Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.
стр. 7176
٥٢٠٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا «لَمْ يُبَارَكْ لِلْعَبْدِ فِي مَالِهِ جَعَلَهُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ» ".
ــ
٥٢٠٩ - (وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا لَمْ يُبَارَكْ لِلْعَبْدِ فِي مَالِهِ» ") أَيْ: بِأَنْ لَا يَصْرِفَهُ فِي رِضَا مَوْلَاهُ وَعِمَارَةِ عُقْبَاهُ وَحُسْنِ مَآلِهِ، (" جَعَلَهُ ") أَيْ: أَنْفَقَ مَالَهُ وَضَيَّعَهُ (" فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ ") أَيِ: الْمُعَبَّرِ بِهِمَا عَنْ عِمَارَةِ الدُّنْيَا بِسَبَبِ إِعْرَاضِهِ عَنْ أَعْرَاضِ الدِّينِ.
стр. 7177
٥٢١٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «اتَّقُوا الْحَرَامَ فِي الْبُنْيَانِ ; فَإِنَّهُ أَسَاسُ الْخَرَابِ» " رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٢١٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " اتَّقُوا الْحَرَامَ ") أَيِ: احْذَرُوا إِنْفَاقَهُ وَفِي الْجَامِعِ: اتَّقُوا الْحَجَرَ الْحَرَامَ (" فِي الْبُنْيَانِ ") أَيْ: فِي صَرْفِ عِمَارَةِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ (" فَإِنَّهُ أَسَاسُ الْخَرَابِ ") أَيْ: فِي الْأَيَّامِ الْآتِيَةِ، كَمَا وَرَدَ: " لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ " وَالتَّقْيِيدُ بِالْحَرَامِ لَيْسَ لَهُ مَفْهُومٌ مُعْتَبَرٌ، بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَالَ الْحَلَالَ لَمْ يُنْفَقْ صَرْفُهُ فِي غَيْرِ حُسْنِ الْمَآلِ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: لَوْ أَكَلَ النَّاسُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِنَ الْحَلَالِ لَخَرِبَتِ الدُّنْيَا وَلَمْ يَبْقَ لَهَا نِظَامٌ فِي الْحَالِ، وَلِذَا قِيلَ: لَوْلَا الْحَمْقَى لَخَرِبَتِ الدُّنْيَا، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْغَفْلَةُ رَحْمَةٌ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] قِيلَ: التَّقْدِيرُ أَسْبَابُ خَرَابِ الدِّينِ، أَوْ أَسَاسُ خَرَابِ الْبُنْيَانِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إِنْفَاقِ الْحَلَالِ فِي الْبُنْيَانِ، وَعَلَى الثَّانِي لَا وَهَذَا أَنْسَبُ بِالْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " لِلرَّجُلِ " بَدَلَ " لِلْعَبْدِ ".
стр. 7178
٥٢١١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٢١١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ» ") : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَمَّا كَانَ الْقَصْدُ الْأَوْلَى مِنَ الدَّارِ الْإِقَامَةُ مَعَ عَيْشٍ هَنِيءٍ، وَدَارُ الدُّنْيَا خَالِيَةٌ عَنْهَا لَا يُسْتَحَقُّ لِذَلِكَ أَنْ تُسَمَّى دَارًا، فَمَنْ دَارُهُ الدُّنْيَا فَلَا دَارَ لَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «
اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ
» ". (" وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ ") : فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَالِ هُوَ الْإِنْفَاقُ فِي الْمَبَرَّاتِ وَالصَّرْفُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرَاتِ، فَمَنْ أَتْلَفَهُ فِي تَحْصِيلِ الشَّهَوَاتِ وَاسْتِيفَاءِ اللَّذَّاتِ، فَحَقِيقٌ بِأَنْ يُقَالَ: لَا مَالَ لَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وَلِذَا قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلَى عَامِلِهِ فِي قَوْلِهِ: (" وَلَهَا ") أَيْ: لِلدُّنْيَا (" يَجْمَعُ ") أَيِ: الْمَالَ (" مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ") أَيْ: عَقْلًا كَامِلًا، أَوْ عَقْلَ الدِّينِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ جَمْعَ الدَّارِ الْآخِرَةِ لِلتَّزَوُّدِ وَهُوَ الْمَحْمُودُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] قُلْتُ: وَمُجْمَلُ الْمَعْنَى أَنَّ الدُّنْيَا لَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَدَّ دَارًا إِلَّا لِمَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَلَا مَالًا إِلَّا لِمَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَالْمَقْصُودُ اسْتِحْقَارُهَا وَانْحِطَامُهَا عَنْ أَنْ تُعَدَّ دَارًا أَوْ مَالًا لِمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ لَهُ قَرَارًا وَمَاتَ. قَالَ الرَّاغِبُ: كُلُّ اسْمٍ نَوْعٌ يُسْتَعْمَلُ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: دَلَالَةٌ عَلَى الْمُسَمَّى وَفَصْلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي: لِوُجُودِ الْمَعْنَى الْمُخْتَصِّ بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُمْدَحُ بِهِ، فَكُلُّ شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ كَامِلًا لِمَا خُلِقَ لَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ اسْمَهُ مُطْلَقًا، بَلْ قَدْ يُنْفَى عَنْهُ كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ لَيْسَ بِإِسْنَادٍ أَيْ: لَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَعْنَى الَّذِي خُلِقَ لِأَجْلِهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا فِي الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا.
стр. 7179
٥٢١٢ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ " الْخَمْرُ جِمَاعُ الْإِثْمِ وَالنِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ، وَحُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ " قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " أَخِّرُوا النِّسَاءَ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» ". رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
٥٢١٢ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ) أَيْ: مَوْعِظَتِهِ (" الْخَمْرُ جِمَاعُ الْإِثْمِ ") : بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: مَجْمَعُهُ وَمَظِنَّتُهُ وَقِيلَ: أَصْلُ الْجِمَاعِ مَا يَجْمَعُ عَدَدًا، وَيُرَادِفُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا " «الْخَمْرُ أَمُّ الْفَوَاحِشِ وَأَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، مَنْ شَرِبَهَا وَقَعَ عَلَى أُمِّهِ وَخَالَتِهِ وَعَمَّتِهِ» ". وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: «الْخَمْرُ أُمُّ الْفَوَاحِشِ وَأَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقَعَ عَلَى أُمِّهِ وَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ» " قِيلَ: دُعِيَ رَجُلٌ إِلَى سَجْدَةٍ لِصَنَمٍ فَأَبَى، ثُمَّ إِلَى قَتْلِ النَّفْسِ فَأَبَى، ثُمَّ إِلَى الزِّنَا فَأَبَى، ثُمَّ إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، فَلَمَّا شَرِبَ فَعَلَ جَمِيعَ مَا طُلِبَ مِنْهُ. (" وَالنِّسَاءُ ") أَيْ: جِنْسُهُنَّ (" حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ ") : وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ أَوْ رَئِيسُهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ الْأَوَّلُ مَا فِي نُسْخَةٍ بِلَفْظِ: الشَّيَاطِينِ أَيْ: مَصَائِدُهُمْ وَاحِدُهَا حِبَالَةٌ بِالْكَسْرِ، وَهِيَ مَا يُصَادُ بِهَا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، قِيلَ: مَا أَيِسَ الشَّيْطَانُ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا أَتَى مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ. (" «وَحُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» ") أَيْ: مِلَاكُهَا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ تَرْكَ الدُّنْيَا رَأَسُ كُلِّ عِبَادَةٍ، وَقَدْ قِيلَ: مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا لَا يَهْدِيهِ جَمِيعُ الْمُرْشِدِينَ، وَمَنْ تَرَكَهَا لَا يُغْوِيهِ جَمِيعُ الْمُفْسِدِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْكَلِمَاتُ الثَّلَاثُ كُلُّهَا مِنَ الْجَوَامِعِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَلَى الِانْفِرَادِ أَصْلٌ فِي الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ.
(قَالَ) أَيْ: حُذَيْفَةُ (وَسَمِعْتُهُ) أَيِ: النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَقُولُ: " «أَخِّرُوا النِّسَاءَ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» ") : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: حَيْثُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ: أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي الذِّكْرِ، وَفِي الْحُكْمِ، وَفِي الْمَرْتَبَةِ، فَلَا تُقَدِّمُوهُنَّ ذِكْرًا وَحُكْمًا وَمَرْتَبَةً. قُلْتُ: وَأَصْحَابُنَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى بُطْلَانِ مُحَاذَاةِ الْمُرَادِ بِشُرُوطِهَا الْمُغْتَرَّةِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُمْ، وَمُحَقَّقٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ ﵀. (رَوَاهُ) أَيِ: الْحَدِيثُ بِكَمَالِهِ (رَزِينٌ) : وَفِي التَّمْيِيزِ لِابْنِ الرَّبِيعِ حَدِيثٌ: أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ يَعْنِي النِّسَاءَ. قَالَ شَيْخُنَا فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ﵀، وَذَكَرَ أَحَادِيثَ بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نُطِيلُ بِهَا، وَأَشَارَ شَيْخُنَا لِبَعْضِهَا فِي مُخْتَصَرِ تَخْرِيجِ الْهِدَايَةِ انْتَهَى، فَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، لَكِنْ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لَا بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَرِيبِ مِنَ الْمُتَوَاتِرِ الْقَطْعِيِّ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَلَنَا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ لَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ، فَضْلًا عَنْ شُهْرَتِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.
стр. 7180
٥٢١٣ - وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْهُ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا: " «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» ".
ــ
٥٢١٣ - (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ) أَيْ: مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمُتَشَعِّبِ عَلَى جُمَلٍ مِنَ الْكَلَامِ (فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) أَيْ: بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا: " «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» ") : قُلْتُ: وَهُوَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مِنْ قَوْلِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ﵊، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ لَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، وَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ مِنْ كَلَامِ عِيسَى ﵊. قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀: وَقَدْ عُدَّ الْحَدِيثُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ﵀، بِأَنَّ ابْنَ الْمَدِينِيَّ أَثْنَى عَلَى مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ، وَالْإِسْنَادُ حَسَنٌ إِلَيْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي مُسْنَدِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ إِسْنَادًا وَهُوَ فِي فِي تَارِيخِ ابْنِ عَسَاكِرَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الصَّدَفِيِّ التَّابِعِيِّ بِلَفْظِ: " «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ الْخَطَايَا» ".
стр. 7181
٥٢١٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ فَأَمَّا الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِئُ الْآخِرَةَ، وَهَذِهِ الدُّنْيَا مُرْتَحِلَةٌ ذَاهِبَةٌ، وَهَذِهِ الْآخِرَةُ مُرْتَحِلَةٌ قَادِمَةٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تَكُونُوا مِنْ بَنِي الدُّنْيَا فَافْعَلُوا، فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ فِي دَارِ الْعَمَلِ وَلَا حِسَابَ، وَأَنْتُمْ غَدًا فِي دَارِ الْآخِرَةِ وَلَا عَمَلَ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٥٢١٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْهَوَى ") أَيْ: هَوَى النَّفْسِ وَمُشْتَهَيَاتُهَا (" وَطُولُ الْأَمَلِ ") أَيْ: بِتَسْوِيفِ الْعَمَلِ وَتَأْخِيرِهِ إِلَى آخِرِ حَيَاتِهِ (" فَأَمَّا الْهَوَى ") أَيِ: الْمُخَالِفُ لِلْهُدَى الْمُوَافِقُ لِلْبَاطِلِ (" فَيَصُدُّ ") أَيْ: يَمْنَعُ صَاحِبَهُ (" عَنِ الْحَقِّ ") أَيْ: عَنْ قَبُولِهِ وَانْقِيَادِهِ (" وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِئُ ") : مِنَ الْإِنْسَاءِ، وَيَجُوزُ بِالتَّشْدِيدِ (" الْآخِرَةَ ") : لِأَنَّ ذِكْرَهَا يَقْطَعُ الْأَمَلَ، وَيُوجِبُ الْعَمَلَ " وَهَذِهِ الدُّنْيَا " أَيِ: الْمَعْلُومَةُ ذِهْنًا، وَالْمَفْهُومَةُ حِسًّا (" مُرْتَحِلَةٌ ") أَيْ: سَاعَةً فَسَاعَةً (" ذَاهِبَةٌ ") أَيْ: رَائِحَةٌ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي صَاحِبُهَا، كَمَا لَا يَشْعُرُ بِسَيْرِ السَّفِينَةِ رَاكِبُهَا وَلِذَا قِيلَ: كُلُّ نَفَسٍ خُطْوَةٌ إِلَى أَجَلٍ رَاعَهَا " وَهَذِهِ الْآخِرَةُ مُرْتَحِلَةٌ قَادِمَةٌ " أَيْ: آتِيَةٌ شَبَّهَهُمَا بِالْمَطِيَّتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ فِي طَرِيقِهِمَا، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ سَاعَةٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَكُونُ النَّفَسَ الْأَخِيرَ الْمُقْتَضِيَ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي طَاعَةٍ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ " أَيْ: مُلَازِمُونَ، وَمُحِبُّونَ، وَرَاكِبُونَ، وَرَاغِبُونَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَضْدَادِ الْمَعْلُومَةِ، كَمَا حَقَّقَهُ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ، (" فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تَكُونُوا مِنْ بَنِي الدُّنْيَا فَافْعَلُوا ") : وَفِيهِ اهْتِمَامٌ تَامٌّ بِتَرْكِ الدُّنْيَا وَمُبَالَغَةٌ بَلِيغَةٌ فِي مُلَازَمَةِ أَمْرِ الْأُخْرَى حَيْثُ لَمْ يَقُلْ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ فَافْعَلُوا، وَلَعَلَّ الْعُدُولَ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ حُبِّ الدُّنْيَا حُصُولُ الْآخِرَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وَصْلِ الْآخِرَةِ تَرْكُ حَظِّ الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] وَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا - وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا - كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا - انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١] (فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ فِي دَارِ الْعَمَلِ أَيْ: فِي دَارٍ يُطْلَبُ مِنْكُمْ عَمَلُ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ تَكْلِيفٍ، فَاغْتَنِمُوا الْعَمَلَ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ بِتَرْكِ الْأَمَلِ ; لِأَنَّ الدُّنْيَا سَاعَةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُصْرَفَ فِي طَاعَةٍ (" وَلَا حِسَابَ ") أَيِ: الْيَوْمَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَاجِرِ وَإِلَّا فَرُوِيَ خِطَابًا لِلْأَبْرَارِ: «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا» ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] (وَأَنْتُمْ غَدًا فِي دَارِ الْآخِرَةِ) أَيْ: وَفِي الْحِسَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ (" وَلَا عَمَلَ ") أَيْ: يَوْمَئِذٍ لِانْقِطَاعِهِ بِالْأَجَلِ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: وَلَا حِسَابَ بِالْفَتْحِ بِغَيْرِ التَّنْوِينِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِالتَّنْوِينِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَلَا عَمَلَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَشَارَ بِهَذِهِ الدُّنْيَا إِلَى تَحْقِيرِ شَأْنِهَا وَوَشْكِ زَوَالِهَا، فِي قَوْلِهِ: الْآخِرَةُ أَشَارَ إِلَى تَعْظِيمِ أَمْرِهَا وَقُرْبِ نُزُولِهَا. وَقَوْلُهُ: فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ يَعْنِي بَيَّنْتُ لَكُمْ حَالَ الدُّنْيَا مِنْ غُرُورِهَا وَفَنَائِهَا، وَحَالَ الْآخِرَةِ مِنْ نَعِيمِهَا وَبَقَائِهَا، وَجَعَلْتُ زِمَامَ الِاخْتِيَارِ فِي أَيْدِيكُمْ فَاخْتَارُوا أَيًّا مَا شِئْتُمْ، وَكَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ فِي دَارِ الدُّنْيَا وَلَا حِسَابَ، فَوَضَعَ دَارَ الْعَمَلِ مَوْضِعَهَا لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ الدُّنْيَا مَا خُلِقَتْ إِلَّا لِلْعَمَلِ وَالتَّزَوُّدِ مِنْهَا لِلدَّارِ الْآخِرَةِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ جَابِرٌ مَرْفُوعًا، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي مَوْقُوفًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ ﵁ أَيْضًا مَرْفُوعٌ. قُلْتُ: وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ فِي الْمَوْقُوفِ الَّذِي لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْمَعْرُوفَ لَيْسَ ذَلِكَ الْقَبِيلَ الْمَعْرُوفَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا وَمَسْمُوعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ مِنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ تَوَارُدًا مُطَابِقًا مَطْبُوعًا.
стр. 7182
٥٢١٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ; فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ.
ــ
٥٢١٥ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَيْ: مَوْقُوفًا (قَالَ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً) أَيْ: ظَهَرَ إِدْبَارُ الدُّنْيَا وَفَنَاؤُهَا، وَإِقْبَالُ الْآخِرَةِ وَبَقَاؤُهَا (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَنُونَ) أَيْ: بِهَا مُتَعَلِّقُونَ (فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ) أَيْ: بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا (وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا) أَيْ: بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا، وَعَدَمِ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا (فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ) أَيْ: وَقْتُ عَمَلٍ (وَلَا حِسَابَ) أَيْ: زَمَانٌ لَا مُحَاسَبَةَ عَلَى الِاكْتِسَابِ، وَقَدْ يُقَالُ: جُعِلَ الْيَوْمُ نَفْسَ الْعَمَلِ، وَالْمُحَاسَبَةُ مُبَالَغَةٌ، كَذَا قَوْلُهُ (وَغَدًا) أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ (حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ) : وَتَقَدَّمَ مَا فِي الْعَمَلِ وَالْحِسَابِ مِنِ اخْتِلَافِ الْإِعْرَابِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ إِسْنَادٍ فِي كِتَابٍ.
стр. 7183
٥٢١٦ - وَعَنْ عَمْرٍو ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: " أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، أَلَا وَإِنَّ الْآخِرَةَ أَجَلٌ صَادِقٌ، وَيَقْضِي فِيهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، أَلَا وَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي الْجَنَّةِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي النَّارِ، أَلَا فَاعْمَلُوا وَأَنْتُمْ مِنَ اللَّهِ عَلَى حَذَرٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مَعْرُوضُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] » " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.
ــ
٥٢١٦ - (وَعَنْ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: " أَلَا ") : لِلتَّنْبِيهِ (" إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ ") : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: مَالٌ حَادِثٌ وَحَالٌ عَارِضٌ (" حَاضِرٌ ") أَيْ: عَاجَلٌ مَحْسُوسٌ (" يَأْكُلُ مِنْهُ ") أَيْ: مِنَ الْعَرَضِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْهَا أَيْ: مِنَ الدُّنْيَا (" الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ") أَيِ: الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وَقَالَ: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] أَيْ: مَمْنُوعًا، هَذَا وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْعَرَضُ مَا لَا يَكُونُ لَهُ ثَبَاتٌ، وَمِنْهُ اسْتَعَارَ الْمُتَكَلِّمُونَ قَوْلَهُمُ: الْعَرَضُ لِمَا لَا ثَبَاتَ لَهُ إِلَّا بِالْجَوْهَرِ كَاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ، وَقِيلَ لِلدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ تَنْبِيهًا عَلَى أَنْ لَا ثَبَاتَ لَهَا، (" أَلَا وَإِنَّ الْآخِرَةَ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: حَرْفُ التَّنْبِيهِ هُنَا مُقْحَمٌ وَمَا بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّ الدُّنْيَا قُوبِلَتِ الْقَرِينَةُ السَّابِقَةُ بِقَوْلِهِ أَلَا وَإِنَّ الْآخِرَةَ (" أَجَلٌ ") أَيْ: مُؤَجَّلٌ (" صَادِقٌ ") أَيْ: وُقُوعُهَا (وَيَقْضِي) أَيْ: يَحْكُمُ (فِيهَا مَلِكٌ قَادِرٌ) أَيْ: مُمَيِّزٌ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْأَجَلُ الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ الْمَوْعُودُ، وَصَفَهُ بِالصِّدْقِ دَلَالَةً عَلَى تَحَقُّقِهِ وَثَبَاتِهِ وَبَقَائِهِ وَقَالَ الرَّاغِبُ: يُسْتَعْمَلُ التَّصْدِيقُ فِي كُلِّ مَا فِيهِ تَحْقِيقٌ يُقَالُ: صَدَقَنِي فِعْلُهُ وَكِتَابُهُ وَفِي الْمَثَلِ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ وَصَدَقَ فِي الْقِتَالِ إِذَا وَفَى حَقَّهُ، وَفَعَلَ عَلَى مَا يُحِبُّ وَكَمَا يُحِبُّ (أَلَا وَإِنَّ الْخَيْرَ) أَيْ: أَصْحَابَهُ (كُلَّهُ) أَيْ: جَمِيعَ أَصْنَافِهِ (بِحَذَافِيرِهِ) أَيْ: بِجَوَانِبِهِ وَأَطْرَافِهِ (فِي الْجَنَّةِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي النَّارِ) الظَّاهِرُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَتَى بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ إِشَارَةً إِلَى اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنَ الْجُمْلَتَيْنِ خِلَافًا لِمَا سَبَقَ عَنِ الطِّيبِيِّ ﵀ فَتَدَبَّرْ (أَلَا فَاعْمَلُوا) أَيِ: الْخَيْرَ (وَأَنْتُمْ مِنَ اللَّهِ عَلَى حَذَرٍ) أَيْ: عَلَى خَوْفٍ مِنْ وُقُوعِ شَرٍّ (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مَعْرُوضُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيِ الْأَعْمَالُ مَعْرُوضَةٌ عَلَيْكُمْ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ كَقَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ انْتَهَى وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ مُقَابَلُونَ بِأَفْعَالِكُمْ مَجْزِيُّونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ كَعَرْضِ الْعَسْكَرِ عَلَى الْأَمِيرِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] عَلَى أَنَّهَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى لِلْعِلَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] أَوِ التَّرْكِيبُ مِنْ قَبِيلِ عَلَفْتُ مَاءً وَتِبْنًا، وَالتَّقْدِيرُ مَعْرُوضُونَ عَلَيَّ مُجَازَوْنَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَخَيْرٌ أَوْ كَانَ شَرًّا فَشَرٌّ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أَيْ: جَزَاءَهُ فِي إِحْدَى الدَّارَيْنِ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀: الذَّرَّةُ النَّمْلُ الْأَحْمَرُ الصَّغِيرُ، وَسُئِلَ ثَعْلَبٌ عَنْهَا فَقَالَ: إِنَّ مِائَةَ نَمْلَةٍ وَزْنُ حَبَّةٍ، وَقِيلَ: الذَّرَّةُ لَيْسَ لَهَا وَزْنٌ، وَيُرَادُ بِهَا مَا يُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ الدَّاخِلِ فِي الْكُوَّةِ النَّافِذَةِ.
стр. 7184
٥٢١٧ - وَعَنْ شَدَّادٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ وَعْدٌ صَادِقٌ، يَحْكُمُ فِيهَا مَلِكٌ عَادِلٌ قَادِرٌ، يُحِقُّ فِيهَا الْحَقَّ، وَيُبْطِلُ الْبَاطِلَ، كُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ أُمٍّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا» ".
ــ
٥٢١٧ - (وَعَنْ شَدَّادٍ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْأُولَى أَيِ: ابْنِ أَوْسٍ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الدُّنْيَا وَيَتَمَتَّعُ بِهَا (الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ) أَيِ: الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ (وَإِنَّ الْآخِرَةَ وَعْدٌ) أَيْ: مَوْعُودٌ (صَادِقٌ) أَيْ: وَاقِعٌ غَيْرُ كَاذِبٍ فِي مُخْتَصَرِ الطِّيبِيِّ ﵀ وَصَفَ الْوَعْدَ بِالصِّدْقِ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ أَيْ: صَادِقٌ وَعْدُهُ أَيْ فِي وَعْدِهِ (يَحْكُمُ فِيهَا) أَيْ: يَقْضِي فِي الْآخِرَةِ (مَلِكٌ) أَيْ: سُلْطَانٌ (عَادِلٌ) أَيْ: غَيْرُ ظَالِمٍ (قَادِرٌ) أَيْ: غَيْرُ عَاجِزٍ (يُحِقُّ فِيهَا الْحَقَّ) أَيْ: يُثْبِتُ وَيُعَيِّنُ (وَيُبْطِلُ) أَيْ: يُزْهِقُ (الْبَاطِلَ) وَالْمَعْنَى يُمَيِّزُ بَيْنَ أَهْلَيْهِمَا وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ (كُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ أُمٍّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا) فَكَأَنَّ الدُّنْيَا الْبَاطِلَةَ مَقَرُّهَا النَّارُ وَبِئْسَ الْقَرَارُ، وَالْآخِرَةُ الْحَقَّةُ مَحَلُّهَا الْجَنَّةُ فَنِعْمَ الدَّارُ.
стр. 7185
٥٢١٨ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ، يُسْمِعَانِ الْخَلَائِقَ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى» " رَوَاهُمَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي (الْحِلْيَةِ) .
ــ
٥٢١٨ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا ") بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالنُّونِ وَيُسَكَّنُ، وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ تَثْنِيَةُ الْجَنَبَةِ، وَهِيَ النَّاحِيَةُ، فَفِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهَا بِالتَّحْرِيكِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْجَنْبُ وَالْجَانِبُ وَالْجَنَبَةُ مُحَرَّكَةً شِقُّ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ، وَجَانِبَتَا الْأَنْفِ، وَجَنْبَتَاهُ وَيُحَرَّكُ جَنَبَاهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْوَاوُ لِلْحَالِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ مِنْ أَعَمِّ عَامِّ الْأَحْوَالِ وَقَوْلُهُ: (مَلَكَانِ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ عَلَى رَأْيٍ أَوْ مُبْتَدَأً وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرُهُ انْتَهَى، وَقَوْلُهُ: (يُنَادِيَانِ) : حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافٌ، أَوْ صِلَةٌ لِقَوْلِهِ مَلَكَانِ، وَقَوْلُهُ: (يُسْمِعَانِ الْخَلَائِقَ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ) بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِهِ أَوْ بَيَانٌ بَعْدَ بَيَانٍ، وَالظَّاهِرُ حَمْلُ الْأَسْمَاعِ لِلْخَلِيقَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، ثُمَّ لَعَلَّ السِّرَّ لِعَدَمِ إِسْمَاعِ الثَّقَلَيْنِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ التَّكْلِيفُ بِمُعَايَنَةِ الْغَيْبِ، كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ ﵊: " «لَوْلَا أَنْ تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» " فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا فَائِدَةُ النِّدَاءِ لِغَيْرِهِمَا مَعَ أَنَّهُمَا هُمَا الْمُحْتَاجَانِ لِلتَّنْبِيهِ عَنْ غَفْلَةِ الْأَنْبَاءِ؟ قُلْتُ: فَائِدَتُهُ أَنْ يُخْبِرَ الصَّادِقُ الْمُصَدَّقُ بِقَوْلِهِ نَاقِلًا عَمَّا سَمِعَ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَا أُخْبِرَ بِهِ الْحَقَّ الْمُطْلَقَ. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! هَلُمُّوا) أَيْ: تَعَالَوْا (إِلَى رَبِّكُمْ) أَيْ: أَمْرِهِ وَحُكْمِهِ، أَوِ انْقَطِعُوا إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] ، ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] (مَا قَلَّ) أَيْ: مِنَ الْمَالِ " وَمَا " مَوْصُولَةٌ (وَكَفَى) أَيْ: فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَزَادِ الْعُقْبَى (خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ) أَيْ: مِنَ الْمَالِ (وَأَلْهَى) أَيْ: شَغَلَ عَنِ الْمَوْلَى وَحُسْنِ الْحَالِ وَتَحْسِينِ الْمَالِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَجُورُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْمَاعُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى التَّنْبِيهِ عَنِ الْغَفْلَةِ مَجَازًا، فَمَعْنَى يُسْمِعَانِ الْخَلَائِقَ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ أَنَّهُمَا يَقْصِدَانِ بِالْإِسْمَاعِ الثَّقَلَيْنِ، فَيُسْمِعَانِ غَيْرَهُمَا، ثُمَّ خَصَّ مِنَ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسَانَ بِقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَنْبِيهًا عَلَى تَمَادِيهِمْ فِي الْغَفْلَةِ، وَانْهِمَاكِهِمْ فِي الْحِرْصِ، وَجَمْعِ حُطَامِ الدُّنْيَا حَتَّى أَلْهَاهُمْ ذَلِكَ عَنِ الْإِقْبَالِ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِلَى كَمْ هَذِهِ الْغَفْلَةُ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ؟ هَلُمُّوا إِلَى طَاعَةِ رَبِّكُمْ مَا قَلَّ مِنَ الْمَالِ، وَيَكْفِيكُمْ وَلَا يُلْهِيكُمْ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، سَمِعَ هَذَا النِّدَاءَ مَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ، أُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ أَشَارَ اللَّهُ بِذِكْرِهِمْ وَرَفَعَ مِنْ مَنْزِلَتِهِمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] الْآيَةَ. وَمَعْنَى إِسْمَاعِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ كَوْنُهَا مُسَبِّحَةً لِلَّهِ مُنْقَادَةً لِمَا يُرَادُ مِنْهَا، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ صِحَّةَ كَلَامِهِ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ غَيْرُ عَامَّةِ الثَّقَلَيْنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ) : وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ الْأَوَّلَ فِي صَحِيحِهِ.
стр. 7186
٥٢١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ، قَالَ: (إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا قَدَّمَ؟ وَقَالَ بَنُو آدَمَ: مَا خَلَّفَ؟ ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٢١٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ (بِهِ) : وَالْيَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَالْمَعْنَى يَرْفَعُ مَرْوِيَّهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَالَ: " إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ مَا يَؤُولُ فَإِنَّ الْمَيِّتَ لَا يَمُوتُ بَلِ الْحَيُّ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ. قُلْتُ: إِلَّا الْحَيَّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَفِي الْكَشَّافِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الْحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ، فَإِنَّهُ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، فَسَمَّى الْمُشَارِفَ لِلْمَرَضِ وَالضَّلَالِ مَرِيضًا وَضَالَّةً، وَعَلَى هَذَا يُسَمَّى الْمُشَارِفُ لِلْمَوْتِ مَيِّتًا: قُلْتُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وَمَآلُ الْقَوْلَيْنِ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ أَوْ آخِرِ حَالِهِ، كَنَظَرِ الصُّوفِيَّةِ فِي أَمْرِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ، وَالْأُولَى هِيَ الْأُولَى. (" قَالَتْ ") وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ تَقُولُ: (" الْمَلَائِكَةُ: مَا قَدَّمَ ") بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: مِنَ الْأَعْمَالِ: (" وَقَالَ بَنُو آدَمَ ") وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: وَيَقُولُ النَّاسُ (مَا خَلَّفَ؟) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: أَخَّرَ مِنَ الْأَمْوَالِ قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفَائِدَتُهُ اهْتِمَامُ شَأْنِ الْمَلَائِكَةِ بِالْأَعْمَالِ، أَيْ: مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ حَتَّى يُثَابَ بِهِ، أَوْ يُعَاقَبَ عَلَيْهِ، وَاهْتِمَامُ الْوُرَّاثِ بِمَالِهِ لِيَرِثُوهُ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 7187
٥٢٢٠ - وَعَنْ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: (يَا بُنَيَّ! إِنَّ النَّاسَ قَدْ تَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ مَا يُوعَدُونَ، وَهُمْ إِلَى الْآخِرَةِ، سِرَاعًا يَذْهَبُونَ، وَإِنَّكَ قَدِ اسْتَدْبَرْتَ الدُّنْيَا مُنْذُ كُنْتَ، وَاسْتَقْبَلْتَ الْآخِرَةَ، وَإِنَّ دَارًا تَسِيرُ إِلَيْهَا أَقْرَبُ مِنْ دَارٍ تَخْرُجُ مِنْهَا) . رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
٥٢٢٠ - (وَعَنْ مَالِكٍ) أَيِ: ابْنِ أَنَسٍ (أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: " يَا بُنَيَّ ") : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَتُكْسَرُ عَلَى صِيغَةِ التَّصْغِيرِ لِلشَّفَقَةِ (" إِنَّ النَّاسَ ") أَيْ: مِنْ عَهْدِ آدَمَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا (" قَدْ تَطَاوَلَ ") أَيْ: بَعُدَ (" عَلَيْهِمْ مَا يُوعَدُونَ ") أَيْ: مِنَ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ وَمَا بَعْدَهُمَا مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ: طَالَ عَلَيْهِمْ مُدَّةُ مَا وُعِدُوا بِهِ (وَهُمْ إِلَى الْآخِرَةِ، سِرَاعًا) أَيْ: مُسْرِعِينَ حَالٌ مِنَ الْمُبْتَدَأِ أَوْ مِنْ ضَمِيرِ الْخَبَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (يَذْهَبُونَ) قُدِّمَ اهْتِمَامًا، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ مَا يُوعَدُونَ، وَالْمَعْنَى تَطَاوَلَ عَلَى النَّاسِ بُعْدُ الْوَعْدِ وَقُرْبُ الْعَهْدِ، وَالْحَالُ أَنَّهُمْ كُلَّ سَاعَةٍ، بَلْ كُلَّ نَفَسٍ يَذْهَبُونَ إِلَى مَا يُوعَدُونَ كَالْقَافِلَةِ السَّيَّارَةِ، لَكِنَّهُمْ لَا يُحِسُّونَ كَالسُّكَّانِ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّكَ) أَيْ: أَيُّهَا الْوَلَدُ وَأُرِيدَ بِهِ خِطَابُ الْعَامَّةِ الشَّامِلُ لِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ (قَدِ اسْتَدْبَرْتَ) أَيْ: أَنْتَ (الدُّنْيَا) أَيْ: سَاعَةً فَسَاعَةً (" مُنْذُ كُنْتَ ") أَيْ: وُجِدْتَ وَوُلِدْتَ (" وَاسْتَقْبَلْتَ الْآخِرَةَ ") أَيْ: نَفَسَا فَنَفَسًا مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ لَكَ فِي هَذَا الْمَسِيرِ مِنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْمَصِيرِ، ثُمَّ أَوْضَحَ لَهُ الْقِصَّةَ بِطَرِيقِ الْحِكْمَةِ، حَيْثُ بَيَّنَ الدَّارَيْنِ الْمَعْنَوِيَّتَيْنِ بِالدَّارَيْنِ الْمَحْسُوسَتَيْنِ، فَقَالَ (" وَإِنَّ دَارًا تَسِيرُ إِلَيْهَا أَقْرَبُ إِلَيْكَ مِنْ دَارٍ تَخْرُجُ مِنْهَا ") : وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْمَوْعِظَةِ دَفْعُ الْغَفْلَةِ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ (رَوَاهُ رَزِينٌ) .
стр. 7188
٥٢٢١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ ". قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: " هُوَ النَّقِيُّ، التَّقِيُّ، لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٥٢٢١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ (قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ ") : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: سَلِيمُ الْقَلْبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩] مِنْ خَمَمْتَ الْبَيْتَ إِذَا كَنَسْتَهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ، فَالْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مَكْنُوسًا مِنْ غُبَارِ
стр. 7189
الْأَغْيَارِ، وَمُنَظَّفًا مِنْ أَخْلَاقِ الْأَقْذَارِ، (" صَدُوقِ اللِّسَانِ ") : بِالْجَرِّ أَيْ: كُلُّ مُبَالِغٍ لِلصِّدْقِ فِي لِسَانِهِ، فَيَحْصُلُ بِهِ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ تَحْسِينِ لِسَانِهِ وَبَيَانِهِ، فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُنَافِيًا أَوْ مُرَائِيًا مُخَالِفًا، (قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ) : بِالْجَرِّ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَيَجُورُ رَفْعُهُ عَلَى إِعْرَابِ الِابْتِدَائِيَّةِ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: (نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: " هُوَ النَّقِيُّ ") أَيْ: نَقِيُّ الْقَلْبِ، وَطَاهِرُ الْبَاطِنِ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِ الْمَوْلَى (" التَّقِيُّ ") أَيِ: الْمُجْتَنِبُ عَنْ خُطُورِ السِّوَى (" لَا إِثْمَ عَلَيْهِ ") : فَإِنَّهُ مَحْفُوظٌ، وَبِالْغُفْرَانِ مَحْظُوظٌ، وَبِعَيْنِ الْعِنَايَةِ مَلْحُوظٌ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ " لَا " لِنَفْيِ الْجِنْسِ " فَقَوْلُهُ: (" وَلَا بَغْيَ ") أَيْ: لَا ظُلْمَ لَهُ (" وَلَا غِلَّ ") أَيْ: لَا حِقْدَ (" وَلَا حَسَدَ ") أَيْ: لَا تَمَنِّيَ زَوَالِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ وَالتَّعْمِيمِ عَلَى سَبِيلِ التَّكْمِيلِ وَالتَّعْمِيمِ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُ الْإِثْمِ بِحَقِّ اللَّهِ، فَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ لَا مِنَ الْخَلْقِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْخَالِقِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَقَائِقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْجَوَابُ يَلِي إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] أَيْ: أَخْلَصَهَا لِلتَّقْوَى مِنْ قَوْلِهِمُ: امْتَحَنَ الذَّهَبَ وَفَتَنَهُ إِذَا أَذَابَهُ، فَخَلَّصَ إِبْرِيزَهُ مِنْ خَبَثِهِ وَنَقَّاهُ، وَعَنْ عُمَرَ ﵁: أَذْهَبَ الشَّهَوَاتِ عَنْهَا. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 7190
٥٢٢٢ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٢٢٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَمْرٍو (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَرْبَعٌ ") أَيْ: مِنَ الْخِصَالِ (" إِذَا كُنَّ فِيكَ ") أَيْ: وُجِدْنَ فِي وُجُودِكَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (" فَلَا عَلَيْكَ ") أَيْ: لَا بَأْسَ (" مَا فَاتَكَ الدُّنْيَا ") : وَفِي الْجَامِعِ: مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " مَا " مَصْدَرِيَّةً، وَالْوَقْتُ مُقَدَّرٌ أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْهِ وَقْتَ فَوْتِ الدُّنْيَا إِنْ حَصَلَتْ لَكَ هَذِهِ الْخِلَالُ، وَأَنْ تَكُونَ نَافِيَةً أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ لِأَنَّهُ لَمْ تَفُتْكَ الدُّنْيَا إِنْ حَصَلَتْ لَكَ هَذِهِ الْخِصَالُ انْتَهَى، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى. (" حِفْظُ أَمَانَةٍ ") : يَشْمَلُ أَمَانَةَ الْأَمْوَالِ وَالْأَعْمَالِ (" وَصِدْقُ حَدِيثٍ ") : يَعُمُّ الْأَقْوَالَ (وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ) أَيْ: خُلُقٍ وَالتَّعْبِيرُ بِهَا إِشَارَةٌ إِلَى الْحُسْنِ الْجِبِلِّيِّ لَا التَّكَلُّفِيِّ وَالتَّصَنُّعِيِّ فِي الْأَحْوَالِ (" وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ ") : بِضَمِّ الطَّاءِ مَعَ تَنْوِينِ التَّاءِ أَيِ: احْتِرَازٌ مِنَ الْحَرَامِ، وَاحْتِفَاظٌ عَلَى الْحَلَالِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَلَفْظُ الْجَامِعِ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَحِفْظُ الْأَمَانَةِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَعِفَّةُ مَطْعَمٍ " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَا وَاوٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو بِالْوَاوِ، وَابْنُ عَدِيٍّ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
стр. 7191
٥٢٢٣ - وَعَنْ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ الْحَكِيمِ: مَا بَلَغَ بِكَ مَا نَرَى؟ يَعْنِي الْفَضْلَ قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي. رَوَاهُ فِي (الْمُوَطَّأِ) .
ــ
٥٢٢٣ - (وَعَنْ مَالِكٍ) أَيِ: الْإِمَامِ (قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ الْحَكِيمِ: مَا بَلَغَ بِكَ مَا نَرَى؟ يَعْنِي الْفَضْلَ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ أَوْ غَيْرِهِ تَفْسِيرًا، وَالْمَعْنَى يُرِيدُ لُقْمَانَ بِمَا الْمَوْصُولَةِ فِي قَوْلِهِ مَا نَرَى الْفَضْلَ وَأَمَّا مَا الْأُولَى فَهِيَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَالْمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ أَوْصَلَكَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ الَّتِي نَرَاهَا فِيكَ مِنَ الْفَضِيلَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى غَيْرِكَ (قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ) أَيْ: مُلَازَمَةُ صِدْقِ الْحَدِيثِ قَوْلًا وَنَقْلًا (وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ) أَيْ: مَالًا وَفِعْلًا (وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي) أَيْ: مَا لَا يَنْفَعُنِي حَالًا وَمَآلًا (رَوَاهُ) أَيْ مَالِكٌ (فِي " الْمُوَطَّأِ ") أَيْ عَنْ مَالِكٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَحْثُ ذَلِكَ.
стр. 7192
٥٢٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَجِيءُ الْأَعْمَالُ، فَتَجِيءُ الصَّلَاةُ فَتَقُولُ يَا رَبِّ أَنَا الصَّلَاةُ. فَيَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ. فَتَجِيءُ الصَّدَقَةُ، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ! أَنَا الصَّدَقَةُ. فَيَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ. ثُمَّ يَجِيءُ الصِّيَامُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَنَا الصِّيَامُ. فَيَقُولُ: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ. ثُمَّ تَجِيءُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَلِكَ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ. ثُمَّ يَجِيءُ الْإِسْلَامُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَنْتَ السَّلَامُ وَأَنَا الْإِسْلَامُ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، بِكَ الْيَوْمَ آخُذُ، وَبِكَ أُعْطِي. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] » .
ــ
٥٢٢٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَجِيءُ ") : بِالتَّأْنِيثِ وَيَجُوزُ تَذْكِيرُهُ أَيْ: تَأْتِي (" الْأَعْمَالُ ") أَيْ: مُجَسَّمَةً لِتَحْتَجَّ لِصَاحِبِهَا وَتَشْفَعَ لِمَرَاعِيهَا أَوْ تُخَاصِمَ لِمُخَالِفِيهَا وَتَارِكِيهَا (" فَتَجِيءُ الصَّلَاةُ فَتَقُولُ ") أَيْ: بِلِسَانِ الْقَالِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِلِسَانِ الْحَالِ وَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَجِيءِ ظُهُورُ أَثَرِ الْأَعْمَالِ وَنَتِيجَةِ الْأَفْعَالِ فِي الْمَآلِ (يَا رَبِّ! أَنَا الصَّلَاةُ) أَيِ الْمَبْدُوءَةُ فِي كِتَابِكَ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ حَيْثُ قُلْتَ: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٢] وَالْمَخْتُومَةُ مِنْهَا بِقَوْلِكَ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ أَنَا الْمَعْرُوفَةُ الْمَشْهُورَةُ بِالْفَضْلِ وَالْمَزِيَّةِ كَمَا يُقَالُ: أَنَا الْعَالِمُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ:
أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ أَنَّ لِي فِي مَرْتَبَةِ الشَّفَاعَةِ لِأَنِّي عِمَادُ الدِّينِ (" فَيَقُولُ ") أَيِ الرَّبُّ (" إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ ") : وَهَذَا رَدٌّ لَهَا عَلَى أَلْطَفِ وَجْهٍ أَيْ أَنْتِ ثَابِتَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَى خَيْرٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ [البقرة: ٥] وَلَكِنْ لَسْتِ بِمُسْتَقِلَّةٍ فِيهَا وَلَا كَافِيَةٍ فِي الِاحْتِجَاجِ، وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ سَائِرُ الْأَعْمَالِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَبَقِيَّةِ الْأَفْعَالِ. (" فَتَجِيءُ الصَّدَقَةُ، فَتَقُولُ يَا رَبِّ! أَنَا الصَّدَقَةُ فَيَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ. ثُمَّ يَجِيءُ الصِّيَامُ ") : وَلَعَلَّ وَجْهَ تَأْخِيرِهِ عَنِ الصَّدَقَةِ فِي الْعُقْبَى تَأْخِيرُ وُجُوبِهِ عَنْهَا فِي الدُّنْيَا ( «فَيَقُولُ يَا رَبِّ! أَنَا الصِّيَامُ. فَيَقُولُ: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ ثُمَّ تَجِيءُ الْأَعْمَالُ» ") أَيْ: سَائِرُهَا مِنَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهَا. (" عَلَى ذَلِكَ ") أَيْ: عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى هَذَا الْمَقَالِ (" يَقُولُ ") : اسْتِئْنَافٌ أَوْ حَالٌ، وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ فَيَقُولُ (" اللَّهُ تَعَالَى ") : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: (" إِنَّكَ ") أَيْ: أَيُّهَا الْعَمَلُ (" عَلَى خَيْرٍ ثُمَّ يَجِيءُ الْإِسْلَامُ ") أَيِ الِانْقِيَادُ الْبَاطِنُ الْمُوجِبُ لِلِانْقِيَادِ الظَّاهِرِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْإِيمَانِ، وَعَلَى تَرَادُفِهِمَا أَصْحَابُ الْإِيقَانِ وَأَرْبَابُ الْإِتْقَانِ (" فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَنْتَ السَّلَامُ وَأَنَا الْإِسْلَامُ ") أَيْ: وَبَيْنَنَا مُنَاسَبَةُ الِاشْتِقَاقِ الِاسْمِيَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الرَّسْمِيَّةُ وَالْوَسْمِيَّةُ، كَمَا حَقَّقَ فِي حَدِيثِ " «الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ» " فَإِنَّ الْمُقْتَضَى بِذَلِكَ أَنَّ الْقَائِمَ بِي يَدْخُلُ دَارَكَ دَارَ السَّلَامِ (" فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ ") أَيْ: خَيْرٌ عَظِيمٌ لِاشْتِمَالِكَ عَلَى دِينٍ وَسِيمٍ (" بِكَ الْيَوْمَ آخُذُ ") : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ: آخُذُ بِكَ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْعُقُوبَةِ (" وَبِكَ أُعْطِي ") أَيْ مَنْ أُسَامِحُهُ بِالْمَثُوبَةِ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْأَصْلُ الْمُدَارُ عَلَيْكَ أَمْرُ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ (" قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِبِشَارَةٍ شَرِيفَةٍ وَهِيَ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ لَيْسَ مِنَ الْخَاسِرِينَ أَبَدًا، بَلْ مِنَ الْمُفْلِحِينَ النَّاجِينَ مَآلًا وَمَنَالًا، وَأَنَّ أَمْرَ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ مَعَ قُوَّةِ الْإِسْلَامِ يُرْجَى فِيهَا الْمُسَامَحَةُ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ دَرْكِ الْهَاوِيَةِ.
стр. 7193
٥٢٢٥ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ طَيْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا عَائِشَةُ! حَوِّلِيهِ ; فَإِنِّي إِذَا رَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا» ".
ــ
٥٢٢٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ) : بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ: شَيْءٌ يُسْتَرُ بِهِ الْجِدَارُ أَوْ بَابُ الدَّارِ (فِيهِ تَمَاثِيلُ طَيْرٍ) أَيْ: تَصَاوِيرُ طُيُورٍ أَوْ طَيْرٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا عَائِشَةُ! حَوِّلِيهِ ") أَيْ: غَيِّرِيهِ بِتَبْدِيلِهِ أَوْ تَنْقِيلِهِ (" فَإِنِّي إِذَا رَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا ") : وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصُّوَرَ كَانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا، أَوْ قَبْلَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ وَامْتِنَاعِ دُخُولِ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ فِي مَكَانِهِ مَعَ الْإِيمَانِ إِلَى أَنَّ رُؤْيَتَهُ أَسْبَابٌ يَتَنَعَّمُ بِهَا الْأَغْنِيَاءُ مِمَّا تَذْهَبُ بِحَلَاوَةِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] .
стр. 7194
٥٢٢٦ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ. فَقَالَ: " إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْذِرُ مِنْهُ غَدًا، وَأَجْمِعِ الْإِيَاسَ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ» ".
ــ
٥٢٢٦ - (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ» ) أَيِ اخْتَصِرْ وَعَلَى الْمُهِمِّ اقْتَصِرْ (فَقَالَ: " إِذَا قُمْتَ ") أَيْ: شَرَعْتَ (" فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ ") : بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: مُوَدِّعٍ لِمَا سِوَى اللَّهِ بِالِاسْتِغْرَاقِ فِي مُنَاجَاةِ مَوْلَاكَ، أَوِ الْمَعْنَى صَلِّ صَلَاةَ مَنْ يُوَدِّعُ الصَّلَاةَ، وَمِنْهُ حَجَّةُ الْوَدَاعِ أَيِ: اجْعَلْ صَلَاتَكَ آخِرَ الصَّلَاةِ فَرْضًا فَحَسِّنْ خَاتِمَةَ عَمَلِكَ، وَأَقْصِرْ طُولَ أَمَلِكَ لِاحْتِمَالِ قُرْبِ أَجَلِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ: فَأَقْبِلْ عَلَى اللَّهِ بِشَرَاشِرِكَ، وَوَدِّعْ غَيْرَكَ لِمُنَاجَاةِ رَبِّكَ (" وَلَا تَكَلَّمْ ") : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَفِي نُسْخَةٍ بِإِثْبَاتِهِمَا أَيْ: " لَا تَتَحَدَّثْ (" بِكَلَامٍ تَعْذِرُ ") : بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الذَّالِ أَيْ: تَحْتَاجُ أَنْ تَعْتَذِرَ (" مِنْهُ ") أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْكَلَامِ (" غَدًا ") أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ الْمَعْنَى لِقَوْلِهِ: " «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ". (" وَأَجْمِعِ الْإِيَاسَ ") : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَيَجُورُ عَكْسُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤] فَقَدْ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مِنْ جَمَعَ يَجْمَعُ، وَالْبَاقُونَ بِقَطْعِهَا وَالْكَسْرُ مِنْ أَجْمَعَ. بِمَعْنَى عَزَمَ عَلَى الْأَمْرِ أَوْ هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنَى الْجَمْعِ فَالْمَعْنَى اعْزِمْ عَلَى قِطَعِ الْيَأْسِ أَوْ أَجْمِعْ خَاطِرَكَ عَلَى قَصْدِ الْيَأْسِ وَتَرْكِ الطَّمَعِ (" مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ ") أَيْ قَنَاعَةً بِالْكِفَايَةِ الْمُقَدَّرَةِ بِالْقِسْمَةِ الْمُحَرَّرَةِ الْمُقَرَّرَةِ. فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الِاسْتِئْنَاسَ بِالنَّاسِ مِنْ عَلَامَةِ الْإِفْلَاسِ، وَأَنَّ الْغِنَى الْقَلْبِيَّ هُوَ الْإِيَاسُ مِمَّا أَبْدَى النَّاسُ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ: أَجْمِعْ رَأْيَكَ عَلَى الْيَأْسِ مِنَ النَّاسِ، وَصَمِّمْ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤] قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِيَاسَ وَقَعَ مَوْقِعَ الْيَأْسِ سَهْوًا مِنَ الْكَاتِبِ ; لِأَنَّ الْإِيَاسَ مَصْدَرُ أَسِهَ إِذَا أَعْطَاهُ، وَلَيْسَ مَصْدَرَ أَيِسَ مَقْلُوبِ يَئِسَ، لِأَنَّ مَصْدَرَ الْقُلُوبِ يُوَافِقُ الْفِعْلَ الْأَصْلِيَّ لَا الْمَقْلُوبَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مَنْ آيَسَ نَفْسَهُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ إِيئَاسًا فَخَفَّفَ الْهَمْزَةَ أَيْ بِالنَّقْلِ وَالْحَذْفِ انْتَهَى. وَفِي الْقَامُوسِ أَيِسَ مِنْهُ كَسَمِعَ إِيَاسًا قَنِطَ، فَبَطَّلَ تَخْطِئَةُ الرِّوَايَةِ الْحُفَّاظَ الْمُعْتَمَدِينَ عَلَى ذَوَاتِ الصُّدُورِ لَا عَلَى مَا فِي السُّطُورِ، خُصُوصًا وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُصَحَّحَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أَيْ: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَلِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوْصِنِي. قَالَ: " عَلَيْكَ بِالْإِيَاسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَإِيَّاكَ وَالطَّمَعَ فَإِنَّهُ الْفَقْرُ الْحَاضِرُ، وَصَلِّ صَلَاتَكَ وَأَنْتَ مُوَدِّعٌ وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: وَاللَّفْظُ لَهُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ اه.
وَمِنَ الْمُحَالِ اتِّفَاقُ الْحُفَّاظِ وَالْأَصْحَابِ عَلَى سَهْوٍ وَقَعَ مِنْ أَحَدِ الْكُتَّابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 7195
٥٢٢٧ - «وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، خَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوصِيهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: " يَا مُعَاذُ! إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا وَقَبْرِي " فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ الْتَفَتَ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: " إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِيَ الْمُتَّقُونَ، مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا» " رَوَى الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ أَحْمَدُ.
ــ
٥٢٢٧ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ: لَمَّا أَرَادَ إِرْسَالَهُ قَاضِيًا أَوْ عَامِلًا (إِلَى الْيَمَنِ، خَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوصِيهِ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ (وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ) أَيْ: بِأَمْرِهِ (وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ) أَيْ: تَوَاضُعًا لِلَّهِ وَتَلَطُّفًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ اسْتِحْبَابُ مُشَايَعَةِ الْأَصْحَابِ، (فَلَمَّا فَرَغَ) أَيْ: مِنَ الْوَصِيَّةِ (قَالَ: " «يَا مُعَاذُ إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا وَقَبْرِي» ") أَيْ: مَعَ قَبْرِي عَلَى أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى " مَعَ " ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطَفَ عَلَى مَسْجِدِي، وَالتَّقْدِيرُ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا وَبِقَبْرِي أَيْضًا، وَأَبْهَمَهُ لِعَدَمِ ظُهُورِهِ حِينَئِذٍ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ عَسَى مَعْنَاهُ التَّرَجِّي فِي الْمَحْبُوبِ وَالْإِشْفَاقُ مِنَ الْمَكْرُوهِ وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وَأَمَّا لَعَلَّ فَمَعْنَاهُ التَّوَقُّعُ وَهُوَ تَرَجِّي الْمَحْبُوبِ وَالْإِشْفَاقُ مِنَ الْمَكْرُوهِ نَحْوَ: لَعَلَّ الْحَبِيبَ وَاصِلٌ، وَلَعَلَّ الرَّقِيبَ حَاصِلٌ، وَيَخْتَصُّ بِالْمُمْكِنِ بِخِلَافِ لَيْتَ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُحَالِ نَحْوَ: لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ، فَاسْتِعْمَالُ عَسَى وَلَعَلَّ فِي الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ، ثُمَّ فِي الْمُغْنِي يَقْتَرِنُ خَبَرُ لَعَلَّ بِأَنْ كَثِيرًا حَمْلًا عَلَى عَسَى كَقَوْلِهِ:
لَعَلَّكَ يَوْمًا أَنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ عَلَيْكَ ... مِنَ اللَّائِي يَدَعْنَكَ أَجْدَعَا
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اسْتِعْمَالُ لَعَلَّ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاغِبًا لِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَدْخَلَ أَنْ فِي الْخَبَرِ تَشْبِيهًا لِلَعَلَّ بِعَسَى تَلْوِيحًا إِلَى قَوْلِهِ : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: جَزَعًا وَفَزَعًا، فَفِي النِّهَايَةِ الْجَشَعُ أَجْزَعُ لِفِرَاقِ الْإِلْفِ فَقَوْلُهُ: (لِفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : لِلتَّأْكِيدِ أَوْ لِلتَّجْرِيدِ (ثُمَّ الْتَفَتَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مُعَاذٍ (فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ) : تَفْسِيرٌ لِلِالْتِفَاتِ، وَلَعَلَّ وَجْهُ الِالْتِفَاتِ بِإِدَارَةِ وَجْهِهِ الشَّرِيفِ عَنْ مُعَاذٍ لِئَلَّا يَرَى بُكَاءَهُ وَيُصَيِّرَهُ سَبَبًا لِبُكَائِهِ ﵊، وَيَشْتَدُّ الْحُزْنُ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ مَعَ الْإِيمَاءِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمُفَارَقَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْمُوَاجَهَةِ فِي الْعُقْبَى، فَسَلَّاهُ فِعْلًا وَوَصَّاهُ قَوْلًا، حَيْثُ بَيَّنَ فِيهِ أَنَّكَ تُفَارِقُنِي وَتُفَارِقُ الْمَدِينَةَ وَتَتْرُكُ الْمَدِينَةَ وَلَا تَرَانِي، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ مَجْمَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَتْقِيَاءِ فِي دَارِ الْبَقَاءِ. (فَقَالَ: " إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي ") أَيْ: بِشَفَاعَتِي أَوْ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَى مَنْزِلَتِي (" الْمُتَّقُونَ، مَنْ كَانُوا ") : جَمَعَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى مَنْ، وَالْمَعْنَى كَائِنًا مَنْ كَانَ عَرَبِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ شَرِيفًا أَوْ وَضِيعًا (" وَحَيْثُ كَانُوا ") أَيْ: سَوَاءٌ كَانُوا بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ أَوْ بِالْيَمَنِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ فَسَّرَهُ، فَانْظُرْ إِلَى رُتْبَةِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ بِالْيَمَنِ عَلَى كَمَالِ التَّقْوَى، وَحَالَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَكَابِرِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مِنْ حِرْمَانِ الْمَنْزِلَةِ الزُّلْفَى، بَلْ مِنْ إِيصَالِ ضَرَرِهِمْ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مِنْ بَعْضِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّكَ بُعْدُكَ الصُّورِيُّ عَنِّي مَعَ وُجُودِ قَوْلِكَ الْمَعْنَوِيِّ بِي، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالتَّقْوَى كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ إِطْلَاقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ نَوْعِ إِنْسَانٍ فَفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى التَّقْوَى الْمُنَاسِبَةِ لِلْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْمُفَارَقَةِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِبَقِيَّةِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا زَمَنَ الْحَضْرَةِ وَمَكَانَ الْخِدْمَةِ هَذَا الَّذِي سَنَحَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ حِلِّ الْكَلَامِ عَلَى ظُهُورِ الْمَرَامِ.
стр. 7196
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَعَلَّ الِالْتِفَاتَ كَانَ تَسَلِّيًا لِمُعَاذٍ بَعْدَمَا نَعَى نَفْسَهُ إِلَيْهِ يَعْنِي إِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدِي فَاقْتَدِ بِأَوْلَى النَّاسِ بِي وَهُمُ الْمُتَّقُونَ، وَكَنَّى بِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَنَحْوُهُ حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ» كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ. قُلْتُ: وَالَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ الْمُرَادُ خِلَافُ الْأَدَبِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهَا تُرِيدُ عَدَمَ وُجُودِهِ فِي الْمَدِينَةِ أَوِ الْبَيْتِ. قَالَ فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ﵁ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَهُ وَقَائِمٌ مَقَامَهُ. قُلْتُ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي الْمُدَّعَى لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْقَضِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِأَبِي بَكْرٍ ﵁ صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي أَمْرِ الْخِلَافَةِ لَا عَلَى الصِّدِّيقِ وَلَا عَلَى الْمُرْتَضَى. (رَوَى الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ أَحْمَدُ) أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ أَسَانِيدِهِ أَنَّهُ حَسَنٌ.
стр. 7197
٥٢٢٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ النُّورَ إِذَا دَخَلَ الصَّدْرَ انْفَسَحَ ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ لِتِلْكَ مِنْ عِلْمٍ يُعْرَفُ بِهِ؟ قَالَ: " نَعَمْ، التَّجَافِي مِنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ» ".
ــ
٥٢٢٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: تَلَا) أَيْ: قَرَأَ (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥] أَيْ: هَدْيَهُ الْخَاصَّ الْمُوَصِّلَ إِلَى مَقَامِ الِاخْتِصَاصِ ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥] أَيْ: يُوَسِّعْ قَلْبَهُ لِلْإِسْلَامِ أَيْ: لِشَرَائِعِهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِخْلَاصِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ يَلْطُفُ بِهِ وَيَقْذِفُ النُّورَ فِيهِ حَتَّى يَرْغَبَ فِي الْإِسْلَامِ، وَتَسْكُنَ إِلَيْهِ نَفْسُهُ وَيُحِبَّ الدُّخُولَ فِيهِ. قُلْتُ: هَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِمَا سَيَجِيءُ فِي تَفْسِيرِ شَرْحِ الصَّدْرِ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ النُّورَ ") أَيْ نُورُ الْهِدَايَةِ (" إِذَا دَخَلَ الصَّدْرَ انْفَسَحَ ") أَيِ: انْشَرَحَ وَتَوَسَّعَ بِحَيْثُ يَسَعُهُ قَبُولُ جَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَيَحْلُو فِي مَذَاقِهِ مَرَارَةُ مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَهَذَا الْقَلْبُ فِي الْحَقِيقَةِ عَرْشُ الرَّبِّ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «لَا يَسَعُنِي أَرْضِي وَلَا سَمَائِي، وَلَكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ» ، لِأَنَّ السُّفْلِيَّاتِ وَالْعُلْوِيَّاتِ لَيْسَ لَهُنَّ قَابِلِيَّةُ إِدْرَاكِ الْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الْآيَاتِ. وَهَذَا فِيمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ وَأَرَادَ هِدَايَتَهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِمَّا يَرِدِ اللَّهُ غِوَايَتَهُ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ لِتِلْكَ) أَيِ الْخَصْلَةِ كَذَا قِيلَ، وَالصَّوَابُ هَلْ لِتِلْكَ الْحَالَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالِانْفِسَاخِ (مِنْ عِلْمٍ) أَيْ: عَلَامَةٌ وَأَمَارَةٌ، وَمِنْ زَائِدَةٌ لِلْمُبَالَغَةِ (تُعْرَفُ) أَيْ تِلْكَ الْحَالَةُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّذْكِيرِ نَظَرًا إِلَى مَعْنَاهَا وَهُوَ الِانْفِسَاخُ (بِهِ؟) أَيْ: بِذَلِكَ الْعِلْمِ حَتَّى نَقِيسَ حَالَنَا عَلَيْهِ، وَنَرْجِعَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْآرَاءِ إِلَيْهِ. (قَالَ: " نَعَمْ ") أَيْ: فِيهِ عِلْمٌ بَلْ عَلَامَاتٌ وَهِيَ (" التَّجَافِي ") أَيِ الْمُبَالَغَةُ وَالتَّكَلُّفُ فِي الْبُعْدِ عَلَى طَرِيقِ الزُّهْدِ لِتَحْصِيلِ السَّعْدِ (" مِنْ دَارِ الْغُرُورِ ") أَيِ الدُّنْيَا الْغَرَّارَةِ السَّحَّارَةِ الْغَدَّارَةِ الْمَكَّارَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان: ٣٣] فَإِنَّهَا دَارُ الْعَنَاءِ وَالشَّقَاءِ، وَإِنْ كَانَ صُورَتُهَا أَنَّهَا النَّعْمَاءُ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ أَنَّهُ الْمَاءُ، حَتَّى أَتْبَعَهُمْ فِيهَا الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ وَالْأَغْنِيَاءُ (وَالْإِنَابَةُ) أَيِ الرُّجُوعُ وَالْمَيْلُ التَّامُّ (إِلَى دَارِ الْخُلُودِ) أَيْ دَارِ الْبَقَاءِ وَاللِّقَاءِ (" وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ ") أَيْ بِالتَّوْبَةِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْعِبَادَةِ، وَصَرْفِ الطَّاقَةِ فِي الطَّاعَةِ (" قَبْلَ نُزُولِهِ ") أَيْ قَبْلَ حُلُولِ الْمَوْتِ أَوْ ظُهُورِ مُقَدِّمَاتِهِ مِنَ الْمَرَضِ وَالْهَرَمِ، حَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ حِينَئِذٍ عَلَى تَحْصِيلِ عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ وَلَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، وَكَانَ هَذَا فَذْلَكَةً لِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ الْعُمْدَةُ لِكَوْنِهِ عِلْمًا لَهُ وَمَا قَبْلُهُ إِنَّمَا هُوَ بَاعِثٌ بِطَرَفَيْهِ هُنَالِكَ عَلَى إِقْدَامِ السَّالِكِ عَلَى ذَلِكَ.
стр. 7198
٥٢٢٩ - ٥٢٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي خَلَّادٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا رَأَيْتُمُ الْعَبْدَ يُعْطِي زُهْدًا فِي الدُّنْيَا، وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ ; فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٢٢٩ - ٥٢٣٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي خَلَّادٍ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَبُو خَلَّادٍ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى اسْمٍ وَلَا نِسْبَةٍ، حَدِيثُهُ عِنْدَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ أَبِي خَلَّادٍ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمُؤْمِنَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ» . وَفِي رِوَايَةٍ مِثْلُهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ أَبِي فَرْوَةَ وَأَبِي خَلَّادٍ أَبُو مَرْيَمَ، وَهَذَا أَصَحُّ انْتَهَى. فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُنْقَطِعٌ أَوْ مُتَّصِلٌ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِرِوَايَةِ مِثْلِهِ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا رَأَيْتُمُ الْعَبْدَ يُعْطِي زُهْدًا ") أَيْ: قِلَّةَ رَغْبَةٍ (" فِي الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ ") أَيِ اللَّغْوِ وَالْهَوَى (" فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ ") أَيِ: اطْلُبُوا الْقُرْبَ مِنْهُ، وَالْتَمِسُوا فِي مُجَالَسَتِهِ الْقُرْبَى إِلَى الْمَوْلَى (" فَإِنَّهُ يُلَقَّى ") : بِتَشْدِيدِ الْقَافِ الْمَفْتُوحَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِتَخْفِيفِهَا أَيْ: يُلَقَّنُ وَيُؤْتَى (" الْحِكْمَةَ ") أَيِ: الْمَوْعِظَةَ الْمُطَابِقَةَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى. ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] وَالْحِكْمَةُ فِي الْحَقِيقَةِ إِتْقَانُ الْعَمَلِ وَالْعَمَلُ عَلَى سَبِيلِ الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَصَاحِبُهَا بِحُكْمِ حَدِيثِ مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا أَظْهَرَ اللَّهُ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ، هُوَ الْعَالِمُ الْعَامِلُ الْمُخْلِصُ الْكَامِلُ يَكُونُ مُرْشِدًا مُكَمِّلًا، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَطْلُبَ مُجَالَسَتَهُ وَيَخُصَّ مُحَادَثَتَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] أَيْ: قَالًا وَحَالًا. وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: اصْحَبُوا مَعَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ تُطِيقُوا فَاصْحَبُوا مَعَ مَنْ يَصْحَبُ مَعَ اللَّهِ، وَعَلَامَةُ صِحَّةِ أَحْوَالِهِ بَعْدَ تَصْحِيحِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مِنْ عَلَامَةِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ بِحَيْثُ تُؤْثَرُ صُحْبَتُهُ فِي جَمِيعِ الْأَمْرِ، وَيَزْهَدُ أَصْحَابُهُ فِي الدُّنْيَا وَتَوَابِعِهَا مِنْ تَحْصِيلِ الْمَالِ وَالْجَاهِ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى دَارِ الْعُقْبَى، بَلْ يَجْعَلُهُمْ فَارِغِينَ عَنْ أُمُورِ الْكَوْنَيْنِ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ خُلْعَ النَّعْلَيْنِ، غَائِبِينَ عَنِ السِّوَى، حَاضِرِينَ فِي حَضْرَةِ الْمَوْلَى، ذَاهِلِينَ عَنْ مُرَاقَبَةِ الْفَنَاءِ، وَاصِلِينَ إِلَى مُشَاهَدَةِ الْبَقَاءِ، حَاصِلِينَ فِي الْجَنَّةِ الْعَاجِلَةِ عَلَى لَذَّةِ الْبَقَاءِ، فَهَذَا الْعَارِفُ حِينَئِذٍ خَلِيفَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَائِمٌ مَقَامَ الْأَوْلِيَاءِ الْأَصْفِيَاءِ رَزَقَنَا اللَّهُ رُؤْيَتَهُ وَخِدْمَتَهُ وَصُحْبَتَهُ. (رَوَاهُمَا) أَيِ الْحَدِيثَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي: " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") .
وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ، وَالْفِرْيَابِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَايِنِيِّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَلَيْسَ هُوَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ فَقَالَ: " أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا " قَالَ: وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] قَالُوا: كَيْفَ يُشْرَحُ صَدْرُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ " نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحَ لَهُ وَيَنْفَسِحَ لَهُ " قَالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ أَمَارَةٍ يُعْرَفُ بِهَا؟ قَالَ: " الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقَاءِ الْمَوْتِ» " وَفِي رِوَايَةٍ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] يَقُولُ: يُوَسِّعُ قَلْبَهُ لِلتَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِهِ ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] يَقُولُ: شَاكًّا ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] يَقُولُ كَمَا لَا يَسْتَطِيعُ ابْنُ آدَمَ أَنْ يَبْلُغَ السَّمَاءَ، فَكَذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ التَّوْحِيدُ وَالْإِيمَانُ قَلْبَهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ، وَلِلْحَدِيثِ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7199
[بَابُ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ وَمَا كَانَ مِنْ عَيْشِ النَّبِيِّ ﷺ ]
стр. 7200
بَابُ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ وَمَا كَانَ مِنْ عَيْشِ النَّبِيِّ ﷺ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٣١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
[١] بَابُ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ وَمَا كَانَ مِنْ عَيْشِ النَّبِيِّ ﷺ
الْمُرَادُ بِالْفَضْلِ هُنَا زِيَادَةُ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ لَا فَضِيلَةُ الْمَالِ وَزِيَادَةُ تَحْسِينِ الثِّيَابِ وَقَوْلُهُ: وَمَا كَانَ مِنْ عَيْشِ النَّبِيِّ أَيْ: مَعِيشَتِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَضْلِ الْفُقَرَاءِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَنُكْتَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ ﵊ كَانَ عَيْشُهُ عَيْشَ الْفُقَرَاءِ، كَأَكْثَرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَكَفَى بِهِ فَضْلًا لِلْفُقَرَاءِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَإِنْ خَفِيَ هَذَا الْأَمْرُ عَلَى بَعْضِ الْأَغْنِيَاءِ مِمَّنِ ادَّعَى أَنَّهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٢٣١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رُبَّ أَشْعَثَ ") أَيْ: رُبَّ رَجُلٍ أَشْعَثَ أَيْ: مُتَفَرِّقِ شَعْرِ رَأْسِهِ (" مَدْفُوعٍ ") بِالْجَرِّ (" بِالْأَبْوَابِ ") أَيْ: مَمْنُوعٌ مِنْهَا بِالْيَدِ أَوِ اللِّسَانِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُدْخِلُهُ أَحَدٌ فِي بَيْتِهِ لَوْ فُرِضَ وُقُوفُهُ عَلَى بَابِهِ مِنْ غَايَةِ حَقَارَتِهِ فِي نَظَرِ النَّاسِ، وَذَلِكَ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ سَتْرَ حَالِهِ عَنِ الْخَلْقِ لِئَلَّا يَحْصُلَ لَهُ بِالْغَيْرِ شَيْءٌ مِنَ الِاسْتِئْنَاسِ، فَيَحْفَظُهُ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى أَبْوَابِ الظُّلْمَةِ وَأَكْلِ الْحَرَامِ، كَمَا يَحْمِي أَحَدُنَا الْمَرِيضَ عَنِ اسْتِعْمَالِ الطَّعَامِ، فَلَا يَحْضُرُ إِلَّا بَابَ مَوْلَاهُ، وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ كَمَالِ غِنَاهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ يَأْتِي أَبْوَابَ أَرْبَابِ الدُّنْيَا فَيَطْرُدُونَهُ عَنْهَا، وَيَدْفَعُونَهُ عَنْ دُخُولِهِ مِنْهَا، فَإِنَّ الْأَوْلِيَاءَ مَحْفُوظُونَ، عَنْ هَذِهِ الْمَذَلَّةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ مِنِ اخْتِيَارِ أَرْبَابِ الْمَلَامَةِ أَوْ مِمَّنْ صَدَرَ عَنْهُ الذِّلَّةُ، وَلَعَلَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَرْفُوعٌ بِالرَّاءِ حَتَّى قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ ﵀: الْأَشْعَثُ هُوَ الْمُغَبَّرُ الرَّأْسِ الْمُتَفَرِّقُ الشِّعْرِ، وَأَصْلُ التَّرْكِيبِ هُوَ التَّفَوُّقُ وَالِانْتِشَارُ وَالصَّوَابُ مَدْفُوعٌ بِالدَّالِ أَيْ يُدْفَعُ عَنِ الدُّخُولِ عَلَى الْأَعْيَانِ وَالْحُضُورِ فِي الْمَحَافِلِ، فَلَا يُتْرَكُ أَنْ يَلِجَ الْبَابَ فَضْلًا أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُمْ وَيَجْلِسَ فِيمَا بَيْنَهُمْ. (" لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ ") أَيْ: عَلَى فِعْلِهِ سُبْحَانَهُ بِأَنْ حَلَفَ أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ كَذَا أَوْ لَا يَفْعَلُهُ (" لَأَبَرَّهُ ") أَيْ: لَصَدَّقَهُ وَصَدَّقَ يَمِينَهُ، وَأَبَرَّهُ فِيهَا بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا يُوَافِقُهُ كَمَا وَقَعَ لِأَنَسِ بْنِ النَّضْرِ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا بَعْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ سَلَّمَ: " كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ " فَرَضُوا أَهْلُهَا بِالدِّيَةِ بَعْدَمَا أَبَوْا عَلَيْهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي أَيْ لَوْ سَأَلَ اللَّهَ شَيْئًا وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ لَمْ يُخَيِّبْ دَعْوَتَهُ، فَشَبَّهَ إِجَابَةَ الْمُنْشِدِ وَالْمُقْسِمِ عَلَى غَيْرِهِ بِوَفَاءِ الْحَالِفِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِرِّهِ فِيهَا. وَقَالَ شَارِحٌ: قِيلَ: مَعْنَاهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِحَلَالِكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، وَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّهُ قَالَ: لَأَبَرَّهُ، أَيْ: صَدَّقَهُ، وَلَا مَدْخَلَ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَمِينِ فَيَدْخُلُهَا الْأَبْرَارُ. قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى صَدَّقَ رَجَاءَهُ وَوَافَقَ دُعَاءَهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ: وَكَذَا أَحْمَدُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ تَنْبُو عَنْهُ أَعْيُنُ النَّاسِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ".
стр. 7201
٥٢٣٢ - وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: «رَأَى سَعْدٌ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟ !» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٢٣٢ - (وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ) أَيِ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الْقُرَشِيِّ، سَمِعَ أَبَاهُ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنَ عُمَرَ، رَوَى عَنْهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ وَغَيْرُهُ (قَالَ: رَأَى سَعْدٌ) أَيْ: ظَنَّ أَوْ تَوَهَّمَ (أَنَّ لَهُ فَضْلًا) أَيْ زِيَادَةَ فَضِيلَةٍ أَوْ مَثُوبَةً مِنْ جِهَةِ الشَّجَاعَةِ أَوِ السَّخَاوَةِ أَوْ نَحْوِهُمَا (عَلَى مَنْ دُونَهُ) أَيْ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالضُّعَفَاءِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ جَوَابًا لَهُ وَإِسْمَاعًا لِغَيْرِهِ (" هَلْ تُنْصَرُونَ ") أَيْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ (" وَتُرْزَقُونَ ") أَيِ الْأَمْوَالَ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَغَيْرِهَا (إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟ ") أَيْ: إِلَّا بِبَرَكَةِ وُجُودِ ضُعَفَائِكُمْ وَوُجُودِ فُقَرَائِكُمْ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأَقْطَابِ وَالْأَوْتَادِ لِثَبَاتِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ النَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَقَدَّرَ تَوْسِيعَ الرِّزْقِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ بِبَرَكَةِ الْفُقَرَاءِ، فَأَكْرِمُوهُمْ وَلَا تَتَكَبَّرُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ سُلُوكِ الْمَحَبَّةِ عَلَى أَضْيَقِ الْمَحَجَّةِ، وَمُلُوكُ الْجَنَّةِ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمَعَزَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ إِنَّ لَهُ فَضْلًا أَيْ شَجَاعَةً وَكَرَمًا وَسَخَاوَةً، فَأَجَابَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ تِلْكَ الشَّجَاعَةَ بِبَرَكَةِ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَتِلْكَ السَّخَاوَةُ أَيْضًا بِبَرَكَتِهِمْ، وَأَبْرَزَهُ فِي صُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ لِيَدُلَّ عَلَى مَزِيدِ التَّعْزِيرِ وَالتَّوْبِيخِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْهُ بِلَفْظِ: «هَلْ تُنْصَرُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ بِدَعْوَتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ» .
стр. 7202
٥٢٣٣ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينَ، وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٢٣٣ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ ") أَيْ: لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، أَوْ فِي الْمَنَامِ، أَوْ حَالَةَ كَشْفِ الْمَقَامِ، أَوْ بِطْرِيقِ دَلَالَةِ الْمَرَامِ، (" فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا ") أَيْ: أَكْثَرُهَا وَهِيَ مَرْفُوعَةٌ، وَقِيلَ مَنْصُوبَةٌ فَيُعْكَسُ (" الْمَسَاكِينَ ") أَيِ الْفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ (" وَأَصْحَابُ الْجَدِّ ") وَفِي الْجَامِعِ: وَإِذَا أَصْحَابُ الْجَدِّ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: أَرْبَابُ الْغِنَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْأُمَرَاءِ (" مَحْبُوسُونَ ") أَيْ: مَوْقُوفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَظِّ الْفَانِي مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَالْمَنَاصِبِ مَحْبُوسُونَ فِي الْعَرَصَاتِ لِطُولِ حِسَابِهِمْ فِي الْمَتَاعِبِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أَمْوَالِهِمْ، وَتَوْسِيعِ جَاهِهِمْ، وَتَلَذُّذِهِمْ بِهِمَا فِي الدُّنْيَا، وَتَمَتُّعِهِمْ عَلَى وَفْقِ شَهَوَاتِ النَّفْسِ وَالْهَوَى، فَإِنَّ حَلَالَ الدُّنْيَا لَهُ حِسَابٌ وَلِحَرَامِهَا عِقَابٌ وَالْفُقَرَاءُ مِنْ هَذَا بَرَاءٌ، فَلَا يُحَاسَبُونَ وَلَا يُحْبَسُونَ، بَلْ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا فِي الْجَنَّةِ يَدْخُلُونَ مُكَافَأَةً لَهُمْ فِي الْعُقْبَى لِمَا فَاتَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا (" غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ ") أَيِ: الْكُفَّارَ (قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ يُسَاقُ الْكُفَّارُ إِلَى النَّارِ وَيُوقَفُ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْعَرَصَاتِ لِلْحِسَابِ، وَالْفُقَرَاءُ هُمُ السَّابِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ لِفَقْرِهِمْ أَيْ مِنْ غَيْرِ وُقُوفٍ فِي الْعَرَصَاتِ.
وَفِي الْجَامِعِ: إِلَّا أَصْحَابُ النَّارِ فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ غَيْرَ بِمَعْنَى لَكِنْ، وَالْمَعْنَى أَنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ جُعِلُوا قِسْمَيْنِ مَحْبُوسِينَ وَمُدْخَلِينَ، وَلَكِنَّ أَصْحَابَ النَّارِ جُعِلُوا قِسْمًا وَاحِدًا أُمِرَ بِإِدْخَالِهِمُ النَّارَ. (" وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا ") أَيْ أَكْثَرُ مَنْ دَخَلَهَا مَعَ الْكُفَّارِ (" النِّسَاءُ ") لِكَثْرَةِ مَيْلِهِمْ إِلَى الدُّنْيَا وَلِمَنْعِهِنَّ الرِّجَالَ عَنْ طَرِيقِ الْعُقْبَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ.
стр. 7203
٥٢٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ. وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٢٣٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (" اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ ") أَيْ أَشْرَفْتُ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ١٨] فَفِي بِمَعْنَى " عَلَى " كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وَحَاصِلُهُ نَظَرْتُ إِلَيْهَا أَوْ أَوْقَعْتُ الِاطِّلَاعَ فِيهَا (" فَرَأَيْتُ ") أَيْ: عَلِمْتُ (" أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ ") وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ضُمِّنَ اطَّلَعْتُ بِمَعْنَى تَأَمَّلْتُ، وَرَأَيْتُ بِمَعْنَى عَلِمْتُ، وَلِذَا عَدَّاهُ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الِاطِّلَاعُ بِمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، لَكَفَاهُ مَفْعُولٌ وَاحِدٌ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ هُنَا إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى (" «وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، كَذَا قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ فِي آخِرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا يَخْلُو عَنْ تَأَمُّلٍ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِيهِ أَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ حَيْثُ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَرْوِيِّ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، نَعَمْ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ كَمَا قَالَ فِي الْجَامِعِ بَعْدَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
стр. 7204
٥٢٣٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٢٣٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الْأَغْنِيَاءَ ") أَيْ: مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَغَيْرُهُمْ بِالْأَوْلَى وَلِذَا أَطْلَقَ الْأَغْنِيَاءَ، وَعَلَى هَذَا يُقَاسُ فُقَرَاءُ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ زَمَانِ وَمَكَانِ أَغْنِيَائِهِمْ (" يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") أَيْ: لِمُحَاسَبَةِ الْأَغْنِيَاءِ وَلِخَلَاصِ الْفُقَرَاءِ عَنِ الْعَنَاءِ، فَإِنَّ الْمُفْلِسَ فِي أَمَانِ اللَّهِ دُنْيَا وَأُخْرَى (" إِلَى الْجَنَّةِ ") مُتَعَلِّقٌ بِيَسْبِقُونَ أَيْ: يُسَابِقُونَ وَيُبَادِرُونَ إِلَيْهَا (" بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا ") قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ نَقْلًا عَنِ النِّهَايَةِ: الْخَرِيفُ الزَّمَانُ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ وَيُرِيدُ بِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، لِأَنَّ الْخَرِيفَ لَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً انْتَهَى فَالْمَعْنَى بِمِقْدَارِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ أَعْوَامِ الدُّنْيَا أَوِ الْأُخْرَى، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْكَثْرَةُ وَيَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ فِي الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْفُقَرَاءَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَهُمْ حُسْنُ الْعَيْشِ فِي الْعُقْبَى مُجَازَاةً لِمَا فَاتَهُمْ مِنَ التَّنَعُّمِ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أَيِ: الْمَاضِيَةِ أَوِ الْخَالِيَةِ عَنِ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ صِيَامًا أَوْ وَقْتَ الْمَجَاعَةِ، وَقَدْ وَرَدَ عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّ أَطْوَلَ النَّاسِ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَطْوَلُهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا،: يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفَاوُتِ الْمَرَاتِبِ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: «إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِمِقْدَارِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ» . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7205
٥٢٣٦ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: «مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: " مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٢٣٦ - (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ فَيَكُونُ فِي سُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ لَهُ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى فَضْلِ الْفُقَرَاءِ (جَالِسٍ) بِالْجَرِّ صِفَةٌ وَجَاءَ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ الظَّرْفِ، أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ (" مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ ") أَيْ: مَا ظَنُّكَ فِي حَقِّ هَذَا الرَّجُلِ الْمَارِّ تَظُنُّهُ خَيْرًا أَمْ شَرًّا؟ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (فَقَالَ) أَيِ الَّذِي عِنْدَهُ (رَجُلٌ) أَيْ هُوَ أَوْ هَذَا يَعْنِي الْمَارَّ (مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ) أَيْ: كُبَرَائِهِمْ وَعُظَمَائِهِمْ (هَذَا) أَيْ: هَذَا الرَّجُلُ بِعَيْنِهِ أَوْ هَذَا الشَّخْصُ بِجَنْبِهِ أَيْ مِثْلُ هَذَا الرَّجُلِ (وَاللَّهِ حَرِيٌّ) : عَلَى وَزْنٍ فَعِيلٍ وَهُوَ خَبَرُ هَذَا وَالْقَسَمُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا أَيْ جَدِيرٌ وَحَقِيقٌ (إِنْ خَطَبَ) أَيْ: طَلَبَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً (أَنْ يُنْكَحَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: بِأَنْ يُزَوِّجَهُ إِيَّاهَا أَهْلُهَا (وَإِنْ شَفَعَ) أَيْ: لِأَحَدٍ عِنْدَ الْحُكَّامِ أَوِ الرُّؤَسَاءِ فِي جَلْبِ الْعَطَاءِ أَوْ دَفْعِ الْبَلَاءِ (أَنْ يُشَفَّعَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا أَيْ: تُقْبَلَ شَفَاعَتُهُ.
(قَالَ) أَيِ الرَّاوِي (فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ عَنِ الْجَوَابِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا تَقْتَضِيهِ الْمُحَاوَرَةُ مِنَ الْخِطَابِ (ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ) أَيْ: آخَرُ (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ لِلرَّجُلِ الَّذِي عِنْدَهُ (" مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ " فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ) تَرَكَ الْقَسَمَ لِاحْتِمَالِ التَّخَلُّفِ وَأَمَّا تَأْكِيدُ الْحُكْمِ لَهُ سَابِقًا فَلِلْمُبَالَغَةِ فِي تَحْقِيقِ الظَّنِّ فِيهِ، وَالْمَعْنَى هَذَا لَائِقٌ (إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحُ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ) أَيْ: لِكَلَامٍ وَلَوْ كَانَ صِدْقًا أَوْ حَقًّا (أَنْ لَا يُسْمَعَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ (لِقَوْلِهِ) وَالْمَعْنَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْمَعُ لِكَلَامِهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ مِنْ غَايَةِ فَقْرِهِ وَقِلَّةِ نِظَامِ أَمْرِهِ.
فَفِي غَرَائِبِ مَا يُحْكَى أَنَّ رَجُلًا غَرِيبًا فَقِيرًا رَافَقَ شَخْصًا مَلَكَ بَعِيرًا وَحَمَّلَهُ حِمْلًا ثَقِيلًا فَقَالَ: مَا حِمْلُكَ هَذَا وَمَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: عَدْلٌ مِنْهُ حَبُّ الطَّعَامِ وَعَدْلٌ آخَرُ مَلِيءٌ مِنَ الْبَطْحَاءِ لِيَعْتَدِلَ النِّظَامُ قَالَ الْفَقِيرُ لَهُ: لَوْ
стр. 7206
تَرَكْتَ الْبَطْحَاءَ وَقَسَّمْتَ الْحَبَّ فِي الْعَدْلَيْنِ مُتَنَاصِفِينَ لَخَفَّ حِمْلُكَ وَرَكِبْتَ جَمَلَكَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ لِمَا صَدَرَ مِنْ فِيكَ فَأَطَاعَهُ فِيمَا بَيَّنَهُ، وَرَكِبَ عَلَى وَجْهِ عَيْنِهِ، فَسَأَلَهُ هَلْ أَنْتَ بِهَذَا الْعَقْلِ كُنْتَ فِي بِلَادِكَ سُلْطَانًا؟ فَقَالَ: لَا فَقَالَ: فَوَزِيرًا فَأَمِيرًا فَتَاجَرَا فَرَئِيسًا فَصَاحِبَ إِبِلٍ وَصَاحِبَ خَيْلٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ زِرَاعَةٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: لَا. فَقَالَ: أَكُنْتَ فِي بَلَدِكَ فَقِيرًا عَلَى هَذَا الْحَالِ، وَحَقِيرًا عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: أَنْتَ شُؤْمٌ وَوَجْهُكَ شُؤْمٌ، وَمَنْ يَسْمَعُكَ أَيْضًا شُؤْمٌ، وَنَزَلَ عَنْ بَعِيرِهِ وَأَمَرَ عَلَى تَغْيِيرِهِ مِنْ سُوءِ تَدْبِيرِهِ، وَمِثْلُ هَذَا مُشَاهَدٌ فِي الْعَالِمِ كَثِيرًا. مَثَلًا إِذَا كَانَ الْعَالِمُ فَقِيرًا وَالشَّيْخُ إِذَا كَانَ حَقِيرًا حَيْثُ لَا يَلْتَفِتُ أَحَدٌ إِلَى كَلَامِهِ، وَلَا يَعْظُمُ عَلَى قَدْرِ مَقَامِهِ بِخِلَافِ الْعَالِمِ، وَالشَّيْخُ إِذَا كَانَ مَشْهُورًا وَعُلِمَ جَاهُهُ بَيْنَ الْعَوَامِّ مَنْشُورًا، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَيُتَّبَعُ فِعْلُهُ وَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ نَاقِصًا فِي عِلْمِهِ أَوْ عَمَلِهِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ وَنَاصِرُ نَبِيِّهِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ تَارِكًا لِلْمَالِ وَالْجَاهِ عَلَى مَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وَأَرَادُوا بِالْقَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ وَالطَّائِفَ كَأَنَّ كُلَّ أَهْلِ قَرْيَةٍ قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ، فَلَفَّ الشَّرَّ اعْتِمَادًا عَلَى مَعْرِفَةِ تِلْكَ الْحَالَةِ، فَقَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] .
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَذَا ") أَيْ: هَذَا الرَّجُلُ: وَحْدَهُ وَكَذَا أَمْثَالُهُ (" خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا ") أَيْ: مِثْلَ الرَّجُلِ الْأَوَّلِ، وَوَجْهُهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ الْفَقِيرَ لِصَفَاءِ قَلْبِهِ أَقْرَبُ إِلَى قَبُولِ أَمْرِ رَبِّهِ، وَالْوُصُولِ إِلَى مَرْتَبَةِ حُبِّهِ بِخِلَافِ الْأَغْنِيَاءِ الْأَغْبِيَاءِ، فَإِنَّ لَهُمُ الطُّغْيَانَ وَالِاسْتِغْنَاءَ وَالتَّكَبُّرَ وَالْخُيَلَاءَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ وَمَرْئِيٌّ فِي تَلَامِذَةِ الْعُلَمَاءِ وَمُرِيدِي الصُّلَحَاءِ وَالتَّابِعِينَ أَوَّلًا لِلْأَنْبِيَاءِ، بَلِ السَّابِقِينَ إِلَى الْعِبَادَاتِ مِنَ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا حَتَّى الْحَجِّ الَّذِي لَمْ يَجِبْ إِلَّا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، فَالْفَائِزُونَ بِهِ لَا سِيَّمَا عَلَى وَجْهِ الْإِخْلَاصِ الْمُبَرَّأِ عَنِ الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ وَالْمَكَاسِبِ الْكَاسِدَةِ إِنَّمَا هُمُ الْفُقَرَاءُ، هَذَا وَقَالَ شَارِحٌ: مِثْلَ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ فِي مِلْءِ الْأَرْضِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الطِّيبِيِّ ﵀: وَقَعَ مِلْءُ الْأَرْضِ فَضْلًا عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ مُمَيِّزِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: مِثْلَ هَذَا لِأَنَّ الْبَيَانَ وَالْمُبَيَّنَ شَيْءٌ وَاحِدٌ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْجَرِّ أَيْ: مِنْ مِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ الْأَوَّلِ، لَكِنَّ النُّسَخَ الْمُصَحَّحَةَ مِنْ نُسْخَةِ السَّيِّدِ وَغَيْرِهَا عَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ، وَلَا يَغُرُّكَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مِثْلِ هَذَا بِكَسْرِ اللَّامِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنَ الرَّجُلِ الْأَوَّلِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ وَاحِدٌ مِنْ أَغْنِيَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنِ الْخَاصِّ بِلَفْظِ الْعَامِّ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَحْصِيلِ الْمَرَامِ، فَإِنَّ الْغِنَى يُغَيِّرُ الْخَوَاصَّ وَالْعَوَامَّ، وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّجُلِ الْأَوَّلِ أَحَدٌ مِنَ الْكُفَّارِ لِعَدَمِ انْتِظَامِ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ فِي قَوْلِهِ ﵊ " هَذَا خَيْرٌ " بِمَعْنَى أَفْضَلُ مِنْهُ إِذْ لَا مُفَاضَلَةَ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي كُفَّارِ الْأَنَامِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ: إِنَّ مَنْ قَالَ النَّصْرَانِيُّ خَيْرٌ مِنَ الْيَهُودِيِّ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ إِذَ أَثْبَتَ الْخَيْرَ فِيمَنْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ لِكُفْرِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ بِالْخَيْرِ أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢] كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُقْصَدُ بِالْخَيْرِ مُجَرَّدُ زِيَادَةِ الْحُسْنِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] لَكِنَّ إِيرَادَ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ: إِنَّ عَذَابَ الْكَافِرِ الْفَقِيرِ الدَّنِيِّ أَخَفُّ مِنَ الْكَافِرِ الْغَنِيِّ، فَإِذَا كَانَ الْفَقِيرُ يَنْفَعُ الْكَافِرَ فِي النَّارِ فَمَا ظَنُّكَ بِنَفْعِهِ لِلْأَبْرَارِ فِي دَارِ الْقَرَارِ؟ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7207
٥٢٣٧ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٢٣٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ) أَيْ: أَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ حَرَمِهِ وَخَدَمِهِ (مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ) فَمِنَ الْبُرِّ بِالْأَوْلَى (يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أَيْ: بَلْ إِنْ حَصَلَ الشِّبَعُ يَوْمًا وَقَعَ الْجُوعُ يَوْمًا بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ خَزَائِنُ الْأَرْضِ وَأَنْ يُجْعَلَ جِبَالُ مَكَّةَ ذَهَبًا فَاخْتَارَ الْفَقْرَ قَائِلًا: أَجُوعُ يَوْمًا فَأَصْبِرُ وَأَشْبَعُ يَوْمًا فَأَشْكُرُ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ نِصْفَانِ نِصْفُهُ شُكْرٌ وَنِصْفُهُ صَبْرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] أَيْ: لِكُلِّ مُؤْمِنٍ كَامِلٍ بِالْوَصْفَيْنِ عَالَمٍ وَعَامِلٍ، (حَتَّى) أَيِ اسْتَمَرَّ عَدَمُ الشِّبَعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ حَتَّى (قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ فِي جُمْلَةِ صَاعٍ مِنَ الشَّعِيرِ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: صَارَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ غَنِيًّا، نَعَمْ وَقَعَ مَالٌ كَثِيرٌ فِي يَدِهِ لَكِنَّهُ مَا أَمْسَكَهُ بَلْ صَرَفَهُ فِي مَرْضَاةِ رَبِّهِ، وَكَانَ دَائِمًا غَنِيَّ الْقَلْبِ بِغِنَى الرَّبِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي شَمَائِلِهِ عَنْهَا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيتُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا» أَيْ: جَائِعًا هُوَ وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ يُتَبَيَّنُ أَنَّ أَحَدًا فِي زَمَانِنَا مِنَ الْفُقَرَاءِ مَا يَعِيشُ عَيْشَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ فَفِي فِعْلِهِ ﷺ تَسْلِيَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْفُقَرَاءِ كَمَا أَنَّ فِي قَوْلِهِ تَوْصِيَةً جَسِيمَةً لِلْأَغْنِيَاءِ، فَهُوَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ وَإِمَامٌ لِلْعَالَمِينَ الْعَامِلِينَ.
стр. 7208
٥٢٣٨ - وَعَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٢٣٨ - (وَعَنْ سَعِيدٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ: هُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ، وَكَانَ يَسْكُنُ عِنْدَ مَقْبُرَةٍ فَنُسِبَ إِلَيْهَا انْتَهَى. وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ ثُمَّ قَوْلُهُ: (الْمَقْبُرِيُّ) : بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ قَافٍ وَضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَبِفَتْحٍ وَبِكَسْرٍ نِسْبَةً إِلَى مَوْضِعِ الْقُبُورِ، وَالْمُرَادُ أَبُو سَعِيدٍ وَابْنُهُ سَعِيدٌ كَذَا فِي أَنْسَابِ الْمُغْنِي (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ صَلَى عَلَى وَزْنِ مَرْمِيَّةٍ أَيْ: مَشْوِيَّةٌ (فَدَعَوْهُ) أَيْ أَبَا هُرَيْرَةَ إِلَى أَكْلِهَا (فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ) أَيْ: فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهِ (وَقَالَ) أَيْ: مُعْتَذِرًا (خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7209
٥٢٣٩ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ بُرٍّ وَلَا صَاعُ حَبٍّ، وَإِنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٢٣٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُبْزِ شَعِيرٍ) أَيْ: مَصْحُوبًا بِهِ (وَإِهَالَةٍ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ كُلُّ دُهْنٍ يُؤْتَدَمُ بِهِ (سَنِخَةٍ) ، بِفَتْحِ سِينٍ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ نُونٍ وَفَتَحِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ بَعْدَهَا هَاءٌ أَيْ: مُتَغَيِّرَةُ الرِّيحِ لِطُولِ الْمُكْثِ. فِي النِّهَايَةِ قِيلَ الْإِهَالَةُ مَا أُذِيبَ مِنَ الْأَلْيَةِ وَالشَّحْمِ، وَقِيلَ الدَّسَمُ الْجَامِدُ، وَالسَّنِخَةُ الْمُتَغَيِّرَةُ الرِّيحِ. (وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا) أَيْ: مِقْدَارًا مُعَيَّنًا مِنَ الشَّعِيرِ (لِأَهْلِهِ) أَيْ: لِأَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْأَخْذِ مِنْهُ لِتَكُونَ الْحُجَّةُ بَالِغَةً عَلَيْهِ، أَوْ سَتْرًا لِحَالِهِ عَنِ الْمَسَاكِينِ، أَوْ لِئَلَّا يَثْقُلَ عَلَيْهِمْ فَيُعْطُوهُ اسْتِحْيَاءً، أَوْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْهُ وَقْتَ الْعَطَاءِ رِيَاءً وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي تَنَزُّهِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طَلَبِ الْأَجْرِ مِنَ الْأُمَّةِ وَلَوْ صُورَةً حَيْثُ قَالَ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وَنَظِيرُهُ مَا وَقَعَ لِإِمَامِنَا الْأَعْظَمِ ﵀ حَيْثُ لَمْ يَقِفُ فِي ظِلِّ جِدَارِ مَنْ كَانَ يُطَالِبُهُ بِدَيْنٍ مُعَلِّلًا بِحَدِيثِ كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْإِمَامَ حَمْزَةَ أَحَدَ الْأَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ الَّذِي قَالَ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي حَقِّهِ مِنَ الْمَنْقَبَةِ:
وَحَمْزَةُ مَا أَزْكَاهُ مِنْ مُتَوَرِّعٍ ... إِمَامًا صَبُورًا لِلْقُرْآنِ مُرَتِّلًا
كَانَ لَا يَأْخُذُ أَجْرًا عَلَى الْإِقْرَاءِ لِأَنَّهُ تَمَذْهَبَ بِحَدِيثِ التَّغْلِيظِ فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ كَمَالِ تَوَرُّعِهِ حَتَّى عَرَضَ تِلْمِيذُهُ عَلَيْهِ مَاءً فِي يَوْمِ حَرٍّ فَأَبَى وَقِيلَ: إِنَّهُ وَقَعَ فِي بِئْرٍ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ لِيَسْتَخْرِجَهُ مِنْهَا سَأَلَهُ هَلْ قَرَأْتَ عَلَيَّ؟
стр. 7210
فَيَقُولُ: بَلَى فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ إِلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْخَلَا إِلَى الْمَلَا، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ كُلُّهُمْ كَانُوا تَلَامِيذَهُ، فَعَجَزُوا حَتَّى رَأَوْا أَعْرَابِيًّا فَأَتَاهُ فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ قَطُّ مَا قَرَأَ عَلَيْهِ وَلَا سَمِعَ مِمَّنْ يَقْرَأُ لَدَيْهِ. (وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: ضَمِيرُ الْمَفْعُولِ فِي سَمِعْتُهُ عَائِدٌ إِلَى أَنَسٍ، وَالْفَاعِلُ هُوَ رَاوِي أَنَسٍ انْتَهَى وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّرَّاحِ، أَيْ قَالَ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَنَسٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا. (يَقُولُ: " مَا أَمْسَى ") أَيْ: لِلذَّخِيرَةِ (" عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ بُرٍّ ") أَيْ: لِلْقُوتِ (" وَلَا صَاعُ حَبٍّ ") تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَدَّخِرْ فِي اللَّيْلِ لِلْغَدِ (" وَإِنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ ") بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَإِنَّ عِنْدَهُ يَوْمَئِذَ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي قَطْعًا لِقَوْلِهِ عِنْدَهُ، وَالتَّأْوِيلُ بِالِالْتِفَاتِ مِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا قَبْلَهُ حَيْثُ قَالَ بَعْضُهُمُ: الْحَقُّ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمَفْعُولَ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفَاعِلُ هُوَ أَنَسٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ﵀، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَحْمَدَ قَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ، إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي نَاسَبَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ آلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7211
٥٢٤٠ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ، حَشْوُهَا لِيفٌ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ ; فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ! فَقَالَ: " أَوَ فِي هَذَا أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " وَفِي رِوَايَةٍ: " أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٢٤٠ - (وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ» ) بِالْإِضَافَةِ أَيْ: عَلَى رِمَالٍ مِنْ حَصِيرٍ. قَالَ شَارِحٌ: الرِّمَالُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا جَمْعُ رَمِيلٍ بِمَعْنَى مَرْمُولٍ أَيْ مَنْسُوجٍ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاحِدِ، وَهَذَا مِنْ إِضَافَةِ الْجِنْسِ إِلَى النَّوْعِ كَخَاتَمِ فِضَّةٍ، وَالْمُرَادُ بِالْحَصِيرِ هُنَا الْمَنْسُوجُ مِنْ وَرَقِ النَّخْلِ انْتَهَى. وَقِيلَ: الرِّمَالُ مَا يُنْسَجُ عُودًا عُودًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمَّ الرَّاءِ أَشْهَرُ وَلِذَا صَاحِبُ الْقَامُوسِ عَلَيْهِ اقْتَصَرَ وَقَالَ: رِمَالُ الْحَصِيرِ كَغُرَابٍ مَرْمُولَةٍ وَفِي النِّهَايَةِ: الرُّمَالُ مَا رُمِلَ أَيْ: نُسِجَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَنَظِيرُهُ الْحُطَامُ وَالزُّكَامُ لِمَا يُحْطَمُ وَيُزْكَمُ وَقَالَ غَيْرُهُ: الرُّمَالُ جَمْعُ رَمْلٍ بِمَعْنَى مَرْمُولٍ كَخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى مَخْلُوقَةٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ السَّرِيرُ قَدْ نُسِجَ وَجْهُهُ بِالسَّعَفِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى السَّرِيرِ وِطَاءٌ سِوَى الْحَصِيرِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، لَكِنَّ كَوْنَ الْمُرَادِ بِرِمَالِ الْحَصِيرِ شَرِيطَ السَّرِيرِ بَعِيدٌ عِنْدَ الْفَقِيرِ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُضْطَجِعٌ عَلَى مَنْسُوجٍ مِنْ حَصِيرٍ (لَيْسَ بَيْنَهُ) أَيْ: بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَبَيْنَهُ) أَيْ: بَيْنَ الْحَصِيرِ (فِرَاشٌ) أَيْ: لَا مِنَ الْقُطْنِ وَلَا مِنَ الْحَرِيرِ (قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ) أَيْ: مِنْ بَدَنِهِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ كَشْفِهِ مِنْ ثَوْبِهِ (مِنْهُ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُعْتَمِدًا (عَلَى وِسَادَةٍ) أَيْ: مِخَدَّةٍ (مِنْ أَدَمٍ بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: جِلْدٍ (حَشْوُهَا) أَيْ: مَحْشُوُّ الْوِسَادَةِ (لِيفٌ) فِي الْقَامُوسِ: لِيفُ النَّخْلِ بِالْكَسْرِ مَعْلُومٌ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ) : بِكَسْرِ السِّينِ الْمُشَدَّدَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ (عَلَى أُمَّتِكَ) أَيْ: فَإِنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ مُتَابَعَتَكَ فِي تَحَمُّلِ مِحْنَتِكَ فَرُبَّمَا يَتَنَفَّرُونَ عَنِ الْمَيْلِ إِلَى مِلَّتِكَ (فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ) وَكَانَ ابْنُ الْخَطَّابِ النَّاطِقُ بِالصَّوَابِ الْمُوَافِقُ رَأْيُهُ لِلْكِتَابِ آخِذًا هَذَا الْمَعْنَى مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] الْآيَةَ وَمَفْهُومُهَا أَنَّهُ مَا وُسِّعَ عَلَيْهِمْ تَوْسِيعًا كُلِّيًّا وَلَا ضُيِّقَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ تَضْيِيقًا كُلِّيًّا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الْعَدْلِ مِنْ تَفْسِيرِ الدَّارَيْنِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ " «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» " فَالْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ هِيَ الْمَانِعَةُ مِنْ مَيْلِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى طَرِيقِ الْكَافِرِينَ وَهِيَ الْحَالَةُ الْوُسْطَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُمُومِ الْخَلْقِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْتَبَةُ الْعُلْيَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْخَوَاصِّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ كَمَالَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْقَنَاعَةَ بِأَقَلِّ مَا يُتَصَوَّرُ مِنْ مَتَاعِهَا لِيَكُونَ تَمَتُّعُهُمْ تَامًّا فِي الْعُقْبَى.
стр. 7212
(فَقَالَ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوَ فِي هَذَا أَنْتَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ بَعْدَ اسْتِفْهَامٍ إِنْكَارِيٍّ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ أَيْ: أَتَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ وَأَنْتَ إِلَى الْآنَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَكَ التَّرَقِّي إِلَى فَهْمِ الْمِرَاءِ؟ وَقِيلَ قُدِّمَ الِاسْتِفْهَامُ لِصَدَارَتِهِ، وَالْوَاوُ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ بَيْنَ الْكَلَامِ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ (" يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ") ؟ قِيلَ فِي خِطَابِهِ بِابْنَ الْخَطَّابِ دُونَ عُمَرَ إِيذَانًا بِأَنَّ الِالْتِذَاذَ بِطَيِّبَاتِ الدُّنْيَا مِنْ خِصَالِ ذَوِي الْجَهْلِ وَالْعَمَى، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: يَا ابْنَ ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ بِطَيِّبَاتِ الدُّنْيَا الْغَافِلِ عَنْ نَعِيمِ دَارِ الْعُقْبَى (" أُولَئِكَ ") : أَيْ فَارِسُ وَالرُّومُ وَسَائِرُ الْكُفَّارِ (" عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ") أَيْ: كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِخِطَابِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] هَذَا، وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀، قَوْلُهُ: (فَلْيُوَسِّعْ) الظَّاهِرُ نَصْبُهُ لِيَكُونَ جَوَابَ الْأَمْرِ، أَيِ ادْعُ اللَّهَ فَيُوَسِّعَ، وَاللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ، وَالرِّوَايَةُ الْجَزْمُ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ لِلْغَائِبِ كَأَنَّهُ الْتَمَسَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّعَاءَ لِأُمَّتِهِ بِالتَّوْسِعَةِ، وَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ الْإِجَابَةَ، وَكَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: ادْعُ اللَّهَ لِيُوَسِّعَ عَلَيْكَ، فَعَدَلَ إِلَى الدُّعَاءِ لِلْأُمَّةِ إِجْلَالًا لِمَحَلِّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِبْعَادُ الْمَنْزِلَةِ مَنْ رُسِّخَ لِلنُّبُوَّةِ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا الدَّنِيءَ الْخَسِيسَ لِنَفَسِهِ النَّفِيسِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ هَذَا الْإِنْكَارَ الْبَلِيغَ، وَقَوْلُهُ: أَوْ فِي هَذَا؟ مَدْخُولُ الْهَمْزَةِ مَحْذُوفٌ أَيْ: فَطَلَبَ هَذَا وَفِي هَذَا أَنْتَ، وَكَيْفَ يَلِيقُ بِمِثْلِكَ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ التَّوْسِعَةَ فِي الدُّنْيَا؟ (وَفِي رِوَايَةٍ: " أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا ") أَيْ: مُوَسَّعَةً خَاصَّةً (" وَلَنَا الْآخِرَةُ ") أَيْ: مُرْضِعَةٌ خَالِصَةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الرِّوَايَةَ الْأَخِيرَةَ.
стр. 7213
٥٢٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رُبِطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٢٤١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَهُمْ كَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ تَهَيَّأُوا لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْخُرُوجِ فِي السَّرَايَا لِقِتَالِ أَهْلِ الطُّغْيَانِ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَاظِرَهُمْ وَنَقِيبَهُمْ وَمُتَفَقِّدَ حَالِهِمْ وَرَقِيبَهُمْ، وَكَانُوا يَأْوُونَ فِي صُفَّةٍ آخِرَ مَسْجِدِهِ ﷺ ، وَقَدْ نَزَلَ فِي حَقِّهِمْ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أَيْ: أَصْلًا بَلْ كَانُوا مُتَوَكِّلِينَ وَمُتَقَنِّعِينَ بِالْتِقَاطِ النَّوَاةِ وَنَحْوِهَا مِنْ جِهَةِ الزَّادِ لِلْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْكُسْوَةِ فَكَمَا بَيَّنَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بِقَوْلِهِ: (مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ) ، فَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ الثَّوْبُ أَوِ الْبُرْدُ الَّذِي يَضَعُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى عَاتِقِهِ وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ فَوْقَ ثِيَابِهِ.
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ ﵀: قَوْلُهُ: فَوْقَ ثِيَابِهِ خِلَافَ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا الرِّدَاءُ هُوَ الَّذِي يَسْتُرُ أَعَالِيَ الْبَدَنِ فَقَطْ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ) أَيْ: إِزَارٌ وَاحِدٌ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَإِمَّا كِسَاءٌ وَاحِدٌ يَشْتَمِلُ بِهِ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (قَدْ رَبَطُوا) أَيْ: طَرَفَهُ (فِي أَعْنَاقِهِمْ) ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبٌ يَتَرَدَّى بِهِ، بَلْ كَانَ لَهُ إِمَّا إِزَارٌ فَحَسْبُ وَفِي الْعُدُولِ عَنْ ضَمِيرِ الْمُفْرَدِ إِلَى الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ قَدْ رَبَطَهُ فِي عُنُقِهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ حَالَ جَمِيعِهِمْ كَانَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ، كَمَا يُفِيدُهُ تَنْكِيرُ رَجُلٍ وَاسْتِغْرَاقُ النَّفْيِ مَعَ زِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ بِزِيَادَةِ مِنْ فِي قَوْلِهِ مِنْهُمْ، ثُمَّ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: (فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ) : مَعَ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْكِسَاءِ وَالْإِزَارِ بِاعْتِبَارِ الْجَمْعِيَّةِ فِي الْأَكْسِيَةِ وَالْأُزُرِ، أَوِ الْأَكْسِيَةِ وَحْدِهَا لِقُرْبِهَا وَلِمُقَايَسَةِ غَيْرِهَا عَلَيْهَا، وَلَهَا نَظَائِرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] .
стр. 7214
وَمِنْ قَوْلِهِ : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] فَإِنَّ الْمُفْرَدَ يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ، لَا سِيَّمَا وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ الَّذِي قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّأْنِيثِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى جَمْعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ، كَمَا قَدْ يُفْرَدُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: (فَيَجْمَعُهُ) أَيْ: يَجْمَعُ الرَّجُلُ ذَلِكَ الثَّوْبَ مِنَ الْكِسَاءِ أَوِ الْإِزَارِ (بِيَدِهِ) : لِئَلَّا يَفْتَرِقَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ مِنَ الْآخَرِ (كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ) أَيْ فِي نَظَرِ غَيْرِهِ أَوْ حَالَ صِلَاتِهِ.
هَذَا وَقَدْ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: التَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْجَمْعِيَّةِ فِي الْأَكْسِيَةِ وَالْأُزُرِ وَتَعَدُّدِ الْمُكْتَسِبِينَ، وَالْإِفْرَادُ فِي بِيَدِهِ بِاعْتِبَارِ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7215
٥٢٤٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ: " «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» ".
ــ
٥٢٤٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّفْضِيلِ أَيْ: زِيدَ عَلَيْهِ (" فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ ") أَيْ: فِي الصُّورَةِ أَوْ فِي الْخَدَمِ وَالْحَشَمِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ حِشْمَةً وَمَالًا وَلِبَاسًا وَجَمَالًا، وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَبَالًا، (" فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ ") بِفَتْحِ اللَّامِ وَيُضَمُّ أَيْ: مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الدُّنْيَا، وَأَقَلُّ رُتْبَةً مِنْهُ مَالًا وَمَنَالًا، وَلَهُ فِي الْآخِرَةِ الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا مَآلًا، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ حَالَ أَكْثَرِ الْخَلْقِ هُوَ الِاعْتِدَالُ وَلَوْ بِحَسَبِ الْإِضَافَةِ وَالِانْتِقَالِ، فَالسَّالِكُ بِالنَّظَرِ إِلَى حَالِ طَرَفَيْهِ مُحَصَّلٌ لَهُ حُسْنُ الْحَالِ، وَإِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْمُفَضَّلَ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ مَثَلًا أَوْ فَرْضًا لَا يَنْظُرُ إِلَى مَنْ تَحْتِهِ لِئَلَّا يَحْصُلَ لَهُ الْعَجَبُ وَالْغُرُورُ وَالِافْتِخَارُ وَالتَّكَبُّرُ وَالْخُيَلَاءُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِحَقِّ شُكْرِهِ عَلَى النَّعْمَاءِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ أَحَدٌ فِي الْفَقْرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَشُكَّ رَبُّهُ حَيْثُ لَمْ يَبْتَلِهِ بِالدُّنْيَا لِقِلَّةِ غَنَائِهَا وَكَثْرَةِ عَنَائِهَا وَسُرْعَةِ فَنَائِهَا وَخِسَّةِ شُرَكَائِهَا، وَلِذَا كَانَ الشِّبْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا رَأَى أَحَدًا مِنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفُوَّ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى، وَيُنَاسِبُهُ مَا حُكِيَ أَنَّ شَخْصَا مِنَ الْفُقَرَاءِ قَامَ فِي مَجْلِسِ وَاعِظٍ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَشَكَا أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ كَذَا مُدَّةً فِي الْخَلَا وَالْمَلَا، فَقَالَ الشَّيْخُ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يُعْطِي الْجُوعَ الشَّدِيدَ إِلَّا لِأَصْفِيَائِهِ وَخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ وَخُلَاصَةِ أَوْلِيَائِهِ، وَلَوْ كُنْتَ مِنْهُمْ لَمَا أَظْهَرْتَ هَذِهِ الشِّكَايَةَ، وَلَسَتَرْتَ عَنِ الْخَلْقِ هَذِهِ الْغَايَةَ، وَمُجْمَلُ الْحَالِ وَخُلَاصَةُ الْمَقَالِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سَلِمَ دِينُهُ مِنَ الْخَلَلِ وَالزَّوَالِ، فَلَا يُبَالِي بِنُقْصَانِ الْجَاهِ وَالْمَالِ وَسَائِرِ الْمَشَقَّاتِ الْكَائِنَةِ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ صَاحِبًا لِلْغَزَالِيِّ ضُرِبَ وَحُبِسَ فَشَكَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: اشْكُرْ فَإِنَّ الْبَلَاءَ قَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا، ثُمَّ طُرِحَ فِي بِئْرٍ مِنَ السِّجْنِ فَشَكَا إِلَيْهِ وَرُدَّ بِمَا سَبَقَ، ثُمَّ أَتَى بِيَهُودِيٌّ يُسْهِلُ كُلَّ سَاعَةٍ، وَوُضِعَ مَعَهُ مُسَلْسَلًا بِسِلْسِلَتِهِ يَحْتَاجُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَى مُرَافَقَتِهِ وَمُصَاحَبَتِهِ مَعَ ضِيقِ الْمَكَانِ وَظُلْمَةِ الزَّمَانِ وَالْعُفُونَةِ فِي كُلِّ آنٍ، فَشَكَا إِلَى الْإِمَامِ مِنْ ضِيقِ الصَّدْرِ، فَأَمَرَهُ بِالشُّكْرِ وَالصَّبْرِ فَأَجَابَ جَزِعًا أَيُّ بَلَاءٍ أَشَدُّ مِنْ هَذَا الْعَذَابِ؟ فَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْجَوَابِ: هُوَ أَنْ يُوضَعَ فِي رَقَبَتِكَ طَوْقُ الْكُفْرِ وَالْحِجَابِ، وَيُسْلَكَ بِكَ عَنْ صَوْبِ الصَّوَابِ. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ) ، وَقَدْ خَرَّجَهَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ أَيْضًا مَرْفُوعًا. (قَالَ: " «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْكُمْ» ") أَيْ: دُونَكُمْ رُتْبَةً (" وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ ") أَيْ: مَرْتَبَةً (" فَهُوَ ") أَيِ: النَّظَرُ الْمَذْكُورُ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا (" أَجْدَرُ ") أَيْ: أَحَقُّ وَأَوْلَى (" أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ") . أَيْ: بِعَدَمِ الِازْدِرَاءِ وَالِاحْتِقَارِ لِمَا قَسَمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ لَكُمْ بِذَلِكَ النَّظَرِ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْكُمْ نِعَمًا كَثِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ دُونَكُمْ، أَوْ نِعَمًا كَثِيرَةً حَيْثُ اخْتَارَ لَكُمُ الْفَقْرَ وَالْبَلَاءَ، وَجَعَلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَلَاءِ، وَشَبَّهَكُمْ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَخَلَّصَكُمْ عَنْ ظُلْمَةِ الْأُمَرَاءِ وَظُلْمَةِ الْأَغْنِيَاءِ الْأَغْبِيَاءِ.
следующие страницы →