Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.
стр. 7421
٥٣٨٧ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: «أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: " هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: " فَإِنِّي لَأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَوَقْعِ الْمَطَرِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٣٨٧ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) : صَحَابِيَّانِ (قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيِ: اطَّلَعَ (عَلَى أُطُمٍ) بِضَمَّتَيْنِ، أَيْ: شَاهِقِ جَبَلٍ أَوْ حِصْنٍ أَوْ بِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ، (مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ) بِمَدِّ أَوَّلِهِ: جَمْعُ الْأُطْمِ (فَقَالَ: " هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ ") أَيْ: مِنَ الْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ مِنْهُ الْمُرْتَفِعَةِ عَنْهُ (قَالُوا: لَا. قَالَ: " فَإِنِّي لَأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ ") أَيْ: مِنْهُ (" خِلَالَ بُيُوتِكُمْ ") أَيْ: وَسَطَهَا (" كَوَقْعِ الْمَطَرِ ") وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَى نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَأَى ذَلِكَ الْأُطْمَ، أَوْ حِينَ صَعِدَهُ اقْتِرَابَ الْفِتَنِ لِيُخْبِرَ بِهَا أُمَّتَهُ، فَيَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ، وَيَعْرِفُوا أَنَّهَا مَنْ قَدَرٍ، وَيَعُدُّوا مَعْرِفَتَهَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: (تَقَعُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثَانِيًا، وَالْأَقْرَبُ إِلَى الذَّوْقِ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَالرُّؤْيَةُ بِمَعْنَى النَّظَرِ، أَيْ: كُشِفَ لِي فَأُبْصِرُهَا عِيَانًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَفِي الْجَامِعِ بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ عَنْ أُسَامَةَ بِلَفْظِ: هَلْ تَرَى مَا أَرَى، إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْمَطَرِ.
стр. 7422
٥٣٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٣٨٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَلَكَةُ أُمَّتِي ") بِفَتْحِ الْهَاءِ وَاللَّامِ أَيْ: هَلَاكُهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ هُنَا الصَّحَابَةُ ; لِأَنَّهُمْ خِيَارُ الْأُمَّةِ وَأَكَابِرُ الْأَئِمَّةِ (" عَلَى يَدَيْ ") تَثْنِيَةٌ مُضَافَةٌ إِلَى (" غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ ") بِكَسْرِ الْغَيْنِ جَمْعُ غُلَامٍ، أَيْ: عَلَى أَيْدِي الشُّبَّانِ الَّذِينَ مَا وَصَلُوا إِلَى مَرْتَبَةِ كَمَالِ الْعَقْلِ، وَالْأَحْدَاثِ السَّنِّ، الَّذِينَ لَا مُبَالَاةَ لَهُمْ بِأَصْحَابِ الْوَقَارِ وَأَرْبَابِ النُّهَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا وَقَعَ بَيْنَ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَتَلَتِهِ، وَبَيْنَ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَمَنْ قَاتَلَهُمْ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: لَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِثْلَ يَزِيدَ وَعَبْدِ الْمَلَكِ بْنِ مَرْوَانَ وَغَيْرِهِمَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: " «هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 7423
٥٣٨٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلَمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ " قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: " الْقَتْلُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٣٨٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ ") أَيْ: زَمَانُ الدُّنْيَا وَزَمَانُ الْآخِرَةِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ اقْتِرَابَ السَّاعَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يُرِيدُ بِهِ اقْتِرَابَ السَّاعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَقَارُبَ أَهْلِ الزَّمَانِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الشَّرِّ، أَوْ تَقَارُبَ الزَّمَانِ نَفْسِهِ فِي الشَّرِّ حَتَّى يُشْبِهَ أَوَّلُهُ آخِرَهُ، وَقِيلَ: بِقِصَرِ أَعْمَارِ أَهْلِهِ، اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ قِلَّةِ بَرَكَةِ الزِّمَانِ مِنْ كَثْرَةِ الْعِصْيَانِ. وَقَالَ الْقَاضِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَهُ أَنْ يَتَسَارَعَ الدِّوَلُ إِلَى الِانْقِضَاءِ وَالْقُرُونُ إِلَى الِانْقِرَاضِ ; فَيَتَقَارَبُ زَمَانُهُمْ وَيَتَدَانَى إِبَّانُهُمْ. (وَيُقْبَضُ الْعِلَمُ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ الْأَعْيَانِ (وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ) أَيْ: وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمِحَنُ (" وَيُلْقَى الشُّحُّ ") فِي قُلُوبِ أَهْلِهِ أَيْ: عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ حَتَّى يَبْخَلَ الْعَالِمُ بِعَلَمِهِ، وَالصَّانِعُ بِصَنْعَتِهِ، وَالْغَنِيُّ بِمَالِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ وُجُودَ أَصْلِ الشُّحِّ، لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ، إِلَّا مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . (وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ. (قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: " الْقَتْلُ ") فِي الْقَامُوسِ: هَرَجَ النَّاسُ وَقَعُوا فِي فِتْنَةٍ وَاخْتِلَاطٍ وَقَتْلٍ، اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْهَرْجِ قَتْلٌ خَاصٌّ، وَهُوَ الْمَمْزُوجُ بِالْفِتْنَةِ وَالِاخْتِلَاطِ، فَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7424
٥٣٩٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ؟ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ؟ " فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: " الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٣٩٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا ") أَيْ: جَمِيعُهَا (" حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ ") أَيْ: يَوْمٌ عَظِيمٌ فِيهِ شَرٌّ جَسِيمٌ (" لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ؟ ") أَيِ: الْمَقْتُولُ هَلْ يَجُوزُ قَتْلُهُ أَمْ لَا؟ (" وَلَا الْمَقْتُولُ ") أَيْ: نَفْسُهُ أَوْ أَهْلُهُ (" فِيمَ قُتِلَ؟ ") هَلْ بِسَبَبِ شَرْعِيٍّ أَوْ بِغَيْرِهِ، كَمَا كَثُرَ النَّوْعَانِ فِي زَمَانِنَا، (فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟) أَيْ: مَا سَبَبُ وُقُوعِ الْقَتْلِ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُ الْقَاتِلُ وَلَا الْمَقْتُولُ سَبَبَهُ (قَالَ: الْهَرْجُ ") أَيِ: الْفِتْنَةُ وَالِاخْتِلَاطُ الْكَثِيرَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْقَتْلِ الْمَجْهُولِ، وَالْمَعْنَى: سَبَبُهُ ثَوَرَانُ الْهَرْجِ بِالْكَثْرَةِ وَهَيَجَانُهُ بِالشِّدَّةِ. (" «الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» ") : أَمَّا الْقَاتِلُ فَلِقَتْلِهِ مُسْلِمًا، وَأَمَّا الْمَقْتُولُ فَلِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَلَمْ يَجِدِ الْفُرْصَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: أَمَّا الْقَاتِلُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمَقْتُولُ فَإِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ أَنَّ مَنْ نَوَى الْمَعْصِيَةَ وَأَصَرَّ عَلَى النِّيَّةِ يَكُونُ آثِمًا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7425
٥٣٩١ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٣٩١ - (وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) : هُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، مُزَنِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَإِلَيْهَا يُنْسَبُ، مَاتَ زَمَنَ ابْنِ زِيَادٍ، وَقِيلَ: زَمَنَ مُعَاوِيَةَ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْعِبَادَةُ ") أَيْ: ثَوَابُهَا مَعَ الِاسْتِقَامَةِ وَالِاسْتِدَامَةِ عَلَيْهَا (" فِي الْهَرْجِ ") أَيْ: زَمَنَ الْفِتْنَةِ وَوَقْتَ الْمُحَارَبَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (" كَهَجْرَةٍ إِلَيَّ ") أَيْ: قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنَظِيرُهُ مَا وَرَدَ: " ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْعَامِلِينَ بِمَنْزِلَةِ الصَّابِرِ فِي الْفَارِّينَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 7426
٥٣٩٢ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: «أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: " اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ أَشَرُّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ "، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٣٩٢ - (وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هَمْدَانِيٌّ بِسُكُونِ الْمِيمِ كُوفِيٌّ، كَانَ قَاضِي الرَّيِّ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، (قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ: مِنْ ظُلْمِهِ، وَهُوَ حَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، رُوِيَ أَنَّهُ قَتَلَ مِائَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا سِوَى مَا قَتَلَ فِي حُرُوبِهِ، (فَقَالَ: اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ أَشَرُّ مِنْهُ ") أَيْ: غَالِبًا وَمِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ (" حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ ") ، قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَخْيَرُ وَأَشَرُّ أَصْلَانِ مَتْرُوكَانِ لَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلَانِ إِلَّا نَادِرًا، وَإِنَّمَا الْمُتَعَارَفُ فِي التَّفْضِيلِ خَيْرٌ وَشَرٌّ، وَفِي الْقَامُوسِ: هُوَ شَرُّ مِنْهُ وَأَشَرُّ مِنْهُ قَلِيلَةٌ أَوْ وَرْدِيَّةٌ، وَفِيهِ أَيْضًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْكَ كَخَيْرٍ اهـ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّ اسْتِعْمَالَ أَخْيَرَ خَيْرٌ مِنِ اسْتِعْمَالِ أَشَرَّ، وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِيهِ أَنَّ خَيْرَ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّفْضِيلِ وَغَيْرِهِ، فَيَكُونُ أَخْيَرُ نَصًّا فِي الْمَقْصُودِ بِخِلَافٍ شَرٍّ، وَإِنَّمَا يُبَالَغُ فِيهِ بِإِتْيَانِ الْهَمْزِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (سَمِعْتُهُ) أَيْ: قَوْلُهُ: اصْبِرُوا، الْخَ، وَالْأَظْهَرُ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ، الْخَ. (مِنْ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، قِيلَ: هَذَا الْإِطْلَاقُ يُشْكِلُ بِزَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ الْحَجَّاجِ بِيَسِيرٍ، وَبِزَمَنِ الْمَهْدِيِّ وَعِيسَى ﵊، وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ فِي السُّوءِ مِنْ زَمَنِ الْحَجَّاجِ إِلَى زَمَنِ الدَّجَّالِ، وَأَمَّا زَمَانُ عِيسَى ﵊ فَلَهُ حُكْمٌ مُسْتَأْنَفٌ. وَأَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ زَمَنَ عِيسَى ﵊ مُسْتَثْنًى شَرْعًا مِنَ الْكَلَامِ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَزْمِنَةِ فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْأَشْرِبَةُ فِيهَا مَوْجُودَةً مِنْ حَيْثِيَّةٍ دُونَ حَيْثِيَّةٍ، وَبِاعْتِبَارٍ دُونَ آخَرَ، وَفِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ، وَفِي أَمْرٍ دُونَ أَمْرٍ، مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ، وَحَالٍ وَاسْتِقَامَةٍ، وَغَيْرِهَا مِمَّا يَطُولُ تَفْصِيلُهَا، وَهَذَا مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْبُعْدِ الْبُعْدِيَّةِ عَنْ زَمَانِ الْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُشْعِلِ الْمُنَوِّرِ لِلْعَالَمِ، فَكُلَّمَا أَبْعَدَ عَنْ قُرْبِهِ وَقَعَ فِي زِيَادَةِ ظَلَامٍ وَحَجَبَةٍ، وَقَدْ أَدْرَكَتِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - مَعَ كَمَالِ صَفَاءِ بَاطِنِهِمُ التَّغَيُّرَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ دَفْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ الْكِبَارِ: إِنِّي كُنْتُ فِي جَامِعِ شِيرَازَ مَشْغُولًا بِوِرْدِي فِي لَيْلٍ، إِذْ هَجَمَ عَلَيَّ الْخَاطِرُ، وَأَرَادَ بِالْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ دَاعٍ وَبَاعِثٍ لَهُ، فَخَرَجْتُ فَإِذَا امْرَأَةٌ مُلْتَصِقَةٌ بِجِدَارٍ، فَخَطَرَ لِي أَنَّهَا تُرِيدُ بَيْتَهَا وَتَخَافُ فِي طَرِيقِهَا مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ، فَذَكَرْتُ لَهَا ذَلِكَ، فَأَشَارَتْ إِلَيَّ بِأَنَّ نَعَمْ، فَتَقَدَّمْتُ عَلَيْهَا وَقُلْتُ لَهَا مَا قَالَ مُوسَى ﵊ لِابْنَةِ شُعَيْبٍ: إِنْ أَخْطَأْتُ الطَّرِيقَ الْقَوِيمَ ارْمِي حَجَرًا يَدُلُّنِي عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، فَأَوْصَلْتُهَا إِلَى بَيْتِهَا وَرَجَعْتُ إِلَى حِزْبِي، وَلَمْ يَخْطُرْ لِي حِينَئِذٍ شَيْءٌ مِنَ الْخَطِرَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ تِلْكَ الْحَالَةِ الرُّوحَانِيَّةِ، هَجَسَ فِي النَّفْسِ وَتَوَسْوَسَ فِي الْخَاطِرِ مِنَ الْأُمُورِ الشَّيْطَانِيَّةِ، فَتَأَمَّلْتُ أَنَّهُ هَلْ بَاعِثُ هَذَا تَغَيُّرٌ فِي مَأْكَلِي أَوْ مَشْرَبِي أَوْ مَلْبَسِي أَوْ فِي مَقْصِدِي لِعِبَادَتِي وَطَاعَتِي، أَوْ حُدُوثِ حَادِثٍ فِي صُحْبَةِ أَحِبَّتِي، أَوْ خِلْطَةِ ظَالِمٍ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، فَمَا رَأَيْتُ سَبَبًا لِظُهُورِ هَذِهِ الظُّلْمَةِ إِلَّا الْبُعْدَ عَنْ نُورِ زَمَانِ الْحَضْرَةِ الْمُوجِبِ لِحُصُولِ مِثْلِ هَذِهِ الْخَطَرَةِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
وَفِي الْجَامِعِ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: " «لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ عَامٌ وَلَا يَوْمٌ إِلَّا وَالَّذِي بِعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ» ". وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَالنِّسَائِيُّ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «مَا مِنْ عَامٍ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ» " وَفِي الْكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: " «مَا مِنْ عَامٍ إِلَّا يَنْقُصُ الْخَيْرُ فِيهِ وَيَزِيدُ الشَّرُّ» ". قَالَ الزَّرْكَشِيُّ ﵀: وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: مَا مِنْ عَامٍ إِلَّا وَيُحِدِثُ النَّاسُ بِدْعَةً وَيُمِيتُونَ سُنَّةً، حَتَّى تُمَاتُ السُّنَنُ وَتَحْيَا الْبِدَعُ، فَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرِّ مَوْتُ السُّنَنِ وَإِحْيَاءُ الْبِدَعِ، وَلَا شَكَّ فِي تَحَقُّقِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِي كُلِّ زَمَنٍ مِنَ الْمَلَوَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «لَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرُّ مِنْهُ» "، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ مِنْ حَدِيثِ: كُلُّ عَامٍ تَرْذُلُونَ، فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀ فِي رِسَالَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7427
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣٩٣ - «عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوْا؟ وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَائِدِ فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ " ثَلَاثَمِائَةٍ فَصَاعِدًا " إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ قَبِيلَتِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٣٩٣ - (عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي) أَيْ: مِنَ الصَّحَابَةِ (أَمْ تَنَاسَوْا) أَيْ: أَظْهَرُوا النِّسْيَانَ (وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَائِدِ فِتْنَةٍ) أَيْ: دَاعِي ضَجَّةٍ وَبَاعِثِ بِدْعَةٍ، وَ (مِنْ) : زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي النَّفْيِ (إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا) أَيْ: إِلَى انْقِضَائِهَا وَانْتِهَائِهَا (يَبْلُغُ) صِفَةٌ لِلْقَائِدِ أَيْ: يَصِلُ (مَنْ مَعَهُ) أَيْ: مِقْدَارُ أَتْبَاعِهِ (" ثَلَاثَمِائَةٍ فَصَاعِدًا ") أَيْ: فَزَائِدًا عَلَيْهِ (إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ) أَيْ: ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَائِدَ (لَنَا بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ قَبِيلَتِهِ) ، وَالْمَعْنَى: مَا جَعَلَهُ مُتَّصِفًا بِوَصْفٍ إِلَّا بِوَصْفِ تَسْمِيَتِهِ، الْخَ. يَعْنِي وَصْفًا وَاضِحًا مُفَصَّلًا لَا مُبْهَمًا مُجْمَلًا، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: (إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ) مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذِكْرَ قَائِدِ فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا مُهْمَلًا، لَكِنْ قَدْ سَمَّاهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ. قَالَ الْمُظْهِرُ: أَرَادَ بِقَائِدِ الْفِتْنَةِ مَنْ يَحْدُثُ بِسَبَبِهِ بِدْعَةً، أَوْ ضَلَالَةً، أَوْ مُحَارَبَةً، كَعَالِمٍ مُبْتَدِعٍ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْبِدْعَةِ، أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ يُحَارِبُ الْمُسْلِمِينَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 7428
٥٣٩٤ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٣٩٤ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ) : هُوَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ : (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ» ") الْأَئِمَّةُ: جَمْعُ إِمَامٍ وَهُوَ مُقْتَدَى الْقَوْمِ وَرَئِيسُهُمْ، وَمَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ، (" «وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ") أَيْ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ آخَرَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7429
٥٣٩٥ - وَعَنْ سَفِينَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا» ".
ثُمَّ يَقُولُ سَفِينَةُ: أَمْسِكْ، خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَخِلَافَةَ عُمَرَ عَشْرَةً، وَعُثْمَانَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَعَلِيٍّ سِتَّةً. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٣٩٥ - (وَعَنْ سَفِينَةَ) : هُوَ أَيْضًا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُقَالُ: إِنَّ سَفِينَةَ لَقَبٌ لَهُ وَاسْمُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ مَعَهُ فَأُعْيَا رَجُلٌ، فَأَلْقَى عَلَيْهِ سَيْفَهُ وَتُرْسَهُ وَرُمْحَهُ، فَحَمَلَ شَيْئًا كَثِيرًا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " أَنْتَ سَفِينَةٌ ". رَوَى عَنْهُ بَنُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدٌ، وَزِيَادٌ، وَكَثِيرٌ. (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " الْخِلَافَةُ ") أَيِ: الْحَقَّةُ أَوِ الْمَرْضِيَّةُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، أَوِ الْكَامِلَةُ أَوِ الْمُتَّصِلَةُ (ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ ") أَيْ: تَنْقَلِبُ الْخِلَافَةُ وَتَرْجِعُ (" مُلْكًا ") بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ: سَلْطَنَةً وَغَلَبَةً عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ: وَهَذَا مُشْكِلٌ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَبَعْضِ الْمَرْوَانِيَّةِ، كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْخِلَافَةَ الْكَامِلَةَ الَّتِي لَا يَشُوبُهَا شَيْءٌ مِنَ الْمُخَالَفَةِ، وَمَيْلٌ عَنِ الْمُتَابَعَةِ تَكُونُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَبَعْدَهَا قَدْ تَكُونُ وَقَدْ لَا تَكُونُ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَرْوَانِيَّةَ أَوَّلُهُمْ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ ابْنُهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ، ثُمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ، ثُمَّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ الْوَلِيدُ، ثُمَّ سُلَيْمَانُ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ، ثُمَّ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثُمَّ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْهُمُ الْخِلَافَةُ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ. هَذَا وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ يَعْنِي أَنَّ الْخِلَافَةَ حَقُّ الْخِلَافَةِ إِنَّمَا هِيَ لِلَّذِينِ صَدَّقُوا هَذَا الِاسْمَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِسُّنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَعْدِهِ، فَإِذَا خَالَفُوا السُّنَّةَ وَبَدَّلُوا السِّيرَةَ فَهُمْ حِينَئِذٍ مُلُوكٌ، وَإِنْ كَانَ أَسَامِيهُمْ خُلَفَاءَ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسَمَّى الْقَائِمُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِبَعْضِ سِيَرِ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ لِقِيَامِهِ بِأَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُسَمَّى خَلِيفَةً ; لِأَنَّهُ خَلَفَ الْمَاضِي قَبْلَهُ وَقَامَ مَقَامَهُ، وَلَا يُسَمَّى أَحَدٌ خَلِيفَةَ اللَّهِ بَعْدَ آدَمَ وَدَاوُدَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
стр. 7430
قُلْتُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلِيفَتُهُ فِي خَلِيقَتِهِ، بَلْ وَيَدُلُّ إِطْلَاقُهَا عَلَى غَيْرِهِ ﷺ أَيْضًا مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : " فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ " الْحَدِيثَ.
قَالَ: وَقَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ! فَقَالَ: وَيْحَكَ لَقَدْ تَنَاوَلْتَ مُتَنَاوَلًا، إِنَّ أُمَّتِي سَمَّتْنِي عُمَرَ، فَلَوْ دَعَوْتَنِي بِهَذَا الِاسْمِ قَبِلْتُ، ثُمَّ وَلَّيْتُمُونِي أُمُورَكُمْ فَسَمَّيْتُمُونِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَوْ دَعَوْتَنِي بِذَلِكَ كَفَاكَ، أَيْ: فِي رِعَايَةِ الْأَدَبِ وَقَصْدِ التَّعْظِيمِ، فَهَذَا مِنْهُ تَوَاضُعٌ مَعَ الْخَلْقِ، وَتَمَسْكُنٌ مَعَ الْخَالِقِ، فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ لَهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(ثُمَّ يَقُولُ سَفِينَةُ) أَيْ: لِرَاوِيهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ خِطَابُ الْعَامِّ (أَمْسِكْ) أَيْ: عُدَّ مُدَّةَ الْخِلَافَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَعَلَّ الْوَجْهَ أَنْ يُقَالَ: امْسِكْ أَنِ اضْبُطِ الْحِسَابَ عَاقِدًا أَصَابِعَكَ حَتَّى يَكُونَ أَمْسِكْ مَحْمُولًا عَلَى أَصْلِهِ، اهـ. وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى احْسِبْ وَاحْفَظْ. (خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَخِلَافَةَ عُمَرَ عَشْرَةً) أَيْ: أَعْوَامٍ (وَعُثْمَانَ) أَيْ: خِلَافَتُهُ (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً) وَفِي نُسْخَةٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَيْ: عَامًا (وَعَلِيٍّ) أَيْ: وَخِلَافَةُ عَلِيٍّ (سِتَّةً) أَيْ: سِتَّةُ أَعْوَامٍ، فِعْلِيٌّ خَاتَمُ الْخُلَفَاءِ، كَالنَّبِيِّ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمَهْدِيُّ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) ، وَكَذَا النَّسَائِيُّ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَفِي الْجَامِعِ: " «الْخِلَافَةُ بَعْدِي فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ سَفِينَةَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «الْخِلَافَةُ بِالْمَدِينَةِ وَالْمُلْكُ بِالشَّامِ» ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ الْحَقِيقِيَّةَ مَا تُوجَدُ فِي مَكَانِ صَاحِبِ النُّبُوَّةِ عَلَى اتِّفَاقِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ فِي الْحَقِيقَةِ بِأَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَمِنْ أَمْثَالِ غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِطَرِيقِ التَّسَلُّطِ الَّتِي تُسَمَّى مُلْكًا ; لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى نِظَامِ حَالِ الْعَامَّةِ ; وَلِئَلَّا يُؤَدِّيَ إِلَى الْفِتْنَةِ الطَّامَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7431
٥٣٩٦ - «وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ، كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌّ؟ قَالَ: " نَعَمْ "، قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ؟ قَالَ: " السَّيْفُ "، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ السَّيْفِ بَقِيَّةٌ؟ قَالَ " نَعَمْ " تَكُونُ إِمَارَةُ أَقْذَاءٍ، وَهُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ ". قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: " ثُمَّ يَنْشَأُ دُعَاةُ الضَّلَالِ، فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ جَلَدَ ظَهْرَكَ، وَأَخَذَ مَالَكَ، فَأَطِعْهُ، وَإِلَّا فَمُتْ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جَذْلِ شَجَرَةٍ "، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: " ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ بَعْدَ ذَلِكَ، مَعَهُ نَهْرٌ وَنَارٌ، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ، وَجَبَ أَجْرُهُ، وَحُطَّ وِزْرُهُ، وَمَنْ وَقَعَ فِي نَهْرِهِ، وَجَبَ وِزْرُهُ، وَحُطَّ أَجْرُهُ ". قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ يُنْتَجُ الْمُهْرُ فَلَا يُرْكَبُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ "، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: " هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ، وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ مَا هِيَ؟ قَالَ: " لَا تَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامٍ عَلَى الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ "، قُلْتُ: بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: " فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ صَمَّاءُ، عَلَيْهَا دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ، فَإِنْ مُتَّ يَا حُذَيْفَةُ! وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جَذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتْبَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٣٩٦ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ) أَيِ: الْإِسْلَامُ وَالنِّظَامُ التَّامُّ، الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، وَالْمَعْنَى: أَيُوجَدُ وَيَحْدُثُ بَعْدَ وُجُودِ هَذَا الْخَيْرِ (شَرٌّ، كَمَا كَانَ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْخَيْرِ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ زَمَنُ الْجَاهِلِيَّةِ (شَرٌّ؟ قَالَ: " نَعَمْ ") أَيْ: لِأَنَّ مَا وَرَاءَ كُلِّ كَمَالٍ زَوَالٌ، إِلَّا كَمَالَ ذِي الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، (قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ؟) أَيْ: فَمَا طَرِيقُ النَّجَاةِ، مِنَ الثَّبَاتِ عَلَى الْخَيْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ الشَّرِّ؟ (قَالَ: " السَّيْفُ ") أَيْ: تَحْصُلُ الْعِصْمَةُ بِاسْتِعْمَالِ السَّيْفِ، أَوْ طَرِيقُهَا أَنْ تَضْرِبَهُمْ بِالسَّيْفِ. قَالَ قَتَادَةُ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الطَّائِفَةِ هُمُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَمَنِ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ ﵁ كَذَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَشْمَلَ مَا وَقَعَ مِنْ مُعَاوِيَةَ مَعَ عَلِيٍّ ﵄ فَإِنَّ الْحَقَّ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ، وَأَنَّ الْعِصْمَةَ كَانَتْ بِالْمُقَاتَلَةِ مَعَ مُعَاوِيَةَ ; كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَمَّارٍ: " «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» "، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ، (قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ السَّيْفِ فِتْنَةٌ؟) أَيْ: مِنَ الشَّرِّ أَوْ مِنَ الْخَيْرِ. قَالَ شَارِحٌ: أَيْ: هَلْ يَبْقَى الْإِسْلَامُ بَعْدَ مُحَارَبَتِنَا إِيَّاهِمْ؟ (قَالَ: " نَعَمْ، تَكُونُ إِمَارَةٌ ") بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ: وِلَايَةٌ وَسُلْطَةٌ، (" عَلَى أَقْذَاءِ ") فِي النِّهَايَةِ: الْأَقْذَاءُ جَمْعُ قَذًى، وَالْقَذَى جَمْعُ قَذَاةٍ، وَهِيَ مَا يَقَعُ
стр. 7432
فِي الْعَيْنِ وَالْمَاءِ وَالشَّرَابِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ تِبْنٍ أَوْ وَسَخٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَرَادَ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ يَكُونُ عَلَى فَسَادٍ فِي قُلُوبِكُمْ، فَشَبَّهَهُ بِقَذَى الْعَيْنِ وَنَحْوَهَا، قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَيْ: إِمَارَةٌ مَشُوبَةٌ بِشَيْءٍ مِنَ الْبِدَعِ وَارْتِكَابِ الْمَنَاهِي، (" وَهُدْنَةٌ ") بِضَمِّ الْهَاءِ أَيْ: صُلْحٌ (" عَلَى دَخَنٍ ") بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: مَعَ خِدَاعٍ وَنِفَاقٍ وَخِيَانَةٍ. وَفِي الْفَائِقِ: هَدَنَ أَيْ: سَكَنَ، ضَرَبَهُ مَثَلًا لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْفَسَادِ الْبَاطِنِ تَحْتَ الصَّلَاحِ الظَّاهِرِ، اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: ثُمَّ يَكُونُ اجْتِمَاعُ النَّاسِ عَلَى مَنْ جُعِلَ أَمِيرًا بِكَرَاهِيَةِ نَفْسٍ لَا بِطِيبِ قَلْبٍ، يُقَالُ: فَعَلْتُ كَذَا وَفَى الْعَيْنِ قَذًى، أَيْ: فَعَلْتُهُ عَلَى كَرَاهَةٍ وَإِغْمَاضِ عَيْنٍ، كَمَا أَنَّ الْعَيْنَ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْقَذَى ظَاهِرُهَا صَحِيحٌ وَبَاطِنُهَا صَرِيخٌ، وَأَصْلُ الدَّخَنِ هُوَ الْكُدُورَةُ وَاللَّوْنُ الَّذِي يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ، فَيَكُونُ فِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى أَنَّهُ صَلَاحٌ مَشُوبٌ بِالْفَسَادِ ; فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى صُلْحِ الْحَسَنِ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَتَفْوِيضِ الْمُلْكِ إِلَيْهِ وَاسْتِقْرَارِ أَمْرِ الْإِمَارَةِ عَلَيْهِ، وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بِصُلْحِ الْحَسَنِ لَمْ يَصِرْ خَلِيفَةً، خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ خِلَافَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟) أَيْ: مَاذَا يَكُونُ (قَالَ: " ثُمَّ تَنْشَأُ ") أَيْ: تَظْهَرُ (" دُعَاةُ الضَّلَالِ ") أَيْ: جَمَاعَةٌ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الْبِدَعِ أَوِ الْمَعَاصِي، (" فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ ") أَيْ: مَوْجُودًا فِيهَا، وَلَوْ مِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ (" جَلَدَ ظَهْرَكَ ") أَيْ: ضَرَبَكَ بِالْبَاطِلِ (" وَأَخَذَ مَالَكَ ") أَيْ: بِالْغَصْبِ، أَوْ مَا لَكَ مِنَ الْمَنْصِبِ، وَالنَّصِيبِ بِالتَّعَدِّي (" فَأَطِعْهُ ") أَيْ: وَلَا تُخَالِفْهُ ; لِئَلَّا تَثُورَ فِتْنَةٌ (" وَإِلَّا ") أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ (" فَمُتْ ") : أَمْرٌ مِنْ مَاتَ يَمُوتُ، إِشَارَةٌ إِلَى مَا قِيلَ: مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا، وَكَأَنَّهُ عَبَّرَ عَنِ الْخُمُولِ وَالْعُزْلَةِ بِالْمَوْتِ، فَإِنَّ غَالِبَ لَذَّةِ الْحَيَاةِ تَكُونُ بِالشُّهْرَةِ وَالْخِلْطَةِ وَالْخَلْوَةِ، (" وَأَنْتَ عَاضٌّ ") : بِتَشْدِيدِ الضَّادِ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ: حَالَ كَوْنِكَ آخِذًا بِقُوَّةٍ وَمَاسِكًا بِشِدَّةٍ (" عَلَى جَذْلِ شَجَرَةٍ ") : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتُفْتَحُ أَيْ: أَصْلُهَا، قَالَ الْقَاضِي: أَيْ: فَعَلَيْكَ بِالْعُزْلَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى غُصَصِ الزَّمَانِ وَالتَّحَمُّلِ لِمَشَاقِّهِ وَشَدَائِدِهِ، وَعَضُّ جَذْلِ الشَّجَرَةِ وَهُوَ أَصْلُهَا كِنَايَةً عَنْ مُكَابَدَةِ الشِّدَادِ مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يَعُضُّ بِالْحِجَارَةِ لِشِدَّةِ الْأَلَمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَنْقَطِعَ عَنِ النَّاسِ، وَيَتَبَوَّأَ أَجِمَةً وَيَلْزَمُهَا إِلَى أَنْ يَمُوتَ أَوْ يَنْقَلِبَ الْأَمْرُ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَضَّ الرَّجُلُ بِصَاحِبِهِ إِذَا لَزِمَهُ وَلَصِقَ بِهِ، وَمِنْهُ: عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَقِيلَ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ قَسِيمَةُ قَوْلِهِ: فَأَطِعْهُ، وَمَعْنَاهُ: إِنْ لَمْ تُطِعْهُ أَدَّتْكَ الْمُخَالَفَةُ إِلَى مَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصْبِرَ عَلَيْهِ، وَيَدُلَّ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ صَمَّاءُ عَلَيْهَا دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ، فَإِنْ مُتَّ يَا حُذَيْفَةُ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جَذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ، وَهُوَ قَسِيمٌ لِقَوْلِهِ: فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ، عَلَى الثَّانِي هُوَ مُسَبَّبٌ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَطِعْهُ، هَذَا وَفِي نُسْخَةٍ: قُمْتَ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ مِنَ الْقِيَامِ بَدَلَ فَمُتْ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ ﵀: قُمْ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ.
(قُلْتُ ثُمَّ مَاذَا؟) أَيْ: مِنَ الْفِتَنِ (قَالَ: " ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ ") أَيْ: زَمَنَ الْمَهْدِيِّ (" بَعْدَ ذَلِكَ ") أَيْ: بَعْدَ مَا ذَكَرَ مِنْ وُقُوعِ أَنْوَاعِ الشُّرُورِ وَالْفِتَنِ (" وَمَعَهُ نَهْرٌ ") : بِسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ: نَهْرُ مَاءٍ (" وَنَارٌ ") أَيْ: خَنْدَقُ نَارٍ، قِيلَ: إِنَّهُمَا عَلَى وَجْهِ التَّخَيُّلِ مِنْ طَرِيقِ السِّحْرِ وَالسِّيمِيَاءِ، وَقِيلَ: مَاؤُهُ فِي الْحَقِيقَةِ نَارٌ وَنَارُهُ مَاءٌ. (" فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ ") أَيْ: مَنْ خَالَفَهُ حَتَّى يُلْقِيَهُ فِي نَارِهِ، وَأَضَافَ النَّارَ إِلَيْهِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَارٍ حَقِيقَةً بَلْ سِحْرًا (" وَجَبَ أَجْرُهُ ") أَيْ: ثَبَتَ وَتَحَقَّقَ أَجْرُ الْوَاقِعِ (" وَحُطَّ ") أَيْ: وَرُفِعَ وَسُومِحَ (" وِزْرُهُ ") أَيْ: إِثْمُهُ السَّابِقُ، (" وَمَنْ وَقَعَ فِي نَهْرِهِ ") أَيْ: حَيْثُ وَافَقَهُ فِي أَمْرِهِ (" وَجَبَ وَزِرُهُ ") أَيِ: اللَّاحِقُ (" وَحُطَّ أَجْرُهُ ") أَيْ: بَطَلَ عَمَلُهُ السَّابِقُ، (" قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: " ثُمَّ يُنْتَجُ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ ثُمَّ يُولَدُ (" الْمُهْرُ ") : بِضَمٍّ وَسُكُونِ هَاءٍ أَيْ: وَلَدُ الْفَرَسِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يُنْتَجُ مِنَ النَّتْجِ لَا مِنَ النِّتَاجِ وَهُوَ الْوِلَادَةُ وَلَا مِنَ الْإِنْتَاجِ، يُقَالُ: نَتَجَتِ الْفَرَسُ أَوِ النَّاقَةُ عَلَى بِنَاءِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ نِتَاجًا، وَنَتَجَهَا أَهْلُهَا نَتَجًا،
стр. 7433
وَالْإِنْتَاجُ اقْتِرَابُ وِلَادَتِهَا، وَقِيلَ: اسْتِبَانَةُ حَمْلِهَا، (" فَلَا يُرْكِبُ ") : بِكَسْرِ الْكَافِ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَرْكَبَ الْمُهْرُ إِذَا حَانَ وَقْتُ رُكُوبِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ فَتْحُ الْكَافِ أَيْ: " فَلَا يَرْكَبُ الْمُهْرَ لِأَجْلِ الْفِتَنِ أَوْ لِقُرْبِ الزَّمَنِ، (" حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ") قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ زَمَنُ عِيسَى ﵊ فَلَا يُرْكَبُ الْمُهْرُ لِعَدَمِ احْتِيَاجِ النَّاسِ فِيهِ إِلَى مُحَارَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ لَا يَكُونُ زَمَانٌ طَوِيلٌ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَيْ: يَكُونُ حِينَئِذٍ قِيَامُ السَّاعَةِ قَرِيبًا قَدْرَ زَمَانِ إِنْتَاجِ الْمُهْرِ وَإِرْكَابِهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: بَدَلٌ: تَكُونُ إِمَارَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ إِلَخْ، (قَالَ: " هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ ") أَيْ: صُلْحٌ مَعَ كُدُورَةٍ، وَصَفَاءٌ مَعَ ظُلْمَةٍ، (" وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ ") أَيْ: وَاجْتِمَاعٌ عَلَى أَهْوَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ عُيُوبٍ مُؤْتَلِفَةٍ، (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ مَا هِيَ؟ قَالَ؟ " لَا تَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامٍ ") : بِرَفْعِ قُلُوبٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَبِنَصْبِهِ بِنَاءً عَلَى أَنْ رَجَعَ لَازِمٌ أَوْ مُتَعَدٍّ، أَيْ: لَا تَصِيرُ قُلُوبَ جَمَاعَاتٍ أَوْ لَا تَرِدُ الْهُدْنَةُ قُلُوبَهُمْ (" عَلَى الَّذِي ") أَيْ: عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْ عَلَى الصَّفَاءِ الَّذِي (" كَانَتْ ") أَيْ: تِلْكَ الْقُلُوبُ (" عَلَيْهِ ") أَيْ: لَا تَكُونُ قُلُوبُهُمْ صَافِيَةً عَنِ الْحِقْدِ وَالْبُغْضِ كَمَا كَانَتْ صَافِيَةً قَبْلَ ذَلِكَ، (قُلْتُ: بَعْدَ هَذَا) أَيْ: يَقَعُ بَعْدَ هَذَا (الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: " فِتْنَةٌ ") أَيْ: نِعْمَةٍ يَقَعُ شَرٌّ هُوَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ وَبَلِيَّةٌ جَسِيمَةٌ (" عَمْيَاءُ ") أَيْ: يَعْمَى فِيهَا الْإِنْسَانُ عَنْ أَنْ يَرَى الْحَقَّ (" صَمَّاءُ ") أَيْ: يَصُمُّ أَهْلُهَا عَنْ أَنْ يَسْمَعَ فِيهَا كَلِمَةَ الْحَقِّ أَوِ النَّصِيحَةِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْمُرَادُ بِكَوْنِهَا عَمْيَاءَ صَمَّاءَ أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ لَا يَرَى مِنْهَا مَخْرَجًا، وَلَا يُوجِدُ دُونَهَا مُسْتَغَاثًا، أَوْ أَنْ يَقَعَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى غِرَّةٍ مِنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ، فَيُعْمُونَ فِيهَا وَيُصَمُّونَ عَنْ تَأَمُّلِ قَوْلِ الْحَقِّ وَاسْتِمَاعِ النُّصْحِ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَصْفُ الْفِتْنَةِ بِهِمَا كِنَايَةً عَنْ ظُلْمَتِهَا، وَعَدَمِ ظُهُورِ الْحَقِّ فِيهَا، وَعَنْ شِدَّةِ أَمْرِهَا وَصَلَابَةِ أَهْلِهَا، وَعَدَمِ الْتِفَاتِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ فِي الْمُشَاهَدَةِ وَالْمَكَانَةِ وَأَمْثَالِهَا، (" عَلَيْهَا ") أَيْ: عَلَى تِلْكَ الْفِتْنَةِ (" دُعَاةٌ ") أَيْ: جَمَاعَةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِهَا وَدَاعِيَةٌ لِلنَّاسِ إِلَى قَبُولِهَا (" عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ ") حَالٌ أَيْ: فَكَأَنَّهُمْ كَائِنُونَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ مِنَ النَّارِ يَدْعُونَ الْخَلْقَ إِلَيْهَا حَتَّى يَتَّفِقُوا عَلَى الدُّخُولِ فِيهَا، (" فَإِنْ مُتَّ ") بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا (" يَا حُذَيْفَةُ! وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جَذْلٍ ") أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّكَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ مِنِ اخْتِيَارِ الِاعْتِزَالِ وَالْقَنَاعَةِ بِأَكْلِ قِشْرِ الْأَشْجَارِ وَالْمَنَامِ فَوْقَ الْأَحْجَارِ (" خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ ") : بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا وَفَتْحُ الْبَاءِ، (" أَحَدًا مِنْهُ ") أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ، أَوْ مِنْ دُعَاتِهِمْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَالنِّسَائِيُّ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 7434
٥٣٩٧ - «وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفًا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا جَاوَزْنَا بُيُوتَ الْمَدِينَةِ، قَالَ: " كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ جُوعٌ تَقُومُ عَنْ فِرَاشِكَ وَلَا تَبْلُغُ مَسْجِدَكَ حَتَّى يُجْهِدَكَ الْجُوعُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " تَعَفَّفْ يَا أَبَا ذَرٍّ! "، قَالَ: " كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَوْتٌ يَبْلُغُ الْبَيْتَ الْعَبْدُ حَتَّى إِنَّهُ يُبَاعُ الْقَبْرُ بِالْعَبْدِ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " تَصْبِرُ يَا أَبَا ذَرٍّ! "، قَالَ: " كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ تَغْمُرُ الدِّمَاءُ أَحْجَارَ الزَّيْتِ؟ "، قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " تَأْتِي مَنْ أَنْتَ مِنْهُ "، قَالَ: قُلْتُ: وَأَلْبَسُ السِّلَاحَ؟ قَالَ: " شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذًا " قُلْتُ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ نَاحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ لِيَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٣٩٧ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفًا) أَيْ: رَاكِبًا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: ظَرْفٌ وَقَعَ صِفَةً مُؤَكِّدَةً لَرَدِيفًا، (يَوْمًا عَلَى حِمَارٍ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَمَالِ تَوَاضُعِهِ ﷺ وَحَسُنِ مُعَاشَرَتِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَكَمَالِ قُرْبِ أَبِي ذَرٍّ لَهُ حِينَئِذٍ، وَلِذَا ذَكَرَهُ مَعَ الْإِيمَاءِ إِلَى كَمَالِ حِفْظِهِ الْقَضِيَّةَ وَاسْتِحْضَارِهِ إِيَّاهَا، (فَلَمَّا جَاوَزْنَا بُيُوتَ الْمَدِينَةِ، قَالَ: " كَيْفَ بِكَ ") ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْمُبْتَدَأِ، أَيْ: كَيْفَ أَنْتَ أَيْ حَالُكَ (يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا كَانَ) أَيْ: وَقَعَ (" بِالْمَدِينَةِ جُوعٌ ") أَيْ:
стр. 7435
خَاصٌّ لَكَ أَوْ قَحْطٌ عَامٌّ (" تَقُومُ عَنْ فِرَاشِكَ وَلَا تَبْلُغُ مَسْجِدَكَ ") أَيِ: الَّذِي قَصَدْتَهُ أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ (" حَتَّى يُجْهِدَكَ الْجُوعُ ") : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِمَا أَيْ يُوصِلُ إِلَيْهِ الْمَشَقَّةَ وَيُعْجِزُكَ عَنِ الْمَشْيِ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَسْجِدِ (قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) أَيْ: بِحَالِي وَحَالِ غَيْرِي فِي تِلْكَ الْحَالِ وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ، (قَالَ: " تَعَفَّفْ ") بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَيِ: الْتَزِمِ الْعِفَّةَ (" يَا أَبَا ذَرٍّ) : وَهِيَ الصَّلَاحُ وَالْوَرَعُ وَالتَّصَبُّرُ عَلَى أَذَى الْجُوعِ وَالتَّقْوَى، وَالْكَفُّ عَنِ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ، وَعَنِ السُّؤَالِ مِنَ الْمَخْلُوقِ وَالطَّمَعِ فِيهِ وَالْمَذَلَّةِ عِنْدَهُ، (قَالَ: " كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ! ") ، فِي نِدَائِهِ مُكَرِّرًا تَنْبِيهٌ لَهُ عَلَى أَخْذِ الْحَدِيثِ مُقَرَّرًا (" إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَوْتٌ ") أَيْ: بِسَبَبِ الْقَحْطِ أَوْ وَبَاءٍ مِنْ عُفُونَةِ هَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهَا (" يَبْلُغُ الْبَيْتَ ") أَيْ: يَصِلُ مَوْضِعَ قَبْرِ الْمَيِّتِ (" الْعَبْدُ ") أَيْ: قَيِمَتُهُ أَوْ نَفْسُهُ (" حَتَّى إِنَّهُ ") : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَيُفْتَحُ أَيِ الشَّأْنُ (" يُبَاعُ الْقَبْرُ بِالْعَبْدِ ") : هَذَا تَوْضِيحٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ إِيهَامِ الْبَيْتِ، فَفِي النِّهَايَةِ الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ هَاهُنَا الْقَبْرُ، وَأَرَادَ أَنَّ مَوْضِعَ الْقُبُورِ يَضِيقُ ; فَيَبْتَاعُونَ كُلَّ قَبْرٍ بِعَبْدٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَوْتَ وَإِنِ اسْتَمَرَّ بِالْأَحْيَاءِ وَفَشَا فِيهِمْ كُلَّ الْفُشُوِّ لَمْ يَنْتَهِ بِهِمْ إِلَى ذَلِكَ، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْأَمْكِنَةَ، اهـ كَلَامَهُ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَوْضِعِ الْقُبُورِ الْجَبَّانَةُ الْمَعْهُودَةُ، وَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَجَاوَزُونَ عَنْهَا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ يَشْتَغِلُونَ عَنْ دَفْنِ الْمَوْتَى بِمَا هُمْ فِيهِ ; حَتَّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَحْفِرُ قَبْرَ الْمَيِّتِ فَيَدْفِنُهُ إِلَّا أَنْ يُعْطَى عَبْدًا أَوْ قِيمَةَ عَبْدٍ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى فِي كُلِّ بَيْتٍ كَانَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسُ إِلَّا عَبْدٌ يَقُومُ بِمَصَالِحِ ضَعَفَةِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي يَكُونُ الْبَيْتُ رَخِيصًا فَيُبَاعُ بَيْتٌ بِعَبْدٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ لَا يَحْسُنُ مَوْقِعُ حَتَّى، حُسْنُهَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ. قُلْتُ: بَلْ لَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ وُقُوعُ حَتَّى، وَلَعَلَّهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْمَصَابِيحِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى وُجُوبِ قَطْعِ النَّبَّاشِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّى الْقَبْرَ بَيْتًا ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حِرْزٌ كَالْبُيُوتِ. قُلْتُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ ﵊ قَطَعَ النَّبَّاشَ» ، لَكِنْ حَمَلَهُ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لِلسِّيَاسَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) كَمَا تَقَدَّمَ، (قَالَ: " تَصَبَّرْ يَا أَبَا ذَرٍّ ") : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ أَمْرٌ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ، وَفِي نُسْخَةٍ: تَصْبِرُ مُضَارِعُ صَبَرَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، أَيِ: اصْبِرْ بِالْبَلَاءِ، وَلَا تَجْزَعْ فِي الضَّرَّاءِ، وَلَا تَنْسَ بَقِيَّةَ النَّعْمَاءِ وَالسَّرَّاءِ، وَارْضَ بِمَا يَجْرِي مِنَ الْقَضَاءِ تُصِبِ الْأَجْرَ مِنْ خَالِقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. (قَالَ: " كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ ") أَيْ: سَرِيعٌ عَظِيمٌ (" تَغْمُرُ ") : بِسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ، أَيْ تَسْتُرُ وَتَعْلُو (" الدِّمَاءُ ") أَيْ: كَثْرَةُ دِمَاءِ الْقَتْلَى (أَحْجَارَ الزَّيْتِ) ؟ قِيلَ: هِيَ مَحَلَّةٌ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: مَوْضِعٌ بِهَا.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: هِيَ مِنَ الْحَرَّةِ الَّتِي كَانَتْ بِهَا الْوَقْعَةُ زَمَنَ يَزِيدَ، وَالْأَمِيرُ عَلَى تِلْكَ الْجُيُوشِ الْعَاتِيَةِ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمُرِّيُّ الْمُسْتَبِيحُ بِحَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ نُزُولُهُ بِعَسْكَرِهِ فِي الْحَرَّةِ الْغَرْبِيَّةِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَبَاحَ حُرْمَتَهَا وَقَتَلَ رِجَالَهَا وَعَاثَ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ خَمْسَةً، فَلَا جَرَمَ أَنَّهُ انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمَلْحُ فِي الْمَاءِ، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ. (قَالَ: " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " تَأْتِي مَنْ أَنْتَ مِنْهُ ") : خَبَرٌ مَعْنَاهُ أَمْرٌ أَيِ ائْتِ مَنْ يُوَافِقُكَ فِي دِينِكَ وَسِيرَتِكَ. وَقَالَ الْقَاضِي: أَيِ ارْجِعْ إِلَى مَنْ أَنْتَ جِئْتَ مِنْهُ وَخَرَجْتَ مِنْ عِنْدِهِ يَعْنِي أَهْلَكَ وَعَشِيرَتَكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَا يُطَابِقُ عَلَى هَذَا سُؤَالُهُ (قَالَ: قُلْتُ: وَأَلْبَسُ السِّلَاحَ) ؟ . وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ ارْجِعْ إِلَى إِمَامِكَ وَمَنْ بَايَعْتَهُ ; فَحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ أَنْ يَقُولَ: وَأَلْبَسُ السِّلَاحَ وَأُقَاتِلُ مَعَهُ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (" شَارَكْتَ الْقَوْمَ ") أَيْ: فِي الْإِثْمِ (" إِذًا ") أَيْ: إِذَا لَبِسْتَ السِّلَاحَ، الْمَعْنَى: لَا تَلْبَسِ السِّلَاحَ وَكُنْ مَعَ الْإِمَامِ وَأَرْبَابِ الصَّلَاحِ، وَلَا تُقَاتِلْ حَتَّى يَحْصُلَ لَكَ الْفَلَاحُ. هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ رَحِمَهُ
стр. 7436
اللَّهُ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّ إِمَامَهُ إِذَا قَاتَلَ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ مَعَهُ؟ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: قَوْلُهُ: (شَارَكْتَ) لِتَأْكِيدِ الزَّجْرِ عَنْ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ، وَإِلَّا فَالدَّفْعُ وَاجِبٌ، اهـ. وَذَكَرُهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَقَرَّرَهُ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الدَّفْعَ جَائِزٌ إِذَا كَانَ الْخَصْمُ مُسْلِمًا إِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فَسَادٌ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ كَافِرًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ مَهْمَا أَمْكَنَ. (قُلْتُ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ ") بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ: يَغْلِبُكَ (" شُعَاعُ السَّيْفِ ") بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: بَرِيقُهُ وَلَمَعَانُهُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِعْمَالِ السَّيْفِ (" فَأَلْقِ ") أَمْرٌ مِنَ الْإِلْقَاءِ أَيِ: اطْرَحْ (" نَاحِيَةَ ثَوْبِكَ ") أَيْ: طَرَفَهُ (" عَلَى وَجْهِكَ ") أَيْ: لِئَلَّا تَرَى وَلَا تَفْزَعْ وَلَا تَجْزَعْ، وَالْمَعْنَى: لَا تُحَارِبْهُمْ وَإِنْ حَارَبُوكَ، بَلِ اسْتَسْلِمْ نَفْسَكَ لِلْقَتْلِ ; لِأَنَّ أُولَئِكَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَيَجُوزُ مَعَهُمْ عَدَمُ الْمُحَارَبَةِ وَالِاسْتِسْلَامِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (" لِيَبُوءَ ") أَيْ: لِيَرْجِعَ الْقَاتِلُ (" بِإِثْمِكَ ") أَيْ: بِإِثْمِ قَتْلِكَ (" وَإِثْمِهِ ") أَيْ: وَبِسَائِرِ إِثْمِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
стр. 7437
٥٣٩٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «كَيْفَ بِكَ إِذَا أُبْقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ؟ وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا؟ " وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. قَالَ: فَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: " عَلَيْكَ بِمَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَإِيَّاكَ وَعَوَامِّهِمْ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ: " «الْزَمْ بَيْتَكَ، وَأَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَامَّةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.
ــ
٥٣٩٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ (ابْنِ الْعَاصِ) بِغَيْرِ يَاءٍ هُوَ الصَّحِيحُ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " كَيْفَ بِكَ ") سَبَقَ إِعْرَابُهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَيْفَ أَنْتَ، أَيْ كَيْفَ حَالُكَ (" إِذَا أُبْقِيتَ ") : مَجْهُولٌ مِنَ الْإِبْقَاءِ أَيْ: إِذَا أَبْقَاكَ اللَّهُ بِمَعْنَى عَمَّرَكَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ مِنَ الْبَقَاءِ أَيْ: إِذَا بَقِيتَ (" فِي حُثَالَةٍ ") : بِضَمِّ الْحَاءِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهِيَ مَا سَقَطَ مِنْ قِشْرِ الشَّعِيرِ وَالْأَرُزِّ وَالتَّمْرِ وَالرَّدِيءِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أَيْ: فِي قَوْمٍ رُدَأًى (" مِنَ النَّاسِ مَرِجَتْ ") : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: فَسَدَتْ (" عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ ") ، وَفِي نُسْخَةٍ: أَمَانَتُهُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ فَرْدٍ، وَالْجَمْعُ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُقَابَلَةِ وَالتَّوْزِيعِ مَعَ إِمْكَانِ حَقِيقَةِ الْجَمْعِ فِيهِمَا، فَتَأَمَّلْ، وَالْمَعْنَى: لَا يَكُونُ أَمْرُهُمْ مُسْتَقِيمًا، بَلْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ عَلَى طَبْعٍ وَعَلَى عَهْدٍ، يَنْقُضُونَ الْعُهُودَ وَيَخُونُونَ الْأَمَانَاتِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: أَيِ اخْتَلَطَتْ وَفَسَدَتْ ; فَقَلِقَتْ فِيهِمْ أَسْبَابُ الدِّيَانَاتِ. (" وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا "! وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) أَيْ: يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَيَلْتَبِسُ أَمْرُ دِينِهِمْ، فَلَا يُعْرَفُ الْأَمِينُ مِنَ الْخَائِنِ، وَلَا الْبَرُّ مِنَ الْفَاجِرِ.
هَذَا وَفِي نُسْخَةٍ: مَرَجَتْ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان: ٥٣] فَفِيهِ ضَمِيرٌ إِلَى الْحُثَالَةِ، فَالْمَعْنَى: أَفْسَدَتْ تِلْكَ الْجَمَاعَةُ الْقُمَامَةُ عُهُودَهُمْ وَأَمَانَاتِهِمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي أُمُورِ دِيَانَاتِهِمْ، فَكَانُوا كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُمْ فِي الِاشْتِبَاكِ مُشَبَّهِينَ بِالْأَصَابِعِ الْمُشَبَّكَةِ، فَمَا كَتَبَهُ مِيرَكُ عَلَى هَامِشِ الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ: مُرِجَتْ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَرَمْزٌ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْمَرَجَ مُتَعَدٍّ، وَالْمَعْنَى عَلَى اللُّزُومِ فَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنَ الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْمَرَجُ الْخَلْطُ، وَالْمَرَجُ بِحَرَكَةٍ الْفَسَادُ وَالْقَلَقُ، وَالِاخْتِلَاطُ وَالِاضْطِرَابُ، وَإِنَّمَا يُسَكَّنُ مَعَ الْهَرْجِ يَعْنِي لِلِازْدِوَاجِ، مَرَجٌ كَفَرَحٍ، وَأَمْرٌ مَرِيجٌ مُخْتَلِطٌ، وَأَمْرَجَ الْعَهْدَ لَمْ يَفِ بِهِ، اهـ. وَفِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: مَرَجَ الدِّينُ فَسَدَ وَقَلِقَتْ أَسْبَابُهُ، وَمَرَجَتْ عُهُودُهُمْ أَيِ اخْتَلَطَتْ.
(قَالَ: فَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: " عَلَيْكَ بِمَا تَعْرِفُ ") أَيِ الْزَمْ: وَافْعَلْ مَا تَعْرِفُ كَوْنَهُ حَقًّا (" وَدَعْ مَا تُنْكِرُ ") أَيْ: وَاتْرُكْ مَا تُنْكِرُ أَنَّهُ حَقٌّ (وَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَإِيَّاكَ وَعَوَامَّهُمْ) أَيْ: عَامَّتُهُمْ، وَالْمَعْنَى: الْزَمْ أَمْرَ نَفْسِكَ،
стр. 7438
وَاحْفَظْ دِينَكَ، وَاتْرُكِ النَّاسَ وَلَا تُتْبِعْهُمْ، وَهَذَا رُخْصَةٌ فِي تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا كَثُرَ الْأَشْرَارُ وَضَعُفَ الْأَخْيَارُ. (وَفِي رِوَايَةٍ: " الْزَمْ بَيْتَكَ، وَأَمْلِكْ ") : أَمْرٌ مِنَ الْإِمْلَاكِ بِمَعْنَى الشَّدِّ وَالْإِحْكَامِ أَيْ: أَمْسِكْ (" عَلَيْكَ لِسَانَكَ ") وَلَا تَتَكَلَّمْ فِي أَحْوَالِ النَّاسِ ; كَيْلَا يُؤْذُوكَ (" وَخُذْ مَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَامَّةِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ) .
قَالَ مِيرَكُ: وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ وَالنِّسَائِيُّ أَيْضًا.
стр. 7439
٥٣٩٩ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَكَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ذَكَرَ إِلَى قَوْلِهِ: " خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي "، ثُمَّ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: " كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ ". وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الْفِتْنَةِ: " كَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ، وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ، وَكُونُوا كَابْنِ آدَمَ» ". وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٣٩٩ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى) أَيِ: الْأَشْعَرِيُّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ ") أَيْ: قُدَّامَهَا مِنْ أَشْرَاطِهَا (" فِتَنًا ") أَيْ: فِتَنًا عِظَامًا وَمِحَنًا جِسَامًا (" كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ") بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَيُسَكَّنُ، أَيْ: كُلُّ فِتْنَةٍ كَقِطْعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فِي شِدَّتِهَا وَظُلْمَتِهَا وَعَدَمِ تَبَيُّنِ أَمْرِهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُرِيدُ بِذَلِكَ الْتِبَاسَهَا وَفَظَاعَتَهَا، وَشُيُوعَهَا وَاسْتِمْرَارَهَا. (يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا) أَيْ: فِي تِلْكَ الْفِتَنِ (مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا ") ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِصْبَاحِ وَالْإِمْسَاءِ تَقَلُّبُ النَّاسِ فِيهَا وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، لَا بِخُصُوصِ الزَّمَانَيْنِ، فَكَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ تَرَدُّدِ أَحْوَالِهِمْ، وَتَذَبْذُبِ أَقْوَالِهِمْ، وَتَنَوُّعِ أَفْعَالِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَنَقْضٍ، وَأَمَانَةٍ وَخِيَانَةٍ، وَمَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ، وَسُّنَّةٍ وَبِدْعَةٍ، وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ، (" الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي ") أَيْ: كُلَّمَا بَعُدَ الشَّخْصُ عَنْهَا وَعَنْ أَهْلِهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ قُرْبِهَا وَاخْتِلَاطِ أَهْلِهَا ; لِمَا سَيَئُولُ أَمْرُهَا إِلَى مُحَارَبَةِ أَهْلِهَا، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْأَمْرَ كَذَلِكَ (" فَكَسِّرُوا فِيهِ قِسِيَّكُمْ ") : بِكَسْرَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعِ الْقَوْسِ، وَفِي الْعُدُولِ عَنِ الْكَسْرِ إِلَى التَّكْسِيرِ مُبَالَغَةٌ ; لِأَنَّ بَابَ التَّفْعِيلِ لِلتَّكْثِيرِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" وَقَطِّعُوا ") أَمْرُهُ مِنَ التَّقَطُّعِ (" فِيهَا أَوْتَارَكُمْ ") وَفِيهِ زِيَادَةٌ مِنَ الْمُبَالَغَةِ ; إِذْ لَا مَنْفَعَةَ لِوُجُودِ الْأَوْتَارِ مَعَ كَسْرِ الْقِسِيِّ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْغَيْرُ، وَلَا يَسْتَعْمِلُهَا فِي الشَّرِّ دُونَ الْخَيْرِ، (" وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ ") أَيْ: حَتَّى تَنْكَسِرَ أَوْ حَتَّى تَذْهَبَ حِدَّتُهَا، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ الْأَرْمَاحُ وَسَائِرُ السِّلَاحِ، (" فَإِنْ دُخِلَ ") : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَنَائِبِ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ: (" عَلَى أَحَدٍ ") ، وَمِنْ فِي قَوْلِهِ: (" مِنْكُمْ ") بَيَانِيَّةٌ، (" فَلْيَكُنْ ") أَيْ: ذَلِكَ الْأَحَدُ (" كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ ") أَيْ: فَلْيَسْتَسْلِمْ حَتَّى يَكُونَ قَتِيلًا كَهَابِيلَ، وَلَا يَكُونُ قَاتِلًا كَقَابِيلَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ: لِأَبِي دَاوُدَ عَنْهُ (ذُكِرَ) أَيِ: الْحَدِيثُ (إِلَى قَوْلِهِ: " خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي " ثُمَّ قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (فَمَا تَأْمُرُنَا) ؟ أَيْ أَنْ نَفْعَلَ حِينَئِذٍ (قَالَ: " كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ ") : أَحْلَاسُ الْبُيُوتِ مَا يُبْسَطُ تَحْتَ حُرِّ الثِّيَابِ، فَلَا تَزَالُ مُلْقَاةً تَحْتَهَا، وَقِيلَ: الْحِلْسُ هُوَ الْكِسَاءُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ تَحْتَ الْقَتَبِ وَالْبَرْذَعَةِ، شَبَّهَهَا بِهِ لِلُزُومِهَا وَدَوَامِهَا، وَالْمَعْنَى: الْزَمُوا بُيُوتَكُمْ وَالْتَزِمُوا سُكُوتَكُمْ ; كَيْلَا تَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ الَّتِي بِهَا دِينُكُمْ يَفُوتُكُمْ، (وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الْفِتْنَةِ) أَيْ: فِي أَيَّامِهَا وَزَمَنِهَا، وَهُوَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: (كَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ،
стр. 7440
وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ، وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ) أَيْ: كُونُوا مُلَازِمِيهَا ; لِئَلَّا تَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ وَالْمُحَارِبِينَ فِيهَا، (" وَكُونُوا كَابْنِ آدَمَ ") الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ تَحْتَ عِبَارَةٍ ظَرِيفَةٍ، وَهُوَ أَنَّ هَابِيلَ الْمَقْتُولَ الْمَظْلُومَ هُوَ ابْنُ آدَمَ لَا قَابِيلَ الْقَاتِلَ الظَّالِمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ وَلَدِ نُوحٍ ﵊: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] (وَقَالَ) أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) .
стр. 7441
٥٤٠٠ - وَعَنْ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِتْنَةً فَقَرَّبَهَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ خَيْرُ النَّاسِ فِيهَا؟ قَالَ: " رَجُلٌ فِي مَاشِيَتِهِ يُؤَدِّي حَقَّهَا، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ، وَرَجُلٌ أَخَذَ بِرَأْسِ فَرَسِهِ يُخِيفُ الْعَدُوَّ وَيُخَوِّفُونَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٤٠٠ - (وَعَنْ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَبِالزَّايِ وَيَاءِ النِّسْبَةِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَهَا صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ وَهِيَ حِجَازِيَّةٌ، رَوَى عَنْهَا طَاوُسٌ وَمَكْحُولٌ، (قَالَتْ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِتْنَةً فَقَرَّبَهَا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: فَعَدَّهَا قَرِيبَةَ الْوُقُوعِ.
قَالَ الْأَشْرَفُ: مَعْنَاهُ وَصَفَهَا لِلصَّحَابَةِ وَصْفًا بَلِيغًا فَإِنَّ مَنْ وَصَفَ عِنْدَ أَحَدٍ وَصْفًا بَلِيغًا، فَكَأَنَّهُ قَرَّبَ ذَلِكَ الشَّيْءَ إِلَيْهِ، (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ خَيْرُ النَّاسِ فِيهَا؟ قَالَ: " رَجُلٌ فِي مَاشِيَتِهِ ") أَيْ: مِنَ الْغَنَمِ وَنَحْوِهَا، (" يُؤَدِّي حَقَّهَا ") أَيْ: مِنَ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا (" وَيَعْبُدُ رَبَّهُ ") ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﷻ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ; وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] ، (وَرَجُلٌ آخِذٌ ") بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ: مَاسِكٌ (" بِرَأْسِ فَرَسِهِ يُخِيفُ الْعَدُوَّ ") : مِنَ الْإِخَافَةِ بِمَعْنَى التَّخْوِيفِ، أَيْ: يُخَوِّفُ الْكُفَّارَ (" وَيُخَوِّفُونَهُ ") . قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي رَجُلٌ هَرَبَ مِنَ الْفِتَنِ وَقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَصَدَ الْكُفَّارَ يُحَارِبُهُمْ وَيُحَارِبُونَهُ، يَعْنِي فَيَبْقَى سَالِمًا مِنَ الْفِتْنَةِ وَغَانِمًا لِلْأَجْرِ وَالْمَثُوبَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7442
٥٤٠١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «سَتَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ، قَتْلَاهَا فِي النَّارِ، اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٤٠١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَتَكُونُ فِتْنَةٌ ") أَيْ: عَظِيمَةٌ وَبَلِيَّةٌ جَسِيمَةٌ (تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ) أَيْ: تَسْتَوْعِبُهُمْ هَلَاكًا، مِنِ اسْتَنْظَفْتُ الشَّيْءَ أَخَذْتُهُ كُلَّهُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَبَعْضِ الشُّرَّاحِ، وَقِيلَ: أَيْ تُطَهِّرُهُمْ فِي الْأَرْذَالِ وَأَهْلِ الْفِتَنِ، (قَتْلَاهَا) : جَمْعُ قَتِيلٍ بِمَعْنَى مَقْتُولٍ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: (إِلَى النَّارِ) أَيْ: سَيَكُونُ فِي النَّارِ أَوْ هُمْ حِينَئِذٍ فِي النَّارِ ; لِأَنَّهُمْ يُبَاشِرُونَ مَا يُوجِبُ دُخُولَهُمْ فِيهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ - وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْمُرَادُ بِقَتْلَاهَا مَنْ قُتِلَ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ، وَإِنَّمَا هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ; لِأَنَّهُمْ مَا قَصَدُوا بِتِلْكَ الْمُقَاتَلَةِ وَالْخُرُوجِ إِلَيْهَا إِعْلَاءَ دِينٍ أَوْ دَفْعِ ظَالِمٍ أَوْ إِعَانَةِ مُحِقٍّ، وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُمُ التَّبَاغِي وَالتَّشَاجُرُ طَمَعًا فِي الْمَالِ وَالْمُلْكِ، (" اللِّسَانُ ") أَيْ: وَقْعُهُ وَطَعْنُهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ: وَإِشْرَافُ اللِّسَانِ، أَيْ: إِطْلَاقُهُ وَإِطَالَتُهُ (فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ) . وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْقَوْلُ وَالتَّكَلُّمُ فِيهَا إِطْلَاقًا لِلْمَحَلِّ وَإِرَادَةَ الْحَالِ، اهـ.
стр. 7443
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنِ ارْتِكَابِ أَحَدِ الْمَجَازَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] قَالَ الْمُظْهِرُ: يَحْتَمِلُ هَذَا احْتِمَالَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَهْلَ تِلْكَ الْحَرْبِ بِسُوءٍ يَكُونُ كَمَنْ حَارَبَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَغَيْبَةُ الْمُسْلِمِينَ إِثْمٌ. قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّهُ وَرَدَ: «اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ يَحْذَرْهُ النَّاسُ، وَلَا غِيبَةَ لِفَاسِقٍ» ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَا يَصِحُّ هَذَا عَلَى إِطْلَاقِهِ ; وَلِذَا اسْتَدْرَكَ كَلَامَهُ بِقَوْلِهِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْفِتْنَةِ الْحَرْبُ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ ﵁ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَحَدًا مِنْ هَذَيْنِ الصَّدْرَيْنِ وَأَصْحَابِهِمَا يَكُونُ مُبْتَدِعًا ; لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا» " أَيْ: عَنِ الطَّعْنِ فِيهِمْ، فَإِنَّ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ تَعَلَّقَ بِهِمْ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَآلُهُمْ إِلَى التَّقْوَى وَرِضَا الْمَوْلَى وَجَنَّةِ الْمَأْوَى، وَأَيْضًا لَهُمْ حُقُوقٌ ثَابِتَةٌ فِي ذِمَّةِ الْأُمَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَذْكُرُوهُمْ إِلَّا بِالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ وَالدُّعَاءِ الْجَزِيلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنَافِي أَنْ يُذَكَرَ أَحَدٌ مُجْمَلًا أَوْ مُعَيَّنًا بِأَنَّ الْمُحَارِبِينَ مَعَ عَلِيٍّ مَا كَانُوا مِنَ الْمُخَالِفِينَ، أَوْ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ وَحِزْبَهُ كَانُوا بَاغِينَ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَمَّارٍ: " «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» " ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ بَيَانُ الْحُكْمِ الْمُمَيَّزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْفَاصِلِ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ الْمُصِيبِ، وَالْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ، مَعَ تَوْقِيرِ الصَّحَابَةِ وَتَعْظِيمِهِمْ جَمِيعًا فِي الْقَلْبِ لِرِضَا الرَّبِّ ; وَلِذَا لَمَّا سُئِلَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَفْضَلُ أَمْ مُعَاوِيَةُ؟ قَالَ: لَغُبَارُ أَنْفِ فَرَسِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَا فِي رِكَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ كَذَا وَكَذَا مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. إِذْ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ مِنَ الْأُمَّةِ لَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَبْلَغَ الصَّحَابَةِ الْكُبَرَاءِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ : ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ - أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١] . قَالَ الْمُظْهِرُ: وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ مَنْ مَدَّ لِسَانَهُ فِيهِ بِشَتْمٍ أَوْ غِيبَةٍ يَقْصِدُونَهُ بِالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، وَيَفْعَلُونَ بِهِ مَا يَفْعَلُونَ بِمَنْ حَارَبَهُمْ، اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الطَّعْنَ فِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَمَدْحَ الْأُخْرَى حِينَئِذٍ مِمَّا يُثِيرُ الْفِتْنَةَ، فَالْوَاجِبُ كَفُّ اللِّسَانِ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي غَايَةٍ مِنَ الظُّهُورِ، فَتَأَمَّلْ، لَكِنَّ الطِّيبِيَّ رَجَّحَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ ; حَيْثُ قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْفِتْنَةِ إِلَخْ. مَا رَوَيْنَا «عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: خَرَجْتُ وَإِنَّمَا أُرِيدُ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَحْنَفُ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ نَصْرَ ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَقَالَ: يَا أَحْنَفُ! ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ "، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ ، قَالَ: " إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: مُجْمَلُ هَذَا الْحَدِيثِ إِذَا كَانَ الْقِتَالُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جِهَةِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْحَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا فِيمَا بَيْنَ أَهْلٍ حَارَةٍ وَحَارَةٍ، وَقَرْيَةٍ وَقَرْيَةٍ، وَطَائِفَةٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ بَاعِثٌ شَرْعِيٌّ لِأَحَدِهِمَا، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى إِطْلَاقِهِ الشَّامِلِ لِقَضِيَّةِ صِفِّينَ وَنَحْوِهَا ; لِئَلَّا يُنَافِيَ قَوْلَهُ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] ، وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ قَتْلَى طَائِفَةِ عَلِيٍّ لَيْسُوا فِي النَّارِ، فَكَلَامُ أَبِي بَكْرَةَ إِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَرَدِّدًا مُتَحَيِّرًا فِي أَمْرِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَلَمْ يُمَيِّزْ أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ، وَإِمَّا فَهِمَ مِنْ كَلَامِ الْأَحْنَفِ أَنَّهُ يُرِيدُ حِمَايَةَ الْعَصَبِيَّةِ لَا إِعْلَاءَ الْكَلِمَةِ الدِّينِيَّةِ عَلَى مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: أُرِيدُ نَصْرَ ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ أُرِيدُ مُعَاوَنَةَ الْإِمَامِ الْحَقِّ وَالْخَلِيفَةِ الْمُطْلَقِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ حَمْلَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ عَلَى قَضِيَّةِ عَلِيٍّ لَا يَجُوزُ، وَيُؤَوَّلُ بِمَا قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَتْلَاهَا فِي النَّارِ لِلزَّجْرِ وَالتَّوْبِيخِ وَالتَّغْلِيطِ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا كَفُّ الْأَلْسِنَةِ عَنِ الطَّعْنِ فِيهِمْ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مُجْتَهِدٌ، وَإِنْ كَانَ عَلِيٌّ ﵁ مُصِيبًا، فَلَا يَجُوزُ الطَّعْنُ فِيهِمَا، وَالْأَسْلَمُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا يَخُوضُوا فِي أَمْرِهِمَا. قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: تِلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللَّهُ أَيْدِينَا مِنْهَا فَلَا نُلَوِّثُ أَلْسِنَتَنَا بِهَا.
стр. 7444
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: كَانَ بَعْضُهُمْ مُصِيبًا وَبَعْضُهُمْ مُخْطِئًا مَعْذُورًا فِي الْخَطَأِ ; لِأَنَّهُ كَانَ بِالِاجْتِهَادِ، وَالْمُجْتَهِدُ إِذَا أَخْطَأَ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ هُوَ الْمُحِقُّ الْمُصِيبُ فِي تِلْكَ الْحُرُوبِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَكَانَتِ الْقَضَايَا مُشْتَبِهَةً، حَتَّى إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ تَحَيَّرُوا فِيهَا، فَاعْتَزَلُوا الطَّائِفَتَيْنِ وَلَمْ يُقَاتِلُوا، وَلَوْ تَيَقَّنُوا الصَّوَابَ لَمْ يَتَأَخَّرُوا عَنْ مُسَاعَدَتِهِ.
قُلْتُ: وَسَبَبُ هَذَا التَّحَيُّرِ لَمْ يَكُنْ فِي أَنَّ عَلِيًّا أَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ أَمْ مُعَاوِيَةَ؟ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى وِلَايَةِ عَلِيٍّ، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى خِلَافَتِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَعَلِيٍّ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ ; حَيْثُ تَعَلَّلَ مُعَاوِيَةُ بِأَنِّي لَمْ أُسَلِّمْ لَكَ الْأَمْرَ حَتَّى تَقْتُلَ أَهْلَ الْفَسَادِ وَالشُّرُورِ مِمَّنْ حَاصَرَ الْخَلِيفَةَ وَأَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ، فَإِنَّ هَذَا ثَلْمَةٌ فِي الدِّينِ وَخَلَلٌ فِي أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَاقْتَضَى رَأْيُ عَلِىٍّ، وَهُوَ الصَّوَابُ، أَنَّ قَتْلَ فِئَةِ الْفِتْنَةِ يَجُرُّ إِلَى إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ الَّتِي هِيَ تَكُونُ أَقْوَى مِنَ الْأُولَى، مَعَ أَنَّ هُجُومَ الْعَوَامِّ وَعَدَمَ تَعْيِينِ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِمُبَاشَرَةِ قَتْلِ الْإِمَامِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِإِمَامٍ آخَرَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ قَتْلًا عَامًا، وَلَا مَنْ يُتَّهَمُ بِقَتْلِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ أَوْ بَيِّنَةٍ شَرْعِيَّةٍ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ رَجَعُوا إِلَى الْحَقِّ وَدَخَلُوا فِي بَيْعَةِ الْخَلِيفَةِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ إِذَا رَجَعُوا عَنْ بَغْيِهِمْ، أَوْ شَرَدُوا عَنْ قِتَالِهِمْ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُمْ، هَذَا وَلَمَّا كَانَ ﷺ ذَكَرَ الْفِتَنَ وَحَذَّرَ عَنِ الدُّخُولِ فِيهَا، وَرَغَّبَ الْبُعْدَ عَنْهَا، وَرَهَّبَ عَنِ الْقُرْبِ إِلَيْهَا، وَأَطْلَقَهَا نَظَرًا إِلَى فَسَادِ غَالِبِهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ هَذِهِ الْفِتْنَةَ بِخُصُوصِهَا مُفَصَّلَةً وَإِنْ وَقَعَتْ مُجْمَلَةً تَحَيَّرَ فِيهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَظَنُّوا أَنَّ الْأَسْلَمَ فِيهَا بِالْخُصُوصِ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ ﷺ فِيهَا بِالْعُمُومِ، لَكِنْ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ فِي الْآخِرِ حَقِّيَةُ عَلِىٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجَّهَهُ - وَخَطَأُ مُعَاوِيَةَ، نَدِمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا مِنَ الْعُزْلَةِ، وَتَحَسَّرُوا عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ مَثُوبَةِ الْجِلْوَةِ، وَلِلَّهِ حِكْمَةٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، فَلَا مُقَدِّمَ لِمَا أَخَّرَ وَلَا مُؤَخِّرَ لِمَا قَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) . قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا كُلُّهُمْ مَرْفُوعًا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: الْأَصَحُّ وَقْفُهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. أَقُولُ: لَكِنَّ هَذَا الْمَوْقُوفَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ ; فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: " قَتْلَاهَا فِي النَّارِ " لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصْدُرَ مِنْ رَأْيِ أَحَدٍ.
стр. 7445
٥٤٠٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «سَتَكُونُ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ عَمْيَاءُ بَكْمَاءُ، مَنْ أَشْرَفَ لَهَا اسْتَشْرَفَتْ لَهُ، وَإِشْرَافُ اللِّسَانِ فِيهَا كَوُقُوعِ السَّيْفِ» ") . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٤٠٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " سَتَكُونُ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ عَمْيَاءُ بَكْمَاءُ) أَيْ: بِاعْتِبَارِ أَصْحَابِهَا ; حَيْثُ لَا يَجِدُونَ لَهَا مُسْتَغَاثًا، وَلَا يَرَوْنَ مِنْهَا مَخْرَجًا وَخَلَاصًا، وَالْمَعْنَى: لَا يُمَيِّزُونَ فِيهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَا يَسْمَعُونَ النَّصِيحَةَ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، بَلْ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهَا بِحَقٍّ أُوذِيَ، وَوَقَعَ فِي الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ (" مَنْ أَشْرَفَ لَهَا ") أَيْ: مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهَا وَقَرُبَ مِنْهَا (" اسْتَشْرَفَتْ لَهُ ") أَيِ: اطَّلَعَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ عَلَيْهِ وَجَذَبَتْهُ إِلَيْهَا، (" وَإِشْرَافُ اللِّسَانِ ") أَيْ: إِطْلَاقُهُ وَإِطَالَتُهُ (" فِيهَا كَوُقُوعِ السَّيْفِ ") أَيْ: فِي تَأْثِيرِهِ أَبْلَغُ ; لِمَا قِيلَ:
جِرَاحَاتُ السِّنَّانِ لَهَا الْتِئَامٌ ... وَلَا يُلْتَأَمُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ
وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ: أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 7446
٥٤٠٣ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْفِتَنَ، فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا، حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمَا فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ؟ قَالَ: " هِيَ هَرَبٌ، وَحَرَبٌ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي، إِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ، ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلْعٍ، ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطْمَتْهُ لَطْمَةً، فَإِذَا قِيلَ: انْقَضَتْ تَمَادَتْ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ: فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٤٠٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا) أَيْ: قَاعِدِينَ (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْفِتَنَ) أَيِ: الْوَاقِعَةَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ (فَأَكْثَرَ) أَيِ: الْبَيَانَ (فِي ذِكْرِهِمَا، حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الْأَحْلَاسِ) سَبَقَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، (فَقَالَ قَائِلٌ: وَمَا فِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ؟ قَالَ: " هِيَ هَرَبٌ ") : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: يَفِرُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْمُحَارَبَةِ، (" وَحَرَبٌ ") بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: أَخْذُ مَالٍ وَأَهْلٍ لِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ (" ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ ") بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى هَرَبٍ بِحَسْبَ الْمَعْنَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَفِتْنَةُ الْأَحْلَاسِ حَرَبٌ وَهَرَبٌ وَفِتْنَةُ السَّرَّاءِ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى فِتْنَةِ الْأَحْلَاسِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّرَّاءِ النَّعْمَاءُ الَّتِي تَسُرُّ النَّاسَ مِنَ الصِّحَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَالْعَافِيَةِ
стр. 7447
مِنَ الْبَلَاءِ وَالْوَبَاءِ، وَأُضِيفَتْ إِلَى السَّرَّاءِ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي وُقُوعِهَا ارْتِكَابُ الْمَعَاصِي ; بِسَبَبِ كَثْرَةِ التَّنَعُّمِ، أَوْ لِأَنَّهَا تَسُرُّ الْعَدُوَّ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ وُقُوعِ النَّاسِ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ وَابْتِلَائِهِمْ بِهَا أَثَرَ النِّعْمَةِ، فَأُضِيفَتْ إِلَى السَّرَّاءِ، يَعْنِي يَكُونُ التَّرْكِيبُ مِنْ قَبِيلِ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى سَبَبِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْفِتْنَةِ فَأُضِيفَتْ إِلَيْهَا إِضَافَةَ مَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَيُرَادُ مِنْهَا سِعَتُهَا لِكَثْرَةِ الشُّرُورِ وَالْمَفَاسِدِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ قَفَاهُ سَرَّاءُ إِذَا كَانَتْ وَسِيعَةً، يَعْنِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فِتْنَةُ الْحَادِثَةِ السَّرَّاءِ، أَيِ: الْوَاسِعَةُ الَّتِي تَعُمُّ الْكَافَّةَ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، وَقَوْلُهُ: (" دَخَنُهَا ") : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ إِثَارَتُهَا وَهَيَجَانُهَا، وَشَبَّهَهَا بِالدُّخَانِ الَّذِي يَرْتَفِعُ، كَمَا شَبَّهَ الْحَرْبَ بِالنَّارِ، وَإِنَّمَا قَالَ: (" مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ") تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْعَى فِي إِثَارَتِهَا، أَوْ إِلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ أَمْرَهَا، (يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي) أَيْ: فِي الْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ مِنِّي فِي النَّسَبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تِلْكَ الْفِتْنَةَ بِسَبَبِهِ، وَأَنَّهُ بَاعِثٌ عَلَى إِقَامَتِهَا (" وَلَيْسَ مِنِّي ") أَيْ: مِنْ أَخِلَّائِي أَوْ مِنْ أَهْلِي فِي الْفِعْلِ ; لِأَنَّ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِي لَمْ يُهَيِّجِ الْفِتْنَةَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] ، أَوْ لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِي فِي الْحَقِيقَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (" إِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ ") ، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ حَدِيثِ " «آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ» "، (ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ) أَيْ: يَجْتَمِعُونَ عَلَى بَيْعَةِ رَجُلٍ (كَوَرِكٍ) : بِفَتْحٍ وَكَسْرٍ (عَلَى ضِلْعٍ) : بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ وَيُسَكَّنُ وَاحِدُ الضُّلُوعِ أَوِ الْأَضْلَاعِ، وَتَسْكِينُ اللَّامِ فِيهِ جَائِزٌ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، وَهَذَا مَثَلٌ، وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى ثَبَاتٍ ; لِأَنَّ الْوَرِكَ لِثِقَلِهِ لَا يَثْبُتُ عَلَى الضِّلْعِ لِدِقَّتِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ غَيْرَ أَهْلِ الْوِلَايَةِ لِقِلَّةِ عِلْمِهِ وَخِفَّةِ رَأْيِهِ وَحِلْمِهِ. وَفِي النِّهَايَةِ: أَيْ يَصْطَلِحُونَ عَلَى رَجُلٍ لَا نِظَامَ لَهُ وَلَا اسْتِقَامَةَ لِأَمْرِهِ ; لِأَنَّ الْوَرِكَ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى الضِّلْعِ، وَلَا يَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ ; لِاخْتِلَافِ مَا بَيْنَهُمَا وَبُعْدِهِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَثْبُتُ وَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُ ; وَذَلِكَ أَنَّ الضِّلْعَ لَا يَقُومُ بِالْوَرِكِ وَلَا يَحْمِلُهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَعِدُّ وَلَا يَسْتَبِدُّ ; لِذَلِكَ فَلَا يَقَعُ عَنْهُ الْأَمْرُ مَوْقِعَهُ، كَمَا أَنَّ الْوَرِكَ عَلَى ضِلْعٍ يَقَعُ غَيْرَ مَوْقِعِهِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي بَابِ الْمُلَاءَمَةِ وَالْمُوَافَقَةِ إِذَا وَصَفُوا بِهِ هُوَ كَكَفٍّ فِي سَاعِدٍ وَسَاعِدٍ فِي ذِرَاعٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ غَيْرُ لَائِقٍ لِلْمُلْكِ وَلَا مُسْتَقِلَّ بِهِ.
(ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ) : بِالرَّفْعِ وَيَنْصَبُّ عَلَى مَا سَبَقَ، وَهِيَ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، وَالدَّهْمَاءُ السَّوْدَاءُ، وَالتَّصْغِيرُ لِلذَّمِّ، أَيِ: الْفِتْنَةُ الْعَظْمَاءُ وَالطَّامَّةُ الْعَمْيَاءُ، وَفِي النِّهَايَةِ: هِيَ تَصْغِيرُ الدَّهْمَاءِ يُرِيدُ الْفِتْنَةَ الْمُظْلِمَةَ وَالتَّصْغِيرُ فِيهَا لِلتَّعْظِيمِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالدُّهَيْمَاءِ الدَّاهِيَةُ، وَمِنْ أَسْمَاءِ الدَّاهِيَةِ الدُّهَيْمُ، زَعَمُوا أَنَّ الدُّهَيْمَ اسْمُ نَاقَةٍ غَزَا عَلَيْهَا سَبْعَةُ إِخْوَةٍ مُتَعَاقِبِينَ، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَحُمِلُوا عَلَيْهَا حَتَّى رَجَعَتْ بِهِمْ، فَصَارَتْ مَثَلًا فِي كُلِّ دَاهِيَةٍ، (لَا تَدَعُ) أَيْ: لَا تَتْرُكُ تِلْكَ الْفِتْنَةَ (أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً) أَيْ: أَصَابَتْهُ بِمِحْنَةٍ وَمَسَّتْهُ بِبَلِيَّةٍ، وَأَصْلُ اللَّطْمِ هُوَ الضَّرْبُ عَلَى الْوَجْهِ بِبَطْنِ الْكَفِّ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَثَرَ تِلْكَ الْفِتْنَةِ يَعُمُّ النَّاسَ وَيَصِلُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ ضَرَرِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ شَبَّهَ الْفِتْنَةَ بِإِنْسَانٍ، ثُمَّ خُيِّلَ لِإِصَابَتِهَا النَّاسَ، اللَّطْمُ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَجَعَلَهَا قَرِينَةً لَهَا، (" فَإِذَا قِيلَ: انْقَضَتْ ") أَيْ: فَمَهْمَا تَوَهَّمُوا أَنَّ تِلْكَ الْفِتْنَةَ انْتَهَتْ (" تَمَادَتْ ") بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ: بَلَغَتِ الْمَدَى، أَيِ: الْغَايَةَ مِنَ التَّمَادِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ التَّمِادُدِ تَفَاعُلٌ مِنَ الْمَدِّ، أَيِ: اسْتَطَالَتْ وَاسْتَمَرَّتْ وَاسْتَقَرَّتْ، (" يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا ") أَيْ: لِتَحْرِيمِهِ دَمَ أَخِيهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ (وَيُمْسِي كَافِرًا) أَيْ: لِتَحْلِيلِهِ مَا ذُكِرَ، وَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ (" حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ ") : بِضَمِّ الْفَاءِ وَتُكْسَرُ أَيْ فِرْقَتَيْنِ، وَقِيلَ: مَدِينَتَيْنِ، وَأَصْلُ الْفُسْطَاطِ
стр. 7448
الْخَيْمَةُ، فَهُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِ (فُسْطَاطِ إِيمَانٍ) : بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، وَإِعْرَابُهُ مَشْهُورٌ، أَيْ: إِيمَانٌ خَالِصٌ (" لَا نِفَاقَ فِيهِ ") أَيْ: لَا فِي أَصْلِهِ وَلَا فِي فَصْلِهِ مِنِ اعْتِقَادِهِ وَعَمَلِهِ، (" وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ ") أَيْ: أَصْلًا أَوْ كَمَالًا ; لِمَا فِيهِ مِنْ أَعْمَالِ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَنَقْضِ الْعَهْدِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، (" فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ ") أَيْ: ظُهُورُهُ (" مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ غَدِهِ ") وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفُسْطَاطَيْنِ الْمَدِينَتَانِ، فَإِنَّ الْمَهْدِيَّ يَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيُحَاصِرُهُ الدَّجَّالُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ﵊، فَيَذُوبُ الْمَلْعُونُ كَالْمِلْحِ يَنْمَاعُ فِي الْمَاءِ، فَيَطْعَنُهُ بِحَرْبَةٍ لَهُ فَيَقْتُلُهُ، فَيَحْصُلُ الْفَرَجُ الْعَامُّ وَالْفَرَحُ التَّامُّ، كَمَا قَالَ سَيِّدُ الْأَنَامِ:
اشْتَدِّي أَزْمَةُ تَنْفَرِجِي
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا - إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] ، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وَهُمَا هُنَا الِاقْتِرَانُ بَيْنَ الْقَمَرَيْنِ وَضِيَاءِ أَنْوَارِهِمَا فِي أَمْرِ الْكَوْنَيْنِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْفُسْطَاطُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ الْمَدِينَةُ الَّتِي فِيهَا يَجْتَمِعُ النَّاسُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ فُسْطَاطٌ، وَإِضَافَةُ الْفُسْطَاطِ إِلَى الْإِيمَانِ إِمَّا بِجَعْلِ الْمُؤْمِنِينَ نَفْسَ الْإِيمَانِ مُبَالَغَةً، وَإِمَّا بِجَعْلِ الْفُسْطَاطِ مُسْتَعَارًا لِلْكَتِفِ وَالْوِقَايَةِ عَلَى الْمُصَرِّحَةِ، أَيْ: هُمْ فِي كَتِفِ الْإِيمَانِ وَوِقَايَتِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ وَأَقَرَّهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنْ تَصْحِيحِ الْجَزَرِيِّ.
стр. 7449
٥٤٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٤٠٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " وَيْلٌ لِلْعَرَبِ ") الْوَيْلُ: حُلُولُ الشَّرِّ، وَهُوَ تَفْجِيعٌ، أَوْ وَيْلٌ كَلِمَةُ عَذَابٍ، أَوْ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، وَخَصَّ الْعَرَبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حِينَئِذٍ مُعْظَمَ مَنْ أَسْلَمَ، (" مِنْ شَرٍّ ") أَيْ: عَظِيمٍ (" قَدِ اقْتَرَبَ ") أَيْ: ظُهُورُهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: " فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ " الْحَدِيثَ. كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَرَادَ بِهِ الِاخْتِلَافَ الَّذِي ظَهَرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَقْعَةِ عُثْمَانَ ﵁ أَوْ مَا وَقَعَ بَيْنَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - وَمُعَاوِيَةَ ﵁. أَقُولُ: أَوْ أَرَادَ بِهِ قَضِيَّةَ يَزِيدَ مَعَ الْحُسَيْنِ ﵁ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى أَقْرَبُ ; لِأَنَّ شَرَّهُ ظَاهِرٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْعَجَمِ وَالْعَرَبِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: قَوْلُهُ مِنْ شَرٍّ أَيْ مِنْ خُرُوجِ جَيْشٍ يُقَاتِلُ الْعَرَبَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْفِتَنَ الْوَاقِعَةَ فِي الْعَرَبِ، أَوَّلُهَا: قَتْلُ عُثْمَانَ وَاسْتَمَرَّتْ إِلَى الْآنِ، أَقُولُ: وَلَمْ يُعْرَفْ مَا يَقَعُ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ. (" أَفْلَحَ ") أَيْ: نَجَا وَظَفِرَ عَلَى الْمُدَّعِي وَانْتَصَرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ (" مَنْ كَفَّ يَدَهُ ") أَيْ عَنِ الْأَذَى، أَوْ تَرَكَ الْقِتَالَ إِذَا لَمْ يَتَمَيَّزِ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَ عُدُولِ الشُّرَّاحِ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي قَدَّمْتُهُ إِلَى مَا ذَكَرُوهُ ; أَنَّ قَوْلَهُ: (أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ) يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّ وَقْتَ خُرُوجِهِمْ لَيْسَ لِأَحَدٍ طَاقَةُ الْمُقَاتَلَةِ مَعَهُمْ، فَمَوْرِدُ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ الْأَوَّلِ فَتَدَبَّرْ وَتَأَمَّلْ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذَا جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَالْمَعْنَى: أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ عَمَّنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَّا بِإِذْنٍ شَرْعِيٍّ حَكَمَ بِهِ وَقَضَاهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ خِلَالَ قَوْلِهِ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ الْمِشْكَاةِ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، وَفِيهِ أَيْضًا حَدِيثُ: «وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنِّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَفِيهِ أَيْضًا: «وَيْلٌ لِأُمَّتِي مِنْ عُلَمَاءِ السُّوءِ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَنَسٍ.
стр. 7450
٥٤٠٥ - وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. .
ــ
٥٤٠٥ - (وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ حَالَفَ كِنْدَةَ، فَنُسِبَ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ ابْنَ الْأَسْوَدِ لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيفَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِهِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ عَبْدًا فَتَبَنَّاهُ وَكَانَ سَادِسًا فِي الْإِسْلَامِ. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ ") بِاللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ لِلتَّأْكِيدِ فِي خَبَرٍ إِنَّ، أَيْ لَلَّذِي (" جُنِّبَ ") بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: بَعُدَ (" الْفِتَنَ ") مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَمِنْهُ مَا وَرَدَ مِنَ الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ» ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: بَعُدَ عَنْهَا، (" إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ ") كَرَّرَهَا ثَلَاثًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّأْكِيدِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّكْرَارُ بِاعْتِبَارِ أَوَّلِ الْفِتَنِ وَآخِرِهَا، (" وَلَمَنِ ابْتُلِيَ ") : اللَّامُ لِلِابْتِدَاءِ، أَيْ: لَمَنِ امْتُحِنَ بِتِلْكَ الْفِتَنِ (" فَصَبَرَ ") أَيْ: عَلَى أَذَاهِمْ، وَلَمْ يُحَارِبْهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ، (" فَوَاهًا ") : بِالتَّنْوِينِ اسْمُ صَوْتٍ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ، سَدَّ مَسَدَّ فِعْلِهِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀. وَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ: مَعْنَاهُ التَّلَهُّفُ، وَقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْإِعْجَابِ بِالشَّيْءِ وَالْإَسْتِطَابَةِ لَهُ، أَيْ: مَا أَحْسَنَ وَمَا أَطْيَبَ صَبْرَ مَنْ صَبَرَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَطُوبَى لَهُ، وَفِي النِّهَايَةِ قِيلَ: مَعْنَى هَذَا التَّلَهُّفِ، وَقَدْ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْإِعْجَابِ بِالشَّيْءِ، يُقَالُ: وَاهًا لَهُ، وَقَدْ يَرِدُ بِمَعْنَى التَّوَجُّعِ، وَقِيلَ، يُقَالُ: فِي التَّوَجُّعِ: آهًا لَهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (فَوَاهًا) خَبَرًا لِمَنْ، وَالْفَاءُ لِتَضَمُّنِ الْمُبْتَدَأِ مَعْنَى الشَّرْطِ، فَعَلَى هَذَا فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ، أَيْ: مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَطُوبَى لَهُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ خَبَرًا عَلَى أَنَّ اللَّامَ مَفْتُوحَةٌ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَلِمَنِ ابْتُلِيَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، فَعَلَى هَذَا (وَاهًا) لِلتَّحَسُّرِ، أَيْ: فَوَاهًا عَلَى مَنْ بَاشَرَهَا وَسَعَى فِيهَا، اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَقِيلَ اللَّامُ مَكْسُورَةٌ ; وَيَكُونُ فَوَاهًا بِمَعْنَى التَّعَجُّبِ، أَيْ: وَلَمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ يَجِبُ أَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْ حَالِهِ هَذَا. وَفِي الْقَامُوسِ: وَاهًا وَيُتْرَكُ تَنْوِينُهُ كَلِمَةُ تَعَجُّبٍ مِنْ طِيبِ شَيْءٍ وَكَلِمَةُ تَلَهُّفٍ، أَيْ: مِنْ تَلَفِ شَيْءٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 7451
٥٤٠٦ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَلَا نَبِيَّ بِعْدِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٤٠٦ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي ") أَيْ: مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ (" لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ") ، وَقَدِ ابْتُدِئَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ وَهَلُمَّ جَرَّا لَا يَخْلُو عَنْهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْأُمَّةِ ; فَصَدَقَ فِي إِخْبَارِهِ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ، ثُمَّ الْحَدِيثُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] ، وَتَحْقِيقُهُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَنْثُورَةِ فِي تَفْسِيرِ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ. (وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ) مِنْهَا مَا وَقَعَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ ﵁. (وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ) أَيِ: الْأَصْنَامُ حَقِيقَةً، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ فِيمَا سَيَأْتِي، أَوْ مَعْنَى وَمِنْهُ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ» ، (" وَإِنَّهُ ") أَيِ: الشَّأْنُ (" سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ") أَيْ: فِي دَعْوَتِهِمُ النُّبُوَّةَ (" ثَلَاثُونَ ") ، أَيْ: هُمْ أَوْ عَدَدُهُمْ ثَلَاثُونَ (" كُلُّهُمْ يَزْعُمُ ") أُفْرِدَ لِلَفْظِ كُلٍّ (" أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ") بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِهَا، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: (" لَا نَبِيَّ بِعْدِي ") تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ، (" وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ") خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: لَا تَزَالُ أَيْ ثَابِتِينَ عَلَى الْحَقِّ عِلْمًا وَعَمَلًا (" ظَاهِرِينَ ") أَيْ: غَالِبِينَ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ وَلَوْ حُجَّةً. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَجُوزُ
стр. 7452
أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي ثَابِتِينَ، أَيْ: ثَابِتِينَ عَلَى الْحَقِّ فِي حَالَةِ كَوْنِهِمْ غَالِبِينَ عَلَى الْعَدِوِّ (" لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ ") أَيْ: لِثَبَاتِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ (" حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ ") مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لَا تَزَالُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ ﵀ وَفِي الْجَامِعِ: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» " رُوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ الْمُغِيرَةِ.
стр. 7453
٥٤٠٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَدُورُ رَحَى الْإِسْلَامِ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا ". قُلْتُ: أَمِمَّا بَقِيَ أَوْ مِمَّا مَضَى؟ قَالَ: " مِمَّا مَضَى» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٤٠٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " تَدُورُ رَحَى الْإِسْلَامِ ") أَيْ: تَسْتَقِرُّ وَتَسْتَمِرُّ دَائِرَةً رَحَى الْإِسْلَامِ، وَيَسْتَقِيمُ دَوَرَانُهَا عَلَى وَجْهِ النِّظَامِ، أَوْ يَبْتَدِئُ دَوَرَانُ دَائِرَةِ الْحَرْبِ وَتَزَلْزُلِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ فِي الْإِسْلَامِ (" لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ ") أَيْ: لِوَقْتِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنِ ابْتِدَاءِ ظُهُورِ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ زَمَنُ هِجْرَةِ خَيْرِ الْأَنَامِ، وَبِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ تَنْقَضِي خِلَافَةُ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ ; إِذْ بَعْدَهَا مَقْتَلُ عُثْمَانَ ﵁ (" أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ ") وَفِيهِ قَضِيَّةُ الْجَمَلِ، (" أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ ") وَفِيهِ وَقْعَةُ صِفِّينَ، وَ (أَوْ) فِيهَا لِلتَّنْوِيعِ، أَوْ بِمَعْنَى بَلْ، فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهِمَا أَهْوَنُ مِمَّا بَعْدَهُمَا، لَا سِيَّمَا أَمْرُ الْإِسْلَامِ، وَنِظَامُ الْأَحْكَامِ، وَظُهُورُ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ ; وَلِهَذَا قَالَ: (" فَإِنْ يَهْلِكُوا ") أَيْ: إِنِ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَاسْتَهَانُوا فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَاقْتَرَفُوا الْمَعَاصِي (" فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ ") أَيْ: فَسَبِيلُهُمْ سَبِيلُ مَنْ هَلَكَ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ الَّذِينَ زَاغُوا عَنِ الْحَقِّ فِي اخْتِلَاقِهِمْ وَزَيْغِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَوَهَنِهِمْ فِي الدِّينِ، وَسَمَّى أَسْبَابَ الْهَلَاكِ وَالِاشْتِغَالِ بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ هَلَاكًا، هَذَا مُجْمَلُ الْكَلَامِ، وَأَمَّا تَفْصِيلُ الْمَرَامِ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: دَوَرَانُ الرَّحَى كِنَايَةٌ عَنِ الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ، شَبَّهَهَا بِالرَّحَى الدَّوَّارَةِ الَّتِي تَطْحَنُ الْحَبَّ ; لِمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ تَلَفِ الْأَرْوَاحِ وَهَلَاكِ الْأَنْفُسِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
فَدَارَتْ رَحَانَا وَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ
قُلْتُ: هُوَ مَعْنَى مَا قَالَ غَيْرُهُ:
فَيَوْمًا عَلَيْنَا وَيَوْمًا لَنَا ... فَيَوْمًا نُسَاءُ وَيَوْمًا نُسَرُّ
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ، ثُمَّ الرَّحَى وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا ذُكِرَ مِنْ تَلَفِ الْأَرْوَاحِ وَهَلَاكِ الْأَنْفُسِ، لَكِنْ فِيهَا أَيْضًا قُوتُ الْأَشْبَاحِ وَقُوَّةُ الْأَرْوَاحِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: إِنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ اشْتِدَادِ الْحَرْبِ بِدَوَرَانِ الرَّحَى، وَيَقُولُونَ: دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ أَيِ اسْتَتَبَّ أَمْرُهَا، وَلَمْ تَجِدْهُمُ اسْتَعْمَلُوا دَوَرَانَ الرَّحَى فِي أَمْرِ الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ جَرَيَانِ ذِكْرِهَا، أَوِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرِ الْحَرْبَ، وَإِنَّمَا قَالَ: رَحَى الْإِسْلَامِ، فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَسْتَتِبُّ أَمْرُهُ، وَيَدُومُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُسْتَعَارَ دَوَرَانُ الرَّحَى فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَقُومُ لِصَاحِبِهِ وَيَسْتَمِرُّ لَهُ، فَإِنَّ الرَّحَى تُوجَدُ عَلَى نَعْتِ الْكَمَالِ مَا دَامَتْ دَائِرَةً مُسْتَمِرَّةً، وَيُقَالُ: فُلَانٌ صَاحِبُ دَارَتِهِمْ إِذَا كَانَ أَمْرُهُمْ يَدُورُ عَلَيْهِ، وَرَحَى الْغَيْثِ مُعْظَمُهُ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْحَرْبِيُّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: تَزُولُ رَحَى الْإِسْلَامِ مَكَانَ تَدُورُ، ثُمَّ قَالَ: كَأَنَّ تَزُولَ أَقْرَبُ ; لِأَنَّهَا تَزُولُ عَنْ ثُبُوتِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا، وَأَشَارَ بِالسِّنِينَ الثَّلَاثِ إِلَى الْفِتَنِ الثَّلَاثِ: مَقْتَلِ عُثْمَانَ ﵁ وَكَانَ سَنَةَ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَحَرْبِ الْجَمَلِ، وَكَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ، وَحَرْبِ صِفِّينَ، وَكَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مُتَتَابِعَةً فِي تِلْكَ الْأَعْوَامِ الثَّلَاثَةِ، (" وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ ") أَيْ: وَإِنْ صَفَتْ تِلْكَ الْمُدَدُ وَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُمُ اخْتِلَافٌ وَخَوَرٌ فِي الدِّينِ وَضَعْفٌ فِي التَّقْوَى (" يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا ") تَتَمَادَى بِهِمْ قُوَّةُ الدِّينِ وَاسْتِقَامَةُ أَمْرِهِ سَبْعِينَ سَنَةً، وَقَدْ وَقَعَ الْمَحْذُورُ فِي الْمَوْعِدِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلَى الْآنِ.
стр. 7454
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَ بِالدِّينِ الْمُلْكَ، قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَذَا مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَانْتِقَالَهُ عَنْهُمْ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَ مِنْ بَيْنِ اسْتِقْرَارِ الْمُلْكِ لِبَنِي أُمَيَّةَ إِلَى أَنْ ظَهَرَتِ الدُّعَاةُ بِخُرَاسَانَ، وَضَعُفَ أَمْرُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَدَخَلَ الْوَهْنُ فِيهِ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً.
قَالَ التُّوبِشْتِيُّ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا سُلَيْمَانَ، فَإِنَّهُ لَوْ تَأَمَّلَ الْحَدِيثَ كُلَّ التَّأَمُّلِ، وَبَنَى التَّأْوِيلَ عَلَى سِيَاقِهِ لَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ مُلْكَ بَنِي أُمَيَّةَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَّةِ، بَلْ أَرَادَ بِهِ اسْتِقَامَةَ أَمْرِ الْأُمَّةِ فِي طَاعَةِ الْوُلَاةِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ، وَجَعَلَ الْمَبْدَأَ فِيهِ أَوَّلَ زَمَانِ الْهِجْرَةِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ يَلْبَثُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ، ثُمَّ يَشُقُّونَ عَصَا الْخِلَافِ ; فَتُفَرَّقُ كَلِمَتُهُمْ، فَإِنْ هَلَكُوا فَسَبِيلُهُمْ سَبِيلُ مَنْ قَدْ هَلَكَ قَبْلَهُمْ، وَإِنْ عَادَ أَمْرُهُمْ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ إِيثَارِ الطَّاعَةِ وَنُصْرَةِ الْحَقِّ يَتِمُّ لَهُمْ ذَلِكَ إِلَى تَمَامِ السَبْعِينَ، هَذَا مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَوِ اقْتَضَى اللَّفْظُ أَيْضًا غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُمْ ذَلِكَ الْقَوْلُ، فَإِنَّ الْمُلْكَ فِي أَيَّامِ بَعْضِ الْعَبَّاسِيَّةِ لَمْ يَكُنِ أَقَلَّ اسْتِقَامَةً مِنْهُ فِي أَيَّامِ الْمَرْوَانِيَّةِ، وَمُدَّةِ إِمَارَةِ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ مُعَاوِيَةَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ كَانَتْ نَحْوًا مِنْ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
وَالتَّوَارِيخُ تَشْهَدُ لَهُ، مَعَ أَنَّ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ يَنْقُضُ كُلَّ تَأْوِيلٍ يُخَالِفُ تَأْوِيلَنَا هَذَا، وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: (قُلْتُ) أَيْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (أَوْ مِمَّا بَقِيَ أَوْ مِمَّا مَضَى؟) يُرِيدُ أَنَّ السَبْعِينَ تَتِمُّ لَهُمْ مُسْتَأْنَفَةً بَعْدَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، أَمْ تَدْخُلُ الْأَعْوَامُ الْمَذْكُورَةُ فِي جُمْلَتِهَا؟ (قَالَ: " مِمَّا مَضَى ") .
يَعْنِي يَقُومُ لَهُمْ أَمْرُ دِينِهِمْ إِلَى تَمَامِ سَبْعِينَ سَنَةً مِنْ أَوَّلِ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ، لَا مِنِ انْقِضَاءِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ إِلَى انْقِضَاءِ سَبْعِينَ، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ قِيلَ: إِنَّ الْإِسْلَامَ عِنْدَ قِيَامِ أَمْرِهِ عَلَى سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ، وَالْبُعْدِ عَنْ إِحْدَاثَاتِ الظَّلَمَةِ إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ مُدَّةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَوَجْهَهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَهُ، وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْ عُمُرِهِ ﷺ خَمْسُ سِنِينَ أَوْ سِتٌّ، فَإِذَا انْضَمَّتْ إِلَى مُدَّةِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ سَنَةً، كَانَتْ بَالِغَةً ذَلِكَ الْمَبْلَغَ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَفِيهَا خَرَجَ أَهْلُ مِصْرَ وَحَصَرُوا عُثْمَانَ ﵁ وَإِنْ كَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ، وَإِنْ كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ صِفِّينَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 7455
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٤٠٨ - عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللِّيثِيِّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ إِلَى غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٤٠٨ - (عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللِّيثِيِّ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَجَاوَرَ بِمَكَّةَ سَنَةً، وَمَاتَ بِهَا وَدُفِنَ بِفَجٍّ، (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ إِلَى غَزْوَةِ حُنَيْنٍ) أَيْ: بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَمَعَهُ بَعْضُ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ حَدِيثًا، وَلَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ آيَةً وَلَا حَدِيثًا (مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ) أَيْ: وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا، يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ جَمْعُ نَوْطٍ، وَهُوَ مَصْدَرُ نَاطَهُ أَيْ عَلَّقَهُ، (فَقَالُوا) أَيْ: بَعْضُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَكْمُلْ لَهُ مَرْتَبَةُ التَّوْحِيدِ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى حَقِيقَةِ التَّفْرِيدِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ،
стр. 7456
اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ) أَيْ: شَجَرَةٌ نَحْنُ أَيْضًا نُعَلِّقُ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَنَا، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ الضِّدِّيَّةَ وَالْمُخَالَفَةَ الْعُرْفِيَّةَ، وَغَفَلُوا عَنِ الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سُبْحَانَ اللَّهِ! ") تَنْزِيهًا وَتَعَجُّبًا (" هَذَا ") أَيْ: هَذَا الْقَوْلُ مِنْكُمْ (" كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ، لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ التَّشْبِيهِ ; حَيْثُ يَكُونُ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى، (" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ ") بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: لَتَذْهَبُنَّ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْأُمَّةُ (" سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ") بِضَمِّ السِّينِ أَيْ: طُرُقُهُمْ وَمَنَاهِجُهُمْ وَسُبُلُ أَفْعَالِهِمْ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا أَيْ: عَلَى مِنْوَالِهِمْ وَطِبْقِ حَالِهِمْ وَشِبْهِ قَالِهِمْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا: " «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ» ". وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْ، وَحَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ بِالطَّرِيقِ لَفَعَلْتُمُوهُ» ".
стр. 7457
٥٤٠٩ - وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ﵁ قَالَ: وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الْأُولَى - يَعْنِي مَقْتَلَ عُثْمَانَ - فَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابٍ بَدْرٍ أَحَدٌ، ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ - يَعْنِي الْحَرَّةَ - فَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ أَحَدٌ، ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّالِثَةُ فَلَمْ تَرْتَفِعْ وَبِالنَّاسِ طَبَاخٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٤٠٩ - (وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ وَقَدْ تُكْسَرُ: تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (قَالَ: وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الْأُولَى - يَعْنِي) هَذَا كَلَامُ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَتَفْسِيرٌ لِكَلَامِهِ، أَيْ: يُرِيدُ بِالْفِتْنَةِ الْأُولَى (مَقْتَلَ عُثْمَانَ - فَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ أَحَدٌ) هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، أَيْ: إِنَّهُمْ مَاتُوا مُنْذُ قَامَتِ الْفِتْنَةُ بِمَقْتَلِ عُثْمَانَ إِلَى أَنْ قَامَتِ الْفِتْنَةُ الْأُخْرَى بِوَقْعَةِ الْحَرَّةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ مَا ابْتُلُوا بِالْفِتْنَةِ مَرَّتَيْنِ ; لِمَا صَانَهُمُ اللَّهُ بِبَرَكَةِ غَزْوَةِ بَدْرٍ، (ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ - يَعْنِي الْحَرَّةَ -) ، فِي النِّهَايَةِ: هَذِهِ أَرْضٌ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ بِهَا حِجَارَةٌ سُودٌ كَثِيرَةٌ، كَانَتِ الْوَقْعَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي الْإِسْلَامِ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، لَمَّا انْتَهَبَ الْمَدِينَةَ عَسْكَرُهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الَّذِينَ نَدَبَهُمْ لِقِتَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ، (فَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ) بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ، أَيْ: مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، (أَحَدٌ، ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّالِثَةُ) لَعَلَّهَا فِتْنَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَا حَصَلَ لَهُ وَلِأَهْلِ مَكَّةَ مِنَ الْحَجَّاجِ، (فَلَمْ تَرْتَفِعْ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَمْ تَرْتَفِعْ (وَبِالنَّاسِ طَبَاخٌ) أَيْ: أَحَدٌ، وَهُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتَخْفِيضِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ، وَالْمَفْهُومُ مِنَ النِّهَايَةِ، فَلَا وَجْهَ لِمَا ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ كَسْرِ الطَّاءِ، نَعَمْ فِي الْقَامُوسِ الطَّبَاخُ كَسَحَابٍ وَبِضَمٍّ: الْقُوَّةُ وَالْإِحْكَامُ وَالسُّمْنُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَصْلُ الطَّبَاخِ الْقُوَّةُ وَالسُّمْنُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ فَقِيلَ: فُلَانٌ لَا طَبَاخَ لَهُ، أَيْ: لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا خَيْرَ عِنْدَهُ، أَرَادَ أَنَّهَا لَمْ تُبْقِ فِي النَّاسِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَحَدًا، فَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ الصَّحَابَةُ، فَأَلْ لِلْعَهْدِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِمُ الْكَامِلُونَ فِي مَرْتَبَةِ الْأُنْسِ وَرُتْبَةِ الْإِنْسِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7458
[بَابُ الْمَلَاحِمِ]
стр. 7459
[١] بَابُ الْمَلَاحِمِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٤١٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعَوَاهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولُ الَّذِي يُعْرَضُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي بِهِ، وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[١]
بَابُ الْمَلَاحِمِ
بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ جَمْعُ الْمَلْحَمَةِ، وَهِيَ الْمَقْتَلَةُ، أَوْ هِيَ الْوَاقِعَةُ الْعَظِيمَةُ، وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْحَرْبُ وَمَوْضِعُ الْقِتَالِ مَأْخُوذٌ مِنِ اشْتِبَاكِ النَّاسِ وَاخْتِلَاطِهِمْ فِيهَا، كَاشْتِبَاكِ لُحْمَةِ الثَّوْبِ بِالثَّدْيِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ اللَّحْمِ لِكَثْرَةِ لُحُومِ الْقَتْلَى فِيهَا اهـ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ نَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مَعْدِنُ الْجَلَالِ، كَمَا أَنَّهُ مَنْبَعُ الْجَمَالِ ; لِكَوْنِهِ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْكَمَالُ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ سُبْحَانَهُ فِي حَقِّهِ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ رَحْمَتِهِ، تَخَلُّقًا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ وَصِفَتِهِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: ( «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» ) ; وَلِذَا يُنَادَى بَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، بَلِ الْمَلْحَمَةُ فِي الْحَقِيقَةِ عَيْنُ الْمَرْحَمَةِ، كَمَا أَنَّ الْمِحَنَ مِنْ عِنْدِهِ سُبْحَانَهُ هِيَ الْمِنَحُ وَالْمِنَنُ، وَالْبَلَاءُ عَيْنُ الْوَلَاءِ، وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٤١٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ ") بِتَأْنِيثِ الْفِعْلِ وَيُذَكَّرُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ ") أَيْ: كَثِيرَتَانِ أَوْ كَمِّيَّةٌ وَكَيْفِيَّةٌ ; لِمَا كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّغْلِيبِ، إِذِ الْجَمَاعَةُ الْعَظِيمَةُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا كَانَتْ جَمَاعَةَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قَالَ الْأَكْمَلُ: وَهَذَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَهُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، (" تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ ") أَيْ: حَرْبٌ عَظِيمَةٌ وَقِتَالٌ قَوِيٌّ، (" دَعَوَاهُمَا وَاحِدَةٌ ") أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفِئَتَيْنِ تَدَّعِي الْإِسْلَامَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ وَمَنْ مَعَهُمَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ الرَّدُّ عَلَى الْخَوَارِجِ فِي تَكْفِيرِهِمْ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ، اهـ.
وَفِي كَوْنِ الْحَدِيثِ رَدًّا عَلَيْهِمْ مُجَرَّدُ دَعْوًى لَا يَخْفَى ; فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحَقُّقِ الدَّعْوَى وُصُولُ الْمُدَّعَى، وَحُصُولُ الْمَعْنَى، مَعَ أَنَّ الدَّعْوَى قَدْ تُصْرَفُ إِلَى دَعْوَى الْخِلَافَةِ وَنَحْوَهَا، (" وَحَتَّى يُبْعَثَ ") أَيْ: يُرْسَلُ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ إِلَى صَحْنِ الْوُجُودِ، وَيَظْهَرُ (" دَجَّالُونَ ") أَيْ: مُبَالِغُونَ فِي فَسَادِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ (" كَذَّابُونَ ") أَيْ: عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: كُلُّ كَذَّابٍ دَجَّالٌ، يُقَالُ: دَجَلَ فُلَانٌ الْحَقَّ بِبَاطِلِهِ غَطَّاهُ، وَمِنْهُ أُخِذَ الدَّجَّالُ، وَدَجَلَهُ سَحَرَهُ وَكَذَبَهُ، وَقِيلَ: عَنِ الدَّجَّالِ دَجَّالًا لِتَمْوِيهِهِ عَلَى النَّاسِ وَتَلْبِيسِهِ، يُقَالُ: دَجَلَ إِذَا مَوَّهَ وَلَبَّسَ، (" قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ ") ، وَهَذَا لَا يُنَافَى جَزْمُهُ فِيمَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ ثَلَاثُونَ، فَإِنَّهُ إِمَّا مُتَأَخِّرٌ، وَإِمَّا الْمُرَادُ مِنْهُ التَّقْرِيبُ، وَكَذَا لَا يُنَافِي مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «وَلَا تُقَوْمُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ سَبْعُونَ كَذَّابًا» ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التَّكْثِيرُ، أَوِ الثَلَاثُونَ مُقَيَّدُونَ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَالْبَاقُونَ بِغَيْرِهَا عَلَى احْتِمَالِ أَنَّ السَبْعِينَ غَيْرُ الثَلَاثِينَ، فَتَكْمُلُ الْمِائَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (" كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ") ، وَفِي نُسْخَةٍ نَبِيُّ اللَّهِ (" وَحَتَّى يُقْبَضَ ") أَيْ: يُؤْخَذُ وَيُرْفَعُ (" الْعِلْمُ ") أَيِ: النَّافِعُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَيَكْثُرُ أَهْلُ الْجَهْلِ وَالْبِدْعَةِ، (" وَتَكْثُرُ الزَّلَازِلُ ") ، أَيِ الْحِسِّيَّةُ وَهِيَ تَحْرِيكُ الْأَرْضِ، أَوِ الْمَعْنَوِيَّةُ وَهِيَ أَنْوَاعُ الْبَلِيَّةِ، فَإِنَّ مَوْتَ الْعُلَمَاءِ فَوْتُ الْعَالَمِ (" وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ") ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَ بِهِ زَمَانَ الْمَهْدِيِّ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ فِي الْأَرْضِ ; فَيَسْتَلِذُّ الْعَيْشَ عِنْدَ ذَلِكَ ; لِانْبِسَاطِ عَدْلِهِ، فَتُسْتَقْصَرُ مُدَّتُهُ ; لِأَنَّهُمْ يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ أَيَّامِ الرَّخَاءِ وَإِنْ طَالَتْ، وَيَسْتَطِيلُونَ أَيَّامَ الشِّدَّةِ وَإِنْ قَصُرَتْ، (" وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ ") أَيْ: وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمِحَنُ، (" وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ ") قِيلَ: الْمُرَادُ بِكَثْرَتِهِ شُمُولُهُ وَدَوَامُهُ (" وَهُوَ ") :
стр. 7460
أَيِ: الْهَرْجُ (" الْقَتْلُ ") ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ، فَهُوَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، (" وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ ") بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ، مِنْ فَاضَ الْمَاءُ إِذَا انْصَبَّ عِنْدَ امْتِلَائِهِ، وَالضَّمِيرُ إِلَى الْمَالِ، فَهُوَ مُبَالَغَةٌ لِحُصُولِ الْمَنَالِ فِي الْمَآلِ، (حَتَّى يُهِمَّ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، مِنْ أَهَمَّهُ أَحْزَنَهُ وَأَقْلَقَهُ، وَقَوْلُهُ: (" رَبَّ الْمَالِ ") مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ، وَالْفَاعِلُ قَوْلُهُ: (" مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ ") عَلَى تَقْدِيرٍ مُضَافٍ، أَيْ: حَتَّى يُوقِعَ فِي الْحُزْنِ فُقْدَانُ مَنْ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ ; حَيْثُ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُهُ، وَالتَّمْلِيكُ شَرْطٌ لِحُصُولِ الزَّكَاةِ، كَمَا أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ لِحُصُولِ الصَّدَقَةِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، عَلَى أَنَّهُ هَمُّهُ لُغَةٌ بِمَعْنَى أَحْزَنَهُ، فَرَبَّ الْمَالِ مَنْصُوبٌ عَلَى حَالِهِ، وَفِي بَعْضِهَا يَرْفَعُهُ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ، وَمِنْ مَفْعُولِهِ، أَيْ: يَقْصِدُهُ رَبُّ الْمَالِ، عَكْسُ الْمُتَعَارَفِ فِي بَقِيَّةِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَحْوَالِ مِنْ هَمَّ بِهِ إِذَا قَصَدَهُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ، فَتَأَمَّلْ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ، وَأَشْهُرُهَا ضَمُّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْهَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ مُقَيَّدٌ بِضَمِّ الْبَاءِ، وَرَبُّ الْمَالِ مَفْعُولُهُ، وَالْمَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ فَاعِلُهُ، وَقَوْلُهُ: (" وَحَتَّى يَعْرِضَهُ ") بِكَسْرِ الرَّاءِ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، وَالْمَعْنَى: حَتَّى يُهِمَّ طَلَبُ مَنْ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ صَاحِبَ الْمَالِ ; فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يَجِدَهُ وَحَتَّى يَعْرِضَهُ، اهـ.
أَيْ: حَتَّى يَعْرِضَ الْمَالَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَقْبَلُهُ (" فَيَقُولُ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ! لَا أَرَبَ لِي بِهِ ") بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ أَيْ: لَا حَاجَةَ لِي إِلَيْهِ "، إِمَّا لِغِنَى قَلْبِهِ أَوْ لِغِنَى يَدِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَهُمَا جَمِيعًا، فَكَأَنَّ الْخَيْرَ وَسِعَ الْجَمِيعَ بِمَا فِيهِ، وَقَنِعَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا يَكْفِيهِ، فَلَا يُرِيدُ مَا يُطْغِيهِ أَوْ مَا لَا يَعْنِيهِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَنْ يَمْلَأَ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ، عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، بَلْ فِي الْقُرْآنِ الْمَنْسُوخِ التِّلَاوَةِ، فَكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ كُلُّهُمْ مِمَّنْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى رَجَعُوا إِلَى مَقَامِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَالْقَنَاعَةِ بِالْكِفَايَةِ، وَالِاسْتِغْنَاءِ بِمَا قَسَمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّ الِاسْتِئْنَاسَ بِالنَّاسِ مِنْ عَلَامَةِ الْإِفْلَاسِ. (" وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ ") أَيْ: حَتَّى يَتَزَايَدُوا فِي طُولِهِ وَعَرْضِهِ، أَوْ يَفْتَخِرُوا فِي تَزْيِينِهِ وَتَحْسِينِهِ، وَهَذَا غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِزَمَانِ الْمَهْدِيِّ، بَلِ الْمُرَادُ لَهُ إِمَّا بَعْدَهُ وَإِمَّا قَبْلَهُ، فَإِنَّ الْآنَ قَدْ كَثُرَ الْبُنْيَانُ وَافْتَخَرَ بِهِ أَهْلُ الزَّمَانِ، وَتَطَاوَلَ بِهِ اللِّسَانُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهَدَمُوا الْعِمَارَةَ الْمَوْضُوعَةَ لِلْخَيِّرَاتِ، وَجَعَلُوهَا دُورًا وَبَسَاتِينَ وَمَوَاضِعَ التَّنَزُّهَاتِ وَمَحَالَّ التَّلَهِياتِ، (" وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ ") أَيْ: مِنْ كَثْرَةِ هُمُومِهِ وَغُمُومِهِ فِي أَمْرِ دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهِ، أَوْ كَثْرَةِ بَلَائِهِ وَقِلَّةِ دَوَائِهِ (" بِقَبْرِ الرَّجُلِ ") أَيْ: مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ أَجَانِبِهِ (" فَيَقُولُ ") بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ (" يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ ") ، نَقْلٌ بِالْمَعْنَى ; إِذْ لَفْظُهُ: مَكَانَكَ، أَيْ: لَيْتَنِي كُنْتُ مَيِّتًا حَتَّى لَا أَرَى الْفِتْنَةَ وَلَا أُشَاهِدَ الْمِحْنَةَ، (" وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ ") تَأْكِيدٌ لِلنَّاسِ أَوْ لِضَمِيرِهِ، أَيْ: كُلُّهُمْ لِمَا رَأَوْهُ مِنَ الْآيَةِ الْمُلْجِئَةِ وَالْعَلَّامَةِ الْعِيَانِيَّةِ، وَكَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُمُ الْإِيمَانَ فِي الْحَالَةِ الْغَيْبِيَّةِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] ; وَلِذَا قَالَ: (فَذَلِكَ) أَيِ: الْوَقْتُ (حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ، وَكَذَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِيمَانِهِمْ مِنْ عَمَلِ خَيْرِهَا أَيِ الْحَادِثَيْنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ، (فَأَوْ) لِلتَّنْوِيعِ ; إِذَا قَدْ يُوجَدُ إِيمَانٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الْعَمَلِ، وَقَدْ يَقْتَرِنُ الْعَمَلُ بِالْإِيمَانِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ وُقُوعُهُمَا فِي حَالِ الْبَأْسِ، وَوَقْتِ الْيَأْسِ لَا يَكُونَانِ نَافِعَيْنِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لَا يَنْفَعُ إِيمَانُهَا وَلَا كَسْبُهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ كَسَبَتْ، فَالْكَلَامُ مِنَ اللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ وَالنَّشْرِ الظَّاهِرِيِّ، هَذَا وَقِيلَ: جُمْلَةُ (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ) صِفَةُ نَفْسٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْاسْتِنَافِ ; لِئَلَّا يَقَعَ الْفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ
следующие страницы →