Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
٥٣١٧ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُحِبُّهُ النَّاسُ عَلَيْهِ. قَالَ: " تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٣١٧ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ) أَيْ: أَخْبِرْنِي كَمَا قَالَهُ شَارِحٌ، فَقَوْلُهُ: (الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: أَخْبِرْنَا بِحَالِهِ، فَالرَّجُلُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَمَلِ جِنْسُهُ، وَقَوْلُهُ: (مِنَ الْخَيْرِ) بَيَانٌ لَهُ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنْ لَا خَيْرَ فِي الْعَمَلِ لِلرِّيَاءِ فَيَكُونُ عَمَلُهُ خَالِصًا (وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ) أَيْ: يُثْنُونَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ، أَوْ عَلَى ذَلِكَ الْخَيْرِ (وَفِي رِوَايَةٍ: وَيُحِبُّهُ النَّاسُ) أَيْ: يُعَظِّمُونَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى ذَلِكَ الْخَيْرِ أَوْ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ (قَالَ: " تِلْكَ ") أَيِ: الْمَحْمَدَةُ، أَوِ الْمَحَبَّةُ، أَوِ الْخَصْلَةُ، أَوِ الْمَثُوبَةُ (" عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ ") أَيْ: مُعَجَّلُ بِشَارَتِهِ، وَأَمَّا مُؤْجَّلُهَا فَبَاقٍ إِلَى يَوْمِ آخِرَتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ حَمْدُهُمْ وَمَحَبَّتُهُمْ أَوَّلًا، وَالثَّانِي أَوْلَى، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَسَيَجِيءُ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الْفَصْلِ الْآتِي. قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ أَخْبِرْنَا بِحَالِ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِلنَّاسِ وَيَمْدَحُونَهُ، هَلْ يَبْطُلُ ثَوَابُهُ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ " يَعْنِي: هُوَ فِي عَمَلِهِ ذَلِكَ لَيْسَ مُرَائِيًا فَيُعْطِيهِ اللَّهُ تَعَالَى ثَوَابَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ حَمْدُ النَّاسِ لَهُ، وَفِي الْآخِرَةِ مَا أَعَدَّ لَهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7317
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣١٨ - عَنْ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشَرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا، فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣١٨ - (عَنْ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَبُو سَعْدٍ بِسُكُونِ الْعَيْنِ كَذَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَفِي الِاسْتِيعَابِ وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ أَبُو سَعِيدٍ بِيَاءٍ بَعْدَ الْعَيْنِ، انْتَهَى. قَالَ الْجَزَرِيُّ: هُوَ تَصْحِيفٌ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ، وَهُوَ حَارِثِيٌّ أَنْصَارِيٌّ يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ. (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ ") أَيْ: لِحِسَابِهِ وَجَزَائِهِ (" لَا رَيْبَ فِيهِ ") أَيْ: فِي وُقُوعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ فِي حُصُولِ ذَلِكَ الْجَمْعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اللَّامُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمَعَ وَمَعْنَاهُ جَمَعَ اللَّهُ الْخَلْقَ لِيَوْمٍ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِهِ، وَلَا يُشَكُّ فِي وُقُوعِهِ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، وَقَوْلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَوْطِئَةٌ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِجَمَعَ، كَمَا جَاءَ فِي الِاسْتِيعَابِ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، الْحَدِيثَ. فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ لِيَوْمٍ مُظْهَرٌ وَقَعَ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، أَيْ: جَمَعَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَجْزِيَهُمْ فِيهِ. (" نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا ") مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ أَشْرَكَ، أَيْ: أَحَدًا غَيْرَ اللَّهِ ; وَلِذَا قَالَ: (" فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ") وَلَعَلَّ وَجْهَ الْعُدُولِ عَنْ قَوْلِهِ: مِنْ عِنْدِهِ، أَوْ مِنْ عِنْدِ ذَلِكَ الْأَحَدِ، مَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ إِبْهَامِ الْإِيهَامِ، وَيَخِلُّ بِهِ مَقَامُ الْمَرَامِ. (" فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ ") ، فَهَذَا الْحَدِيثُ يُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْنَاهُ آخِرًا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ مُسْلِمٍ إِلَّا زِيَادَ بْنَ مِينَا، وَقَدْ وَثَّقُوهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، والْبَيْهَقِيُّ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 7318
٥٣١٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ أَسَامِعَ خَلْقِهِ وَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٣١٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ ") بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ: رَاءَاهُمْ بِعَمَلِهِ، أَيِ: الْمَطْلُوبِ مِنْهُ أَنْ يُخْفِيَهِ عَنْ نَظَرِ الْخَلْقِ فَأَظْهَرَهُ لَهُمْ، فَكَأَنَّهُ نَادَاهُمْ، (" سَمَّعَ اللَّهُ ") بِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا، أَيْ: أَسْمَعَ (" بِهِ ") أَيْ: بِعَمَلِهِ الرِّيَائِيِّ وَالسَّمْعِيِّ (" أَسَامِعَ خَلْقِهِ ") أَيْ: آذَانَهُمْ وَمَحَالَّ سَمَاعِهِمْ، وَالْمَعْنَى جَعَلَهُ مَسْمُوعًا لَهُمْ وَمَشْهُورًا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْعُقْبَى، أَوْ أَظْهَرَ لَهُمْ سَرِيرَتَهُ، وَمَلَأَ أَسْمَاعَهُمْ مِمَّا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ خُبْثِ سَرَائِرِهِ جَزَاءً لِفِعْلِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِهِ رَاجِعًا إِلَى الْمَوْصُولِ، فَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ يُقَالُ: سَمَّعْتُ بِالرَّجُلِ تَسْمِيعًا إِذَا أَشْهَرْتُهُ. وَقَوْلُهُ: أَسَامِعَ خَلْقِهِ هِيَ جَمْعُ أَسْمُعٍ، يُقَالُ: سَمْعٌ وَأَسْمُعٌ وَأَسَامِعُ جَمْعُ الْجَمْعِ، يُرِيدُ: أَنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ أَسْمَاعَ خَلْقِهِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَسَامِعَ بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ سَمَّعَ، أَيْ: بَلَّغَ اللَّهُ مَسَامِعَ خَلْقِهِ أَنَّهُ مُرَاءٍ مُزَوِّرٌ، وَأَشْهَرَهُ بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ، فَأَسَامِعُ جَمْعُ أَسْمُعٍ، وَهُوَ جَمْعُ سَمْعٍ بِمَعْنَى الْأُذُنِ، وَرُوِيَ: سَامِعُ خَلْقِهِ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ، فَالْمَعْنَى: سَمَّعُ اللَّهُ الَّذِي هُوَ سَامِعُ خَلْقِهِ، يَعْنِي فَضَحَهُ اللَّهُ. قَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَلَوْ رُوِيَ بِالنَّصْبِ لَكَانَ الْمَعْنَى سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ مَنْ كَانَ لَهُ سَمْعٌ مِنْ خَلْقِهِ، (" وَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ ") بِالتَّشْدِيدِ فِيهِمَا، أَيْ: جَعَلَهُ حَقِيرًا ذَلِيلًا مِنَ الصَّغَارِ، وَهُوَ الذُّلُّ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَجْعَلَهُ كَالذَّرِّ صَغِيرًا، كَمَا وَرَدَ فِي جَنَّةِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمٌ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ) ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَوَاهُ أَحْمَدُ والْبَيْهَقِيُّ (" فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ") قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِأَسَانِيدَ أَحَدُهَا صَحِيحٌ، والْبَيْهَقِيُّ كَذَا قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ.
стр. 7319
٥٣٢٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الْآخِرَةِ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَشَتَّتَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَلَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَّا مَا كَتَبَ لَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٣٢٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ ") أَيْ: قَصْدُهُ الْأَصْلِيُّ فِي الْأَمْرِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَمَلِيِّ (" طَلَبَ الْآخِرَةِ ") أَيْ: مَرْضَاةَ مَوْلَاهُ (" جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ") أَيْ: جَعَلَهُ قَانِعًا بِالْكَافِ وَالْكَفَالَةِ كَيْلَا يَتْعَبَ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ (" وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ") أَيْ: أُمُورَهُ الْمُتَفَرِّقَةَ بِأَنْ جَعَلَهُ مَجْمُوعَ الْخَاطِرِ بِتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ (" وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا ") أَيْ: مَا قُدِّرَ وَقُسِمَ لَهُ مِنْهَا (" وَهِيَ رَاغِمَةٌ ") أَيْ: ذَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ تَابِعَةٌ لَهُ، لَا يَحْتَاجُ فِي طَلَبِهَا إِلَى سَعْيٍ كَثِيرٍ، بَلْ تَأْتِيهِ هَيِّنَةً لَيِّنَةً، عَلَى رَغْمِ أَنْفِهَا وَأَنْفِ أَرْبَابِهَا ; وَلِذَا قِيلَ: الْعِلْمُ يُعْطِي وَلَوْ يُبْطِي، (" وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ ") أَيْ: جِنْسَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْخَلْقِ، كَالْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ مَنْصُوبًا (" بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَشَتَّتَ ") بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْأُولَى، أَيْ: فَرَّقَ (" عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَلَا يَأْتِيهِ مِنْهَا ") أَيْ: مِنَ الدُّنْيَا (" إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ ") أَيْ: وَهُوَ رَاغِمٌ فَلَا يَأْتِيهِ مَا يَطْلُبُ مِنَ الزِّيَادَةِ، عَلَى رَغْمِ أَنْفِهِ وَأَنْفِ أَصْحَابِهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُقَالُ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَيْ: مَا تَشَتَّتَ مِنْ أَمْرِهِ، وَفَرَّقَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَيْ: مَا اجْتَمَعَ مِنْ أَمْرِهِ، فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَالْحَدِيثُ مِنْ بَابِ التَّقَابُلِ وَالْمُطَابَقَةِ، فَقَوْلُهُ: جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَوْلُهُ: جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ، مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: وَشَتَّتَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَقَوْلُهُ: وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، لِقَوْلِهِ: وَلَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَّا مَا كَتَبَ لَهُ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْأَوَّلِ: وَأَتَاهُ مَا كُتِبَ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَعْنَى الثَّانِي: وَأَتَاهُ مَا كُتِبَ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ رَاغِمٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ.
стр. 7320
٥٣٢١ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبَانٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
ــ
٥٣٢١ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبَانٍ) ، بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَتَخْفِيفِ مُوَحَّدَةٍ يُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ، وَهُوَ ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، تَابِعِيٌّ، سَمِعَ أَبَاهُ وَكَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) ، قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، والطَّبَرَانِيُّ مَعْنَاهُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
стр. 7321
٥٣٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَيْنَا أَنَا فِي بَيْتِي فِي مُصَلَّايَ، إِذْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ، فَأَعْجَبَنِي الْحَالُ الَّتِي رَآنِي عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! لَكَ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٣٢٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَا أَنَا فِي بَيْتِي فِي مُصَلَّايَ إِذْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأَعْجَبَنِي الْحَالُ الَّتِي رَآنِي عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ") قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: صَدْرُ الْحَدِيثِ إِخْبَارٌ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِخْبَارِ، يَعْنِي: هَلْ تَحْكُمُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ رِيَاءٌ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ طَابَقَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ "، (" لَكَ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ ") أَيْ: لِإِخْلَاصِكَ (" وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ ") أَيْ: لِلِاقْتِدَاءِ بِكَ، أَوْ لِفَرَحِكَ بِالطَّاعَةِ وَظُهُورِهَا مِنْكَ. قِيلَ: مَعْنَاهُ: فَأَعْجَبَهُ رَجَاءَ أَنْ يَعْمَلَ مَنْ رَآهُ بِمِثْلِ عَمَلِهِ فَيَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا» " ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ إِعْجَابَهُ بِحَسَبِ أَصْلِ الطَّبْعِ الْمُطَابِقِ لِلشَّرْعِ مِنْ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ أَنَّهُ رَآهُ أَحَدٌ عَلَى حَالَةٍ حَسَنَةٍ، وَيَكْرَهُ أَنْ يَرَاهُ عَلَى حَالَةٍ قَبِيحَةٍ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَمَلُ مَطْمَحًا لِلرِّيَاءِ وَمَطْمَعًا لِلسُّمْعَةِ ; فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى: " «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ» "، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] فَالْمُؤْمِنُ يَفْرَحُ بِتَوْفِيقِ الْأَعْمَالِ، كَمَا أَنَّ غَيْرَهُ يَفْرَحُ بِتَكْثِيرِ الْأَمْوَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْأَحْوَالِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) ، أَيْ: إِسْنَادًا. وَقَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْجَزَرِيِّ: رَوَاهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِهَذَا السِّيَاقِ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَاهُ هَكَذَا، وَالَّذِي فِي التِّرْمِذِيِّ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانِ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ فَيَسُرُّهُ، فَإِذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ» ". قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ وَغَيْرُهُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلَا، انْتَهَى كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7322
٥٣٢٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ، يَقُولُ اللَّهُ: أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٣٢٣ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ") أَيْ: يَظْهَرُ (" رِجَالٌ يَخْتِلُونَ ") بِسُكُونِ الْخَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ، أَيْ: يَطْلُبُونَ (" الدُّنْيَا بِالدِّينِ ") ، أَيْ بِعَمَلِ أَهْلِ الْآخِرَةِ، أَوْ يَسْتَبْدِلُونَهَا بِهِ وَيَخْتَارُونَهَا عَنْهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: يَخْدَعُونَ أَهْلَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الدِّينِ، مِنْ خَتَلَهُ إِذَا خَدَعَهُ، وَالْمَعْنَى: يَخْتِلُونَ فِي طَلَبِهَا بِمُلَابَسَةِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالتَّدَرُّعِ بِلِبَاسِهَا عَلَى وَجْهِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ الدَّنِيَّةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (" يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ ") أَيْ: لِلَّهِ (" جُلُودَ الضَّأْنِ ") : بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبَدَّلُ، وَالْمُرَادُ بِهِ عَيْنُهُ أَوْ مَا عَلَيْهِ مِنَ الصُّوفِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَلْبَسُونَ الْأَصْوَافَ لِيَظُنَّهُمُ النَّاسُ زُهَّادًا وَعُبَّادًا، تَارِكِينَ الدُّنْيَا، رَاغِبِينَ فِي الْعُقْبَى (" مِنَ اللِّينِ ") ، أَيْ: مِنْ أَجْلِ إِظْهَارِ التَّلَيُّنِ، وَالتَّلَطُّفِ، وَالْتَّمَسْكُنِ، وَالتَّقَشُّفِ مَعَ النَّاسِ، وَأَرَادُوا بِهِ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ التَّمَلُّقَ وَالتَّوَاضُعَ فِي وُجُوهِ النَّاسِ، لِيَصِيرُوا مُرِيدِينَ لَهُمْ وَمُعْتَقِدِينَ لِأَحْوَالِهِمْ (" أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ ") ، بِهَمْزٍ وَيُبَدَّلُ، أَيْ: أَمَرُّ مِنْ مَرَارَتِهَا مِنْ شِدَّةِ حُبِّ الدُّنْيَا وَالْجَاهِ، وَكَثْرَةِ الْبُغْضِ وَالْعَدَاوَةِ لِأَهْلِ التَّقْوَى، وَغَلَبَةِ الصِّفَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ، وَالشَّهَوَاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ، وَالْإِرَادَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] أَيْ: عَلَى الطَّعَامِ، وَعَلَى تَحْصِيلِ الْمَالِ الْحَرَامِ. (" يَقُولُ اللَّهُ: أَبِي ") أَيْ: بِإِمْهَالِي (" يَغْتَرُّونَ ") أَيْ: لَمْ يَدْرُوا أَنِّي أُمْهِلُ وَلَا أُهْمِلُ، وَالْمُرَادُ بِالِاغْتِرَارِ هُنَا عَدَمُ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَرْكُ التَّوْبَةِ مِنْ فِعْلِهِمُ الْقَبِيحِ، أَيْ: أَفَلَا يَخَافُونَ مِنْ سُخْطِي وَعِقَابِي؟ (" أَمْ عَلَيَّ ") أَيْ: عَلَى مُخَالَفَتِي (" يَجْتَرِئُونَ ") ؟ أَيْ بِمَكْرِهِمُ النَّاسَ فِي إِظْهَارِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ افْتِعَالٌ مِنَ الْجَرَاءَةِ ; وَلِذَا قِيلَ: الِاجْتِرَاءُ الِانْبِسَاطُ وَالتَّشْجِيعُ.
стр. 7323
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَمْ مُنْقَطِعَةٌ أَنْكَرَ أَوَّلًا اِغْتِرَارَهُمْ بِاللَّهِ وَبِإِهْمَالِهِ إِيَّاهُمْ حَتَّى اغْتَرُّوا، ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَطَمُّ مِنْهُمْ، وَهُوَ اجْتِرَاؤُهُمْ عَلَى اللَّهِ. (" فَبِي ") أَيْ: فَبِذَاتِي وَصِفَاتِي (" حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ ") مِنَ الْبَعْثِ، أَيْ: لَأُسَلِّطَنَّ، أَوْ لَأَقْضِيَنَّ (" عَلَى أُولَئِكَ ") أَيِ: الْمَوْصُوفِينَ بِمَا ذُكِرَ (" مِنْهُمْ ") أَيْ: مِمَّا بَيْنَهُمْ بِتَسْلِيطِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ (" فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ ") أَيْ: تَتْرُكُ الْعَالِمَ الْحَازِمَ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: الْحَكِيمَ بِالْكَافِ بَدَلُ الْحَلِيمَ بِاللَّامِ، وَالْمُؤَدَّى وَاحِدٌ (" فِيهِمْ ") أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ (" حَيْرَانَ ") ، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُتَحَيِّرًا فِي الْفِتْنَةِ، لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا وَلَا عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهَا، لَا بِالْإِقَامَةِ فِيهَا وَلَا بِالْفِرَارِ مِنْهَا. قَالَ الْأَشْرَفُ: مِنْ فِي " مِنْهُمْ " يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ بِمَعْنَى الَّذِينَ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى الرِّجَالِ، وَتَقْدِيرُهُ عَلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، وَأَنْ يُجْعَلَ مُتَعَلِّقًا بِالْفِتْنَةِ، أَيْ: لَأَبْعَثَنَّ عَلَى الرِّجَالِ الَّذِينَ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ فِتْنَةً نَاشِئَةً مِنْهُمْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7324
٥٣٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فَبِي حَلَفْتُ لَأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ، فَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ» ؟ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٣٢٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ ") ، أَيْ: تَكَاثَرَ خَيْرُهُ وَبِرُّهُ (" وَتَعَالَى ") ، أَيْ: تَعَظَّمَ أَنْ يُدْرَكَ كُنْهُهُ (" قَالَ: لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا ") أَيْ: جَمْعًا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ (" أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ ") ، أَيْ: لِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَثَرِ الْوَعْظِ وَالذِكْرِ، وَأَثَرِ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ (" وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ ") ، ضُبِطَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَفِي بَعْضِهَا بِسُكُونِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ: الصَّبِرُ كَكَتِفٍ وَلَا يُسَكَّنُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، عُصَارَةُ شَجَرٍ مُرٍّ، وَالْمَشْهُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ بِكَسْرِ الصَّادِ وَسُكُونِ الْبَاءِ، وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ لُغَاتِ الْكَتِفِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ النَّقْلِ تَخْفِيفًا، (" فَبِي حَلَفْتُ لَأُتِيحَنَّهُمْ ") مِنَ الْإِتَاحَةِ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، يُقَالُ: أَتَاحَ اللَّهُ لِفُلَانٍ كَذَا، أَيْ: قَدَّرَهُ لَهُ وَأَنْزَلَهُ بِهِ، فَالْفِعْلُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، فَالْمَعْنَى لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ (" فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ، فَبِي يَغْتَرُّونَ ") بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ (" أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 7325
٥٣٢٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فَلَا تُعِدُّوهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٣٢٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً " بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ: الْحِرْصُ عَلَى الشَّيْءِ وَالنَّشَاطُ فِيهِ وَالرَّغْبَةُ، (" وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً ") ، بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ أَيْ: وَهْنًا وَضَعْفًا، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِهَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْعَابِدَ يُبَالِغُ فِي الْعِبَادَةِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، وَكُلُّ مُبَالِغٍ يَفْتُرُ وَيَسْكُنُ حِدَّتُهُ وَمُبَالَغَتُهُ فِي أَمْرِهِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ (" فَإِنْ صَاحِبُهَا ") فَاعِلٌ لِجَعَلَ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (" سَدَّدَ ") أَيْ: قَصَدَ السَّدَادَ وَالِاسْتِقَامَةَ، أَوِ اقْتَصَدَ فِي أَمْرٍ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ، لَكِنْ لَا تَقْطَعُهُ الطَّاعَةُ وَالْعِبَادَةُ، (وَقَارَبَ) أَيْ: دَنَا مِنَ التَّوْسِيطِ وَاحْتَرَزَ مِنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ (" فَارْجُوهُ ") ، أَيْ: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْفَائِزِينَ، فَإِنَّ مَنْ سَلَكِ الطَّرِيقَ الْمُتَوَسِّطَ يَقْدِرُ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ، لَكِنْ لَا تَقْطَعُوا لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ (" وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ ") أَيْ: وَإِنِ اجْتَهَدُوا وَبَالَغَ فِي الْعَمَلِ لِيَصِيرَ مَشْهُورًا بِالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ، وَصَارَ مَشْهُورًا وَمُشَارًا إِلَيْهِ فِيهَا (فَلَا تُعِدُّوهُ) أَيْ: شَيْئًا وَلَا تَعْتَقِدُوهُ صَالِحًا ; لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُرَائِينَ ; حَيْثُ جَعَلَ أَوْقَاتَ فَتْرَتِهِ عِبَادَةً، وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ، وَأَيْضًا إِذَا أَقْبَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ بِوُجُوهِهِمْ رُبَّمَا زَادَ فِي الْعِبَادَةِ وَحَصَلَ لَهُ عُجْبٌ وَغُرُورٌ، فَصَارَ مِنَ الْهَالِكِينَ، إِلَّا أَنْ يَتَدَارَكَهُ اللَّهُ بِفَضْلِهِ، وَجَعْلِهِ مِنَ الْمُخْلِصِينَ، وَتَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَشْتَغِلُ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى حِرْصٍ شَدِيدٍ وَمُبَالَغَةٍ
стр. 7326
عَظِيمَةٍ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ إِنَّ تِلْكَ الشِّرَّةَ يَتْبَعُهَا فَتْرَةٌ، فَإِنْ كَانَ مُقْتَصِدًا مُحْتَرِزًا عَنْ جَانِبَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ وَسَالِكًا الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، فَأَرْجُو كَوْنَهُ مِنَ الْفَائِزِينَ الْكَامِلِينَ، وَإِنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْإِفْرَاطِ حَتَّى يُشَارَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، فَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ وَلَا تُعَوِّلُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ مِنَ الْهَالِكِينَ، لَكِنْ لَا تَجْزِمُوا بِأَنَّهُ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَلَا تَعُدُّوهُ مِنْهُمْ، لَكِنْ لَا تَرْجُوهُ كَمَا رَجَوْتُمُ الْمُقْتَصِدَ إِذْ قَدْ يَعْصِمُ اللَّهُ فِي صُورَةِ الْإِفْرَاطِ وَالشُّهْرَةِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَعْفُو عَنْ صَاحِبِ التَّفْرِيطِ وَرَاعَى التَّقْصِيرَ فِي الْعِبَادَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ فَتَرَكَ مَا لِلْقِسْمِ الثَّالِثِ لِظُهُورِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَلَفْظُهُ: " «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ» ".
стр. 7327
٥٣٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) [٥٣٢٦] .
ــ
٥٣٢٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " بِحَسْبِ امْرِئٍ ") : الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ يَكْفِيهِ (" مِنَ الشَّرِّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا ") : فَإِنَّ مَنِ اشْتَهَرَ بِخَصْلَةٍ قَلَّمَا سَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ الْخَفِيَّةِ كَالْكِبْرِ، وَالْعُجْبِ، وَالرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الدَّنِيَّةِ، (" إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ ") ، أَيْ: حَفِظَهُ اللَّهُ فِي مَقَامِ تَقْوَاهُ، وَلِذَا اخْتَارَ طَائِفَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ طَرِيقَ الْمَلَامِيَّةِ فِي كِتْمَانِ الْعِبَادَاتِ الدِّينِيَّةِ إِظْهَارًا لِلشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ الدَّنِيَّةِ. قِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَشَارُوا إِلَيْكَ بِالْأَصَابِعِ، فَقَالَ: لَا يُرِيدُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ الْمُبْتَدِعَ فِي دِينِهِ الْفَاسِقَ فِي دُنْيَاهُ، انْتَهَى. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْبِدْعَةِ وَالْغَرَابَةِ، لَكِنْ قَدْ تُوجَدُ فِي الْكَثْرَةِ الْمُجَاوِزَةِ عَنْ حَدِّ الْعَادَةِ، فَيَحْصُلُ بِهِ الْإِشَارَةُ، وَالشِّرَّةُ، فَتَارَةً تُفْضِي بِصَاحِبِهَا إِلَى الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، وَالطَّمَعِ مِنَ النَّاسِ فِي الْمَنْزِلَةِ، وَتَارَةً يَعْصِمُهُ اللَّهُ مِنْ نَظَرِ مَا سِوَاهُ، فَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَعْرِفُ أَنَّ الْغَيْرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الشَّرِّ، وَلَا جَلْبِ الْخَيْرِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْخَلْقِ مَدْحًا وَذَمًّا، لَا فِي الْعِبَارَةِ وَلَا فِي الْإِشَارَةِ، فَإِنَّهُ مَا أَيْسَرَ الدَّعْوَى، وَمَا أَعْسَرَ الْمَعْنَى، فَهَذِهِ حَالَةٌ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْبِشَارَةِ، لَكِنَّهُ مَزَلَّةُ الْأَقْدَامِ لِلرِّجَالِ، وَمَزْلَقَةُ أَفْهَامِ الْجِبَالِ، كَمَا وَرَدَ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ الْخَلْقُ عِنْدَهُ كَالْأَبَاعِرِ.
وَتَوْضِيحُهُ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ بِأَحْسَنِ عِبَارَةٍ وَأَزْيَنِ إِشَارَةٍ، حَيْثُ قَالَ: وَبَيْنَ الْحَالِ يَعْنِي حُبَّ الرِّيَاسَةِ وَالْجَاهِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، هُوَ مِنْ أَحَرِّ غَوَائِلِ النَّفْسِ وَمُوَاطِنِ مَكَائِدِهَا، يُبْتَلَى بِهِ الْعُلَمَاءُ، وَالْعُبَّادُ، وَالْمُشَمِّرُونَ عَنْ سَاقِ الْجِدِّ لِسُلُوكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ مِنَ الزُّهَّادِ، فَإِنَّهُمْ مَهْمَا قَهَرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَفَطَمُوهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَصَانُوهَا عَنِ الشُّبُهَاتِ، وَحَمَلُوهَا بِالْقَهْرِ عَلَى أَصْنَافِ الْعِبَادَاتِ، عَجَزَتْ نُفُوسُهُمْ عَنِ الطَّمَعِ فِي الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الْجَوَارِحِ، فَطَلَبَتِ الِاسْتِرَاحَةَ إِلَى التَّظَاهُرِ بِالْخَيْرِ، وَإِظْهَارِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَوَجَدَتْ مَخْلَصًا مِنْ مَشَقَّةِ الْمُجَاهَدَةِ إِلَى لَذَّةِ الْقَبُولِ عِنْدَ الْخَلَائِقِ، وَلَمْ تَقْنَعْ بِاطِّلَاعِ الْخَالِقِ، وَفَرِحَتْ بِحَمْدِ النَّاسِ، وَلَمْ تَقْنَعْ بِحَمْدِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَأَحَبَّ مَدْحَهُمْ وَتَبَرُّكَهُمْ بِمُشَاهَدَتِهِ، وَخِدْمَتِهِ، وَإِكْرَامِهِ، وَتَقْدِيمِهِ فِي الْمَحَافِلِ، فَأَصَابَتِ النَّفْسَ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ اللَّذَّاتِ وَأَلَذُّ الشَّهَوَاتِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ حَيَاتَهُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَاتِهِ، وَإِنَّمَا حَيَاتُهُ بِهَذِهِ الشَّهَوَاتِ الْخَفِيَّةِ، الَّتِي تَعْمَى عَنْ دَرَكِهَا إِلَّا الْعُقُولَ النَّاقِدَةَ، قَدْ أَثْبَتَ اسْمَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُقَرَّبِينَ، فَهَذِهِ مَكِيدَةٌ لِلنَّفْسِ لَا يَسْلَمُ عَنْهَا إِلَّا الصِّدِّيقُونَ مِنَ الْمُخْلِصِينَ ; وَلِذَلِكَ قِيلَ: آخِرُ مَا يَخْرُجُ مِنْ رُءُوسِ الصَّدِّيقِينَ حُبُّ الرِّيَاسَةِ، وَهُوَ أَعْظَمُ شَبَكَةٍ لِلشَّيَاطِينِ، فَإِذَا الْمَحْمُودُ هُوَ الْمَخْمُولُ إِلَّا مَنْ شَهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَشْرِ دِينِهِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ مِنْهُ كَالْأَنْبِيَاءِ، وَالْمُرْسَلِينَ، وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ، وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") أَيْ: عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ.
стр. 7328
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٣٢٧ - وَعَنْ أَبِي تَمِيمَةَ ﵁ قَالَ: «شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَأَصْحَابَهُ، وَجُنْدَبٌ يُوصِيهِمْ، فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّه عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالُوا: أَوْصِنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيَّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ مِلْءُ كَفٍّ مِنْ دَمٍ أَهَرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٣٢٧ - (عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ الْجَهْمِيُّ الْبَصْرِيُّ، كَانَ أَصْلُهُ مَنْ عَرَبِ الْيَمَنِ، فَبَاعَهُ عَمُّهُ وَهُوَ تَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. (قَالَ: شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَأَصْحَابَهُ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ الزُّهْرِيُّ، مَوْلَى حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، تَابِعِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَشْهُورٌ، رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَنَفَرٍ مِنَ التَّابِعِينَ، كَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَضَعْ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَيُقَالُ: أَنَّ جَبْهَتَهُ ثُقِبَتْ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ، وَكَانَ لَا يَقْبَلُ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَصْحَابِهِ أَتْبَاعُهُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. (وَجُنْدَبٌ) أَيْ: حَضْرَتُهُمْ وَالْحَالُ أَنَّ جُنْدَبُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ (يُوصِيهِمْ) ، بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ، وَالْمَعْنَى يَعِظُهُمْ فِي الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الْمُجَاهَدَةِ، أَوْ بِزِيَادَةِ الْعِبَادَةِ، أَوْ بِالِاقْتِصَادِ فِي الطَّاعَةِ، أَوْ بِالِاحْتِرَازِ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَعَنِ الْإِشَارَةِ وَالشُّهْرَةِ، وَالْأَظْهَرُ الْأَخِيرَانِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ. (فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا) ؟ أَيْ: مِنَ الْأَحَادِيثِ، فَحَدِّثْنَا بِهِ وَأَفِدْنَا مِنْ كَلَامِهِ، فَإِنَّهُ أَقْوَى تَأْثِيرًا وَأَلْطَفُ تَعْبِيرًا (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") : سَبَقَ مَبْنَاهُ (" وَمَنْ شَاقَّ ") : صِيغَةُ الْمُفَاعَلَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُبَغَالَةِ فَهِيَ لِلْمُبَالَغَةِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ شَقَّ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ يُكَلِّفَهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا، أَوْ شَقَّ عَلَى غَيْرِهِ بِأَنْ حَمَّلَهُ فَوْقَ اسْتِطَاعَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ") ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَطْلَقَ لِيَشْمَلَ، فَتَأَمَّلْ (" شَقَّ اللَّهُ ") ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ شَاقَّ اللَّهُ (" عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالُوا) أَيِ: الصَّحَابَةُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَى ذِكْرِهِمْ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ صَفْوَانُ وَأَصْحَابُهُ لِجُنْدَبٍ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَاعِدَةِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ (أَوْصِنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، أَيْ: مَا يَفْسُدُ (مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ مَحَلُّ النَّتَنِ، أَوْ فِي الْقَبْرِ بِالتَّفَقُّعِ (فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا) أَيْ: حَلَالًا (فَلْيَفْعَلْ) أَيْ: مَا اسْتَطَاعَ، أَوْ مَعْنَاهُ فَلْيَأْكُلْ، فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ أَنَّ مَالَ الْمَأْكُولِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي لَذَّاتِ النَّفْسِ مِنْ طُرُقِ الْوَبَالِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالْحَلَالِ وَلَوْ بِقَلِيلٍ مِنَ الْمَالِ، وَقَدْ أَنْشَدَ ابْنُ أَدْهَمَ:
وَمَا هِيَ إِلَّا جَوْعَةٌ قَدْ سَدَّدْتُهَا ... وَكُلُّ طَعَامٍ بَيْنَ جَنْبَيَّ وَاحِدُ
وَتَكَلَّفَ الطِّيبِيُّ ﵀ حَيْثُ قَالَ: نَتَنُ الْبَطْنِ كِنَايَةٌ عَنْ مَسِّهِ النَّارَ، وَإِنَّمَا يَفْتَقِرُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ: فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيَّبًا أَيْ: حَلَالًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وَلَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا يَمَسُّ النَّارَ مِنْهُ هُوَ الْبَطْنُ. (وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَحُولَ) أَيْ: مَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ) أَيْ: دُخُولِهَا أَوَّلًا مَعَ الْفَائِزِينَ (مِلْءُ كَفٍّ مِنْ دَمٍ أَهَرَاقَهُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ، أَيْ: صَبَّهُ (فَلْيَفْعَلْ) أَيْ: مَا اسْتَطَاعَ مِمَّا ذُكِرَ، وَقَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ " مِلْءُ كَفٍّ " إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْقَلِيلَ يَحُولُ فَكَيْفَ بِالْكَثِيرِ، وَقِيلَ: إِشْعَارٌ إِلَى أَنَّ تَسْفِيهَ الْقَائِلِ بِأَنْ فَوَّتَ الْجَنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ بِهَذَا الشَّيْءِ الْحَقِيرِ الْمُسْتَرْذَلِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي بَابِ نَتَنِ الْمَيِّتِ وَبَلَاءِ جَسَدِهِ، إِلَّا الْأَنْبِيَاءَ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ مِنْ كِتَابِ شَرْحِ الصُّدُورِ فِي أَحْوَالِ الْقُبُورِ. أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُنْدَبِ الْبَجَلِيِّ: أَوَّلُ مَا يُنْتِنُ مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَتِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ مَرْفُوعٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7329
٥٣٢٨ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ «أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَمَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُتَفَقَّدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُقَرَّبُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، والْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٣٢٨ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْكِي، فَقَالَ) أَيْ: عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (مَا يُبْكِيكَ؟) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ بَاكِيًا أَشَوْقًا إِلَى اللِّقَاءِ، أَمْ وُقُوعًا مِنَ اللَّهِ بَعْضُ الْبَلَاءِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْبُكَاءِ؟ (قَالَ: يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ (يَقُولُ: " إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ ") أَيْ: قَلِيلَهُ (" شِرْكٌ ") ، أَيْ: عَظِيمٌ، أَوْ نَوْعٌ مِنَ الشِّرْكِ، يَعْنِي وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْخَفَاءِ، لِأَنَّهُ أَدَقُّ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَقَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْهُ الْأَقْوِيَاءُ، فَكَيْفَ الضُّعَفَاءُ؟ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ الْبُكَاءِ، وَسَبَبٌ آخَرُ أَذَى الْأَوْلِيَاءِ وَغَالِبُهُمْ أَخْفِيَاءُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: ( «أَوْلِيَائِي تَحْتَ قِبَائِي لَا يَعْرِفُهُمْ غَيْرِي» ) وَالْإِنْسَانُ لَا يَخْلُو عَنْ بَذَاذَةِ اللِّسَانِ مَعَ الْإِخْوَانِ مِمَّا يَجُرُّ إِلَى الْعِصْيَانِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: (" وَمَنْ عَادَى ") أَيْ: آذَى وَأَغْضَبَ بِالْفِعْلِ أَوِ الْقَوْلِ (" لِلَّهِ وَلِيًّا ") أَيْ: وَاحِدًا مِنْ أَوْلِيَائِهِ تَعَالَى (" فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ ") أَيْ: أَظْهَرَ لَهُ نَفْسَهُ (" بِالْمُحَارَبَةِ ") ، وَفِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْمُخَالَفَةِ بِالْمُحَارَبَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا جَرَاءَةٌ عَظِيمَةٌ وَجِنَايَةٌ جَسِيمَةٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: (لِلَّهِ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا (بِعَادَى) ، فَهُوَ إِمَّا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَلِيًّا، أَوْ صِفَةٌ لَهُ قُدِّمَ فَصَارَ حَالًا مِنْهُ. (" إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ ") أَيِ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ عَمَلَ الْبِرِّ وَهُوَ الطَّاعَةُ لِلْحَقِّ، وَالْإِحْسَانُ لِلْخَلْقِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَدَارُ الدِّينِ عَلَى التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ (" الْأَتْقِيَاءَ ") أَيْ: عَنِ الشِّرْكِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ، وَعَنِ الْمَنَاهِي، وَالْمَلَاهِي (" الْأَخْفِيَاءَ ") أَيْ: عَنْ نَظَرِ الْخَلْقِ مِنْ عَامَّتِهِمْ، وَعَنْ مُخَالَطَتِهِمْ وَمُعَاشَرَتِهِمْ (" الَّذِينَ إِذَا غَابُوا ") أَيْ: مِنْ غَايَةِ الْخُمُولِ (" لَمْ يُتَفَقَّدُوا ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، فَفِي الْقَامُوسِ: تَفَقَّدَهُ طَلَبَهُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ [النمل: ٢٠] (" وَإِنْ حَضَرُوا ") أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ (" لَمْ يُدْعَوْا ") : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: لَمْ يُطْلَبُوا إِلَى الدَّعْوَةِ وَغَيْرِهَا (" وَلَمْ يُقَرَّبُوا ") بِالْمَجْهُولِ أَيْضًا، أَيْ: وَلَمْ يُقَرِّبْهُمُ الْعَامَّةُ، وَلَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَ قُرْبِهِمْ، وَمِقْدَارَ مَنْزِلَتِهِمْ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ، اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِحَقِيقَةِ الْوَلِيِّ، وَذَكَرَ لَهُمْ أَحْوَالًا ثَلَاثَةً: إِذَا كَانُوا سَفَرًا لَمْ يُتَفَقَّدُوا، وَإِذَا كَانُوا حَاضِرِينَ لَمْ يُدْعَوْا إِلَى مَأْدُبَةٍ، وَإِنْ حَضَرُوهَا لَمْ يُقَرَّبُوا وَتُرِكُوا فِي صَفِّ النِّعَالِ، وَهَذَا تَفْصِيلُ مَا وَرَدَ: " «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ لَا يُؤْبَهُ بِهِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ". (" قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى ") أَيْ: هُمْ أَدِلَّةُ الْهِدَايَةِ، وَهُدَاةُ الْعِنَايَةِ فَيَسْتَحِقُّونَ الرِّعَايَةَ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُطْلُبَ مِنْهُمُ الْحِمَايَةُ (" يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ ") أَيْ: مِنْ عُهْدَةِ كُلِّ مَسْأَلَةٍ مُشْكِلَةٍ، أَوْ بَلِيَّةٍ مُعْضِلَةٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كِنَايَةٌ عَنْ حَقَارَةِ مَسَاكِنِهِمْ وَأَنَّهَا مُظْلِمَةٌ مُغْبَرَّةٌ لِفُقْدَانِ أَدَاةِ مَا يُتَنَوَّرُ وَيُتَنَظَّفُ بِهِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) ، أَيْ: فِي سُنَنِهِ (والْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") . وَقَدْ جَاءَ فِي صَدْرِ حَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَرْبَعِينَ مِمَّا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» ". قَالَ شَارِحٌ لَهُ: أَيْ أَعْلَمْتُهُ بِمُحَارَبَتِهِ وَمُعَادَاتِهِ مَعِي، أَوْ بِأَنِّي سَأُحَارِبُهُ، وَأَقْهَرُهُ، وَأَنْتَصِرُ مِنْهُ، وَأَنْتَقِمُ لَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنِّي لَأَغْضَبُ لِأَوْلِيَائِي كَمَا يَغْضَبُ اللَّيْثُ لِلْجَرْوِ، أَيْ: لِوَلَدِهِ، وَفِي أُخْرَى: أَنَّهُ يَنْتَقِمُ بِعَدُّوِهِ، ثُمَّ الْوَلِيُّ بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ يَدُلُّ عَلَى الْقُرْبِ، فَكَأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ لِاسْتِغْرَاقِهِ فِي نُورِ مَعْرِفَتِهِ، وَجَمَالِهِ، وَجَلَالِهِ، وَكَمَالِ مُشَاهَدَتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِهِ، فَقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: الْوَلِيُّ مَنْ كَانَ آتِيًا بِالِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الدَّلِيلِ، وَبِالْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْ كَذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْكُبَرَاءِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْعُلَمَاءُ لَيْسُوا بِأَوْلِيَاءَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ وَلِيٌّ.
стр. 7330
وَقَالَ الْغَزَّالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْوَلِيُّ مَنْ كُوشِفَ بِبَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِإِصْلَاحِ النَّاسِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ، إِذْ أَكْثَرُ الْأَوْلِيَاءِ لَا سِيَّمَا مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ كَرَامَةٌ وَكَشْفُ حَالَةٍ، بِخِلَافِ بَعْضِ الْخَلَفِ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقِيلَ: لِقُوَّةِ قُلُوبِ الْأَوَّلِينَ وَضَعْفِ دِينِ الْآخِرِينَ؛ وَلِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ، لَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَامِلُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ، مُكَمِّلُونَ لِغَيْرِهِمْ، فَهُمُ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ، وَالْوَاعِظُونَ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِهَا سِوَاهُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ بِقَوْلِهِ: مَصَابِيحُ الْهُدَى، فَطُوبَى لِمَنْ بِهِمُ اقْتَدَى وَبِنُورِهِمُ اسْتَضَاءَ وَاهْتَدَى، فَالْأَقْرَبُ فِي مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ ﵀: مِنْ أَنَّ الْوَلِيَّ إِمَّا فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ مَنْ يَتَوَلَّى اللَّهُ حِفْظَهُ وَحِرَاسَتَهُ عَلَى التَّوَالِي، أَوْ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، أَيْ: مَنْ يَتَوَلَّى عِبَادَةَ اللَّهِ وَطَاعَتَهُ، وَيَتَوَالَى عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ مَعْصِيَةٍ، وَكِلَا الْوَصْفَيْنِ شَرْطٌ فِي الْوِلَايَةِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ، وَإِيمَاءٌ فِي الْأَوَّلِ إِلَى الْمَجْذُوبِ السَّالِكِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْمُرَادِ، وَفِي الثَّانِي إِلَى السَّالِكِ الْمَجْذُوبِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْمُرِيدِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِمَا سُبْحَانَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣] وَتَحْقِيقُهُ أَنْ يُقَالَ: الْوَلِيُّ هُوَ مَنْ يَتَوَلَّى اللَّهُ بِذَاتِهِ أَمْرَهُ، فَلَا تَصَرُّفَ لَهُ أَصْلًا إِذْ لَا وُجُودَ لَهُ، وَلَا ذَاتَ، وَلَا فِعْلَ، وَلَا وَصْفَ، فَهُوَ الْفَانِي بِيَدِ الْبَاقِي، كَالْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الْغَاسِلِ، يَفْعَلُ بِهِ مَا يَشَاءُ حَتَّى يَمْحُو رَسْمَهُ وَاسْمَهُ، وَيَمْحُو عَيْنَهُ وَأَثَرَهُ، وَيُحْيِيهِ بِحَيَاتِهِ، وَيُبْقِيهِ بِبَقَائِهِ، وَيُوصِلَهُ إِلَى لِقَائِهِ.
стр. 7331
٥٣٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا صَلَّى فِي الْعَلَانِيَةِ فَأَحْسَنَ، وَصَلَّى فِي السِّرِّ فَأَحْسَنَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا عَبْدِي حَقًّا» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٣٢٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا صَلَّى فِي الْعَلَانِيَةِ فَأَحْسَنَ) ، أَيْ: فِي أَدَاءِ صَلَاتِهِ بِالْقِيَامِ بِشَرَائِطِهِ، وَوَاجِبَاتِهِ، وَسُنَنِهِ، وَمُسْتَحَبَّاتِهِ، وَكَذَا فِي سَائِرِ طَاعَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ (" وَصَلَّى فِي السِّرِّ ") أَيْ: فِي الْخَلْوَةِ عَنِ الْخَلْقِ (" فَأَحْسَنَ ") أَيْ: عَمَلَهُ اكْتِفَاءً بِنَظَرِ الْحَقِّ (" قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا ") أَيِ: الْعَبْدُ (" عَبْدِي ") أَيِ: الْمُخْلِصُ لِي (" حَقًّا ") أَيْ: صِدْقًا، خَالِيًا عَنْ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ فِي الْعَلَانِيَةِ نِفَاقًا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّرَفُ فِي حَثِّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَ السُّنَنَ وَالنَّوَافِلَ فِي الْبَيْتِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 7332
٥٣٣٠ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ، إِخْوَانُ الْعَلَانِيَةِ، أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ذَلِكَ بِرَغْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، وَرَهْبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ» ".
ــ
٥٣٣٠ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " يَكُونُ ") أَيْ: يُوجَدُ وَيَحْدُثُ (" فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ ") أَيْ: جَمَاعَاتٌ كَثِيرَةٌ أَوْ مُخْتَلِفَةٌ مُؤْتَلِفَةٌ (" إِخْوَانُ الْعَلَانِيَةِ، أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ ") . أَيْ: أَحِبَّاءٌ فِي الظَّوَاهِرِ وَأَعْدَاءٌ فِي السَّرَائِرِ، ذَكَرَهُمَا مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ عَلَى سَبِيلِ التَّعْدَادِ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْخَبَرِ بَعْدَ الْخَبَرِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: (فِي) مُقَدَّرَةٌ فِيهَا، وَفِي قَرِينَتِهَا. الْجَوْهَرِيُّ: السِّرُّ مَا يُكْتَمُ، وَالسَّرِيرَةُ مِثْلُهُ (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟) أَيْ: مَا ذُكِرَ وَمَا يَكُونُ سَبَبُهُ؟ (قَالَ: " ذَلِكَ بِرَغْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ ") أَيْ: بِسَبَبِ طَمَعِ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ إِلَى أُخْرَى (" وَرَهْبَةِ بَعْضِهِمْ ") أَيْ: خَوْفِهِمْ (" مِنْ بَعْضٍ ") ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضِ فِي اللَّهِ، بَلْ أُمُورُهُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ، وَالْمَقَاصِدِ الْكَاسِدَةِ، فَتَارَةً يَرْغَبُونَ فِي قَوْمٍ لِأَغْرَاضٍ فَيُظْهِرُونَ لَهُمُ الصَّدَاقَةَ، وَتَارَةً يَكْرَهُونَ قَوْمًا لِعِلَلٍ فَيُظْهِرُونَ لَهُمُ الْعَدَاوَةَ، وَخُلَاصَتُهُ: أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِمَحَبَّةِ الْخَلْقِ وَعَدَاوَتِهِمْ، فَإِنَّهُمَا مَبْنِيَّتَانِ عَلَى غَرَضِهِمْ وَشَهْوَتِهِمْ.
стр. 7333
٥٣٣١ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ صَلَّى يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ» ". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ.
ــ
٥٣٣١ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " مَنْ صَلَّى يُرَائِي ") أَيْ: مُرَائِيًا (" فَقَدْ أَشْرَكَ ") ، أَيْ: شِرْكًا خَفِيًّا كَمَا سَيَجِيءُ مُصَرَّحًا فِيمَا يَلِيهِ مِنْ حَدِيثِهِ، (" وَمَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ ") فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الرِّيَاءَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الصِّيَامِ أَيْضًا، خِلَافًا لِمَنْ نَفَاهُ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ مَدَارَ الصَّوْمِ عَلَى النِّيَّةِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا الرِّيَاءُ، وَلَا عِبْرَةَ بِعَدَمِ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ الطَّوِيَّةِ، فَإِنَّا نَقُولُ: الرِّيَاءُ الْمَحْضُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الصَّوْمِ، لَكِنَّ الرِّيَاءَ قَدْ يُوجَدُ عَلَى وَجْهِ الِاشْتِرَاكِ، بِأَنْ يُرِيدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، يُرِيدُ بِهِ أَيْضًا التَّشْهِيرَ أَوْ غَرَضًا سِوَاهُ، سَوَاءٌ يَكُونُ الْمَقْصِدَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ مُتَقَابِلَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الْمَرَامِ فِي كَلَامِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ. (" وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ ". رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (أَحْمَدُ) .
стр. 7334
٥٣٣٢ - وَعَنْهُ، «أَنَّهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: شَيْءٌ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، فَذَكَرْتُهُ، فَأَبْكَانِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي مِنَ الشِّرْكِ وَالشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ "، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: " نَعَمْ، أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا، وَلَا قَمَرًا، وَلَا حَجَرًا، وَلَا وَثَنًا، وَلَكِنْ يُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا، فَتَعْرِضَ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكَ صَوْمَهُ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٣٣٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ شَدَّادٍ (أَنَّهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: شَيْءٌ) أَيْ: يُبْكِينِي شَيْءٌ (سَمِعْتُ) أَيْ: سَمِعْتُهُ (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) فِيهِ اسْتِعْمَالُ مِنْ عَلَى أَصْلِهِ (يَقُولُ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ قَائِلًا، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ (فَذَكَرْتُهُ) أَيِ: الْمَسْمُوعَ أَوِ الْمَقُولَ (فَأَبْكَانِي) أَيْ: فَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُزْنِي وَبُكَائِي، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْإِجْمَالِ ; وَلِذَا اسْتَأْنَفَ بَيَانَهُ فَقَالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " أَتَخَوَّفُ " قَالَ الرَّاغِبُ: الْخَوْفُ تَوَقُّعُ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ عَنْ أَمَارَةٍ مَظْنُونَةٍ أَوْ مَعْلُومَةٍ، وَالتَّخَوُّفُ ظُهُورُ الْخَوْفِ مِنَ الْإِنْسَانِ، انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّاءَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْمَعْنَى أَخَافُ خَوْفًا كَثِيرًا (عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ) أَيِ: الْخَفِيَّ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ تَقْدِيرِنَا مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ» . (" وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ ") .
أَيِ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا إِلَّا أَصْحَابُ الرِّيَاضَاتِ الرَّضِيَّةِ، وَالْمُجَاهَدَاتِ الْقُدْسِيَّةِ، وَالْمُخَالَفَاتِ النَّفْسِيَّةِ. (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُشْرِكُ) : بِالتَّذْكِيرِ وَتُؤَنَّثُ (أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: " نَعَمْ. أَمَا ") : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِ الشِّرْكَ الْجَلِيَّ (" إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا حَجَرًا وَلَا وَثَنًا ") أَيْ: وَلَا صَنَمًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (" وَلَكِنْ يُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ ") : وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] . (" وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا ") ، أَيْ: نَاوِيًا لِلصَّوْمِ (" فَتَعْرِضَ ") : بِكَسْرِ الرَّاءِ مَرْفُوعًا وَمَنْصُوبًا أَيْ: فَتَظْهَرُ (" لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ ") أَيْ: كَالْأَكْلِ، وَالْجِمَاعِ، وَغَيْرِهِمَا، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ شَهْوَةٌ خَاصَّةٌ عَزِيزَةُ الْوُجُودِ مِنْ بَيْنِ مُشَبَّهَاتِهِ بِحَيْثُ لَا تُوجَدُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ فَيَمِيلُ إِلَيْهَا بِالطَّبْعِ، وَلَا يُلَاحِظُ مُخَالَفَتَهُ لِلشَّرْعِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَالنَّقْلُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فَيَجِبُ إِتْمَامُهُ (" فَيَتْرُكَ صَوْمَهُ ") أَيْ: وَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إِلَيْهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَعْنِي إِذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي طَاعَةٍ مِنْ طَاعَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِ نَفْسِهِ، يُرَجِّحُ جَانِبَ النَّفْسِ عَلَى جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَتْبَعُ هَوَى نَفْسِهِ فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إِلَى الْهَلَاكِ وَالرَّدَى. قَالَ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧] اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْهَوَى فِي الْآيَةِ الشَّهْوَةُ الْجَلِيَّةُ، وَهِيَ الْمُحَرَّمَاتُ وَالْأُمُورُ الْمَنْهِيَّةُ، ثُمَّ قَالَ: وَسُمِّيَ خَفِيًّا لِخَفَاءِ هَلَاكِهِ أَوْ مَشَاكِلِهِ لِقَوْلِهِ: الشِّرْكَ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْمُشَاكَلَةِ، لَا فِي الْإِطْلَاقِ، وَلَا فِي التَّقْيِيدِ بِحَسَبِ الْمُقَابَلَةِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") . قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَفِي الْجَامِعِ: الشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ وَالرِّيَاءُ شِرْكٌ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَدَّادٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: " «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ: يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا وَثَنًا وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهْوَةً خَفِيَّةً» ".
стр. 7335
٥٣٣٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ " فَقُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: " الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُصَلِّيَ، فَيَزِيدَ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٣٣٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أَيِ: الْخُدْرِيِّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (فَقَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: (أَلَا) لَيْسَتْ لِلتَّنْبِيهِ، بَلْ هِيَ لَا النَّافِيَةُ دَخَلَتْ عَلَيْهَا هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ، يَعْنِي بِقَرِينَةِ بَلَى فِي جَوَابِهِمْ، وَالْمَعْنَى: أَلَا أُعَلِّمُكُمْ (" بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ ") أَيْ: لِعُمُومِهِ وَخَفَائِهِ (" عِنْدِي ") أَيْ: فِي شَرِيعَتِي وَطَرِيقَتِي (" مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ") ، أَيْ لِخُصُوصِ وَقْتِهِ، وَلِظُهُورِ مَقْتِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْكُمْ رِعَايَةُ مُحَافَظَتِهِ (فَقُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: " الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ ") بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ، أَوِ التَّقْدِيرُ هُوَ أَنْ يَقُومَ (" الرَّجُلُ فَيُصَلِّيَ ") بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" فَيَزِيدَ ") أَيْ: فِي الْكَمِّيَّةِ أَوِ الْكَيْفِيَّةِ (" صَلَاتَهُ ") أَيْ: فِي جَمِيعِ أَرْكَانِهَا أَوْ بَعْضِهَا (" لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ ") أَيْ: مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ (" إِلَيْهِ ") ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِاطِّلَاعِهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 7336
٥٣٣٤ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: " الرِّيَاءُ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) : " «يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً وَخَيْرًا؟» ".
ــ
٥٣٣٤ - (وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ) ، أَنْصَارِيٌّ أَشْهَلِيٌّ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَدَّثَ عَنْهُ أَحَادِيثَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَهُ صُحْبَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يُعْرَفُ لَهُ صُحْبَةٌ، وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي التَّابِعِينَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الصَّحِيحُ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالشِّرْكِ الْأَصْغَرِ وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوَّلًا، (قَالَ: " الرِّيَاءُ ") ، أَيْ جِنْسُ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، مِنَ الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: " يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ ") أَيْ: لِلْمُرَائِينَ (" يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ ") : عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ وَنَصْبِ الْعِبَادِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ وَرَفْعِ الْعِبَادِ (" بِأَعْمَالِهِمْ ") أَيْ: إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ (" اذْهَبُوا ") أَيْ: أَيُّهَا الْمُرَاؤُونَ (" إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ ") ، أَيْ: فِي حُسْنِ الْعِبَادَةِ أَوْ أَصْلُهَا نَظَرَهُمْ تُرَاعُونَ (" فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً وَخَيْرًا؟) : الْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " كَمَا فِي نُسْخَةٍ، أَوْ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: حَدِيثُ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ هَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، والْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ وَغَيْرِهِ.
стр. 7337
٥٣٣٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا فِي صَخْرَةٍ لَا بَابَ لَهَا وَلَا كَوَّةَ، خَرَجَ عَمَلُهُ إِلَى النَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ» ".
ــ
٥٣٣٥ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا فِي صَخْرَةٍ ") أَيْ: فِي دَاخِلِ حَجَرٍ صُلْبٍ - فَرْضًا - أَوْ جَوْفِ كَهْفِ جَبَلٍ (" لَا بَابَ لَهَا وَلَا كَوَّةَ ") بِفَتْحِ الْكَافِ وَتُضَمُّ، وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ طَاقَةَ، وَقِيلَ: هِيَ بِالْفَتْحِ إِذَا كَانَتْ غَيْرُ نَافِذَةٍ، وَبِالضَّمِّ إِذَا كَانَتْ نَافِذَةً، فَالْأُولَى أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا فِي بَابِ الْمُبَالَغَةِ أَعْلَى. (" خَرَجَ عَمَلُهُ إِلَى النَّاسِ ") أَيْ: ظَهَرَ عَلَيْهِمْ (" كَائِنًا ") أَيْ: ذَلِكَ الْعَمَلُ (" مَا كَانَ ") . أَيْ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَنَصَبَ كَائِنًا عَلَى الْحَالِ، أَيْ: حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ الْعَمَلِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَفِي نُسْخَةٍ: مَنْ كَانَ، فَالتَّقْدِيرُ: كَائِنًا ذَلِكَ الْعَامِلُ أَوْ صَاحِبُ الْعَمَلِ مَنْ كَانَ، أَيْ: سَوَاءٌ أَرَادَ ظُهُورَهُ أَوْ لَمْ يُرِدْ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢] .
стр. 7338
٥٣٣٦ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ سَرِيرَةٌ صَالِحَةً أَوْ سَيِّئَةً، أَظْهَرَ اللَّهُ مِنْهَا رِدَاءً يُعْرَفُ بِهِ» ".
ــ
٥٣٣٦ - (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) : بِلَا صَرْفٍ وَيُصْرَفُ (﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ كَانَتْ ") بِالتَّأْنِيثِ، وَفِي نُسْخَةٍ: مَنْ كَانَ (" لَهُ سَرِيرَةٌ ") أَيْ: طَوِيَّةٌ (" صَالِحَةً أَوْ سَيِّئَةً أَظْهَرَ اللَّهُ مِنْهَا ") أَيْ: مِنْ تِلْكَ السَّرِيرَةِ (" رِدَاءً ") أَيْ عَلَامَةً مِنْ هَيْئَةٍ وَصُورَةٍ (" يُعْرَفُ بِهِ ") .
أَيْ يَمْتَازُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، كَمَا يُعْرَفُ بِالرِّدَاءِ كَوْنَ الرَّجُلِ مِنَ الْأَعْيَانِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْوَانِ.
стр. 7339
٥٣٣٧ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ كُلَّ مُنَافِقٍ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ وَيَعْمَلُ بِالْجَوْرِ» " رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٣٣٧ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ ") أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ (" كُلَّ مُنَافِقٍ ") : بِالنَّصْبِ، وَالْمَعْنَى: مَا أَخَافُ عَلَيْهِمْ إِلَّا شَرَّ كُلِّ مُنَافِقٍ، أَيْ: مُرَاءٍ أَوْ فَاسِقٍ (" يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ ") أَيْ: بِالشَّرِيعَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (" وَيَعْمَلُ بِالْجَوْرِ ") أَيْ بِالظُّلْمِ، وَالسَّيِّئَةِ، وَيَعْدِلُ عَنْ جَادَّةِ الِاسْتِقَامَةِ، وَقَدْ أَبْعَدَ الطِّيبِيُّ ﵀ حَيْثُ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُنَافِقٍ بَحْرُورًا بَدَلًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: مَا أَخَافُ إِلَّا عَلَى كُلِّ مُنَافِقٍ، وَلَا يَخْفَى فَسَادُهُ اللَّاحِقُ، سَوَاءٌ جُعِلَ بَدَلَ الْكُلِّ أَوِ الْبَعْضِ، فَإِنَّ الْبَدَلَ حِينَئِذٍ يَكُونُ فِي قُوَّةِ الْمَطْرُوحِ، وَيَقَعُ الِاهْتِمَامُ بِشَأْنِ الْبَدَلِ، فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ لَا يُفِيدُهُ اسْتِدْرَاكُهُ بِقَوْلِهِ أَيْ: أَخَافُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّفَاقِ، فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِالْوِفَاقِ. (رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") .
стр. 7340
٥٣٣٨ - وَعَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ حَبِيبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ، وَلَكِنْ أَتَقَبَّلُ هَمَّهُ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فِي طَاعَتِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا لِي وَوَقَارًا وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ» ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٣٣٨ - (وَعَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ حَبِيبٍ) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى " إِنِّي لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ ") أَيْ: جَمِيعَ قَوْلِ الْعَالِمِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِخَبَرِ لَيْسَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (" أَتَقَبَّلُ ") : لِأَنِّي لَا أَنْظُرُ إِلَى الْأَقْوَالِ وَحَرَكَةِ اللِّسَانِ، بَلْ أَنْظُرُ إِلَى الْأَحْوَالِ وَبَرَكَةِ الْجِنَانِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (" وَلَكِنِّي أَتَقَبَّلُ هَمَّهُ ") أَيْ: نِيَّتَهُ، وَلَوْ كَانَتْ فِي أَوَائِلِ مَرَاتِبِ الْخَوَاطِرِ (" وَهَوَاهُ ") أَيْ: قَصْدَهُ الْمُقَرَّرَ فِي الْأَوَاخِرِ ; لِأَنَّ نِيَّةَ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، حَتَّى لَهُ الْأَجْرُ عَلَى طُولِ أَمَلِهِ وَلَوْ بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ، (" فَإِنَّ هَمَّهُ وَهَوَاهُ فِي طَاعَتِي ") أَيْ: فِي مُوَافَقَتِي (" جَعَلْتُ صَمْتَهُ ") أَيْ: سُكُونَهُ (" حَمْدًا لِي ") أَيْ: بِمَنْزِلَةِ الثَّنَاءِ اللِّسَانِيِّ عَلَيَّ (وَوَقَارًا) أَيْ: سَكِينَةً وَطُمَأْنِينَةً وَرَزَانَةً فِي الْحِلْمِ، وَمَتَانَةً فِي الْعِلْمِ، (" وَلَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ ") أَيْ: بِالْحَمْدِ وَنَحْوِهِ وَمَفْهُومِهِ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فِي مَعْصِيَتِي أَيْ مُخَالَفَتِي جَعَلْتُ كَلَامَهُ وِزْرًا، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِالْحَمْدِ وَأَظْهَرَ عِلْمًا وَذِكْرًا. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) فِي مُسْنَدِهِ.
стр. 7341
[بَابُ الْبُكَاءِ وَالْخَوْفِ]
стр. 7342
[٦] بَابُ الْبُكَاءِ وَالْخَوْفِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٣٣٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا» "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[٦]
بَابُ الْبُكَاءِ وَالْخَوْفِ
جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَنْبِيهًا لِتَلَازُمِهِمَا غَالِبًا، وَقَدَّمَ الْبُكَاءَ وَلَوْ سَبَبُهُ الْخَوْفُ لِظُهُورِهِ أَوَّلًا، أَوْ أُرِيدَ بِالْخَوْفِ التَّعْمِيمُ، فَذَكَرَهُ بَعْدَ الْبُكَاءِ كَالتَّتْمِيمِ، ثُمَّ الْبُكَاءُ بِالْقَصْرِ: خُرُوجُ الدَّمْعِ مَعَ الْحُزْنِ، وَبِالْمَدِّ: خُرُوجُهُ مَعَ رَفْعِ الصَّوْتِ، كَذَا قِيلَ، وَالْمَدُّ أَشْهَرُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَهُ هَاهُنَا الْمَعْنَى الْأَعَمَّ، فَحَمْلُهُ عَلَى التَّجْرِيدِ فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ هُوَ الْأَتَمُّ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٣٣٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ ") أَيْ: مِنْ عِقَابِ اللَّهِ لِلْعُصَاةِ، وَشِدَّةِ الْمُنَاقَشَةِ يَوْمَ الْحِسَابِ لِلْعُتَاةِ، وَكَشْفِ السَّرَائِرِ وَخُبْثِ النِّيَّاتِ (" لَبَكَيْتُمْ ") : جَوَابُ الْقَسَمِ السَّادِّ مَسَدَّ جَوَابِ لَوْ (" كَثِيرًا ") أَيْ: بُكَاءً كَثِيرًا، أَوْ زَمَانًا كَثِيرًا، أَيْ: مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، تَرْجِيحًا لِلْخَوْفِ عَلَى الرَّجَاءِ وَخَوْفًا مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ (" وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ") ، وَكَأَنَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْأَسْرَارِ الَّتِي أُودِعَهَا قَلْبَ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الصَّادِقِ، وَيَجُوزُ إِفْشَاءُ السِّرِّ، فَإِنَّ صُدُورَ الْأَحْرَارِ قُبُورُ الْأَسْرَارِ، بَلْ كَانَ يَذْكُرُ ذَلِكَ لَهُمْ حَتَّى يَبْكُوا وَلَا يَضْحَكُوا، فَإِنَّ الْبُكَاءَ ثَمَرَةُ شَجَرَةِ حَيَاةِ الْقَلْبِ الْحَيِّ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَاسْتِشْعَارِ عَظَمَتِهِ وَهَيْبَتِهِ وَجَلَالِهِ، وَالضَّحِكُ نَتِيجَةُ الْقَلْبِ الْغَافِلِ عَنْ ذَلِكَ، فَبِأَنَّ الْحَقِيقَةَ حَثَّ الْخَلْقِ عَلَى طَلَبِ الْقَلْبِ الْحَيِّ وَالتَّعَوُّذِ مِنَ الْقَلْبِ الْغَافِلِ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أَيْ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ الضِّيَاءُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَزَادَ: " وَلَمَا سَاغَ لَكُمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ "، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَلَفْظُهُ: " «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا تَدْرُونَ تَنْجُونَ أَوْ لَا تَنْجُونَ» "، وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مُطَوَّلًا. وَرُوِيَ أَنَّ الْمُنَادِي يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ: لَيْتَ هَذَا الْخَلْقَ لَمْ يُخْلَقُوا، وَلَيْتَهُمْ إِذَا خُلِقُوا عَلِمُوا لِمَاذَا خُلِقُوا. وَعَنِ الصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ أَنَّهُ قَالَ: وَدِدْتُ أَنْ أَكُونَ خُضَرًا تَأْكُلُنِي الدَّوَابُّ مَخَافَةَ الْعَذَابِ. وَعَنْ عُمَرَ الْفَارُوقِ: أَنَّهُ سَمِعَ إِنْسَانًا يَقْرَأُ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] فَقَالَ: لَيْتَهَا تَمَّتْ، بَلْ «وَرَدَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْتَ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يَخْلُقْ مُحَمَّدًا» ، وَعَنِ الْفُضَيْلِ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَا أَغْبِطُ مَلَكًا مُقَرَّبًا، وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَلَا عَبْدًا صَالِحًا، أَلَيْسَ هَؤُلَاءِ يُعَانُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ إِنَّمَا أَغْبِطُ مَنْ لَا يُخْلَقُ.
стр. 7343
٥٣٤٠ - وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَاللَّهِ لَا أَدْرِي، وَاللَّهِ لَا أَدْرِي، وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ، مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ» "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٣٤٠ - (وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ) ، هِيَ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ، رَوَى عَنْهَا خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَهِيَ أُمُّهُ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُهَا فِي مَرَضِهَا، (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " وَاللَّهِ لَا أَدْرِي ") ، وَفِي نُسْخَةٍ (" وَاللَّهِ لَا أَدْرِي ") مُكَرَّرًا، (" وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ ") ﷺ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (" مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ") : مَفْعُولُ لَا أَدْرِي، وَدُخُولُ " لَا " لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ ; لِيُفِيدَ اشْتِمَالَ النَّفْيِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَبِيلَيْنِ عَلَى حِدَهْ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فِيهِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ حِينَ قَالَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ لَمَّا تُوُفِّيَ: هَنِيئًا لَكَ الْجَنَّةُ، زَجْرًا لَهَا عَلَى سُوءِ الْأَدَبِ بِالْحُكْمِ عَلَى الْغَيْبِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ لِعَائِشَةَ ﵂،
стр. 7344
وَعَنْ أَبِيهَا - حِينَ سَمِعَهَا تَقُولُ: طُوبَى لِهَذَا عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، قُلْتُ: لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا سَبَبُ وُرُودِ الْحَدِيثِ، وَزَمَانُ صُدُورِهِ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُ إِزَالَةَ إِشْكَالِ مَعْنَاهُ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] ، قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ النَّسْخَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ تَأْخِيرُ النَّاسِخِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَحْكَامِ لَا فِي الْأَخْبَارِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الِاعْتِبَارِ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِلدِّرَايَةِ الْمُفَصَّلَةِ دُونَ الْمُجْمَلَةِ، قُلْتُ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَرَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى سَبَبِ وُرُودِ الْحَدِيثِ، قُلْتُ: وَهَذَا مُنْدَرِجٌ فِيمَا قَبْلَهُ وَالْحُكْمُ بِطَرِيقِ الْأَعَمِّ هُوَ الْوَجْهُ الْأَتَمُّ، وَالْمُرَادُ بِالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَالشِّبَعُ وَالرَّيُّ، وَالْمَرَضُ وَالصِّحَّةُ، وَالْفَقْرُ وَالْغِنَى، وَكَذَا حَالُ الْأُمَّةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: وَأُخْرَجُ مِنْ بَلَدِي أَمْ أُقْتَلُ، كَمَا فُعِلَ بِالْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَأَتُرْمَوْنَ بِالْحِجَارَةِ أَمْ يُخْسَفُ بِكُمْ كَالْكَذَّابِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ؟ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ نَفْيَ عِلْمِ الْغَيْبِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطَّلِعٍ عَلَى الْمَكْنُونِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَا يَجُوزُ حَمْلُ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُتَرَدِّدًا فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ، غَيْرَ مُتَيَقِّنٍ بِمَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْحُسْنَى، لِمَا وَرَدَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي يَنْقَطِعُ الْعُذْرُ دُونَهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَنَّى يُحْمَلُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ يُبَلِّغُهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ، وَأَنَّهُ أَكْرَمُ الْخَلَائِقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7345
٥٣٤١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا، رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، وَرَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٣٤١ - (وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ ") ، أَيْ: أُظْهِرَتْ لِي وَأَهْلُهَا (" فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ") أَيْ: مِنْ مُؤْمِنِيهِمْ (" تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ ") ، أَيْ: فِي شَأْنِ هِرَّةٍ وَلِأَجْلِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فِي هِرَّةٍ لَهَا (" رَبَطَتْهَا ") : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (" فَلَمْ تُطْعِمْهَا ") أَيْ: كِفَايَتَهَا (" وَلَمْ تَدَعْهَا ") أَيْ: وَلَمْ تَتْرُكْهَا (" تَأْكُلُ ") : بِالرَّفْعِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَيْ: تَصِيدُ وَتَأْكُلُ (" مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ") بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتُكْسَرُ وَتُضَمُّ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْخَشَاشُ مُثَلَّثٌ: حَشَرَاتُ الْأَرْضِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا، وَالْفَتْحُ أَظْهَرُ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَرُوِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ يَابِسُ النَّبَاتِ وَهُوَ وَهْمٌ. (" حَتَّى مَاتَتْ ") أَيِ: الْهِرَّةُ (" جُوعًا، وَرَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ ") بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ نِسْبَةً إِلَى بَنِي خُزَاعَةَ قَبِيلَةٍ مَشْهُورَةٍ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ بِمَكَّةَ، وَحَمَلَ أَهْلَهَا بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهَا بِتَسْيِيبِ السَّوَائِبِ، وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ الدَّابَّةَ فَتَسِيرَ حَيْثُ شَاءَتْ، فَلَا تُرَدُّ عَنْ حَوْضٍ وَعَلَفٍ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهَا بِرُكُوبٍ وَلَا حَمْلٍ، وَكَانُوا يُسَيِّبُونَ الْعَبِيدَ أَيْضًا بِأَنْ يُعْتِقُوهُمْ، وَلَا يَكُونَ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ، وَلَا عَلَى الْمُعْتَقِ حَجْرٌ فِي مَالِهِ، فَيَضَعَهُ حَيْثُ شَاءَ، وَقَدْ قَالَ لَهُ: إِنَّهُ سَائِبَةٌ. (" يَجُرُّ ") أَيْ: يَجْذِبُ (" قُصْبَهُ ") بِضَمِّ قَافٍ فَسُكُونِ صَادٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ: أَمْعَاءَهُ (" فِي النَّارِ ") ، وَقِيلَ: لَعَلَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُوشِفَ مِنْ سَائِرِ مَا كَانَ يُعَاقَبُ بِهِ فِي النَّارِ بِجَرِّ قُصْبِهِ فِي النَّارِ ; لِأَنَّهُ اسْتَخْرَجَ مِنْ بَاطِنِهِ بِدْعَةً جَرَّ بِهَا الْجَرِيرَةَ إِلَى قَوْمِهِ الْجَرِيمَةَ، (" وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ ") ، أَيْ: وَضَعَ تَحْرِيمَ السَّوَائِبِ، جَمْعُ سَائِبَةٍ، وَهِيَ نَاقَةٌ يُسَيِّبُهَا الرَّجُلُ عِنْدَ بُرْئِهِ مِنَ الْمَرَضِ، أَوْ قُدُومِهِ مِنَ السَّفَرِ، فَيَقُولُ: نَاقَتِي سَائِبَةٌ فَلَا تُمْنَعُ مِنَ الْمَرَاعِي، وَلَا تُرَدُّ عَنْ حَوْضٍ، وَلَا عَنْ عَلَفٍ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَلَا يُرْكَبُ عَلَيْهَا، وَلَا تُحْلَبُ، وَكَانَ ذَلِكَ تَقَرُّبًا مِنْهُمْ إِلَى أَصْنَامِهِمْ، وَقِيلَ: نَاقَةٌ وَلَدَتْ عَشْرَ إِنَاثٍ عَلَى التَّوَالِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلِكِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، أَيْ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَتَضَمَّنُ ذِكْرُهُ صَلَاةَ الْكُسُوفِ عَنْ جَابِرٍ، وَاتَّفَقَ هُوَ وَالْبُخَارِيُّ عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثِ الْهِرَّةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، لَكِنَّ رُؤْيَا حَدِيثِ عَمْرٍو مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ وَبَحَرَ الْبَحَائِرَ، يَعْنِي: إِذَا نَتَجَتِ النَّاقَةُ خَمْسَةَ أَبْطُنٍ بَحَرُوا أُذُنَهَا أَيْ شَقُّوهَا، وَخَلَّوْا سَبِيلَهَا فَلَا تُرْكَبُ وَلَا تُحْلَبُ.
стр. 7346
٥٣٤٢ - وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا يَقُولُ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ " وَحَلَّقَ بِأُصْبَعَيْهِ: الْإِبْهَامَ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَنُهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: " نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٣٤٢ - (وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) مَرَّ ذِكْرُهَا، وَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، أَيْ: خَائِفًا (يَقُولُ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ ") فَفِي الْقَامُوسِ: الْوَيْلُ: حُلُولُ الشَّرِّ، وَهُوَ تَفْجِيعٌ، انْتَهَى. وَخَصَّ بِذَلِكَ الْعَرَبَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُعْظَمَ مَنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ (" مِنْ شَرٍّ ") أَيْ: خُرُوجِ جَيْشٍ يُقَاتِلُ الْعَرَبَ (" قَدِ اقْتَرَبَ ") ، أَيْ: قَرُبَ ذَلِكَ الشَّرُّ فِي غَايَةِ الْقُرْبِ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ: (" فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ") بِالْأَلِفِ وَيُهْمَزُ فِيهِمَا بِلَا انْصِرَافٍ، وَالْمُرَادُ بِالرَّدْمِ: السَّدُّ، وَالِاسْمُ وَالْمَصْدَرُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَهُوَ السَّدُّ الَّذِي بَنَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ (" مِثْلُ هَذِهِ ") بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ لِقَوْلِهِ: فُتِحُ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْحَلْقَةِ الْمُبَيَّنَةِ بِقَوْلِهِ: (وَحَلَّقَ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: جَعَلَ حَلْقَةً (بِأُصْبَعَيْهِ ") أَيْ: بِضَمِّهَا (الْإِبْهَامَ وَالَّتِي تَلِيهَا) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ حَلَّقَ، أَوْ عَلَى تَفْسِيرِ الْأُصْبُعَيْنِ بِتَقْدِيرِ: أَعْنِي، وَيَجُوزُ جَرُّهُمَا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الرَّدْمِ ثُقْبَةٌ إِلَى الْيَوْمِ، وَقَدِ انْفَتَحَتْ فِيهِ إِذِ انْفِتَاحُهَا مِنْ عَلَامَاتِ قُرْبِ السَّاعَةِ، فَإِذَا اتَّسَعَتْ خَرَجُوا، وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ جِنْسَانِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَطَائِفَتَانِ كَافِرَتَانِ مِنَ التُّرْكِ، (قَالَتْ زَيْنَبُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَنُهْلَكُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِهْلَاكِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ اللَّامِ (وَفِينَا الصَّالِحُونَ) أَيْ: أَنُعَذَّبُ فَنُهْلَكُ نَحْنُ مَعْشَرَ الْأُمَّةِ، وَالْحَالُ أَنَّ بَعْضَنَا مُؤْمِنُونَ، وَفِينَا الطَّيِّبُونَ الطَّاهِرُونَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِغْنَاءِ، أَيْ: وَفِينَا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ، (قَالَ: " نَعَمْ ") ، أَيْ: يُهْلَكُ الطَّيِّبُ أَيْضًا (" إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ") بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ: الْفِسْقُ، وَالْفُجُورُ، وَالشِّرْكُ، وَالْكُفُورُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الزِّنَا، وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ النَّارَ إِذَا وَقَعَتْ فِي مَوْضِعٍ وَاشْتَدَّتْ أَكَلَتِ الرَّطْبَ وَالْيَابِسَ، وَغَلَبَتْ عَلَى الطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ، وَلَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ، وَالْمُخَالِفِ وَالْمُوَافِقِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْزَلَ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: الْخُبْثُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، أَيِ: الْفَوَاحِشُ وَالْفُسُوقُ، أَوْ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ» .
стр. 7347
٥٣٤٣ - وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ، أَوْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ رَجُلٌ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفَى بَعْضِ نُسَخِ (الْمَصَابِيحِ) : (الْحَرَّ) بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْحُمَيْدِيُّ، وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفَى كِتَابِ (الْحُمَيْدِيِّ) عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَكَذَا فِي (شَرْحِهِ) لِلْخَطَّابِيِّ: (تَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَةٌ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ لِحَاجَةٍ) .
ــ
٥٣٤٣ - (وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ) هُوَ عَمُّ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَاسْمُهُ عَبِيدُ بْنُ وَهْبٍ (وَأَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ) وَيُقَالُ لَهُ الْأَشْجَعِيُّ، وَاسْمُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ بِالشَّكِّ، فَقَالَ: عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ أَوْ أَبِي عَامِرٍ، (قَالَ) أَيْ: أَحَدُهُمَا (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي ") كَذَا هُوَ فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَوَقَعَ فِي الْمَصَابِيحِ فِي أُمَّتِي (" أَقْوَامٌ ") أَيْ: جَمَاعَاتٌ (" يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ ") بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ: نَوْعٌ مِنَ الْحَرِيرِ رَدِيهٌ (" وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ ") : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنِ الْخَزِّ هُوَ الرُّكُوبُ عَلَيْهِ وَفَرْشُهُ لِلْوَطْءِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْإِسْرَافِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَنَهْيُهُ عَنْ لُبْسِهِ فَإِنَّهُ ثَوْبٌ يُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمٍ، نَعَمْ إِذْ كَانَ لِحْمَتُهُ حَرِيرًا وَسِدَاهُ غَيْرَهُ فَمَمْنُوعٌ لُبْسُهُ إِلَّا فِي الْحَرْبِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَإِنَّهُ قُطْنِيٌّ مَشْرُوعٌ لُبْسُهُ (" وَالْمَعَازِفَ ") ، بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: آلَاتِ اللَّهْوِ يُضْرَبُ بِهَا، كَالطُّبُولِ، وَالْعُودِ، وَالْمِزْمَارِ، وَنَحْوِهَا، وَالْمَعْنَى: يَعُدُّونَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ حَلَالَاتٍ بِإِرَادَاتِ شُبُهَاتٍ وَأَدِلَّةٍ وَاهِيَاتٍ، مِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنْ أَنَّ الْحَرِيرَ إِنَّمَا يَحْرُمُ إِذَا كَانَ مُلْتَصِقًا بِالْجَسَدِ، وَأَمَّا إِذَا لُبِسَ فَوْقَ الثِّيَابِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَهَذَا تَقْيِيدٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ وَلَا عَقْلِيٍّ، وَلِإِطْلَاقِ كَلَامِ الشَّارِعِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: " «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» " وَكَثِيرٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْعَوَامِّ إِذَا قِيلَ لَهُمْ: لُبْسُ الْحَرِيرِ حَرَامٌ، يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا لَبِسَهُ الْقُضَاةُ
стр. 7348
وَالْعُلَمَاءُ الْأَعْلَامُ، فَيَقَعُونَ فِي اسْتِحْلَالِ الْحَرَامِ، وَكَذَلِكَ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ تَعَلُّقَاتٌ بِالْمَعَازِفِ يَطُولُ بَيَانُهَا، فَأَعْرَضْتُ عَنْ تَفْصِيلِ شَأْنِهَا، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ فِي تِبْيَانِهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُؤَيَّدٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْمَلَاهِي عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «لَيَكُونَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَمَسْخٌ وَذَلِكَ إِذَا شَرِبُوا الْخُمُورَ وَاتَّخَذُوا الْقَيْنَاتِ وَضَرَبُوا بِالْمَعَازِفِ» " أَيْ: إِذَا فَعَلُوا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُسْتَحِلِّينَ لَهَا. (" وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ ") أَيْ: مِنْهُمْ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنِ اسْتِحْقَاقِهِمُ الْعَذَابَ (" إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ ") أَيْ: جَبَلٍ (" يَرُوحُ ") أَيْ: يَسِيرُ (" عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ ") أَيْ: مَاشِيَةٍ لَهُمْ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْفَاعِلِ، وَقِيلَ: الصَّوَابُ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ بِسَارِحَةٍ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْفِعْلَ نَزَلَ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَقَعُ السَّيْرُ عَلَيْهَا بِسَيْرِ مَاشِيَةٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ فِي سَيْرِهِمْ تَابِعُونَ لِحَيَوَانَاتِهِمْ عَلَى مُقْتَضَى الطِّبَاعِ الْحَيَوَانِيَّةِ وَالشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَتَارِكُونَ مُتَابَعَةَ الْعُلَمَاءِ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ النُّورَانِيَّةِ، وَلِذَا وَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا أَوَّلًا، وَجَوَّزُوا عَلَى مَا فَعَلُوا آخِرًا، وَقِيلَ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْفَاعِلَ ضَمِيُرٌ مَفْهُومٌ مِنَ السِّيَاقِ، أَيْ: يَأْتِيهِمْ رَاعِيهِمْ كُلَّ حِينٍ بِسَارِحَةٍ أَيْ مَاشِيَةٍ لَهُمْ تَسْرَحُ بِالْغُدْوَةِ يَنْتَفِعُونَ بِأَلْبَانِهَا وَأَوْبَارِهَا، (" يَأْتِيهِمْ رَجُلٌ لِحَاجَةٍ ") أَيْ: ضَرُورِيَّةٍ، وَإِلَّا فَهُمْ مُبْعَدُونَ مِنْ أَنْ يَأْتِيَهُمُ النَّاسُ، أَوْ مِنْ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمْ بِأَحَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ شَيْءٌ مِنَ الِاسْتِئْنَاسِ (" فَيَقُولُونَ ") أَيْ: تَعَلُّلًا أَوْ بُخْلًا وَتَذَلُّلًا (" ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا ") أَيْ: لِنَقْضِيَ حَاجَتَكَ، أَوْ لِنُؤَدِّيَ طَلَبَكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (" فَيُبَيِّتُهُمْ ") بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: يُعَذِّبُهُمْ (" اللَّهُ ") بِاللَّيْلِ فَإِنَّهُ أَدْهَى بِالْوَيْلِ (" وَيَضَعُ ") أَيْ: يُوقِعُ اللَّهُ وَيُسْقِطُ (" الْعَلَمَ ") ، أَيِ: الْجَبَلَ عَلَى بَعْضِهِمْ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (" وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ ") أَيْ: وَيُحَوِّلُ صُوَرَ بَعْضِهِمْ إِلَى صُوَرِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، فَيَكُونُ نَصْبُهَا بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَإِيصَالِ الْفِعْلِ إِلَيْهِمَا، فَفِي الْقَامُوسِ: مَسَخَهُ كَمَنَعَهُ حَوَّلَ صُورَتَهُ إِلَى أُخْرَى، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ شَبَابَهُمْ صَارُوا قِرَدَةً، وَشُيُوخَهُمْ خَنَازِيرَ ; لِكَثْرَةِ ذُنُوبِ الْكِبَارِ وَتَخْفِيفِ أَمْرِ الصِّغَارِ، فَإِنَّ الْقِرْدَ يَبْقَى فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، وَصِنْفٌ مِنَ الْمُشَابَهَةِ بِالْجِنْسِ الْإِنْسَانِيِّ، وَقَوْلُهُ: (" إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ") إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَسْخَهُمُ امْتَدَّ إِلَى الْمَوْتِ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَشْرُهُمْ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ أَيْضًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: «لَيَبِيتَنَّ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أَكْلٍ وَلَهْوٍ وَلَعِبٍ ثُمَّ لَيُصْبِحُنَّ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ» .
(وَفِي بَعْضِ نُسَخِ " الْمَصَابِيحِ ": " الْحِرَّ " بِالْحَاءِ) أَيِ: الْمَكْسُورَةِ (وَالرَّاءِ) أَيِ: الْمُخَفَّفَةِ (الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْخَاءِ) أَيِ: الْمَفْتُوحَةِ (وَالزَّايِ) أَيِ: الْمُشَدَّدَةِ (الْمُعْجَمَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْحُمَيْدِيُّ) أَيِ: الْجَامِعُ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ (وَابْنُ الْأَثِيرِ) أَيْ: صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ (فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي كِتَابِ " الْحُمَيْدِيِّ " عَنِ الْبُخَارِيِّ) ، أَيْ: رِوَايَةٌ عَنْهُ أَيْضًا (وَكَذَا فِي " شَرْحِهِ ") أَيْ: شَرْحِ الْبُخَارِيِّ (لِلْخَطَّابِيِّ: " تَرُوحُ ") قِيلَ: بِالتَّأْنِيثِ، وَيَجُوزُ تَذْكِيرُهُ، بَلْ هُوَ الْأَظْهَرُ، فَتَدَبَّرْ، (" عَلَيْهِمْ سَارِحَةٌ لَهُمْ ") أَيْ: بِغَيْرِ الْبَاءِ الْجَارَّةِ (" يَأْتِيهِمْ لِحَاجَةٍ ") أَيْ: بِحَذْفِ الْفَاعِلِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَأْتِيهَا الْآتِي، أَوِ الْمُحْتَاجُ، أَوِ الرَّجُلُ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ السِّيَاقِ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: يَأْتِيهِمْ طَالِبُ حَاجَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ لِلشُّرَّاحِ هُنَا مَبَاحِثُ شَرِيفَةٌ وَأَجْوِبَةٌ لَطِيفَةٌ، مِنْهَا قَوْلُ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ ﵀: الْحَرُ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ الْفَرْجُ، وَقَدْ صُحِّفَ هَذَا اللَّفْظُ فِي كِتَابِ الْمَصَابِيحِ، وَكَذَلِكَ صَحَّفَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَحَسِبُوهُ الْخَزَّ بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمَنْقُوطَيْنِ، وَالْخَزُّ لَمْ يُحَرَّمْ حَتَّى يُسْتَحَلَّ، وَلَقَدْ وَجَدْتُ مِنَ النَّاسِ مَنِ اعْتَنَى بِخَطِّ مَنْ كَانَ يَعْرِفُ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ وَحِفْظِهِ، فَقَدْ كَانَ قَيْدُهُ بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمَنْقُوطَيْنِ، حَتَّى ثَبَتَ لَهُ أَنَّهُ صُحِّفَ، أَوِ اتَّبَعَ رِوَايَةَ بَعْضِ مَنْ
стр. 7349
لَمْ يَعْلَمْ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: تَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَتِهِ، سَقَطَ مِنْهُ فَاعِلُ تَرُوحُ، فَالْتَبَسَ الْمَعْنَى عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ: يَرُوحُ عَلَيْهِمْ رِجَالٌ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، كَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ، وَإِنَّمَا السَّهْوُ مِنَ الْمُؤَلِّفِ ; لِأَنَّا وَجَدْنَا النُّسَخَ سَائِرَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ: وَيَضَعُ الْعِلْمَ سَقَطَ كَلِمَةٌ وَهِيَ (عَلَيْهِمْ) ، انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَفَاتِيحِ مِنْ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ، مِنْ أَنَّ الْحِرَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةٍ، وَأَصْلُهُ الْحِرْحُ، فَحُذِفَتِ الْحَاءُ الْأَخِيرَةُ، وَجَمْعُهُ أَحْرَاحٌ، وَالْحِرُ: الْفَرْجُ، يَعْنِي: قَدْ يَكُونُ جَمَاعَةٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَزْنُونَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ إِذَا رَضِيَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ حَلَّ مِنْهَا جَمِيعُ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ، وَيَقُولُونَ: الْمَرْأَةُ مِثْلُ الْبُسْتَانِ، فَكَمَا أَنَّ لِصَاحِبِ الْبُسْتَانِ أَنْ يُبِيحَ ثَمَرَةَ بُسْتَانِهِ لِمَنْ شَاءَ، فَكَذَلِكَ لِلزَّوْجِ أَنَّ يُبِيحَ زَوْجَتَهُ لِمَنْ شَاءَ، وَالَّذِينَ لَهُمْ هَذَا الِاعْتِقَادُ هُمُ الْحِرَفِيُّونَ وَالْمَلَاحِدَةُ، وَأَمَّا لُبْسُ الْحَرِيرِ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ، وَمَنِ اعْتَقَدَ حِلَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اخْتَلَفَ نُسَخُ الْمَصَابِيحِ فِي مَوْضِعَيْنِ لِأَحَدِهِمَا فِي الْحِرِ فَإِنَّهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَالصَّوَابُ مَا قُلْنَا فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي قَوْلُهُ: يَرُوحُ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ بِسَارِحَتِهِ لَهُمْ، فَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هَكَذَا، وَفِي بَعْضِهَا يَرُوحُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ رَجُلٍ، وَالرَّجُلُ مَذْكُورٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَأَفَادَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ نُزُولُ الْفِتَنِ، وَمَسْخُ الصُّوَرِ، فَلْيَجْتَنِبِ الْمُؤْمِنُ الْمَعَاصِيَ ; كَيْلَا يَقَعَ فِي الْعَذَابِ وَمَسْخِ الصُّوَرِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الشَّارِحِ الْأَوَّلِ: أَمَّا قَوْلُهُ أَوَّلًا فَقَدْ صُحِّفَ إِلَى آخِرِهِ، فَجَوَابُهُ مَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، بَعْدَ مَا رَوَى: يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ، بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، قُلْتُ: مُعَارَضَةُ الْخَصْمِ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ جَوَابًا، قَالَ: وَالَّذِي ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ الْحَرْبِيُّ فِي بَابِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ لَيْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «أَوَّلُ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ وَرَحْمَةٌ وَخَيْرَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ غَضٌّ يُسْتَحَلُّ فِيهِ الْحَرُ وَالْحَرِيرُ» "، يُرِيدُ اسْتِحْلَالَ الْحَرَامِ مِنَ الْفُرُوجِ، وَهَذَا لَا يَتَّفِقُ مَعَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ فِي بَابِ الْخَزِّ وَلِبَاسِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَوَهَّمُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا فَبَيَّنَاهُ، وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ، ثُمَّ كَلَامُهُ أَيْ: كَلَامُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي بَابِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، قُلْتُ: كَوْنُهُ حَدِيثًا آخَرَ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّهُ مُؤَيِّدٌ لِلْمُنَازَعِ فِيهِ، بَلْ نَصٌّ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَلَا يَضُرُّهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ إِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهُ، وَالْأَصْلُ تَوَافُقِ الْأَحَادِيثِ لِأَنَّ بَعْضَهَا يُفَسِّرُ بَعْضًا، لَا سِيَّمَا وَالْخَزُّ بِالزَّايِ لَيْسَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ حَتَّى يَكُونَ اسْتِحْلَالُهُ مِنَ الْكُفْرِيَّاتِ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ ابْنَ عَسَاكِرَ رَوَى عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «أَوْشَكَ أُمَّتِي أَنْ تَسْتَحِلَّ فُرُوجَ النِّسَاءِ وَالْحَرِيرَ» .
وَأَمَّا قَوْلُهُ ثَانِيًا: وَالْخَزُّ لَمْ يُحَرَّمْ حَتَّى يُسْتَحَلَّ، فَجَوَابُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، أَنَّهُ نَهَى عَنْ رُكُوبِ الْخَزِّ وَالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَالْخَزُّ الْمَعْرُوفُ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ ثِيَابٌ تُنْسَجُ مِنْ صُوفٍ وَإِبْرَيْسَمٍ، وَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَقَدْ لَبِسَهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهَا لِأَجْلِ التَّشَبُّهِ بِالْعَجَمِ وَزِيِّ الْمُتْرَفِينَ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْخَزِّ النَّوْعُ الْآخَرُ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْآنَ، فَهُوَ حَرَامٌ، لِأَنَّ جَمِيعَهُ مَعْمُولٌ مِنَ الْإِبْرَيْسَمِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ، تَمَّ كَلَامُهُ، أَيْ: كَلَامُ ابْنِ الْأَثِيرِ، وَفِيهِ أَنَّ كَوْنَ الرُّكُوبِ عَلَى الْخَزِّ وَفِرَاشِهِ مَكْرُوهًا، مَعَ أَنَّ الْحَرِيرَ كَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنَّ اسْتِبَاحَتَهُ كُفْرٌ يُوجِبُ الْعَذَابَ، لَا سِيَّمَا وَالْخَزُّ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُبَاحَاتِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ؟ وَأَمَّا عَلَى مَا تُعُورِفَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ حَمْلِ الْخَزِّ عَلَى الْإِبْرَيْسَمِ، فَيُعَدُّ كَلَامُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ، لَا سِيَّمَا مَعَ وُقُوعِ تَكْرَارِهِ مَعَ صَرِيحِ لَفْظِ الْحَرِيرِ، وَالْأَصْلُ التَّغَايُرُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُعْطَفُ الْحَرِيرُ عَلَى الْخَزِّ، وَالْأَوَّلُ مَكْرُوهٌ، وَالثَّانِي حَرَامٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِي يَلْزَمُ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ كَيْفَ يُحَرَّمُ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُصْطَلَحًا حِينَئِذٍ؟ وَالْجَوَابُ
стр. 7350
عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ إِلَى التَّغْلِيبِ لِإِرَادَةِ التَّغْلِيظِ، قُلْتُ: التَّغْلِيبُ تَغَلُّبٌ وَعَنْ ظَاهِرِهِ تَقَلُّبٌ، قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ، وَعَنِ الثَّالِثِ: بِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ الْغَيْبِ، فَكَانَ مُعْجِزَةً، قُلْتُ: عَطْفُ الْبَيَانِ مُسَلَّمٌ لَوْ كَانَ الْخَزُّ فِي زَمَنِهِ يُطْلَقُ عَلَى الْحَرِيرِ، وَأَمَّا جَعْلُهُ مُعْجِزَةً بِأَنَّهُ يُطْلَقُ بَعْدَهُ عَلَى الْحَرِيرِ فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ ثَالِثًا: سَقَطَ مِنْهُ فَاعِلُ يَرُوحُ فَالْتَبَسَ الْمَعْنَى، فَجَوَابُهُ: أَنَّهُ مَا الْتَبَسَ مِنْهُ، بَلْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَلَكِنَّ الْحُمَيْدِيَّ، وَالْخَطَّابِيَّ، وَصَاحِبَ جَامِعِ الْأُصُولِ ذَكَرُوا (تَرُوحُ عَلَيْهُمْ سَارِحَةٌ) بِالتَّاءِ الْمُقَيَّدَةِ بِنُقْطَتَيْنِ مِنْ فَوْقُ، وَيَرْفَعُ " سَارِحَةٌ " عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَالَ أَنَّ الْبَاءَ زَائِدَةٌ، عَلَى أَنَّ الْبَاءَ تُزَادُ فِي الْفَاعِلِ، كَمَا اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
أَلَا هَلْ أَتَاهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ ... بِأَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ بْنَ نَمْلِكَ بَيْقَرَا
قُلْتُ: لَا شَكَّ فِي وُقُوعِ الِالْتِبَاسِ عَلَى تِلْكَ النُّسْخَةِ، وَزِيَادَةِ الْبَاءِ فِي الْفَاعِلِ مِنْ مُخْتَصَّاتِ كَفَى، وَالْبَيْتُ لَيْسَ نَصًّا فِي الْمَعْنَى، بَلِ الْأَظْهَرُ فِيهِ حَذْفُ الْفَاعِلِ عَلَى مَا جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، قَالَ: وَأَمَّا نِسْبَتُهُ إِلَى مُسْلِمٍ وَأَنَّهُ رَوَاهُ فِي كِتَابِهِ كَذَا، فَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ ; لِأَنِّي مَا وَجَدْتُ الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ فَحَسْبُ، وَصَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ رَوَاهُ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ؟ قُلْتُ: مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَالشَّيْخُ ثِقَةٌ مُحَقِّقٌ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ فِي صَدَدِ الِاحْتِجَاجِ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ رَابِعًا: وَقَدْ سَقَطَ مِنْهُ كَلِمَةُ (عَلَيْهِمْ) ، فَإِنِّي مَا وَجَدْتُ فِي الْأُصُولِ هَذِهِ الْكَلِمَةَ ثَابِتَةً، قُلْتُ: فَثَبَتَ الْمُدَّعَى بِالْأَقْوَى، مَعَ أَنَّهُ أَثْبَتَ وُجُودَهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى مُسْلِمٍ وَإِسْنَادُهُ مُسَلَّمٌ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ نُزُولُ بَعْضِهِمْ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ وَرَوَاحُ سَارِحَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَدَفْعُهُمْ ذَا الْحَاجَةِ بِالْمَطْلِ وَالتَّسْوِيفِ، سَبَبًا لِهَذَا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَالنَّكَالِ الْهَائِلِ الْعَظِيمِ؟ قُلْتُ: إِنَّهُمْ لَمَّا بَالَغُوا فِي الشُّحِّ وَالْمَنْعِ، بُولِغَ فِي الْعَذَابِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ فِي إِيثَارِ ذِكْرِ الْعَلَمِ عَلَى الْجَبَلِ، إِيذَانًا بِأَنَّ الْمَكَانَ مُخْصِبٌ مُمْرِعٌ، وَمَقْصَدٌ لِذَوِي الْحَاجَاتِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونُوا ذَوِي ثَرْوَةٍ، وَمَوْئِلًا لِلْمَلْهُوفِينَ، فَلَمَّا دَلَّ خُصُوصِيَّةُ الْمَكَانِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، دَلَّ خُصُوصِيَّةُ الزَّمَانِ فِي قَوْلِهِ: تَرُوحُ عَلَيْهُمْ سَارِحَتَهُمْ، وَتَعْدِيَتُهُ (بِعَلَى) الْمُنَبِّهَةِ لِلِاسْتِعْلَاءِ عَلَى أَنَّ ثَرْوَتَهُمْ حِينَئِذٍ أَوْفَرُ وَأَظْهَرُ، وَأَنَّ احْتِيَاجَ الْوَارِدِينَ إِلَيْهِمْ أَشَدُّ وَأَكْثَرُ ; لِأَنَّهُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ حِينَئِذٍ، وَفِي قَوْلِهِمْ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، إِدْمَاجٌ لِمَعْنَى الْكَذِبِ وَخَلْفِ الْمَوْعِدِ، وَاسْتِهْزَاءٌ بِالطَّالِبِ، فَإِذَا يَسْتَأْهِلُونَ، قُلْتُ: هَذَا كُلُّهُ لَمْ يُفِدِ اسْتِحْقَاقَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ مِنَ الْمَسْخِ الْمُقَرَّرِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْكُفْرِ، فَالصَّوَابُ مَا قَرَّرْنَا، وَفِيمَا سَبَقَ قَدَّرْنَاهُ وَحَرَّرْنَاهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْنَا: أَنَّ الْعَلَمَ يَدُلُّ عَلَى الشُّهْرَةِ وَالْمَقْصِدِ لِقَوْلِ الْخَنْسَاءِ فِي مَدْحِ أَخِيهَا:
كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
نَبَّهَتْ بِهِ عَلَى أَنَّ أَخَاهَا مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ، وَمَلْجَأٌ لِلْمَلْهُوفِينَ، وَمَأْمَنٌ لِلْمُضْطَرِّينَ، فَإِنَّ رَوَاحَ السَّارِحَةِ دَلَّ عَلَى وُفُورِ الثَّرْوَةِ وَظُهُورِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] ، قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ قُدِّمَتِ الْإِرَاحَةُ عَلَى التَّسْرِيحِ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ الْجَمَالَ فِي الْإِرَاحَةِ أَظْهَرُ إِذَا أَقْبَلَتْ مَلْأَى الْبُطُونِ حَافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ أَدْبَرَتْ إِلَى الْحَظَائِرِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْمَسْخَ قَدْ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَكَذَلِكَ الْخَسْفُ، كَمَا كَانَا فِي سَائِرِ الْأُمَمِ، خِلَافَ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ، إِنَّمَا مَسْخُهَا بِقُلُوبِهَا، أَقُولُ: فَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ نَفْيِهَا، فَهُوَ إِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ زَمَانِ الْأُمَّةِ فَهُوَ عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ آخِرُ الزَّمَانِ كَذَا الْحَدِيثُ، وَإِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى مَسْخِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَخَسْفِهِمْ، وَالْمُثْبَتُ مِنْهَا مَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7351
٥٣٤٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٣٤٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ: جَمِيعَهُمُ الصَّالِحِينَ وَالطَّالِحِينَ (" ثُمَّ بُعِثُوا ") أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ (" عَلَى أَعْمَالِهِمْ ") أَيْ: بُعِثَ الصَّالِحُ عَلَى عَمَلِهِ وَكَذَا الطَّالِحُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي إِذَا أَذْنَبَ بَعْضُ الْقَوْمِ نَزَلَ الْعَذَابُ بِجَمِيعِ مَنْ كَانَ فِي الْقَوْمِ، سَوَاءٌ فِيهِ الْمُذْنِبُ وَغَيْرُهُ بَشَرِّهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ مَجْزِيُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، فَكَانَ حَقُّ الْمُؤَلِّفِ أَنْ يُسْنِدَ الْحَدِيثَ إِلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
стр. 7352
٥٣٤٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٣٤٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُبْعَثُ ") أَيْ: يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (" كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ") أَيْ: مِنَ الْعَمَلِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا فَيُجَازَى بِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» ".
стр. 7353
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣٤٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣٤٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا رَأَيْتُ ") : فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، أَيْ: مَا عَلِمْتُ (" مِثْلَ النَّارِ ") ، أَيْ: شِدَّةً وَهَوْلًا (" نَامَ هَارِبُهَا ") مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَأَيْتُ بِمَعْنَى أَبْصَرْتُ فَتَكُونَ الْجُمْلَةُ صِفَةً أَوْ حَالًا، أَيْ: صَارَ غَافِلًا عَنْهَا، وَيَنْبَغِي لِلْهَارِبِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ أَنْ يَفِرَّ مِنْ كُلِّ الْفُجَّارِ (" وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ ") أَيْ: نِعْمَةً وَنُزُلًا (" نَامَ طَالِبُهَا ") وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ فِي امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ لِيُدْرِكَ الْحَدَّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ.
стр. 7354
٥٣٤٧ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ» "، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٣٤٧ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ ") أَيْ: أُبْصِرُ مَا لَا تُبْصِرُونَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (" وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ ") ، ثُمَّ بَيَّنَ سَمَاعَهُ لِقُرْبِهِ، وَلِكَوْنِهِ نَتِيجَةً لِكَثْرَةِ مَا رَآهُ بِقَوْلِهِ: (" أَطَّتِ السَّمَاءُ ") بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ مِنَ الْأَطِيطِ: وَهُوَ صَوْتُ الْأَقْتَابِ، وَأَطِيطُ الْإِبِلِ أَصْوَاتُهَا وَحَنِينُهَا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، أَيْ: صَوَّتَتْ (" حُقَّ ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: وَيُسْتَحَقُّ وَيَنْبَغِي (" لَهَا أَنْ تَئِطَّ ") أَيْ: تُصَوِّتَ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَهُ وَهُوَ مَا رَآهُ مِنَ الْكَثْرَةِ بِقَوْلِهِ: (" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِيهَا ") أَيْ: لَيْسَ فِي السَّمَاءِ جِنْسِهَا (" مَوْضِعُ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ ") بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ لِلظَّرْفِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى حَرْفِ النَّفْيِ وَالْمَذْكُورُ بَعْدَ إِلَّا فِي قَوْلِهِ: (" إِلَّا وَمَلَكٌ ") حَالٌ مِنْهُ، أَيْ: وَفِيهِ مَلَكٌ (" وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ سَاجِدًا ") أَيْ: مُنْقَادًا لِيَشْمَلَ مَا قِيلَ: إِنَّ بَعْضَهُمْ قِيَامٌ، وَبَعْضَهُمْ رُكُوعٌ، وَبَعْضَهُمْ سُجُودٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أَوْ خَصَّهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ مِنْهُمْ، أَوْ هَذَا مُخْتَصٌّ بِإِحْدَى السَّمَاوَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ " أَرْبَعَةِ " بِغَيْرِ هَاءٍ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ، وَمَعَ الْهَاءِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْأُصْبَعَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
стр. 7355
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: أَنَّ كَثْرَةَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَدْ أَثْقَلَهَا حَتَّى أَطَّتْ، وَهَذَا مَثَلُ إِيذَانٍ بِكَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ أَطِيطٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ تَقْرِيبٍ، أُرِيدَ بِهِ تَقْرِيرُ عَظْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قُلْتُ: مَا الْمُحْوِجُ عَنْ عُدُولِ كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ مَعَ إِمْكَانِهِ عَقْلًا وَنَقْلًا حَيْثُ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطِيطُ السَّمَاءِ صَوْتَهَا بِالتَّسْبِيحِ، وَالتَّحْمِيدِ، وَالتَّقْدِيسِ، وَالتَّمْجِيدِ ; لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] لَا سِيَّمَا وَهِيَ مَعْبَدُ الْمُسَبِّحِينَ وَالْعَابِدِينَ، وَمَنْزِلُ الرَّاكِعِينَ وَالسَّاجِدِينَ، (" وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ ") بِضَمِّ الْفَاءِ وَالرَّاءِ: جَمْعُ فُرُشٍ، فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ لِلْمُبَالَغَةِ (" وَلَخَرَجْتُمْ ") أَيْ: مِنْ مَنَازِلِكُمُ الْعَالِيَاتِ (" إِلَى الصُّعُدَاتِ ") بِضَمَّتَيْنِ، أَيْ: إِلَى الصَّحَارِي، وَاخْتِيَارُ الْجَمْعِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالصُّعُدِ: جَمْعُ صَعِيدٍ كَطُرُقٍ جَمْعُ طَرِيقٍ وَطُرُقَاتٍ، وَالصَّعِيدُ هُوَ الطَّرِيقُ، وَفِي الْأَصْلِ التُّرَابُ، أَيْ: لَخَرَجْتُمْ إِلَى الطُّرُقَاتِ الْبَرَارِي وَالصَّحَارِي وَمَمَرِّ النَّاسِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمَحْزُونُ لِبَثِّ الشَّكْوَى وَالْهَمِّ الْمَكْنُونِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الصَّعِيدَ هُوَ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَقِيلَ التُّرَابُ، وَلَا مَعْنَى لَهُ هَاهُنَا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى: لَخَرَجْتُمْ مِنْ مَنَازِلِكُمْ إِلَى الْجَبَّانَةِ، مُتَضَرِّعِينَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ حَالِ الْمَحْزُونِ أَنْ يَضِيقَ بِهِ الْمَنْزِلُ فَيَطْلُبُ الْفَضَاءَ الْخَالِيَ لِشَكْوَى بَثِّهِ، (" تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ ") أَيْ: تَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ لِيَرْفَعَ عَنْكُمُ الْبَلَاءَ.
(قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: تُقْطَعُ وَتُسْتَأْصَلُ، وَهَذَا نَشَأَ مِنْ كَمَالِ خَوْفِهِ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يَا لَيْتَنِي هُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي كِتَابِ أَحْمَدَ مِمَّنْ نَقَلَ هُوَ عَنْ كِتَابِهِ، (قَالَ أَبُو ذَرٍّ) بَلْ أُدْرِجَ فِي الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: قِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ بِكَلَامِ أَبِي ذَرٍّ أَشْبَهُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يَتَمَنَّى عَلَيْهِ حَالًا هُوَ أَوْضَعُ مِمَّا هُوَ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهَا مِمَّا لَا تَكُونُ، قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ: هَكَذَا تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ كَمَا فِي الْمَتْنِ وَنُسَخِ الْمَصَابِيحِ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا لَيْتَنِي إِلَى آخِرِهِ، وَلِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ.
следующие страницы →