Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.
стр. 7351
٥٣٤٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٣٤٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ: جَمِيعَهُمُ الصَّالِحِينَ وَالطَّالِحِينَ (" ثُمَّ بُعِثُوا ") أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ (" عَلَى أَعْمَالِهِمْ ") أَيْ: بُعِثَ الصَّالِحُ عَلَى عَمَلِهِ وَكَذَا الطَّالِحُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي إِذَا أَذْنَبَ بَعْضُ الْقَوْمِ نَزَلَ الْعَذَابُ بِجَمِيعِ مَنْ كَانَ فِي الْقَوْمِ، سَوَاءٌ فِيهِ الْمُذْنِبُ وَغَيْرُهُ بَشَرِّهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ مَجْزِيُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، فَكَانَ حَقُّ الْمُؤَلِّفِ أَنْ يُسْنِدَ الْحَدِيثَ إِلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
стр. 7352
٥٣٤٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٣٤٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُبْعَثُ ") أَيْ: يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (" كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ") أَيْ: مِنَ الْعَمَلِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا فَيُجَازَى بِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» ".
стр. 7353
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣٤٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣٤٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا رَأَيْتُ ") : فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، أَيْ: مَا عَلِمْتُ (" مِثْلَ النَّارِ ") ، أَيْ: شِدَّةً وَهَوْلًا (" نَامَ هَارِبُهَا ") مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَأَيْتُ بِمَعْنَى أَبْصَرْتُ فَتَكُونَ الْجُمْلَةُ صِفَةً أَوْ حَالًا، أَيْ: صَارَ غَافِلًا عَنْهَا، وَيَنْبَغِي لِلْهَارِبِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ أَنْ يَفِرَّ مِنْ كُلِّ الْفُجَّارِ (" وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ ") أَيْ: نِعْمَةً وَنُزُلًا (" نَامَ طَالِبُهَا ") وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ فِي امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ لِيُدْرِكَ الْحَدَّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ.
стр. 7354
٥٣٤٧ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ» "، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٣٤٧ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ ") أَيْ: أُبْصِرُ مَا لَا تُبْصِرُونَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (" وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ ") ، ثُمَّ بَيَّنَ سَمَاعَهُ لِقُرْبِهِ، وَلِكَوْنِهِ نَتِيجَةً لِكَثْرَةِ مَا رَآهُ بِقَوْلِهِ: (" أَطَّتِ السَّمَاءُ ") بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ مِنَ الْأَطِيطِ: وَهُوَ صَوْتُ الْأَقْتَابِ، وَأَطِيطُ الْإِبِلِ أَصْوَاتُهَا وَحَنِينُهَا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، أَيْ: صَوَّتَتْ (" حُقَّ ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: وَيُسْتَحَقُّ وَيَنْبَغِي (" لَهَا أَنْ تَئِطَّ ") أَيْ: تُصَوِّتَ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَهُ وَهُوَ مَا رَآهُ مِنَ الْكَثْرَةِ بِقَوْلِهِ: (" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِيهَا ") أَيْ: لَيْسَ فِي السَّمَاءِ جِنْسِهَا (" مَوْضِعُ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ ") بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ لِلظَّرْفِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى حَرْفِ النَّفْيِ وَالْمَذْكُورُ بَعْدَ إِلَّا فِي قَوْلِهِ: (" إِلَّا وَمَلَكٌ ") حَالٌ مِنْهُ، أَيْ: وَفِيهِ مَلَكٌ (" وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ سَاجِدًا ") أَيْ: مُنْقَادًا لِيَشْمَلَ مَا قِيلَ: إِنَّ بَعْضَهُمْ قِيَامٌ، وَبَعْضَهُمْ رُكُوعٌ، وَبَعْضَهُمْ سُجُودٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أَوْ خَصَّهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ مِنْهُمْ، أَوْ هَذَا مُخْتَصٌّ بِإِحْدَى السَّمَاوَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ " أَرْبَعَةِ " بِغَيْرِ هَاءٍ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ، وَمَعَ الْهَاءِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْأُصْبَعَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
стр. 7355
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: أَنَّ كَثْرَةَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَدْ أَثْقَلَهَا حَتَّى أَطَّتْ، وَهَذَا مَثَلُ إِيذَانٍ بِكَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ أَطِيطٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ تَقْرِيبٍ، أُرِيدَ بِهِ تَقْرِيرُ عَظْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قُلْتُ: مَا الْمُحْوِجُ عَنْ عُدُولِ كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ مَعَ إِمْكَانِهِ عَقْلًا وَنَقْلًا حَيْثُ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطِيطُ السَّمَاءِ صَوْتَهَا بِالتَّسْبِيحِ، وَالتَّحْمِيدِ، وَالتَّقْدِيسِ، وَالتَّمْجِيدِ ; لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] لَا سِيَّمَا وَهِيَ مَعْبَدُ الْمُسَبِّحِينَ وَالْعَابِدِينَ، وَمَنْزِلُ الرَّاكِعِينَ وَالسَّاجِدِينَ، (" وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ ") بِضَمِّ الْفَاءِ وَالرَّاءِ: جَمْعُ فُرُشٍ، فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ لِلْمُبَالَغَةِ (" وَلَخَرَجْتُمْ ") أَيْ: مِنْ مَنَازِلِكُمُ الْعَالِيَاتِ (" إِلَى الصُّعُدَاتِ ") بِضَمَّتَيْنِ، أَيْ: إِلَى الصَّحَارِي، وَاخْتِيَارُ الْجَمْعِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالصُّعُدِ: جَمْعُ صَعِيدٍ كَطُرُقٍ جَمْعُ طَرِيقٍ وَطُرُقَاتٍ، وَالصَّعِيدُ هُوَ الطَّرِيقُ، وَفِي الْأَصْلِ التُّرَابُ، أَيْ: لَخَرَجْتُمْ إِلَى الطُّرُقَاتِ الْبَرَارِي وَالصَّحَارِي وَمَمَرِّ النَّاسِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمَحْزُونُ لِبَثِّ الشَّكْوَى وَالْهَمِّ الْمَكْنُونِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الصَّعِيدَ هُوَ وَجْهُ الْأَرْضِ، وَقِيلَ التُّرَابُ، وَلَا مَعْنَى لَهُ هَاهُنَا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى: لَخَرَجْتُمْ مِنْ مَنَازِلِكُمْ إِلَى الْجَبَّانَةِ، مُتَضَرِّعِينَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ حَالِ الْمَحْزُونِ أَنْ يَضِيقَ بِهِ الْمَنْزِلُ فَيَطْلُبُ الْفَضَاءَ الْخَالِيَ لِشَكْوَى بَثِّهِ، (" تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ ") أَيْ: تَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ لِيَرْفَعَ عَنْكُمُ الْبَلَاءَ.
(قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: تُقْطَعُ وَتُسْتَأْصَلُ، وَهَذَا نَشَأَ مِنْ كَمَالِ خَوْفِهِ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يَا لَيْتَنِي هُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي كِتَابِ أَحْمَدَ مِمَّنْ نَقَلَ هُوَ عَنْ كِتَابِهِ، (قَالَ أَبُو ذَرٍّ) بَلْ أُدْرِجَ فِي الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: قِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ بِكَلَامِ أَبِي ذَرٍّ أَشْبَهُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يَتَمَنَّى عَلَيْهِ حَالًا هُوَ أَوْضَعُ مِمَّا هُوَ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهَا مِمَّا لَا تَكُونُ، قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ: هَكَذَا تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ كَمَا فِي الْمَتْنِ وَنُسَخِ الْمَصَابِيحِ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا لَيْتَنِي إِلَى آخِرِهِ، وَلِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ.
стр. 7356
٥٣٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٣٤٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ خَافَ ") أَيِ: الْبَيَانَ وَالْإِغَارَةَ مِنَ الْعَدُوِّ وَقْتَ السَّحَرِ (" أَدْلَجَ ") أَيْ: سَارَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَمَنْ خَافَ فَوْتَ الْمَطْلُوبِ سَهَرَ فِي طَلَبِ الْمَحْبُوبِ (" وَمَنْ أَدْلَجَ ") أَيْ: بِالسَّهَرِ (" بَلَغَ الْمَنْزِلَ ") أَيْ: وَصَلَ إِلَى الْمَطْلَبِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَالِكِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ عَلَى طَرِيقِهِ، وَالنَّفْسُ وَأَمَانِيهِ الْكَاذِبَةُ أَعْوَانُهُ، فَإِنْ تَيَقَّظَ فِي مَسِيرِهِ، وَأَخْلَصَ النِّيَّةَ فِي عَمَلِهِ أَمِنَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَجُنْدِهِ، وَمَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ بِأَعْوَانِهِ ثُمَّ أُرْشِدَ إِلَى أَنَّ سُلُوكَ طَرِيقِ الْآخِرَةِ صَعْبٌ، وَتَحْصِيلَ الْآخِرَةِ مُتَعَسِّرٌ، لَا يَحْصُلُ بِأَدْنَى سَعْيٍ فَقَالَ: (" أَلَا ") بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (" إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ ") أَيْ: مَتَاعَهُ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْحُسْنَى وَزِيَادَةٍ (" غَالِيَةٌ ") بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: رَفِيعَةُ الْقَدْرِ (" أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ ") أَيِ: الْغَالِيَةَ (" الْجَنَّةُ ") أَيِ: الْعَالِيَةُ، وَالْمَعْنَى: ثَمَنُهَا الْأَعْمَالُ الْبَاقِيَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] وَالْمُومَأُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَكَذَا الْحَاكِمُ.
стр. 7357
٥٣٤٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكَرَنِي يَوْمًا أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والْبَيْهَقِيُّ فِي " كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ ".
ــ
٥٣٤٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ") أَيْ: عَظُمَ ذِكْرُهُ وَفَخُمَ ذَاكِرُهُ، وَمَا أَحْسَنَ رَفْعَ ذِكْرِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ تَوْطِئَةٌ لِذِكْرِهِ فِي الْأَيَّامِ وَخَوْفِهِ فِي كُلِّ مَقَامٍ، (" أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكَرَنِي ") أَيْ: بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا مُخْلِصًا (" يَوْمًا ") أَيْ: وَقْتًا وَزَمَانًا (" أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ ") أَيْ: مَكَانٍ فِي ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ مِنَ الْمَعَاصِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠] قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَرَادَ بِالذِكْرِ الْإِخْلَاصَ وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ عَنْ إِخْلَاصِ الْقَلْبِ وَصِدْقِ النِّيَّةِ، وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْكُفَّارِ يَذْكُرُونَهُ بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَلْبِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» "، وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ كَفُّ الْجَوَارِحِ عَنِ الْمَعَاصِي وَتَقْيِيدُهَا بِالطَّاعَاتِ، وَإِلَّا فَهُوَ حَدِيثُ نَفْسٍ وَحَرَكَةٌ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى خَوْفًا، وَذَلِكَ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ سَبَبٍ هَائِلٍ، وَإِذَا غَابَ ذَلِكَ السَّبَبُ عَنِ الْحِسِّ رَجَعَ الْقَلْبُ إِلَى الْفَضْلَةِ، قَالَ الْفُضَيْلُ: إِذَا قِيلَ لَكَ هَلْ تَخَافُ اللَّهَ فَاسْكُتْ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ لَا كَفَرْتَ، وَإِذَا قُلْتَ نَعَمْ كَذَبْتَ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى الْخَوْفِ الَّذِي هُوَ كَفُّ الْجَوَارِحِ عَنِ الْمَعَاصِي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: فِي سُنَنِهِ (والْبَيْهَقِيُّ فِي " كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ ") .
стр. 7358
٥٣٥٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: " لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ! وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ، وَيُصَلُّونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٣٥٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] أَيْ: يُعْطُونَ مَا أَعْطَوْهُ مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَقُرِئَ (يُأْتُونَ مَا أَتَوْا) بِالْقَصْرِ، أَيْ: يَفْعَلُونَ مَا فَعَلُوهُ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَيْ: خَائِفَةٌ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، وَأَنْ لَا يَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ فَيُؤَاخَذُونَ بِهِ، وَتَمَامُهُ: أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أَيْ: لِأَنَّ مَرْجِعَهُمْ إِلَيْهِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ، أَيْ: يَرْغَبُونَ فِي الطَّاعَاتِ أَشَدَّ الرَّغْبَةِ فَيُبَادِرُونَهَا، وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ أَيْ: لِأَجْلِهَا فَاعِلُونَ السَّبْقَ أَوْ سَابَقُوا النَّاسَ إِلَى الطَّاعَاتِ أَوِ الثَّوَابِ أَوِ الْجَنَّةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ كَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَمَعْنَاهُ يُعْطُونَ مَا أَعْطَوْا، وَسُؤَالُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: (أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ) لَا يُطَابِقُهَا، وَقِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (يَأْتُونَ مَا أَتَوْا) بِغَيْرِ مَدٍّ أَيْ: يَفْعَلُونَ مَا فَعَلُوا، وَسُؤَالُهَا مُطَابِقٌ لِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ، وَهَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ الزَّجَّاجِ وَالْكَشَّافِ، قُلْتُ: مُؤَدَّى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِدٌ، لَا الْمُرَادُ بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ قَطْعِ طُرُقِ التَّوَاتُرِ يَفْعَلُونَ مَا فَعَلُوهُ مِنَ الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ مَا ظَنَّتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا فَعَلُوهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَلَا الْمَعْنَى الْأَعَمُّ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لِعَدَمِ مُطَابَقَتِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: ٦١] (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (" لَا ") أَيْ: لَيْسُوا هُمْ، أَوْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ أَمْثَالَهُمْ (" يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ ") وَفَى نُسْخَةٍ يَا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، وَفَى هَذَا النِّدَاءِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لَهَا وَلِأَبِيهَا عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَنْتِ الصَّادِقَةُ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ مِنْ حُسْنِ الْآدَابِ بَيْنَ الْأَحْبَابِ، (" وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ ") فَهَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ غَايَتُهُ أَنَّ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُمَا تَغْلِيبٌ، فَالْمَشْهُورَةُ ظَاهِرُهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالطَّاعَةِ الْبَدَنِيَّةِ، عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَةَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي تَفْسِيرِهَا: يُعْطُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَا أَعْطَوْا مِنَ الطَّاعَاتِ فَيَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ مِنَ الْعِبَادَةِ، (" وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ ") أَيْ: إِلَّا أَنَّهُمْ يَخَافُونَ مِمَّا فَعَلُوا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى شَرْبَةِ الْخَمْرِ وَسَرِقَةِ الْمَالِ وَسَائِرِ السَّيِّئَاتِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 7359
٥٣٥١ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اذْكُرُوا اللَّهَ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٣٥١ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ ") : أَرَادَ بِهِ النَّائِمِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ الْغَافِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، يُنَبِّهُهُمْ عَنِ النَّوْمِ لِيَشْتَغِلُوا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّهَجُّدِ، وَفِي هَذَا مَأْخَذٌ لِلْمُذَكِّرِينَ مِنَ الْمُؤَذِّنِينَ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ لَا يَقُومُوا قَبْلَ مُضِيِّ الثُّلُثَيْنِ مِنَ اللَّيْلِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِحْبَابِ الْقِيَامِ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا (" اذْكُرُوا اللَّهَ ") أَيْ: بِوَحْدَانِيَّةِ ذَاتِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِهِ (" اذْكُرُوا اللَّهَ ") أَيْ: عِقَابَهُ وَثَوَابَهُ لِتَكُونُوا بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَمِمَّنْ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] وَفَى نُسْخَةٍ: اذْكُرُوا اللَّهَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَيْ: آلَاءَهُ، وَنَعْمَاءَهُ، وَسَرَّاءَهُ، وَضَرَّاءَهُ، (" جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ ") : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] وَعَبَّرَ بِصِيغَةِ الْمُضِيِّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهَا، فَكَأَنَّهَا جَاءَتْ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ قَارَبَ وُقُوعُهَا، فَاسْتَعِدُّوا لِتَهْوِيلِ أَمْرِهَا، وَالرَّاجِفَةُ هِيَ الْأَجْرَامُ السَّاكِنَةُ الَّتِي تَشْتَدُّ حَرَكَتُهَا حِينَئِذٍ مِنَ الْأَرْضِ وَالْجِبَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤] ، أَوْ مَجَازٌ عَنِ الْوَاقِعَةِ الَّتِي تَرْجُفُ الْأَجْرَامُ عِنْدَهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى أَنْسَبُ بِالْحَدِيثِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَهِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ أَيِ: التَّابِعَةُ وَهِيَ السَّمَاءُ وَالْكَوَاكِبُ تَنْشَقُّ وَتُنْشَرُ، أَوِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَحْيَى فِيهَا الْخَلْقُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْقِعِ الْحَالِ، أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِمَا يَقَعُ بَعْدَ الرَّجْفَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَرَادَ بِالرَّاجِفَةِ النَّفْخَةَ الْأُولَى الَّتِي يَمُوتُ مِنْهَا جَمِيعُ الْخَلْقِ، وَالرَّاجِفَةُ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ فِيهَا تَرَدُّدٌ وَاضْطِرَابٌ، كَالرَّعْدِ إِذَا تَمَحَّصَ، وَأَرَادَ بِالرَّادِفَةِ النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ رَدِفَتِ النَّفْحَةَ الْأُولَى، أَنْذَرَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاقْتِرَابِ السَّاعَةِ لِئَلَّا يَغْفَلُوا عَنِ اسْتِعْدَادِهَا، (" جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ ") أَيْ: مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الشَّدَائِدِ الْكَائِنَةِ فِي حَالَةِ النَّزْعِ وَالْقَبْرِ وَمَا بَعْدَهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ قَامَتْ قِيَامَتُهُ، فَهِيَ الْقِيَامَةُ الصُّغْرَى الدَّالَّةُ عَلَى الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى، (" جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ ") لَعَلَّ الْأَوَّلَ بَيَانُ مَا وَقَعَ وَتَحَقَّقَ لِمَنْ قَبْلَنَا مَوْعِظَةً لَنَا، فَقَدْ وَرَدَ: كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا، وَالثَّانِي إِشَارَةٌ إِلَى قُرْبِ مَجِيئِهِ بِالْمَوْجُودِينَ، وَهَذَا التَّأْسِيسُ السَّدِيدُ الْمُؤَسَّسُ عَلَى التَّأْبِيدِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِ التَّكْرَارِ عَلَى التَّأْكِيدِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
стр. 7360
٥٣٥٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِصَلَاةٍ فَرَأَى النَّاسَ كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ، قَالَ: " أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى الْمَوْتُ، فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ إِلَّا تَكَلَّمَ، فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ، وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَحَبُّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ "، قَالَ: " فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوِ الْكَافِرُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذَا وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ " قَالَ: " فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ "، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصَابِعِهِ، فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي جَوْفِ بَعْضٍ، قَالَ: " وَيُقَيَّضُ لَهُ سَبْعُونَ تِنِّينًا لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الْأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، فَيَنْهَسْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضِي بِهِ إِلَى الْحِسَابِ "، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٣٥٢ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِصَلَاةٍ) أَيْ: لِأَدَاءِ صَلَاةٍ، وَالظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ مُقْتَضَى الْمَقَامِ أَنَّهَا صَلَاةُ جَنَازَةٍ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ ﵊ إِذَا رَأَى جِنَازَةً رُئِيَتْ عَلَيْهِ كَآبَةٌ أَيْ: حُزْنٌ شَدِيدٌ، وَأَقَلَّ الْكَلَامَ، (فَرَأَى النَّاسَ كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ) أَيْ: يَضْحَكُونَ، مِنَ الْكَشْرِ: وَهُوَ ظُهُورُ الْأَسْنَانِ لِلضَّحِكِ، وَلَعَلَّ التَّاءَ لِلْمُبَالَغَةِ، فَفِي الْقَامُوسِ: كَشَّرَ عَنْ أَسْنَانِهِ: أَبْدَى، يَكُونُ وَالضَّحِكُ وَغَيْرُهُ، انْتَهَى. فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الضَّحِكِ الْبَالِغِ وَالْكَلَامِ الْكَثِيرِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: أَيْ يَضْحَكُونَ، وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ الْكَسْرُ، (قَالَ: " أَمَا ") بِالتَّخْفِيفِ لِيُنَبِّهَ عَلَى نَوْمِ الْغَفْلَةِ الْبَاعِثِ عَلَى الضَّحِكِ وَالْمُكَالَمَةِ (" إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ ") بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَأَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي حَاشِيَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَفِي الْقَامُوسِ: هَذَمَ بِالْمُعْجَمَةِ: قَطَعَ وَأَكَلَ بِسُرْعَةٍ، وَبِالْمُهْمَلَةِ: نَقَضَ الْبِنَاءَ،
стр. 7361
وَالْمَعْنَى: لَوْ أَكْثَرْتُمْ مِنْ ذِكْرِ قَاطِعِ اللَّذَّاتِ (" لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى ") أَيْ: مِنَ الضَّحِكِ وَكَلَامِ أَهْلِ الْغَفْلَةِ (" الْمَوْتِ ") بِالْجَرِّ: تَفْسِيرٌ لِهَادِمِ اللَّذَّاتِ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، كَمَا يَأْتِي فِيمَا بَعْدَهُ، وَبِالنَّصْبِ: بِإِضْمَارِ أَعْنِي، وَبِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ هُوَ الْمَوْتُ، (" فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ ") أَيِ: الْمَوْجُودَةِ الْمَعْمُولَةِ لِلْأَغْنِيَاءِ، وَالْمَفْقُودَةِ الْمَسْؤُولَةِ لِلْفُقَرَاءِ، فَهُوَ مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ لِلطَّائِفَتَيْنِ، وَمِنَ الْغَرِيبِ أَنَّ ذِكْرَ الْمَوْتِ يُحْيِي الْقَلْبَ النَّائِمَ، وَالنَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْعَارِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى ﵀ الْوَلِيُّ مَوْلَانَا نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ الْمُتَّقِي يَعْمَلُ كِيسًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ لَفْظُ الْمَوْتِ، يُعَلَّقُ فِي رَقَبَةِ الْمُرِيدِ لِيَسْتَفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ قَرِيبٌ غَيْرُ بَعِيدٍ، فَيَقْصُرُ أَمَلُهُ وَيَكْثُرُ عَمَلُهُ، وَكَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ مِنَ السَّلَاطِينِ أَمَرَ وَاحِدًا مِنْ أُمَرَائِهِ أَنْ يَقِفَ دَائِمًا مِنْ وَرَائِهِ يَقُولُ: الْمَوْتَ الْمَوْتَ لِيَكُونَ دَوَاءً لِدَائِهِ، ثُمَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ لِلصَّحَابَةِ وَجْهَ حِكْمَةِ الْأَمْرِ بِإِكْثَارِ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَأَسْبَابِهِ بِقَوْلِهِ: (" فَإِنَّهُ ") أَيِ: الشَّأْنَ (" لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ ") أَيْ: وَقْتُ زَمَانٍ (" إِلَّا تَكَلَّمَ ") أَيْ: بِلِسَانِ الْقَالِ أَوْ بَيَانِ الْحَالِ، وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ فِيهِ أَيْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (" فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ ") أَيْ: فَكُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ (" وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ ") أَيْ: فَلَا يَنْفَعُ إِلَّا التَّوْحِيدُ وَشُهُودُ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (" وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ ") أَيْ: أَصْلُ كُلِّ حَيٍّ مَخْلُوقٍ، فَمَنْ مَرْجِعُهُ لِلتُّرَابِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ لِئَلَّا تَفُوتَهُ جِنْسِيَّةُ الْمُنَاسَبَةِ، (" وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ ") أَيْ: فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هِمَّتُكُمْ وَنَهْمَتُكُمْ فِي اسْتِعْمَالِ اللَّذَّاتِ مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ ; لِأَنَّ مَآلَ أَمْرِهَا إِلَى الْفَنَاءِ، وَلَا يَنْفَعُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ إِلَّا الْعَمَلُ الصَّالِحُ، فَالْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَلِ، قِيلَ: يَتَوَلَّدُ الدُّودُ مِنَ الْعُفُونَةِ وَتَآكُلِ الْأَعْضَاءِ ثُمَّ يَأْكُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، إِلَى أَنْ تَبْقَى دُودَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَمُوتُ جُوعًا، وَاسْتَثْنَى الْأَنْبِيَاءَ، وَالشُّهَدَاءَ، وَالْأَوْلِيَاءَ، وَالْعُلَمَاءَ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» "، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الشُّهَدَاءِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ، وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُمْ بِالْأَوْلِيَاءِ مِدَادُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ، (" وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ ") أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ (" مَرْحَبًا ") أَيْ: أَتَيْتَ مَكَانًا وَاسِعًا لِرَقْدَتِكَ (" وَأَهْلًا ") أَيْ: وَحَضَرْتَ أَهْلًا لِمَحَبَّتِكَ (" أَمَا ") بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ لِلتَّنْبِيهِ (" إِنْ كُنْتَ ") أَيْ: إِنَّهُ كُنْتَ فَإِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ، وَاللَّامُ فَارِقَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنِ النَّافِيَةِ فِي قَوْلِهِ: (" لَأَحَبُّ ") وَهُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: لَأَفْضَلُ (" مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ ") : مُتَعَلِّقٌ بِأَحَبَّ (" فَإِذْ ") بِسُكُونِ الذَّالِ، وَأَبْعَدَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَفِي إِذْ مَعْنَى التَّعْلِيلِ إِذِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ هُنَا ظَرْفٌ مَحْضٌ، وَالْعِلَّةُ وَالسَّبَبُ كَوْنُهُ مُؤْمِنًا أَيْ: فَحِينَ (" وُلِّيتُكَ ") : مِنَ التَّوْلِيَةِ مَجْهُولًا، أَوْ مِنَ الْوَلَايَةِ مَعْلُومًا أَيْ: صِرْتُ قَادِرًا حَاكِمًا عَلَيْكَ (" الْيَوْمَ ") أَيْ: هَذَا الْوَقْتَ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالدَّفْنِ (" وَصِرْتَ إِلَيَّ ") أَيْ: مَقْهُورًا وَمَجْبُورًا (" فَسَتَرَى ") أَيْ: سَتُبْصِرُ أَوْ تَعْلَمُ (" صَنِيعِي بِكَ ") : مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْكَ بِالتَّوْسِيعِ عَلَيْكَ.
(قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَإِنَّمَا أَعَادَهُ لِطُولِ الْكَلَامِ ; وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي تَفْسِيرٌ لِلْمَرَامِ (" فَيَتَّسِعُ ") أَيْ: فَيَصِيرُ الْقَبْرُ وَسِيعًا، وَفِي رِوَايَةٍ: فَيُوَسَّعُ (" لَهُ ") أَيْ: لِلْمُؤْمِنِ (" مَدَّ بَصَرِهِ ") أَيْ: مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَقِيقَةً، أَوْ كَشْفًا، أَوْ مَجَازًا عَنْ عَدَمِ التَّضْيِيقِ حِسًّا وَمَعْنًى، وَفِيهِ كِنَايَةٌ عَنْ تَنْوِيرِهِ أَيْضًا، (" وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ ") أَيْ: وَيُعْرَضُ لَهُ مَقْعَدُهُ مِنْهَا، يَأْتِيهِ مِنْ رُوحِهَا وَنَسِيمِهَا، وَيَشُمُّ مِنْ طِيبِهَا، وَتَقَرُّ عَيْنُهُ بِمَا يَرَى فِيهَا مَنْ حُورِهَا وَقُصُورِهَا وَأَنْهَارِهَا وَأَشْجَارِهَا وَأَثْمَارِهَا، (" وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ ") أَيِ: الْفَاسِقُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ، وَهُوَ الْفَاسِقُ، بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ لِقَوْلِهِ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ سَابِقًا، وَلِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِ الْقَبْرِ لَهُ بِكَوْنِهِ أَبْغَضَ مَنْ
стр. 7362
يَمْشِي عَلَى ظَهْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] الْآيَةَ، (" أَوِ الْكَافِرُ ") : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي لَا لِلتَّنْوِيعِ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ عَلَى بَيَانِ حُكْمِ الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ، وَالسُّكُونِ عَنْ حَالِ الْمُؤْمِنِ الْفَاسِقِ سَتْرًا عَلَيْهِ، أَوْ لِيَكُونَ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، لَا لِإِثْبَاتِ الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ كَمَا تَوَهَّمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، (" قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذَا وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ ". قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (" فَيَلْتَئِمُ ") أَيْ: يَنْضَمُّ الْقَبْرُ (" عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ ") أَيْ: يَدْخُلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى تَلْتَقِي وَتَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ.
(قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (وَقَالَ) أَيْ: أَشَارَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصَابِعِهِ) أَيْ: مِنَ الْيَدَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ (فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا) وَهُوَ أَصَابِعُ الْيَدِ الْيُمْنَى (فِي جَوْفِ بَعْضٍ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَضْيِيقَ الْقَبْرِ وَاخْتِلَافَ الْأَضْلَاعِ حَقِيقِيٌّ، لَا أَنَّهُ مُجَازٌ عَنْ ضِيقِ الْحَالِ، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ مُبَالَغَةٌ فِي أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ أَرْبَابِ النُّقْصَانِ، حَتَّى جَعَلُوا عَذَابَ الْقَبْرِ رُوحَانِيًّا لَا جُسْمَانِيًّا، وَالصَّوَابُ أَنَّ عَذَابَ الْآخِرَةِ وَنَعِيمَهَا مُتَعَلِّقَانِ بِهِمَا.
(قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (" وَيُقَيَّضُ ") بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ: يُسَلَّطُ وَيُوَكَّلُ (" لَهُ ") أَيْ: بِخُصُوصِهِ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَيْهِ (" سَبْعُونَ تِنِّينًا ") بِكَسْرِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْأَوَّلِ مَكْسُورَةً أَيْ: حَيَّةً عَظِيمَةً، يُقَالُ لَهُ: أَزْرَدُ بِالْفَارِسِيِّ وَبِالْعَرَبِيِّ أَفْعَى، وَعَدَدُ السَبْعِينَ يَحْتَمِلُ التَّحْدِيدَ وَالتَّكْثِيرَ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِيَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " هَلْ تَدْرُونَ فِيمَا إِذَا أُنْزِلَتْ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " عَذَابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، يُسَلَّطُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا، هَلْ تَدْرُونَ مَا التِّنِّينُ؟ " قَالَ: " تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ حَيَّةً لِكُلِّ وَاحِدَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ رَأْسًا يَخْدِشْنَهُ، وَيَلْحَسْنَهُ، وَيَنْفُخْنَ فِي جِسْمِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " انْتَهَى. (" لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ ") الْخَاءُ الْمُعْجَمَةُ أَيْ: تَنَفَّسَ (" فِي الْأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ ") أَيِ: الْأَرْضُ (" شَيْئًا ") أَيْ: مِنَ الْإِنْبَاتِ أَوِ النَّبَاتَاتِ (" مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا ") أَيْ: مُدَّةَ بَقَائِهَا (" فَيَنْهَسْنَهُ ") : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: يَلْدَغْنَهُ، وَفِي الْقَامُوسِ: نَهَسَ اللَّحْمَ، كَمَنَعَ وَفَرِحَ، أَخَذَهُ بِمَقْدِمِ أَسْنَانِهِ وَنَتَفَهُ (" وَيَخْدِشْنَهُ ") بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ: يُخْرِجْنَهُ (" حَتَّى يُفْضِي ") بِفَتْحٍ فَسُكُونِ فَاءٍ فَفَتْحِ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ: يُوصِلُ (" بِهِ ") أَيْ: بِالْكَافِرِ (" إِلَى الْحِسَابِ ") أَيْ: وَثُمَّ إِلَى الْعِقَابِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يُحَاسَبُ، خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْكَافِرَ يَدْخُلُ النَّارَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْحِسَابِ الْجَزَاءُ، وَأَنَّ ظَوَاهِرَ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٨] فَصَرِيحٌ فِي حِسَابِهِمْ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْعُصَاةِ الْعُتَاةِ يَدْخُلُونَ النَّارَ مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ وَلَا كِتَابٍ، كَمَا يَدْخُلُ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُبَالِغِينَ فِي الصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى مَا سَبَقَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: فِي هَذَا الْمَحَلِّ أَوْ فِي وَقْتٍ آخَرَ، فَتَأَمَّلْ، (" إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ ") بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ الْمُنَاسِبَةِ لِلَفْظَةِ الْجَنَّةِ، وَفِي نُسْخَةِ: النِّيرَانِ لِمُنَاسَبَةِ جَمْعِ الْحُفَرِ وَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَنَّةِ الْجِنَانُ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: مِنْ حُفَرِ النَّارِ كَذَا فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَأَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا: النِّيرَانِ بِالْجَمْعِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7363
قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀: وَحَسَّنَهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِنَازَةٍ، فَجَلَسَ إِلَى قَبْرٍ فَقَالَ: " مَا يَأْتِي عَلَى هَذَا الْقَبْرِ مِنْ يَوْمٍ وَهُوَ يُنَادِي بِصَوْتٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ: يَا ابْنَ آدَمَ! كَيْفَ نَسِيتَنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنِّي بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَبَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَبَيْتُ الْوَحْشَةِ، وَبَيْتُ الدُّودِ، وَبَيْتُ الضِّيقِ إِلَّا مَنْ وَسَّعَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ» " ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الْقَبْرُ رَوْضَةٌ "، وَفِي نُسْخَةٍ: " إِمَّا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ "، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْقَبْرِ وَجَدَهُ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ وَجَدَهُ حُفْرَةً مِنْ حُفَرِ النَّارِ.
стр. 7364
٥٣٥٣ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ شِبْتَ، قَالَ: " شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ وَأَخَوَاتُهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٣٥٣ - (وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ، ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُوُفِّيَ وَلَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، وَلَكِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَوْنٌ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، (قَالَ: قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ شِبْتَ) أَيْ: ظَهَرَ عَلَيْكَ آثَارُ الضَّعْفِ، قِيلَ: أَوَانُ الْكِبَرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ ظُهُورَ كَثْرَةِ الشَّعْرِ الْأَبْيَضِ عَلَيْهِ ; لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «مَا عَدَدْتُ فِي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِحْيَتِهِ إِلَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَعْرَةً بِيضًا» ، (قَالَ: " شَيَّبَتْنِي هُودُ ") بِغَيْرِ انْصِرَافٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالصَّرْفِ، قِيلَ: إِنْ جَعَلَ هُودَ اسْمَ السُّورَةِ لَمْ يُصْرَفْ، وَإِلَّا صُرِفَ، فَالْمُضَافُ مُقَدَّرٌ حِينَئِذٍ، أَقُولُ: لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُصْرَفُ كَانَ كَجُورِ، وَإِذَا صُرِفَ كَانَ التَّقْدِيرُ سُورَةُ هُودٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ سُورَةُ هُودٍ، (" وَأَخَوَاتُهَا ") أَيْ: وَأَشْبَاهُهَا مِنَ السُّوَرِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْقِيَامَةِ وَالْعَذَابِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُرِيدُ أَنَّ اهْتِمَامِي بِمَا فِيهَا مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَالْحَوَادِثِ النَّازِلَةِ بِالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، آخُذُ مِنْ مَأْخَذِهِ حَتَّى شِبْتُ قَبْلَ أَوَانِ الْمَشِيبِ خَوْفًا عَلَى أُمَّتِي، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ لَهُ: رُوِيَ عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: " شَيَّبَتْنِي هُودٌ " فَقَالَ: " نَعَمْ "، فَقُلْتُ: بِأَيَّةِ آيَةٍ؟ قَالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ﵀: الْمَلِكُ الْمُعِينُ وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ إِلَى طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ فِي الِاعْتِقَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ عَسِرٌ جِدًّا، قُلْتُ: لَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ كَرَامَةٍ لِكَوْنِهَا أَصْعَبَ مِنْ جِسْرِ الْقِيَامَةِ، مَعَ أَنَّهَا أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، وَأَحَرُّ مِنَ الصَّيْفِ، لَكِنَّ حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى الْآيَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِقَوْلِهِ: وَأَخَوَاتُهَا، الْمُفَسَّرَةُ بِالسُّوَرِ الْآتِيَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الِاسْتِقَامَةِ لِلتَّخْلِيصِ عَنِ النَّدَامَةِ وَالْمَلَامَةِ، فَكَأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي جَمِيعِهَا، أَوْ يُقَالُ: الْجَوَابُ لِلنَّائِمِ كَانَ عَلَى طِبْقِ مَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الْمَقَامِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَالتَّحْرِيضِ عَلَى مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَزَادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ: قَبْلَ الْمَشِيبِ.
стр. 7365
٥٣٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ شِبْتَ، قَالَ: " شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: " لَا يَلِجُ فِي النَّارِ " فِي (كِتَابِ الْجِهَادِ) .
ــ
٥٣٥٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ شِبْتَ، قَالَ: " شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ) بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى الْحِكَايَةِ (وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) يَعْنِي: وَأَمْثَالُهَا مِمَّا فِيهِ ذِكْرُ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالُهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَكَذَا الْحَاكِمُ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدٍ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَنَسٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِمْرَانَ بِلَفْظِ: " «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا مِنَ الْمُفَصَّلِ» " وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ " «شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ وَأَخَوَاتُهَا الْوَاقِعَةُ وَالْقَارِعَةُ وَالْحَاقَّةُ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَسَأَلَ سَائِلٌ» " (وَذُكِرَ حَدِيثٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " لَا يَلِجُ النَّارَ ") أَيْ: لَا يُدْخُلُهَا، مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، الْحَدِيثُ بِطُولِهِ، (فِي " كِتَابِ الْجِهَادِ ") أَيْ: فَأُسْقِطَ لِلتَّكْرَارِ.
стр. 7366
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٣٥٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمُوبِقَاتِ، يَعْنِي الْمُهْلِكَاتِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٣٥٥ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا) أَيْ: عَظِيمَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَتَسْتَصْغِرُونَهَا وَتَعُدُّونَهَا مِنَ الْكَرَامَاتِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: عِبَارَةٌ عَنْ تَدْقِيقِ النَّظَر فِي الْعَمَلِ وَإِمْعَانِهِ فِيهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّكُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالًا وَتَحْسَبُونَ أَنَّكُمْ تُحْسِنُونَ صُنْعًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ. (كُنَّا نَعُدُّهَا) أَيْ: تِلْكَ الْأَعْمَالَ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: فِي زَمَانِهِ (مِنَ الْمُوبِقَاتِ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، يَعْنِي الْمُهْلِكَاتِ تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ أَيْ: يُرِيدُ أَنَسٌ بِالْمُوبِقَاتِ الْمُهْلِكَاتِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: مَهْلِكًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7367
٥٣٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «يَا عَائِشَةَ! إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، والْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٣٥٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَا عَائِشَةَ! إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ ") أَيْ: صَغَائِرَهَا وَخَصَّ بِهَا فَإِنَّهُ رُبَّمَا يُسَامَحُ صَاحِبُهَا فِيهَا بِعَدَمِ تَدَارُكِهَا بِالتَّوْبَةِ، وَبِعَدَمِ الِالْتِفَاتِ بِهَا فِي الْخَشْيَةِ غَفْلَةً عَنْهُ أَنَّهُ لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَأَنَّ كُلَّ صَغِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَظَمَةِ اللَّهِ وَكِبْرِيَائِهِ كَبِيرَةٌ، وَالْقَلِيلَةَ مِنْهَا كَثِيرَةٌ ; وَلِذَا قَدْ يَعْفُو اللَّهُ عَنِ الْكَبِيرَةِ وَيُعَاقِبُ عَلَى الصَّغِيرَةِ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] الصَّغِيرَةَ بِسَبَبِ الْعِبَادَاتِ الْمُكَفِّرَةِ، قُلْنَا: بِشَرْطِ اجْتِنَابِكُمُ الْكَبَائِرَ لَا بِمُجَرَّدِ اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (" فَإِنَّ لَهَا ") أَيْ: لِلْمُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ (" مِنَ اللَّهِ ") أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ سُبْحَانَهُ (" طَالِبًا ") أَيْ: نَوْعًا مِنَ الْعَذَابِ يَعْقُبُهُ، فَكَأَنَّهُ يَطْلُبُهُ طَلَبًا لَا مُرَادَ لَهُ، فَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ: طَالِبًا عَظِيمًا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَغْفَلَ عَنْهُ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَخْشَى مِنْهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّهِ طَالِبًا) هُوَ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ: كَقَوْلِ الْقَائِلِ:
وَفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافٍ
وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ أَنَّ مَعْنَاهُ: وَفِي رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كِفَايَةٌ، فَإِنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَقَامِهِ الْمُقَرَّرِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) أَيْ: فِي سُنَنِهِ، (وَالدَّارِمِيُّ) أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ، (والْبَيْهَقِيُّ، فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ") ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، والطَّبَرَانِيُّ، والْبَيْهَقِيُّ، وَالضِّيَاءُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا، وَلَفْظُهُ: " «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى حَمَلُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَنْ يُؤْخَذُ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكُهُ» "، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ والطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
стр. 7368
٥٣٥٧ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هَلْ تَدْرِي مَا قَالَهُ أَبِي لِأَبِيكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّ أَبِي قَالَ لِأَبِيكَ: يَا أَبَا مُوسَى! هَلْ يَسُرُّكَ أَنَّ إِسْلَامَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِجْرَتَنَا مَعَهُ وَجِهَادَنَا مَعَهُ وَعَمَلَنَا كُلَّهُ مَعَهُ بَرَدَ لَنَا؟ وَأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا، رَأْسًا بِرَأْسٍ؟ فَقَالَ أَبُوكَ لِأَبِي: لَا وَاللَّهِ، قَدْ جَاهَدْنَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَلَّيْنَا وَصُمْنَا وَعَمِلْنَا خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَسْلَمَ عَلَى أَيْدِينَا بَشَرٌ كَثِيرٌ وَإِنَّا لَنَرْجُو ذَلِكَ، قَالَ أَبِي: وَلَكِنِّي أَنَا، وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ بَرَدَ لَنَا، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَاكَ وَاللَّهِ كَانَ خَيْرًا مِنْ أَبِي. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٣٥٧ - (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ، أَحَدُ التَّابِعِينَ الْمَشْهُورِينَ الْمُكْثِرِينَ التَّابِعِينَ، سَمِعَ أَبَاهُ وَعَلِيًّا وَغَيْرَهُمَا، كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ بَعْدَ شُرَيْحٍ فَعَزَلَهُ الْحَجَّاجُ. (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هَلْ تَدْرِي مَا قَالَ أَبِي لِأَبِيكَ؟) أَيْ: فِي أَمْرِ غَلَبَةِ الْخَوْفِ الْمُعَنْوَنِ بِهِ الْبَابُ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو بُرْدَةَ، أَوِ التَّقْدِيرُ: قَالَ الرَّاوِي نَاقِلًا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، (قُلْتُ: لَا) أَيْ: لَا أَدْرَى (قَالَ: فَإِنَّ أَبِي قَالَ لِأَبِيكَ: يَا أَبَا مُوسَى) نَادَاهُ بِكُنْيَتِهِ إِشْعَارًا بِعَظَمَتِهِ وَتَقْرِيرًا لِحَضْرَتِهِ، (هَلْ يَسُرُّكَ) أَيْ: يُوقِعُكَ فِي السُّرُورِ (أَنَّ إِسْلَامَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: مِنْهُمَا مَعَ بِعْثَتِهِ (وَهِجْرَتَنَا مَعَهُ وَجِهَادَنَا مَعَهُ وَعَمَلَنَا) : كَالصَّلَاةِ
стр. 7369
وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَأَمْثَالِهَا (كُلَّهُ) أَيْ: جَمِيعَهُ بِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ وَأَصْنَافِهِ (مَعَهُ) أَيْ: فِي زَمَنِهِ (بَرَدَ) أَيْ: ثَبَتَ وَدَامَ (لَنَا؟) فَفِي النِّهَايَةِ: فِي الْحَدِيثِ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ، أَيْ: لَا تَعَبَ فِيهِ وَلَا مَشَقَّةَ، وَكُلُّ مَحْبُوبٍ عِنْدَهُمْ بَارِدٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْغَنِيمَةُ الثَّابِتَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: بَرَدَ لَنَا عَلَى فُلَانٍ حَقٌّ، أَيْ: ثَبَتَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ خَبَرُ قَوْلِهِ: أَنَّ إِسْلَامَنَا، وَالْجُمْلَةُ فَاعِلُ هَلْ يَسُرُّكَ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀.
(وَأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ) : عَطْفٌ عَلَى (أَنَّ إِسْلَامَنَا) ، (عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (نَجَوْنَا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ (كَفَافًا) : بِفَتْحِ الْكَافِ، أَيْ: سَوَاءً (رَأْسًا بِرَأْسٍ) : بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ نَجَوْنَا، أَيْ: مُتَسَاوِينَ لَا يَكُونُ لَنَا وَلَا عَلَيْنَا، بِأَنْ لَا يُوجِبَ ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: كَفَافًا نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، أَيْ: نَجَوْنَا مِنْهُ فِي حَالَةِ كَوْنِهِ لَا يَفْضُلُ عَلَيْنَا شَيْءٌ مِنْهُ، أَوْ مِنَ الْفَاعِلِ، أَيْ: مَكْفُوفًا عَنَّا شَرُّهُ. (فَقَالَ أَبُوكَ لِأَبِي! لَا وَاللَّهِ) أَيْ: لَا يَسُرُّنَا، وَبَيَّنَ سَبَبَهُ بِقَوْلِهِ: (قَدْ جَاهَدْنَا) أَيِ: الْكُفَّارَ (بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَلَّيْنَا) أَيْ: صَلَوَاتٍ (وَصُمْنَا) أَيْ: سَنَوَاتٍ (وَعَمِلْنَا خَيْرًا كَثِيرًا) أَيْ: مِنَ الصَّدَقَاتِ وَنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ (وَأَسْلَمَ عَلَى أَيْدِينَا) أَيْ: بِسَبَبِنَا (بَشَرٌ كَثِيرٌ) أَيْ: مِنْ فَتْحِ الْبِلَادِ (وَإِنَّا لَنَرْجُو ذَاكَ) وَفِي نُسْخَةٍ ذَلِكَ، أَيْ: ثَوَابَ مَا ذُكِرَ زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ لَنَا مِنَ الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ.
(قَالَ أَبِي) : يَعْنِي عُمَرَ (وَلَكِنِّي أَنَا) : زِيدَ لِلتَّأْكِيدِ (وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ) أَيْ: مَا سَبَقَ لَنَا مِنَ الْعَمَلِ مَعَهُ ﷺ ، (بَرَدَ لَنَا) أَيْ: تَمَّ وَلَمْ يَبْطُلْ وَلَمْ يَنْقَضِي بِبَرَكَةِ وَجُودِهِ وَفَضْلِهِ ﷺ ، (وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَمِلْنَاهُ) بِإِثْبَاتِ الضَّمِيرِ هُنَا (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ مَمَاتِهِ وَفَقْدِ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ بَرَكَاتِهِ (نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ) : وَذَلِكَ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ التَّابِعَ أَسِيرُ الْمَتْبُوعِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، اعْتِقَادًا وَإِخْلَاصًا وَعِلْمًا وَعَمَلًا، أَمَا تَرَى صِحَّةَ بِنَاءِ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ الْمُقْتَدَى، وَكَذَا فَسَادُهَا، وَلَا شَكَّ فِي وُصُولِ الْكَمَالِ وَحُصُولِ صِحَّةِ الْأَعْمَالِ، فَيُحَالُ مُلَازَمَتُهُ ﷺ وَأَمَّا بَعْدَهُ فَمَا وَقَعَ مِنَ الطَّاعَاتِ لَا يَخْلُو مِنْ تَغْيِيرِ النِّيَّاتِ، وَفَسَادِ الْحَالَاتِ، وَمُرَاعَاةِ الْمُرَايَاتِ، كَمَا أَخْبَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عِنْدَ الْوَفَاةِ بِقَوْلِهِ: فَمَا نَقَضْنَا أَيْدِيَنَا عَنِ التُّرَابِ، وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ ﷺ حَتَّى أَنْكَرَ قُلُوبَنَا، يَعْنِي بِالْمُظْلِمَةِ النَّاشِئَةَ عَنْ غَيْبَةِ نُورِ شَمْسِ وُجُودِهِ، وَقَمَرِ جُودِهِ، فَالْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ أَنْ يَكُونَ فِي مَرْتَبَةِ السَّرِيَّاتِ بَيْنَ الطَّاعَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ وَعُظَمَاءِ الْخِلَافَةِ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَطَاعَاتُهُمُ الْمَشْحُونَةُ بِالْغُرُورِ، وَالْعَجَبِ، وَالرِّيَاءِ أَسْبَابٌ لِلْمَعَاصِي، وَوَسَائِلُ لِعُقُوبَاتِ الْعَاصِي غَالِبًا، إِلَّا أَنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَعَيْنِ عِنَايَتِهِ بِأَنْ يُلْحِقَ الْمُسِيئِينَ بِالْمُحْسِنِينَ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَعْصِيَةٌ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَاسْتِصْغَارًا خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْرَثَتْ عُجْبًا وَاسْتِكْبَارًا.
(فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَاكَ) أَيْ: عُمَرَ (وَاللَّهِ كَانَ خَيْرًا مِنْ أَبِي) أَيْ: أَبِي مُوسَى فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَهَذَا كَذَلِكَ ; لِأَنَّ كَلَامَ السَّادَاتِ سَادَاتُ الْكَلَامِ، وَكَيْفَ وَهُوَ النَّاطِقُ الصَّوَابَ، وَالْفَارُوقُ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ مِنْ كُلِّ بَابٍ، وَالْمُوَافِقُ رَأْيُهُ نُزُولَ الْكِتَابِ، وَقَدْ طَابَقَ قَوْلُهُ حَدِيثَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ، وَقَالَ : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: لَوَدِدْتُ خَبَرُ لَكِنِّي مَعَ اللَّامِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَوَدِدْتُ جَوَابَ الْقِسْمِ، وَالْجُمْلَةُ الْقَسَمِيَّةُ خَبَرُ لَكِنِّي عَلَى التَّأْوِيلِ، قُلْتُ: بَلِ الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلْكُوفِيِّينَ، فَفِي الْمَعْنَى: وَلَا يَدْخُلُ اللَّامُ فِي خَبَرِ لَكِنَّ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ:
وَلَكِنَّنِي مِنْ حُبِّهَا لَعَمِيدُ
وَخُرِّجَ عَلَى زِيَادَةِ اللَّامِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ: لَكِنَّ أَنَّنِي، ثُمَّ حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا وَنُونُ لَكِنْ لِلسَّاكِنَيْنِ، قُلْتُ هَذِهِ كُلُّهَا تَكَلُّفَاتٌ بَعِيدَةٌ، وَتَعَسُّفَاتٌ مَزِيدَةٌ، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ، فَالصَّوَابُ أَنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ، كَمَا جُوِّزَ فِي بَعْضِ أَخَوَاتِ لَكِنَّ عَلَى الْقِيَاسِ السَّدِيدِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ عَلَى لِسَانِ الْأَوْحَدِيِّ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ بِإِسْنَادٍ هُوَ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، ثُمَّ مِنْ أَعْجَبِ الْغَرَائِبِ وَأَغْرَبِ الْعَجَائِبِ أَنَّهُ لَوْ حُكِيَ مِنْ طَرِيقِ الْأَصْمَعِيِّ وَنَحْوِهُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا مِمَّنْ يَبُولُ عَلَى عَقِبَيْهِ تَكَلَّمَ بِمِثْلِهِ نَثْرًا أَوْ نَظْمًا، أَخَذَ النُّحَاةُ بِهِ، وَجَعَلُوهُ أَصْلًا مُمَهِّدًا وَأَسَاسًا مُؤَيِّدًا، فَصَدَقَ مَنْ قَالَ: أَنَّ أَدِلَّةَ الصَّرْفِيِّينَ وَالنَّحْوِيِّينَ كَنَارَاتِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ فَتَارَةً تَطَّرِدُ وَتَارَةً تَفُوتُ.
стр. 7370
٥٣٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْعٍ: خَشْيَةِ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَكَلِمَةِ الْعَدْلِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى، وَالْقَصْدِ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وَأُعْطِي مَنْ حَرَمَنِي، وَأَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وَأَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْرًا، وَنُطْقِي ذِكْرًا، وَنَظَرِي عِبْرَةً، وَآمُرُ بِالْعُرْفِ» " وَقِيلَ: (بِالْمَعْرُوفِ) . رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
٥٣٥٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْعٍ ") أَيْ: خِصَالٍ (" خَشْيَةِ اللَّهِ ") بِالْجَرِّ وَيَجُوزُ أُخْتَاهُ، أَيْ: خَوْفِهِ الْمَقْرُونِ بِالْعَظَمَةِ (" فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ") أَيْ: فِي الْقَلْبِ وَالْقَالَبِ، أَوْ فِي الْخَلَا وَالْمَلَا (" وَكَلِمَةِ الْعَدْلِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ") بِالْقَصْرِ أَيْ: فِي الْحَالَيْنِ (" وَالْقَصْدِ ") أَيِ: الِاقْتِصَادِ فِي الْمَعِيشَةِ، أَوِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ، غَيْرِ خَارِجٍ عَنْهُمَا بِالْجَزَعِ وَالطُّغْيَانِ (" فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي ") أَيْ: مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَهَذَا غَايَةُ الْحِلْمِ وَنِهَايَةُ التَّوَاضُعِ، (" وَأُعْطِي مَنْ حَرَمَنِي ") وَهَذَا كَمَالُ الْكَرَمِ وَالْجُودِ (وَأَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَنِي) أَيْ: مَعَ قُدْرَتِي عَلَى الِانْتِقَامِ، هَذَا نَتِيجَةُ الصَّبْرِ، وَقَضِيَّةُ الشُّكْرِ، وَرِعَايَةُ الْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ عَلَى أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ، (" وَأَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْرًا ") أَيْ: فِي أَسْمَائِكَ، وَصِفَاتِكَ، وَمَصْنُوعَاتِكَ، وَمَعَانِي آيَاتِكَ (" وَنُطْقِي ذِكْرًا ") أَيْ: بِتَسْبِيحِكَ وَتَحْمِيدِكَ، وَتَقْدِيسِكَ وَتَمْجِيدِكَ، وَتَكْبِيرِكَ وَتَوْحِيدِكَ، وَتِلَاوَةِ كِتَابِكَ، وَمَوْعِظَةِ عِبَادِكَ (" وَنَظَرِي عِبْرَةً ") أَيْ: فِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ وَمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، (وَآمُرُ بِالْعُرْفِ، وَقِيلَ بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ: بَدَلًا مِنْ عَنِ الْعُرْفِ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ اكْتِفَاءً، أَوِ الْعُرْفُ يَشْمَلُ الْمَعْرُوفَ فِي الشَّرْعِ ارْتِكَابًا وَاجْتِنَابًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: ذَكَرَ تِسْعًا وَأَتَى بِعَشْرٍ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُحْمَلَ الْعَاشِرُ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ عَقِبَ التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ هُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، وَكُلِّ مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْهُ مِنَ الْمُحْسَّنَاتِ وَالْمُقَبَّحَاتِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَمَرَنِي رَبِّي بِأَنْ أَتَّصِفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَآمُرَ غَيْرِي بِالِاتِّصَافِ بِهَا، فَالْوَاوَاتُ كُلُّهَا عَطَفَتِ الْمُفْرَدَ عَلَى الْمُفْرَدِ، وَفِي قَوْلِهِ: وَآمُرُ بِالْمَعْرُوفِ عَطَفَتِ الْمَجْمُوعَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَلَى الْمَجْمُوعِ بِحَسْبَ اللَّفْظِ، وَنَحْوُهُ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْوَاوَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ - وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ - وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢١] . (رَوَاهُ رَزِينٌ) .
стр. 7371
٥٣٥٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنَيْهِ دُمُوعٌ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ رَأْسِ الذُّبَابِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يُصِيبُ شَيْئًا مِنْ حَرِّ وَجْهِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٣٥٩ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنَيْهِ ") أَيْ: أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا (" دُمُوعٌ ") أَيْ: دَمَعَاتٌ أَقَلُّهَا ثَلَاثٌ (" وَإِنْ كَانَ ") أَيِ: الْخَارِجُ أَوْ كُلُّ دَمْعٍ (" مِثْلَ رَأْسِ الذُّبَابِ ") أَيْ: كَمِّيَّةً أَوْ كَيْفِيَّةً (" مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُصِيبُ ") بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ بِالنَّصْبِ، أَيْ: يَصِلُ الدَّمْعُ (" شَيْئًا مِنْ حُرِّ وَجْهِهِ ") بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، أَيْ: خَالِصَةً، فَفِي الْقَامُوسِ: حُرُّ الْوَجْهِ مَا أَقْبَلَ عَلَيْكَ وَبَدَا لَكَ مِنْهُ (" إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ ") وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ رَاجِعٌ إِلَى الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْمَوْصُوفِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى حُرِّ وَجْهِهِ، فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْ تَحْرِيمِ ذَاتِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) ، وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: " «مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنَيْهِ مِنَ الدُّمُوعِ مِثْلُ رَأْسِ الذُّبَابِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَيُصِيبُ حُرَّ وَجْهِهِ فَتَمَسُّهُ النَّارُ أَبَدًا» " وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
стр. 7372
[بَابُ تَغَيُّرِ النَّاسِ]
стр. 7373
[٧] بَابُ تَغَيُّرِ النَّاسِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٣٦٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ، لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٧] بَابُ تَغَيُّرِ النَّاسِ
أَيْ: بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ الْمُوَافِقُ لِمَضْمُونِ أَكْثَرِ أَحَادِيثِ الْبَابِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالتَّغَيُّرِ اخْتِلَافُ حَالَاتِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ فِي مُنَازَلَاتِهِمُ الشَّامِلَةِ لِتَغَيُّرِ أَزْمِنَتِهِمْ، وَعَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٣٦٠ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّمَا النَّاسُ ") أَيْ: فِي اخْتِلَافِ حَالَاتِهِمْ وَتَغَيُّرِ صِفَاتِهِمْ (" كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ ") قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ﷻ : اللَّامُ فِيهِمَا لِلْجِنْسِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الرِّوَايَةُ فِيهِ عَلَى الثَّبْتِ كَإِبِلٍ مِائَةٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ فِيهِمَا (" لَا تَكَادُ ") أَيْ: لَا تَقْرُبُ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًّا (" تَجِدُ فِيهَا ") أَيْ: فِي مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ (" رَاحِلَةً ") أَيْ: نَاقَةً شَابَّةً، قَوِيَّةً، مُرْتَاضَةً، تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ، فَكَذَلِكَ لَا تَجِدُ فِي مِائَةٍ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَصْلُحُ لِلصُّحْبَةِ، وَحَمْلِ الْمَوَدَّةِ وَرُكُوبِ الْمَحَبَّةِ، فَيُعَاوِنُ صَاحِبَهُ وَيَلِينُ لَهُ جَانِبُهُ، وَهَذَا زُبْدَةُ كَلَامِ الشَّارِحِ الْأَوَّلِ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ سَوَاءٌ لَا فَضْلَ فِيهَا لِشَرِيفٍ عَلَى مَشْرُوفٍ، وَلَا لِرَفِيعٍ مِنْهُمْ عَلَى وَضِيعٍ، كَإِبِلِ الْمِائَةِ لَا يَكُونُ فِيهَا رَاحِلَةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً صِفَةُ الْإِبِلِ، وَالتَّشْبِيهُ مُرَكَّبٌ تَمْثِيلِيٌّ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ وَجْهُ الشَّبَهِ، وَبَيَانٌ لِمُنَاسَبَةِ النَّاسِ لِلْإِبِلِ، قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى ظُهُورُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، فَتَدَبَّرْ وَتَأَمَّلْ، وَخُلَاصَتُهُ: أَنَّ الْمَرْضِيَّ الْمُنْتَخَبَ مِنَ النَّاسِ الصَّالِحَ لِلصُّحْبَةِ سَهْلُ الِانْقِيَادِ عَسِرٌ وَجُودُهُ، كَالنَّجِيبَةِ الصَّالِحَةِ لِلرُّكُوبِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي الْإِبِلِ الْكَثِيرَةِ الْقَوِيَّةِ عَلَى الْأَحْمَالِ وَالْأَسْفَارِ، فَذَكَرَ الْمِائَةَ لِلتَّكْثِيرِ لَا لِلتَّحْدِيدِ، فَإِنَّ وُجُودَ الْعَالِمِ الْعَامِلِ الْمُخْلِصِ مِنْ قَبِيلِ الْكِيمْيَاءِ، أَوْ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْعَنْقَاءِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعُرَفَاءِ:
أَتَمَنَّى عَلَى الزَّمَانِ مُحَالًا ... أَنْ تَرَى مُلْتَقَايَ طَلْعَةَ حُرٍّ
وَقَالَ الْآخَرُ:
وَإِذَا صَفَا لَكَ مِنْ زَمَانِكَ وَاحِدٌ ... فَهُوَ الْمُرَادُ وَأَيْنَ ذَاكَ الْوَاحِدُ
وَكَانَ يَقُولُ بَعْضُ أَرْبَابِ الْحَالِ: هَذَا زَمَانُ قَحْطِ الرِّجَالِ، وَرُوِيَ أَنَّ سَهْلًا التُّسْتَرِيَّ خَرَجَ مِنْ مَسْجِدٍ وَرَأَى خَلْقًا كَثِيرًا فِي دَاخِلِهِ وَخَارِجِهِ، فَقَالَ: أَهْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَثِيرٌ، وَالْمُخْلِصُونَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ، وَقَدْ نَبَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] ، وَمِنْهَا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ - وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: إِنَّمَا النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ بِالتَّنْكِيرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 7374
٥٣٦١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ "، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: " فَمَنْ؟» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٣٦١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَتَتَّبِعُنَّ ") بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ وَضَمِّ الْعَيْنِ، أَيْ: لَتُوَافِقُنَّ بِالتَّبَعِيَّةِ (" سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ ") بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ سُنَّةٍ، وَهِيَ لُغَةً الطَّرِيقَةُ، حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ سَيِّئَةً، وَالْمُرَادُ هُنَا طَرِيقَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِمْ، مِنْ تَغَيُّرِ دِينِهِمْ وَتَحْرِيفِ كِتَابِهِمْ، كَمَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفَتْحِ السِّينِ، فَفِي الْمُقَدِّمَةِ أَيْ: طَرِيقَهُمْ (" شِبْرًا بِشِبْرٍ ") : حَالٌ
стр. 7375
مِثْلَ يَدًا بِيَدٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" ذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ") أَيْ: سَتَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، (" حَتَّى لَوْ دَخَلُوا ") أَيْ: مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (" جُحْرَ ضَبٍّ ") وَهُوَ مِنْ أَضَيْقِ أَنْوَاعِ الْجُحْرِ وَأَخْبَثِهَا (" تَبِعْتُمُوهُمْ ") وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بُعِثَ لِإِتْمَامِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِيُ آخِرِ الْأُمَمِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْكَمَالِ مِنهُمْ مَوْصُوفِينَ بِجَمِيعِ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ فِي الْأَدْيَانِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ النُّقْصَانِ مِنْهُمْ فِي كَمَالِ الْمَرْتَبَةِ الْقُصْوَى مَنْعُوتِينَ بِجَمِيعِ الْخِلَالِ الذَّمِيمَةِ الْكَائِنَةِ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَنَظِيرُهُ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ ذَكَرَ أَنَّهُ ارْتَاضَ بِجَمِيعِ مَا سَمِعَ رِيَاضَاتِ أَرْبَابِ الْوِلَايَاتِ، فَأُعْطِيَ لَهُ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْكَرَامَاتِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَيُنَاسِبُهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ التَّوَقُّفَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْإِنْسَانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الزِّيَادَةِ فَهُوَ فِي النُّقْصَانِ، وَأَيْضًا نَوْعُ بَنِي آدَمَ مَعْجُونٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الطَّبْعِ الْمَلَكِيِّ الرُّوحَانِيِّ الْعُلْوَانِيِّ، وَمِنَ الْطَبْعِ الْحَيَوَانِيِّ النَّفْسَانِيِّ السُّفْلَانِيِّ، فَإِنْ كَانَ يَمِيلُ إِلَى الْعُلُوِّ فَيَصِيرُ إِلَى الرُّتْبَةِ الْأُولَى مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ يَمِيلُ إِلَى أَسْفَلَ فَيَسِيرُ فِي طَرِيقَتِهِ مِنْ مَرَاتِبِ الْبَهَائِمِ أَدْنَى، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وَهُنَا يَنْفَتِحُ بَابُ الْقَضَاءِ، وَلَا خَلَاصَ إِلَى الْقَضَاءِ إِلَّا بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ، فَتَأَمَّلْ، (قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) بِالنَّصْبِ أَيْ: أَتَعْنِي بِمَنْ نَتْبَعُهُمْ، أَوْ بِمَنْ قَبْلَنَا سُنَّةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (" فَمَنْ ") ؟ أَيْ إِنْ لَمْ أُرِدْهُمْ فَمَنْ (" سِوَاهُمْ ") ؟ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمُ الْغَالِبُونَ الْمَشْهُورُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ مُنْدَرِسُونَ، فَإِذَا أُطْلِقَ مَنْ قَبْلَكُمْ، فَهُمُ الْمُرَادُ، وَكَانَ غَيْرُهُمْ غَيْرَ مَوْجُودِينَ فِي الِاعْتِبَارِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَقَالَ شَارِحٌ: (فَمَنْ) اسْتِفْهَامٌ أَيْ: فَمَنْ يَكُونُ غَيْرُهُمْ يَعْنِي الْمَتْبُوعِينَ لَكُمْ هُمْ لَا غَيْرُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: رُوِيَ (الْيَهُودِ) بِالْجَرِّ أَيْ: هَلْ نَتَّبِعُ سُنَنَ الْيَهُودِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ عَلَى تَقْدِيرِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ يَعْنِي: قَبْلَنَا هُمُ الْيَهُودُ، انْتَهَى. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ أَيِ: الْمَتْبُوعُونَ هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَمْ غَيْرُهُمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ: " «لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْ، وَحَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ بِالطَّرِيقِ لَفَعَلْتُمُوهُ» ".
стр. 7376
٥٣٦٢ - وَعَنْ مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ، الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَتَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ، لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٣٦٢ - (وَعَنْ مِرْدَاسٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (الْأَسْلَمِيِّ) : كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، يُعَدُّ فِي الْكُوفِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ حَدِيثًا وَاحِدًا لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ (- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يَذْهَبُ ") أَيْ: يَمُوتُ (" الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ ") بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنَ " الصَّالِحُونَ "، وَبِالنَّصْبِ حَالٌ أَيْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، أَوْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، (" وَتَبْقَى حُفَالَةٌ ") بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ حُثَالَةٌ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ الْفَاءِ، وَمَعْنَاهُمَا: الرَّدِيءُ مِنَ الشَّيْءِ، وَالتَّنْكِيرُ فِي حُفَالَةٍ لِلتَّحْقِيرِ (" كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ ") أَيْ: نُخَالَتِهِ (" أَوِ التَّمْرِ ") أَيْ: دَقْلِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَلَا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ، أَيِ: الْأَوَّلُ مِنْهُمْ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الْبَاقِينَ مِنْهُمْ، وَهَكَذَا يَنْتَهِي إِلَى الْحُفَالَةِ مِثْلَ الْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ، قَالَ الْقَاضِي: الْحُفَالَةُ رَذَالَةُ الشَّيْءِ وَكَذَا الْحُثَالَةُ، وَالْفَاءُ وَالثَّاءُ يَتَعَاقَبَانِ كَثِيرًا، (" لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ ") أَيْ: لَا يَرْفَعُ لَهُمْ قَدْرًا، وَلَا يُقِيمُ لَهُمْ وَزْنًا (" بَالَةً ") أَيْ: مُبَالَاةً، فَيَكُونُ مَحْذُوفَ الْمِيمِ وَالْأَلِفِ لِكَوْنِهِمَا مِنَ الزَّوَائِدِ، كَمَا قِيلَ فِي لَبَّيْكَ فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مَنْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ: أَقَامَ بِهِ، وَأَصَابَ بَالَةً بَالِيَةً، مِثْلَ عَافَاهُ اللَّهُ عَافِيَةً، فَحَذَفُوا الْيَاءَ مِنْهَا تَخْفِيفًا، يُقَالُ: مَا بَالَيْتُهُ وَمَا بَالَيْتُ بِهِ وَمِنْهُ، أَيْ: لَمْ أَكْثَرِتْ بِهِ، وَقِيلَ: بَالَةٌ بِمَعْنَى حَالَةٍ، أَيْ: لَا يُبَالِي اللَّهُ حَالَةً مِنْ أَحْوَالِهِ، وَمِنْهُ الْبَالُ بِمَعْنَى الْحَالِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
стр. 7377
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣٦٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطِيَاءَ وَخَدَمَتْهُمْ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ، سَلَّطَ اللَّهُ شِرَارَهَا عَلَى خِيَارِهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣٦٣ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطِيَاءَ ") بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الْأَوْلَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ مَمْدُودَةً وَتُقْصَرُ، بِمَعْنَى: التَّمَطِّي، وَهُوَ الْمَشْيُ فِيهِ التَّبَخْتُرُ وَمَدُّ الْيَدَيْنِ، وَيُرْوَى بِغَيْرِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ، وَهُوَ لَفْظُ الْجَامِعِ، وَنَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ: مَشْيَ تَبَخْتُرٍ، وَقِيلَ إِنَّهُ حَالٌ، أَيْ: إِذَا صَارُوا فِي نُفُوسِهِمْ مُتَكَبِّرِينَ وَعَلَى غَيْرِهِمْ مُتَجَبِّرِينَ، (وَخَدَمَتْهُمْ) وَفِي الْجَامِعِ: خَدَمَهَا، وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِالسَّابِقِ وَاللَّاحِقِ، وَالْمَعْنَى قَامَ بِخِدْمَتِهِمْ وَانْقَادَ فِي حَضْرَتِهِمْ (" أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ ") بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ وَبَيَانٌ لَهُ، (" سَلَّطَ اللَّهُ شِرَارَهَا ") وَلَفْظُ الْجَامِعِ: سَلَّطَ شِرَارَهَا، أَيْ: ظَلَمَةَ الْأُمَّةِ (" عَلَى خِيَارِهَا ") أَيْ: مَظْلُومِهِمْ. قَالَ الشُّرَّاحُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنِ الْمَغِيبِ، وَوَافَقَ الْوَاقِعُ خَبَرَهُ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ فَارِسَ وَالرُّومِ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ وَتَجَمُّلَاتِهِمْ وَسَبَوْا أَوْلَادَهُمْ فَاسْتَخْدَمُوهُمْ، سَلَّطَ اللَّهُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ ﵁ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ، ثُمَّ سَلَّطَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، فَفَعَلُوا مَا فَعَلُوا هَكَذَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ (وَقَالَ) أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 7378
٥٣٦٤ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ، وَتَجْتَلِدُوا بِأَسْيَافِكُمْ، وَيَرِثُ دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُمْ» " - رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٣٦٤ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ» ") أَيِ: الْخَلِيفَةَ أَوِ السُّلْطَانَ (" وَتَجْتَلِدُوا ") أَيْ: تَتَضَارَبُوا (" بِأَسْيَافِكُمْ وَيَرِثُ دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُمْ ") بِأَنْ يَصِيرَ الْمُلْكُ وَالْمَالُ وَالْمَنَاصِبُ فِي أَيْدِي الظَّلَمَةِ، وَغَيْرِ أَرْبَابِ الِاسْتِحْقَاقِ (" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ") .
стр. 7379
٥٣٦٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعَ» ".
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، والْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
ــ
٥٣٦٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ حُذَيْفَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ ") بِنَصْبِ أَسْعَدَ وَيُرْفَعُ، أَيْ: أَكْثَرَهُمْ مَالًا، وَأَطْيَبَهُمْ عَيْشًا، وَأَرْفَعَهُمْ مَنْصِبًا، وَأَنْفَذَهُمْ حُكْمًا (" بِالدُّنْيَا ") أَيْ: بِأُمُورِهَا أَوْ فِيهَا (" لُكَعُ بْنُ لَكْعَ ") بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْكَافِ غَيْرُ مَصْرُوفٍ، أَيْ: لَئِيمُ بْنُ لَئِيمٍ، أَيْ: رَدِيءُ النِّسَبِ دَنِيءُ الْحَسَبِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ وَلَا يُحْمَدُ لَهُ خُلُقٌ، وَحُذِفَ أَلِفُ ابْنٍ لِإِجْرَاءِ اللَّفْظَيْنِ مَجْرَى عَلَمَيْنِ لِشَخْصَيْنِ خَسِيسَيْنِ لَئِيمَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ ﵀ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِنَصْبِ أَسْعَدَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ يَكُونُ، وَفِي بَعْضِهَا بِرَفْعِهِ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ قَدْ يَكُونُ لِلشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ الْمَذْكُورِ، انْتَهَى. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسْعَدُ اسْمًا، وَلُكَعُ يُنْصَبُ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى، فَلَا يَغُرُّكَ مَا فِي بَعْضِ النَّسْخِ مِنْ نَصْبِ لُكَعَ، فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، وَقَدِ اقْتَصَرَ شَارِحٌ عَلَى نَصْبِ أَسْعَدَ، وَقَالَ: لُكَعُ بِالرَّفْعِ اسْمُ يَكُونُ، وَهُوَ الْأَحْمَقُ، وَقِيلَ: الْعَبْدُ وَهُوَ مَعْدُولٌ عَنِ اللُّكَعِ، يُقَالُ: لَكِعَ الْوَسَخُ عَلَيْهِ لَكَعًا فَهُوَ لُكَعٌ إِذَا الْتَصَقَ بِهِ، وَلِلرَّجُلِ اللَّئِيمِ كَمَا عَدَلَتْ لُكَاعُ الْمَرْأَةُ اللَّئِيمَةُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِلْأَحْمَقِ وَالْعَبْدِ لِمَا فِيهِ مِنَ الذِّلَّةِ، وَلِلْجَحْشِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخِفَّةِ، وَلِلصَّبِيِّ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ، وَيُقَالُ لِلذَّلِيلِ الَّذِي تَكُونُ نَفْسُهُ كَالْعَبِيدِ، وَأُرِيدَ بِهِ هَاهُنَا الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ، وَلَا يُحْمَدُ لَهُ خُلُقٌ، انْتَهَى.
وَبِهَذَا ظَهَرَ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَقِّ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: " أَثِمَ لُكَعُ "، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الصَّغِيرِ قَدْرًا وَجُثَّةً، بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ مِنَ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ لِلْمَرَامِ، وَلِذَا قِيلَ: يُقَالُ لِلصَّبِيِّ
стр. 7380
الصَّغِيرِ لُكَعٌ مَصْرُوفًا، ذَهَابًا إِلَى صِغَرِ جُثَّتِهِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَبْدِ وَاللَّئِيمِ وَالْأَحْمَقِ لِصِغَرِ قَدْرِهِمْ، فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَيَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ بِلُكَعَ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي مِنْ: الصَّغِيرِ، وَالْحَقِيرِ، وَالْعَبْدِ، وَالْأَحْمَقِ، وَاللَّئِيمِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ لَيْسَ بِمَعْدُولٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِثْلُ صَرِدٍ وَنَغِرٍ، فَحَقُّهُ أَنْ يُنَوَّنَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْدُول، وَفِي الْقَامُوسِ: اللُّكَعُ كَصَرِدِ اللَّئِيمِ وَالْعَبْدِ الْأَحْمَقِ، وَمَنْ لَا يَتَّجِهُ لِمَنْطِقٍ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَالْمُهْرِ، وَالصَّغِيرِ، وَالْوَسِخِ، وَيَقُولُ فِي النِّدَاءِ: يَا لُكَعُ، وَلَا يُصْرَفُ فِي الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ عَنِ اللُّكَعِ، انْتَهَى، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنْ يَكُونَ لُكَعُ هُنَا مَصْرُوفًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَدْلِ وَالصِّفَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: فِي سُنَنِهِ (والْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) ، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالضِّيَاءُ.
وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ» "، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ الزُّهْدُ رِوَايَةً وَالدِّرْعُ تَصَنُّعًا، وَرَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ» ، وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ الْبَيْتُ» ، وَرَوَى السِّجْزِيُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ سَبْعُونَ كَذَّابًا، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ» . وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ بَابِ الْمَلَاحِمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُشْتَمِلِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ عَلَامَةً لِقِيَامِ السَّاعَةِ، مُسْتَوْفًى الْكَلَامُ عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 7381
٥٣٦٦ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنِي «مَنْ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: إِنَّا لَجُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَاطَّلَعَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، مَا عَلَيْهِ إِلَّا بُرْدَةٌ لَهُ مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوٍ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَكَى لِلَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ، وَرَاحَ فِي حُلَّةٍ؟ وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ وَرُفِعَتْ أُخْرَى، وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ، نَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ، وَنُكْفَى الْمُؤْنَةَ. قَالَ: " لَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٣٦٦ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ) بِضَمِّ قَافٍ وَفَتْحِ رَاءٍ فَظَاءٍ مُعْجَمَةٍ نِسْبَةً إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، طَائِفَةٍ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّابِعِينَ وَقَالَ: سَمِعَ نَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمِنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ أَبُوهُ مِمَّنْ لَمْ يَثْبُتْ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَتُرِكَ.
(قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) لَمْ يُسَمَّ هَذَا السَّامِعُ، لَكِنْ تَابِعِيٌّ تُغْفَرُ جَهَالَتُهُ، مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ صَحَابِيًّا آخَرَ، فَتَدَبَّرْ، (قَالَ) أَيْ: عَلِيٌّ ﵁ (إِنَّا لَجُلُوسٌ) أَيْ: جَالِسُونَ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ: مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَسْجِدِ قِبَاءٍ (فَاطَّلَعَ) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ، أَيْ: فَظَهَرَ (عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ، وَعُمَيْرٌ مُصَغَّرٌ (مَا عَلَيْهِ) أَيْ: لَيْسَ عَلَى بَدَنِهِ (إِلَّا بُرْدَةٌ لَهُ) أَيْ: كِسَاءٌ مَخْلُوطُ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ (مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوٍ) ، أَيْ: مُرَقَّعَةٌ بِجِلْدٍ، قَالَ مِيرَكُ: هُوَ قُرَشِيٌّ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَرَكَ النِّعْمَةَ وَالْأَمْوَالَ بِمَكَّةَ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ السَّاكِنِينَ فِي مَسْجِدِ قِبَاءٍ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: عَبْدَرِيٌّ كَانَ مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ، هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي أَوَّلِ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مُصْعَبًا بَعْدَ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ، وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنْعَمِ النَّاسِ عَيْشًا وَأَلْيَنِهِمْ لِبَاسًا، فَلَمَّا أَسْلَمَ زَهَدَ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَعَثَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ أَنْ بَايَعَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى، فَكَانَ يَأْتِي الْأَنْصَارَ فِي دُورِهِمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُسْلِمُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، حَتَّى فَشَا الْإِسْلَامُ فِيهِمْ، فَكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يَجْمَعَ بِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ السَبْعِينَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَفِيهِ نَزَلَ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ دُخُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَارَ الْأَرْقَمِ. (فَلَمَّا رَآهُ) أَيْ: أَبْصَرَ مُصْعَبًا بِتِلْكَ الْحَالِ الصَّعْبَاءِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَكَى لِلَّذِي) أَيْ: لِلْأَمْرِ الَّذِي (كَانَ فِيهِ) أَيْ: قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (مِنَ النِّعْمَةِ
стр. 7382
وَالَّذِي هُوَ فِيهِ) أَيْ: وَلِلْأَمْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنَ الْمِحْنَةِ وَالْمَشَقَّةِ (الْيَوْمَ) أَيْ: فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ، وَالظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ أَنَّ بُكَاءَهُ ﵊ إِنَّمَا كَانَ رَحْمَةً لَهُ وَشَفَقَةً عَلَيْهِ لِمَا رَآهُ مِنْ فَقْرِهِ وَفَاقَتِهِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ عَزِيزًا فِي قَوْمِهِ، وَمُنْغَمِسًا فِي نِعْمَتِهِ، لَكِنْ يُنَافِيهِ بَعْضَ الْمُنَافَاةِ مَا وَقَعَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عُمَرَ، حَيْثُ بَكَى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُضْطَجِعًا عَلَى حَصِيرِ سَرِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَقَدْ أَثَّرَ الْحَصِيرُ عَلَى بَدَنِهِ الشَّرِيفِ، وَتَذَكَّرَ عُمَرُ تَنَعُّمَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فَقَالَ لَهُ: " أَنْتَ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَا عُمَرُ؟ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْبُكَاءُ عَلَى الْفَرَحِ فِي أَنَّهُ وَجَدَ فِي أُمَّتِهِ مَنِ اخْتَارَ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالَ عَلَى الْعُقْبَى، أَوْ عَلَى الْحُزْنِ فِي فَقْدِ مَا عِنْدَهُ مِنْ بَعْضِ الْمُسَاعَدَةِ لِبَعْضِ الْكِسْوَةِ، أَوْ لِمُعَاوَنَةٍ فِي بَعْضِ الْمَعِيشَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَيُؤَيِّدُ تَأْوِيلَنَا نَقْلُ الرَّاوِي.
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَيْفَ ") أَيِ: الْحَالُ (" بِكُمْ إِذَا غَدَا ") أَيْ: ذَهَبَ أَوَّلَ النَّهَارِ (" أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ ") بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ، أَيْ: فِي ثَوْبٍ، أَوْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ (" وَرَاحَ ") أَيْ: ذَهَبَ آخِرَ النَّهَارِ (فِي حُلَّةٍ ") ؟ أَيْ أُخْرَى مِنَ الْأُولَى.
قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: أَيْ: كَيْفَ يَكُونُ حَالُكُمْ إِذَا كَثُرَتْ أَمْوَالُكُمْ بِحَيْثُ يَلْبَسُ كُلٌّ مِنْكُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ حُلَّةً وَآخِرَهُ أُخْرَى مِنْ غَايَةِ التَّنَعُّمِ؟ (" وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ ") أَيْ: قَصْعَةٌ مِنْ مَطْعُومٍ (" وَرُفِعَتْ أُخْرَى ") أَيْ: مِنْ نَوْعٍ آخَرَ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُتْرَفِينَ مِنْ طَائِفَةِ الْأَرْوَامِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ أَصْنَافِ الْأَطْعِمَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْأَطْبَاقِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُتَنَعِّمِينَ مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْجَامِ (" وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ ") بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا أَيْ: جُدْرَانَهَا، وَالْمَعْنَى: زَيَّنْتُمُوهَا بِالثِّيَابِ النَّفِيسَةِ مِنْ فَرْطِ التَّنْعِيمِ، (" كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ ") وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَتْرَهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهَا لِامْتِيَازِهَا.
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ ") وَبَيَّنُوا سَبَبَ الْخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ مُسْتَأْنَفًا فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ (نَتَفَرَّغُ) أَيْ: عَنِ الْعَلَائِقِ وَالْعَوَائِقِ (لِلْعِبَادَةِ) ، أَيْ بِأَنْفُسِنَا (وَنُكْفَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُتَكَلِّمِ (الْمُؤْنَةَ) أَيْ: بِخَدَمِنَا، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَالْمَعْنَى: نَدْفَعُ عَنَّا تَحْصِيلَ الْقُوتِ لِحُصُولِهِ بِأَسْبَابٍ مُهَيَّأَةٍ لَنَا، فَنَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ مِنْ تَحْصِيلِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْعَمَلِ بِالْخَيْرَاتِ الْمَدَنِيَّةِ، وَالْمَبَرَّاتِ الْمَالِيَّةِ (قَالَ) وَفَى نُسْخَةٍ فَقَالَ: (" لَا ") أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَنْتُمْ (" أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ ") ; لِأَنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي لَهُ كَفَافُ خَيْرٍ مِنَ الْغَنِيِّ لِأَنَّ الْغَنِيَّ يَشْتَغِلُ بِدُنْيَاهُ وَلَا يَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ مِثْلَ مَنْ لَهُ كَفَافٌ لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ بِتَحْصِيلِ الْمَالِ، فَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي تَفْضِيلِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ عَلَى الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، فَإِنَّ الْغَنِيَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابَةِ وَهُمْ أَقْوِيَاءُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَمَا بَالُ غَيْرِهِمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي الْفِرْدَوْسِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَا زُوِيَتِ الدُّنْيَا عَنْ أَحَدٍ إِلَّا كَانَتْ خَيْرَةً لَهُ» ، أَقُولُ: قَوْلُهُ: عَنْ أَحَدٍ عَلَى عُمُومِهِ، فَإِنَّ الْكَافِرَ الْفَقِيرَ عَذَابُهُ أَخَفُّ مِنَ الْكَافِرِ الْغَنِيِّ فِي النَّارِ، فَإِذَا نَفَعَ الْفَقْرُ الْكَافِرَ فِي تِلْكَ الدَّارِ، فَكَيْفَ لَا يَنْفَعُ الْمُؤْمِنَ الصَّابِرَ فِي دَارِ الْقَرَارِ؟ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7383
٥٣٦٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانُ، الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا.
ــ
٥٣٦٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ ") أَيْ: فِي أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ (" عَلَى دِينِهِ ") أَيْ: عَلَى حِفْظِ أَمْرِ دِينِهِ بِتَرْكِ دُنْيَاهُ (" كَالْقَابِضِ ") أَيْ: كَصَبْرِ الْقَابِضِ فِي الشِّدَّةِ وَنِهَايَةِ الْمِحْنَةِ (" عَلَى الْجَمْرِ ") : جَمْعُ الْجَمْرَةِ هِيَ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْجُمْلَةُ صِفَةُ " زَمَانٌ "، وَالرَّاجِعُ مَحْذُوفٌ أَيِ: الصَّابِرُ فِيهِ، وَفِيهِ أَنَّ الرَّابِطَ مَذْكُورٌ فِيهِ بِقَوْلِهِ (فِيهِمْ) كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ سَابِقًا، قَالَ: وَالْمَعْنَى كَمَا لَا يَقْدِرُ الْقَابِضُ عَلَى الْجَمْرِ أَنْ يَصْبِرَ بِإِحْرَاقِ يَدِهِ، كَذَلِكَ
стр. 7384
الْمُتَدَيِّنُ يَوْمَئِذٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى ثَبَاتِهِ عَلَى دِينِهِ لِغَلَبَةِ الْعُصَاةِ وَالْمَعَاصِي، وَانْتِشَارِ الْفِسْقِ وَضَعْفِ الْإِيمَانِ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ: كَمَا لَا يُمْكِنُ الْقَبْضُ عَلَى الْجَمْرَةِ إِلَّا بِصَبْرٍ شَدِيدٍ، وَتَحَمُّلِ غَلَبَةِ الْمَشَقَّةِ، كَذَلِكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يُتَصَوَّرُ حِفْظُ دِينِهِ وَنُورُ إِيمَانِهِ إِلَّا لِصَبْرٍ عَظِيمٍ وَتَعَبٍ جَسِيمٍ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ يَكُونُ أَقْوَى، فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ، فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ مَا أَحَدٌ يَصْبِرُ عَلَى قَبْضِ الْجَمْرِ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقْبَضُ عَلَى الْجَمْرِ أَيْضًا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ عَلَى أَمْرٍ أَعْظَمَ مِنْهُ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ، أَوْ إِحْرَاقٍ، أَوْ إِغْرَاقٍ وَنَحْوِهَا ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: ٨١] وَقَدْ أَشَارَ الشَّاطِبِيُّ ﵀ فِي زَمَانِهِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ:
وَهَذَا زَمَانُ الصَّبْرِ مَنْ لَكَ بِالَّتِي ... كَقَبْضٍ عَلَى جَمْرٍ فَتَنْجُو مِنَ الْبَلَا
قَالَ الْجَعْبَرِيُّ: أَيْ: هَذَا الزَّمَانُ زَمَانُ الصَّبْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُنْكِرَ الْمَعْرُوفُ وَعُرِفَ الْمُنْكَرُ وَفَسَدَتِ النِّيَّاتُ، وَظَهَرَتِ الْخِيَانَاتُ، وَأُوذِيَ الْمُحِقُّ، وَأُكْرِمَ الْمُبْطِلُ، فَمَنْ يَسْمَعُ لَك بِالْحَالَةِ الَّتِي لُزُومُهَا فِي الشِّدَّةِ كَالْقَابِضِ عَلَى جَمْرِ النَّارِ، فَقَدْ رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: " «ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلٍّ بِرَأْيهِ، فَعَلَيْكَ خَاصَّةُ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ» "، انْتَهَى. (" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا) . قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: هَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ لَهُ ثُلَاثِيًّا، وَفِي سَنَدِهِ عُمَرُ بْنُ شَاكِرٍ شَيْخُ التِّرْمِذِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، انْتَهَى، وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ فِيهِ أَذَلَّ مِنْ شَاتِهِ.
стр. 7385
٥٣٦٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنِكُمْ، فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٣٦٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِذَا كَانَ ") وَلَفْظُ الْجَامِعِ: إِذَا كَانَتْ (أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ) أَيْ: أَتْقِيَاءَكُمْ (وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ) أَيْ: أَسْخِيَاءَكُمْ، وَاحِدَةُ سَمْحٍ، فَكَأَنَّهُ جَمْعُ سَمِيحٍ بِمَعْنَى سَمْحٍ (" وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ ") مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّشَاوُرِ أَيْ: ذَوَاتُ شُورَى عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ مُتَشَاوَرٍ فِيهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، وَالْمَعْنَى: مَا دُمْتُمْ مُتَشَاوِرِينَ فِي أُمُورِكُمْ، (فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا) أَيْ: لِأَجْلِ أَنَّهُمْ عَامِلُونَ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ، وَطُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ (وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ) أَيْ: بِالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ (وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ) أَيْ: بِقِلَّةِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ (وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ) أَيْ: مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِهِنَّ، وَالْحَالُ أَنَّهُنَّ مِنْ نَاقِصَاتِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ، وَقَدْ وَرَدَ: شَاوِرُوهُنَّ وَخَالِفُوهُنَّ، وَفِي مَعْنَاهُنَّ كُلُّ مَنْ يَكُونُ فِي مَرْتَبَةِ حَالِهِنَّ مِنَ الرِّجَالِ مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ حُبُّ الْجَاهِ وَالْمَالِ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا يَتَعَلَّقُ بِضَرَرِ الدِّينِ وَوَبَالِ الْمَالِ، (فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا) أَيْ: فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَغْلِبْ خَيْرُهُ شَرَّهُ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 7386
٥٣٦٩ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا "، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ "، قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: " حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
ــ
٥٣٦٩ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ) : وَهُوَ مَوْلَى لِلنَّبِيِّ ﷺ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يُوشِكُ الْأُمَمُ) أَيْ: يَقْرُبُ فِرَقُ الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ (" أَنْ تَدَاعَى ") : حَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، أَيْ: تَتَدَاعَى (عَلَيْكُمْ) :
стр. 7387
بِأَنْ يَدْعُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِمُقَاتَلَتِكُمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِكُمْ وَسَلْبِ مَا مَلَكْتُمُوهُ مِنَ الدِّيَارِ وَالْأَمْوَالِ (كَمَا تَدَاعَى) أَيْ: تَتَدَاعَى (الْأَكَلَةُ) بِالْمَدِّ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ عَلَى نَعْتِ الْفِئَةِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، كَذَا رَوَى لَنَا عَنْ كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِهِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀. وَلَوْ رُوِيَ الْأَكَلَةُ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ آكِلٍ اسْمِ فَاعِلٍ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ، وَالْمَعْنَى: كَمَا يَدْعُو أَكَلَةُ الطَّعَامِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (إِلَى قَصْعَتِهَا) أَيِ: الَّتِي يَتَنَاوَلُونَ مِنْهَا بِلَا مَانِعٍ وَلَا مُنَازِعٍ، فَيَأْكُلُونَهَا عَفْوًا صَفْوًا، كَذَلِكَ يَأْخُذُونَ مَا فِي أَيْدِيكُمْ بِلَا تَعَبٍ يَنَالُهُمْ، أَوْ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُمْ، أَوْ بَأْسٍ يَمْنَعُهُمْ.
(فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَقَوْلُهُ: (نَحْنُ يَوْمَئِذٍ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ صِفَةٌ لَهَا، أَيْ: أَذَلِكَ التَّدَاعِي لِأَجْلِ قِلَّةٍ نَحْنُ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ (قَالَ: " بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثْرَةٌ ") أَيْ: عَدَدًا وَقَلِيلٌ مَدَدًا، وَهَذَا مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ بِقَوْلِهِ: (" وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ ") بِالضَّمِّ مَمْدُودًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: (" كَغُثَاءِ السَّيْلِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ بِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا مَا يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِنْ زَبَدٍ وَوَسَخٍ، شَبَّهَهُمْ بِهِ لِقِلَّةِ شَجَاعَتِهِمْ، وَدَنَاءَةِ قَدْرِهِمْ، وَخِفَّةِ أَحْلَامِهِمْ، وَخُلَاصَتُهُ: وَلَكِنَّكُمْ تَكُونُونَ مُتَفَرِّقِينَ، ضَعِيفِي الْحَالِ، خَفِيفِي الْبَالِ، مُشَتَّتِي الْآمَالِ، ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَهُ بِعَطْفِ الْبَيَانِ فَقَالَ: (وَلَيَنْزِعَنَّ) أَيْ: لَيُخْرِجَنَّ (اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ) أَيِ: الْخَوْفَ وَالرُّعْبَ (مِنْكُمْ) أَيْ: مِنْ جِهَتِكُمْ (" وَلَيَقْذِفَنَّ ") بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ: وَلَيَرْمِيَنَّ أَيِ: اللَّهُ (" فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ ") أَيِ: الضَّعْفَ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَهْنِ مَا يُوجِبُهُ ; وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا وَكَرَاهَةِ الْمَوْتِ حَيْثُ قَالَ: (قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا الْوَهْنُ) ؟ أَيْ مَا سَبَبُهُ وَمَا مُوجِبُهُ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: سُؤَالٌ عَنْ نَوْعِ الْوَهْنِ، أَوْ كَأَنَّهُ أَرَادَ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ الْوَهْنُ (قَالَ: " حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهَةُ الْمَوْتِ ") وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَكَأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، يَدْعُوهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ فِي الدِّينِ مِنَ الْعَدُوِّ الْمُبِينِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَقَدِ ابْتُلِينَا بِذَلِكَ، فَكَأَنَّمَا نَحْنُ الْمَيِّتُونَ بِمَا ذُكِرَ هُنَالِكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، أَيْ فِي سُنَنِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ") .
стр. 7388
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٣٧٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلَا نَقَصَ قَوْمُ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا قَطَعَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ، وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ، وَلَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ ". رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٣٧٠ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَيْ: مَوْقُوفًا (قَالَ: " مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ ") بِالضَّمِّ أَيْ: خِيَانَةُ الْمَغْنَمِ (" فِي قَوْمٍ إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ") بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا أَيْ: خَوْفَ الْعَدُوِّ (" وَلَا فَشَا الزِّنَا ") أَيِ: انْتَشَرَ (" فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ ") أَيْ: بِالْوَبَاءِ أَوِ الطَّاعُونِ أَوْ مَوْتِ الْقَلْبِ أَوْ مَوْتِ الْعُلَمَاءِ (" وَلَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ") أَيْ: وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا كَالذِّرَاعِ وَالْعَدَدِ مِنْ طَرِيقِ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ (" إِلَّا قَطَعَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ ") أَيِ: الْحَلَالَ أَوْ بَرَكَةَ الرِّزْقِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ (" وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ ") أَيْ: مِنَ الْحُكَّامِ (" بِغَيْرِ حَقٍّ ") أَيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ أَوْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فِي أَحْكَامِهِمُ الْفَاسِدَةِ، بَلْ آرَائِهِمُ الْكَاسِدَةِ (" إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ ") أَيِ: الْقَتْلُ، وَالْمُرَادُ مَا يَنْجَرُّ إِلَيْهِ (" وَلَا خَتَرَ ") بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَوْقِيَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] أَيْ: غَدَرَ (" قَوْمٌ بِالْعَهْدِ ") أَيْ: يَنْقُضُهُ خَدِيعَةً رَجَاءَ الْغَلَبَةِ (" إِلَّا سُلِّطَ ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: بِتَسْلِيطِ اللَّهِ (" عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ ". رَوَاهُ مَالِكٌ) أَيْ: فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ مِنَ الْمُوَطَّأِ.
стр. 7389
[بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الْفِتَنِ]
стр. 7390
[٨] بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الْفِتَنِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٣٧١ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: " أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقَتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ وَأَنْزَلَتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا فَقُلْتُ: رَبِّ! إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي، فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً، قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا أَخْرَجُوكَ وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقُ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
[٨] بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الْفِتَنِ
كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ مِنْ غَيْرِ تَرْجَمَةٍ وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوِ الْبَاءُ سَاكِنٌ عَلَى الْوَقْفِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بَابٌ فِي ذِكْرِ الْإِنْذَارِ وَالتَّحْذِيرِ، أَيْ: التَّخْوِيفُ وَالتَّذْكِيرُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٣٧١ - (عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ) بِضَمِّ الْمِيمِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَكَانَ صَدِيقًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدِيمًا، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ تَمِيمِيٌّ يُعَدُ فِي الْبَصْرِيِّينَ، (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ) أَيِ: الْمَعْرُوفَةُ أَوْ فِي مَوْعِظَتِهِ (" أَلَا ") بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (" إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي ") : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيَانِ " مَا " أَوْ تَبْعِيضِيَّةٍ عَلَى أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ خَبَرٌ لِمَا بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ، أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَّمَنِي (" يَوْمِي هَذَا ") أَيْ: بِمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِخُصُوصِهِ (كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ) أَيْ: أَعْطَيْتُهُ (عَبْدًا) أَيْ: مِنْ عِبَادِي وَمَلَّكْتُهُ إِيَّاهُ، فَلَا يَدْخُلُ الْحَرَامُ (حَلَالٌ) أَيْ: فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُحَرِّمَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَيَمْنَعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي أَمْلَاكِهِمْ، وَهَذَا مِنْ مَقُولِ اللَّهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ) أَيْ: مُسْتَعِدِّينَ لِقَبُولِ الْحَقِّ وَمَائِلِينَ إِلَيْهِ عَنِ الْبَاطِلِ (كُلَّهُمْ) أَيْ: جَمِيعُهُمْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» " وَهِيَ التَّوْحِيدُ الْمُطْلَقُ، وَمَا بِهِ يَتَعَلَّقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أَيْ: لَا تُبَدِّلُوا مَخْلُوقَاتِهِ بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَنَحْوِهَا: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] أَيِ الْمُسْتَقِيمِ، فَلَا تَعْدِلُوا عَنِ الْجَادَّةِ إِلَى الطَّرِيقِ الزَّائِغَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] أَيْ: عَنْ طَرِيقِهِ الْحَقِيقِيِّ الْوَاصِلِ إِلَيْهِ، الْمَقْبُولِ لَدَيْهِ لِمَنْ أَرَادَ الْمِنَّةَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ضَلَالَةِ الْخَلَقِ وَغَوَايَتِهِمْ عَنِ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّهُمْ) أَيْ: عِبَادِي الْحُنَفَاءُ (أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ) ، أَيْ جَاءُوهُمْ بِالْوَسْوَسَةِ (فَاجْتَالَتْهُمْ) أَيْ: صَرَفَتْهُمْ وَسَاقَتْهُمْ مَائِلِينَ (عَنْ دِينِهِمْ) مِنِ اجْتَالَهُ أَيْ سَاقَهُ وَذَهَبَ بِهِ، وَقِيلَ: الِافْتِعَالُ بِهَا لِلْحَمْلِ عَلَى الْفِعْلِ، كَاخْتَطَبَ زَيْدٌ عُمَرَ أَيْ حَمَلَهُ عَلَى الْخُطْبَةِ، فَالْمَعْنَى: حَمَلَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَلَى جَوَلَانِهِمْ وَمَيَلَانِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ (وَحَرَّمَتْ) أَيْ: الشَّيَاطِينُ (عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ) أَيْ: مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَتَوْضِيحُهُ مَا حَقَّقَهُ الْقَاضِي حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ حِكَايَةُ مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَوْحَى إِلَيْهِ فِي يَوْمِهِ هَذَا، وَالْمَعْنَى: مَا أَعْطَيْتُ عَبْدًا مِنْ مَالٍ فَهُوَ حَلَالٌ لَهُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ الْحَرَامُ رِزْقًا، لِأَنَّ كُلَّ رِزْقٍ سَاقَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عَبْدِهِ نَحَلَهُ وَأَعْطَاهُ، وَكُلُّ مَا نَحَلَهُ وَأَعْطَاهُ فَهُوَ حَلَالٌ، فَيَكُونُ كُلُّ رِزْقٍ رَزَقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ هُوَ حَلَالٌ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا لَيْسَ بِحَلَالٍ لَيْسَ بِرِزْقٍ ; لِأَنَّا نَقُولُ: الرِّزْقُ أَعَمُّ مِنَ الْإِعْطَاءِ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّمْلِيكَ، وَلِذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَعْطَتْهُ أَلْفًا بَانَتْ وَدَخَلَ الْأَلْفُ فِي مِلْكِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الرِّزْقُ، (وَأَمَرَتْهُمْ) أَيِ: الشَّيَاطِينُ لَهُمْ (أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا) أَيْ: إِشْرَاكًا أَوْ شَيْئًا (لَمْ أُنْزِلْ بِهِ) أَيْ: بِوُجُودِهِ (سُلْطَانًا) أَيْ: حُجَّةً وَبُرْهَانًا سُمِّيَتْ بِهِ لِتَسَلُّطِهِ عَلَى الْقُلُوبِ عِنْدَ هُجُومِ الْخَوَاطِرِ عَلَيْهَا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَالْمَعْنَى: مَا لَيْسَ عَلَى إِشْرَاكِهِ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ وَلَا نَقْلِيٌّ ; إِذْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَبَيَّنَهُ ،
следующие страницы →