، وَكَذَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلرَّجُلِ مِنَ الْقُوتِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَسْكَنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «كُلُّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَسْجِدًا» ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ مَرْفُوعًا: " «كُلُّ بُنْيَانٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا كَانَ هَكَذَا» ". وَأَشَارَ بِكَفِّهِ " وَكُلُّ عِلْمٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَا عَمِلَ بِهِ ".
стр. 7143
٥١٨٥ - وَعَنْ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ ﵁ قَالَ: «عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ (الْمَصَابِيحِ) عَنْ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عَتْبَدَ، بِالدَّالِ بَدَلَ التَّاءِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ.
ــ
٥١٨٥ - (وَعَنْ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ) : بِضَمِّ عَيْنٍ فَسُكُونِ فَوْقِيَّةٍ فَمُوَحَّدَةٍ بَعْدَهَا هَاءٌ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ شَيْبَةُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ، وَهُوَ خَالُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَسَكَنَ الشَّامَ، وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَانَ فَاضِلًا صَالِحًا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، رَوَى عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ. (قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ: أَوْصَانِي (قَالَ) : بَدَلٌ مِنْ عَهِدَ أَوْ تَفْسِيرٌ وَبَيَانٌ لِلْعَهْدِ، وَاخْتَارَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْأَوَّلَ حَيْثُ قَالَ: بَدَلٌ مِنْهُ بَدَلَ الْفِعْلِ مِنَ الْفِعْلِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ:
مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا
أَبْدَلَ تُلْمِمْ بِنَا مِنْ قَوْلِهِ تَأْتِنَا. (" إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ ") أَيْ: لِلْوَسِيلَةِ بِحَسَبِ الْمَآلِ (" خَادِمٌ ") أَيْ: فِي السَّفَرِ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ (" وَمَرْكَبٌ ") أَيْ: مَرْكُوبٌ يُسَارُ عَلَيْهِ (" فِي سَبِيلِ اللَّهِ ") أَيْ: فِي الْجِهَادِ أَوِ الْحَجِّ أَوْ طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْقَنَاعَةُ وَالِاكْتِفَاءُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا لِلْآخِرَةِ، كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، «عَنْ خَبَّابٍ: " إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُ زَادِ الرَّاكِبِ» ". (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَفِي الْجَامِعِ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّمَا يَكْفِيهِ إِلَخْ. نِسْبَةٌ إِلَى الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ، عَنْ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، وَلِلْحَدِيثِ تَتِمَّةُ قِصَّةٍ تَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ (وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ عَنْ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عَتْبَدَ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونِ فَوْقِيَّةٍ فَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ (بِالدَّالِ) أَيِ: الْمُهْمَلَةِ (بَدَلَ التَّاءِ) أَيِ: الْفَوْقِيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي آخِرِ لَفْظِ: عُتْبَةَ (وَهُوَ تَصْحِيفٌ) : إِذْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَسْمَاءِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا سَبَقَ مِنَ الضَّبْطِ الْوَاقِعِ فِي الْأُصُولِ، وَهُنَا تَحْرِيفٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَبَعْضِ الْحَوَاشِي أَيْضًا، فَاحْذَرْ فَإِنَّ الصَّوَابَ مَا تَحَرَّرَ.
стр. 7144
٥١٨٦ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ: بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥١٨٦ - (وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ ") أَيْ: حَاجَةٌ (" فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَوْصُوفٌ سِوَى مَحْذُوفٍ أَيْ: شَيْءٌ سِوَى هَذِهِ اه. وَفِي نُسْخَةٍ مُوَافِقَةٍ لِمَا فِي الْجَامِعِ فِيمَا سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ، وَالْمُرَادُ بِهَا ضَرُورِيَّاتُ بَدَنِهِ الْمُعِينِ عَلَى دِينِهِ (" بَيْتِ ") : بِالْجَرِّ، وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ، وَكَذَا فِيمَا بَعْدَهُ مِنَ الْخِصَالِ الْمُبَيَّنَةِ (" يَسْكُنُهُ ") أَيْ: دَفْعًا لِلْحَرِّ وَالْبَرْدِ (" وَثَوْبٌ يُوَارِي ") أَيْ: يَسْتُرُ (" بِهِ عَوْرَتَهُ ") أَيْ: عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، أَوْ حَالَ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِيهَا (" وَجِلْفُ الْخُبْزِ ") : بِكَسْرِ جِيمٍ وَسُكُونِ لَامٍ وَيُفْتَحُ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْجِلْفُ بِالْكَسْرِ الْغَلِيظُ الْيَابِسُ مِنَ الْخُبْزِ غَيْرِ الْمَأْدُومِ، أَوْ حَرْفُ الْخُبْزِ، وَالظَّرْفُ، وَالْوِعَاءُ. وَقَالَ شَارِحٌ: الْجِلْفُ ظَرْفُهُمَا مِنْ جِرَابٍ وَرَكْوَةٍ، وَأَرَادَ الْمَظْرُوفَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ الظَّرْفَ وَالْمَظْرُوفَ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ لِتَلَازُمِهِمَا فِي الْحَاجَةِ. (" وَالْمَاءِ ") : بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْجِلْفِ أَوِ الْخُبْزِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الشُّرَّاحِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالرَّفْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِحْدَى الْخِصَالِ. قَالَ شَارِحٌ: أَرَادَ بِالْحَقِّ مَا وَجَبَ لَهُ مِنَ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ تَبِعَةٍ فِي الْآخِرَةِ وَسُؤَالٍ عَنْهُ، وَإِذَا اكْتَفَى بِذَلِكَ مِنَ الْحَلَالِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي لَا بُدَّ لِلنَّفْسِ مِنْهَا، وَأَمَّا مَا سِوَاهُ مِنَ الْحُظُوظِ يُسْأَلُ عَنْهُ وَيُطَالَبُ بِشُكْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي ﵀: أَرَادَ بِالْحَقِّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْإِنْسَانُ لِافْتِقَارِهِ إِلَيْهِ، وَتَوَقَّفَ تَعَيُّشُهُ عَلَيْهِ، وَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْحَقِيقِيُّ مِنَ الْمَالِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَبِعَةُ حِسَابٍ إِذَا كَانَ مُكْتَسَبًا مِنْ وَجْهٍ حَلَالٍ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْجِلْفُ وَالْخُبْزُ وَحْدَهُ لَا أُدْمَ مَعَهُ، وَقِيلَ: هُوَ الْخَبْزُ الْغَلِيظُ الْيَابِسُ. قَالَ: وَيُرْوَى بِفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ جِلْفَةٍ وَهِيَ الْكِسْرَةُ مِنَ الْخُبْزِ، وَفِي الْغَرِيبَيْنِ، قَالَ شِمْرٌ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: الْجِلْفُ الظَّرْفُ مِثْلُ الْخُرْجِ وَالْجُوَالِقِ، قَالَ الْقَاضِي ﵀: ذَكَرَ الظَّرْفَ، وَأَرَادَ بِهِ الْمَظْرُوفَ أَيْ: كِسْرَةَ خُبْزٍ وَشَرْبَةَ مَاءٍ اه. وَالْمَقْصُودُ غَايَةُ الْقَنَاعَةِ، وَنِهَايَةُ الْكِفَايَةِ، كَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ أَدْهَمَ:
وَمَا هِيَ إِلَّا جَوْعَةٌ قَدْ سَدَدْتُهَا ... وَكُلُّ طَعَامٍ بَيْنَ جَنْبَيَّ وَاحِدُ
وَلِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
أَيَا نَفْسُ يَكْفِيكِ طُولُ الْحَيَاةِ ... إِذَا مَا قَنَعْتِ وَرَبِّ الْفَلَقْ
رَغِيفٌ بِفَوْذَنْجٍ يَابِسٌ ... وَمَا رَوَى وَلُبْسٌ خَلِقْ
وَخُفْشٌ تَكُفُّكَ جُدْرَانُهُ ... فَمَاذَا الْعَنَا وَمَاذَا الْقَلَقْ
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 7145
٥١٨٧ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ. قَالَ: " ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥١٨٧ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ) أَيْ: جَامِعٍ نَافِعٍ فِي بَابِ الْمَحَبَّةِ (إِذَا أَنَا) : لِلتَّأْكِيدِ (عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِيَ اللَّهُ وَأَحَبَّنِيَ النَّاسُ) : بِفَتْحِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَيُسْكَنُ (قَالَ: " ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا ") أَيْ: بِتَرْكِ حُبِّهَا، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ زَوَائِدِهَا، وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْآخِرَةِ وَعَوَائِدِهَا، (" يُحِبَّكَ اللَّهُ ") أَيْ: لِعَدَمِ مَحَبَّتِكَ عَدُوَّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدِّدَةِ لِلْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَقِيلَ مَرْفُوعٌ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ (" وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ ") أَيْ: مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ (" يُحِبَّكَ النَّاسُ ") : لِتَرْكِكَ مَحْبُوبِهِمْ، وَعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
وَمَا الزُّهْدُ إِلَّا فِي انْقِطَاعِ الْخَلَائِقِ ... وَمَا الْحَقُّ إِلَّا فِي وُجُودِ الْحَقَائِقِ
وَمَا الْحُبُّ إِلَّا حُبُّ مَنْ كَانَ قَلْبُهُ ... عَنِ الْخَلْقِ مَشْغُولًا بِرَبِّ الْخَلَائِقِ
стр. 7146
وَقِيلَ: الزُّهْدُ عِبَارَةٌ عَنْ عُزُوبِ النَّفْسِ عَنِ الدُّنْيَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا لِأَجْلِ الْآخِرَةِ خَوْفًا مِنَ النَّارِ، أَوْ طَمَعًا فِي الْجَنَّةِ أَوْ تَرَفُّعًا عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى مَا سِوَى الْحَقِّ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ شَرْحِ الصَّدْرِ بِنُورِ الْيَقِينِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ الزُّهْدُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ وَلَا جَاهٌ، وَقِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ ﵀: يَا زَاهِدُ! قَالَ: الزَّاهِدُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذْ جَاءَتْهُ الدُّنْيَا رَاغِمَةً فَتَرَكَهَا، وَأَمَّا أَنَا فَفِيمَ زَهَدْتُ؟ قُلْتُ: هَذَا بَيَانُ كَمَالِ الزُّهْدِ، وَإِلَّا فَأَصْلُ الزُّهْدِ هُوَ عَدَمُ الْمَيْلِ إِلَى الشَّيْءِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِجَذْبَةٍ إِلَهِيَّةٍ تَصْرِفُ السَّالِكَ عَنِ الْأُمُورِ الْفَانِيَةِ، وَتَشْغَلُ بِالْأَحْوَالِ الْفَانِيَةِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ النَّفْسَ مُدَّعِيَةٌ لِلزُّهْدِ، وَلَا يَظْهَرُ صِدْقُهَا مِنْ كَذِبِهَا إِلَّا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الدُّنْيَا وُجُودِهَا، وَأَمَّا عِنْدَ فَقْدِهَا فَالْأَمْرُ دَائِرٌ بَيْنَ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَثَمَرَتُهُ الْقَنَاعَةُ مِنَ الدُّنْيَا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ مِنْ زَادِ الطَّرِيقِ، وَهُوَ مَطْعَمٌ يَدْفَعُ الْجُوعَ، وَمَلْبَسٌ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَمَسْكَنٌ يَصُونُهُ عَنِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَأَثَاثٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ. وَفِي الْمَنَازِلِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الزُّهْدَ إِسْقَاطُ الرَّغْبَةِ فِي الشَّيْءِ عَنْهُ بِالْكُلْفَةِ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: الزُّهْدُ فِي الشُّبْهَةِ بِالْحَذَرِ عَنْ مَعْتَبَةِ الْحَقِّ عَلَيْهِ، ثُمَّ الزُّهْدُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْبَلَاغِ مِنَ الْقُوتِ بِاغْتِنَامِ التَّفَرُّعِ إِلَى عِمَارَةِ الْوَقْتِ بِالِاشْتِغَالِ بِالْمُرَاقَبَةِ، ثُمَّ الزُّهْدُ وَالزُّهْدُ بِاسْتِحْقَارِ مَا زَهَدْتَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَظَمَةِ الرَّبِّ، وَاسْتِوَاءِ الزُّهْدِ وَعَدَمِهِ عِنْدَهُ، وَالذَّهَابِ عِنْدَ اكْتِسَابِ أُجَرٍ بِتَرْكِهَا نَاظِرًا بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الْفَاعِلِ الْحَقِّ، فَيُشَاهِدُ تَصَرُّفَ اللَّهِ فِي الْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ وَالْأَخْذِ وَالتَّرْكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزُّهْدَ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ وَأَفْضَلُهَا، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مُحِبَّ الدُّنْيَا مُتَعَرِّضٌ لِبُغْضِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
قَالَ مِيرَكُ: أَظُنُّ أَنَّ ذِكْرَ التِّرْمِذِيِّ وَقَعَ سَهْوًا مِنْ نُسَّاخِ الْكِتَابِ أَوْ مِنْ صَاحِبِهِ، فَإِنَّ الْحَافِظَ الْمُنْذِرِيَّ، وَالْإِمَامَ النَّوَوِيَّ، وَالشَّيْخَ الْجَزَرِيَّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا كُلُّهُمْ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فَقَطْ فَتَأَمَّلْ. قُلْتُ: ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي أَرْبَعِينِهِ أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ. اه. لَكِنَّ التِّرْمِذِيَّ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْأُصُولِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ مِنْ قَوْلِهِ: ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا إِلَخْ. وَقَالَ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. نَعَمْ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: " «الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَلَا إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِنْكَ فِي يَدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ مِنْكَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ» ". وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ طَاوُسٍ مُرْسَلًا: الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا يُرِيحُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ، وَالرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا تُطِيلُ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ. رَوَاهُ الْقُضَاعِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: يُكْثِرُ بَدَلَ يُطِيلُ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَابْنُ عَدِيٍّ وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا. وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا: تُشَعِّبُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الضَّحَّاكِ مُرْسَلًا: أَزْهَدُ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَنْسَ الْقَبْرَ وَالْبِلَى، وَتَرَكَ أَفْضَلَ زِينَةِ الدُّنْيَا، وَآثَرَ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، وَلَمْ يَعُدَّ غَدًا مِنْ أَيَّامِهِ، وَعَدَّ نَفْسَهُ مِنَ الْمَوْتَى. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «صَلَاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزَّهَادَةِ وَالْيَقِينِ، وَهَلَاكُ آخِرِهَا بِالْبُخْلِ وَالْأَمَلِ» " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
стр. 7147
٥١٨٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَامَ عَلَى حَصِيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَسَدِهِ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَبْسُطَ لَكَ وَنَعْمَلَ فَقَالَ: " مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥١٨٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَامَ عَلَى حَصِيرٍ، فَقَامَ) أَيْ: عَنِ النَّوْمِ (وَقَدْ أَثَّرَ) أَيْ: أَثَّرَ الْحَصِيرُ (فِي جَسَدِهِ) أَيْ: غَايَةَ التَّأْثِيرِ (فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَبْسُطَ) : بِضَمِّ السِّينِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " لَوْ " لِلتَّمَنِّي، وَأَنْ تَكُونَ لِلشَّرْطِيَّةِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَوْ أَذِنْتَ لَنَا أَنْ نَبْسُطَ لَكَ) : فِرَاشًا لَيِّنًا (وَنَعْمَلَ) أَيْ: لَكَ ثَوْبًا حَسَنًا. أَيْ: لَكَانَ أَحْسَنَ مِنِ اضْطِجَاعِكَ عَلَى هَذَا الْحَصِيرِ الْخَشِنِ، (فَقَالَ: " مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا ") : " مَا " نَافِيَةٌ أَيْ: لَيْسَ لِي أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ مَعَ الدُّنْيَا وَلَا لِلدُّنْيَا أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ مَعِي حَتَّى أَرْغَبَ إِلَيْهَا، وَأَنْبَسِطَ عَلَيْهَا، وَأَجْمَعَ مَا فِيهَا وَلَذَّتَهَا أَوِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ: أُلْفَةٌ وَمَحَبَّةٌ لِي مَعَ الدُّنْيَا أَوْ أَيُّ شَيْءٍ لِي مَعَ الْمَيْلِ إِلَى الدُّنْيَا أَوْ مَيْلِهَا إِلَيَّ، فَإِنِّي طَالِبُ الْآخِرَةِ وَهِيَ ضَرَّتُهَا الْمُضَادَّةُ لَهَا. هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀، قَوْلُهُ: وَنَعْمَلَ مُتَعَلِّقَةٌ مَحْذُوفٍ، فَيُقَدَّرُ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ السَّابِقِ، وَهُوَ وُجُودُ التَّنَعُّمِ وَالتَّلَذُّذِ بِالْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِسَاطًا، وَمِنْ ثَمَّ طَابَقَهُ قَوْلُهُ: " مَا لِي وَلِلدُّنْيَا " أَيْ: لَيْسَ حَالِي مَعَ الدُّنْيَا. (" إِلَّا كَرَاكِبٍ ") أَيْ: إِلَّا
стр. 7148
كَحَالِ رَاكِبٍ (" اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ") : وَهُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ، وَهُوَ التَّشْبِيهُ بِسُرْعَةِ الرَّحِيلِ: وَقِلَّةِ الْمُكْثِ، وَمِنْ ثَمَّ خَصَّ الرَّاكِبَ وَاللَّامُ فِي لَلدُّنْيَا مُقْحَمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ إِنْ كَانَ الْوَاوُ بِمَعْنَى " مَعَ " وَإِنْ كَانَ لِلْعَطْفِ، فَالتَّقْدِيرُ مَا لِي مَعَ الدُّنْيَا وَمَا الدُّنْيَا مَعِي. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ وَالضِّيَاءُ.
стр. 7149
٥١٨٩ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ، ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ، لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا، فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ " ثُمَّ نَقَدَ بِيَدِهِ فَقَالَ: (عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ بَوَاكِيهِ، قَلَّ تُرَاثُهُ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥١٨٩ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي ") : أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ ; لِأَنَّ الْمَغْبُوطَ بِهِ حَالُهُ أَيْ: أَحْسَنُهُمْ حَالًا وَأَفْضَلُهُمْ مَآلًا (" عِنْدِي ") أَيْ: فِي دِينِي وَمَذْهَبِي (" لَمُؤْمِنٌ ") : اللَّامُ زَائِدَةٌ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ هِيَ لِلِابْتِدَاءِ، أَوِ الْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ أَيْ: لَهُوَ مُؤْمِنٌ (" خَفِيفُ الْحَاذِ ") : بِتَخْفِيفِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: خَفِيفُ الْحَالِ الَّذِي يَكُونُ قَلِيلَ الْمَالِ، وَخَفِيفُ الظَّهْرِ مِنَ الْعِيَالِ، فَيَتَمَكَّنُ مِنَ السَّيْرِ فِي طَرِيقِ الْخَالِقِ بَيْنَ الْخَلَائِقِ، وَلَا يَمْنَعُهُ شَيْءٌ مِنَ الْعَلَائِقِ وَالْعَوَائِقِ، وَمُجْمَلُ الْمَعْنَى أَحَقُّ أَحِبَّائِي وَأَنْصَارِي عِنْدِي بِأَنْ يُغْبَطَ وَيُتَمَنَّى حَالُهُ مُؤْمِنٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (" ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ ") أَيْ: وَمَعَ هَذَا هُوَ صَاحِبُ لَذَّةٍ وَرَاحَةٍ مِنَ الْمُنَاجَاةِ مَعَ اللَّهِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَاسْتِغْرَاقٍ فِي الْمُشَاهَدَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» " وَأَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ " أَيْ: بِوُجُودِهَا وَحُصُولِهَا، وَمَا أَقْرَبَ الرَّاحَةَ مِنْ قُرَّةِ الْعَيْنِ، وَمَا أَبْعَدَهَا مِمَّا قِيلَ مَعْنَاهُ: أَذِّنْ بِالصَّلَاةِ لِنَسْتَرِيحَ بِأَدَائِهَا مِنْ شُغْلِ الْقَلْبِ بِهَا وَقَوْلُهُ: (" أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ ") : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، أَوِ الْأَوَّلُ إِشَارَةٌ إِلَى الْكَمِّيَّةِ، وَالثَّانِي عِبَارَةٌ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ (" وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ ") أَيْ: كَمَا أَطَاعَهُ فِي الْعَلَانِيَةِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ وَالتَّخْصِيصِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الِاعْتِنَاءِ، وَجَعَلَهُ الطِّيبِيُّ عَطْفَ تَفْسِيرٍ عَلَى أَحْسَنَ وَتَفْسِيرُنَا أَحْسَنُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَأَطَاعَهُ فِي عِبَادَتِهِ بِالْإِخْفَاءِ، وَلَا يُظْهِرُ طَاعَتَهُ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى عَلَى عَادَةِ الْمَلَامَتِيَّةِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ، وَيُنَاسِبُ قَوْلَهُ: (" وَكَانَ غَامِضًا ") أَيْ: خَامِلًا خَافِيًا غَيْرَ مَشْهُورٍ (" فِي النَّاسِ ") أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ، فَإِنَّ الْخُرُوجَ عَنْهُمْ يُوجِبُ الشُّهْرَةَ بَيْنَهُمْ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ عُمُومُهُمْ، فَلَا يَضُرُّهُ مَعْرِفَةُ خُصُوصِهِمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالصُّلَحَاءِ مِمَّنْ يُصَاحِبُهُمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (" لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ ") أَيْ: عِلْمًا وَعَمَلًا، وَهُوَ بَيَانٌ وَتَقْرِيرٌ لِمَعْنَى الْغُمُوضِ (" وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا ") أَيْ: قَدْرَ كِفَايَتَهُ بِحَيْثُ يَكُفُّهُ وَيَمْنَعُهُ عَنِ الْإِجْنَاحِ إِلَى الْكَافَّةِ، (" فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ ") أَيْ: عَلَى الرِّزْقِ الْكَفَافِ، أَوْ عَلَى الْخُمُولِ وَالْغُمُوضِ، أَوْ عَلَى مَا ذُكِرَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ مِلَاكُ الْأَمْرِ الصَّبْرُ، وَبِهِ يُتَقَوَّى عَلَى الطَّاعَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] (ثُمَّ نَقَدَ) : بِالنُّونِ وَالْقَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمِلَةِ الْمَفْتُوحَةِ (بِيَدِهِ) أَيْ: نَقَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ بِأَنْ ضَرَبَ إِحْدَى أُنْمُلَتَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، حَتَّى سُمِعَ مِنْهُ صَوْتٌ، وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ مِنْ نَقَدْتُ الشَّيْءَ بِأُصْبُعِي أَنْقُدُهُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ نَقْدَ الدَّرَاهِمِ، وَنَقْدَ الطَّائِرِ الْحَبَّ إِذَا لَقَطَهُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَهُوَ مِثْلُ النَّقْرِ وَيُرْوَى بِالرَّاءِ اه. وَهُوَ كَذَلِكَ فِي نُسْخَةٍ أَيْ: صَوَّتَ بِأُصْبُعِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ وَهِيَ الظَّاهِرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى
стр. 7150
جِدًّا ثُمَّ نَفَضَ يَدَهُ. (فَقَالَ: " عُجِّلَتْ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ (" مَنِيَّتُهُ ") أَيْ: مَوْتُهُ (" قَلَّتْ بَوَاكِيهِ ") : جَمْعُ بَاكِيَةٍ وَهِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَبْكِي عَلَى الْمَيِّتِ (" قَلَّ تُرَاثُهُ ") أَيْ: مِيرَاثُهُ وَمَالُهُ الْمُؤَخَّرُ عَنْهُ مِمَّا يُورَثُ حُمِلَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْدَادِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: أُرِيدَ بِالنَّقْدِ هَهُنَا ضَرَبُ الْأُنْمُلَةِ عَلَى الْأُنْمُلَةِ، وَضَرَبَهَا كَالْمُتَقَلِّلِ لِلشَّيْءِ أَيْ: لَمْ يَلْبَثْ قَلِيلًا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُقَلِّلُ مُدَّةَ عُمُرِهِ وَعَدَدَ بَوَاكِيهِ وَمَبْلَغَ تُرَاثِهِ، وَقِيلَ: الضَّرْبُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ يَفْعَلُهُ الْمُتَعَجِّبُ مِنَ الشَّيْءِ، أَوْ مَنْ رَأَى مَا يُعْجِبُهُ حُسْنُهُ، وَرُبَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ يُظْهِرُ قِلَّةَ الْمُبَالَاةِ بِشَيْءٍ أَوْ يَفْعَلُ طَرَبًا وَفَرَحًا بِالشَّيْءِ اه.
وَالْمَعْنَى مَنْ كَانَ هَذِهِ صِفَتُهُ، فَهُوَ يَتَعَجَّبُ مِنْ حُسْنِ حَالِهِ وَجِمَالِ مَآلِهِ، وَقِيلَ، قَوْلُهُ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ أَنَّهُ يُسْلِمُ رُوحَهُ سَرِيعًا لِقِلَّةِ تَعَلُّقِهِ بِالدُّنْيَا، وَغَلَبَهُ شَوْقُهُ إِلَى الْمَوْلَى لِحَدِيثِ " «الْمَوْتُ تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ» ". قَالَ الْأَشْرَفُ ﵀: وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ قَلِيلُ مُؤَنِ الْمَمَاتِ، كَمَا كَانَ قَلِيلَ مُؤَنِ الْحَيَاةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَلَفْظُهُ: " «أَغْبَطُ النَّاسِ عِنْدِي مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنْ صَلَاةٍ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا فَصَبَرَ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ، عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، وَقَلَّ تُرَاثُهُ، وَقَلَّ بَوَاكِيهِ» ". وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ: " «خَيْرُكُمْ فِي الْمِائَتَيْنِ كُلُّ خَفِيفِ الْحَاذِ الَّذِي لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدَ» " قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا السَّخَاوِيُّ فِي الْمَقَاصِدِ الْحَسَنَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ: عِلَّتُهُ دَاوُدُ، وَلِذَا قَالَ الْخَلِيلُ: ضَعَّفَهُ الْحُفَّاظُ فِيهِ وَخَطَّئُوهُ اه.
فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى جَوَازِ التَّرَهُّبِ أَيَّامَ الْفِتَنِ، وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَاهِيَةٌ:
مِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تُحَلُّ فِيهِ الْعُزْبَةُ وَلَا يَسْلَمُ لِذِي دِينٍ دِينُهُ إِلَّا مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ شَاهِقٍ إِلَى شَاهِقٍ، وَمِنْ حَجَرٍ إِلَى حَجَرٍ كَالطَّائِرِ بِفِرَاخِهِ، وَكَالثَّعْلَبِ بِأَشْبَالِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَاعْتَزَلَ النَّاسَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ» " الْحَدِيثَ. وَمِنْهَا: مَا رَوَى الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى الصُّوفِيِّ، عَنِ ابْنِ حُذَيْفَةَ ابْنِ الْيَمَانِ، عَنْ أَبِيهِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: " «خَيْرُ نِسَائِكُمْ بَعْدَ سِتِّينَ مِائَةٍ الْعَوَاقِرُ، وَخَيْرُ أَوْلَادِكُمْ بَعْدَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ الْبَنَاتُ» ". وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي " إِلَى أَنْ قَالَ: " فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ " ثُمَّ نَفَضَ يَدَهُ فَقَالَ: " عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ " الْحَدِيثَ. وَقَالَ عُقْبَةُ: عَلِيٌّ ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ لِلشَّامِيِّينَ صَحِيحٌ عِنْدَهُمْ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ اه.
وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الزُّهْدِ مِنْ سُنَنِهِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ مِنْ حَدِيثِ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَلَفْظُهُ: " «أَغْبَطُ النَّاسِ عِنْدِي مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ» " وَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ مَا لِلْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: " «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ اقْتَنَاهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَشْغَلْهُ بِزَوْجَةٍ وَلَا وَلَدٍ» ". وَلِلدَّيْلَمِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ ﵏ الْخَوَارِزْمِيِّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ غَفَّالٍ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: " «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَأَنْ يُرَبِّيَ أَحَدُكُمْ جَرْوَ كَلْبٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُرَبِّيَ وَلَدًا مِنْ صُلْبِهِ» ".
стр. 7151
٥١٩٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: لَا، يَا رَبِّ! وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعَتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥١٩٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي ") أَيْ: إِلَيَّ عَرْضًا حِسِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَالْمَعْنَى شَاوَرَنِي وَخَيَّرَنِي بَيْنَ الْوُسْعِ فِي الدُّنْيَا، وَاخْتِيَارِ الْبُلْغَةِ لِزَامَ الْعُقْبَى مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عِتَابٍ. (" لِيَجْعَلَ لِي ") أَيْ: مِلْكًا لِي أَوْ مَخْصُوصًا لِأُمَّتِي عَلَى تَقْدِيرِ إِقْبَالِي عَلَيْهَا، وَالْتِفَاتِي إِلَيْهَا، وَيَصِيرُ لِأَجْلِي (" بَطْحَاءَ مَكَّةَ ") أَيْ: أَرْضَهَا وَرِمَالَهَا (" ذَهَبًا ") أَيْ: بَدَلَ حَجَرِهَا وَمَدَرِهَا، وَأَصْلُ الْبَطْحَاءِ مَسِيلُ الْمَاءِ، وَأَرَادَ هُنَا عَرْصَةَ مَكَّةَ وَصَحَارِيهَا فَإِفَاضَتُهُ بَيَانِيَّةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: بَطْحَاءُ مَكَّةَ تَنَازُعٌ فِيهِ عَرَضَ وَلِيَجْعَلَ أَيْ: عَرَضَ عَلَيَّ بَطْحَاءَ لِيَجْعَلَهَا لِي ذَهَبًا (" فَقُلْتُ: لَا ") أَيْ: لَا أُرِيدُ وَلَا أَخْتَارُ. (" يَا رَبِّ! وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا ") أَيْ: أَخْتَارُ أَوْ أُرِيدُ أَنْ أَشْبَعَ وَقْتًا أَيْ: فَأَشْكُرُ (" وَأَجُوعُ يَوْمًا ") أَيْ: فَأَصْبِرُ كَمَا فَصَّلَهُ وَبَيَّنَهُ
стр. 7152
بِقَوْلِهِ: (" فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ ") أَيْ: بِعَرْضِ الِافْتِقَارِ عَلَيْكَ (" وَذَكَرْتُكَ ") أَيْ: بِسَبَبِهِ فَإِنَّ الْفَقْرَ يُورِثُ الذِّكْرَ، كَمَا فِي الْغِنَى يُوجِبُ الْكُفْرَ (" وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ ") أَيْ: بِمَا أَلْهَمَتْنِي مِنْ ثَنَائِكَ (" وَشَكَرْتُكَ ") : عَلَى إِشْبَاعِكَ وَسَائِرِ نَعْمَائِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: جَمَعَ فِي الْقَرِينَتَيْنِ بَيْنَ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ، وَهُمَا صِفَتَا الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] الْكَشَّافُ: صَبَّارٌ عَلَى بَلَائِهِ شَكُورٌ لِنَعْمَائِهِ وَهُمَا صِفَتَا الْمُؤْمِنِ الْمُخْلِصِ، فَجَعَلَهُمَا كِنَايَةً عَنْهُ، أَقُولُ: وَتَحْقِيقُهُ عَلَى طَرِيقَةِ الصُّوفِيَّةِ السَّادَةِ الصَّفِيَّةِ أَنَّ الصِّفَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَالْخَصْلَتَيْنِ الْمَسْطُورَتَيْنِ نَاشِئَتَانِ مِنْ تَرْبِيَةِ اللَّهِ لِلسَّالِكِ بَيْنَ صِفَتَيِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، إِذْ بِهِمَا تَتِمُّ مَرْتَبَةُ الْكَمَالِ، وَهُوَ الرِّضَا عَنِ الْمَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ بِخِلَافِ حَالِ الْمُتَحَرِّفِينَ، وَأَفْعَالِ الْمُتَحَيِّرِينَ الْمُذْنِبِينَ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨] وَقَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١] . (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7153
٥١٩١ - وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥١٩١ - (وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الصَّادِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: أَنْصَارِيُّ خَطْمِيٌّ، يُعَدُّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَحَدِيثُهُ فِيهِمْ، رَوَى عَنِ ابْنِهِ سَلَمَةَ. قَالَ ابْنُ عَبْدُ الْبَرِّ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُرْسِلُ حَدِيثَهُ اه. وَهُوَ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ صَحَابِيًّا، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ سَمَاعٌ مِنْهُ ﵊، فَحَدِيثُهُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ حُجَّةٌ اتِّفَاقًا، وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ تَابِعِيًّا فَمُرْسَلُهُ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِإِطْلَاقِهِمْ حَدِيثَهُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ ") أَيْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ (" آمِنًا ") أَيْ: غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مِنْ أَسْبَابِ عَذَابِهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ عَنِ الْمَعَاصِي وَالْعِصْمَةِ عَنِ الْمَنَاهِي، وَلِذَا قِيلَ: لَيْسَ الْعِيدُ لِمَنْ لَبِسَ الْجَدِيدَ إِنَّمَا الْعِيدُ لِمَنْ أَمِنَ الْوَعِيدَ. (" فِي سِرْبِهِ ") : الْمَشْهُورُ كَسْرُ السِّينِ أَيْ: فِي نَفْسِهِ، وَقِيلَ: السِّرْبُ الْجَمَاعَةُ، فَالْمَعْنَى فِي أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، وَقِيلَ بِفَتْحِ السِّينِ أَيْ: فِي مَسْلَكِهِ وَطَرِيقِهِ، وَقِيلَ بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: فِي بَيْتِهِ كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀. أَبَى بَعْضُهُمْ إِلَّا السَّرْبَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ أَنَّ: فِي بَيْتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ رِوَايَةً، وَلَوْ سَلِمَ لَهُ قَوْلُهُ أَنْ يُطْلَقَ السِّرْبُ عَلَى كُلِّ بَيْتٍ، كَانَ قَوْلُهُ هَذَا حَرِيًّا بِأَنْ يَكُونَ أَقْوَى الْأَقَاوِيلِ، إِلَّا أَنَّ السِّرْبَ يُقَالُ لِلْبَيْتِ الَّذِي هُوَ فِي الْأَرْضِ. وَفِي الْقَامُوسِ: السِّرْبُ الطَّرِيقُ وَبِالْكَسْرِ الطَّرِيقُ وَالْبَالُ وَالْقَلْبُ وَالنَّفْسُ وَبِالتَّحْرِيكِ جُحْرُ الْوَحْشِ وَالْحَقِيرُ تَحْتَ الْأَرْضِ اه. فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُبَالَغَةَ فِي حُصُولِ الْأَمْنِ وَلَوْ فِي بَيْتٍ تَحْتَ الْأَرْضِ ضَيِّقٍ كَجُحْرِ الْوَحْشِ، أَوِ التَّشْبِيهَ بِهِ فِي خَفَائِهِ وَعَدَمِ ضِيَائِهِ. (" مُعَافًى ") : اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ أَيْ: صَحِيحًا سَالِمًا مِنَ الْعُيُوبِ (" فِي جَسَدِهِ ") أَيْ: بَدَنِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (" عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ") أَيْ: كِفَايَةُ قُوتِهِ مِنْ وَجْهِ الْحَلَالِ (" فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْحِيَازَةِ، وَهِيَ الْجَمْعُ وَالضَّمُّ (" لَهُ ") : وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ لِمَنْ رَابِطٌ لِلْجُمْلَةِ أَيْ: جُمِعَتْ لَهُ (" الدُّنْيَا ") أَيْ: (" بِحَذَافِيرِهَا ") : كَمَا فِي نُسْخَةٍ مُصَحَّحَةٍ، أَيْ: بِتَمَامِهَا، وَالْحَذَافِيرُ: الْجَوَانِبُ، وَقِيلَ: الْأَعَالِي، وَاحِدُهَا حِذْفَارٌ أَوْ حُذْفُورٌ، وَالْمَعْنَى، فَكَأَنَّمَا أُعْطِيَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ: حَذَافِيرِهَا.
стр. 7154
٥١٩٢ - وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ طَعَامٌ، وَثُلُثٌ شَرَابٌ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥١٩٢ - (وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً) أَيْ: ظَرْفًا (" شَرًّا مِنْ بَطْنٍ ") : صِفَةُ وِعَاءٍ (" بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ ") : مُبْتَدَأٌ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَقَوْلُهُ: (" أُكُلَاتٌ ") : بِضَمَّتَيْنِ خَبَرُهُ نَحْوَ قَوْلِهِ: بِحَسْبِكَ دِرْهَمٌ، وَالْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ اللُّقْمَةُ. وَفِي رِوَايَةٍ: لُقَيْمَاتٌ بِالتَّصْغِيرِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى التَّحْقِيرِ، مَعَ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّقْلِيلِ بِالتَّنْكِيرِ. (" يُقِمْنَ صُلْبَهُ ") أَيْ: ظَهْرَهُ لِإِقَامَةِ الطَّاعَةِ وَقِيَامِ الْمَعِيشَةِ، وَإِسْنَادُ الْإِقَامَةِ إِلَى الْأُكُلَاتِ مَجَازِيَّةٌ سَبَبِيَّةٌ، (" فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ ") : بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَيُضَمُّ أَيْ: لَا بُدَّ مِنَ الزِّيَادَةِ (" فَثُلُثٌ ") : بِضَمِّهِمَا وَيُسْكَنُ اللَّامُ (" طَعَامٌ ") : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ: ثُلُثٌ مِنْهُ لِلطَّعَامِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" وَثُلُثٌ شَرَابٌ ") : وَاللَّامُ مُقَدَّرَةٌ فِيهِمَا لِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (" وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ") : بِحَرَكَتَيْنِ، وَالْمَعْنَى فَإِنْ كَانَ لَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى قُوتٍ أَلْبَتَّةَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَمْلَأَ بَطْنَهُ، فَلْيَجْعَلْ ثُلُثَ بَطْنِهِ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثَهُ لِلشَّرَابِ، وَلْيَتْرُكْ ثُلُثًا خَالِيًا بِخُرُوجِ النَّفَسِ، وَلَا يَنْبَغِيَ أَنْ يَكُونَ كَطَائِفَةِ الْقَلَنْدَرِيَّةِ حَيْثُ يَقُولُونَ بِمَلْءِ الْبَطْنِ مِنَ الطَّعَامِ وَالْمَاءُ يُحَصَّلُ مَكَانُهُ وَلَوْ فِي الْمَسَامِّ وَالنَّفَسُ إِنِ اشْتَهَى خَرَجَ وَإِلَّا فَلَا بَعْدَ تَمَامِ الْمَرَامِ، فَأُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] وَسَبَقَ: " «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءَ» ".
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيِ: الْحَقُّ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ عَمَّا يُقَامُ بِهِ صُلْبُهُ لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَلْبَتَّةَ لِتَجَاوُزٍ فَلَا يَتَجَاوَزْ عَنِ الْقِسْمِ الْمَذْكُورِ، جَعَلَ الْبَطْنَ أَوَّلًا وِعَاءً كَالْأَوْعِيَةِ الَّتِي تُتَّخَذُ ظُرُوفًا لِحَوَائِجِ الْبَيْتِ تَوْهِينًا لِشَأْنِهِ، ثُمَّ جَعَلَهُ شَرَّ الْأَوْعِيَةِ لِأَنَّهَا اسْتُعْمِلَتْ فِيمَا هِيَ لَهُ، وَالْبَطْنُ خَلْقٌ لِأَنَّهُ يُتَقَوَّمُ بِهِ الصُّلْبُ بِالطَّعَامِ وَامْتِلَاؤُهُ يُفْضِي إِلَى الْفَسَادِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَيَكُونَ شَرًّا مِنْهَا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: فِي الْجُوعِ عَشْرُ فَوَائِدَ. الْأُولَى: صَفَاءُ الْقَلْبِ وَإِيقَادُ الْقَرِيحَةِ وَنَفَاذُ الْبَصِيرَةِ، فَإِنَّ الشِّبَعَ يُورِثُ الْبَلَادَةَ، وَيُعْمِي الْقَلْبَ، وَيُكْثِرُ الْبُخَارَ فِي الدِّمَاغِ، كَشِبْهِ الشَّبَكَةِ حَتَّى يَحْتَوِيَ عَلَى مَعَادِنِ الْفِكْرِ، فَيَثْقُلُ الْقَلْبُ بِسَبَبِهِ عَنِ الْجَوَلَانِ. وَثَانِيهَا: رِقَّةُ الْقَلْبِ وَصَفَاؤُهُ الَّذِي بِهِ هُيِّئَ لِإِدْرَاكِ لَذَّةِ الْمُنَاجَاةِ وَالتَّأَثُّرِ بِالذِّكْرِ. وَثَالِثُهَا: الِانْكِسَارُ وَالذُّلُّ وَزَوَالُ الْمَطَرِ وَالْأَشَرِ وَالْفَرَحِ الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ الطُّغْيَانِ، وَلَا تَنْكَسِرُ النَّفْسُ لِشَيْءٍ وَلَا تُذَلُّ، كَمَا تُذَلُّ بِالْجُوعِ، فَعِنْدَهُ تَسْتَكِنُّ لِرَبِّهَا وَتُفِيقُ عَلَى عَجْزِهَا. وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ لَا يَنْسَى بَلَاءَ اللَّهِ وَعَذَابَهُ وَأَهْلَ الْبَلَاءِ، فَإِنَّ الشَّبْعَانَ يَنْسَى الْجَائِعِينَ وَالْجُوعَ. وَخَامِسُهَا: وَهِيَ مِنْ كِبَارِ الْفَوَائِدِ كَسْرُ شَهَوَاتِ الْمَعَاصِي كُلِّهَا، وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَتَقْلِيلُهَا يُضْعِفُ كُلَّ شَهْوَةٍ وَقُوَّةٍ وَالسَّعَادَةُ كُلُّهَا فِي أَنْ يَمْلِكَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ، وَالشَّقَاوَةُ فِي أَنْ تَمْلِكَهُ نَفْسُهُ. وَسَادِسَتُهَا: دَفْعُ النَّوْمِ وَدَوَامُ السَّهَرِ، فَإِنَّ مَنْ شَبِعَ شَرِبَ كَثِيرًا، وَمَنْ كَثُرَ شُرْبُهُ كَثُرَ نَوْمُهُ، وَفِي كَثْرَةِ النَّوْمِ ضَيَاعُ الْعُمُرِ، فَوَاتُ التَّهَجُّدِ، وَبَلَادَةُ الطَّبْعِ، وَقَسَاوَةُ الْقَلْبِ، وَالْعُمُرُ أَنْفَسُ الْجَوَاهِرِ، وَهُوَ رَأْسُ مَالِ الْعَبْدِ، فِيهِ يَتَّجِرُ، وَالنَّوْمُ مَوْتٌ فَتَكْثِيرُهُ تَنْقِيصٌ مِنَ الْعُمُرِ. وَسَابِعَتُهَا: تَيْسِيرُ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ، فَإِنَّ الْأَكْلَ يَمْنَعُ مِنْ كَثْرَةِ الْعِبَادَاتِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى زَمَانٍ يَشْتَغِلُ بِالْأَكْلِ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى زَمَانٍ فِي شِرَاءِ الطَّعَامِ أَوْ طَبْخِهِ ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَى غَسْلِ الْيَدِ وَالْخَلَاءِ ثُمَّ يَكْثُرُ تَرَدُّدُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَاءِ، وَلَوْ صَرَفَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فِي الذِّكْرِ وَالْمُنَاجَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ لَكَثُرَ رِبْحُهُ. قَالَ السَّرِيُّ: رَأَيْتُ مَعَ عَلِيٍّ الْجُرْجَانِيِّ سَوِيقًا يَسْتَفُّ مِنْهُ فَقُلْتُ: مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا؟ فَقَالَ: إِنِّي حَسَبْتُ مَا بَيْنَ الْمَضْغِ إِلَى الِاسْتِفَافِ سَبْعِينَ تَسْبِيحَةً فَمَا مَضَغْتُ الْخُبْزَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَثَامِنَتُهَا: مِنْ قِلَّةِ الْأَكْلِ صِحَّةُ الْبَدَنِ، وَدَفْعُ الْأَمْرَاضِ، فَإِنَّ سَبَبَهَا كَثْرَةُ الْأَكْلِ، وَحُصُولُ فَضْلَةِ الْأَخْلَاطِ فِي الْمَعِدَةِ وَالْعُرُوقِ، ثُمَّ الْمَرَضُ يَمْنَعُ عَنِ الْعِبَادَاتِ، وَيُشَوِّشُ الْقَلْبَ، وَيُحْوِجُ إِلَى الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالدَّوَاءِ وَالطَّبِيبِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى مُؤَنٍ، وَفِي الْجُوعِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ كُلَّ ذَلِكَ. وَتَاسِعَتُهَا: خِفَّةُ الْمُؤْنَةِ فَإِنَّ مَنْ تَعَوَّدَ قِلَّةَ الْأَكْلِ كَفَاهُ مِنَ الْمَالِ قَدْرٌ يَسِيرٌ. وَعَاشِرَتُهَا: أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الْإِيثَارِ وَالتَّصَدُّقِ بِمَا فَضَلَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَيَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ، فَمَا يَأْكُلُهُ فَخِزَانَتُهُ الْكَنِيفُ، وَمَا يُتَصَدَّقُ بِهِ فَجَزَاؤُهُ فَضْلُ اللَّهِ تَعَالَى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ بِلَفْظِ: " فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثُ لِشَرَابِهِ ".
стр. 7155
٥١٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَتَجَشَّأُ فَقَالَ: " أَقْصِرْ مِنْ جُشَائِكَ، فَإِنَّ أَطْوَلَ النَّاسِ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَطْوَلُهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا» ". رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ.
ــ
٥١٩٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَتَجَشَّأُ) : بِتَشْدِيدِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ أَيْ: يُخْرِجُ الْجُشَاءَ مِنْ صَدْرِهِ، وَهُوَ صَوْتٌ مَعَ رِيحٍ يَخْرُجُ مِنْهُ عِنْدَ الشِّبَعِ، وَقِيلَ: عِنْدَ امْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ، وَقِيلَ: الرَّجُلُ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ فِي زَمَانِهِ ﵊ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، رَوَى أَنَّهُ لَمْ يَمْلَأْ بَطْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرَّجُلُ هُوَ وَهْبُ أَبُو جُحَيْفَةَ السُّوَائِيُّ، رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَكَلْتُ ثَرِيدَةَ بُرٍّ بِلَحْمٍ، وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَتَجَشَّأُ (فَقَالَ: أَقْصِرْ» ") : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ أَيِ: امْتَنِعْ (" مِنْ جُشَائِكَ ") بِضَمِّ الْجِيمِ مَمْدُودًا، وَكَانَ أَصْلُ الطِّيبِيِّ ﵀ أَقْصِرْ عَنَّا. فَقَالَ مَعْنَاهُ اكْفُفْ عَنَّا، وَالنَّهْيُ عَنِ الْجُشَاءِ هُوَ النَّهْيُ عَنِ الشِّبَعِ ; لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْجَالِبُ لَهُ اه. وَقِيلَ: التَّجَشُّؤُ التَّكَلُّفُ. (" فَإِنَّ أَطْوَلَ النَّاسِ ") أَيْ: أَكْثَرَهُمْ فِي الزَّمَانِ (جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَطْوَلُهُمْ شِبَعًا ") : بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ (" فِي الدُّنْيَا ". رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : قَالَ مِيرَكُ: هُوَ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو جُحَيْفَةَ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «أَكَلْتُ ثَرِيدَةً بِلَحْمٍ، وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَتَجَشَّأُ. فَقَالَ: " يَا هَذَا كَفَّ مِنْ جُشَائِكَ ; فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: بَلْ هُوَ وَاهٍ جِدًّا فِيهِ وَهُوَ ابْنُ عَوْفٍ، وَعَمْرُو بْنُ مُوسَى، لَكِنْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادَيْنِ. رُوَاةُ أَحَدِهِمَا ثِقَاتٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَزَادَ قَالَ الرَّاوِي: فَمَا أَكَلَ أَبُو جُحَيْفَةَ مِلْءَ بَطْنِهِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، كَانَ إِذَا تَعَشَّى لَا يَتَغَدَّى، وَإِذَا تَغَدَّى لَا يَتَعَشَّى. وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ: فَمَا مَلَأْتُ بَطْنِي مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً اه. (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَفْظُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: " كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ، كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْبَكَّاءِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، كَذَا فِي التَّرْغِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَحْيَى الْبَكَّاءِ وَهُمَا ضَعِيفَانِ، لَكِنْ لِلْحَدِيثِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيِّ.
стр. 7156
٥١٩٤ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥١٩٤ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ) أَيِ: الْأَشْعَرِيِّ مَعْدُودٌ فِي الشَّامِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَجُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً ") : وَهِيَ مَا تُوقِعُ أَحَدًا فِي الضَّلَالَةِ وَالْمَعْصِيَةِ (" وَفِتْنَةُ أُمَّتِي ") : بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ (" الْمَالُ ") : لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِحُصُولِ الْمَنَالِ وَمَانِعٌ عَنْ كَمَالِ الْمَآلِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 7157
٥١٩٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يُجَاءُ بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ بَذَجٌ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَعْطَيْتُكَ وَخَوَّلْتُكَ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْكَ، فَمَا صَنَعْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ وَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ، فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ كُلِّهِ. فَيَقُولُ لَهُ: أَرِنِي مَا قَدَّمْتَ. فَيَقُولُ: رَبِّ! جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ وَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ، فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ كُلِّهِ. فَإِذَا عَبْدٌ لَمْ يُقَدِّمْ خَيْرًا فَيُمْضَى بِهِ إِلَى النَّارِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ.
ــ
٥١٩٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يُجَاءُ ") أَيْ: يُؤْتَى (" بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ ") أَيْ: مِنْ كَمَالِ ضَعْفِهِ (" بَذَجٌ ") : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ فَجِيمٍ وَلَدُ الضَّأْنِ مُعَرَّبُ بره أَرَادَ بِذَلِكَ هَوَانَهُ وَعَجْزَهُ، وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ كَأَنَّهُ بَذَجٌ مِنَ الذُّلِّ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: شَبَّهَ ابْنَ آدَمَ بِالْبَذَجِ لِصَغَارِهِ
стр. 7158
وَصِغَرُهُ أَيْ: يَكُونُ حَقِيرًا ذَلِيلًا (" فَيُوقَفُ ") أَيْ: فَيُحْبَسُ قَائِمًا (" بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى ") أَيْ: عِنْدَ حُكْمِهِ وَأَمْرِهِ سُبْحَانَهُ (" فَيَقُولُ لَهُ ") أَيْ: بِلِسَانِ مَلَكٍ أَوْ بِلَا وَاسِطَةٍ بِبَيَانِ الْقَالِ أَوِ الْحَالِ (" أَعْطَيْتُكَ ") أَيِ: الْحَيَاةَ وَالْحَوَاسَّ وَالصِّحَّةَ وَالْعَافِيَةَ وَنَحْوَهَا، (" وَخَوَّلْتُكَ ") أَيْ: جَعَلْتُكَ ذَا خَوَلٍ مِنَ الْخَدَمِ وَالْحَشَمِ وَالْمَالِ وَالْجَاهِ وَأَمْثَالِهَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَعَلْتُكَ مَالِكًا لِبَعْضٍ وَمِلْكًا لِبَعْضٍ (" وَأَنْعَمْتُ عَلَيْكَ ") أَيْ: بِإِنْزَالِ الْكِتَابِ وَبِإِرْسَالِ الرَّسُولِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (" فَمَا صَنَعْتَ ") أَيْ: فِيمَا ذُكِرَ (" فَيَقُولُ: رَبِّ! جَمَعْتُهُ ") أَيِ: الْمَالَ (" وَثَمَّرْتُهُ ") : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ: أَنْمَيْتُهُ وَكَثَّرْتُهُ (" وَتَرَكْتُهُ ") أَيْ: فِي الدُّنْيَا عِنْدَ مَوْتِي (" أَكْثَرَ مَا كَانَ ") أَيْ: فِي أَيَّامِ حَيَاتِي (" فَارْجِعْنِي ") : بِهَمْزَةِ وَصْلٍ أَيْ: رُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا (" آتِكَ بِهِ كُلِّهِ ") أَيْ: بِإِنْفَاقِهِ فِي سَبِيلِكَ، كَمَا أَخْبَرَ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الْآخِرَةِ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩] (" فَيَقُولُ لَهُ ") أَيِ: الرَّبُّ (" أَرِنِي مَا قَدَّمْتَ ") أَيْ: لِأَجْلِ الْآخِرَةِ مِنَ الْخَيْرِ (" فَيَقُولُ ") أَيْ: ثَانِيًا كَمَا قَالَ أَوَّلًا (" رَبِّ! جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ وَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ، فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ كُلِّهِ. فَإِذَا عَبْدٌ ") : الْفَاءُ فَصِيحَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمُقَدَّرِ، وَإِذَا لِلْمُفَاجَئَةِ، وَعَبْدٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أَيْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ (" لَمْ يُقَدِّمْ خَيْرًا ") أَيْ: فِيمَا أَعْطَى، وَلَمْ يَمْتَثِلْ مَا أُمِرَ بِهِ، وَلَمْ يَتَّعِظْ مَا وُعِظَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ - وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المزمل: ١٨ - ٢٠] (" فَيُمْضَى ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: فَيُذْهَبُ (" بِهِ إِلَى النَّارِ ") .
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَظَهَرَ مِمَّا حُكِيَ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ أَنَّهُ كَانَ كَعَبْدٍ أَعْطَاهُ سَيِّدُهُ رَأْسَ مَالٍ لِيَتَّجِرَ بِهِ وَيَرْبَحَ، فَلَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَ سَيِّدِهِ، فَأَتْلَفَ رَأْسَ مَالِهِ بِأَنْ وَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَاتَّجَرَ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالتِّجَارَةِ فِيهِ، فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ خَائِفٌ خَاسِرٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] فَمَا أَحْسَنَ مَوْقِعَ الْعَبْدِ وَذِكْرَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ﵀: اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ وَلَذَّةٍ وَسَعَادَةٍ، بَلْ كُلَّ مَطْلُوبٍ وَمُؤْثَرٍ يُسَمَّى نِعْمَةً، وَلَكِنَّ النِّعْمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ السَّعَادَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ وَتَسْمِيَةُ مَا عَدَاهَا غَلَطٌ أَوْ مَجَازٌ كَتَسْمِيَةِ السَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي لَا يُعْبَرُ عَلَيْهَا إِلَى الْآخِرَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ مَحْضٌ، وَكُلُّ سَبَبٍ يُوصِلُ إِلَى السَّعَادَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَيُعِينُ عَلَيْهَا إِمَّا بِوَاسِطَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِوَسَائِطَ، فَإِنَّ تَسْمِيَتَهُ نِعْمَةٌ صَحِيحٌ وَصِدْقٌ، لِأَجْلِ أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى النِّعْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ) : بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ أَيْ: نَسَبَ إِسْنَادَهُ إِلَى الضَّعْفِ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا.
стр. 7159
٥١٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ جِسْمَكَ وَنَرْوِكَ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ؟» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥١٩٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ الْعَبْدُ ") أَيْ: عَنْهُ (" يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : " مَا " مَوْصُولَةٌ أَيْ: أَوَّلُ شَيْءٍ يُحَاسَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ (" مِنَ النَّعِيمِ ") : بَيَانٌ لِمَا (" أَنْ يُقَالَ لَهُ ") : خَبَرُ إِنَّ، وَكَانَ الطِّيبِيُّ ﵀ جَعَلَ مِنَ النَّعِيمِ مُتَعَلِّقًا بِيُسْأَلُ حَيْثُ قَالَ " مَا " فِيهِ مَصْدَرِيَّةٌ، وَأَنْ يُقَالَ خَبَرُ إِنَّ أَيْ: أَوَّلُ سُؤَالِ الْعَبْدِ هُوَ أَنْ يُقَالَ لَهُ: (" أَلَمْ نُصِحَّ ") أَيْ: بِعَظَمَتِنَا (" جِسْمَكَ ") : مِنَ الْإِصْحَاحِ وَهُوَ إِعْطَاءُ الصِّحَّةِ (" وَنُرَوِّكَ ") : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَفِي نُسْخَةٍ مِنَ الْإِرْوَاءِ (" مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ؟ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَلَفْظُهُمَا: " «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ أُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ، وَأُرَوِّكَ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ؟» ". وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 7160
٥١٩٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ؟» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥١٩٧ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ» ") أَيْ: خَمْسَةِ أَحْوَالٍ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَنَّثَهُ لِتَأْوِيلِ الْخِصَالِ (" عَنْ عُمُرِهِ ") : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الْمِيمُ أَيْ: عَنْ مُدَّةِ أَجَلِهِ (" فِيمَا أَفْنَاهُ ") أَيْ: صَرَفَهُ (" وَعَنْ شَبَابِهِ ") أَيْ: قُوَّتِهِ فِي وَسَطِ عُمْرِهِ (" فِيمَا أَبْلَاهُ ") أَيْ: ضَيَّعَهُ، وَفِيهِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ وَإِشَارَةٌ إِلَى الْمُسَامَحَةِ فِي طَرَفَيْهِ مِنْ حَالِ صِغَرِهِ وَكِبَرِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ هَذَا دَاخِلٌ فِي الْخَصْلَةِ الْأُولَى فَمَا وَجْهُهُ؟ قُلْتُ: الْمُرَادُ سُؤَالُهُ عَنْ قُوَّتِهِ وَزَمَانِهِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنْهُ عَلَى أَقْوَى الْعِبَادَةِ. (" وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ") أَيْ: مِنْ حَرَامٍ أَوْ حَلَالٍ؟ (" وَفِيمَا أَنْفَقَهُ ") أَيْ: فِي طَاعَةٍ أَمْ مَعْصِيَةٍ (" وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ؟ ") : وَلَعَلَّ الْعُدُولَ عَنِ الْأُسْلُوبِ لِلتَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ الْمُؤَدِّيَةِ لِلْمَطْلُوبِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا غَيَّرَ السُّؤَالَ فِي الْخَصْلَةِ الْخَامِسَةِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ ; لِأَنَّهَا أَهَمُّ شَيْءٍ وَأَوْلَاهُ، فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نُكْتَةً لَخَتْمِ الْخِصَالِ بِهَا تَرَقِّيًا، ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ الْعِلْمَ مُقَدِّمَةُ الْعَمَلِ وَهُوَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لَوْلَا الْعَمَلُ اه. وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ بِإِطْلَاقِهِ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ هَذَا فِي الْعِلْمِ بِالْفُرُوعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَمَّا الْعِلْمُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَمَعْرِفَةُ كِتَابِهِ وَآيَاتِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ الدِّينِيَّةِ، فَأَشْرَفُ الْعُلُومِ، وَأَفْضَلُهَا، وَأَلْطَفُهَا، وَأَكْمَلُهَا، وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي الْخَيْرِ قُدِّسَ سِرُّهُ، لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ سِينَا سَامَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا تَعْلَمُ عِلْمًا يَنْتَقِلُ مَعَكَ لِانْتِقَالِكَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ فِيهَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الْعُلَمَاءِ أَيْضًا، هَذَا وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ " «كَيْفَ أَنْتَ يَا عُوَيْمِرُ إِذَا قِيلَ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعَلِمْتَ أَمْ جَهِلْتَ؟ فَإِنْ قُلْتَ: عَلِمْتُ. قِيلَ لَكَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ وَإِنْ قُلْتَ: جَهِلْتُ قِيلَ لَكَ فَمَا كَانَ عُذْرُكَ فِيمَا جَهِلْتَ أَلَا تَعَلَّمْتَ» ". وَمَعَ هَذَا رَوَى: " وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً وَوَيْلٌ لِلْعَالَمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ". وَفِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ: " «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ» ". (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَتَمَامُهُ: لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 7161
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥١٩٨ - (عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: " «إِنَّكَ لَسْتَ بِخَيْرٍ مِنْ أَحْمَرَ وَلَا أَسْوَدَ إِلَّا أَنْ تَفْضُلَهُ بِتَقْوَى» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥١٩٨ - (عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: " إِنَّكَ لَسْتَ بِخَيْرٍ ") أَيْ: بِأَفْضَلَ (" مِنْ أَحْمَرَ ") أَيْ: جِسْمًا (" وَلَا أَسْوَدَ ") أَيْ: لَوْنًا، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْفَضِيلَةَ لَيْسَتْ بِلَوْنٍ دُونَ لَوْنٍ، وَإِنَّمَا خُصَّا بِالذِّكْرِ مَثَلًا لِكَوْنِهِمَا أَكْثَرَ وُجُودًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا لَوْنُ السَّيِّدِ وَالْعَبْدِ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ ﵀ حَيْثُ جَزَمَ وَقَالَ: الْمُرَادُ بِالْأَحْمَرِ الْعَجَمُ، وَبِالْأَسْوَدِ الْعَرَبُ، (" إِلَّا أَنْ تَفْضُلَهُ ") : بِضَمِّ الضَّادِ أَيْ: تُرِيدُ أَنْتَ أَحَدَهُمَا (" بِتَقْوَى ") : بِالْقَصْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٩] فَفِي قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ بِالتَّنْوِينِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْفَضِيلَةَ لَيْسَتْ بِالصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلَا بِالنِّسْبَةِ الْبَاهِرَةِ، بَلْ بِالتَّقْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالضَّمِيرُ فِي تَفْضِيلِهِ عَائِدٌ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوَّلُهُمَا بِتَأْوِيلِ الْإِنْسَانِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُضِرٌّ، وَالتَّقْدِيرُ لَسْتَ بِأَفْضَلَ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِالتَّقْوَى، وَقَوْلُهُ: أَنْ تَفْضُلَهُ تَكْرِيرُ تَأْكِيدٍ اه. فَتَأَمَّلْ فِيهِ، فَإِنَّ جَعْلَ الضَّمِيرِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ دَلَالَتِهِمَا عَلَى الْعُمُومِ مِنَ الْجِنْسُ الَّذِي وَقَعَ الْمُخَاطَبُ فَرْدًا مِنْهُ عَنْ صَحِيحٍ، وَكَذَا تَأْوِيلُهُمَا بِالْإِنْسَانِ الْمُرَادِ بِهِ الْجِنْسُ فَتَدَبَّرْ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُفَرَّغٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ، أَيْ: لَسْتَ بِأَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا حَالَ زِيَادَتِكَ عَلَيْهِ بِتَقْوَى مُعْتَبَرَةٍ فِي الشَّرْعِ، وَهِيَ لَهَا مَرَاتِبُ: أَدْنَاهَا: التَّقْوَى عَنِ الشِّرْكِ الْجَلِيِّ، وَأَوْسَطُهَا: عَنِ الْمَعَاصِي وَالْمَنَاهِي وَالْمَلَاهِي، وَعَنِ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ، وَهُوَ الرِّيَاءُ وَالسُّمْعَةُ فِي الطَّاعَةِ، وَأَعْلَاهَا: أَنْ يَكُونَ دَائِمَ الْحُضُورِ مِنَ اللَّهِ غَائِبًا عَنْ حُضُورِ مَا سِوَاهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «مَا فَضَلَكُمْ أَبُو بَكْرٍ بِفَضْلِ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَكِنْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي قَلْبِهِ» " ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ ﵀. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ مَرْفُوعًا وَهُوَ عِنْدَ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّوَادِرِ مِنْ قَوْلِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ.
стр. 7162
٥١٩٩ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا زَهِدَ عَبْدُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا أَنْبَتَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ، وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وَبَصَّرَهُ عَيْبَ الدُّنْيَا وَدَاءَهَا وَدَوَاءَهَا، وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا سَالِمًا إِلَى دَارِ السَّلَامِ» ". (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥١٩٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي ذَرٍّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا زَهِدَ ") : بِكَسْرِ الْهَاءِ (" عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا ") أَيْ: زِيَادَتُهَا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ (" إِلَّا أَنْبَتَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ ") أَيْ: أَنْبَتَ الْمَعْرِفَةَ الْمُتْقَنَةَ (" فِي قَلْبِهِ، وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وَبَصَّرَهُ ") : بِتَشْدِيدِ الصَّادِ مِنَ الْبَصِيرَةِ أَيْ: جَعَلَهُ مُعَايِنًا (" عَيْبَ الدُّنْيَا ") أَيْ: مَعَايِبَهَا مِنْ كَثْرَةِ عَنَائِهَا وَقِلَّةِ غَنَائِهَا وَخِسَّةِ شُرَكَائِهَا وَسُرْعَةِ فَنَائِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَتْعَابِ الْبَدَنِ وَإِكْثَارِ الْحُزْنِ وَإِشْعَالِ الْقَلْبِ عَنْ ذِكْرِ الرَّبِّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ يَعْنِي: لَمَّا زَهِدَ الدُّنْيَا لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ بِعُيُوبِ الدُّنْيَا أَوْرَثَهُ اللَّهُ بِهِ بَصِيرَةً، حَتَّى حَصَلَ لَهُ بِهَا حَقُّ الْيَقِينِ. (" وَدَاءَهَا ") أَيْ: عِلَّةَ مِحْنَتِهَا وَسَبَبَ طِلْبَتِهَا (" وَدَوَاءَهَا ") أَيْ: مُعَالَجَتَهَا بِمَعْجُونِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالِاحْتِمَاءَ عَنْهَا بِالصَّبْرِ وَالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا بِمَا قُسِمَ لَهُ مِنْهَا. (" وَأَخْرَجَهُ ") أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى (" مِنْهَا ") أَيْ: مِنَ الدُّنْيَا وَآفَاتِهَا وَبَلِيَّاتِهَا (" سَالِمًا ") أَيْ: بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْعُقْبَى (" إِلَى دَارِ السَّلَامِ ") : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَزْهَدْ فِيهَا وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى عَيْبِهَا وَدَائِهَا وَدَوَائِهَا لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ أَصْلًا، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِسَلَامٍ، بَلْ بَعْدَ سَابِقَةِ عَذَابٍ أَوْ لَاحِقَةِ حِجَابٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: " «مَا زَانَ اللَّهُ الْعِبَادَ بِزِينَةٍ أَفْضَلَ مِنْ زَهَادَةٍ فِي الدُّنْيَا وَعَفَافٍ فِي بَطْنِهِ وَفَرْجِهِ» ".
стр. 7163
٥٢٠٠ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَخْلَصَ اللَّهُ قَلَبَهُ لِلْإِيمَانِ وَجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيمًا، وَلِسَانَهُ صَادِقًا، وَنَفْسَهُ مُطْمَئِنَّةً، وَخَلِيقَتَهُ مُسْتَقِيمَةً، وَجَعَلَ أُذُنَهُ مُسْتَمِعَةً، وَعَيْنَهُ نَاظِرَةً، فَأَمَّا الْأُذُنُ فَقَمِعٌ، وَأَمَّا الْعَيْنُ فَمُقِرَّةٌ لِمَا يُوعَى الْقَلْبُ وَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ جَعَلَ قَلْبَهُ وَاعِيًا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٢٠٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَخْلَصَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ ") أَيْ: جَعَلَ قَلْبَهُ خَالِصًا لِلْإِيمَانِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُهُ غَيْرُهُ وَمَا يَتْبَعُهُ، (" وَجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيمًا ") أَيْ: عَنِ الْحَسَدِ وَالْحِقْدِ وَالْبُغْضِ، وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ وَالْأَحْوَالِ الرَّدِيئَةِ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا وَالْغَفْلَةِ عَنِ الْمَوْلَى وَالذُّهُولِ عَنِ الْعُقْبَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨] (" وَلِسَانَهُ صَادِقًا ") أَيْ: فِي قَوْلِهِ وَوَعْدِهِ وَعَهْدِهِ (" وَنَفْسَهُ مُطْمَئِنَّةً ") أَيْ: بِذِكْرِ رَبِّهِ وَحُبِّهِ (" وَخَلِيقَتَهُ ") أَيْ: جِبِلَّتَهُ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا مِنْ أَصْلِهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عَوَارِضِهَا الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالْفِطْرَةِ (" مُسْتَقِيمَةً ") أَيْ: غَيْرَ مَائِلَةٍ إِلَى طَرِيقِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ (" وَجَعَلَ أُذُنَهُ ") : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسْكَنُ الثَّانِيَةُ (" مُسْتَمِعَةً ") أَيْ: لِلْحَقِّ وَاعِيَةً لِلْعِلْمِ (" وَعَيْنَهُ نَاظِرَةً ") أَيْ: إِلَى دَلَائِلِ الصُّنْعِ مِنَ الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ (" فَأَمَّا ") : بِالْفَاءِ الْعَاطِفَةِ، وَلَعَلَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ، وَالْمَعْنَى أَمَّا مَا سَبَقَ مِنَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَغَيْرِهِمَا، فَأَمْرُهُ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهِ شَرْطًا لِلْإِفْلَاحِ، وَأَمَّا (" الْأُذُنُ فَقَمْعٌ ") : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَبِكَسْرِ الْقَافِ مَعَ سُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا، فَفِي الْقَامُوسِ الْقَمْعُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَكَعِنَبٍ مَا يُوضَعُ فِي فَمِ الْإِنَاءِ فَيُصَبُّ فِيهِ الدُّهْنُ وَغَيْرُهُ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْقَمْعُ كَضِلَعٍ إِنَاءٌ يُتْرَكُ فِي رُءُوسِ الظُّرُوفِ لِتُمْلَأَ بِالْمَائِعَاتِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ وَالدِّهَانِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: شَبَّهَ إِجْمَاعِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ وَيَعُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ بِالْأَقْمَاعِ، (" وَأَمَّا الْعَيْنُ فَمُقِرَّةٌ ") : بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ كَذَا فِي أَصْلِ الْأَصِيلِ، وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِفَتَحَاتٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَيْ: مَحَلُّ قَرَارٍ (" لِمَا يُوعَى ") أَيْ: يُحْفَظُ (" الْقَلْبُ ") : بِالرَّفْعِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا فِي الْأَصِيلِ وَيُنَاسِبُ الْإِيعَاءَ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: فَمُقِرَّةٌ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ ; لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الْقَلْبِ وَتُقِرُّ فِيهِ مَا أَدْرَكَتْهُ بِحَاسَّتِهَا، فَكَأَنَّ الْقَلْبَ لَهَا وِعَاءٌ وَهِيَ تُقِرُّ فِيهِ مَا رَأَتْهُ. قَالَ فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ: وَمِنَ الْمَجَازِ قَرَّ الْكَلَامَ فِي أُذُنِهِ وَضَعَ فَاهُ عَلَى أُذُنِهِ فَأَسْمَعَهُ، وَهُوَ مِنْ قَرَّ الْمَاءُ فِي الْإِنَاءِ إِذَا صَبَّهُ فِيهِ، وَالْقَلْبُ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ يُوعَى، وَيُحْتَمَلُ النَّصْبُ أَيْ: يَقَرُّ فِي الْقَلْبِ أَيْ: يَحْفَظُهُ، وَإِنَّمَا خَصَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ لِأَنَّ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ إِمَّا سَمْعِيَّةٌ فَالْأُذُنُ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الْقَلْبَ وِعَاءً لَهَا، أَوْ نَظَرِيَّةٌ فَالْعَيْنُ هِيَ الَّتِي تُقِرُّهَا فِي الْقَلْبِ وَتَجْعَلُهُ وِعَاءً لَهُمَا، وَمِنْ ثَمَّ جُعِلَ قَوْلُهُ: (" وَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ جَعَلَ قَلْبَهُ وَاعِيًا ") أَيْ: حَافِظًا، فَالْفَذْلَكَةُ لِلْقَرِينَتَيْنِ قُلْتُ: وَبِهِ يَتِمُّ آلَاتُ الْعِلْمِ وَأَسْبَابُهُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وَفِي تَقَدُّمِ السَّمْعِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْعُمْدَةَ هِيَ الْعُلُومُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي تُعْرَفُ مِنَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ الْمُوَرِّثَةِ لِعِلْمِ الْيَقِينِ ثُمَّ يَرْتَقِي إِلَى مَرْتَبَةِ النَّظَرِ وَرُتْبَةِ الْفِكْرِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ عِلْمُهُ عَيْنَ الْيَقِينِ، وَيَنْتَهِي إِلَى الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ عَرْشُ الرَّبِّ، وَبِهِ يَصِلُ إِلَى كَمَالِ حَقِّ الْيَقِينِ، رَزَقَنَا اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ مَرَاتِبِ الْيَقِينِ فِي دَرَجَاتِ الدِّينِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وَوَجْهُ الْغَايَةِ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْيَقِينِ تَرْكُ الْعِبَادَةِ فِي الدِّينِ، بَلْ يَحْصُلُ بِهِ مَرْتَبَةُ وَضْعِ الْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الْغَاسِلِ، كَمَا قِيلَ: مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا، وَلِذَا أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَقِينِ فِي الْآيَةِ هُوَ الْمَوْتُ، وَمَا أَحْسَنَ هَذَا الْمَوْتَ الَّذِي هُوَ عَيْنُ الْحَيَاةِ، أَذَاقَنَا اللَّهُ مِنْهُ بَعْضَ الذَّوْقِ الْمَمْزُوجِ بِحَلَاوَةِ الشَّوْقِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 7164
٥٢٠١ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ ". ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] » رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٥٢٠١ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ ") أَيْ: مَعَ وُجُودِ فِعْلِهِ إِيَّاهَا (" مَا يُحِبُّ ") أَيْ: مِنْ أَسْبَابِهَا (" فَإِنَّمَا هُوَ ") أَيْ: ذَلِكَ الْإِعْطَاءُ (" اسْتِدْرَاجٌ ") أَيْ: مَكْرٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الِاسْتِدْرَاجُ هُوَ الْأَخْذُ فِي الشَّيْءِ، وَالذَّهَابُ فِيهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، كَالْمَرَاقِي وَالْمَنَازِلِ فِي ارْتِقَائِهِ وَنُزُولِهِ، وَمَعْنَى اسْتِدْرَاجِ اللَّهِ اسْتِدْرَاجُهُمْ قَلِيلًا قَلِيلًا إِلَى مَا يُهْلِكُهُمْ، وَيُضَاعِفُ عُقْبَاهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ مَا يُرَادُ بِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ تَوَاتُرَ اللَّهِ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ مَعَ انْهِمَاكِهِمْ فِي الْغَيِّ، فَكُلَّمَا جَدَّدَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ازْدَادُوا بَطَرًا وَجَدَّدُوا مَعْصِيَةً، فَيَتَدَرَّجُونَ فِي الْمَعَاصِي بِسَبَبِ تَرَادُفِ النِّعَمِ، ظَانِّينَ أَنَّ مُتَوَاتِرَةَ النِّعَمِ أَثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَتَقْرِيبٌ، وَإِنَّمَا هِيَ خِذْلَانٌ مِنْهُ وَتَبْعِيدٌ، (ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيِ: اسْتِشْهَادًا أَوِ اعْتِضَادًا ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾ [الأعراف: ١٦٥] أَيْ: عَهْدَهُ سُبْحَانَهُ، أَوْ تَرَكُوا أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤] أَيْ: وُعِظُوا فَتَحْنَا بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ ﴿عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] أَيْ: مِنْ أَسْبَابِ النِّعَمِ الَّتِي فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ مُوجِبَاتِ النِّقَمِ ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ [الأنعام: ٤٤] أَيْ: أُعْطُوا مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَصِحَّةِ الْبَدَنِ وَطُولِ الْعُمُرِ ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] أَيْ: فَجْأَةً بِالْمَوْتِ أَوِ الْعَذَابِ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] أَيْ: وَاجِمُونَ سَاكِتُونَ مُتَحَسِّرُونَ مُتَحَيِّرُونَ آيِسُونَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَفِي الْجَامِعِ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا مَا يُحِبُّ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعَاصِيهِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِدْرَاجٌ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ.
стр. 7165
٥٢٠٢ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ دِينَارًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَيَّةٌ " قَالَ: ثُمَّ تُوُفِّيَ آخَرُ فَتَرَكَ دِينَارَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَيَّتَانِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٢٠٢ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ) : فِي النِّهَايَةِ: هُمُ الْفُقَرَاءُ الْمُهَاجِرُونَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْزِلٌ يَسْكُنُهُ، وَكَانُوا يَأْوُونَ إِلَى مَوْضِعٍ مُظَلَّلٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ يَسْكُنُونَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَفِي وَصْفِ الرَّجُلِ بِهَذَا النَّعْتِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَلِيهِ مُعَلِّلٌ بِهِ يَعْنِي انْتِمَاءَهُ إِلَى الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ زَهِدُوا فِي الدُّنْيَا مَعَ وُجُودِ الدِّينَارَيْنِ أَوِ الدِّينَارِ، دَعْوَى كَاذِبَةٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِقَابَ، وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، يَقْتَنُونَ الْأَمْوَالَ وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَمَا عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِمَّنْ أَعْرَضَ عَنِ الْفِتْنَةِ ; لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ اخْتِيَارٌ لِلْأَفْضَلِ وَإِلَّا دَخَلَ فِي الْوَرَعِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالْإِقْنَاعُ فِيهَا مُبَاحٌ مُرَخَّصٌ لَا يُذَمُّ صَاحِبُهُ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ حَدٌّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ (تُوُفِّيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَجُوِّزَ الْمَعْلُومُ أَيْ: قُبِضَ وَمَاتَ (وَتَرَكَ دِينَارًا) أَيْ: وُجِدَ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَيَّةٌ ") أَيْ: هُوَ كَيَّةٌ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ سَبَبُ كَيَّةٍ أَوْ آلَةٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] الْآيَةَ. (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (ثُمَّ تُوِفِّيَ آخَرُ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ (فَتَرَكَ دِينَارَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَيَّتَانِ ") : وَتَوْضِيحُ الْمَرَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مَعَ
стр. 7166
الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ كَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِمْ بِنَاءً عَلَى نِهَايَةِ حَاجَتِهِمْ، وَغَايَةِ فَاقَتِهِمْ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ السَّائِلِينَ إِمَّا قَالًا وَإِمَّا حَالًا، وَلَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ قُوتُ يَوْمٍ، فَوَقَعَ أَيِ: السُّؤَالُ لِكُلِّهِمَا مَعَ وُجُودِ الدِّينَارِ لَهُمَا حَرَامًا، وَكَذَا كُلُّ مَنْ أَظْهَرَ نَفْسَهُ بِصُورَةِ الْفُقَرَاءِ مِنْ لُبْسِ الْخَلَقِ أَوْ زِيِّ الشَّحَّاذِينَ، وَعِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ النُّقُودِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَأَخَذَ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَأَكَلَ، فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَكَذَا مَنْ أَظْهَرَ نَفْسَهُ عَالِمًا أَوْ صَالِحًا أَوْ شَرِيفًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُطَابِقًا، وَأُعْطِيَ لِأَجْلِ عِلْمِهِ أَوْ صَلَاحِهِ أَوْ شَرَفِهِ، فَيَكُونُ حَرَامًا عَلَيْهِ.
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ الْكَازَرُونِيَّ ﵀: رَأَى جَمْعًا مِنَ الْفُقَرَاءِ يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعَامِ الْمَوْضُوعِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ مِنْ تَكِيَّةٍ فَقَالَ: يَا أَكَلَةَ الْحَرَامِ! فَامْتَنَعُوا عَنِ الْأَكْلِ، فَقَالَ: كُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا يَأْكُلُ وَإِلَّا فَلَا. فَأَكَلَ بَعْضُهُمْ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ! طَعَامٌ وَاحِدٌ حَرَامٌ لِقَوْمٍ وَحَلَالٌ لِآخَرِينَ، فَلْيَحْذَرْ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ أَعَزَّهُمَا اللَّهُ فِي الدَّارَيْنِ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَالْحَالُ أَنَّهُ غِنًى شَرْعِيٌّ مِنَ الْأَوْقَافِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْفُقَرَاءِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ سَكَنَ الْخَلَاوِيَ الْمَوْقُوفَةَ لِلْمَسَاكِينِ، فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀ بِأَنَّ الْغَنِيَّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْكُنَ فِي خَلَاوِي إِلَّا رَابِطَةً، وَلَا يَغْتَرَّ أَحَدٌ بِمَا اشْتُهِرَ مِنْ أَوْقَافِ الْحَرَمَيْنِ عَامٌّ لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عِنْدَنَا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ إِذَا كَانُوا غَيْرَ مَحْصُورِينَ، وَبَدَأَ يَظْهَرُ أَنَّ إِمَامَنَا الْأَعْظَمَ، وَمُقْتَدَانَا الْأَقْوَمَ لَوْ كَانَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَشَاهَدَ سُكَّانَ هَذَا الْمَكَانِ لَقَالَ بِحُرْمَةِ الْمُجَاوَرَةِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنْ كَرَاهَتِهَا، لِعَدَمِ مَنْ يَقُولُ بِحَقِّ عَظَمَتِهَا وَحُرْمَتِهَا إِلَّا نَادِرًا، وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 7167
٥٢٠٣ - «وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى خَالِهِ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ يَعُودُ، فَبَكَى أَبُو هَاشِمٍ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا خَالِ؟ أَوَجَعٌ يُشْئِزُكَ أَمْ حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا؟ قَالَ: كَلَّا وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا لَمْ آخُذْ بِهِ قَالَ: وَمَا ذَلِكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَإِنِّي أَرَانِي قَدْ جَمَعْتُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٢٠٣ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ) أَيِ: ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى خَالِهِ) أَيِ: النَّسَبِيُّ (أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ) : وَمَرَّ تَرْجَمَتُهُ (يَعُودُهُ) : حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَيْ: يَزُورُهُ لِمَرَضِهِ (فَبَكَى أَبُو هَاشِمٍ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ بَاكِيًا (يَا خَالِ؟) : بِكَسْرِ اللَّامِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا عَلَى حَدِّ: يَا غُلَامُ! (" أَوَجَعٌ يُشْئِزُكَ ") : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ: يُقْلِقُكَ وَيُتْعِبُكَ فَيُبْكِيكَ، فَفِي الْقَامُوسِ: شَئِزَ شَأْزًا غَلُظَ وَاشْتَدَّ، وَيُقَالُ قَلِقَ وَأَشْأَزَهُ أَقْلَقَهُ. (" أَمْ حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا؟ ") أَيْ: يَقْلَعُكَ فَيُبْكِيكَ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَخْلُو إِمَّا مِنِ اشْتِدَادِ مَرَضٍ صُورِيٍّ، أَوْ عَرَضٍ مَعْنَوِيٍّ، يَكُونُ كَانَ مِنْهُمَا بَاعِثًا عَلَى نَكَدٍ ظَاهِرِيٍّ وَبَاطِنِيٍّ. (قَالَ: كَلَّا) أَيِ: ارْتَدِعْ عَنْ حُسْبَانِكَ كَلَّا، وَمَعْنَاهُ لَيْسَ الْبَاعِثُ أَحَدَهُمَا، (وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ إِلَيْنَا عَهْدًا لَمْ آخُذْ بِهِ) : وَالْمُرَادُ بِالْعَهْدِ إِمَّا وَصِيَّةٌ عَامَّةٌ، أَوْ مُبَايَعَةٌ خَاصَّةٌ (قَالَ: وَمَا ذَلِكَ؟) أَيِ: الْعَهْدُ وَفِي نُسْخَةٍ وَمَا ذَاكَ (قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ ") أَيِ: الَّذِي يُحَصِّلُ الْمَنَالَ فِي الْمَالِ (" خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنِّي أُرَانِي) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: أَظُنُّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا أَيْ: أُبْصِرُ أَوْ أَعْلَمُ (قَدْ جَمَعْتُ) أَيْ: زِيَادَةً عَلَى مَا عَهِدْتُ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ ﵀ حَيْثُ قَالَ: حَذَفَ مُتَعَلِّقَهُ لِيَدُلَّ عَلَى الْكَثْرَةِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 7168
٥٢٠٤ - «وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا لَكَ لَا تَطْلُبُ كَمَا يَطْلُبُ فُلَانٌ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُودًا لَا يَجُوزُهَا الْمُثْقَلُونَ ". فَأُحِبُّ أَنْ أَتَخَفَّفَ لِتِلْكَ الْعَقَبَةِ» .
ــ
٥٢٠٤ - (وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: قُلْتُ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا لَكَ لَا تَطْلُبُ) أَيْ: مَالًا أَوْ مَنْصِبًا (كَمَا يَطْلُبُ فُلَانٌ) أَيْ: وَهُوَ مِنْ نُظَرَائِكَ (فَقَالَ: إِنِّي) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا بِتَقْدِيرِ لِأَنِّي (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 7169
صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ أَمَامَكُمْ ") : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: قُدَّامَكُمْ، وَهُوَ ظَرْفٌ وَقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا وَالِاسْمُ قَوْلُهُ: (" عَقَبَةً ") : بِفَتَحَاتٍ أَيْ: مَرْقًى صَعْبًا مِنَ الْجِبَالِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ. (" كَؤُودًا ") : بِفَتْحٍ فَضَمِّ هَمْزَةٍ فَوَاوٍ فَدَالٍ أَيْ: شَاقَّةً فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ دُخُولِ الْجَنَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَوْتُ وَالْقَبْرُ وَالْحَشْرُ، وَأَهْوَالُهَا وَشَدَائِدُهَا شَبَّهَهَا بِصُعُودِ الْعَقَبَةِ وَمُكَابَدَةٍ مَا يَلْحَقُ الرَّجُلَ مِنْ قَطْعِهَا، (" لَا يَجُوزُهَا ") أَيْ: لَا يَتَجَاوَزُ تِلْكَ الْعَقَبَةَ عَلَى طَرِيقِ السُّهُولَةِ (" الْمُثْقَلُونَ ") : مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ أَيِ: الْحَامِلُونَ ثِقَلَ الْمَالِ وَمُؤْنَةَ الْجَاهِ وَسَعَةَ الْحَالِ، وَلِذَا قِيلَ: فَازَ الْمُخِفُّونَ وَهَلَكَ الْمُثْقَلُونَ. (فَأُحِبُّ أَنْ أَتَخَفَّفَ) أَيْ: بِتَرْكِ الطَّلَبِ وَالصَّبْرِ عَلَى قِلَّةِ الْمُؤْنَةِ (لِتِلْكَ الْعَقَبَةِ) : لِئَلَّا يَحْصُلَ لِي التَّعَبُ فِيهَا.
стр. 7170
٥٢٠٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «هَلْ مِنْ أَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ إِلَّا ابْتَلَّتْ قَدَمَاهُ؟ ". قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: " كَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّنْيَا لَا يَسْلَمُ مِنَ الذُّنُوبِ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٢٠٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «هَلْ مِنْ أَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ إِلَّا ابْتَلَّتْ قَدَمَاهُ» ") أَيْ: هَلْ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا فِي حَالِ الِابْتِلَالِ؟ وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ، هَلْ يَتَحَقَّقُ الْمَشْيُ عَلَى الْمَاءِ بِلَا ابْتِلَالٍ؟ (قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: " كَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّنْيَا لَا يَسْلَمُ مِنَ الذُّنُوبِ ") أَيْ: مِنَ الْمَعَاصِي اللَّازِمَةِ لِصَاحِبِ حُبِّ الدُّنْيَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فِيهِ تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ لِلْمُتَّقِينَ، وَحَثٌّ أَكِيدٌ عَلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَإِيثَارِ الْآخِرَةِ عَلَى الْأُولَى، وَكَفَى بِهَا تَبِعَةً أَنْ يُدْخَلَ الْفُقَرَاءُ فِي الْجَنَّةِ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، عَافَانَا اللَّهُ مِنْهَا بِكَرَمِهِ وَفَضْلِهِ. (رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ، رَوَى الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ. وَقَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ: حَدِيثُ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ: " «إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ عَقَبَةً كَؤُودًا لَا يَنْجُو مِنْهَا إِلَّا كُلُّ مُخِفٍّ» " وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
стр. 7171
٥٢٠٦ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ مُرْسَلًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ: سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] » رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي (الْحِلْيَةِ) عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ.
ــ
٥٢٠٦ - (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ) : بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: تَابِعِيٌّ خَضْرَمِيٌّ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ، وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ، وَحَدِيثُهُ فِيهِمْ، رَوَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي ذَرٍّ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ. (مُرْسَلًا) أَيْ: بِحَذْفِ الصَّحَابَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا أَوْحَى إِلَيَّ ") أَيْ: لَمْ يُوحَ إِلَيَّ (" أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ ") : أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ وَالْبَاءُ مُقَدَّرَةٌ، وَقَوْلُهُ: (" وَأَكُونَ ") : عَطَفٌ عَلَيْهِ (" مِنَ التَّاجِرِينَ ") أَيِ: الْمُتَوَغِّلِينَ فِي التِّجَارَةِ (" وَلَكِنْ أُوحِيَ إِلَيَّ ") أَيْ: قِيلَ لِي بِالْوَحْيِ (" أَنْ: سَبِّحْ) : أَنْ مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي الْوَحْيِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ أَيْ: سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أَيْ: مَقْرُونًا بِهِ، وَالْمَعْنَى نَزِّهِ اللَّهَ تَعَالَى عَمًّا لَا يَلِيقُ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ مُنْتَهِيًا إِلَى ثَنَاءِ رَبِّكَ بِإِثْبَاتِ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ لَهُ، ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] أَيِ: الْمُصَلِّينَ بِذِكْرِ أَحَدِ الْأَرْكَانِ وَإِرَادَةِ تَمَامِ الصَّلَاةِ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ مَجَازِ إِطْلَاقِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ، وَوَجْهُ تَخْصِيصِ السَّجْدَةِ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: " «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» ". ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ [الحجر: ٩٩] : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرَ بِالْعِبَادَةِ أَوْ بِالْعُبُودِيَّةِ ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] أَيِ: الْمَوْتُ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ، وَفِيهِ اقْتِبَاسٌ مِنْ
стр. 7172
قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٧] إِلَخَ. (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ (وَأَبُو نُعَيْمٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ الزَّاهِدُ، لَقِيَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمُعَاذًا ﵃، رَوَى عَنْهُ جُبَيْرُ بْنُ نَفِيرٍ وَعُرْوَةُ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ. مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ انْتَهَى. فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْحَدِيثَ مَرْوِيٌّ مِنْ طَرِيقِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7173
٥٢٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا اسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ، وَسَعْيًا عَلَى أَهْلِهِ، وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ، لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ مِثْلُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ. وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا، مُكَاثِرًا، مُفَاخِرًا مُرَائِيًا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي (الْحِلْيَةِ) .
ــ
٥٢٠٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا ") أَيْ: مِنْ طَرِيقٍ حَلَالٍ (" اسْتِعْفَافًا ") أَيْ: لِأَجْلِ طَلَبِ الْعِفَّةِ (" عَنِ الْمَسْأَلَةِ ") : فَفِي النِّهَايَةِ الِاسْتِعْفَافُ طَلَبُ الْعَفَافِ وَالتَّعَفُّفِ، وَهُوَ الْكَفُّ عَنِ الْحَرَامِ وَالسُّؤَالِ مِنَ النَّاسِ. (" وَسَعْيًا عَلَى أَهْلِهِ ") أَيْ: لِأَجْلِ عِيَالِهِ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ حَالِهِ (" وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ ") : إِحْسَانًا عَلَيْهِ بِمَا يَكُونُ زَائِدًا لَدَيْهِ (" لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ ") أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ وَجْهَهُ مِنْ جِهَةِ كَمَالِ النُّورِ وَغَايَةِ السُّرُورِ (" مِثْلُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ") : قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ وَقْتُ كَمَالِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا النُّورَ لَهُ بِبَرَكَةِ الْمُصْطَفَى الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ: ﴿طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] فَإِنَّ طه أَرْبَعَةَ عَشَرَ بِحِسَابِ أَبْجَدِ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ الْأَبُ وَالْجَدُّ، وَهَذَا يَوْمُ لَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ. (" وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا ") أَيْ: فَضْلًا عَنْ أَنْ يَطْلُبَ حَرَامًا (" مُكَاثِرًا ") أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ طَالِبًا كَثْرَةَ الْمَالِ لِأَحْسَنِ الْحَالِ وَلَا صَرَفَهُ فِي تَحْسِينِ الْمَآلِ. (" مُفَاخِرًا ") أَيْ: عَلَى الْفُقَرَاءِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْأَغْبِيَاءِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ (" مُرَائِيًا ") أَيْ: أَنْ فُرِضَ عَنْهُ صُدُورُ خَيْرٍ أَوْ عَطَاءٍ (" لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ") : وَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ طَلَبَ الْحَرَامَ، إِمَّا اكْتِفَاءً بِمَا يُفْهَمُ مِنْ فَحْوَى الْكَلَامِ، وَإِمَّا إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَنِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَوْ إِشْعَارًا بِأَنَّ الْحَرَامَ أَكْلَهُ وَقُرْبَهُ حَرَامٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ طَلَبٌ وَمَرَامٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَفِي حَدِيثٍ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وَهُمَا عِبَارَتَانِ عَنْ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَسَخَطِهِ، فَقَوْلُهُ: وَوَجْهُهُ مِثْلُ الْقَمَرِ مُبَالَغَةٌ فِي حُصُولِ الرِّضَا بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: فِي مُقَابَلَتِهِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ) .
стр. 7174
٥٢٠٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ هَذَا الْخَيْرَ خَزَائِنُ، لِتِلْكَ الْخَزَائِنِ مَفَاتِيحُ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، مِغْلَاقًا لِلشَّرِّ، وَوَيْلٌ لَعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لِلشَّرِّ، مِغْلَاقًا لِلْخَيْرِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٢٠٨ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ هَذَا الْخَيْرَ ") أَيْ: هَذَا الْجِنْسَ مِنَ الْخَيْرِ الْمَدْسُوسِ الْمَعْلُومِ كَالْمَحْسُوسِ (" خَزَائِنُ ") أَيْ: أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ مَخْزُونَةٌ مَكْنُونَةٌ مَرْكُوزَةٌ مَوْضُوعَةٌ فِيمَا بَيْنَ عِبَادِهِ (" لِتِلْكَ الْخَزَائِنِ ") : خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَى مُبْتَدَئِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (" مَفَاتِيحُ ") أَيْ: عَلَى أَيْدِي عَبِيدِهِ الَّذِينَ هُمْ بِمَنْزِلَةِ وُكَلَائِهِ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَ تَأْخِيرٍ بِدُونِ ذِكْرِ الشَّرِّ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، أَوْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الشَّرَّ مَا خُلِقَ
стр. 7175
لِذَاتِهِ، وَلِذَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ. وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: " «الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» " أَدَبًا. فَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إِلَيْكَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الشَّرَّ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِتَرْكِ الْخَيْرِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِسْبَةُ التَّضَادِّ كَالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ وَالْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ خَزَائِنَ لِلشَّرِّ أَيْضًا قَوْلُهُ: (" «فَطُوبَى لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ» ") أَيْ: عِلْمًا أَوْ عَمَلًا أَوْ حَالًا أَوْ مَالًا (" وَمِغْلَاقًا لِلشَّرِّ وَوَيْلٌ لَعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لِلشَّرِّ ") أَيْ: لِلْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ وَالْبَطَرِ وَالطُّغْيَانِ وَالْبُخْلِ، وَسُوءِ الْعِشْرَةِ مَعَ الْإِخْوَانِ (" مِغْلَاقًا لِلْخَيْرِ ") . قَالَ الرَّاغِبُ: الْخَيْرُ مَا يَرْغَبُ فِيهِ الْكُلُّ كَالْعَقْلِ مَثَلًا وَالْعَدْلِ وَالْفَضْلِ وَالشَّيْءِ النَّافِعِ، وَالشَّرُّ ضِدُّهُ، وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ قَدْ يَتَّحِدَانِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ الْوَاحِدِ شَرَّ الْآخَرِ، كَالْمَالِ الَّذِي يَكُونُ رِيَاءً كَانَ خَيْرًا لِزَيْدٍ وَشَرًّا لِعَمْرٍو، وَلِذَلِكَ وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْأَمْرَيْنِ فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] أَيْ: مَالًا. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥٥] انْتَهَى. وَكَذَا الْعِلْمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِهِمْ حِجَابٌ وَسَبَبُ الْعَذَابِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضٍ آخَرَ اقْتِرَابٌ إِلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ، وَقِيسَ عَلَى هَذَا الْعِبَادَةِ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا يُورِثُ الْعُجْبَ وَالْغُرُورَ، وَمِنْهَا مَا يُورِثُ النُّورَ وَالسُّرُورَ وَالْحُبُورَ كَالسَّيْفِ وَالْخَيْلِ وَنَحْوِهَا. قَدْ يُجْعَلُ آلَةً لِلْجِهَادِ مَعَ الْكُفَّارِ، وَيُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْقَرَارِ فِي دَارِ الْأَبْرَارِ، وَقَدْ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَيُنْتَهَى بِهَا إِلَى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «أَلَا وَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي الْجَنَّةِ أَلَا وَإِنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي النَّارِ» ". يَعْنِي بِحَسَبِ مَا قُسِمَ لِأَهْلِهِ قِسْمَةً أَزَلِيَّةً أَبَدِيَّةً مَبْنِيَّةً عَلَى جَعْلِ بَعْضِهِمْ مَرَائِي الْجَمَالِ وَبَعْضِهِمْ مَظَاهِرَ الْجَلَالِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وَقَدْ قَالَ: ( «خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي وَخَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي» ) مُشِيرًا إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَبَحْرُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ عَرِيضٌ عَمِيقٌ، لَا يَغُوصُ فِيهِ إِلَّا مَنْ لَهُ تَحْقِيقٌ بِتَوْفِيقٍ يَتَحَيَّرُ فِيهِ أَرْبَابُ السَّوَاحِلِ، وَيَمْضِي مِنْهُ أَصْحَابُ سُفُنِ الشَّرَائِعِ الْكَوَامِلِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «إِنَّ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ خَيْرًا مَنَحَهُ خُلُقًا حَسَنًا وَمَنْ أَرَادَ لَهُ سُوءًا مَنَحَهُ سَيِّئًا» ".
стр. 7176
٥٢٠٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا «لَمْ يُبَارَكْ لِلْعَبْدِ فِي مَالِهِ جَعَلَهُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ» ".
ــ
٥٢٠٩ - (وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا لَمْ يُبَارَكْ لِلْعَبْدِ فِي مَالِهِ» ") أَيْ: بِأَنْ لَا يَصْرِفَهُ فِي رِضَا مَوْلَاهُ وَعِمَارَةِ عُقْبَاهُ وَحُسْنِ مَآلِهِ، (" جَعَلَهُ ") أَيْ: أَنْفَقَ مَالَهُ وَضَيَّعَهُ (" فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ ") أَيِ: الْمُعَبَّرِ بِهِمَا عَنْ عِمَارَةِ الدُّنْيَا بِسَبَبِ إِعْرَاضِهِ عَنْ أَعْرَاضِ الدِّينِ.
стр. 7177
٥٢١٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «اتَّقُوا الْحَرَامَ فِي الْبُنْيَانِ ; فَإِنَّهُ أَسَاسُ الْخَرَابِ» " رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٢١٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " اتَّقُوا الْحَرَامَ ") أَيِ: احْذَرُوا إِنْفَاقَهُ وَفِي الْجَامِعِ: اتَّقُوا الْحَجَرَ الْحَرَامَ (" فِي الْبُنْيَانِ ") أَيْ: فِي صَرْفِ عِمَارَةِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ (" فَإِنَّهُ أَسَاسُ الْخَرَابِ ") أَيْ: فِي الْأَيَّامِ الْآتِيَةِ، كَمَا وَرَدَ: " لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ " وَالتَّقْيِيدُ بِالْحَرَامِ لَيْسَ لَهُ مَفْهُومٌ مُعْتَبَرٌ، بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَالَ الْحَلَالَ لَمْ يُنْفَقْ صَرْفُهُ فِي غَيْرِ حُسْنِ الْمَآلِ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: لَوْ أَكَلَ النَّاسُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِنَ الْحَلَالِ لَخَرِبَتِ الدُّنْيَا وَلَمْ يَبْقَ لَهَا نِظَامٌ فِي الْحَالِ، وَلِذَا قِيلَ: لَوْلَا الْحَمْقَى لَخَرِبَتِ الدُّنْيَا، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْغَفْلَةُ رَحْمَةٌ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] قِيلَ: التَّقْدِيرُ أَسْبَابُ خَرَابِ الدِّينِ، أَوْ أَسَاسُ خَرَابِ الْبُنْيَانِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إِنْفَاقِ الْحَلَالِ فِي الْبُنْيَانِ، وَعَلَى الثَّانِي لَا وَهَذَا أَنْسَبُ بِالْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " لِلرَّجُلِ " بَدَلَ " لِلْعَبْدِ ".
стр. 7178
٥٢١١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٢١١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ» ") : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَمَّا كَانَ الْقَصْدُ الْأَوْلَى مِنَ الدَّارِ الْإِقَامَةُ مَعَ عَيْشٍ هَنِيءٍ، وَدَارُ الدُّنْيَا خَالِيَةٌ عَنْهَا لَا يُسْتَحَقُّ لِذَلِكَ أَنْ تُسَمَّى دَارًا، فَمَنْ دَارُهُ الدُّنْيَا فَلَا دَارَ لَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «
اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ
» ". (" وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ ") : فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَالِ هُوَ الْإِنْفَاقُ فِي الْمَبَرَّاتِ وَالصَّرْفُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرَاتِ، فَمَنْ أَتْلَفَهُ فِي تَحْصِيلِ الشَّهَوَاتِ وَاسْتِيفَاءِ اللَّذَّاتِ، فَحَقِيقٌ بِأَنْ يُقَالَ: لَا مَالَ لَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وَلِذَا قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلَى عَامِلِهِ فِي قَوْلِهِ: (" وَلَهَا ") أَيْ: لِلدُّنْيَا (" يَجْمَعُ ") أَيِ: الْمَالَ (" مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ") أَيْ: عَقْلًا كَامِلًا، أَوْ عَقْلَ الدِّينِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ جَمْعَ الدَّارِ الْآخِرَةِ لِلتَّزَوُّدِ وَهُوَ الْمَحْمُودُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] قُلْتُ: وَمُجْمَلُ الْمَعْنَى أَنَّ الدُّنْيَا لَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَدَّ دَارًا إِلَّا لِمَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَلَا مَالًا إِلَّا لِمَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَالْمَقْصُودُ اسْتِحْقَارُهَا وَانْحِطَامُهَا عَنْ أَنْ تُعَدَّ دَارًا أَوْ مَالًا لِمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ لَهُ قَرَارًا وَمَاتَ. قَالَ الرَّاغِبُ: كُلُّ اسْمٍ نَوْعٌ يُسْتَعْمَلُ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: دَلَالَةٌ عَلَى الْمُسَمَّى وَفَصْلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي: لِوُجُودِ الْمَعْنَى الْمُخْتَصِّ بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُمْدَحُ بِهِ، فَكُلُّ شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ كَامِلًا لِمَا خُلِقَ لَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ اسْمَهُ مُطْلَقًا، بَلْ قَدْ يُنْفَى عَنْهُ كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ لَيْسَ بِإِسْنَادٍ أَيْ: لَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَعْنَى الَّذِي خُلِقَ لِأَجْلِهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا فِي الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا.
стр. 7179
٥٢١٢ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ " الْخَمْرُ جِمَاعُ الْإِثْمِ وَالنِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ، وَحُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ " قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " أَخِّرُوا النِّسَاءَ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» ". رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
٥٢١٢ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ) أَيْ: مَوْعِظَتِهِ (" الْخَمْرُ جِمَاعُ الْإِثْمِ ") : بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: مَجْمَعُهُ وَمَظِنَّتُهُ وَقِيلَ: أَصْلُ الْجِمَاعِ مَا يَجْمَعُ عَدَدًا، وَيُرَادِفُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا " «الْخَمْرُ أَمُّ الْفَوَاحِشِ وَأَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، مَنْ شَرِبَهَا وَقَعَ عَلَى أُمِّهِ وَخَالَتِهِ وَعَمَّتِهِ» ". وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: «الْخَمْرُ أُمُّ الْفَوَاحِشِ وَأَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقَعَ عَلَى أُمِّهِ وَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ» " قِيلَ: دُعِيَ رَجُلٌ إِلَى سَجْدَةٍ لِصَنَمٍ فَأَبَى، ثُمَّ إِلَى قَتْلِ النَّفْسِ فَأَبَى، ثُمَّ إِلَى الزِّنَا فَأَبَى، ثُمَّ إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، فَلَمَّا شَرِبَ فَعَلَ جَمِيعَ مَا طُلِبَ مِنْهُ. (" وَالنِّسَاءُ ") أَيْ: جِنْسُهُنَّ (" حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ ") : وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ أَوْ رَئِيسُهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ الْأَوَّلُ مَا فِي نُسْخَةٍ بِلَفْظِ: الشَّيَاطِينِ أَيْ: مَصَائِدُهُمْ وَاحِدُهَا حِبَالَةٌ بِالْكَسْرِ، وَهِيَ مَا يُصَادُ بِهَا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، قِيلَ: مَا أَيِسَ الشَّيْطَانُ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا أَتَى مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ. (" «وَحُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» ") أَيْ: مِلَاكُهَا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ تَرْكَ الدُّنْيَا رَأَسُ كُلِّ عِبَادَةٍ، وَقَدْ قِيلَ: مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا لَا يَهْدِيهِ جَمِيعُ الْمُرْشِدِينَ، وَمَنْ تَرَكَهَا لَا يُغْوِيهِ جَمِيعُ الْمُفْسِدِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْكَلِمَاتُ الثَّلَاثُ كُلُّهَا مِنَ الْجَوَامِعِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَلَى الِانْفِرَادِ أَصْلٌ فِي الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ.
(قَالَ) أَيْ: حُذَيْفَةُ (وَسَمِعْتُهُ) أَيِ: النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَقُولُ: " «أَخِّرُوا النِّسَاءَ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» ") : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: حَيْثُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ: أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الذِّكْرِ، وَفِي الْحُكْمِ، وَفِي الْمَرْتَبَةِ، فَلَا تُقَدِّمُوهُنَّ ذِكْرًا وَحُكْمًا وَمَرْتَبَةً. قُلْتُ: وَأَصْحَابُنَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى بُطْلَانِ مُحَاذَاةِ الْمُرَادِ بِشُرُوطِهَا الْمُغْتَرَّةِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ، وَمُحَقَّقٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ ﵀. (رَوَاهُ) أَيِ: الْحَدِيثُ بِكَمَالِهِ (رَزِينٌ) : وَفِي التَّمْيِيزِ لِابْنِ الرَّبِيعِ حَدِيثٌ: أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ يَعْنِي النِّسَاءَ. قَالَ شَيْخُنَا فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ﵀، وَذَكَرَ أَحَادِيثَ بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نُطِيلُ بِهَا، وَأَشَارَ شَيْخُنَا لِبَعْضِهَا فِي مُخْتَصَرِ تَخْرِيجِ الْهِدَايَةِ انْتَهَى، فَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، لَكِنْ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لَا بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَرِيبِ مِنَ الْمُتَوَاتِرِ الْقَطْعِيِّ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَلَنَا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ لَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ، فَضْلًا عَنْ شُهْرَتِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.
стр. 7180
٥٢١٣ - وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْهُ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا: " «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» ".
ــ
٥٢١٣ - (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ) أَيْ: مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمُتَشَعِّبِ عَلَى جُمَلٍ مِنَ الْكَلَامِ (فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) أَيْ: بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا: " «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» ") : قُلْتُ: وَهُوَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مِنْ قَوْلِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ﵊، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ لَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، وَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ مِنْ كَلَامِ عِيسَى ﵊. قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀: وَقَدْ عُدَّ الْحَدِيثُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ﵀، بِأَنَّ ابْنَ الْمَدِينِيَّ أَثْنَى عَلَى مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ، وَالْإِسْنَادُ حَسَنٌ إِلَيْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي مُسْنَدِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ إِسْنَادًا وَهُوَ فِي فِي تَارِيخِ ابْنِ عَسَاكِرَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الصَّدَفِيِّ التَّابِعِيِّ بِلَفْظِ: " «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ الْخَطَايَا» ".
следующие страницы →