Полный текст (8 767 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
٤٥٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٥٣ - (" وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» ") : ﵂؛ أَيِ: الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِالْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ ; وَهُوَ غَسْلُ الْفَمِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
стр. 772
٤٥٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٥٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ» ") : أَيِ: امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ، يَعْنِي: جَامَعَهَا (" ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ ") أَيْ: إِلَى الْجِمَاعِ (فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْإِتْيَانَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّ هَذَا أَطْيَبُ، وَأَكْثَرُ لِلنَّشَاطِ وَالتَّلَذُّذِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ أَنْ يَغْسِلَ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يُجَامِعَ مَرَّةً أُخْرَى أَوْ يَنَامَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي خَبَرٍ لِلنَّسَائِيِّ، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: هُوَ فِي الْعَوْدِ لِلْوَطْءِ غَسْلُ فَرْجِهِ ; لِرِوَايَةِ: «ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَغْسِلْ فَرْجَهُ» : قِيلَ: وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَيْضًا (وُضُوءًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا أَتَى بِالْمَصْدَرِ تَأْكِيدًا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَيْرُ الْمُتَعَارَفِ كَمَا فِي الْأَكْلِ أَيْ: فِي بَابِهِ يُعَضِّدُهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ السَّابِقُ: تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ التَّنَكُّرِ إِفَادَةُ وُضُوءٍ مَا، فَيَشْمَلُ الْوُضُوءَ الْعُرْفِيَّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّنْوِينِ التَّنْكِيرُ لَا التَّعْظِيمُ، غَايَتُهُ أَنَّ تَقْيِيدَهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِوُضُوئِهِ لِلصَّلَاةِ إِيمَاءً إِلَى الْأَكْمَلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْأَفْضَلُ، ثُمَّ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ تَخْفِيفُ الْحَدَثِ وَالتَّنْظِيفُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 773
٤٥٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ".
ــ
٤٥٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيْ: أَحْيَانًا (" يَطُوفُ ") : أَيْ: يَدُورُ (" عَلَى نِسَائِهِ ") : حِينَ يُجَامِعُهُنَّ (بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) : فَإِنْ قِيلَ: أَقَلُّ الْقَسْمِ لَيْلَةٌ لِكُلِّ امْرَأَةٍ، فَكَيْفَ طَافَ عَلَى الْجَمِيعِ؟ الْجَوَابُ: وُجُوبُ الْقَسْمِ عَلَيْهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ يَقْسِمُ بِالتَّسْوِيَةِ تَبَرُّعًا وَتَكَرُّمًا، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى وُجُوبِهِ، وَكَانَ طَوَافُهُ ﷺ بِرِضَاهُنَّ، وَأَمَّا الطَّوَافُ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ فِيمَا بَيْنَهُ أَوْ تَرَكَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِهِ. وَقَالَ مِيرَكُ: وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ. لَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ عَدَدَ النِّسْوَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ الْغُسْلَ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ الْأَزْوَاجُ الطَّاهِرَاتُ جُمْلَتُهُنَّ الْمَوْطُوءَاتُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِذْ مِنْهُنَّ لَيْسَ خَدِيجَةُ، وَهِيَ لَمْ تَجْتَمِعْ مَعَهُنَّ. قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ: فَهَؤُلَاءِ أَزْوَاجُهُ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالْأَثَرِ: خَدِيجَةُ، وَعَائِشَةُ، وَحَفْصَةُ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَسَوْدَةُ، وَزَيْنَبُ، وَمَيْمُونَةُ، وَأُمُّ الْمَسَاكِينِ، وَجُوَيْرِيَّةُ، وَصَفِيَّةُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِتَغْلِيبِ النِّسَاءِ عَلَى السَّرَارِي، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَجَاءَ فِي خَبَرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِأَنَسٍ: «أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ فَقَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا» . وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ مُعَاذٍ: قُوَّةَ أَرْبَعِينَ. زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: كُلُّ رَجُلٍ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَفِي الْحَدِيثِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ غَرِيبٌ ; «إِذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ» ، فَيَكُونُ ﵊ أُعْطِيَ قُوَّةَ أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَكَذَا يَنْدَفِعُ مَا اسْتُشْكِلَ مِنْ كَوْنِهِ ﵊ أُعْطِيَ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ فَقَطْ، «وَأُعْطِيَ سُلَيْمَانُ قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ أَوْ أَلْفٍ» عَلَى مَا وَرَدَ، وَحِكْمَةُ تَمَيُّزِهِ عَنِ الْخَلْقِ فِي زِيَادَةِ الْوَطْءِ وَقِلَّةِ الْأَكْلِ أَنَّ اللَّهَ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ فِي الْأُمُورِ الِاعْتِيَادِيَّةِ، كَمَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، حَتَّى يَكُونَ حَالُهُ كَامِلًا فِي الدَّارَيْنِ، بَلْ فِيهِ خَرْقٌ لِلْعَادَةِ ; لِأَنَّ مَنْ قَلَّ أَكْلُهُ قَلَّ جِمَاعُهُ غَالِبًا، وَلَعَلَّ هَذِهِ الْحِكْمَةَ فِي إِبَاحَةِ أَرْبَعٍ مِنَ النِّسَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي غَايَةٍ مِنَ الصَّبْرِ عَنِ الْجِمَاعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أُعْطِيَ مِنْ قُوَّتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ أَكْلِ أَرْبَعِينَ فِي الْأَكْلِ أَيْضًا لِتَلَازُمِهِمَا غَالِبًا، فَيَدُلُّ عَلَى غَايَةِ صَبْرِهِ عَلَى الْجُوعِ أَيْضًا، وَأَنَّهُ كَانَ يُطْعِمُهُ رَبُّهُ وَيَسْقِيهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُسَلِّيهِ حُضُورُهُ مَعَ اللَّهِ وَعَدَمُ شُعُورِهِ عَمَّا سِوَاهُ مِنَ الْأَكْلِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرِهِمَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 774
٤٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
٤٥٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» ) : جَمْعُ حِينٍ بِمَعْنَى الْوَقْتِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: الذِّكْرُ نَوْعَانِ: قَلْبِيٌّ وَلِسَانِيٌّ. وَالْأَوَّلُ أَعْلَاهُمَا، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] وَهُوَ أَنْ لَا يَنْسَى اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ حَالٍ، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَظٌّ وَافِرٌ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ إِلَّا فِي حَالَةِ الْجَنَابَةِ وَدُخُولِ الْخَلَاءِ، فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ فِيهِمَا عَلَى النَّوْعِ الَّذِي لَا أَثَرَ فِيهِ لِلْجَنَابَةِ، وَلِذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: (" غُفْرَانَكَ ") . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» ، إِلَّا فِي الْجَنَابَةِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الذِّكْرِ الْقُرْآنِيِّ، وَفِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ: (" «كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ» ") أَوْ " طَهَارَةٍ " مَحْمُولٌ عَلَى الذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ، وَالْكَرَاهَةُ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ، وَقِيلَ: تُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى مَا إِذَا تَيَسَّرَتِ الطِّهَارَةُ، وَأَغْرَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ الذِّكْرَ الْقَلْبِيَّ الْمَحْضَ لَا ثَوَابَ فِيهِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ ذِكْرًا مَأْمُورًا بِهِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ فَفِيهِ ثَوَابٌ ; أَيَّ ثَوَابٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" «لِفَضْلِ الذِّكْرِ الْخَفِيِّ الَّذِي لَا يَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ سَبْعُونَ ضِعْفًا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَجَمَعَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ لِحِسَابِهِمْ، وَجَاءَتِ الْحَفَظَةُ بِمَا حَفِظُوا وَكَتَبُوا، قَالَ لَهُمْ: انْظُرُوا هَلْ بَقِيَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ؟ فَيَقُولُونَ: مَا تَرَكْنَا شَيْئًا مِمَّا عَلِمْنَاهُ وَحَفِظَاهُ إِلَّا وَقَدْ أَحْصَيْنَاهُ وَكَتَبْنَاهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّ لَكَ عِنْدِي حَسَنًا لَا تَعَلَمُهُ وَأَنَا أَجْزِيكَ بِهِ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْخَفِيُّ» ") . كَذَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْبُدُورِ السَّافِرَةِ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَفْظُهُ: الذِّكْرُ الَّذِي لَا يَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ يَزِيدُ عَلَى الذِّكْرِ الَّذِي تَسْمَعُهُ الْحَفَظَةُ سَبْعِينَ ضِعْفًا. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (" شُعَبِ الْإِيمَانِ ") عَنْ عَائِشَةَ، فَالْحَدِيثَانِ حُجَّتَانِ ظَاهِرَتَانِ لِلسَّادَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ زُبْدَةِ الْقَادَةِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ أَسْرَارَهُمُ الْعَلِيَّةَ. فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَالْحَقُّ أَنَّ الْأَعْلَى مَا جَمَعَ الْقَلْبَ وَاللِّسَانَ، ثُمَّ اللِّسَانِيُّ، ثُمَّ الْقَلْبِيُّ، مَحْمُولٌ عَلَى غَفْلَتِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ بِالذِّكْرِ مُطْلَقَ الذِّكْرِ سَوَاءٌ أَمَرَهُ الشَّارِعُ بِهِ أَمْ لَا فَيَرُدُّهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ عَلَى أَنَّ الْحُضُورَ الْقَلْبِيَّ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الذِّكْرَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ: أَنَّ اللِّسَانِيَّ أَعْلَى مِنَ الْقَلْبِيِّ ; لِلِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْقَلْبِيِّ حِينَئِذٍ.
(وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ) : أَيِ: الْمَذْكُورُ فِي الْمَصَابِيحِ هُنَا الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهُوَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَى بِطَعَامٍ فَذَكَرُوا لَهُ الْوُضُوءَ أَيْ: قَالُوا لَهُ: أَنَتَوَضَّأُ ثُمَّ نَأْكُلُ؟ فَقَالَ: " أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ، فَأَتَوَضَّأُ» ؟ " بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ، أَيْ: مَا أُرِيدُ. (سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) : فَإِنَّهُ أَنْسَبُ بِذَلِكَ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 775
الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٥٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَفْنَةٍ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا. فَقَالَ: " إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٥٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ » ) : هِيَ مَيْمُونَةُ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ (فِي جَفْنَةٍ) أَيْ: مُدْخِلَةً يَدَهَا فِي جَفْنَةِ صَحْفَةٍ كَبِيرَةٍ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ: " «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» " قَالَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مُدْخِلَةً يَدَهَا فِي جَفْنَةٍ تَغْتَرِفُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا حَمَلَ عَلَى هَذَا دُونَ كَوْنِهَا فِي الْجَفْنَةِ الشَّاهِدُ لِمَا قَالَهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ، لِيُطَابِقَهُ الْجَوَابُ الْآتِي: إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِصِحَّةِ ذَلِكَ الْجَوَابِ عَلَى كُلِّ الْمَاءِ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجَابَ بِهِ أَنْ يُقَالَ: هَذَا مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ، فَعَلَى احْتِمَالِ الِاعْتِرَافِ لَا حُجَّةَ لَهُمْ، وَأَنَّهَا اغْتَسَلَتْ فِي نَفْسِ الْجَفْنَةِ لَهُمْ حُجَّةٌ فِيهِ، لَكِنَّ الدَّلِيلَ إِذَا احْتَمَلَ مِثْلَ ذَلِكَ يَصِيرُ لَا مُتَمَسَّكَ فِيهِ لِكُلٍّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، فَيَنْتَقِلَانِ إِلَى غَيْرِهِ، هَذَا كُلُّهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ عَنْ لَفْظِ الْمَصَابِيحِ، إِمَّا مَعَ النَّظَرِ إِلَيْهَا فَالْحَدِيثُ لَا مُتَمَسَّكَ لَهُمْ فِيهِ الْبَتَّةَ ; لِتَصْرِيحِهِ بِأَنَّ الْغُسْلَ مِنَ الْجَفْنَةِ لَا فِيهَا، وَأَنَّهُ فَضَلَ مِنْهَا فَضْلَةٌ، وَالْحُكْمُ بِطَهَارَةِ تِلْكَ الْفَضْلَةِ لَا يَقْتَضِي طَهُورِيَّةَ الْمُسْتَعْمَلِ ( «فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ» ) : أَيْ: مِنْ مَاءِ الْجَفْنَةِ ( «فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا» ) : أَيْ: وَاغْتَسَلْتُ بِهَذَا الْمَاءِ، وَهُوَ فَضْلَةُ يَدِي، وَالْجُنُبُ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ (فَقَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْيَاءِ وَضَمُّ النُّونِ، قَالَهُ الزَّعْفَرَانِيُّ، أَيْ: لَا يَصِيرُ جُنُبًا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَاءُ إِذَا غَمَسَ فِيهِ الْجُنُبُ يَدَهُ لَمْ يَنْجَسْ، فَرُبَّمَا سَبَقَ إِلَى فَهْمِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْعُضْوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَنَابَةُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ كَالْعُضْوِ الَّذِي عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ فَيَحْكُمَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ مَنْ غَمْسِ الْعُضْوِ الْجُنُبِ، كَمَا يَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ مَنْ غَمَسَ النَّجِسَ فِيهِ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ اهـ. كَلَامُهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ حُمَيْدٍ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ» ؟ قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى لِلتَّنْزِيهِ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ نَقَلَهُ السَّيِّدُ، (وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : كَذَا اللَّفْظُ (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ) : أَيْ: بِمَعْنَاهُ.
стр. 776
٤٥٨ - وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " عَنْهُ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِلَفْظِ " الْمَصَابِيحِ ".
ــ
٤٥٨ - (وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْهُ) : أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (عَنْ مَيْمُونَةَ بِلَفْظِ: الْمَصَابِيحِ) : وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: أَجْنَبْتُ أَنَا - أَيْ: صِرْتُ جُنُبًا - وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاغْتَسَلَتْ مِنْ جَفْنَةٍ، وَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ، «فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا فَقُلْتُ: إِنِّي قَدِ اغْتَسَلْتُ مِنْهَا. فَاغْتَسَلَ ﵊، أَيْ: مِنْهَا. وَقَالَ: " إِنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» ". قَالَ شَارِحُهُ ابْنُ الْمَلَكِ: حَسِبَتْ مَيْمُونَةُ أَنَّ الْمَاءَ يَنْجَسُ بِالنَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ كَالنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ أَدْخَلَتْ فِيهِ يَدَهَا، فَقَالَ ﵊: " «إِنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ» " حُكْمِيَّةٌ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُطَهِّرًا إِذْ لَمْ يَنْوِ الْمُغَسِّلُ بِإِدْخَالِ يَدِهِ الْإِنَاءَ رَفْعَ الْجَنَابَةِ مِنْ كَفِّهِ، وَقَوْلُهُ: " «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» " أَيْ: لَا يَأْخُذُ حُكْمَ الْجَنَابَةِ، وَلَا يَصِيرُ بِمِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ إِلَى حَالٍ لَا يُسْتَعْمَلُ.
стр. 777
٤٥٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ يَسْتَدْفِئُ بِي قَبْلَ أَنْ أَغْتَسِلَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ
وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " بِلَفْظِ " الْمَصَابِيحِ ".
ــ
٤٥٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ) : ﵂ (قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ يَسْتَدْفِئُ بِي» ) : أَيْ: يَطْلُبُ الدَّفَاءَةَ بِفَتْحَتَيْنِ فَالْمَدِّ، وَهِيَ الْحَرَارَةُ، بِأَنْ يَضَعَ أَعْضَاءَهُ عَلَى أَعْضَائِي مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ (قَبْلَ أَنْ أَغْتَسِلَ) : قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: أَيْ يَطْلُبُ مِنِّي الْحَرَارَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] أَيْ: مَا تَسْتَدْفِئُونَ بِهِ، وَفِيهِ أَنَّ بَشْرَةَ الْجُنُبِ طَاهِرَةٌ ; لِأَنَّ الِاسْتِدْفَاءَ إِنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ مَسِّ الْبَشْرَةِ الْبَشْرَةَ، كَذَا فِي الطِّيبِيِّ، وَفِيهِ بَحْثٌ. اهـ. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ الِاسْتِدْفَاءَ يُمْكِنُ مَعَ الثَّوْبِ أَيْضًا، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فِيهِ التَّصْرِيحُ بِطَهَارَةِ الْجُنُبِ غَيْرُ صَحِيحٍ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : أَيْ: كَذَا اللَّفْظُ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ) : أَيْ: بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ.
(وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِلَفْظِ الْمَصَابِيحِ) : وَلَفْظُهُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجْنِبُ فَيَغْتَسِلُ، ثُمَّ يَسْتَدْفِئُ بِي قَبْلَ أَنْ أَغْتَسِلَ» .
стр. 778
٤٦٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ فَيُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَحْجُبْهُ - أَوْ يَحْجُزْهُ - عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ.
ــ
٤٦٠ - (وَعَنْ عَلِيٍّ) : رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ) بِالْمَدِّ أَيِ: الْمُطَهِّرِ (فَيُقْرِئُنَا) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: يُعَلِّمُنَا (الْقُرْآنَ وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ انْضِمَامَ أَكْلِ اللَّحْمِ مَعَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْإِشْعَارِ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ مَضْمَضَةٍ كَمَا فِي الصَّلَاةِ (وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ - أَوْ يَحْجُزُهُ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، أَيْ: يَمْنَعُهُ (عَنِ الْقُرْآنِ) : فَضْلًا عَنِ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ (شَيْءٌ) : أَيْ: مِنَ الْأَشْيَاءِ (لَيْسَ) أَيْ: ذَلِكَ (الْجَنَابَةَ) : بِالنَّصْبِ، وَالْمُرَادُ إِلَّا الْجَنَابَةَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَيْسَ بِمَعْنَى، إِلَّا تَقُولُ: جَاءَنِي الْقَوْمُ لَيْسَ زَيْدًا الضَّمِيرُ فِيهَا اسْمُهَا وَيُنْصَبُ خَبَرُهَا كَأَنَّكَ قُلْتَ: لَيْسَ الْجَائِي زَيْدًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : كَذَا اللَّفْظُ. (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ) : أَيْ بِمَعْنَاهُ، وَعَزَاهُ صَاحِبُ تَخْرِيجِ الْمَصَابِيحِ إِلَى التِّرْمِذِيِّ قَالَ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ. وَبَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ يُوهِنُهُ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلِمَةَ الرَّاوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بَعْدَ كِبَرِهِ، كَذَا حَرَّرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ التَّقْرِيبِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُرَادِيَّ الْكُوفِيَّ، صَدُوقٌ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ مِنَ الثَّانِيَةِ.
стр. 779
٤٦١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٦١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" لَا تَقْرَأُ ") : عَلَى صِيغَةِ النَّهْيِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: فَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَصْلًا ; لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَبِضَمِّهَا عَلَى الثَّانِي. وَقَالَ ابْنُ الضِّيَاءِ فِي شَرْحِ الْمُجَمَّعِ: هُوَ بِالْجَزْمِ، وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ. وَقَالَ الْخَلَجَانِيُّ: لَا لِلنَّهْيِ، لَكِنْ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ بِالرَّفْعِ لِلنَّفْيِ (" الْحَائِضُ ") وَكَذَا النُّفَسَاءُ (وَلَا الْجُنُبُ) : زِيَادَةً لِلتَّأْكِيدِ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ: " الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ " وَهُوَ سَهْوٌ مُخَالِفٌ لِلنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ. (" شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ ") : أَيْ: لَا الْقَلِيلَ وَلَا الْكَثِيرَ، وَبِهِ قَالَ
стр. 780
الشَّافِعِيُّ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى قَصْدِ الذِّكْرِ، وَجَوَّزَ مَالِكٌ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لِلْحَائِضِ لِخَوْفِ النِّسْيَانِ، وَلِلْجُنُبِ بَعْضَ آيَةٍ دُونَ تَمَامِهَا. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا كَمَالِكٍ وَأَصَحُّهُمَا كَالشَّافِعِيِّ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ إِلَّا طَرَفَ آيَةٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ لَكِنَّ لَهُ مُتَابَعَاتٍ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَمَاعَةٍ وَغَيْرُهُ تَجْبُرُ ضَعْفَهُ، وَمِنْ ثَمَّ حَسَّنَهُ الْمُنْذِرِيُّ. وَرُوِيَتْ أَحَادِيثُ بِمَعْنَاهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وَلِذَلِكَ اخْتَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُمَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، وَأَخَذَ بِهِ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ يُحِلُّ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ قِرَاءَةَ كُلِّ الْقُرْآنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْحُرْمَةِ ; إِذْ هِيَ اللَّائِقَةُ بِتَعْظِيمِ الْقُرْآنِ، وَيَكْفِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ الْمُصَرِّحَةُ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا ضَعِيفَةً ; لِأَنَّ تَعَدُّدَ طُرُقِهَا يُورِثُهَا قُوَّةً أَيَّ قُوَّةٍ، وَتُرَقِّيهَا إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْأَحْكَامِ، فَالْحَقُّ الْحُرْمَةُ إِذْ هِيَ الْجَارِيَةُ عَلَى قَوَاعِدِ الْأَدِلَّةِ لَا الْحِلُّ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
стр. 781
٤٦٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ ; فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٦٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ ": بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا، أَيْ: حَوِّلُوا أَبْوَابَهَا (" عَنِ الْمَسْجِدِ ") : قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا اللَّفْظُ إِذَا اسْتُعْمِلَ بِـ " عَنْ " مَعْنَاهُ الصَّرْفُ مِنْ جَانِبٍ إِلَى آخَرَ، وَبِـ " إِلَى " مَعْنَاهُ الْإِقْبَالُ إِلَى الشَّيْءِ، أَيِ: اصْرِفُوا أَبْوَابَ هَذِهِ الْبُيُوتِ الَّتِي فُتِحَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَى جَانِبٍ آخَرَ ; كَيْلَا يَمُرَّ الْجُنُبُ أَوِ الْحَائِضُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ دُونَ الْمُكْثِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، يَحْرُمُ الْمُرُورُ فِيهِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ضُمِّنَ مَعْنَى الصَّرْفِ؛ يُقَالُ: وُجِّهَ إِلَيْهِ أَيْ: أَقَبْلَ، وَوُجِّهَ عَنْهُ أَيْ: صُرِفَ، وَفِي اسْمِ الْإِشَارَةِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْقِيرِ الْبُيُوتِ وَتَعْظِيمِ شَأْنِ الْمَسَاجِدِ، (" «فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» ") : تَعْلِيلٌ وَبَيَانٌ لِلْوَصْفِ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ وَلَا لِلْحَائِضِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ الْمُرُورَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَجَوَّزَ أَحْمَدُ وَالْمُزَنِيُّ الْمُكْثَ فِيهِ أَيْضًا، وَأَوَّلُوا ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] بِالْمُسَافِرِينَ تُصِيبُهُمُ الْجَنَابَةُ فَيَتَيَمَّمُونَ وَيُصَلُّونَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) مِنْ طَرِيقِ أَفْلَتَ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَ جَسْرَةَ عَجَائِبُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فِيهَا نَظَرٌ، وَقَالَ الْخَطَّابُ: ضَعَّفُوا هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالُوا: أَفْلَتُ رَاوِيَةٌ مَجْهُولٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِهِ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ وَالْأَحَادِيثَ الضَّعِيفَةَ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ، لَكِنْ أَبُو دَاوُدَ لَمْ يُضَعِّفْهُ فَيَكُونُ عِنْدَهُ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ حَسَّنَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ مَعَ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى تَضْعِيفِ جَمْعٍ لَهُ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: أَيْ مَوَاضِعَهَا، وَهِيَ الْمَسَاجِدُ لَا غَيْرَ إِذْ هِيَ الْمَوْضُوعَةُ لَهَا ابْتِدَاءً وَدَوَامًا بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَذَهَبَ الْمُزَنِيُّ وَدَاوُدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ إِلَى حِلِّ إِبَاحَةِ الْمُكْثِ فِيهِ مُطْلَقًا. وَوَجَهَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ قَالَ: وَلَيْسَ لِمَنْ حَرَّمَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ. قَالَ:
стр. 782
وَخَبَرُ: " «يَا عَلِيُّ، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرُكَ» " ضَعِيفٌ، وَإِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، نَعَمْ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، لَكِنْ خَالَفَهُ الْقَفَّالُ، وَغَلَّطَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ احْتَجَّ النَّوَوِيُّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَقَالَ: هُوَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَنْ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، فَلَعَلَّهُ اعْتَضَدَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِمَا اقْتَضَى حُسْنَهُ، لَكِنْ إِذَا شَارَكَهُ عَلِيٌّ فِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْخَصَائِصِ اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَمَعَ هَذَا يَخُصُّ مَنْ شَاءَ بِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الِاخْتِصَاصِ الْمُطْلَقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 783
٤٦٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَلَا يَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٤٦٣ - (وَعَنْ عَلِيٍّ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَدْخُلُ ") : بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ (" الْمَلَائِكَةُ ") : اللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ أَيِ: الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَلِلزِّيَارَةِ وَاسْتِمَاعِ الذِّكْرِ لَا الْكَتَبَةُ، فَإِنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الْمُكَلَّفِينَ طَرْفَةَ عَيْنٍ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ (" بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ ") : أَيْ: لِحَيَوَانٍ عَلَى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ كَالْجِدَارِ وَالسَّقْفِ ; لَا عَلَى الْبِسَاطِ وَمَوْضِعِ الْأَقْدَامِ، فَإِنَّ عَدَمَ الرُّخْصَةِ وَرَدَتْ فِيهِ لِحُرْمَةِ التَّصْوِيرِ وَمُشَابَهَتِهِ بَيْتَ الْأَصْنَامِ.
بِخِلَافِ صُورَةِ مَا لَا رُوحَ فِيهِ، وَالصُّورَةِ الَّتِي فُقِدَ مِنْ بَدَنِهَا الْمُشَاهَدِ مَا لَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْحَيَاةِ مَعَهُ فِيهِ كَالرَّأْسِ، فَهَذَانَ لَا يَمْنَعَانِ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ ; لِأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِيهَا بِوَجْهٍ، وَبِخِلَافِ الصُّورَةِ الَّتِي يَحِلُّ دَوَامُهَا وَإِنْ حَرُمَ ابْتِدَاؤُهَا ; كَالصُّورَةِ الَّتِي عَلَى مَا يُدَاسُ أَوْ يُتَّكَأُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا لَا تَمْنَعُ أَيْضًا دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنِ الشَّارِحِينَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَشَمَلَتِ الصُّورَةُ مَا فِي الدَّرَاهِمِ الْمَجْلُوبَةِ مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ فَمَنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْهَا مَنَعَ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ وَإِنْ حَلَّ لَهُ إِمْسَاكُهَا، بَلْ وَلَوْ حَمَلَهَا وَلَوْ فِي عِمَامَةٍ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ ذَاتُهَا لَا الصُّورَةُ الَّتِي حُمِلَ عَلَيْهَا ; وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا زَالُوا يَحْمِلُونَهَا وَيَتَعَامَلُونَ بِهَا فِي زَمَانِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ يَبْقَى قَصْرُ الْمَنْعِ عَلَى الْمَحَلِّ الَّذِي فِيهِ الدَّنَانِيرُ فَقَطْ، وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ، هَذَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى أَيْضًا بَنَاتُ اللَّعِبِ لِمَنْ لَمْ تَبْلُغْ مِنَ الْبَنَاتِ ; لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَتَقْرِيرِهِ ﵊ لَهَا فِيهَا. (" وَلَا كَلْبٌ ") : لِأَنَّهُ نَجِسٌ وَهُمْ أَطْهَارٌ، فَيُشْبِهُ الْمَبْرَزَ غَيْرَ كَلْبِ الصَّيْدِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ ; لِجَوَازِ اقْتِنَائِهِ شَرْعًا الْمُسْلِمِينَ الْحَاجَةَ (" وَلَا جُنُبٌ ") : أَيِ: الَّذِي اعْتَادَ تَرْكَ الْغُسْلِ تَهَاوُنًا حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ، فَإِنَّهُ مُسْتَخِفٌّ بِالشَّرْعِ، لَا أَيَّ جُنُبٍ كَانَ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يَنَامُ بِاللَّيْلِ وَهُوَ جُنُبٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى فِي رَمَضَانَ» ، وَلَا جُنُبٍ مِنْ زِنًا؛ إِذِ الْمُرَادُ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. . ثَلَاثَتُهُمْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ يَرْفَعُهُ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ فِيهِ نَظَرٌ. قَالَ الطَّبَرَيُّ: وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو حَاتِمٍ الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِهِ نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ. قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ خَرَّجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (" «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» "
) .
стр. 784
٤٦٤ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ثَلَاثٌ لَا تَقْرَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ: جِيفَةُ الْكَافِرِ، وَالْمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ، وَالْجُنُبُ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٦٤ - (وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" ثَلَاثٌ ") : أَيْ: أَشْخَاصٌ (" وَلَا تَقْرَبُهُمْ ") : بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ (" الْمَلَائِكَةُ ") : أَيْ: مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ (" جِيفَةُ الْكَافِرِ ") : أَيْ: جَسَدُهُ الَّذِي بِمَنْزِلَتِهَا، حَيْثُ لَا يَحْتَرِزُ عَنِ النَّجَاسَةِ ; كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهَا، سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا (" وَالْمُتَضَمِّخُ ") : أَيِ: الرَّجُلُ الْمُتَلَطِّخُ (" بِالْخَلُوقِ ") : بِفَتْحِ الْخَاءِ، وَهُوَ طِيبٌ لَهُ صِبْغٌ يُتَّخَذُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ، وَتَغْلِبُ عَلَيْهِ حُمْرَةٌ مَعَ صُفْرَةٍ، وَقَدْ أُبِيحَ تَارَةً وَنُهِيَ عَنْهُ أُخْرَى وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَالنَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَقْرَبْهُ الْمَلَائِكَةُ ; لِلتَّوَسُّعِ فِي الرُّعُونَةِ وَالتَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ - وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ مُزَيَّنًا مُطَيَّبًا مُكَرَّمًا عِنْدَ النَّاسِ - فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَجِسٌ أَخَسُّ مِنَ الْكَلْبِ، (" وَالْجُنُبُ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ ") : أَرَادَ بِهِ الْوُضُوءَ الْمُتَعَارَفَ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا تَهْدِيدٌ وَزَجْرٌ شَدِيدٌ عَنْ تَأْخِيرِ الْغُسْلِ كَيْلَا يُعْتَادَ، وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْوُضُوءِ الْغُسْلَ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قُلْتُ: احْتِمَالُ أَنْ يُرِيدَ ذَلِكَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ، فَالْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ.
стр. 785
٤٦٥ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حُزَمٍ: " أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
٤٦٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) : عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي جَدِّهِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، خِلَافًا لِمَنْ رَوَاهُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ، أَحَدُ أَعْلَامِ الْمَدِينَةِ، تَابِعِيٌّ. رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ، رَجُلٌ صَدُوقٌ. فَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُهُ شِفَاءٌ، تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَمَاتَ وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً، وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ، وُلِدَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ عِشْرِينَ بِنَجْرَانَ، وَكَانَ أَبُوهُ عَامِلَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَمَرَ أَبَاهُ أَنْ يُكَنِّيَهُ بِأَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَانَ مُحَمَّدٌ فَقِيهًا، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قُتِلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَسِتِّينَ، (أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: (" أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ ") : بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ، وَبِالضَّمِّ عَلَى أَنَّهُ نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ: لَا يَمَسَّ بِلَا فَاصِلَةٍ مَا كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ (" إِلَّا طَاهِرٌ ") : بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَالْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمَسَّهُ إِلَّا بِغِلَافٍ مُتَجَافٍ وَكُرِهَ بِالْكُمِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] فَإِنَّ الضَّمِيرَ إِمَّا لِلْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ فِي النَّاسِ عَنْ مَسِّهِ إِلَّا عَلَى الطِّهَارَةِ، وَإِمَّا لِلَّوْحِ وَلَا نَافِيَةٌ، وَمَعْنَى الْمُطَهَّرُونَ الْمَلَائِكَةُ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ كَشَفَ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْأَوَّلُ، وَيُعَضِّدُهُ مَدْحُ الْقُرْآنِ بِالْكَرَمِ، وَبِكَوْنِهِ ثَابِتًا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِكَوْنِهِ لَا يَمَسُّهُ مُرَتَّبًا
стр. 786
عَلَى الْوَصْفَيْنِ الْمُتَنَاسِبَيْنِ لِلْقُرْآنِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ) : قَالَ صَاحِبُ التَّخْرِيجِ: رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِيِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. وَرَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا فِي الْمُوَطَّأِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالدَّارَقُطْنِيِّ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ، كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ: وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَلَهُ شَوَاهِدُ، وَلَفْظُهُ: «عَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: " لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ» "، وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: " إِنَّهُ ضَعِيفٌ " يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ كَثْرَةَ شَوَاهِدِهِ صَيَّرَتْهُ حَسَنًا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَا: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ " «لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» "، وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى مَنْ قَالَ بِالْحِلِّ مُطْلَقًا، وَهُمْ جَمْعٌ مِنَّا، وَدَاوُدُ وَالْحَاكِمُ، وَنَقْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ جُمْهُورَ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِ - غَلَطٌ مِنْهُ فَاحْذَرْهُ.
стр. 787
٤٦٦ - «وَعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي حَاجَةٍ، فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ فِي سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ، فَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى إِذَا كَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى فِي السِّكَّةِ، ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ، وَقَالَ: " إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٦٦ - (وَعَنْ نَافِعٍ) : أَيْ: مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: انْطَلَقْتُ) : أَيْ: ذَهَبْتُ (مَعَ ابْنِ عُمَرَ) أَيْ: عَبْدِ اللَّهِ (فِي حَاجَةٍ) : حَالٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَيْ: فِي شَأْنِ حَاجَةٍ لَهُ، وَالتَّنَكُّرُ فِيهَا لِلشُّيُوعِ، وَلَعَلَّ مَا بَعْدَهَا يُقَيِّدُهَا بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ (فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ) : أَيِ: الْإِنْسَانِيَّةَ، وَهِيَ التَّبَرُّزُ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الْمُتَعَلِّقِ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ ﵊، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا حَاجَةٌ أُخْرَى، وَأَنَّهُ ذَكَرَ مَا يَأْتِي اسْتِطْرَادًا، (وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ) : أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي حَدَّثَهُ (يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ، وَأَنْ مَعَ مَدْخُولِهِ فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ أَيْ: كَانَ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَوْلُهُ: (مَرَّ رَجُلٌ) : قِيلَ هُوَ الْمُهَاجِرُ بْنُ قُنْفُذِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (فِي سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ) : أَيِ: الطُّرُقِ (فَلَقِيَ) : أَيِ الرَّجُلُ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ خَرَجَ) : أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ) : أَيْ: فَرَغَ ; لِأَنَّ الْخُرُوجَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَوْ خَرَجَ مِنْ مَحَلِّهِمَا (فَسَلَّمَ) : أَيِ: الرَّجُلُ (عَلَيْهِ) : ﵊ (فَلَمْ يَرُدَّ) : أَيِ: النَّبِيُّ (عَلَيْهِ) : أَيْ: عَلَى الرَّجُلِ، وَفِي نُسْخَةٍ: السَّلَامَ (حَتَّى إِذَا كَادَ) : أَيْ (قَارَبَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى) : أَيْ: يَخْتَفِيَ وَيَغِيبَ شَخْصُهُ (فِي السِّكَّةِ، ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : جَوَابُ إِذَا، وَحَتَّى هِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ (بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّهُ عَلَاهُ الْغُبَارُ، وَلِيَصِحَّ بِهِ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَإِلَّا فَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ. وَفِي آخِرِ كَلَامِهِ حَزَازَةٌ لَا تَخْفَى، (وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ) : قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ أَنَّ رَدَّ السَّلَامِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا، فَالْمُسَلِّمُ عَلَى الرَّجُلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُضَيِّعٌ حَظَّ نَفْسِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَعَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي الْحَضَرِ لِرَدِّ السَّلَامِ مَشْرُوعٌ اهـ.
وَفِيهِ بَحْثَانِ: أَمَّا أَوَّلًا: فَقَوْلُهُ: فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْجَوَابَ، وَلِهَذَا أَجَابَ، وَالْفَصْلُ الْيَسِيرُ بَيْنَ السَّلَامِ وَرَدِّهِ لَا يَضُرُّهُ، وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّ السَّلَامَ وَالْكَلَامَ كِلَاهُمَا وَقَعَ بَعْدَ الْفَرَاغِ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجْرٍ تَعَقَّبَ الشَّارِحَ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْتُهُ. (وَقَالَ: " إِنَّهُ ") أَيِ: الشَّأْنُ (" لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ ") : قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذِكْرِ اللَّهِ بِالْوُضُوءِ أَوِ التَّيَمُّمِ ; لِأَنَّ السَّلَامَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى
стр. 788
أَيْ: فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَا السَّلَامَةُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ فَيُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ ; أَنَّهُ ﷺ أَخَذَ فِي ذَلِكَ بِالرُّخْصَةِ تَيْسِيرًا عَلَى الْأُمَّةِ، وَفِي هَذَا بِالْعَزِيمَةِ ; أَيْ: تَعْلِيمًا لَهُمْ بِالْأَفْضَلِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَصَّرَ فِي رَدِّ جَوَابِ السَّلَامِ بِعُذْرٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَذِرَ عَنْهُ حَتَّى لَا يُنْسَبَ إِلَى الْكِبْرِ أَوِ الْعَدَاوَةِ، وَعَلَى وُجُوبِ رَدِّ السَّلَامِ ; لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ لِلْعُذْرِ يُؤْذِنُ بِوُجُوبِهِ.
قُلْتُ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ ; لِخَوْفِ فَوْتِ مَا يَفُوتُ لَا إِلَى خُلْفٍ كَصَلَاةِ الْجَنَازَةِ وَالْعِيدِ، وَلَمْ أَرَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْعَبْدِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ أَنْكَرَ الْبُخَارِيُّ رَفْعَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رَفْعُهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ ثَابِتٍ الْعَبْدِيَّ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا يُحْتَجُّ بِهِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَسَنَدُهُ حَسَنٌ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ إِلَّا أَنْ يُقَالَ - مُرَادُهُ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.
стр. 789
٤٦٧ - «وَعَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ ﵁، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَبُولُ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: " إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى تَوَضَّأَ، وَقَالَ: فَلَمَّا تَوَضَّأَ رَدَّ عَلَيْهِ.
ــ
٤٦٧ - (وَعَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ) : بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ النُّونِ، وَبِالْفَاءِ الْمَضْمُومَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُسْلِمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَذَا الْمُهَاجِرُ حَقًّا ". وَقِيلَ: إِنَّهُ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَمَاتَ بِهَا (أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ) : أَيِ النَّبِيُّ (يَبُولُ فَسَلَّمَ) : أَيِ: الْمُهَاجِرُ (عَلَيْهِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: بَعْدَ الْفَرَاغِ إِذِ الْمُرُوءَةُ قَاضِيَةٌ بِأَنَّ مَنْ يَقْضِي حَاجَتَهُ لَا يُكَلَّمُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَلِذَا يُكْرَهُ السَّلَامُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَيْهِ، فَالِاعْتِذَارُ الْآتِي دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ (فَلَمْ يَرُدَّ) : أَيِ: النَّبِيُّ (عَلَيْهِ) : أَيْ: عَلَى مُهَاجِرٍ (حَتَّى تَوَضَّأَ) : أَيِ: النَّبِيُّ، وَظَاهِرُهُ تَعَدُّدُ الْوَاقِعَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى تَوَضَّأَ تَطَهَّرَ، فَيَشْمَلَ التَّيَمُّمَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ يَعْنِي بَعْدَ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ (وَقَالَ) : بَيَانٌ لِلِاعْتِذَارِ (" إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ ") : أَيِ الْحَقِيقِيَّ أَوِ الْمَجَازِيَّ، وَهُوَ الْمَقُولُ الْمَطْلُوبُ شَرْعًا، أَوِ اللَّفْظُ الْمُشَابِهُ بِالذِّكْرِ، أَوِ اللَّفْظُ الَّذِي هُوَ فِي الْأَصْلِ ذِكْرٌ، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ لِمَعْنًى آخَرَ مِنْ مُنَاسَبَاتِ ذَلِكَ الِاسْمِ، وَكَانَ الْأَصْلُ فِي السَّلَامِ عَلَيْكَ التَّخَلُّقُ بِهَذَا الِاسْمِ، وَهُوَ تَعَهُّدُ السَّلَامَةِ وَاقِعٌ عَلَيْكَ، ثُمَّ هُجِرَ هَذَا الْمَعْنَى، وَاسْتُعْمِلَ فِي مُطْلَقِ التَّحِيَّةِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنِ الْحَقِيقَةِ اللَّفْظِيَّةِ، وَالذُّهُولِ عَنِ الْإِرَادَةِ الْقَصْدِيَّةِ، (" إِلَّا عَلَى طُهْرٍ ") : أَيْ: فَلِذَا أَخَّرْتُهُ ; لِيَكُونَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : أَيْ: تَمَامَ الْحَدِيثِ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ، وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، قَالَهُ مِيرَكُ، (وَرَوَى النَّسَائِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى تَوَضَّأَ. وَقَالَ:) : أَيِ النَّسَائِيُّ (فَلَمَّا تَوَضَّأَ رَدَّ عَلَيْهِ) : وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنَ الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ.
стр. 790
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٦٨ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُجْنِبُ، ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَنْتَبِهُ، ثُمَّ يَنَامُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٦٨ - (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجْنِبُ) : بِالْوَجْهَيْنِ (ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَنْتَبِهُ، ثُمَّ يَنَامُ) : وَهَذَا بِظَاهِرِهِ عَمَلٌ بِالرُّخْصَةِ، وَبَيَانٌ لِلْجَوَازِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
стр. 791
٤٦٩ - «وَعَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يُفْرِغُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى سَبْعَ مِرَارٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ، فَنَسِيَ مَرَّةً كَمْ أَفْرَغَ، فَسَأَلَنِي. فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ: لَا أُمَّ لَكَ! وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْرِيَ؟ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ الْمَاءُ، ثُمَّ يَقُولُ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَطَهَّرُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٦٩ - (وَعَنْ شُعْبَةَ) : هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، وَهُوَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ، وَقَوَّاهُ غَيْرُهُ، قَالَهُ السَّيِّدُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ. (قَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ أَرَادَ الْغُسْلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَلَامَ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقْتَ اغْتِسَالِهِ (مِنَ الْجَنَابَةِ، يُفْرِغُ) : مِنَ الْإِفْرَاغِ، أَيْ: يَصُبُّ (بِيَدِهِ الْيُمْنَى) : أَيِ: الْمَاءَ (عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى سَبْعَ مِرَارٍ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَعَلَّهُ لِنَجَاسَةٍ كَانَتْ فِيهَا، وَكَانَ سَبَبُ السَّبْعِ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَبْلُغْ أَحْمَدَ ; فَقَالَ بِوُجُوبِ غَسْلِ كُلِّ نَجَاسَةٍ سَبْعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَلَغَهُ النَّسْخُ، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بَقِيَ النَّدْبُ، كَمَا قِيلَ، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ بَقِيَ مُطْلَقُ الْجَوَازِ لَا خُصُوصُ الِاسْتِحْبَابِ. وَكَانَ لَا تُفِيدُ الدَّوَامَ عَلَى التَّحْقِيقِ، بَلْ إِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ فِيهَا لَا وَضْعِيٌّ، فَلَا يَلْزَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ دَأْبِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَادَتِهِ لَا لِنَجَاسَةٍ فِيهَا. (ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ) : أَيْ: سَبْعًا وَهُوَ يُعْلَمُ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى (فَنَسِيَ) : أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ (مَرَّةً) : أَيْ: مِنَ الْأَوْقَاتِ (كَمْ أَفْرَغَ، فَسَأَلَنِي. فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ: لَا أُمَّ لَكَ) : وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْتَ لَقِيطٌ. فِي النِّهَايَةِ: لَا أَبَا لَكَ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ أَيْ: لَا كَافِئَ لَكَ غَيْرُ نَفْسِكَ، وَقَدْ يُذْكَرُ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ كَمَا يُقَالُ: لَا أُمَّ لَكَ. وَفِي مَعْرِضِ التَّعَجُّبِ دَفْعًا لِلْعَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: لِلَّهِ دَرُّكَ، وَفِي مَعْنَاهُ جِدَّ فِي أَمْرِكَ وَشَمِّرْ ; لِأَنَّ مِنْ لَهُ أَبٌ اتَّكَلَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ شَأْنِهِ. قِيلَ: إِنَّمَا جَاءَ الْفَرْقُ بَيْنَ لَا أَبَ لَكَ وَلَا أُمَّ لَكَ ; لِأَنَّ الْأَبَ إِذَا فُقِدَ دَلَّ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، وَالْأُمُّ مَنْسُوبٌ إِلَيْهَا الشَّفَقَةُ وَالرِّفْقُ، وَمَا فِي الْحَدِيثِ وَارِدٌ عَلَى الذَّمِّ لِمَا أَتْبَعَهُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْرِيَ؟) : وَالْوَاوُ عَطْفٌ بِالْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ عَلَى الْجُمْلَةِ الدُّعَائِيَّةِ، وَالْجَامِعُ كَوْنُهُمَا إِنْشَائِيَّتَيْنِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُفِيضُ) : مِنَ الْإِفَاضَةِ (عَلَى جِلْدِهِ الْمَاءَ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَإِلَّا فَغَسْلُ الشَّعَرِ وَاجِبٌ أَيْضًا، (ثُمَّ يَقُولُ: هَكَذَا) : الظَّاهِرُ رُجُوعُهُ لِجَمِيعِ مَا مَرَّ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَطَهَّرُ) : أَيْ قَبْلَ النَّسْخِ، أَوِ الْإِشَارَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْوُضُوءِ وَالْإِضَافَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ أَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِالتَّرْجَمَةِ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ بَعْضَ أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالْجُنُبِ، فَذُكِرَ اسْتِطْرَادًا لِأَجْلِهَا، وَلَوْ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْغُسْلِ لَكَانَ أَوْلَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ.
стр. 792
٤٧٠ - «وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ، يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ، وَعِنْدَ هَذِهِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا آخِرًا؟ قَالَ: " هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٧٠ - (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ) : مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ) : ذَاتَ: زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ زِيَادَتَهُ لِدَفْعِ الْمَجَازِ أَيْ: فِي نَهَارٍ (عَلَى نِسَائِهِ، يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ، وَعِنْدَ هَذِهِ) : أَيْ: يَغْتَسِلُ (قَالَ) أَيْ: أَبُو رَافِعٍ (فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَجْعَلُهُ) أَيْ: غُسْلَكَ، بِالتَّخْفِيفِ، فَالْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَلَا نَافِيَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَلَّا بِالتَّشْدِيدِ فَيَكُونُ بِمَعْنَى هَلَّا لِلتَّخْصِيصِ، (غُسْلًا وَاحِدًا) : فَإِنَّهُ كَافٍ (آخِرًا) : تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ (قَالَ: " هَذَا ") : أَيْ: تَعَدُّدُ الْغُسْلِ (" أَزْكَى ") : أَيْ: أَنْمَى، وَالْمَقْصُودُ أَقْوَى (" وَأَطْيَبُ ") : أَيْ: أَلَذُّ وَأَخَفُّ عَلَى الْبَدَنِ (" وَأَطْهَرُ ") : أَيْ: أَنْظَفُ وَأَحْسَنُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّطْهِيرُ مُنَاسَبَةً لِلظَّاهِرِ، وَالتَّزْكِيَةُ وَالتَطَيَّبُ لِلْبَاطِنِ، فَالْأُولَى لِإِزَالَةِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَالْأُخْرَى لِلتَّحَلِّي بِالشِّيَمِ
стр. 793
الْحَمِيدَةِ اهـ. وَهَذَا أَشْبَهُ بِإِشَارَاتِ الصُّوفِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هِيَ قَرِيبَةٌ مِنَ التَّرَادُفِ جُمِعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا اهـ. وَهُوَ اسْتِرْوَاحٌ ; لِأَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ، وَهُوَ التَّحْقِيقُ الْحَاصِلُ بِالتَّأْيِيدِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَقَالَ: حَدِيثُ أَنَسٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
стр. 794
٤٧١ - وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: أَوْ قَالَ: بِسُؤْرِهَا، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ــ
٤٧١ - (وَعَنِ الْحَكَمِ) : بِفَتْحَتَيْنِ (بْنِ عَمْرٍو) : أَيِ: الْغِفَارِيِّ، وَلَيْسَ غِفَارِيًّا ; إِنَّمَا هُوَ مِنْ وَلَدِ ثَعْلَبَةَ أَخِي غِفَارٍ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ» ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتُضَمُّ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: هَذَا النَّهْيُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ لِلتَّنْزِيهِ؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ الْحَدِيثَ السَّابِقَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ بِفَضْلِ الْمَاءِ الَّذِي اغْتَسَلَ بِهِ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ» ، مَعَ أَنَّهَا أَعْلَمَتْهُ ﵊. وَقَالَ: " «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ» "، وَكَذَا النَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ) : أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (أَوْ قَالَ: بِسُؤْرِهَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: شَكَّ الرَّاوِي أَنَّهُ ﵊ قَالَ: " «بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ، أَوْ بِسُؤْرِهَا» "، وَهُوَ بِالْهَمْزَةِ: بَقِيَّةُ الشَّيْءِ اهـ. وَقَدْ يُخَفَّفُ الْهَمْزُ بِالْإِبْدَالِ (وَقَالَ) : أَيِ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ (حَسَنٌ صَحِيحٌ) : وَخَالَفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ; فَقَالُوا: إِنَّهُ ضَعِيفٌ.
стр. 795
٤٧٢ - وَعَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ، كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ. زَادَ مُسَدَّدٌ: وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ أَحْمَدُ فِي أَوَّلِهِ: «فِي أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلٍ» .
ــ
٤٧٢ - (وَعَنْ حُمَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (الْحِمْيَرِيِّ) : بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ الْبَصْرِيُّ، مِنْ ثِقَاتِ الْبَصْرِيِّينَ وَأَئِمَّتِهِمْ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ مِنْ قُدَمَاءِ التَّابِعِينَ، رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا) : قِيلَ: هُوَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، نَقَلَهُ مِيرَكُ. (صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ، كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ) : لِأَنَّ إِسْلَامَهُ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ (قَالَ) : أَيِ الرَّجُلُ الصَّحَابِيُّ، وَجَهَالَتُهُ لَا تَضُرُّ، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ. ( «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ» ) : أَيْ: بِزِيَادَةِ مَاءِ اغْتِسَالِهِ (أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ) : أَيْ: بِفَضْلَتِهَا (زَادَ مُسَدَّدٌ) : قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ الْبَصْرِيُّ، سَمِعَ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ وَأَبَا عَوَانَةَ وَغَيْرَهُمَا. وَرَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ سِوَاهُمَا، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَمُسَدَّدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْأُولَى وَفَتْحِهَا، وَمُسَرْهَدٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ. (وَلْيَغْتَرِفَا) : بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُكْسَرُ (جَمِيعًا) : ظَاهِرُهُ مَعًا، وَيَحْتَمِلُ الْمُنَاوَبَةَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ (وَزَادَ أَحْمَدُ فِي أَوَّلِهِ: فِي أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا) : أَيْ: يُسَرِّحُ شَعْرَ لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ (كُلَّ يَوْمٍ) : لِأَنَّهُ شِعَارُ أَهْلِ الزِّينَةِ، وَإِنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ يَجْعَلَهُ غِبًّا ; يَفْعَلُهُ يَوْمًا وَيَتْرُكُهُ يَوْمًا، أَوِ الْمُرَادُ الْيَوْمَ هُنَا: الْوَقْتُ (أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلٍ) : لِأَنَّهُ يُورِثُ الرِّيبَةَ وَالْوَسْوَسَةَ فَيُكْرَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
стр. 796
٤٧٣ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ.
ــ
٤٧٣ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَسَنَدُهُ حَسَنٌ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مَعَ الِانْصِرَافِ، وَقِيلَ بِعَدَمِهِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ. قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ وَسَبَقَ تَحْقِيقُهُ.
стр. 797
[بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ]
стр. 798
(٧) بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٧٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِى رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: " «لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ ". قَالُوا: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا» .
(٧)
- بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ
مِنَ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَجَمْعُ الْمَاءِ عَلَى الْمِيَاهِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ هَمْزَتَهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ هَاءٍ، وَأَصْلُ الْمِيَاهِ مُوَاهٌ لِدَلَالَةِ جَمْعِهِ الْآخَرِ عَلَى الْأَمْوَاهِ، وَتَصْغِيرُ الْمَاءِ عَلَى مُوَيْهٍ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً ; لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٧٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" لَا يَبُولَنَّ ") : بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّأْكِيدِ (" أَحَدُكُمْ ") أَيْ: أَيُّهَا الْأُمَّةُ (فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ) : أَيِ: الرَّاكِدِ السَّاكِنِ مِنْ دَامَ الشَّيْءُ سَكَنَ وَمَكَثَ (" الَّذِي لَا يَجْرِي ": صِفَةٌ ثَابِتَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولَى، أَوْ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لَهَا، وَقِيلَ: الَّذِي لَا يَجْرِي بِشَيْءٍ مِنْ تَبْنَةٍ وَغَيْرِهَا، وَفِي مَعْنَى الْجَارِي الْمَاءُ الْكَثِيرُ، وَهُوَ الْعَشْرُ فِي الْعَشْرِ عِنْدَنَا، وَمِقْدَارُ قُلَّتَيْنِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ. (" ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ ") : الرِّوَايَةُ بِالرَّفْعِ ; أَيْ: لَا يَبُلْ ثُمَّ هُوَ يَغْتَسِلُ فِيهِ، فَيَغْتَسِلُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَطَفَ الْجُمْلَةَ عَلَى جُمْلَةِ لَا يَبُولَنَّ، وَذَكَرَ ابْنُ مَالِكٍ النَّحْوِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا جَزْمُهُ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ لَا يَبُولَنَّ، وَنَصْبُهُ بِإِضْمَارِ أَنْ، وَإِعْطَاءِ ثُمَّ حُكْمَ وَاوِ الْجَمْعِ، أَمَّا الْجَزْمُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا النَّصْبُ فَلَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا دُونَ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، بَلِ الْبَوْلُ فِيهِ مَنْهِيٌّ، سَوَاءٌ أَرَادَ الِاغْتِسَالَ فِيهِ أَوْ مِنْهُ أَمْ لَا. كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ التَّخْرِيجِ. قِيلَ: فِيهِ نَظَرٌ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢] وَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ، وَالْمَنْهِيُّ هُنَا الْجَمْعُ وَالْإِفْرَادُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ: لَا تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبِ اللَّبَنَ. قَالَهُ مِيرَكُ. وَفِيهِ: أَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ احْتِمَالَيْنِ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى إِلَّا بِاعْتِبَارِ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ، مَعَ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ النَّصْبَ إِنَّمَا يُفِيدُ مَنْعَ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا فَيُؤْخَذُ مِنَ الْخَارِجِ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: ثُمَّ يَغْتَسِلُ عَطْفٌ عَلَى الصِّلَةِ، وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْمَنْعِ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ، فَلَا يَجُوزُ الِاغْتِسَالُ بِهِ، وَتَخْصِيصُهُ بِالدَّائِمِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْجَارِيَ لَا يَتَنَجَّسُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ إِذْ عَطْفُ يَغْتَسِلُ عَلَى يَجْرِي بَعِيدٌ جِدًّا إِذْ يَصِيرُ تَقْدِيرُهُ: نَهَى عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ، وَهَذَا فِيهِ رَكَّةٌ فِي الْمَعْنَى وَإِبْهَامُ خِلَافِ الْمُرَادِ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ النَّهْيُ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنَ الْحُرْمَةِ ; إِذِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ حِينَئِذٍ الْغُسْلُ بَعْدَ الْبَوْلِ لَا الْبَوْلُ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ، وَيَلْزَمُهُ فَرْضُ ذَلِكَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ رَاكِدٍ، إِذْ هُوَ الْمُتَأَثِّرُ بِالْبَوْلِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَالْأَظْهَرُ عَنْهُ عَلَى مَا مَرَّ، وَثُمَّ بِحَالِهَا، فَيَكُونُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ شَيْئَيْنِ: الْبَوْلُ فِيهِ مُطْلَقًا، وَالْغُسْلُ فِيهِ مُطْلَقًا، وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ جَاءَ النَّهْيُ عَنْهُ صَرِيحًا فِي مُسْلِمٍ كَمَا يَأْتِي، وَالنَّهْيُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا تَارَةً يَكُونُ لِلتَّنْزِيهِ، وَتَارَةً يَكُونُ لِلتَّحْرِيمِ اهـ.
قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى يَبُولَنَّ، وَيَكُونُ ثَمَّ مَثْلَ الْوَاوِ فِي: لَا تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبِ اللَّبَنَ، أَوْ مِثْلَ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] أَيْ: وَلَا يَكُنْ مِنْ أَحَدٍ الْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الْمَوْصُوفِ، ثُمَّ الِاغْتِسَالُ، فَثُمَّ اسْتِبْعَادِيَّةٌ، أَيْ: بَعِيدٌ مِنَ الْعَاقِلِ ذَلِكَ أَيِ: الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ.
فَإِنْ قُلْتَ: عَلَامَ تَعْتَمِدُ فِي نَصْبِ يَغْتَسِلُ حَتَّى يَتَمَشَّى لَكَ هَذَا الْمَعْنَى؟ قُلْتُ: إِذَا قَوِيَ الْمَعْنَى لَا يَضُرُّ الرَّفْعُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ: أَحْضُرُ الْوَغَى. كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَدْ سَبَقَ نَقْلُ الْمُغْنِي فَاسْتَحْضِرْهُ، فَإِنَّ الطَّالِبَ بِهِ يَسْتَغْنِي. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 799
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ) : أَيْ: لَهُ رِوَايَتَانِ: أَحَدُهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَثَانِيهِمَا هَذِهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (قَالَ: " لَا يَغْتَسِلُ ") : بِالْجَزْمِ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ (" أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ ") : هَذَا النَّهْيُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِاغْتِسَالِ الْجُنُبِ، فَحِينَئِذٍ قَدْ أَفْسَدَ الْمَاءَ عَلَى النَّاسِ ; لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلِاغْتِسَالِ وَالتَّوَضُّؤِ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الْقَاضِي: تَقْيِيدُ النَّهْيِ بِالْحَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ إِذَا كَانَ رَاكِدًا لَا يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ الْمُقَيَّدِ فَائِدَةٌ، وَذَلِكَ إِمَّا بِزَوَالِ الطَّهَارَةِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، أَوْ بِزَوَالِ الطَّهُورِيَّةِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ اهـ. وَكَذَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، يَعْنِي أَنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ، لَكِنَّ حُجَّتَهُ تَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي (قَالُوا: كَيْفَ يَفْعَلُ) : أَيِ: الْجُنُبُ (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا) : أَيْ: يَأْخُذُهُ اغْتِرَافًا وَيَغْتَسِلُ خَارِجًا. قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ إِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ لِيَتَنَاوَلَ الْمَاءَ لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُهُ، وَإِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ لِيَغْسِلَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ تَغَيَّرَ حُكْمُهُ اهـ. وَكَذَا حُكْمُهُ عِنْدَنَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُؤْخَذُ مِنَ التَّقْيِيدِ بِالْجُنُبِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْغُسْلُ فِيهِ لِلتَّنْظِيفِ أَوْ لِلسُّنَّةِ، كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ ; لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ مَوْجُودٌ فِي الْأَخِيرِ، إِذْ لَنَا وَجْهٌ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ فِي الْغُسْلِ غَيْرُ طَهُورٍ ; لِأَنَّ الِاسْتِقْذَارَ مَوْجُودٌ فِي غُسْلِ نَحْوِ التَّنْظِيفِ، فَالْوَجْهُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْجُنُبِ لِكَوْنِهِ أَغْلَظَ.
стр. 800
٤٧٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٧٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ» ) : أَيِ: الْوَاقِفِ ; وَهَذَا لِأَنَّ الْمَاءَ السَّاكِنَ إِنْ كَانَ دُونَ قُلَّتَيْنِ تَنَجَّسَ، وَلَا يَجُوزُ الِاغْتِسَالُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَلَعَلَّهُ يَتَغَيَّرُ بِهِ فَيَصِيرُ نَجِسًا بِالتَّغَيُّرِ، وَكَذَا إِنْ كَثُرَ غَايَةَ الْكَثْرَةِ إِذْ لَوْ جُوِّزَ الْبَوْلُ فِيهِ لَبَالَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، فَيَتَغَيَّرُ مِنْ كَثْرَةِ الْبَوْلِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا النَّهْيُ فِي بَعْضِ الْمِيَاهِ لِلتَّحْرِيمِ، وَفِي بَعْضِهَا لِلْكَرَاهَةِ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا جَارِيًا لَمْ يَحْرُمُ الْبَوْلُ فِيهِ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا جَارِيًا فَقِيلَ: يُكْرَهُ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَحْرُمُ ; لِأَنَّهُ يُنَجِّسُهُ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا رَاكِدًا فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ، وَلَوْ قِيلَ: يَحْرُمُ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا إِذْ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى تَنَجُّسِهِ بِالْإِجْمَاعِ لِتَغَيُّرِهِ أَوْ تَنَجُّسِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ وَافَقَهُ فِي أَنَّ الْغَدِيرَ الَّذِي يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الْآخَرِ يُنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَأَمَّا الرَّاكِدُ الْقَلِيلُ فَقَدْ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَالصَّوَابُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَحْرُمُ ; لِأَنَّهُ يُنَجِّسُهُ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: التَّغَوُّطُ فِي الْمَاءِ كَالْبَوْلِ فِيهِ بَلْ أَقْبَحُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُكْرَهُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي الْمَاءِ مُطْلَقًا بِاللَّيْلِ خَشْيَةَ أَنْ يُؤْذِيَهُ الْجِنُّ لِمَا قِيلَ: إِنَّ الْمَاءَ بِاللَّيْلِ مَأْوَى لَهُمْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 801
٤٧٦ - «وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁، قَالَ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَدَعَا بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٧٦ - (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) : قِيلَ: أَزْدِيٌّ، وَقِيلَ هُذَلِيٌّ، وَقِيلَ كِنْدِيٌّ، وُلِدَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، حَضَرَ مَعَ أَبِيهِ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (قَالَ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: أَذْهَبَتْنِي (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: مَرِيضٌ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيْ: ذُو وَجَعٍ (فَمَسَحَ رَأْسِي) : أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا فِي الشَّمَائِلِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْوَجَعَ كَانَ بِرَأْسِهِ، فَمَسَحَهُ ﵊ بِيَدِهِ الْمُبَارَكَةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِشِفَائِهِ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَبَلَغَ السَّائِبُ نَحْوَ الْمِائَةِ وَلَمْ يَشِبْ لَهُ شَعْرٌ وَلَا سَقَطَ لَهُ سِنٌّ. (وَدَعَا لِي) : وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ: بِالْفَاءِ (بِالْبَرَكَةِ) : أَيِ: النَّمَاءِ وَزِيَادَةِ الْخَيْرِ وَالنَّعْمَاءِ، (ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: مَاءِ وُضُوئِهِ. قَالَ مُلَّا حَنَفِي فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْوَضُوءِ هَنَا فَضْلُ وَضُوئِهِ، يَعْنِي: الْمَاءُ الَّذِي بَقِيَ فِي الظَّرْفِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ مَا انْفَصَلَ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ، وَهَذَا أَنْسَبُ بِمَا يَقْصِدُهُ الشَّارِبُ مِنَ التَّبَرُّكِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى التَّدَاوِي أَوْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَوَاصِّهِ ﵊، أَوْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا، وَالْحُكْمُ بِعَدَمِ طَهَارَتِهِ كَانَ بَعْدَهُ؟ فَتَدَبَّرْ. اهـ.
стр. 802
وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَاهِرٌ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ السَّائِلَ مِنْ أَعْضَائِهِ - لِشَرَفِهَا - لَا يَنْجُسُ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا طَهَارَةَ فَضَلَاتِهِ ﷺ . (ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) : أَيْ: ﷺ (فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَقِيلَ: الْخَاتَمُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ بِمَعْنَى الطَّابِعُ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَاتَمِ هُنَا هُوَ الْأَثَرُ الْحَاصِلُ بِهِ لَا الطَّابِعُ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى النُّبُوَّةِ إِمَّا لِأَنَّهُ خُتِمَ عَلَى النُّبُوَّةِ لِحِفْظِهَا وَحِفْظِ مَا فِيهَا؛ وَلِلدَّلَالَةِ عَلَى تَمَامِهَا، أَوِ اسْتِيثَاقِهَا، وَإِمَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ عَلَامَةٌ لِنُبُوَّتِهِ ﵊ (بَيْنَ كَتِفَيْهِ) : حَالٌ مِنَ الْخَاتَمِ أَوْ صِفَةٌ لَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إِلَى الْخَاتَمِ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ التَّاءِ، وَقِيلَ بِكَسْرِ الْأَوَّلِ وَسُكُونِ الثَّانِي. قَالَ بَعْضُهُمْ: خَاتَمُ النُّبُوَّةِ أَثَرٌ كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ نُعِتَ بِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَكَانَ عَلَامَةً يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ النَّبِيُّ الْمَوْعُودُ الْمُبَشَّرُ بِهِ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ، وَصِيَانَةً لِنُبُوَّتِهِ عَنْ تَطَرُّقِ التَّكْذِيبِ وَالْقَدْحِ، كَالشَّيْءِ الْمُسْتَوْثَقِ عَلَيْهِ بِالْخَتْمِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى خَتْمِ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ بِهِ فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَعِيسَى ﵊ لَا يَنْزِلُ بِنُبُوَّةٍ مُتَجَدِّدَةٍ، بَلْ يَنْزِلُ عَامِلًا بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَيَقْتَدِي بِبَعْضِ أُمَّتِهِ، وَقَتْلُهُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَعَدَمُ قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ شَرِيعَتِنَا ; لِأَنَّ أَخْذَهَا مُغَيًّا بِنُزُولِهِ لِزَوَالِ شُبْهَتِهِمْ حِينَئِذٍ الْمُجَوِّزَةُ لِقَبُولِهَا مِنْهُمْ. قِيلَ: لَا تَتِمُّ تِلْكَ التَّسْمِيَةُ إِلَّا لَوْ كَانَ الْخَاتَمُ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ وَأَمَّا إِذَا وَرَدَ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ خَاتَمًا فَلَا يَتِمُّ اهـ.
وَيُرَدُّ بِأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ: هَذَا الْخَاتَمُ الْمَخْصُوصُ فِي مَحَلِّهِ الْمَخْصُوصِ الدَّالِّ عَلَى تَمَيُّزِهِ عَنْهُمْ، فَإِنَّ خَوَاتِيمَهُمْ كَانَتْ فِي أَيْمَانِهِمْ كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ بُعْدِهَا مِنَ الْقَلْبِ وَقُرْبِ خَاتَمِهِ ﵊ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: بَيْنَ كَتِفَيْهِ أَيْ: تَقْرِيبًا ; حَتَّى لَا يُنَافِيَ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرَ، بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وَتُفْتَحُ فَمُعْجَمَتَيْنِ، وَهُوَ أَعْلَى الْكَتِفِ، أَوِ الْعَظْمُ الرَّقِيقُ الَّذِي عَلَى طَرَفِهِ، أَوْ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ عِنْدَ التَّحَرُّكِ أَقْوَالٌ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَكَوْنُهُ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى رَدِّ رِوَايَةِ: أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ وَحِكْمَةُ الْأُولَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ فَوْقَ الْقَلْبِ، فَبِخَتْمِهِ لَا يُمْكِنُ تَطَرُّقُ شَيْءٍ إِلَى الْقَلْبِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ (مِثْلَ) : نُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: كَمِثْلِ وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ هُوَ هُوَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الشَّمَائِلِ: فَإِذَا هُوَ مِثْلُ (زِرِّ الْحَجَلَةِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الزِّرُّ بِتَقَدُّمِ الزَّايِ الْمَكْسُورَةِ عَلَى الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَاحِدُ الْأَزْرَارِ الَّتِي تُشَدُّ عَلَى مَا يَكُونُ فِي حَجَلَةِ الْعَرُوسِ بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ، وَهِيَ بِفَتْحَتَيْنِ بَيْتٌ كَالْقُبَّةِ يُسْتَرُ بِالثِّيَابِ، وَيَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ كِبَارٌ. قُلْتُ: وَتُسَمِّيهِ أَهْلُ مَكَّةَ الْآنَ النَّامُوسِيَّةَ. قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: بِتَقَدُّمِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الزَّايِ بِمَعْنَى الْبَيْضِ، وَالْحَجَلَةُ: هِيَ الْقَبَجَةُ، وَهِيَ طَائِرٌ مَعْرُوفٌ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ مِيرَكُ: وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ بِتَقَدُّمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ. وَقَالَ مُلَّا حَنَفِي: إِنَّ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الصَّحِيحَ الرَّاءُ قَبْلَ الزَّايِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قِيلَ الْمُرَادُ وَاحِدُ الْأَزْرَارِ الَّتِي يُشَدُّ بِهَا فِي حِجَالِ الْعَرَائِسِ مِنَ الْحُلَلِ وَالسُّتُورِ. وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ طَرِيقِ الْبَلَاغَةِ، قَاصِرٌ فِي التَّشْبِيهِ وَالِاسْتِعَارَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يُلَائِمُ الْأَحَادِيثَ الْمَرْوِيَّةَ فِي خَاتَمِ النُّبُوَّةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بَيْضَةَ الْحَجَلَةِ، وَهِيَ الْقَبَجَةُ، وَهَذَا الْقَوْلُ يُوَافِقُ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرَ أَنَّ الزِّرَّ بِمَعْنَى الْبَيْضِ لَمْ يُوجَدْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ رِزٌّ بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ مِنْ: رَزَزَتِ الْجَرَادَةُ إِذَا أَدْخَلَتْ ذَنْبَهَا فِي الْأَرْضِ وَأَلْقَتْ بَيْضَهَا، وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَا فِي الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ تُسَاعِدْهُ، وَالَّذِي يَنْصُرُ الْقَوْلَ الثَّانِيَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: كَانَ خَاتَمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ كَتِفَيْهِ غُدَّةً حَمْرَاءَ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ. قِيلَ: يَكْفِي الْمُشَابَهَةُ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا نَاتِئًا مِنَ الْجَسَدِ لَهُ نَوْعُ مُشَابَهَةٍ بِزِرِّ الْحَجَلَةِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَاتٍ مَا قَدْ يُخَالِفُ مَا مَرَّ مِنْ كَوْنِهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ، كَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ: جُمْعًا عَلَيْهِ خِيلَانٌ كَأَنَّهَا الثَّآلِيلُ السُّودِ، وَرِوَايَتُهُ أَيْضًا كَبَيْضَةِ الْحَمَامَةِ، وَرِوَايَةُ صَحِيحِ الْحَاكِمِ: شَعْرٌ مُجْتَمِعٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ: مِثْلَ السِّلْعَةِ، وَالشَّمَائِلُ: بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ أَيْ: مُرْتَفِعَةٌ، وَابْنُ عَسَاكِرَ: مِثْلَ الْبُنْدُقَةِ، وَصَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ: كَالتُّفَّاحَةِ كَأَثَرِ الْمِحْجَمِ الْقَابِضَةِ عَلَى اللَّحْمِ، وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: شَامَةٌ خَضْرَاءُ مُحْتَفِرَةٌ فِي اللَّحْمِ، وَلَهُ أَيْضًا شَامَةٌ سَوْدَاءُ تَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ حَوْلَهَا شَعَرَاتٌ مُتَرَاكِبَاتٌ كَأَنَّهَا عُرْفُ الْفَرَسِ، وَالْقُضَاعِيُّ: ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ مُجْتَمِعَاتٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمِ: كَبَيْضَةِ
стр. 803
حَمَامٍ مَكْتُوبٌ فِي بَاطِنِهَا: اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَفِي ظَاهِرِهَا: تَوَجِّهْ حَيْثُ كُنْتَ فَإِنَّكَ مَنْصُورٌ. وَابْنٌ عَائِذٍ: كَانَ نُورًا يَتَلَأْلَأُ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ: كَالنُّقْطَةِ الَّتِي أَسْفَلَ مِنْقَارِ الْحَمَامَةِ، وَتَارِيخُ نَيْسَابُورَ: مِثْلَ الْبُنْدُقَةِ مِنْ لَحْمٍ مَكْتُوبٍ فِيهِ بِاللَّحْمِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. لَيْسَ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي مِقْدَارِهِ حَقِيقِيًّا، بَلْ كُلٌّ شَبَّهَ بِمَا سَنَحَ لَهُ وَالْكُلُّ مُؤَدٍّ، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ وَهُوَ قِطْعَةُ لَحْمٍ، وَمَنْ قَالَ: شَعْرٌ ; فَلِأَنَّ الشَّعَرَاتِ حَوْلَهُ مُتَرَاكِبَةٌ عَلَيْهِ شَاخِصَةٌ فِي جَسَدِهِ، قَرِيبَةٌ مِنْ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ جَمْعُ الْكَفِّ مَعْنَاهَا أَنَّهُ عَلَى هَيْئَتِهِ، لَكِنَّهُ أَصْغَرُ مِنْهُ، وَرِوَايَةُ: إِنَّهُ كَالْمِحْجَمِ أَوْ كَالشَّامَةِ السَّوْدَاءِ أَوِ الْخَضْرَاءِ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ مَا مَرَّ، لَمْ يَثْبُتْ مِنْهَا شَيْءٌ، وَغَلَطَ ابْنُ حِبَّانَ فِي تَصْحِيحِهِ ذَلِكَ، وَكَذَا مَنْ ذَكَرَ الْكِتَابَةَ هُنَا، فَإِنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِخَاتَمِ يَدِهِ الَّذِي كَانَ يَخْتِمُ بِهِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الْحَمْلَ عَلَيْهِ بَعِيدٌ جِدًّا، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: الْكِتَابَةُ كَانَتْ مَعْنَوِيَّةً أَوْ صُورِيَّةً لَكِنَّهَا كَانَتْ تُدْرِكُهَا الْبَصِيرَةُ النَّوَوِيَّةُ. ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِوَقْتِ وَضْعِ الْخَاتَمِ، وَكَيْفَ وُضِعَ، وَمَنْ وَضَعَهُ فِي «حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَغَيْرِهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ؟ وَبِمَ عَلِمْتَ حَتَّى اسْتَيْقَنْتَ؟ قَالَ: (" أَتَانِي آتِيَانِ ") وَفِي رِوَايَةٍ: (" مَلَكَانِ، وَأَنَا بِبَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا بِالْأَرْضِ، وَكَانَ الْآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهْوَ هُوَ؟ قَالَ: هُوَ هُوَ، قَالَ: فَمَرَّ بِهِ رَجَلٌ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: " ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: شُقَّ بَطْنَهُ. فَشَقَّ بَطْنِي، فَأَخْرَجَ قَلْبِي، فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَغْمَزَ الشَّيْطَانِ وَعَلَقَ الدَّمِ فَطَرَحَهُمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اغْسِلْ بَطْنَهُ غُسْلَ الْإِنَاءِ، وَاغْسِلْ قَلْبَهُ غُسْلَ الْمِلَاءِ - أَيِ: الثَّوْبِ الَّذِي يَتَرَدَّى بِهِ - ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: خِطْ بَطْنَهُ. فَخَاطَ بَطْنِي، وَجَعَلَ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفِي كَمَا هُوَ الْآنَ، وَوَلَّيَا عَنِّي، وَكَأَنِّي أَرَى الْأَمْرَ مُعَايَنَةً» ". وَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ: (" «اسْتَخْرَجَا قَلْبِي فَشَقَّاهُ فَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: ائْتِنِي بِمَاءٍ وَثَلْجٍ، فَغَسَلَا بِهِ جَوْفِي، ثُمَّ قَالَ ائْتِنِي: بِمَاءٍ وَبَرَدٍ، فَغَسَلَا بِهِ قَلْبِي، ثُمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِالسِّكِينَةِ، فَزَادَهَا فِي قَلْبِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: خِطْهُ فَخَاطَهُ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ» ") . وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْقَاضِي عِيَاضًا لَمْ يُعَلِّقْ فِي قَوْلِهِ: هَذَا الْخَاتَمُ هُوَ أَثَرُ شَقِّ الْمَلَكَيْنِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ﵊ ; لِأَنَّ " بَيْنَ " ظَرْفٌ لِلْخَاتَمِ لَا لِلشَّقِّ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَاتَمَ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ إِجْمَاعًا، وَأَنَّ الشَّقَّ لَمَّا وَقَعَ فِي صَدْرِهِ ثُمَّ خِيطَ حَتَّى الْتَأَمَ كَمَا كَانَ، وَوَقَعَ الْخَاتَمُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كَانَ ذَلِكَ أَثَرَ الشَّقِّ. وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ: أَنَّهُ خُتِمَ بِهِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ، وَقِيلَ: وُلِدَ بِهِ وَلَا مَنْعَ مِنَ التَّعَدُّدِ وَزِيَادَةِ أَثَرٍ مَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 804
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٧٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ مِنَ الْأَرْضِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ فَقَالَ: (إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارْمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ: " فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ ".
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٧٧ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ) : صِفَةٌ أَوْ حَالٌ (فِي الْفَلَاةِ) : أَيْ: فِي الصَّحْرَاءِ، أَوِ الْمَحَلِّ الْوَاسِعِ (مِنَ الْأَرْضِ وَمَا يَنُوبُهُ) : عُطِفَ عَلَى الْمَاءِ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ نَحْوُ: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ كَرَمَهُ، يُقَالُ: نَابَ الْمَكَانَ أَوْ نَابَهُ إِذَا تَرَدَّدَ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى (مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ) : بَيَانٌ لِمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُؤْرَ السِّبَاعِ نَجِسٌ، وَإِلَّا لَا يَكُنْ لِسُؤَالِهِمْ وَجَوَابِهِ بِهَذَا الْكَلَامِ مَعْنًى ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعْتَادَ مِنَ السِّبَاعِ إِذَا وَرَدَتِ الْمِيَاهَ أَنْ تَخُوضَ فِيهَا وَتَبُولَ، وَرُبَّمَا لَا تَخْلُو أَعْضَاؤُهَا مِنْ لَوَثِ أَبْوَالِهَا وَرَجِيعِهَا. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُنَا، وَالثَّانِي مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. (فَقَالَ) ﵊: (" إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ ") : قِيلَ: الْقُلَّةُ: الْجَرَّةُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي تَسَعُ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ رِطْلًا بِالْبَغْدَادِيِّ، فَالْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةُ رِطْلٍ، وَقِيلَ: سِتُّمِائَةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْقُلَّةُ مَعْرُوفَةٌ بِالْحِجَازِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّهَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً فِيهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: الْقُلَّةُ الَّتِي يُسْتَسْقَى بِهَا ; سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تُقِلُّهَا. وَقِيلَ: الْقُلَّةُ مَا يَسْتَقِلُّهُ الْبَعِيرُ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَرْبَعِينَ قُلَّةً غَرْبًا أَيْ: دَلْوًا، وَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَصْلُحْ مُوقِعَةٌ لِلشُّبْهَةِ، وَرِوَايَةُ: إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ مَعَ عَدَمِ صِحَّتِهَا لَا تَخْلُو عَنِ الْمَجْهُولِيَّةِ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ عَلَى الْجَارِي، هَذَا وَتُرِكَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فِي الْمُتَغَيِّرِ بِنَجَاسَةٍ لِوُجُودِ الْإِجْمَاعِ، أَوْ لِخَبَرِ: الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى طَعْمِهِ أَوْ لَوْنِهِ أَوْ رِيحِهِ، وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ ضَعِيفٌ اتِّفَاقًا. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ
стр. 805
عُلَمَائِنَا: خَبَرُ الْقُلَّتَيْنِ صَحِيحٌ، وَإِسْنَادُهُ ثَابِتٌ، وَإِنْ تَرَكْنَاهُ ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مَا الْقُلَّتَانِ؛ وَلِأَنَّهُ رَوَى قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا عَلَى الشَّكِّ. وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ، وَمِمَّنْ ضَعَّفَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّونَ. اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَرْحَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ كَمَا فِي النُّخْبَةِ، فَلَا يَدْفَعُهُ تَصْحِيحُ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ مِمَّنْ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ، وَسُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ عَنْهُ قَالَ: هُوَ جَيِّدٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ ابْنُ عُلَيَّةَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ زِنْجِيًّا مَاتَ بِزَمْزَمَ فَنَزَحَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَإِمَّا ضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ كَمَا بَيَّنَهُ النَّوَوِيُّ، وَإِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ دَمَهُ غَيَّرَ مَاءَهَا، أَوْ نَزَحَهَا اسْتِحْبَابًا؛ إِذِ الْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّ الْمَاءَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَفِيهِ فُسْحَةٌ عَظِيمَةٌ لِلنَّاسِ مُخَالِفٌ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ الْمَذْكُورِ كَمَا عَلِمْتَ. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَمَّا فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ: فَرَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ زِنْجِيًّا وَقَعَ فِي زَمْزَمَ يَعْنِي مَاتَ، فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأُخْرِجَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُنْزَحَ، قَالَ: فَغَلَبَتْهُمْ عَيْنٌ جَاءَتْ مِنَ الرُّكْنِ قَالَ: فَأَمَرَ بِهَا فَسُدَّتْ بِالْقَبَاطِيِّ وَالْمَطَارِقِ حَتَّى نَزَحُوهَا، فَلَمَّا نَزَحُوهَا انْفَجَرَتْ عَلَيْهِمْ، فَهُوَ مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمْ يَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ. وَرَوَاهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَهُوَ سَنَدٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهَا الطَّحَاوِيُّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ حَبَشِيًّا وَقَعَ فِي زَمْزَمَ فَمَاتَ، فَأَمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَنُزِحَ مَاؤُهَا، فَجَعَلَ الْمَاءُ لَا يَنْقَطِعُ، فَنَظَرَ فَإِذَا عَيْنٌ تَجْرِي مِنْ قِبَلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: حَسْبُكُمْ. وَهَذَا أَيْضًا صَحِيحٌ بِاعْتِرَافِ الشَّيْخِ بِهِ فِي الْإِمَامِ. وَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: كُنْتُ أَنَا بِمَكَّةَ مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ لَمْ أَرَ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا يَعْرِفُ حَدِيثَ الزِّنْجِيِّ الَّذِي قَالُوا: إِنَّهُ وَقَعَ فِي زَمْزَمَ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ لَا يُعْرَفُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَيْفَ يَرْوِي ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (" «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» ") وَيَتْرُكُهُ. وَإِنْ كَانَ قَدْ فُعِلَ فَلِنَجَاسَةٍ ظَهَرَتْ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، أَوْ لِلتَّنْظِيفِ فَدُفِعَ بِأَنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ كَعِلْمِكَ أَنْتَ بِهِ فَكَمَا قُلْتَ يَتَنَجَّسُ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ لِدَلِيلٍ آخَرَ وَقَعَ عِنْدَكَ فَلَا تَسْتَبْعِدُ مِثْلَهُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالظَّاهِرُ مِنَ السَّوْقِ وَلَفْظِ الْقَائِلِ: مَاتَ فَأَمَرَ بِنَزْحِهَا أَنَّهُ لِلْمَوْتِ لَا لِنَجَاسَةٍ أُخْرَى عَلَى أَنَّ عِنْدَكَ أَيْضًا لَا تُنْزَحُ لِلنَّجَاسَةِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا أَيِ ابْنَ عُيَيْنَةَ وَالشَّافِعِيَّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ قَرِيبٌ مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةٍ، فَكَانَ إِخْبَارُ مَنْ أَدْرَكَ الْوَاقِعَةَ وَأَثْبَتَهَا أَوْلَى مِنْ عَدَمِ عِلْمِ غَيْرِهِ، وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: كَيْفَ يَصِلُ هَذَا الْخَبَرُ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَيَجْهَلُهُ أَهْلُ مَكَّةَ؟ اسْتِبْعَادٌ بَعْدَ وُضُوحِ الطَّرِيقِ، وَمُعَارَضٌ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ لِأَحْمَدَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ مِنَّا، فَإِذَا كَانَ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَأَعْلِمُونِي ; حَتَّى أَذْهَبُ إِلَيْهِ كُوفِيًّا كَانَ أَوْ بَصْرِيًّا أَوْ شَامِيًّا، فَهَلَّا قَالَ: كَيْفَ يَصِلُ هَذَا إِلَى أُولَئِكَ وَيَجْهَلُهُ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ؟ وَهَذَا لِأَنَّ الصَّحَابَةَ انْتَشَرَتْ فِي الْبِلَادِ خُصُوصًا الْعِرَاقِ. قَالَ الْعِجْلِيُّ فِي تَارِيخِهِ: نَزَلَ الْكُوفَةَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَنَزَلَ قِرْقِيسَا سِتُّمِائَةٌ، وَقِرْقِيسَا بِالْكَسْرِ وَيُقْصَرُ: بَلَدٌ عَلَى الْفُرَاتِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ.
(" لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ ") : قَالَ الْقَاضِي: الْحَدِيثُ بِمَنْطُوقِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّ مَعْنَى لَمْ يَحْمِلْ يَقْبَلُ النَّجَاسَةَ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَحْمِلُ ضَيْمًا إِذَا امْتَنَعَ عَنْ قَبُولِهِ، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَإِنْ تَغَيَّرَ نَجُسَ، وَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَقَلَّ يَنْجُسُ بِالْمُلَاقَاةِ، وَهَذَا الْمَفْهُومُ يُخَصِّصُ حَدِيثَ: " «خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا» " عِنْدَ مَنْ قَالَ بِالْمَفْهُومِ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَجْرَاهُ عَلَى عُمُومِهِ كَمَالِكٍ، فَإِنَّ الْمَاءَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَا يَنْجُسُ عِنْدَهُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ، وَقِيلَ:
لَمْ يَحْمِلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِضَعْفِهِ لَمْ يَحْمِلْهُ أَوْ لِقُوَّتِهِ لَمْ يَقْبَلْهُ، وَبِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يَتَرَجَّحُ الثَّانِي.
قُلْتُ: التَّرَجُّحُ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى، وَحَمْلُ الرِّوَايَةِ الشَّاذَّةِ عَلَى الْمَعْنَى أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُحْتَمَلُ
стр. 806
أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا مِنْ كَلَامِ أَحَدِ الرُّوَاةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْفَاءُ التَّعْلِيلِيَّةُ، فَإِنَّ الْحَمْلَ لَمَّا كَانَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْجِسْمِ كَفُلَانٍ لَا يَحْمِلُ الْحَجَرَ، أَيْ: لَا يُطِقْهُ لِثِقَلِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمَعْنَى ; كَفُلَانٍ لَا يَحْمِلُ الْغَمَّ، أَيْ: لَا يَقْبَلُهُ وَلَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [الجمعة: ٥] أَيْ: لَمْ يَقْبَلُوا أَحْكَامَهَا، عَلَّلَ الرَّاوِي بِمُقْتَضَى رَأْيِهِ وَفَهْمِهِ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ، لَكِنْ يَبْقَى أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لِذِكْرِ الْقُلَّتَيْنِ فَائِدَةٌ، قِيلَ: وَلَا يَكُونُ الْجَوَابُ كَافِيًا شَافِيًا. نَعَمْ لَوْ قِيلَ: مَعْنَى لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ صَرِيحًا ; لَصَلُحَ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لِلْمَالِكِيَّةِ، وَيَظْهَرُ لِذِكْرِ الْقُلَّتَيْنِ فَائِدَةٌ أَغْلَبِيَّةٌ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
(وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ: فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، كَذَا فِي الْأَزْهَارِ، وَرُوِيَ الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ.
стр. 807
٤٧٨ - «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرٍ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ، وَالنَّتْنُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٤٧٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرٍ بُضَاعَةَ؟) : بِضَمِّ الْبَاءِ، وَأُجِيزَ كَسْرُهَا، وَحُكِيَ أَيْضًا بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ بِئْرٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ نَقْلًا عَنِ التُّورِبِشْتِيُّ: بُضَاعَةُ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَضُمُّونَ الْبَاءَ وَيَكْسِرُونَهَا، وَالْمَحْفُوظُ فِي الْحَدِيثِ الضَّمُّ (وَهِيَ بِئْرٌ) : بِالْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ (يُلْقَى) : يَجُوزُ فِيهِ التَّأْنِيثُ وَالتَّذْكِيرُ (فِيهَا الْحِيَضُ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ جَمْعُ حَيْضَةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، وَهِيَ الْخِرْقَةُ الَّتِي تَسْتَعْمِلُهَا الْمَرْأَةُ فِي دَمِ الْحَيْضِ أَوْ تَسْتَثْفِرُهَا (وَلُحُومُ الْكِلَابِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَوَجْهٌ مُعَيَّنٌ يُلْقَى فِيهَا أَنَّ الْبِئْرَ كَانَتْ بِمَسِيلٍ مِنْ بَعْضِ الْأَوْدِيَةِ الَّتِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَنْزِلَ فِيهَا أَهْلُ الْبَادِيَةِ، فَتُلْقَى تِلْكَ الْقَاذُورَاتُ بِأَفْنِيَةِ مَنَازِلِهِمْ فَيَكْسَحُهَا السَّيْلُ فَيُلْقِيهَا فِي الْبِئْرِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ الْقَائِلُ بِوَجْهٍ يُوهِمُ أَنَّ الْإِلْقَاءَ مِنَ النَّاسِ لِقِلَّةِ تَدَيُّنِهِمْ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُجَوِّزُهُ مُسْلِمٌ، فَأَنَّى يُظَنُّ ذَلِكَ بِالَّذِينِ هُمْ أَفْضَلُ الْقُرُونِ وَأَزْكَاهُمْ (وَالنَّتْنُ؟) : بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ التَّاءِ وَتُكْسَرُ، وَهِيَ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الشَّيْءُ الْمُنْتِنُ كَالْعَذِرَةِ وَالْجِيفَةِ. قِيلَ: كَانَتِ السُّيُولُ تَكْسَحُ الْأَقْذَارَ مِنَ الطُّرُقِ وَالْأَفْنِيَةِ، فَتَحْمِلُهَا وَتُلْقِيهَا فِي هَذِهِ الْبِئْرِ، وَكَانَ مَاؤُهَا كَثِيرًا سَيَّالًا يَجْرِي بِهَا، فَسَأَلُوا عَنْ حُكْمِهَا فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْمَاءَ ") : قِيلَ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ، فَتَأْوِيلُهُ: إِنَّ الْمَاءَ الَّذِي تَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَهُوَ مَاءُ بِئْرِ بُضَاعَةَ. فَالْجَوَابُ مُطَابَقِيٌّ لَا عُمُومٌ كُلِّيٌّ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٍ (" طَهُورٌ ") : أَيْ: طَاهِرٌ كَمَا تُفِيدُ صِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ ; لِكَوْنِهِ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ (لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) : أَيْ: مَا يَتَغَيَّرُ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى نَجَاسَةِ الْمُتَغَيِّرِ، فَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّهُ كَانَ كَنُقَاعَةِ الْحِنَّاءِ مَحْمُولٌ عَلَى لَوْنِ جَوْهَرِ مَائِهَا، وَالشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ: لِأَنَّهَا كَانَتْ كَثِيرَةَ الْمَاءِ أَضْعَافَ الْقُلَّتَيْنِ فَلَا يُخَالِفُ حَدِيثَ ابْنَ عُمَرَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: مَدَدْتُ فِيهِ رِدَائِي فَإِذَا عَرْضُهُ سِتَّةَ أَذْرُعٍ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) . قَالَ السَّيِّدُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ اهـ.
وَفَى الْمَصَابِيحِ: وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَيْ: فِي جَوَابِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ قَالَ: " «خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» ، إِلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ ". قَالَ شَارِحُهُ ابْنَ الْمَلَكِ: قَاسَ الشَّافِعِيُّ اللَّوْنَ عَلَى الطَّعْمِ وَالرِّيحِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا فِي الْحَدِيثِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: أَخْذُ مَالِكٍ بِعُمُومِ هَذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ إِلْغَاءُ الْعَمَلِ بِمَفْهُومِ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ، مَعَ عَدَمِ الْمُسَوِّغِ لِذَلِكَ. قُلْتُ: الْمُسَوِّغُ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَئِمَّتِنَا، ثُمَّ قَوْلُهُ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ الْمَاءَ يَتَنَجَّسُ مُطْلَقًا إِلَّا إِذَا عَظُمَ بِحَيْثُ لَا يَتَحَرَّكُ طَرَفُهُ بِتَحَرُّكِ طَرَفِهِ الْآخَرِ، مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِمَنْطُوقِ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَضُرُّ إِذْ مَا خَالَفَهُمَا، إِلَّا وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَا يُوجِبُ مُخَالَفَتَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِلَّةُ الْقِلَّةِ وَعِلَّةُ الِامْتِنَاعِ عَنِ الْأَخْذِ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
стр. 808
٤٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٤٧٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ) أَيْ: مَرَاكِبَهُ مِنَ السُّفُنِ (وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ) : أَيْ: مَاءِ الْحُلْوِ (فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا) : بِكَسْرِ الطَّاءِ (أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟) وَهُوَ ضِدُّ الْبَرِّ، يَعْنِي: أَوْ نَتَيَمَّمُ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هُوَ ") أَيِ: الْبَحْرُ (" الطَّهُورُ ") : أَيِ: الْمُطَهَّرُ (" مَاؤُهُ ") : لِأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ تَطْهِيرِ مَائِهِ لَا عَنْ طَهَارَتِهِ، وَالْحَصْرِ فِيهِ قُلْتُ: لِلْمُبَالَغَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوَضُّؤَ بِمَاءِ الْبَحْرِ جَائِزٌ مَعَ تَغَيُّرِ طَعْمِهِ وَلَوْنِهِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِيهِ أَنَّ طَعْمَهُ وَلَوْنَهُ جِبِلِّيَّانِ لَا أَنَّهُمَا مُتَغَيِّرَانِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ، مَعَ أَنَّ التَّغَيُّرَ بِاللُّبْثِ لَا يَضُرُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ نَقْلًا عَنِ الزَّجَّاجِ: إِنَّ الطَّهُورَ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا فِي نَفْسِهِ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ عُدُولَهُمْ عَنْ صِيغَةِ الْفَاعِلِ إِلَى فَعُولٍ أَوْ فَعِيلٍ لِزِيَادَةِ مَعْنًى ; لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَبَانِي لِاخْتِلَافِ الْمَعَانِي كَمَا فِي: شَاكِرٌ وَشَكُورٌ، لَكِنَّ زِيَادَةَ الطَّهَارَةِ لَيْسَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى طَاهِرٍ آخَرَ هُوَ أَطْهَرُ مِنْهُ، بَلْ بِالْقِيَاسِ إِلَى مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، فَفِيهِ مَعْنَى الطَّهَارَةِ وَالتَّطْهِيرِ، بِخِلَافِ طَاهِرٍ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ تُعْتَبَرُ زِيَادَةُ الطَّهَارَةِ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَازِمٌ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الْمُطَهِّرُ ; لِأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنِ التَّطْهِيرِ، وَقَالَ مَالِكٌ: الطَّهُورُ مَا يَتَكَرَّرُ فِيهِ التَّطْهِيرُ كَالصَّبُورِ، فَجُوِّزَ الْوُضُوءُ بِالْمُسْتَعْمَلِ اهـ.
وَهُوَ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ؛ وَلَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ، وَعَلِمَ جَهْلَهُمْ بِحُكْمِ مَائِهِ قَاسَ جَهْلَهُمْ بِحُكْمِ صَيْدِهِ مَعَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فَزَادَ فِي الْجَوَابِ إِرْشَادًا وَهِدَايَةً، كَمَا هُوَ حَالُ الْحَكِيمِ الْعَارِفِ بِالدَّاءِ وَالدَّوَاءِ، قَالَ: (" الْحِلُّ مَيْتَتُهُ ") : فَالْمَيِّتُ مِنَ السَّمَكِ حَلَالٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِيمَا عَدَاهُ خِلَافٌ مَحَلُّهُ كُتُبُ الْفِقْهِ (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ السَّيِّدُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: سَنَدُهُ صَحِيحٌ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ مَعَ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ مَاءُ الْبَحْرِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي الطَّهَارَةِ بِهِ، وَإِنْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَخَبَرُ: " «تَحْتَ الْبَحْرِ نَارٌ، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرٌ» " حَتَّى عَدَّ سَبْعَةً، ضَعِيفٌ اتِّفَاقًا، عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا لِلْكَرَاهَةِ.
стр. 809
٤٨٠ - وَعَنْ أَبِي زَيْدٍ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ: " مَا فِي إِدَاوَتِكَ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: نَبِيذٌ. قَالَ: " تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ: فَتَوَضَّأَ مِنْهُ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَبُو زَيْدٍ مَجْهُولٌ.
ــ
٤٨٠ - (وَعَنْ أَبِي زَيْدٍ) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ) : أَيْ: لِعَبْدِ اللَّهِ (لَيْلَةَ الْجِنِّ) : أَيْ: لَيْلَةَ ذَهَبَ الْجِنُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى قَوْمِهِمْ لِيَتَعَلَّمُوا مِنْهُ الدِّينَ، وَكَانَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَفِي رِوَايَةٍ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (" مَا فِي إِدَاوَتِكَ؟ ") : أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ فِي مِطْهَرَتِكَ؟ فِي النِّهَايَةِ: الْإِدَاوَةُ بِالْكَسْرِ: إِنَاءٌ صَغِيرٌ مِنْ جِلْدٍ (قَالَ) : أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ (قُلْتُ: نَبِيذٌ) : وَفِي الْمَصَابِيحِ: نَبِيذُ تَمْرٍ، وَهُوَ مَاءٌ يُلْقَى فِيهِ تَمَرَاتٌ لِيَحْلُوَ، وَقِيلَ: النَّبِيذُ هُوَ التَّمْرُ أَوِ النَّبِيذُ الْمَنْبُوذِ أَيِ: الْمُلْقَى فِي الْمَاءِ لِتَغْيِيرِ مُلُوحَتِهِ وَمَرَارَتِهِ إِلَى الْحَلَاوَةِ (قَالَ: " «تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» ") : وَزَادَ فِي الْمَصَابِيحِ: وَتَوَضَّأَ مِنْهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوَضُّؤَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ جَائِزٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ: إِذَا تَغَيَّرَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا (وَزَادَ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ: فَتَوَضَّأَ مِنْهُ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ ابْنُ شَيْبَةَ مُطَوَّلًا، وَفِيهِ: " «هَلْ مَعَكَ مِنْ وَضُوءٍ؟ ". قُلْتُ: لَا. قَالَ: " فَمَا فِي إِدَاوَتِكَ؟ ". قُلْتُ: نَبِيذُ تَمْرٍ. قَالَ: " تَمْرَةٌ حُلْوَةٌ وَمَاءٌ طَيِّبٌ» ". ثُمَّ تَوَضَّأَ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ اهـ. وَكَانَ حَقُّ الْمُؤَلِّفِ أَنْ يَأْتِيَ بِقَوْلِهِ: فَتَوَضَّأَ مِنْهُ أَوَّلًا كَمَا هُوَ فِي الْمَصَابِيحِ، ثُمَّ يَقُولُ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ إِلَى طَهُورٍ حَتَّى لَا يُوهِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَصَابِيحِ.
стр. 810
(وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ أَبُو زَيْدٍ) أَيِ: الرَّاوِي هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (مَجْهُولٌ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فِيهِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ، أَنَّ أَبَا زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، رَوَى عَنْهُ رَاشِدُ بْنُ كَيْسَانَ الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ، وَأَبُو رَوْقٍ، وَهَذَا يُخْرِجُهُ عَنِ الْجَهَالَةِ اهـ.
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: أَجَمَعَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: حَدِيثُ نَبِيذِ التَّمْرِ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي أَسَانِيدِ سَائِرِهَا لِأَهْلِ النَّقْلِ مَقَالٌ، غَيْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ كَوْنُهُ حَقًّا، خُصُوصًا عِنْدَ مَنْ يَرَى الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ عُدُولًا فِي أَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ.
следующие страницы →