← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

٤٢٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَكَانَ أَحَدُنَا يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٤٢٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» ) : أَيْ: مَفْرُوضَةٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ. قَالَهُ مِيرَكُ. (وَكَانَ أَحَدُنَا يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ) : مِنَ الْإِحْدَاثِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ثُمَّ نُسِخَ بِشَهَادَةِ الْحَدِيثِ الْآتِي. قَالَ السَّخَاوِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ خَاصَّةً، ثُمَّ نُسِخَ يَوْمَ الْفَتْحِ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ ﵊ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ فَقَالَ: (عَمْدًا صَنَعْتُهُ) . قَالَ: وَيَحْتَمِلُ إِنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ اسْتِحْبَابًا ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يُظَنَّ وُجُوبُهُ فَتَرَكَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. قُلْتُ: وَهَذَا أَقْرَبُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ النَّسْخِ فَهُوَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ سُوِيدِ بْنِ النُّعْمَانِ، فَإِنَّهُ كَانَ بِخَيْبَرَ وَهِيَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِزَمَانٍ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ. أَقُولُ: وَحَدِيثُ ابْنِ النُّعْمَانِ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَلْيُتَأَمَّلْ. قَالَ الشَّيْخُ: وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ حَدَّثَتْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ وَضَعَ عَنْهُ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَذَا حَرَّرَهُ مِيرَكُ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) : وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: قُلْتُ: وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ وَلَفْظُهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ.

стр. 737

٤٢٦ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، قَالَ: «قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ وُضُوءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، عَمَّنْ أَخَذَهُ؟ فَقَالَ: حَدَّثَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْغَسِيلِ حَدَّثَهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَوُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ. قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ، فَفَعَلَهُ حَتَّى مَاتَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٤٢٦ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: تَابِعِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَعَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ بِفَتْحِ الْحَاءِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْمُغْنِي وَشَرْحِ الْمِشْكَاةِ لِابْنِ حَجَرٍ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ: يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ، وَهُوَ شَيْخُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَكَانَ يُعَظِّمُهُ، وَحِبَّانُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ نَقْلُ الْعَسْقَلَانِيِّ فِي تَحْرِيرِ الْمُشْتَبَهِ. (قَالَ: قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَرَأَيْتَ وُضُوءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ عَمَّنْ أَخَذَهُ؟) : مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنَى أَرَأَيْتَ أَيْ: أَخْبِرْنِي عَمَّنْ أَخَذَهُ، وَالضَّمِيرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ الْوُضُوءُ الْمَخْصُوصُ (فَقَالَ) : أَيْ: عُبَيْدُ اللَّهِ (حَدَّثَتْهُ) : أَيْ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ. تَأَمَّلْ. قَالَهُ السَّيِّدُ. (أَسْمَاءُ) : قَالَ مِيرَكُ: هُوَ مَعْنَى مَا قَالَهُ لَا مَا تَلَفَّظَ بِهِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ حَدَّثَتْنِي، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١٢] ، قُرِئَ بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ فَالْيَاءُ التَّحْتَانِيَّةُ هِيَ أَدَاءُ لَفْظِ مَا يُوعَدُونَهُ بِعَيْنِهِ، وَالتَّاءُ الْفَوْقَانِيَّةُ أَدَاءُ لَفْظِ مَعْنَى مَا يُوعَدُونَهُ لَا لَفْظُهُ، فَالْقَائِلُ فِي قَوْلِهِ فَقَالَ حَدَّثَتْهُ هُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: أَرَأَيْتَ (بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ) : هُوَ أَخُو عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ حِينَ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ رَآهُ وَرَوَى عَنْهُ، كَانَ حَبْرًا فَاضِلًا مُقَدَّمًا فِي الْأَنْصَارِ، وَقَدْ بُويِعَ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى خَلْعِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ (ابْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الْغَسِيلِ) : بِالْجَرِّ صِفَةُ حَنْظَلَةَ، رَوَى عَنْ عُرْوَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِامْرَأَةِ حَنْظَلَةَ: " مَا كَانَ شَأْنُهُ؟ " قَالَتْ: جُنُبًا وَغَسَلْتُ إِحْدَى شِقَّيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْهَيْعَةَ خَرَجَ فَقُتِلَ. أَيْ: يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ» " ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (حَدَّثَهَا) : أَيْ: حَدَّثَ عَبْدُ اللَّهِ أَسْمَاءَ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ فِي الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى فَخَامَةِ السِّوَاكِ حَيْثُ أُقِيمَ مَقَامَ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، وَكَادَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ (وَوُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ) : أَيْ: وُجُوبُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ) : أَيْ: مِنْ حُدُوثِ حَدَثٍ حَقِيقِيٍّ أَوْ حُكْمِيٍّ (قَالَ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (يَرَى) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا أَيْ يَظُنُّ (أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ) : أَيِ: اسْتِطَاعَةً عَلَى نَحْوِ فِعْلِهِ ﵊ قَبْلَ النَّسْخِ (فَفَعَلَهُ) : أَيِ: الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ (حَتَّى مَاتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ: وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَقَدْ رَوَاهُ بِالْعَنْعَنَةِ وَهُوَ مُدَلِّسٌ.

стр. 738

٤٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ ! قَالَ: " نَعَمْ! وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ) : أَيِ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (وَهُوَ يَتَوَضَّأُ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ؛ يَعْنِي وَهُوَ يُسْرِفُ فِي وُضُوئِهِ إِمَّا فِعْلًا كَالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ، وَإِمَّا قَدْرًا كَالزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فِي الِاسْتِعْمَالِ (فَقَالَ) : ﵊ (" مَا هَذَا السَّرَفُ ") بِفَتْحَتَيْنِ ; بِمَعْنَى الْإِسْرَافِ (" يَا سَعْدُ؟ ") خَاطَبَهُ

стр. 739

لِلزَّجْرِ أَوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْإِسْرَافَ يُعَدُّ مِنَ الْبُعْدِ أَوِ التَّقْرِيبِ وَالتَّلَطُّفِ مَعَهُ، وَهَذَا أَقْرَبُ وَبِجَوَابِهِ أَنْسَبُ (قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟) بِنَاءً عَلَى مَا قِيلَ: لَا خَيْرَ فِي سَرَفٍ وَلَا سَرَفَ فِي خَيْرٍ، فَظَنَّ أَنْ لَا إِسْرَافَ فِي الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ. قَالَ: " نَعَمْ " فِيهِ إِسْرَافٌ (" وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ ") بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا (" جَارٍ ") فَإِنَّهُ فِيهِ (إِسْرَافُ الْوَقْتِ وَتَضْيِيعُ الْعُمُرِ، أَوْ تَجَاوُزًا عَنِ الْحَدِّ الشَّرْعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ تَتْمِيمٌ لِإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ: نَعَمْ ذَلِكَ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ فِيمَا لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهِ التَّبْذِيرُ فَكَيْفَ بِمَا تَفْعَلُهُ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْإِسْرَافِ الْإِثْمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

стр. 740

٤٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ جَسَدَهُ كُلَّهُ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، لَمْ يُطَهِّرْ إِلَّا مَوْضِعَ الْوُضُوءِ» ". ــ ٤٢٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ) حَقُّهُمَا أَنْ يُقَدَّمَا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ بِلَفْظِهِ (عَنِ النَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: (" «مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ» ") : أَيْ: فِي أَوَّلِ وُضُوئِهِ (" فَإِنَّهُ يَطْهُرُ ") : مِنَ التَّطْهِيرِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ (" جَسَدُهُ ") : أَيْ: مِنَ الذُّنُوبِ (" كُلُّهُ ") : تَأْكِيدٌ لِلْجَسَدِ، وَفِي نُسْخَةٍ: يَطْهُرُ كَيَنْصُرُ فَيُرْفَعُ " جَسَدُهُ وَكُلُّهُ " (" «وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يُطَهِّرْ» ") بِالْوَجْهَيْنِ (" إِلَّا مَوْضِعَ الْوُضُوءِ ") : أَيْ: إِلَّا ذُنُوبَ الْمَوَاضِعِ الْمَخْصُوصَةِ؛ يَعْنِي مِنَ الصَّغَائِرِ.

стр. 741

٤٢٩ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ حَرَّكَ خَاتَمَهُ فِي أُصْبُعِهِ» . رَوَاهُمَا الدَّرَاقُطْنِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الْأَخِيرَ. ــ ٤٢٩ - (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ (إِذَا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ) : احْتِرَازٌ عَنْ غَسْلِ الْيَدِ، فَإِنَّهُ وُضُوءٌ لُغَوِيٌّ (حَرَّكَ خَاتَمَهُ) : بِالْفَتْحِ وَيُكْسَرُ (فِي أُصْبُعِهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَفِي الْقَامُوسِ: بِتَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ أَيْ: لِأَنَّ اسْتِيعَابَ الْغَسْلِ فَرْضٌ، فَيُسَنُّ تَحْرِيكُ الْخَاتَمِ إِذَا ظُنَّ وُصُولُ الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ، وَإِلَّا فَيَجِبُ تَحْرِيكُهُ (رَوَاهُمَا) : أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ (الدَّارَقُطْنِيُّ) : وَسَنَدُهُمَا حَسَنٌ. (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الْأَخِيرَ) وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ.

стр. 742

[بَابُ الْغُسْلِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٣٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (٥) بَابُ الْغُسْلِ هُوَ بِالضَّمِّ غُسْلٌ مَخْصُوصٌ، وَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ، وَبِالْكَسْرِ مَا يُغْسَلُ بِهِ، وَقِيلَ: بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ مَصْدَرٌ، وَقِيلَ: الْمَضْمُومُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفِعْلِ وَمَاءِ الْغُسْلِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: هُوَ لُغَةً: سَيَلَانُ الْمَاءِ عَلَى الْبَدَنِ، وَشَرْعًا: سَيَلَانُهُ عَلَيْهِ مَعَ التَّعْمِيمِ بِالنِّيَّةِ غَيْرَ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ أَعَمُّ مِنَ السَّيَلَانِ وَالْإِسَالَةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالسَّيَلَانِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَمَعَ هَذَا تَخْصِيصُهُ بِالْبَدَنِ لَا وَجْهَ لَهُ، ثُمَّ تَقْيِيدُهُ شَرْعًا بِالنِّيَّةِ إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ قُيِّدَ لِلْكَمَالِ عِنْدَ الْكُلِّ.

стр. 743

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٣٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" إِذَا جَلَسَ ") : أَيْ: أَحَدُكُمْ، كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (" بَيْنَ شُعَبِهَا ") أَيِ: الْمَرْأَةِ (" الْأَرْبَعِ ") : أَيْ: يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا، وَقِيلَ: رِجْلَيْهَا وَطَرَفَيْ فَرْجِهَا، وَرَجَحَ الثَّانِي بِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ سَائِرَ هَيْئَاتِ الْجِمَاعِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ; فَإِنَّهُ يُوهِمُ التَّخْصِيصَ بِهَيْئَةِ الِاسْتِلْقَاءِ، وَبِأَنَّهُ لَا قُبْحَ فِي ذِكْرِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَلَوْ أُرِيدَتْ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا عَنْهَا بِخِلَافِ الشَّفْرَيْنِ فَإِنَّهُ يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُهُمَا، فَكَنَّى بِالشُّعَبِ لِأَجْلِهِمَا، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لَكِنَّ فِي قَوْلِهِ: (يَتَنَاوَلُ سَائِرَ الْهَيْئَاتِ) مَحَلَّ بَحْثٍ ; لِأَنَّ قَيْدَ الْجُلُوسِ يَأْبَاهُ إِلَّا أَنْ يُقَيِّدَ سَائِرَ هَيْئَاتِ الْجُلُوسِ فَتَدَبَّرْ، وَقِيلَ: فَخِذَاهَا وَاسْتَاهَا، وَقِيلَ: يَدَاهَا وَشَفْرَاهَا، وَقِيلَ: الرِّجْلَانِ وَالْفَخِذَانِ، وَقِيلَ: (الْفَخِذَانِ وَالشَّفْرَانِ، وَقِيلَ: نَوَاحِي فَرْجِهَا الْأَرْبَعُ، وَالشُّعَبُ: النَّوَاحِي، وَاحِدَتُهَا شُعْبَةٌ. (ثُمَّ جَهَدَهَا) أَيْ: جَامَعَهَا ; بِأَنْ أَدْخَلَ تَمَامَ الْحَشَفَةِ فِي فَرْجِهَا، وَالْجَهْدُ بِالْفَتْحِ مِنْ أَسْمَاءِ النِّكَاحِ ; مِنَ الْجُهْدِ الَّذِي هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي بُلُوغِ الْغَايَةِ ; لِأَنَّ الْجِمَاعَ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ غَالِبًا، وَكَنَّى بِهِ عَنْهُ اسْتِحْيَاءً مِنْ ذِكْرِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْجَهْدُ مِنْ أَسْمَاءِ النِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ كِنَايَةً، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: وَعَدَلَ عَنْهُ إِلَيْهِ لِعَدَمِ شُهْرَتِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَيَكُونَ كَالْكِنَايَةِ دُونَ التَّصْرِيحِ، ثُمَّ الْمَدَارُ عَلَى هَذَا، وَأَمَّا مَا قَبْلَهُ فَهُوَ قَيْدٌ وَاقِعِيٌّ أَغْلَبِيٌّ (" فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ") : أَيْ: عَلَيْهِمَا (" وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ ") وَلَا أَنْزَلَتْ هِيَ. قَالَ الْقَاضِي: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ إِلَى عَدَمِهِ مَا لَمْ يُنْزِلْ، وَبِهِ قَالَ الْأَعْمَشُ وَدَاوُدُ، وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ ﵇: (" «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» ") فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْحَصْرَ عُرْفًا، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ " شَيْئًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ تُرِكَ وَأُمِرَ بِالْغُسْلِ إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ؟ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ حَيْثُ سَأَلَهَا أَبُو مُوسَى - عَنْ ذَلِكَ؟ فَرَوَتْ: " «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» ". انْتَهَى. وَالْمَعْنَى: إِذْ حَاذَاهُ. وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الْمَسِّ غَيْرُ تِلْكَ الْمُحَاذَاةِ؛ إِذْ تُوجَدُ بِدُخُولِ تَمَامِ الْحَشَفَةِ لِلْفَرْجِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ غَيْرُهُ، وَذِكْرُ الْخِتَانِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ جُمْلَةَ: وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهِيَ لَيْسَتْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ، وَشَرَفُ الدِّينِ أَبُو إِسْحَاقَ السُّلَمِيُّ فِي تَخْرِيجِ الْمَصَابِيحِ، وَسَبَقَ إِلَيْهِ فِي عَزْوِهَا إِلَى الصَّحِيحَيْنِ جَمِيعًا ابْنُ الْأَثِيرِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ. أَوْ رَأَى فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، فَتَوَهَّمَ أَنَّهُ مِنَ الْمَتْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 744

٤٣١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ، ﵀: هَذَا مَنْسُوخٌ. ــ ٤٣١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) : أَيِ: الْخُدْرِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّمَا الْمَاءُ) أَيْ: وُجُوبُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَهُوَ الْغُسْلُ (مِنَ الْمَاءِ) : أَيْ: مِنْ أَجْلِ خُرُوجِ الْمَاءِ الدَّافِعِ وَهُوَ الْمَنِيُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَحَدُ الْمَاءَيْنِ هُوَ الْمَنِيُّ، وَالْآخَرُ هُوَ الْغَسُولُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ. فَـ أَلْ فِيهِمَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . (قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀: هَذَا) أَيْ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ (مَنْسُوخٌ) : أَيْ: بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 745

٤٣٢ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: " إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ فِي الِاحْتِلَامِ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ". ــ ٤٣٢ - (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ، فِي الِاحْتِلَامِ) : أَيْ: مَحْمُولٌ بِهِ فِيهِ، فَإِنَّ مَنْ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ مُجَامِعٌ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَرَأَى الْمَنِيَّ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا الْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي الِاحْتِلَامِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ فِيهِ إِلَّا بِالْإِنْزَالِ، لَا بِالْمُجَامَعَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ سَوَاءٌ أَنَزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ.

стр. 746

قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ تَأْوِيلٌ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِلَافِ، وَانْتَهَى الْحَدِيثُ بِطُولِهِ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِتَنَاوُلِهِ بِهَذَا التَّأْوِيلِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ إِلَى قُبَاءٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَنِي سَالِمٍ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَابِ عِتْبَانَ فَصَرَخَ بِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ إِزَارَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ ") فَقَالَ عِتْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ عَنِ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يُمْنِ مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» ") وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ (رَوَاهُ) : أَيْ: قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ (التِّرْمِذِيُّ) : لَكِنْ بِلَفْظِ يُرْوَى بِلَا إِسْنَادٍ ; خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: رَوَاهُ، كَذَا حَقَّقَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (وَلَمْ أَجِدْهُ) : أَيْ: قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ (فِي الصَّحِيحَيْنِ) قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: قَوْلُهُ: لَمْ أَجِدْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، كَأَنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى الشَّيْخِ مُحْيِي السُّنَّةِ، حَيْثُ أَوْرَدَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الصِّحَاحِ، وَلَا اعْتِرَاضَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَوْرَدَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِبَيَانِ تَوْجِيهِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، أَعْنِي حَدِيثَ (" «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» ) ; لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْبَابِ، فَعَدَمُ وُجُودِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَا يَضُرُّهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ إِنَّمَا هُوَ فِي مَقَاصِدِ الْبَابِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَصَفَّحَ وَتَتَبَّعَ كِتَابَ الْمَصَابِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 747

٤٣٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: «قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: " نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ " فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ: (" نَعَمْ تَرِبَتْ يَمِينُكَ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٣٣ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) : هِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي اسْمِهَا خِلَافٌ، تَزَوَّجَهَا مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ أَبُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَنَسًا، ثُمَّ قُتِلَ عَنْهَا مُشْرِكًا فَأَسْلَمَتْ، فَخَطَبَهَا أَبُو طَلْحَةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَأَبَتْ، وَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، وَقَالَتْ: إِنِّي أَتَزَوَّجُكَ وَلَا آخُذُ مِنْكَ صَدَاقًا لِإِسْلَامِكَ. فَتَزَوَّجَهَا أَبُو طَلْحَةَ، رَوَى عَنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ. ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي» ) : بِيَاءَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ بَعْدَ سُكُونِ الْحَاءِ، وَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ إِذَا ثَبَتَ رِوَايَتُهُ، وَإِنْ جَاءَ فِي لُغَةٍ أُخْرَى: لَا يَسْتَحِي بِكَسْرِ الْحَاءِ بَعْدَهَا يَاءٌ وَاحِدَةٌ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الْيَاءِ الْأُولَى إِلَى مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ حَذْفِهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَجُوزُ حَذْفُ الْأُولَى الَّتِي هِيَ عَيْنُ الْفِعْلِ تَخْفِيفًا. ثُمَّ قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ مُسْتَحْيٍ بِوَزْنِ مُسْتَفْلٍ وَمُسْتَحْيٍ بِوَزْنِ مُسْتَفْعٍ، وَمُسْتَحٍ بِوَزْنِ مُسْتَفٍ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ النُّطْقُ بِالْأَوَّلِ كَمَا لَا يُقَالُ: قَاضِي بِالتَّنْوِينِ عَلَى الْيَاءِ. نَعَمْ أَصْلُ مُسْتَحْيٍ بِوَزْنِ مُسْتَفْعٍ مُسْتَحْيِي بِوَزْنِ مُسْتَفْعِلٍ لَا أَنَّهُ لُغَاتٌ ثَلَاثٌ، هَذَا وَلَيْسَ لِذِكْرِهِ ضَرُورَةٌ فِي الْمَقَامِ إِلَّا تَطْوِيلَ الْكَلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. هَذَا وَالْحَيَاءُ تَغَيُّرٌ لِخَوْفِ مَا يُعَابُ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، فَالْمُرَادُ لَازِمُهُ أَيْ: لَا يَمْتَنِعُ (مِنَ الْحَقِّ) : أَيْ: بَيَانِهِ وَلَا يَتْرُكُهُ تَرْكَ الْحَيِيِّ مِنَّا. قَالَتْهُ اعْتِذَارًا عَنِ التَّصْرِيحِ مِمَّا ذَكَرَتْهُ فِي حَضْرَةِ الرِّسَالَةِ، كَمَا لَا تَسْمَحُ جِبِلَّتُهُنَّ بِذِكْرِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ لِإِشْعَارِهِ بِنُزُولِ مَنِيِّهَا الدَّالِّ عَلَى شِدَّةِ شَهْوَتِهَا لِلرِّجَالِ أَيْ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ لَنَا أَنَّ الْحَقَّ لَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ، وَسُؤَالُهَا مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ الَّذِي أَلْجَأَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ. «قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ؛ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، تَعْنِي أَنَا أَيْضًا لَا أَسْتَحْيِي مِنْ سُؤَالٍ هُوَ حَقٌّ (فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ) : بِزِيَادَةِ مِنْ لِلتَّأْكِيدِ أَيْ: نَوْعٍ مِنَ الْغُسْلِ، وَفِي نُسْخَةٍ: غُسْلٍ (إِذَا احْتَلَمَتْ؟) أَيْ: إِذَا رَأَتْ فِي الْحُلْمِ بِالضَّمِّ الْمُجَامَعَةَ قَالَ: (" نَعَمْ ") : عَلَيْهَا الْغُسْلُ (" إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ ") : أَيِ: الْمَنِيَّ فِي بَدَنِهَا أَوْ ثَوْبِهَا بَعْدَ الْيَقَظَةِ، وَفِي مَعْنَاهُ الْمَذْيُ عِنْدَنَا (فَغَطَّتْ) أَيْ: سَتَرَتْ (أُمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا) : مِنِ اسْتِحْيَاءِ مَا سَأَلَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: قَوْلُهُ: فَغَطَّتْ قِيلَ مِنْ كَلَامِ زَيْنَبَ الرَّاوِيَةِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، فَالْحَدِيثُ مُلَفَّقٌ، وَقِيلَ: مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ، كَأَنَّهَا جَرَّدَتْ مِنْ نَفْسِهَا أُخْرَى وَأَسْنَدَتْ إِلَيْهَا التَّغْطِيَةَ. (وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَتَحْتَلِمُ) : بِالْوَاوِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِالْهَمْزَةِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ بِغَيْرِ الْهَمْزَةِ (الْمَرْأَةُ؟) : أَيْ: وَيَكُونُ لَهَا مَنِيٌّ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَالرَّجُلِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجْرٍ وَاعْتَمَدَ عَلَى نُسْخَةٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ عِنْدَهُ مِنْ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ بِالْهَمْزَةِ فَقَالَ: أَيْ: أَتَقُولُ ذَلِكَ وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ، وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي ذِكْرِ الْهَمْزَةِ الْمَصَابِيحَ، وَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِحَذْفِهَا اهـ.

стр. 748

وَهَذَا إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ عَدَمِ الْأَصْلِ الْمُعْتَمَدِ إِمَّا بِسَمَاعِهِ مِنْ حَافِظٍ أَوْ تَصْحِيحِهِ مِنْ نُسْخَةٍ قُرِئَتْ عَلَى بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ (قَالَ: " نَعَمْ تَرِبَتْ يَمِينُكِ " أَيْ: مَا أَصَبْتِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْفَقْرِ، أَوْ إِخْبَارٌ أَوْ دُعَاءٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: تَرِبَ الشَّيْءُ بِالْكَسْرِ أَصَابَهُ التُّرَابُ، لَمْ يُرِدْ بِهِ الدُّعَاءَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ التَّعَجُّبِ مِنْ سَلَامَةِ صَدْرِهَا (" فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟ ! ") : أَيْ: فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّ لَهَا مَنِيًّا كَمَا لِلرَّجُلِ، وَالْوَلَدُ مَخْلُوقٌ مِنْهُمَا، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَاءٌ وَخُلِقَ مِنْ مَائِهِ فَقَطْ لَمْ يُشْبِهْهَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنِيٌّ فَبِأَيِّ سَبَبٍ يُشْبِهُهَا؟ إِذِ الشَّبَهُ بِسَبَبِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الشَّرِكَةِ فِي الْمِزَاجِ الْأَصْلِيِّ الْمُعَدِّ لِقَبُولِ التَّشَكُّلَاتِ مِنْ خَالِقِهِ ﵎. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 749

٤٣٤ - وَزَادَ مُسْلِمٌ بِرِوَايَةِ أُمِّ سُلَيْمٍ: " «أَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ ; فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ» ". ــ ٤٣٤ - وَزَادَ مُسْلِمٌ بِرِوَايَةِ أُمِّ سُلَيْمٍ) : أَيْ: فِي رِوَايَتِهَا «أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَرْأَةُ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ فِي الْمَنَامِ، فَتَرَى مِنْ نَفْسِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَضَحْتِ النِّسَاءَ تَرِبَتْ يَمِينُكِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «أُفٍّ لَكِ، أَتَرَى الْمَرْأَةُ ذَلِكَ» ؟ وَزَادَ أَيْضًا (" «إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ» ") بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا (غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ) : بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ (" رَقِيقٌ أَصْفَرُ ") قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا الْوَصْفُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَحَالِ السَّلَامَةِ ; لِأَنَّ مَنِيَّ الرَّجُلِ قَدْ يَصِيرُ رَقِيقًا بِسَبَبِ الْمَرَضِ، وَمُحْمَرًّا بِكَثْرَةِ الْجِمَاعِ، وَقَدْ يَبْيَضُّ مِنَ الْمَرْأَةِ لِقُوَّتِهَا (" فَمِنْ أَيِّهِمَا ") أَيِ: الْمَاءَيْنِ، وَمِنْ: زَائِدَةٌ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: فَالْمَنِيُّ مِنْ أَيِّهِمَا (" عَلَا ") أَيْ: غَلَبَ (" أَوْ سَبَقَ ") يَعْنِي: غَلَبَ الْمَنِيُّ فِيمَا إِذَا وَقَعَ مَنِيُّهُمَا فِي الرَّحِمِ مَعًا أَوْ سَبَقَ وُقُوعُ مَنِيِّهِ فِي الرَّحِمِ قَبْلَ وُقُوعِ مَنِيِّ صَاحِبِهِ، فَأَوْ لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلتَّرْدِيدِ (" يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ ") : أَيْ: شَبَهُ الْوَلَدِ بِصَاحِبِهِ.

стр. 750

٤٣٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ، فَيُخَلِّلْ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شَمَالِهِ، يَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ» . ــ ٤٣٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا اغْتَسَلَ) : أَيْ: أَرَادَ الْغُسْلَ (مِنَ الْجَنَابَةِ) : أَيْ: مِنْ أَجْلِ رَفْعِهَا، أَوْ بِسَبَبِ حُدُوثِهَا (بَدَأَ) : أَيْ: شَرَعَ (فَغَسَلَ يَدَيْهِ) : أَيْ: إِلَى رُسْغَيْهِ ثَلَاثًا، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ لِلِاسْتِيقَاظِ مِنَ النَّوْمِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنَ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ - لَا وَجْهَ لَهُ ; لِأَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ ابْتِدَاءً عَلَى الْإِطْلَاقِ، مَعَ أَنَّ الرَّاوِيَةَ الْآتِيَةَ وَهِيَ قَوْلُهَا: قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ، لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ فَمَدْفُوعٌ ; لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، هَذَا وَهُوَ مُوهِمٌ أَنَّ جَنَابَتَهُ كَانَتْ عَنِ احْتِلَامٍ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ ﵊ مَا احْتَلَمَ قَطُّ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( «ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ» ) : أَيْ: وُضُوءًا كَامِلًا إِنْ لَمْ يَكُنْ وَاقِفًا فِي الْمُسْتَنْقَعِ، وَإِلَّا فَيُؤَخِّرُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ كَمَا سَيَجِيءُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ أَيْضًا. (ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ) لِتَأْخُذَ الْبَلَلَ، ثُمَّ يُخْرِجُهَا، (فَيُخَلِّلُ بِهَا) : أَيْ: بِبَلِّ الْأَصَابِعِ (أُصُولَ شَعَرِهِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتُسَكَّنُ، وَفِي نُسْخَةٍ: أُصُولُ الشَّعَرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ شَعَرُ لِحْيَتِهِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَيُسَنُّ لِمَنْ بِرَأْسِهِ شَعَرٌ أَنْ يُخَلِّلَهُ قَبْلَ الصَّبِّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ أَنَّ التَّخْلِيلَ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْغُسْلِ، فَيُنَافِيهِ قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَصُبُّ) : أَيِ: الْمَاءَ (عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: غُرَفٍ، بِضَمٍّ ثُمَّ فَتْحٍ (بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ) : أَيْ: يَصُبُّ (الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ) : أَيْ: ظَاهِرِ جَسَدِهِ (كُلِّهِ) : بِأَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى يَمِينِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ عَلَى يَسَارِهِ ثَلَاثًا لِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَذَلِكَ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ أَصَحُّ، وَقِيلَ: يَصُبُّ عَلَى طَرَفَيْهِ ثُمَّ عَلَى رَأْسِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يَبْدَأُ) : أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ شَرَعَ (فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ) : أَيْ: إِلَى رُسْغَيْهِ (قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ، ثُمَّ يُفْرِغُ) مِنَ الْإِفْرَاغِ بِمَعْنَى الصَّبِّ، (بِيَمِينِهِ عَلَى شَمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ) : بِشَمَالِهِ (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) : أَيْ: إِلَى آخِرِهِ.

стр. 751

٤٣٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شَمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. ــ ٤٣٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ) خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غُسْلًا) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلةِ وَتُضَمُّ، وَقِيلَ: بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ. قَالَ بَعْضُهُمُ: الْغُسْلُ بِالضَّمِّ كَالْغَسُولِ وَالْمُغْتَسَلِ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ كَالْأَكْلِ لِمَا يُؤْكَلُ بِهِ، وَالْغَسْلُ أَيْضًا اسْمٌ مِنْ غَسَلْتُ الشَّيْءَ غَسْلًا بِالْفَتْحِ، وَيَجُوزُ فِي الْغَسْلِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ تَسْكِينُ السِّينِ وَضَمُّهُ، وَالْغِسْلُ بِالْكَسْرِ مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنَ الْخِطْمِيِّ وَغَيْرِهِ، فَاسْتُعِيرَ لِلْمَاءِ اهـ. وَرِوَايَةُ الْكَسْرِ كَمَا زَعَمَهُ الْخَلْخَالِيُّ خَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ، (فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ) : أَيْ: ضَرَبْتُ لَهُ سِتْرًا يَغْتَسِلُ وَرَاءَهُ لِئَلَّا يَرَاهُ أَحَدٌ. قَالَ مِيرَكُ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مَيْمُونَةَ: سَتَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ. فَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَاءِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، (وَصَبَّ) وَفِي نُسْخَةٍ: فَصَبَّ (عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا) : أَيْ: إِلَى رُسْغَيْهِ، وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ جُمْلَةٍ: (ثُمَّ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا) : قَالَ مِيرَكُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي الْبُخَارِيِّ. (ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شَمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ) : أَيْ: بِيَسَارِهِ (فَضَرَبَ بِيَدِهِ) : أَيِ: الْيُسْرَى (الْأَرْضَ، ثُمَّ مَسَحَهَا فَغَسَلَهَا) لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، (فَمَضْمَضَ) وَفِي نُسْخَةٍ: فَتَمَضْمَضَ (وَاسْتَنْشَقَ) : وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْغُسْلِ عِنْدَنَا، سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ. (وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ) : اكْتِفَاءً بِالْغَسْلِ الْمَفْرُوضِ عَنِ الْمَسْحِ الْمَسْنُونِ (وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ) : أَيْ: يَمِينًا وَيَسَارًا (ثُمَّ تَنَحَّى) : أَيْ: تَبَعَّدَ عَنِ الْمُسْتَنْقَعِ (فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ) : أَيْ: إِذَا كَانَ لَمْ يَغْسِلْهُمَا حِينَ تَوَضَّأَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى لَوْحٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ، (فَنَاوَلْتُهُ) أَيْ: أَعْطَيْتُهُ (ثَوْبًا) : أَيْ: أَرَدْتُ إِعْطَاءَهُ ; لِيُنَشِّفَ أَعْضَاءَهُ، (فَلَمْ يَأْخُذْهُ) : أَيِ: الثَّوْبَ ; إِمَّا لِأَنَّهُ فَضْلٌ، أَوْ لِكَوْنِهِ مُسْتَعْجِلًا، أَوْ لِأَنَّ الْوَقْتَ كَانَ حَرًّا وَالْبَلَلُ مَطْلُوبٌ، أَوْ لِشُبْهَةٍ فِي الثَّوْبِ، وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فِي الْحَدِيثِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى سُنِّيَّةِ تَرْكِ التَّنْشِيفِ أَوْ كَرَاهَةِ فِعْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَانْطَلَقَ) : أَيْ: ذَهَبَ وَمَشَى (وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ) : أَيْ: يُحَرِّكُهُمَا كَمَا هُوَ عَادَةُ مَنْ لَهُ رُجُولِيَّةٌ، وَقِيلَ: يَنْفُضُهُمَا لِإِزَالَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ إِمَاطَةِ أَثَرِ الْعِبَادَةِ، مَعَ أَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ عَلَى الْعُضْوِ لَا يُسَمَّى مُسْتَعْمَلًا، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ الْقَاضِي: مِنْ فَوَائِدِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ، وَإِنَّ جَازَ تَأْخِيرُهُ ; لِأَنَّهُمَا طَهَارَتَانِ تَخْتَلِفَانِ، فَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا، وَاسْتِعْمَالُ الْيُسْرَى وَدَلْكُهَا عَلَى الْأَرْضِ مُبَالَغَةٌ فِي إِنْقَائِهَا وَإِزَالَةِ مَا عَبِقَ بِهَا، وَالْوُضُوءُ قَبْلَ الْغُسْلِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَأَوْجَبَهُ دَاوُدُ مُطْلَقًا وَقَوْمٌ إِذَا كَانَ مُحْدِثًا، أَوْ كَانَ الْفِعْلُ مِمَّا يُوجِبُ الْجَنَابَةَ وَالْحَدَثَ، وَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوُضُوءَ يَدْخُلُ فِي الْغُسْلِ فَيُجْزِئُهُ لَهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَلِكَ، وَفِيهِ دَلِيلُ الْجُمْهُورِ أَنَّ مُقْتَضَى الطُّهْرَيْنِ وَاحِدٌ، فَكَفَى لَهُمَا غُسْلٌ وَاحِدٌ، كَمَا فِي الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ، وَتَأْخِيرُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى آخِرِ الْغُسْلِ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَالْمَذْهَبُ - أَيْ: مَذْهَبُهُ -: أَنْ لَا يُؤَخِّرَ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ يَعْنِي: لِظَاهِرِهَا، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ أَوَّلًا. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ بَلْ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَالتَّنَحِّي أَيِ التَّبَاعُدُ عَنْ مَكَانِهِ لِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَتَرْكِ التَّنْشِيفِ ; لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَأْخُذْهُ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ وَجَوَازُ النَّفْضِ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ ; لِقَوْلِهِ ﵊: (" «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ» ") . وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ النَّفْضَ عَلَى تَحْرِيكِ الْيَدَيْنِ فِي الْمَشْيِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بِعِيدٌ اهـ. قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ التَّأْوِيلُ بَعِيدًا، فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْحَمْلِ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) .

стр. 752

٤٣٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، ثُمَّ قَالَ: " خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا ". قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: " تَطَهَّرِي بِهَا " قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي بِهَا " فَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ، فَقُلْتُ لَهَا: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٣٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ) : وَفِي أَصْلِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ نَبِيَّ اللَّهِ، وَفِي أَصْلِ السَّيِّدِ عَفِيفِ الدِّينِ الْكَازَرُونِيِّ: النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ) : مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَيْ: مِنْ أَجْلِ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا (فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ) : أَيْ: بِكَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ السَّابِقَةِ أَيْ: لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَا بَيْنَ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، (ثُمَّ قَالَ) : أَيْ: بَعْدَ تَعْلِيمِهَا الْغُسْلَ (" خُذِي فِرْصَةً ") بِكَسْرِ الْفَاءِ قِطْعَةٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ خِرْقَةٍ تَمْسَحُ بِهَا الْمَرْأَةُ مِنَ الْحَيْضِ؛ مِنْ فَرَصْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَطَعْتَهُ (" مِنْ مَسْكٍ ") : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ الْجِلْدُ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِالْكَسْرِ وَهُوَ طِيبٌ مَعْرُوفٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةٌ لِفِرْصَةٍ، ثُمَّ مُتَعَلِّقُ الْجَارِّ إِنْ قُدِّرَ خَاصًّا، فَالْمَعْنَى مُطَيَّبَةٌ مِنْ مِسْكٍ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُوَافِقُ مَا وَرَدَ فِي الصِّحَاحِ فِرْصَةٌ مُمَسَّكَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَكْثَرُ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَيْ: خُذِي قِطْعَةً مِنْ صُوفٍ مُطَيَّبَةٍ بِمِسْكٍ، وَأَنْكَرَ الْقُتَيْبِيُّ هَذَا ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ وُسْعٍ يَجِدُونَ الْمِسْكَ أَيْ: بِالْحَالِ الَّذِي يُمْتَهَنُ هَذَا الِامْتِهَانَ فَيُسْتَعْمَلَ فِي الْمَحِيضِ، فَعَلَى هَذَا قَالُوا: الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ: مِنْ مَسْكٍ أَيْ مِنْ جِلْدٍ عَلَيْهِ صُوفٌ، وَإِنْ قُدِّرَ الْمُتَعَلِّقُ عَامًّا أَيْ: كَائِنَةٌ مِنْ مِسْكٍ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ كَمَا فِي الْفَائِقِ: إِنَّ الْمُمَسَّكَةَ الْخَلَقِ الَّتِي أُمْسِكَتْ كَثِيرًا، وَلَا يُسْتَعْمَلُ الْجَدِيدُ لِلِانْتِفَاعِ ; وَلِأَنَّ الْخَلَقَ أَصْلَحُ لِذَلِكَ وَأَوْفَقُ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا الْقَوْلُ أَمْتَنُ وَأَحْسَنُ وَأَشْبَهُ بِصُورَةِ الْحَالِ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّهَا مُطَيَّبَةٌ بِالْمِسْكِ لَقَالَ: فَتَطَيَّبِي، وَلِأَنَّهُ ﵊ أَمَرَهَا بِذَلِكَ ; لِإِزَالَةِ الدَّمِ عِنْدَ التَّطَهُّرِ، وَلَوْ كَانَ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ لَأَمَرَ بِهَا بَعْدَ إِزَالَةِ الدَّمِ اهـ. قِيلَ: فَالظَّاهِرُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ سَمِعَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَفَهِمَ مِنْهُ التَّطَيُّبَ، فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّفْظَ، وَرَوَاهُ بِالْمَعْنَى عَلَى: فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ (" فَتَطَهَّرِي بِهَا ") : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ فَتَطَيَّبِي بِالْفِرْصَةِ، أَيْ فَاسْتَعْمِلِيهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ الدَّمُ حَتَّى يَصِيرَ مُطَيَّبًا. وَلَفَّقَ ابْنُ حَجَرٍ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِلْمُحَدِّثِينَ وَقَالَ: وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فِرْصَةً كَائِنَةً مِنْ مِسْكٍ هُوَ الْأَكْمَلَ إِذْ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَائِشَةَ: فَتَطَهَّرِي بِهَا أَيْ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ، وَهَذَا التَّتَبُّعُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْمُمَسَّكِ لَا بِالْمِسْكِ بِعَيْنِهِ اهـ. وَهُوَ وَهْمٌ ; لِأَنَّ الَّذِي قَدَّرَ فِرْصَةً كَائِنَةً مِنْ مِسْكٍ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْمَسْكَ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْجِلْدِ، لَا بِكَسْرِ الْمِيمِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى نَفْسِ الطِّيبِ ; لِأَنَّ جُمْهُورَهُمُ اسْتَبْعَدُوا أَنْ يَكُونَ التَّتَبُّعُ بِالْمُمَسَّكِ، فَكَيْفَ بِعَيْنِ الْمِسْكِ؟ بَلْ قَالُوا: إِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْمُطَيَّبَةَ بِالْمِسْكِ لَقَالَ: تَطَيَّبِي. (قَالَتْ) : أَيِ: الْمَرْأَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ (كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟) أَيْ: بِالْفِرْصَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: أَطَّهَّرُ بِالتَّشْدِيدَيْنِ، وَكَذَا فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي (فَقَالَ: " تَطَهَّرِي بِهَا ") . قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: (" سُبْحَانَ اللَّهِ ") : فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، وَأَصْلُهُ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ رُؤْيَةِ الْعَجَبِ مِنْ بَدَائِعِ مَصْنُوعَاتِهِ وَغَرَائِبِ مَخْلُوقَاتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنْهُ، وَالْمَعْنَى هُنَا كَيْفَ يَخْفَى مِثْلُ هَذَا الظَّاهِرِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ فِي فَهْمِهِ إِلَى فِكْرٍ، أَوْ إِلَى تَصْرِيحٍ (" تَطَهَّرِي بِهَا ") فَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِتَقَدُّمِ الْبَاءِ عَلَى الذَّالِ، وَالْمَعْنَى قَرَّبْتُهَا إِلَى نَفْسِي (فَقُلْتُ) : أَيْ: لَهَا سِرًّا (تَتَبَّعِي بِهَا) : أَيْ بِالْفِرْصَةِ (أَثَرَ الدَّمِ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الثَّاءِ وَبِفَتْحِهِمَا أَيِ: اجْعَلِيهَا فِي الْفَرْجِ، وَحَيْثُ أَصَابَهُ الدَّمُ لِلتَّنْظِيفِ أَوْ لِقَطْعِ رَائِحَةِ الْأَذَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 753

٤٣٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، «قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: " لَا ; إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٣٨ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الشِّينِ أَيْ: أُحْكِمُ (ضَفْرَ رَأْسِي) : أَيْ: بِنَسْجِهِ أَوْ فَتْلِهِ، بِالضَّادِ الْمَفْتُوحَةِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ السَّاكِنَةِ: نَسْجُ الشَّعَرِ وَإِدْخَالُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ، وَالضَّفِيرَةُ الذُّؤَابَةُ، (أَفَأَنْقُضُهُ) : أَيْ: أُفَرِّقُهُ (لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ) : أَيْ: لِأَجْلِهِ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إِلَى بَاطِنِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ» ؟ (فَقَالَ: (" لَا ") : أَيْ: لَا تَنْقُضِي، بِمَعْنَى لَا يَلْزَمُكِ نَقْضُهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُخْتَصٌّ بِالنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ مِنَ الْأَشْرَافِ وَغَيْرِهِمْ (" «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي» ") بِسُكُونِ الْيَاءِ بَعْدَ كَسْرِ الثَّاءِ ; لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُؤَنَّثِ، فَحُذِفَ نُونُهُ نَصْبًا، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الْيَاءِ، وَالْحَثْيُ: الْإِثَارَةُ، أَيْ: تَصُبِّي (" عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ ") : ظَرْفٌ (" حَثَيَاتٍ ") بِفَتَحَاتٍ، أَيْ: مَرَّاتٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَصْرَ فِي ثَلَاثٍ، بَلْ إِيصَالَ الْمَاءِ إِلَى الشَّعَرِ، فَإِنْ وَصَلَ الْمَاءُ عَلَى ظَاهِرِهِ مَرَّةً فَالثَّلَاثُ سُنَّةٌ، وَإِلَّا فَالزِّيَادَةُ وَاجِبَةٌ، حَتَّى يَصِلَ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ إِنَّهُ أَنَمَا نَصَّ عَلَى الثَّلَاثِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِلُ لِبَاطِنِ الشَّعَرِ الْمَضْفُورِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ شَدُّهَا لَهُ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ ; لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ قَدْ يَصِلُ الْمَاءُ لِمَا تَحْتَهُ لِقِلَّتِهِ، إِذْ شُعُورُ الْعَرَبِ كَانَتْ خَفِيفَةً غَالِبًا، وَمَا أَفَادَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَقْضُ الضَّفَائِرِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى بَاطِنِهَا كُلِّهِ، وَإِلَّا وَجَبَ ; لِخَبَرِ: " تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةٌ "، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا لِلنَّخَعِيِّ وَمَالِكٍ، حَيْثُ أَوْجَبَا نَقْضَهَا مُطْلَقًا، وَلِقَوْلِ أَحْمَدَ: يَجِبُ نَقْضُهَا فِي الْجَنَابَةِ دُونَ الْحَيْضِ (" ثُمَّ تُفِيضِينَ ") : أَيْ: تَصُبِّينَ (" عَلَيْكِ ") : أَيْ: عَلَى سَائِرِ أَعْضَائِكِ (" الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ ") كَذَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَعَامَّةِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَالْقِيَاسُ حَذْفُ النُّونِ عَطْفًا عَلَى تَحْثِي، وَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ اهـ. فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أَنْتِ تُفِيضِينَ، فَيَكُونَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْجُمَلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 754

٤٣٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٣٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُدُّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَالصَّاعُ: أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ اهـ. وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا عِنْدُ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْمُدُّ: رِطْلَانِ، وَالصَّاعُ: ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ ; لِخَبَرِ النَّسَائِيِّ بِذَلِكَ، ثُمَّ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَلَكِنْ يُسَنُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ، وَمَاءُ الْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ تَقْرِيبًا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: خَمْسَةُ أَمْدَادٍ. وَالْمُرَادُ بِالْمُدِّ وَالصَّاعِ وَزْنًا لَا كَيْلًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجَاءَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّهُ ﵊ تَوَضَّأَ بِإِنَاءٍ فِيهِ قَدْرُ ثُلُثَيْ مُدٍّ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِنَاءٍ فِيهِ نِصْفُ مُدٍّ اهـ. فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ غَالِبُ أَحْوَالِهِ ﵊، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 755

٤٤٠ - وَعَنْ مُعَاذَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَيُبَادِرُنِي، حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي دَعْ لِي. قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٠ - (وَعَنْ مُعَاذَةَ) : هِيَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيِّ، رَوَتْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَرَوَى عَنْهَا قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، مَاتَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ (قَالَتْ: «قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ» ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْعَطْفِ، وَيُنْصَبُ عَلَى الْمَفْعُولِ مَعَهُ ﷺ قَالَ الطِّيبِيُّ: إِبْرَازُ الضَّمِيرِ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ الْعَطْفُ وَلَا يُقَالُ: اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّهُ عَلَى تَغْلِيبِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الْغَالِبِ كَمَا غُلِّبَ الْمُخَاطَبُ عَلَى الْغَائِبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] فَإِنْ قِيلَ: النُّكْتَةُ هُنَاكَ أَنَّ آدَمَ ﷺ أَصْلٌ فِي سُكْنَى الْجَنَّةِ: قُلْنَا: لَا يَزَالُ النِّسَاءُ مَحَالَّ الشَّهَوَاتِ وَحَامِلَاتٍ لِلِاغْتِسَالِ فَكُنَّ أَصْلًا (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ) : أَيْ: مَوْضُوعٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ وَوَضَعَ الْإِنَاءَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَهُوَ وَاسِعُ الرَّأْسِ، فَنَجْعَلُ أَيْدِيَنَا فِيهِ وَنَأْخُذُ الْمَاءَ لِلِاغْتِسَالِ بِهِ. (فَيُبَادِرُنِي) : أَيْ: يَسْبِقُنِي لِأَخْذِ الْمَاءِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: لَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُبَادِرُنِي وَيَغْتَسِلُ بِبَعْضِهِ وَيَتْرُكُ لِي الْبَاقِيَ فَأَغْتَسِلُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ ﷺ نَهَى أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الْمَاءِ. وَقَالَ: فَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا، كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ مُخَالَطَةِ الْجُنُبِ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُمَا اغْتَسَلَا فِيهِ مَعًا (حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي دَعْ لِي) : أَيِ: اتْرُكْ لِي مَا أُكْمِلُ

стр. 756

غُسْلِي، وَالتَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ أَوِ التَّعْدِيدِ (قَالَتْ) : أَيْ: مُعَاذَةُ، وَقِيلَ: عَائِشَةُ (وَهُمَا) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَعَائِشَةُ ﵂ (جُنُبَانِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يُدْخِلُ فِيهِ الْجُنُبُ يَدَهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ سَوَاءٌ فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَمْسَ الْجُنُبِ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لَا يُخْرِجُهُ عَنِ الطَّهُورِيَّةِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ عُلِمَ الْغَمْسُ قَبْلَ غَسْلِ الْيَدِ؟ وَعَلَى تَسْلِيمِهِ يُحْمَلُ عَلَى قَصْدِ الِاغْتِرَافِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا جَمِيعًا: لَوْ أَدْخَلَ الْمُحْدِثُ أَوِ الْجُنُبِ أَوِ الْحَائِضُ الَّتِي طَهُرَتِ الْيَدَ فِي الْإِنَاءِ لِلِاغْتِرَافِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا لِلْحَاجَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ: بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْخَلَ الْمُحْدَثُ رِجْلَهُ أَوْ رَأْسَهُ حَيْثُ يَفْسُدُ الْمَاءُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَقُلْ: فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي دَعْ لِي، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ إِفْرَادِ مُسْلِمٍ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْهَا: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» اهـ. وَهَذَا يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِنِصْفِ مُدٍّ أَوْ بِثُلُثَيْ مُدٍّ» ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 757

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٤١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا. قَالَ: " يَغْتَسِلُ " وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ بَلَلًا. قَالَ: " لَا غُسْلَ عَلَيْهِ " قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرَى ذَلِكَ غُسْلٌ؟ قَالَ: " نَعَمْ، إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، إِلَى قَوْلِهِ: " «لَا غُسْلَ عَلَيْهِ» ". ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٤١ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ» ) : مَنِيًّا كَانَ أَوْ مَذْيًا إِذَا اسْتَيْقَظَ (وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا) : أَيْ: لَا يَذْكُرُ أَنَّهُ جَامَعَ أَحَدًا فِي النَّوْمِ (قَالَ) ﷺ : (يَغْتَسِلُ) : خَبَرٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ، وَهُوَ لِلْوُجُوبِ (وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا أَيْ: يَظُنُّ (أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ بَلَلًا. قَالَ: (" لَا غُسْلَ عَلَيْهِ ") : أَيْ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ; لِأَنَّ الْبَلَلَ عَلَامَةٌ وَدَلِيلٌ، وَالنَّوْمُ لَا عِبْرَةَ بِهِ، فَالْمَدَارُ عَلَى الْبَلَلِ سَوَاءٌ تَذَكَّرَ الِاحْتِلَامَ أَمْ لَا. (قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) : وَهِيَ: أُمُّ أَنَسٍ (هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرَى ذَلِكَ) : أَيِ: الْبَلَلَ (غُسْلٌ؟ قَالَ: " نَعَمْ عَلَيْهَا غُسْلٌ ") : وَأَعَادَتْهُ بَعْدَ تَصْرِيحِهِ ﷺ اسْتِبْعَادًا لِاحْتِلَامِ النِّسَاءِ، وَلَمَّا فَهِمَ ﷺ مِنْهَا ذَلِكَ ذَكَرَ لَهَا الْعِلَّةَ فِيهَا فَقَالَ: (" إِنَّ النِّسَاءَ ") : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِئْنَافٌ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ (" شَقَائِقُ الرِّجَالِ ") : أَيْ: نَظَائِرُهُمْ فِي الْخَلْقِ وَالطَّبَائِعِ كَأَنَّهُنَّ شُقِقْنَ مِنْهُمْ، وَلِأَنَّ حَوَّاءَ شُقَّتْ مِنْ آدَمَ، وَشَقِيقُ الرَّجُلِ أَخُوهُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ ; لِأَنَّ شِقَّ نَسَبِهِ مِنْ نَسَبِهِ يَعْنِي: فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِرُؤْيَةِ الْبَلَلِ بَعْدَ النَّوْمِ كَالرَّجُلِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ إِثْبَاتُ الْقِيَاسِ وَإِلْحَاقُ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ، وَأَنَّ الْخِطَابَ إِذَا وَرَدَ بِلَفْظِ الذُّكُورِ كَانَ خِطَابًا لِلنِّسَاءِ إِلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ مِنْ رُؤْيَةِ الْبِلَّةِ وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهَا الْمَاءُ الدَّافِقُ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ بَلَلُ الْمَاءِ الدَّافِقِ، وَاسْتَحَبُّوا الْغُسْلَ احْتِيَاطًا، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْغُسْلِ إِذَا لَمْ يَرَ الْبَلَلَ، وَإِنْ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ احْتَلَمَ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْعُمَرِيُّ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعْدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ فِي الْحَدِيثِ قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ. (وَأَبُو دَاوُدَ) : أَيْ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ. (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: (" «لَا غُسْلَ عَلَيْهِ» ") : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

стр. 758

٤٤٢ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، وَجَبَ الْغُسْلُ ". فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاغْتَسَلْنَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٤٢ - (وَعَنْهَا) : أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا جَاوَزَ» ") : أَيْ: تَعَدَّى، وَفِي رِوَايَةِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيِ: الْتَقَى (" الْخِتَانُ ") : بِالرَّفْعِ (" الْخِتَانَ ") : بِالنَّصْبِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ مِنْ فَرْجِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَخْتُونًا أَمْ لَا. إِذَا مُجَاوَزَةُ خِتَانِهَا كِنَايَةٌ لَطِيفَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، وَهُوَ غَيْبُوبَةُ الْحَشَفَةِ وَهِيَ رَأْسُ الذَّكَرِ وَلَوْ فِي الدُّبُرِ (وَجَبَ الْغُسْلُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ» . قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ إِذَا حَاذَى أَحَدُهُمَا الْآخَرَ سَوَاءٌ تَلَاقَيَا أَمْ لَا يُقَالُ: الْتَقَى الْفَارِسَانِ إِذَا تَحَاذَيَا وَتَقَابَلَا. وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِيمَا إِذَا لَفَّ عَلَى عُضْوِهِ ثُمَّ جَامَعَ، فَإِنَّ الْغُسْلَ يَجِبُ. قَالَ الْأَشْرَفُ: هَذَا الْمَعْنَى فِي رِوَايَةِ جَاوَزَ أَظْهَرُ، فَإِنَّ لَفْظَ الْمُجَاوَزَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ. (فَعَلْتُهُ) : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَصْدَرِ جَاوَزَ (أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ) : بِالرَّفْعِ أَوِ النَّصْبِ ﷺ فَاغْتَسَلْنَا) : ظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَعْنِي بِغَيْرِ الْإِنْزَالِ، وَأَنَّهُ نَاسِخٌ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ: (" «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» ") (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. (وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 759

٤٤٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشْرَةَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ. التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ الرَّاوِي وَهُوَ شَيْخٌ، لَيْسَ بِذَلِكَ. ــ ٤٤٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ) : بِالسُّكُونِ وَيُفْتَحُ (" «جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعَرَ» ") بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: جَمِيعَهُ، فَلَوْ بَقِيَتْ شَعَرَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا الْمَاءُ بَقِيَتْ جَنَابَتُهُ (" وَأَنْقُوا ") : مِنَ الْإِنْقَاءِ (" الْبَشْرَةَ ") بِالْبَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْبَشْرَةُ ظَاهِرُ الْجِلْدِ أَيْ: نَظِّفُوهَا مِنَ الْوَسَخِ، فَلَوْ مَنَعَ الْوَسَخُ - يَعْنِي كَالطِّينِ الْيَابِسِ وَالْعَجِينِ وَالشَّمْعِ - وُصُولَ الْمَاءِ لَمْ يَرْفَعِ الْجَنَابَةَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ كَثَافَةُ اللِّحْيَةِ فِي الْوُضُوءِ مَانِعَةً لِوُجُوبِ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى بَاطِنِهَا ; لِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً إِذِ الْوُضُوءُ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّاتٍ بِخِلَافِ الْغُسْلِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَضَعَّفَهُ (وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَالْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ) : عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (الرَّاوِي) : أَيِ: الْحَارِثُ (وَهُوَ) : أَيِ: الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ (شَيْخٌ) : أَيْ: كَبِيرٌ وَغَلَبَ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ (لَيْسَ بِذَاكَ) : الْمَقَامُ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ أَيْ: رِوَايَتُهُ لَيْسَتْ بِقَوِيَّةٍ، كَذَا فِي الطِّيبِيِّ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ: وَهُوَ شَيْخٌ لِلْجَرْحِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ: شَيْخٌ مِنْ أَلْفَاظِ مَرَاتِبِ التَّعْدِيلِ، فَعَلَى هَذَا يَجِيءُ إِشْكَالٌ آخَرُ فِي قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ ; لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: لَيْسَ بِذَاكَ ; مِنْ أَلْفَاظِ الْجَرْحِ اتِّفَاقًا، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ جَمْعٌ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: وَهُوَ شَيْخٌ، عَلَى الْجَرْحِ بِقَرِينَةِ مُقَارَنَتِهِ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ بِذَاكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ، وَلِإِشْعَارِهِ بِالْجَرْحِ ; لِأَنَّهُمْ وَإِنْ عَدُّوهُ فِي أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ صَرَّحُوا أَيْضًا بِإِشْعَارِهِ بِالْقُرْبِ مِنَ التَّجْرِيحِ. أَوْ نَقُولُ: لَا بُدَّ فِي كَوْنِ الشَّخْصِ ثِقَةً مِنْ شَيْئَيْنِ: الْعَدَالَةُ وَالضَّبْطُ، كَمَا بُيِّنَ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِذَا وُجِدَ فِي الشَّخْصِ الْعَدَالَةُ دُونَ الضَّبْطِ يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّلَ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ الْأُولَى، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْرَحَ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ الثَّانِيَةِ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَمْعًا بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ، كَذَا فِي السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ ﵀.

стр. 760

٤٤٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ ". وَقَالَ عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي، فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي، فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي. ثَلَاثًا» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يُكَرِّرَا: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي. ــ ٤٤٤ - (وَعَنْ عَلِيٍّ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ» ") : بِالسُّكُونِ وَيُفْتَحُ (" مِنْ جَنَابَةٍ ") : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مَنْ تَرَكَ. أَيْ: مِنْ أَجْلِ غُسْلِ جَنَابَةٍ وَنَحْوِهَا (" لَمْ يَغْسِلْهَا ") : صِفَةُ مَوْضِعِ شَعَرَةٍ، وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَغْسِلْ تَحْتَهَا (" فُعِلَ ") : مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ نَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مِنْ تَرَكَ (" بِهَا ") : أَيْ: بِسَبَبِ تِلْكَ الشَّعَرَةِ (" كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ ") كِنَايَتَيْنِ عَنِ الْعَدَدِ، أَيْ: يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا إِمَّا كِنَايَةٌ عَنْ أَقْبَحِ مَا يُفْعَلُ بِهِ، أَوْ إِبْهَامٌ مِنْ شِدَّةِ الْوَعِيدِ (قَالَ عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ) : أَيْ: مِنْ أَجْلِ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا التَّهْدِيدَ وَالْوَعِيدَ الشَّدِيدَ (عَادَيْتُ رَأْسِي) : مَخَافَةَ أَنْ لَا يَصِلَ الْمَاءُ إِلَى جَمِيعِ شَعَرِي، أَيْ: عَامَلْتُ مَعَ رَأْسِي مُعَامَلَةَ الْمُعَادِي مَعَ الْعَدُوِّ، مِنَ الْقَطْعِ وَالْجَزِّ، فَجَزَزْتُهُ وَقَطَّعْتُهُ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَجُزُّ شَعَرَهُ، وَقِيلَ: عَادَيْتُ رَأْسِي، أَيْ: شَعَرِي، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: عَادَيْتُ شَعَرِي رَفَعْتُهُ عِنْدَ الْغُسْلِ (فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي) : أَيْ: فَعَلْتُ بِرَأْسِي مَا يُفْعَلُ بِالْعَدُوِّ مِنَ الِاسْتِئْصَالِ وَقَطْعِ دَابِرِهِ ". قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى حَلْقِ الرَّأْسِ سُنَّةٌ ; لِأَنَّهُ ﷺ قَرَّرَهُ، وَلِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِمُتَابَعَةِ سُنَّتِهِمُ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِعْلَهُ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِسُنَّتِهِ ﷺ وَبَقِيَّةِ الْخُلَفَاءِ مِنْ عَدَمِ الْحَلْقِ إِلَّا بَعْدَ فَرَاغِ النُّسُكِ - يَكُونُ رُخْصَةً لَا سُنَّةً، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ نَظَرَ فِي كَلَامِ الطِّيبِيِّ، وَذَكَرَ نَظِيرَ كَلَامِي، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ، (ثَلَاثًا) : أَيْ: قَالَهُ ثَلَاثًا لِلتَّأْكِيدِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَتْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالْمَعْنَى: مَا عَادَيْتُهُ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الزِّينَةِ وَالتَّنَعُّمِ، وَفِيهِ نَوْعُ اعْتِذَارٍ عَنْ تَرْكِ الْمُتَابَعَةِ ظَاهِرًا، وَسَبَبُهُ كَثْرَةُ الْجِمَاعِ الْمُوجِبَةُ لِكَثْرَةِ الْغُسْلِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، إِلَّا أَنَّهُمَا) : أَيْ: أَحْمَدَ وَالدَّارِمِيَّ (لَمْ يُكَرِّرَا: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي) : أَيْ: هَذَا اللَّفْظَ وَاكْتَفَيَا بِمَرَّةٍ، وَبِقَوْلِهِمَا ثَلَاثًا. وَالْحَدِيثُ حَسَنٌ فَيَقْوَى بِهِ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ السَّابِقُ، مَعَ أَنَّ الضَّعْفَ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ فِي إِسْنَادِ التِّرْمِذِيِّ دُونَ إِسْنَادَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالتِّرْمِذِيِّ.

стр. 761

٤٤٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٤٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ» ) : أَيِ: اكْتِفَاءً بِوُضُوئِهِ الْأَوَّلِ فِي الْغُسْلِ، وَهُوَ سُنَّةٌ، أَوْ بِانْدِرَاجِ ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ تَحْتَ ارْتِفَاعِ الْأَكْبَرِ ; بِإِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، وَهُوَ رُخْصَةٌ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : أَيْ: وَهَذَا لَفْظُهُ، (وَأَبُو دَاوُدَ) : لَكِنْ بِمَعْنَاهُ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ. قَالَ مِيرَكُ: وَلَفْظُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ وَصَلَاةَ الْغَدْوَةِ، وَلَا أَرَاهُ يُحْدِثُ وُضُوءًا بَعْدَ الْغُسْلِ» ، (وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَالُوا: وَلَا يُشَرَّعُ وُضُوءَانِ ; اتِّفَاقًا لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: كَانَ ﵊ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ.

стр. 762

٤٤٦ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَهُوَ جُنُبٌ، يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ، وَلَا يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٤٦ - (وَعَنْهَا) : أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ» ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ: نَبْتٌ يُتَنَظَّفُ بِهِ مَعْرُوفٌ، (وَهُوَ جُنُبٌ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ) : أَيْ: يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ يَعْنِي: يَكْتَفِي بِالْمَاءِ الَّذِي يُفِيضُهُ عَلَى رَأْسِهِ لِإِزَالَةِ أَثَرِ الْخِطْمِيِّ، وَمَا كَانَ يَأْخُذُ مَاءً جَدِيدًا لِلْغُسْلِ كَمَا هُوَ عَادَةُ النَّاسِ فِي الْحَمَّامَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ إِزَالَةِ الْوَسَخِ بِالْخِطْمِيِّ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ اسْتِئْنَافِ الْمَاءِ لِلْغُسْلِ. (وَلَا يَصُبُّ عَلَيْهِ) : أَيْ: عَلَى رَأْسِهِ الشَّرِيفِ (الْمَاءَ) : أَيِ: الْقَرَاحَ ; لِإِزَالَةِ الْخِطْمِيِّ، بَلْ يَتْرُكُهُ بِحَالِهِ قَصْدًا لِلتَّبَرُّدِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى سَائِرِ بَدَنِهِ لِتَرْتَفِعَ الْجَنَابَةُ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: قَوْلُهُ: الْمَاءُ، أَيِ: الْمَاءُ الْمَحْضُ، بَلْ يَكْتَفِي بِالْمَاءِ الْمَخْلُوطِ بِالْخِطْمِيِّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قِيلَ: وَفِي سَنَدِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ.

стр. 763

٤٤٧ - وَعَنْ يَعْلَى ﵁، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالتَّسَتُّرَ ; فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ سِتِّيرٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلْيَتَوَارَ بِشَيْءٍ» ". ــ ٤٤٧ - (وَعَنْ يَعْلَى) : ﵁، وَهُوَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، أَوْ يَعْلَى بْنُ مُرَّةَ، وَهُمَا صَحَابِيَّانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ، لَكِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَيِّدَهُ هُنَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ» ) : أَيْ: مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ (بِالْبَرَازِ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ: بِالْفَضَاءِ الْوَاسِعِ عُرْيَانًا (فَصَعِدَ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: طَلَعَ (الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، أَوِ الْحَمْدُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ (ثُمَّ قَالَ: (" «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ» ") بِيَاءَيْنِ ; الْأُولَى مُخَفَّفَةٌ مَكْسُورَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مُشَدَّدَةٌ، أَيْ: كَرِيمٌ مَعَامِلٌ عَبْدَهُ مُعَامَلَةَ الْحَيِيِّ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، (" سِتِّيرٌ ") : فِعِّيلٌ لِلْمُبَالَغَةِ (" يُحِبُّ ") أَيْ: مِنْ عَبْدِهِ (" الْحَيَاءَ ") : فَإِنَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ (" وَالتَّسَتُّرَ ") أَيِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَيَاءُ، وَفِي نُسْخَةٍ: السُّتْرَةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي: إِنَّ اللَّهَ ﵎ تَارِكٌ لِلْقَبَائِحِ سَاتِرٌ لِلْعُيُوبِ وَالْفَضَائِحِ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالتَّسَتُّرَ مِنَ الْعَبْدِ ; لِأَنَّهُمَا خَصْلَتَانِ تُفْضِيَانِ بِهِ إِلَى التَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى. قِيلَ: هَذَا مِنْ بَابِ التَّعْرِيضِ، وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ تَهْجِينًا لِفِعْلِ الرَّجُلِ، وَحَثًّا لَهُ عَلَى تَحَرِّي الْحَيَاءِ وَالتَّسَتُّرِ، كَمَا وَصَفَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ بِالْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧] حَثًّا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الِاتِّصَافِ بِصِفَاتِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ (فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ) : أَيْ: أَرَادَ الْغُسْلَ فِي فَضَاءٍ فَلْيَسْتَتِرْ) أَيْ: فَلْيَجْعَلْ لِنَفْسِهِ سُتْرَةً كَيْلَا يَرَاهُ أَحَدٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِي هَذَا إِرْشَادٌ لِنَحْوِ الْمُغْتَسِلِ بِمَحَلٍّ لَا يَرَاهُ النَّاسُ بِأَنْ لَا يَعُودَ لِذَلِكَ اسْتِحْيَاءً مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَئِمَّتُنَا: يَحْرُمُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ; لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَيَسْتَوِي بِالنِّسْبَةِ لِاطِّلَاعِهِ وَعِلْمِهِ الْمَسْتُورُ، وَرَدُّوهُ بِأَنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِهِمَا إِلَّا أَنَّهُ يَرَى الْمَسْتُورَ عَلَى حَالَةٍ تَقْتَضِي الْأَدَبَ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَسَكَتَ عَلَيْهِ، قَالَهُ مِيرَكُ. (وَالنَّسَائِيُّ) وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: (" «إِنَّ اللَّهَ سِتِّيرٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلْيَتَوَارَ» ") : أَمْرٌ مِنَ التَّوَارِي بِمَعْنَى التَّسَتُّرِ، (" بِشَيْءٍ ") مِنَ الثَّوْبِ أَوِ الْجِدَارِ أَوِ الْحَجَرِ أَوِ الشَّجَرِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَحَاصِلُ حُكْمِ مَنِ اغْتَسَلَ عَارِيًا أَنَّهُ إِنْ كَانَ بِمَحَلٍّ خَالٍ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُ عَوْرَتِهِ حَلَّ لَهُ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ التَّسَتُّرُ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَرَاهُ أَحَدٌ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُ عَوْرَتِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ التَّسَتُّرُ مِنْهُ إِجْمَاعًا

стр. 764

عَلَى مَا حَكَى، وَوَهِمَ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَقَالَ: الْوَاجِبُ عَلَى ذَلِكَ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ التَّسَتُّرُ. وَهَذَا كَلَامٌ سَاقِطٌ ; لِأَنَّ وُجُوبَ الْغَضِّ لَا يُبِيحُ التَّكَشُّفَ، وَلَا يُقَاسُ هَذَا بِمَا حُكِيَ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ لِلنِّسَاءِ أَنْ يَخْرُجْنَ سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ وَعَلَى الرِّجَالِ الْغَضُّ، أَمَّا أَوَّلًا فَذَاكَ لِحَاجَةِ الْمَشَقَّةِ فِي سَتْرِ الْوَجْهِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَأَمَا ثَانِيًا فَهَذَا يُتَسَامَحُ فِيهِ مَا لَا يُتَسَامَحُ بِهِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ وَجْهَ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَلِذَا أَبَاحَ النَّظَرَ لَهُ مَعَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ كَثِيرُونَ بِخِلَافِ الْعَوْرَةِ الْكُبْرَى الَّتِي هِيَ السَّوْأَتَانِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِحِلِّ نَظَرِهَا وَكَذَا بَقِيَّةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ عَوْرَةٌ، فَوَجَبَ سَتْرُ الْكُلِّ حَذَرًا مِنْ تَطَرُّقِ نَظَرٍ مُحَرَّمٍ إِلَيْهِ، فَيَكُونَ مُتَسَبِّبًا لَهُ بِعَدَمِ تَسَتُّرِهِ، وَالتَّسَبُّبُ فِي الْحَرَامِ وَلَوْ مِنَ الْغَيْرِ حَرَامٌ.

стр. 765

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٤٨ - عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: «إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٤٨ - (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ) : أَيِ: انْحِصَارُ وُجُوبِ الْغُسْلِ (مِنَ الْمَاءِ) أَيْ مِنْ إِنْزَالِ الْمَنِيِّ لَا بِمُجَرَّدِ الْجِمَاعِ (رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ) : تَدْرِيجًا لِتَكَالِيفِ الْأَحْكَامِ، وَمِنْ ثَمَّ حَلَّتْ لَهُمُ الْخَمْرُ وَالْمُتْعَةُ ابْتِدَاءً ثُمَّ نُسِخَتَا، وَلَمْ يُكَلَّفُوا أَوَّلًا إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ مَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ، ثُمَّ نُسِخَ بِمَا فِي آخِرِهَا، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّلَاةِ مَا نَسَخَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، ثُمَّ بَعْدَ تَحَوُّلِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَرَضَ عَلَيْهِمْ رَمَضَانَ، ثُمَّ تَتَابَعَتِ الْفَرَائِضُ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (ثُمَّ) : أَيْ: بَعْدَ اسْتِحْكَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ (نُهِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (عَنْهَا) أَيْ: عَنْ تِلْكَ الرُّخْصَةِ، وَفُرِضَ الْغُسْلُ وَلَوْ لَمْ يُنْزِلْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ (وَأَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ، قَالَهُ مِيرَكُ (وَالدَّارِمِيُّ) : وَسَنَدَهُ حَسَنٌ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.

стр. 766

٤٤٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي اغْتَسَلْتُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ، فَرَأَيْتُ قَدْرَ مَوْضِعِ الظُّفُرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ كُنْتَ مَسَحْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ أَجْزَأَكَ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٤٩ - (وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي اغْتَسَلْتُ مِنَ الْجَنَابَةِ) : أَيْ: مِنْ أَجْلِهَا (وَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ) : أَيْ: صَلَاتَهُ (فَرَأَيْتُ) : أَيْ: أَبْصَرْتُ وَعَلِمْتُ بَعْدَ انْقِضَاءِ صَلَاتِي (قَدْرَ مَوْضِعِ الظُّفُرِ) : بِضَمِّ الْفَاءِ وَيُسَكَّنُ، أَيْ: مِقْدَارَ مَوْضِعِهِ مِنْ بَدَنِي (لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ) : حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" لَوْ كُنْتَ ") : أَيْ: عِنْدَ الْغُسْلِ (" مَسَحْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ ") : أَيْ: غَسَلْتَهُ غَسْلًا خَفِيفًا، أَوْ مَرَرْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ الْمَبْلُولَةِ (أَجْزَأَكَ) : أَيْ: كَفَاكَ، وَأَمَّا الْمَسْحُ الَّذِي هُوَ إِصَابَةُ الْيَدِ الْمُبْتَلَّةِ فَلَا يَكْفِي. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ لَوْ لِامْتِنَاعِ الشَّيْءِ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ، فَالْمَعْنَى: لَا يُجْزِئُكَ ; لِأَنَّكَ فِي زَمَانِ الْغَسْلِ مَا مَسَحْتَ بِالْمَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْغَسْلُ جَدِيدًا وَقَضَاءُ الصَّلَاةِ اهـ. يَعْنِي: غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَرِجَالُهُ مُوثَقُونَ، قَالَهُ مِيرَكُ.

стр. 767

٤٥٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «قَالَ: كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا، وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ مَرَّةً، وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٥٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: كَانَتِ الصَّلَاةُ مَفْرُوضَةً فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ خَمْسِينَ، لَا أَنَّهُمْ صَلَّوْا خَمْسِينَ صَلَاةً، وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: كَانَتِ الصَّلَاةُ عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ خَمْسِينَ، وَكَذَا قَوْلُهُ: ( «وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ سَبْعَ مَرَّاتٍ» ) : وَلَعَلَّ هَذَا بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الْأُمَمِ ; لِأَنَّهُ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى بَعْضِهِمْ قَطْعُ مَكَانِ الْبَوْلِ، ( «فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ» ) : أَيْ: رَبَّهُ فِي التَّخْفِيفِ عَنْ أُمَّتِهِ لِعِظَمِ مَا عِنْدَهُ مِنْ رَأْفَةٍ وَرَحْمَةٍ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الْمُرَادُ بِهِ تَكَرُّرُ السُّؤَالِ مِنْهُ ﵊ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، تَأَمَّلْ. اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَكْرَارُ السُّؤَالِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهَا فِيهَا أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( «حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا» ) : بِالْكَمِّيَّةِ، وَخَمْسِينَ بِمُضَاعَفَةِ الْفَضِيلَةِ ( «وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ مَرَّةً» ) : بِالْفَرْضِيَّةِ، وَتَثْلِيثًا بِالسُّنِّيَّةِ ( «وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً» ) : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُرَافِقُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّهُ يُطَهِّرُ الْغَسْلُ مَرَّةً ; لِأَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ، فَإِذَا اسْتُعْمِلَ مَرَّةً يُطَهِّرُ كَمَا يُطَهَّرُ الْبَدَنُ مِنَ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَعُلَمَاؤُنَا الْحَنَفِيَّةُ اعْتَبَرُوا غَلَبَةَ الظَّنِّ ثُمَّ قَدَّرُوهَا بِالْغَسْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَبِالْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ تَحْصُلُ عِنْدَهُ غَالِبًا، وَقَدْ قِيلَ: يُبَالَغُ بِالْعَدَدِ إِلَى السَّبْعِ لِدَفْعِ الْوَسْوَسَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: لَوْ جَرَى الْمَاءُ عَلَى ثَوْبٍ نَجِسٍ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ طَهُرَ جَازَ بِلَا عَصْرٍ، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمُجَمَّعِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَسَنَدُهُ حَسَنٌ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ لَمْ يُضَعِّفْهُ فَيَكُونَ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي سَنَدِهِ أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَضْعِيفِهِ.

стр. 768

[بَابُ مُخَالَطَةِ الْجُنُبِ وَمَا يُبَاحُ لَهُ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٥١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَكَثْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ، وَهُوَ قَاعِدٌ فَقَالَ: " أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟ " فَقُلْتُ لَهُ. فَقَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ» ". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: «فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ» . وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى. ــ (٦) بَابُ مُخَالَطَةِ الْجُنُبِ أَيْ: جَوَازُ مُجَالَسَتِهِ وَمُكَالَمَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. يُقَالُ: أَجْنَبَ الرَّجُلُ إِذَا صَارَ جُنُبًا، وَالِاسْمُ الْجَنَابَةُ، وَأَصْلُهَا الْبُعْدُ ; لِأَنَّهُ نُهِيَ أَنْ يَقْرَبَ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، وَعَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا لَمْ يَتَطَهَّرْ. (وَمَا يُبَاحُ لَهُ) : أَيْ: لِلْجُنُبِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَغَيْرِهَا. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٤٥١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَإِنَّمَا نَسَبَ اللُّقِيَّ إِلَيْهِ ﵊ لِعَدَمِ قَصْدِ أَبِي هُرَيْرَةَ لُقِيَّهُ ﵊ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ (وَأَنَا جُنُبٌ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَأَخَذَ بِيَدِي) : لِلتَّأْنِيسِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْتِفَاتِهِ إِلَيْهِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ بِهَا لِلِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا بَعِيدٌ (فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ) : وَتَخَلَّصَتْ يَدِي مِنْهُ (فَانْسَلَلْتُ) : فِي النِّهَايَةِ أَيْ: مَضَيْتُ وَخَرَجْتُ بِتَأَنٍّ وَتَدَرُّجٍ، قِيلَ: مَعْنَاهُ انْصَرَفْتُ أَوْ خَرَجْتُ، وَذَهَبْتُ بِخُفْيَةٍ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ وَأَدَبًا مَعَهُ (فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ) : أَيِ: الْبَيْتَ الْمَعْهُودَ هُنَا، وَهُوَ مَنْزِلُ نَفْسِهِ ; لِأَنَّ بُيُوتَهُمْ كَانَتْ مَحَلًّا لِلرِّحَالِ. وَقَالَ الْمُظْهَرُ: أَيْ مَا بَيْنَ الرَّحْلِ، وَهُوَ مَا كَانَ مَعَ الْمُسَافِرِ مِنَ الْأَقْمِشَةِ، وَالرَّحْلُ أَيْضًا الْمَوْضِعُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْقَوْمُ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ (فَاغْتَسَلْتُ) : أَيْ: فِيهِ (ثُمَّ جِئْتُ) : أَيْ: جِئْتُهُ (وَهُوَ قَاعِدٌ) :

стр. 769

الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ الْمُقَدَّرِ (فَقَالَ: " أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ ") : كَانَ اسْمُهُ فِي الْإِسْلَامِ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، وَهَذِهِ الْكُنْيَةُ وَضَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ لَهُ حِينَ رَأَى فِي ثَوْبِهِ شَيْئًا يَحْمِلُهُ فَقَالَ: " «مَا هَذَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ " فَقَالَ: هِرَّةٌ فَقَالَ: " أَنْتَ أَبُو هُرَيْرَةَ» ". (فَقُلْتُ لَهُ) : أَيْ: ذَكَرْتُ لَهُ الْقِصَّةَ (فَقَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ ") : تَعَجُّبًا مِنْ عَدَمِ عِلْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَسْأَلَةَ (" «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ» ") بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: لَا يَصِيرُ عَيْنُهُ نَجِسًا، وَهَذَا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْمُؤْمِنِ بَلِ الْكَافِرُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فَالنَّجَاسَةُ فِي اعْتِقَادَاتِهِمْ لَا فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِمْ، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ أَعْيَانَهُمْ نَجِسَةٌ كَالْخِنْزِيرِ، وَعَنِ الْحَسَنِ: مَنْ صَافَحَهُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ - فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّبَعُّدِ عَنْهُمْ، وَاحْتِرَازٌ مِنْهُمْ. كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ جَوَازُ مُصَافَحَةِ الْجُنُبِ وَمُخَالَطَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَافَقُوا عَلَى طَهَارَةِ عَرَقِ الْجُنُبِ وَمُخَالَطَتِهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الِاغْتِسَالِ لِلْجُنُبِ، وَأَنْ يَسْعَى فِي حَوَائِجِهِ، قَالَ الْقَاضِي ﵀: وَيُمْكِنُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ الْحَدَثُ نَجَاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ، وَأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ أَوْ غُسْلٌ فَهُوَ نَجِسٌ حُكْمًا، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ نَجِسَ حُكْمًا لَمَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِالطَّهَارَةِ. فَقَوْلُهُ: لَا يَنْجَسُ أَيْ: حَقِيقَةً لَا حُكْمًا، أَوْ ظَاهِرًا، أَوْ بَاطِنًا، بِخِلَافِ الْكَافِرِ ; فَإِنَّهُ نَجِسٌ بَاطِنًا لِنَجَاسَةِ اعْتِقَادِهِ وَخَبَاثَةِ أَخْلَاقِهِ. (هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ، وَزَادَ) : أَيْ: مُسْلِمٌ (بَعْدَ قَوْلِهِ: فَقُلْتُ لَهُ) : أَيْ: زِيَادَةً مُشْتَمِلَةً عَلَى مَا شَرَحْنَا أَوَّلًا، وَهِيَ (لَقِيتَنِي) : إِلَى آخِرِهِ (وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ) : أَيْ: فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (حَتَّى أَغْتَسِلَ) لِأَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ حَقِيقِيَّةٍ (وَكَذَا) : أَيْ: زَادَ (الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى) : هَذِهِ الزِّيَادَةَ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: فِيهِ بَحْثٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: حَتَّى اغْتَسَلَ لَيْسَ لِلْبُخَارِيِّ.

стр. 770

٤٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٥٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ) : الضَّمِيرُ لِعُمَرَ أَوْ لِلشَّأْنِ (تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ) : يَعْنِي: وَيَكْسَلُ عَنِ الْغُسْلِ لِغَلَبَةِ النَّوْمِ (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" تَوَضَّأْ ") : أَيْ: وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ (" وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ") : عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ تَوَضَّأْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ ; لِأَنَّ الْغُسْلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ وَتَبَرُّكًا بِهِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَكَتَبَ مِيرَكُ تَحْتَهُ: وَفِيهِ وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ مَا فِيهِ. وَلَعَلَّهُ قَرَأَ الْغُسْلَ فَنَشَأَ مِنْهُ الْإِشْكَالُ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْغَسْلُ بِالْفَتْحِ، وَالْمُرَادُ غَسْلُ الذَّكَرِ، وَاللَّامُ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَقَوْلُ الطِّيبِيِّ: وَإِنَّمَا قُدِّمَ أَيِ: الْوُضُوءُ فَتَأَمَّلْ، وَسُنَّ غَسْلُ الذَكَرِ لِمَا عَلَيْهِ مِنَ النَّجَاسَةِ لَا مِنَ الْقَذَرِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، (" ثُمَّ نَمْ ") . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ التَّصْرِيحُ لِمَذْهَبِنَا أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، أَوْ يُؤَخِّرَ الْغُسْلَ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، أَنْ يَتَوَضَّأَ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ كَمَا يَأْتِي. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ خِلَافٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ فِيهِ التَّصْرِيحُ لِمَذْهَبِنَا، وَالْخِلَافُ الْآتِي إِنَّمَا هُوَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الِاكْتِفَاءُ بِالْوُضُوءِ الْعُرْفِيِّ أَمْ لَا؟ وَإِنْ أَرَادَ الْكَرَاهَةَ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ فَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ فَضْلًا عَنِ الصَّرَاحَةِ فَإِنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ الْمُوَاظَبَةِ أَوْ يُرَادُ بِهَا النَّهْيُ الْمَقْصُودُ.

стр. 771

٤٥٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤٥٣ - (" وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» ") : ﵂؛ أَيِ: الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِالْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ ; وَهُوَ غَسْلُ الْفَمِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.

стр. 772

٤٥٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤٥٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ» ") : أَيِ: امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ، يَعْنِي: جَامَعَهَا (" ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ ") أَيْ: إِلَى الْجِمَاعِ (فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْإِتْيَانَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّ هَذَا أَطْيَبُ، وَأَكْثَرُ لِلنَّشَاطِ وَالتَّلَذُّذِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ أَنْ يَغْسِلَ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يُجَامِعَ مَرَّةً أُخْرَى أَوْ يَنَامَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي خَبَرٍ لِلنَّسَائِيِّ، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: هُوَ فِي الْعَوْدِ لِلْوَطْءِ غَسْلُ فَرْجِهِ ; لِرِوَايَةِ: «ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَغْسِلْ فَرْجَهُ» : قِيلَ: وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَيْضًا (وُضُوءًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا أَتَى بِالْمَصْدَرِ تَأْكِيدًا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَيْرُ الْمُتَعَارَفِ كَمَا فِي الْأَكْلِ أَيْ: فِي بَابِهِ يُعَضِّدُهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ السَّابِقُ: تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ التَّنَكُّرِ إِفَادَةُ وُضُوءٍ مَا، فَيَشْمَلُ الْوُضُوءَ الْعُرْفِيَّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّنْوِينِ التَّنْكِيرُ لَا التَّعْظِيمُ، غَايَتُهُ أَنَّ تَقْيِيدَهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِوُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ إِيمَاءً إِلَى الْأَكْمَلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْأَفْضَلُ، ثُمَّ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ تَخْفِيفُ الْحَدَثِ وَالتَّنْظِيفُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 773

٤٥٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ". ــ ٤٥٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيْ: أَحْيَانًا (" يَطُوفُ ") : أَيْ: يَدُورُ (" عَلَى نِسَائِهِ ") : حِينَ يُجَامِعُهُنَّ (بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) : فَإِنْ قِيلَ: أَقَلُّ الْقَسْمِ لَيْلَةٌ لِكُلِّ امْرَأَةٍ، فَكَيْفَ طَافَ عَلَى الْجَمِيعِ؟ الْجَوَابُ: وُجُوبُ الْقَسْمِ عَلَيْهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ يَقْسِمُ بِالتَّسْوِيَةِ تَبَرُّعًا وَتَكَرُّمًا، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى وُجُوبِهِ، وَكَانَ طَوَافُهُ ﷺ بِرِضَاهُنَّ، وَأَمَّا الطَّوَافُ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ فِيمَا بَيْنَهُ أَوْ تَرَكَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِهِ. وَقَالَ مِيرَكُ: وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ. لَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ عَدَدَ النِّسْوَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ الْغُسْلَ اهـ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ الْأَزْوَاجُ الطَّاهِرَاتُ جُمْلَتُهُنَّ الْمَوْطُوءَاتُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِذْ مِنْهُنَّ لَيْسَ خَدِيجَةُ، وَهِيَ لَمْ تَجْتَمِعْ مَعَهُنَّ. قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ: فَهَؤُلَاءِ أَزْوَاجُهُ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالْأَثَرِ: خَدِيجَةُ، وَعَائِشَةُ، وَحَفْصَةُ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَسَوْدَةُ، وَزَيْنَبُ، وَمَيْمُونَةُ، وَأُمُّ الْمَسَاكِينِ، وَجُوَيْرِيَّةُ، وَصَفِيَّةُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِتَغْلِيبِ النِّسَاءِ عَلَى السَّرَارِي، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَجَاءَ فِي خَبَرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِأَنَسٍ: «أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ فَقَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا» . وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ مُعَاذٍ: قُوَّةَ أَرْبَعِينَ. زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: كُلُّ رَجُلٍ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَفِي الْحَدِيثِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ ; «إِذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ» ، فَيَكُونُ ﵊ أُعْطِيَ قُوَّةَ أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَكَذَا يَنْدَفِعُ مَا اسْتُشْكِلَ مِنْ كَوْنِهِ ﵊ أُعْطِيَ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ فَقَطْ، «وَأُعْطِيَ سُلَيْمَانُ قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ أَوْ أَلْفٍ» عَلَى مَا وَرَدَ، وَحِكْمَةُ تَمَيُّزِهِ عَنِ الْخَلْقِ فِي زِيَادَةِ الْوَطْءِ وَقِلَّةِ الْأَكْلِ أَنَّ اللَّهَ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ فِي الْأُمُورِ الِاعْتِيَادِيَّةِ، كَمَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، حَتَّى يَكُونَ حَالُهُ كَامِلًا فِي الدَّارَيْنِ، بَلْ فِيهِ خَرْقٌ لِلْعَادَةِ ; لِأَنَّ مَنْ قَلَّ أَكْلُهُ قَلَّ جِمَاعُهُ غَالِبًا، وَلَعَلَّ هَذِهِ الْحِكْمَةَ فِي إِبَاحَةِ أَرْبَعٍ مِنَ النِّسَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي غَايَةٍ مِنَ الصَّبْرِ عَنِ الْجِمَاعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أُعْطِيَ مِنْ قُوَّتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ أَكْلِ أَرْبَعِينَ فِي الْأَكْلِ أَيْضًا لِتَلَازُمِهِمَا غَالِبًا، فَيَدُلُّ عَلَى غَايَةِ صَبْرِهِ عَلَى الْجُوعِ أَيْضًا، وَأَنَّهُ كَانَ يُطْعِمُهُ رَبُّهُ وَيَسْقِيهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُسَلِّيهِ حُضُورُهُ مَعَ اللَّهِ وَعَدَمُ شُعُورِهِ عَمَّا سِوَاهُ مِنَ الْأَكْلِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرِهِمَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 774

٤٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ــ ٤٥٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» ) : جَمْعُ حِينٍ بِمَعْنَى الْوَقْتِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: الذِّكْرُ نَوْعَانِ: قَلْبِيٌّ وَلِسَانِيٌّ. وَالْأَوَّلُ أَعْلَاهُمَا، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] وَهُوَ أَنْ لَا يَنْسَى اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ حَالٍ، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَظٌّ وَافِرٌ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ إِلَّا فِي حَالَةِ الْجَنَابَةِ وَدُخُولِ الْخَلَاءِ، فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ فِيهِمَا عَلَى النَّوْعِ الَّذِي لَا أَثَرَ فِيهِ لِلْجَنَابَةِ، وَلِذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: (" غُفْرَانَكَ ") . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» ، إِلَّا فِي الْجَنَابَةِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الذِّكْرِ الْقُرْآنِيِّ، وَفِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ: (" «كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ» ") أَوْ " طَهَارَةٍ " مَحْمُولٌ عَلَى الذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ، وَالْكَرَاهَةُ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ، وَقِيلَ: تُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى مَا إِذَا تَيَسَّرَتِ الطِّهَارَةُ، وَأَغْرَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ الذِّكْرَ الْقَلْبِيَّ الْمَحْضَ لَا ثَوَابَ فِيهِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ ذِكْرًا مَأْمُورًا بِهِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ فَفِيهِ ثَوَابٌ ; أَيَّ ثَوَابٍ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" «لِفَضْلِ الذِّكْرِ الْخَفِيِّ الَّذِي لَا يَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ سَبْعُونَ ضِعْفًا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَجَمَعَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ لِحِسَابِهِمْ، وَجَاءَتِ الْحَفَظَةُ بِمَا حَفِظُوا وَكَتَبُوا، قَالَ لَهُمْ: انْظُرُوا هَلْ بَقِيَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ؟ فَيَقُولُونَ: مَا تَرَكْنَا شَيْئًا مِمَّا عَلِمْنَاهُ وَحَفِظَاهُ إِلَّا وَقَدْ أَحْصَيْنَاهُ وَكَتَبْنَاهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّ لَكَ عِنْدِي حَسَنًا لَا تَعَلَمُهُ وَأَنَا أَجْزِيكَ بِهِ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْخَفِيُّ» ") . كَذَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْبُدُورِ السَّافِرَةِ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَفْظُهُ: الذِّكْرُ الَّذِي لَا يَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ يَزِيدُ عَلَى الذِّكْرِ الَّذِي تَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ سَبْعِينَ ضِعْفًا. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (" شُعَبِ الْإِيمَانِ ") عَنْ عَائِشَةَ، فَالْحَدِيثَانِ حُجَّتَانِ ظَاهِرَتَانِ لِلسَّادَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ زُبْدَةِ الْقَادَةِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ أَسْرَارَهُمُ الْعَلِيَّةَ. فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَالْحَقُّ أَنَّ الْأَعْلَى مَا جَمَعَ الْقَلْبَ وَاللِّسَانَ، ثُمَّ اللِّسَانِيُّ، ثُمَّ الْقَلْبِيُّ، مَحْمُولٌ عَلَى غَفْلَتِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ بِالذِّكْرِ مُطْلَقَ الذِّكْرِ سَوَاءٌ أَمَرَهُ الشَّارِعُ بِهِ أَمْ لَا فَيَرُدُّهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ عَلَى أَنَّ الْحُضُورَ الْقَلْبِيَّ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الذِّكْرَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ: أَنَّ اللِّسَانِيَّ أَعْلَى مِنَ الْقَلْبِيِّ ; لِلِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْقَلْبِيِّ حِينَئِذٍ. (وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ) : أَيِ: الْمَذْكُورُ فِي الْمَصَابِيحِ هُنَا الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهُوَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَى بِطَعَامٍ فَذَكَرُوا لَهُ الْوُضُوءَ أَيْ: قَالُوا لَهُ: أَنَتَوَضَّأُ ثُمَّ نَأْكُلُ؟ فَقَالَ: " أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ، فَأَتَوَضَّأُ» ؟ " بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ، أَيْ: مَا أُرِيدُ. (سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) : فَإِنَّهُ أَنْسَبُ بِذَلِكَ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 775

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٥٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا. فَقَالَ: " إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٥٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ » ) : هِيَ مَيْمُونَةُ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ (فِي جَفْنَةٍ) أَيْ: مُدْخِلَةً يَدَهَا فِي جَفْنَةِ صَحْفَةٍ كَبِيرَةٍ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ: " «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» " قَالَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مُدْخِلَةً يَدَهَا فِي جَفْنَةٍ تَغْتَرِفُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا حَمَلَ عَلَى هَذَا دُونَ كَوْنِهَا فِي الْجَفْنَةِ الشَّاهِدُ لِمَا قَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ، لِيُطَابِقَهُ الْجَوَابُ الْآتِي: إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِصِحَّةِ ذَلِكَ الْجَوَابِ عَلَى كُلِّ الْمَاءِ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجَابَ بِهِ أَنْ يُقَالَ: هَذَا مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ، فَعَلَى احْتِمَالِ الِاعْتِرَافِ لَا حُجَّةَ لَهُمْ، وَأَنَّهَا اغْتَسَلَتْ فِي نَفْسِ الْجَفْنَةِ لَهُمْ حُجَّةٌ فِيهِ، لَكِنَّ الدَّلِيلَ إِذَا احْتَمَلَ مِثْلَ ذَلِكَ يَصِيرُ لَا مُتَمَسَّكَ فِيهِ لِكُلٍّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، فَيَنْتَقِلَانِ إِلَى غَيْرِهِ، هَذَا كُلُّهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ عَنْ لَفْظِ الْمَصَابِيحِ، إِمَّا مَعَ النَّظَرِ إِلَيْهَا فَالْحَدِيثُ لَا مُتَمَسَّكَ لَهُمْ فِيهِ الْبَتَّةَ ; لِتَصْرِيحِهِ بِأَنَّ الْغُسْلَ مِنَ الْجَفْنَةِ لَا فِيهَا، وَأَنَّهُ فَضَلَ مِنْهَا فَضْلَةٌ، وَالْحُكْمُ بِطَهَارَةِ تِلْكَ الْفَضْلَةِ لَا يَقْتَضِي طَهُورِيَّةَ الْمُسْتَعْمَلِ ( «فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ» ) : أَيْ: مِنْ مَاءِ الْجَفْنَةِ ( «فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا» ) : أَيْ: وَاغْتَسَلْتُ بِهَذَا الْمَاءِ، وَهُوَ فَضْلَةُ يَدِي، وَالْجُنُبُ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ (فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْيَاءِ وَضَمُّ النُّونِ، قَالَهُ الزَّعْفَرَانِيُّ، أَيْ: لَا يَصِيرُ جُنُبًا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَاءُ إِذَا غَمَسَ فِيهِ الْجُنُبُ يَدَهُ لَمْ يَنْجَسْ، فَرُبَّمَا سَبَقَ إِلَى فَهْمِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْعُضْوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَنَابَةُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ كَالْعُضْوِ الَّذِي عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ فَيَحْكُمَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ مَنْ غَمْسِ الْعُضْوِ الْجُنُبِ، كَمَا يَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ مَنْ غَمَسَ النَّجِسَ فِيهِ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ اهـ. كَلَامُهُ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ حُمَيْدٍ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ» ؟ قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى لِلتَّنْزِيهِ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ نَقَلَهُ السَّيِّدُ، (وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : كَذَا اللَّفْظُ (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ) : أَيْ: بِمَعْنَاهُ.
следующие страницы →