← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

٥٣٦٩ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا "، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ "، قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: " حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) . ــ ٥٣٦٩ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ) : وَهُوَ مَوْلَى لِلنَّبِيِّ ﷺ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يُوشِكُ الْأُمَمُ) أَيْ: يَقْرُبُ فِرَقُ الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ (" أَنْ تَدَاعَى ") : حَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، أَيْ: تَتَدَاعَى (عَلَيْكُمْ) :

стр. 7387

بِأَنْ يَدْعُوَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِمُقَاتَلَتِكُمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِكُمْ وَسَلْبِ مَا مَلَكْتُمُوهُ مِنَ الدِّيَارِ وَالْأَمْوَالِ (كَمَا تَدَاعَى) أَيْ: تَتَدَاعَى (الْأَكَلَةُ) بِالْمَدِّ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ عَلَى نَعْتِ الْفِئَةِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، كَذَا رَوَى لَنَا عَنْ كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِهِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀. وَلَوْ رُوِيَ الْأَكَلَةُ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ آكِلٍ اسْمِ فَاعِلٍ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ، وَالْمَعْنَى: كَمَا يَدْعُو أَكَلَةُ الطَّعَامِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (إِلَى قَصْعَتِهَا) أَيِ: الَّتِي يَتَنَاوَلُونَ مِنْهَا بِلَا مَانِعٍ وَلَا مُنَازِعٍ، فَيَأْكُلُونَهَا عَفْوًا صَفْوًا، كَذَلِكَ يَأْخُذُونَ مَا فِي أَيْدِيكُمْ بِلَا تَعَبٍ يَنَالُهُمْ، أَوْ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُمْ، أَوْ بَأْسٍ يَمْنَعُهُمْ. (فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَقَوْلُهُ: (نَحْنُ يَوْمَئِذٍ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ صِفَةٌ لَهَا، أَيْ: أَذَلِكَ التَّدَاعِي لِأَجْلِ قِلَّةٍ نَحْنُ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ (قَالَ: " بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثْرَةٌ ") أَيْ: عَدَدًا وَقَلِيلٌ مَدَدًا، وَهَذَا مَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ بِقَوْلِهِ: (" وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ ") بِالضَّمِّ مَمْدُودًا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: (" كَغُثَاءِ السَّيْلِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ بِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا مَا يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِنْ زَبَدٍ وَوَسَخٍ، شَبَّهَهُمْ بِهِ لِقِلَّةِ شَجَاعَتِهِمْ، وَدَنَاءَةِ قَدْرِهِمْ، وَخِفَّةِ أَحْلَامِهِمْ، وَخُلَاصَتُهُ: وَلَكِنَّكُمْ تَكُونُونَ مُتَفَرِّقِينَ، ضَعِيفِي الْحَالِ، خَفِيفِي الْبَالِ، مُشَتَّتِي الْآمَالِ، ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَهُ بِعَطْفِ الْبَيَانِ فَقَالَ: (وَلَيَنْزِعَنَّ) أَيْ: لَيُخْرِجَنَّ (اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ) أَيِ: الْخَوْفَ وَالرُّعْبَ (مِنْكُمْ) أَيْ: مِنْ جِهَتِكُمْ (" وَلَيَقْذِفَنَّ ") بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ: وَلَيَرْمِيَنَّ أَيِ: اللَّهُ (" فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ ") أَيِ: الضَّعْفَ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَهْنِ مَا يُوجِبُهُ ; وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا وَكَرَاهَةِ الْمَوْتِ حَيْثُ قَالَ: (قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا الْوَهْنُ) ؟ أَيْ مَا سَبَبُهُ وَمَا مُوجِبُهُ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: سُؤَالٌ عَنْ نَوْعِ الْوَهْنِ، أَوْ كَأَنَّهُ أَرَادَ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ الْوَهْنُ (قَالَ: " حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهَةُ الْمَوْتِ ") وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَكَأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، يَدْعُوهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ فِي الدِّينِ مِنَ الْعَدُوِّ الْمُبِينِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَقَدِ ابْتُلِينَا بِذَلِكَ، فَكَأَنَّمَا نَحْنُ الْمَيِّتُونَ بِمَا ذُكِرَ هُنَالِكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، أَيْ فِي سُنَنِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ") .

стр. 7388

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٣٧٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلَا نَقَصَ قَوْمُ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا قَطَعَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ، وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ، وَلَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ ". رَوَاهُ مَالِكٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٣٧٠ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَيْ: مَوْقُوفًا (قَالَ: " مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ ") بِالضَّمِّ أَيْ: خِيَانَةُ الْمَغْنَمِ (" فِي قَوْمٍ إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ") بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا أَيْ: خَوْفَ الْعَدُوِّ (" وَلَا فَشَا الزِّنَا ") أَيِ: انْتَشَرَ (" فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ ") أَيْ: بِالْوَبَاءِ أَوِ الطَّاعُونِ أَوْ مَوْتِ الْقَلْبِ أَوْ مَوْتِ الْعُلَمَاءِ (" وَلَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ") أَيْ: وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا كَالذِّرَاعِ وَالْعَدَدِ مِنْ طَرِيقِ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ (" إِلَّا قَطَعَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ ") أَيِ: الْحَلَالَ أَوْ بَرَكَةَ الرِّزْقِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ (" وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ ") أَيْ: مِنَ الْحُكَّامِ (" بِغَيْرِ حَقٍّ ") أَيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ أَوْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فِي أَحْكَامِهِمُ الْفَاسِدَةِ، بَلْ آرَائِهِمُ الْكَاسِدَةِ (" إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ ") أَيِ: الْقَتْلُ، وَالْمُرَادُ مَا يَنْجَرُّ إِلَيْهِ (" وَلَا خَتَرَ ") بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَوْقِيَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] أَيْ: غَدَرَ (" قَوْمٌ بِالْعَهْدِ ") أَيْ: يَنْقُضُهُ خَدِيعَةً رَجَاءَ الْغَلَبَةِ (" إِلَّا سُلِّطَ ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: بِتَسْلِيطِ اللَّهِ (" عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ ". رَوَاهُ مَالِكٌ) أَيْ: فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْغُلُولِ مِنَ الْمُوَطَّأِ.

стр. 7389

[بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الْفِتَنِ]

стр. 7390

[٨] بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الْفِتَنِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٣٧١ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: " أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقَتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ وَأَنْزَلَتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا فَقُلْتُ: رَبِّ! إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي، فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً، قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا أَخْرَجُوكَ وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقُ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ [٨] بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الْفِتَنِ كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ مِنْ غَيْرِ تَرْجَمَةٍ وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوِ الْبَاءُ سَاكِنٌ عَلَى الْوَقْفِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بَابٌ فِي ذِكْرِ الْإِنْذَارِ وَالتَّحْذِيرِ، أَيْ: التَّخْوِيفُ وَالتَّذْكِيرُ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٣٧١ - (عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ) بِضَمِّ الْمِيمِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَكَانَ صَدِيقًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدِيمًا، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ تَمِيمِيٌّ يُعَدُ فِي الْبَصْرِيِّينَ، (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ) أَيِ: الْمَعْرُوفَةُ أَوْ فِي مَوْعِظَتِهِ (" أَلَا ") بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (" إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي ") : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيَانِ " مَا " أَوْ تَبْعِيضِيَّةٍ عَلَى أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ خَبَرٌ لِمَا بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ، أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَّمَنِي (" يَوْمِي هَذَا ") أَيْ: بِمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِخُصُوصِهِ (كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ) أَيْ: أَعْطَيْتُهُ (عَبْدًا) أَيْ: مِنْ عِبَادِي وَمَلَّكْتُهُ إِيَّاهُ، فَلَا يَدْخُلُ الْحَرَامُ (حَلَالٌ) أَيْ: فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُحَرِّمَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَيَمْنَعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي أَمْلَاكِهِمْ، وَهَذَا مِنْ مَقُولِ اللَّهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ) أَيْ: مُسْتَعِدِّينَ لِقَبُولِ الْحَقِّ وَمَائِلِينَ إِلَيْهِ عَنِ الْبَاطِلِ (كُلَّهُمْ) أَيْ: جَمِيعُهُمْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» " وَهِيَ التَّوْحِيدُ الْمُطْلَقُ، وَمَا بِهِ يَتَعَلَّقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أَيْ: لَا تُبَدِّلُوا مَخْلُوقَاتِهِ بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَنَحْوِهَا: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] أَيِ الْمُسْتَقِيمِ، فَلَا تَعْدِلُوا عَنِ الْجَادَّةِ إِلَى الطَّرِيقِ الزَّائِغَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] أَيْ: عَنْ طَرِيقِهِ الْحَقِيقِيِّ الْوَاصِلِ إِلَيْهِ، الْمَقْبُولِ لَدَيْهِ لِمَنْ أَرَادَ الْمِنَّةَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ضَلَالَةِ الْخَلَقِ وَغَوَايَتِهِمْ عَنِ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّهُمْ) أَيْ: عِبَادِي الْحُنَفَاءُ (أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ) ، أَيْ جَاءُوهُمْ بِالْوَسْوَسَةِ (فَاجْتَالَتْهُمْ) أَيْ: صَرَفَتْهُمْ وَسَاقَتْهُمْ مَائِلِينَ (عَنْ دِينِهِمْ) مِنِ اجْتَالَهُ أَيْ سَاقَهُ وَذَهَبَ بِهِ، وَقِيلَ: الِافْتِعَالُ بِهَا لِلْحَمْلِ عَلَى الْفِعْلِ، كَاخْتَطَبَ زَيْدٌ عُمَرَ أَيْ حَمَلَهُ عَلَى الْخُطْبَةِ، فَالْمَعْنَى: حَمَلَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَلَى جَوَلَانِهِمْ وَمَيَلَانِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ (وَحَرَّمَتْ) أَيْ: الشَّيَاطِينُ (عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ) أَيْ: مِنَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَتَوْضِيحُهُ مَا حَقَّقَهُ الْقَاضِي حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ حِكَايَةُ مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَوْحَى إِلَيْهِ فِي يَوْمِهِ هَذَا، وَالْمَعْنَى: مَا أَعْطَيْتُ عَبْدًا مِنْ مَالٍ فَهُوَ حَلَالٌ لَهُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ الْحَرَامُ رِزْقًا، لِأَنَّ كُلَّ رِزْقٍ سَاقَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عَبْدِهِ نَحَلَهُ وَأَعْطَاهُ، وَكُلُّ مَا نَحَلَهُ وَأَعْطَاهُ فَهُوَ حَلَالٌ، فَيَكُونُ كُلُّ رِزْقٍ رَزَقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ هُوَ حَلَالٌ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا لَيْسَ بِحَلَالٍ لَيْسَ بِرِزْقٍ ; لِأَنَّا نَقُولُ: الرِّزْقُ أَعَمُّ مِنَ الْإِعْطَاءِ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّمْلِيكَ، وَلِذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَعْطَتْهُ أَلْفًا بَانَتْ وَدَخَلَ الْأَلْفُ فِي مِلْكِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الرِّزْقُ، (وَأَمَرَتْهُمْ) أَيِ: الشَّيَاطِينُ لَهُمْ (أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا) أَيْ: إِشْرَاكًا أَوْ شَيْئًا (لَمْ أُنْزِلْ بِهِ) أَيْ: بِوُجُودِهِ (سُلْطَانًا) أَيْ: حُجَّةً وَبُرْهَانًا سُمِّيَتْ بِهِ لِتَسَلُّطِهِ عَلَى الْقُلُوبِ عِنْدَ هُجُومِ الْخَوَاطِرِ عَلَيْهَا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَالْمَعْنَى: مَا لَيْسَ عَلَى إِشْرَاكِهِ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ وَلَا نَقْلِيٌّ ; إِذْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَبَيَّنَهُ ،

стр. 7391

بَلِ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَالْقُرْآنُ مَشْحُونٌ بِالْأَدِلَّةِ عَلَى بُطْلَانِ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ تَعَالَى، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَفْعُولُ يُشْرِكُوا يُرِيدُ بِهِ الْأَصْنَامَ، وَسَائِرَ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَيْ: أَمَرَتْهُمْ بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ بِعِبَادَةِ مَا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِعِبَادَتِهِ، وَلَمْ يَنْصَبْ دَلِيلًا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا أَيْ: لَا إِنْزَالَ سُلْطَانٍ وَلَا شَرِيكَ عَلَى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ: عَلَى لَا حُبَّ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ أَيْ: لَا مَنَارَ وَلَا اهْتِدَاءَ بِهِ، وَقَوْلِهِ: وَلَا يَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ أَيْ: لَا ضَبَّ وَلَا انْحِجَارَ، نَفْيًا لِلْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، أَيِ: الْقَيْدُ وَالْمُقَيَّدُ، وَقِيلَ: هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، إِذْ لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُنْزِلَ بُرْهَانًا أَنْ يُشْرِكَ بِهِ غَيْرَهُ، (" وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ") أَيْ: رَآهُمْ وَوَجَدَهُمْ مُتَّفِقِينَ عَلَى الشِّرْكِ مُنْهَمِكِينَ فِي الضَّلَالَةِ (" فَمَقَتَهُمْ ") أَيْ: أَبْغَضَهُمْ (" عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ ") : بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَجَمِ غَيْرُ الْعَرَبِ، وَالْمَعْنَى أَبْغَضُهُمْ بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ وَخُبْثِ عَقِيدَتِهِمْ وَاتِّفَاقِهِمْ قَبْلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الشِّرْكِ، وَانْغِمَاسِهِمْ فِي الْكُفْرِ، قَوْمُ مُوسَى ﵇ كَفَرُوا بِعِيسَى، وَعَبَدُوا عُزَيْرًا، وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وَقَوْمُ عِيسَى ذَهَبُوا إِلَى التَّثْلِيثِ، أَوْ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، (" إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ") أَيْ: مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى تَبَرَّأُوا عَنِ الشِّرْكِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِ عِيسَى بَقُوا مُتَابَعَتَهُ إِلَى أَنْ آمَنُوا بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (" وَقَالَ ") أَيِ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّمَا بَعَثْتُكَ) أَيْ: أَرْسَلْتُكَ يَا مُحَمَّدُ (لِأَبْتَلِيَكَ) أَيْ: لِأَمْتَحِنَكَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى إِيذَاءِ قَوْمِكَ إِيَّاكَ (وَأَبْتَلِيَ بِكَ) أَيْ: قَوْمُكَ هَلْ يُؤْمِنُونَ بِكَ أَمْ يَكْفُرُونَ (وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا) أَيْ: عَظِيمًا، وَهُوَ الْقُرْآنُ (لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ) ، أَيْ: لَمْ نَكْتَفِ بِإِيدَاعِهِ الْكُتُبَ فَيَغْسِلُهُ الْمَاءُ، بَلْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا مَحْفُوظًا فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أَوِ الْمُرَادُ بِالْغَسْلِ النَّسَخُ، وَالْمَاءُ مَثَلٌ، أَيْ: لَا يَنْزِلُ بَعْدَهُ كِتَابٌ يَنْسَخُهُ، وَلَا نَزَلَ قَبْلَهُ كِتَابٌ يُبْطِلُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٢] . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: كِتَابًا مَحْفُوظًا فِي الْقُلُوبِ لَا يَضْمَحِلُّ بِغَسْلِ الْقَرَاطِيسِ، أَوْ كِتَابًا مُسْتَمِرًّا مُتَدَاوَلًا بَيْنَ النَّاسِ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ لَا يُنْسَخُ وَلَا يُنْسَى بِالْكُلِّيَّةِ، وَعَبَّرَ عَنْ إِبْطَالِ حُكْمِهِ، وَتَرْكِ قِرَاءَتِهِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ بِغَسْلِ أَوْرَاقِهِ بِالْمَاءِ، عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ، أَوْ كِتَابًا وَاضِحًا آيَاتُهُ، بَيِّنًا مُعْجِزَاتُهُ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلَا يَدْحَضُهُ شُبْهَةُ مُنَاظِرٍ، فَمِثْلُ الْإِبْطَالِ مَعْنَى بِالْإِبْطَالِ صُورَةً، وَقِيلَ: كُنِيَ بِهِ عَنْ غَزَارَةِ مَعْنَاهِ وَكَثْرَةِ جَدْوَاهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: مَالُ فُلَانٍ لَا يُفْنِيهِ الْمَاءُ أَوِ النَّارُ، وَقَوْلُهُ: (" تَقْرَؤُهُ ") أَيْ: أَنْتَ (نَائِمًا وَيَقْظَانَ) بِسُكُونِ الْقَافِ، وَالْمَعْنَى: يَصِيرُ لَكَ مِلْكَةً بِحَيْثُ يَحْضُرُ فِي ذِهْنِكَ وَتَلْتَفِتُ إِلَيْهِ نَفْسُكَ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ، فَلَا تَغْفُلُ عَنْهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ، وَقَدْ يُقَالُ لِلْقَادِرِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَاهِرِ بِهِ هُوَ يَفْعَلُهُ بِالْمَاءِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَخُلَاصَتُهُ: أَنَّهُ فِي قَلْبِكَ وَأَنْتَ نَائِمٌ، وَأَقُولُ: لَا احْتِيَاجَ إِلَى التَّأْوِيلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَلْبِهِ الْجَلِيلِ، لِأَنَّهُ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَقَدْ شُوهِدَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَ وَهُمْ نَائِمُونَ. وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا مَا حَكَى بَعْضُ الْمُرِيدِينَ أَنَّهُ وَشَيْخَهُ كَانَا يَتَدَارَسَانِ وَقْتَ السَّحَرِ فِي تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ عُشْرًا عُشْرًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَتَاهُ الْمُرِيدُ وَقْتَ السَّحَرِ عَلَى عَادَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ وِرْدَهُ، فَلَمَّا تَمَّ

стр. 7392

الْعُشْرَ سَمَعَ مِنَ الْقَبْرِ صَوْتَ شَيْخِهِ أَنَّهُ قَرَأَ عُشْرًا وَسَكَتَ، وَهَكَذَا كَانَ الْأَمْرُ مُسْتَمِرًّا، إِلَى أَنَّهُ حَكَى الْمُرِيدُ الْقَضِيَّةَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَوَقَعَ تَحْتَ حِجَابِهِ وَنَظِيرِهِ سَمَاعُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ صَوْتَ الْأَذَانِ مِنَ الضَّرِيحِ الْأَنْوَرِ أَيَّامَ فِتْنَةِ يَزِيدَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُعَظَّمَةِ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ إِلَّا سَعِيدًا، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ شَيْخٌ مَجْنُونٌ، (" وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ ") أَيْ: أَهْلِكَ (" قُرَيْشًا ") أَيْ: كُفَّارَهُمْ (" فَقُلْتُ: رَبِّ ") ! أَيْ: يَا رَبِّ (" إِذًا ") : بِالتَّنْوِينِ (يَثْلَغُوا) بِفَتْحِ اللَّامِ، أَيْ: يَشْدَخُوا وَيَكْسِرُوا (" رَأْسِي، فَيَدَعُوهُ ") بِفَتْحِ الدَّالِ، أَيْ: رَأْسِي (" خُبْزَةً ") أَيْ: فَيَتْرُكُوهُ بِالشَّدْخِ بَعْدَ الشَّكْلِ الْكُرَوِيِّ مُصَحَّفًا مِثْلَ خُبْزَةٍ (" قَالَ ") أَيْ: اللَّهُ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اسْتَخْرِجْهُمْ) أَيْ: قُرَيْشًا، وَالْمُرَادُ كُفَّارُهُمْ (كَمَا أَخْرَجُوكَ) أَيْ: كَإِخْرَاجِهِمْ إِيَّاكَ جَزَاءً وِفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْإِخْرَاجِينِ بَوْنٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّ إِخْرَاجَهُمْ إِيَّاهُ بِالْبَاطِلِ، وَإِخْرَاجَهُ إِيَّاهُمْ بِالْحَقِّ (وَاغْزُهُمْ) أَيْ: وَجَاهِدْهُمْ، فَالْوَاوُ بِمُطْلِقِ الْجَمْعِ، فَإِنَّ الْقِتَالَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِخْرَاجِ (نُغْزِكَ) بِضَمِّ النُّونِ مِنْ أَغْزَيْتَهُ إِذَا جَهَّزْتَهُ لِلْغَزْوِ وَهَيَّأْتَ لَهُ أَسْبَابَهُ (وَأَنْفِقْ) أَيْ: مَا فِي جُهْدِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (فَسَنُنْفِقُ عَلَيْكَ) أَيْ: نُخْلِفُ عَلَيْكَ بَدَلَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْأَخَرَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] وَفِيهِ وَعْدٌ وَتَسْلِيَةٌ (وَابْعَثْ) أَيْ: أَرْسِلْ أَنْتَ (جَيْشًا) أَيْ: كَبِيرًا وَصَغِيرًا (نَبْعَثْ خَمْسَةً) أَيْ: مِقْدَارَ خَمْسَةٍ (مِثْلَهُ) بِالنَّصْبِ، وَالْمَعْنَى: نَبْعَثُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ خَمْسَةَ أَمْثَالٍ تُعِينُهُمْ كَمَا فَعَلَ بِبَدْرٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ أَلْفًا وَالْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَمِائَةٍ (وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ) أَيْ: بِمَعُونَتِهِ أَوْ مَعَهُ (مَنْ عَصَاكَ) أَيْ: بِعَدَمِ الْإِيمَانِ بِكَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7393

٥٣٧٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي: " يَا بَنِي فِهْرٍ! يَا بَنِي عَدِيٍّ! " لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا فَقَالَ: " أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ " قَالُوا: نَعَمْ؟ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: " فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٌ شَدِيدٌ "، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ ! فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] .» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَادَى: " «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يَا صَبَاحَاهُ!» ". ــ ٥٣٧٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَهُوَ جَوَابُ لَمَّا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَصَعِدَ بِالْفَاءِ فَلَا وَجْهَ لَهُ، أَيْ: طَلَعَ (النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّفَا) وَهُوَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِمَكَّةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (فَجَعَلَ) أَيْ: فَشَرَعَ (النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَادِي) أَيْ: قَبَائِلَ الْعَرَبِ (يَا بَنِي فِهْرٍ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ: قَبِيلَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (يَا بَنِي عَدِيٍّ) وَهُمْ قَبِيلَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَيْضًا، عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، فَقَوْلُهُ: (لِبُطُونِ قُرَيْشٍ) فِيهِ إِشْكَالٌ ; إِذِ الْبَطْنُ دُونَ الْقَبِيلَةِ أَوْ دُونَ الْفَخِذِ وَفَوْقَ الْعِمَارَةِ، وَالْقَبِيلَةُ وَاحِدُ قَبَائِلِ الرَّأْسِ لِقَطَعِ الشُّعُوبِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ قَبَائِلُ الْعَرَبِ وَاحِدُهُمْ قَبِيلَةٌ، وَهُمْ بَنُو أَبٍ وَاحِدٍ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَبِيلَةَ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ، وَالْبَطْنَ بِمَنْزِلَةِ النَّوْعِ، وَالْفَخِذَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ، وَقَدْ يُسْتَعَارُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اللَّامُ فِيهِ بَيَانٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] كَأَنَّهُ قِيلَ لِمَنْ قِيلَ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ (حَتَّى اجْتَمَعُوا) أَيْ: مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَبَطْنٍ جُمِعَ (فَقَالَ: " أَرَأَيْتَكُمْ ") بِفَتْحِ التَّاءِ، وَيَجُوزُ تَحْقِيقُ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ وَتَسْهِيلُهَا وَإِبْدَالُهَا وَحَذْفُهَا، وَالْمَعْنَى: أَخْبِرُونِي، وَتَحْقِيقُهُ مَا ذَكَرَ الطِّيبِيُّ ﵀ مِنْ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمُتَّصِلَ الْمَرْفُوعَ مِنَ الْخِطَابِ الْعَامِّ، وَالضَّمِيرُ الثَّانِي لَا مَحَلَّ لَهُ وَهُوَ كَالْبَيَانِ لِلْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ الشَّائِعِ فِي الْمُخَاطَبِينَ، فَيَسْتَوِي فِيهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ، وَالْإِفْرَادُ وَالْجَمْعُ، فَإِذَا أُرِيدَ بَيَانُهُ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ بُيِّنَ بِهِ، فَأَتَى فِي الْحَدِيثِ بِعَلَامَةِ الْجَمْعِ بَيَانًا لِلْمُرَادِ، انْتَهَى. فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ فَإِنْ رَأَيْتُمْ فَأَعْلِمُونِي (لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا) أَيْ: جَيْشًا (بِالْوَادِي) أَيْ: نَزَلَ بِهِ، قَالَ شَارِحٌ: وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِقُرْبِ مَكَّةَ، وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْوَادِي الْمَشْهُورُ

стр. 7394

بِوَادِي فَاطِمَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ (تُرِيدُ) أَيِ: الْخَيْلُ (أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ) : مِنَ الْإِغَارَةِ، وَهِيَ النَّهْبُ وَالْبَيُّوتَةُ بِالْغَفْلَةِ يَعْنِي أَصْحَابَهَا عَلَى أَحَدِ الْمَجَازَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، (أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ) ؟ أَيْ مُصَدِّقِينَ لِي فِي قَوْلِي (قَالُوا: نَعَمْ) أَيْ: كُنَّا نُصَدِّقُكَ ; وَسَبَبُهُ أَنَّا فِي جَمِيعِ عُمْرِنَا (مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: ضُمِّنَ جَرَّبَ مَعْنَى الْإِلْقَاءِ وَعَدَّاهُ بِعَلَى أَيْ: مَا أَلْقَيْنَا عَلَيْكَ قَوْلًا مُجَرِّبِينَ لَكَ فِيهِ هَلْ تَكْذِبُ فِيهِ أَمْ لَا، مَا سَمِعْنَاهُ مِنْكَ إِلَّا صِدْقًا (قَالَ: " فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ") أَيْ: قَبْلَ نُزُولِ عَذَابٍ عَظِيمٍ وَعِقَابٍ أَلِيمٍ، وَالْمَعْنَى: أَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي يَنْزِلْ عَلَيْكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: بَيْنَ يَدَيْ ظَرْفٌ لِغَدٍ نَذِيرٌ، وَهُوَ بِمَعْنَى قُدَّامَ ; لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَكُونُ قُدَّامَ أَحَدٍ يَكُونُ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ الْمُسَامَتَتَيْنِ لِيَمِينِهِ وَشَمَالِهِ، وَفِيهِ تَمْثِيلٌ، مِثْلَ إِنْذَارِهِ الْقَوْمَ بِعَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى النَّازِلِ عَلَى الْقَوْمِ بِنَذِيرِ قَوْمٍ يَتَقَدَّمُ جَيْشَ الْعَدُوِّ فَيُنْذِرُهُمْ، (فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ) : مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ عَمُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (تَبًّا لَكَ) أَيْ: خُسْرَانًا وَهَلَاكًا، وَنَصْبُهُ بِعَامِلٍ مُضْمِرٍ، قَالَهُ الْقَاضِي، فَهُوَ إِمَّا نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَالْمَعْنَى: تَبَّ تَبًّا، أَوْ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ أَيْ: أَلْزَمَكَ اللَّهُ هَلَاكًا وَخُسْرَانًا وَأَلْزَمَ تَبًّا لَكَ (سَائِرَ الْيَوْمَ) أَيْ: وَبَاقِي الْأَوْقَاتِ أَوْ فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: مَنْ ذَهَبَ فِي " سَائِرِ " إِلَى الْبَقِيَّةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُصِيبٍ ; لِأَنَّ الْحَرْفَ مِنَ السَّيْرِ لَا مِنَ السُّورِ، وَفِي أَمْثَالِهِمْ فِي الْيَأْسِ مِنَ الْحَاجَةِ: أَسَائِرٌ الْيَوْمَ وَقَدْ زَالَ الظَّهْرُ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: السَّائِرُ مَهْمُوزٌ: الْبَاقِي، وَالنَّاسُ يَسْتَعْمِلُونَ فِي مَعْنَى الْجَمِيعِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي الْحَدِيثِ، وَكُلُّهَا بِمَعْنَى بَاقِي الشَّيْءِ، وَيَدُلُّ عَلَى تَصْحِيحِ مَا فِي النِّهَايَةِ مَا فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي بَابِ السِّينِ مَعَ الْهَمْزَةِ قَائِلًا: سَارَ الشَّارِبُ فِي الْإِنَاءِ سُورًا وَسُورَةً أَيْ: بَقِيَّةً، وَفَى الْمَثَلِ: أَسَائِرٌ الْيَوْمَ، وَقَدْ زَالَ الظَّهْرُ، انْتَهَى كَلَامُهُ، فَعَلَى هَذَا: الْمُرَادُ بِسَائِرِ الْيَوْمِ بَقِيَّةُ الْأَيَّامِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، فِي الْقَامُوسِ: السُّؤْرُ الْبَقِيَّةُ وَالْفَضْلَةُ، وَأَسْأَرَ أَبْقَاهُ كَسَأْرٍ كَمَنْعٍ وَالْفَاعِلُ فِيهَا سَائِرٌ وَالْقِيَاسُ مُسْئِرٌ، وَيَجُوزُ وَالسَّائِرُ الْبَاقِي لَا الْجَمِيعُ كَمَا تَوَهَّمَ جَمَاعَاتٌ، أَوْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَحْوَصِ: فَجَلَّتْهَا لَنَا لُبَابَةُ لَمَّا وَفَدَ الْقَوْمُ سَائِرَ وَضَافَ أَعْرَابِيُّ قَوْمًا فَأَمَرُوا الْجَارِيَةَ بِتَطْيِيبِهِ، فَقَالَ: بَطْنِي عَطِّرِي وَسَائِرِي ذَرِي. وَأُغِيرَ عَلَى قَوْمٍ فَاسْتَصْرَخُوا بَنِي عَمِّهِمْ فَأَبْطَأُوا عَنْهُمْ حَتَّى أُسِرُوا، وَذُهِبَ بِهِمْ، ثُمَّ جَاءُوا يَسْأَلُونَ عَنْهُمْ فَقَالَ لَهُمُ الْمَسْئُولُ: أَسَائِرٌ الْيَوْمَ وَقَدْ زَالَ الظَّهْرُ، أَيْ: تَطْمَعُونَ فِيمَا بَعْدَ وَقَدْ تَبَيِّنَ لَكُمُ الْيَأْسُ ; لِأَنَّ مَنْ كَانَتْ حَاجَتُهُ الْيَوْمَ بِأَسْرِهِ وَزَالَ الظَّهْرُ وَجَبَ أَنْ يَيْأَسَ مِنْهَا بِالْغُرُوبِ، (أَلِهَذَا) أَيْ: هَذَا الِاسْتِخْبَارُ وَالْإِخْبَارُ (جَمَعْتَنَا) ؟ أَيْ بِالْمُنَادَاةِ (فَنَزَلَتْ: تَبَتْ أَيْ هَلَكَتْ وَخَسِرَتْ ﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: نَفْسُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] أَيْ: بِأَنْفُسِكُمْ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمَا دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا خُصَّتَا لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: أَلِهَذَا دَعَوْتَنَا؟ أَخَذَ حَجَرًا لِيَرْمِيَهُ بِهِ فَنَزَلَتْ، إِنَّمَا كَنَّاهُ وَالْكُنْيَةُ تَكْرِمَةٌ لِاشْتِهَارِهِ بِكُنْيَتِهِ ; أَوْ لِأَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الْعُزَّى فَاسْتَكْرَهَ ذِكْرَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ كَانَتِ الْكُنْيَةُ أَوْفَقَ بِحَالِهِ، وَإِنْ كَانَ كُنِّيَ لِكَمَالِ جَمَالِهِ، وَقُرِئَ أَبُو لَهَبٍ كَمَا قِيلَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَصَرَ عَلَى الْوَاوِ فِي الْأَسْمَاءِ السِّتَّةِ، كَمَا قَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْأَلْفِ فِيهَا كَقَوْلِهِ: إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا، وَتَبَّ: إِخْبَارٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِلتَّأْكِيدِ، وَالتَّعْبِيرِ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، أَوِ الْأَوَّلُ دُعَاءٌ وَالثَّانِي إِخْبَارٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7395

(وَفَّى رِوَايَةٍ) قَالَ مِيرَكُ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ (نَادَى: " يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ") هُوَ أَخُو هَاشِمٍ وَعَبْدِ شَمْسٍ وَالْمُطَّلِبِ، وَمَنَافٌ صَنَمٌ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ، (إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ) أَيْ: بِعَيْنِهِ (فَانْطَلَقَ) أَيْ: ذَهَبَ مُسْرِعًا (" يَرْبَأُ ") بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْهَمْزَةِ أَيْ: يَحْفَظُ مِنَ الْعَدْوِ (" أَهْلَهُ ") أَيْ: قَوْمَهُ، وَيَرْقُبُهُمْ بِقِتَالِهِمْ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ. (" فَخَشِيَ ") أَيْ: الرَّجُلُ (" أَنْ يَسْبِقُوهُ ") أَيْ: يَسْبِقُ الْعَدُوُّ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَصِلُوا إِلَى الْقَوْمِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ (" فَجَعَلَ ") أَيْ: فَشَرَعَ (يَهْتِفُ) بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ: يَصِيحُ وَيُنَادِي مِنْ أَعْلَى جَبَلٍ، وَرُبَّمَا يَجْعَلُ ثَوْبَهُ عَلَى يَدِهِ، أَوْ عَلَى خَشَبٍ يَرْفَعُهُ لِزِيَادَةِ الْإِعْلَامِ، وَمِنْهُ النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، أَوْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ خُلُوِّهِ مِنَ الْعَرْضِ، أَوْ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ أُخِذَ وَسُلِبَ عَنْهُ ثَوْبُهُ وَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ كُلُّ أَحَدٍ يُصَدِّقُهُ فِي قَوْلِهِ: (" يَا صَبَاحَاهْ ") بِسُكُونِ الْهَاءِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْغَارَةُ غَالِبًا تَكُونُ فِي الصَّبَاحِ خُصَّتْ بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ فِي الْمَسَاءِ أَيْضًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، فَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِإِنْذَارِ أَمْرٍ مَخُوفٍ، وَالْمَعْنَى: يَا قَوْمِ احْذَرُوا الْإِغَارَةَ بِالذَّهَابِ قَبْلَ مَجِيءِ الْعَدُوِّ، فَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: احْذَرُوا عِقَابَ اللَّهِ بِالْإِيمَانِ قَبْلَ نُزُولِهِ.

стр. 7396

٥٣٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دَعَا النَّبِيُّ ﷺ قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: " يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ! أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ! لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ". الْفَصْلُ الثَّانِي ــ ٥٣٧٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُرَيْشًا) أَيْ قَبَائِلَهُ (فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النِّدَاءِ بِمَا ذَكَرَهُ (وَخَصَّ) ، ثُمَّ بَيَّنَ الرَّاوِي كَيْفِيَّةَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ بِقَوْلِهِ: (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ!) بِضَمِّ لَامٍ وَفَتْحِ هَمْزَةٍ، وَقَدْ يُبَدَّلُ وَاوًا فَتَحْتِيَّةً مُشَدَّدَةً، وَهُوَ ابْنُ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ (أَنْقِذُوا) بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَكَسْرِ قَافٍ أَيْ: خَلِّصُوا (" أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ ") بِضَمِّ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ أَيْ: أَبُو قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (" «أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مُنَافٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ! أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلَبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ! أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ» ") خَتَمَ بِهَا ; لِأَنَّهَا خُلَاصَةُ قَوْمِهَا، ثُمَّ عَمَّ فِي تَبْرِيءِ إِنْقَاذِهِ إِيَّاهُمْ مِنَ النَّارِ بِغَيْرِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ) أَيْ: لِجَمِيعِكُمْ عَامِّكُمْ وَخَاصِّكُمْ (" مِنَ اللَّهِ ") أَيْ: مِنْ عَذَابِهِ (" شَيْئًا ") أَيْ: مِنَ الْمُلْكِ وَالْقُدْرَةِ وَالدَّفْعِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَالْمَعْنَى أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أَدْفَعَ عَنْكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَكُمْ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ [الفتح: ١١] بَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] وَهَذَا التَّوْحِيدُ عَلَى وِفْقِ التَّفْرِيدِ، وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ قَدْ يَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ بِالشَّفَاعَةِ حَيْثُ يَشْفَعُ وَيُشَفَّعُ، لَكِنْ أَطْلَقَهُ تَرْهِيبًا لَهُمْ عَلَى الِاتِّكَالِ عَلَيْهِ وَتَرْغِيبًا لَهُمْ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي أَمْرِ زَادَ الْمَعَادَ، وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (" غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا ") أَيْ: قَرَابَةً (" سَأَبُلُّهَا ") بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَتَشْدِيدِ لَامٍ، أَيْ: سَأَصِلُهَا (" بِبِلَالِهَا ") بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُفْتَحُ، أَيْ: بِصِلَتِهَا وَبِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا،

стр. 7397

وَمُجْمَلُهُ أَنْ سَأَصِلُ تِلْكَ الْقَرَابَةَ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْأَقَارِبِ مِنَ الْإِحْسَانِ، وَدَفْعِ الظُّلْمِ وَالضُّرِّ عَنْهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَفِي النِّهَايَةِ: الْبِلَالُ جَمْعُ بَلَلٍ، وَالْعَرَبُ يُطْلِقُونَ النَّدَاوَةَ عَلَى الصِّلَةِ، كَمَا يُطْلَقُ الْيُبْسُ عَلَى الْقِطْعَةِ ; لِأَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ يَتَّصِلُ بِالنَّدَاوَةِ، وَيَحْصُلُ بَيْنَهَا التَّجَافِي وَالتَّفَرُّقُ بِالْيُبْسِ اسْتَعَارُوا الْبَلَلَ لِمَعْنَى الْوَصْلِ، وَالْيُبْسَ لِمَعْنَى الْقِطْعَةِ، وَالْمَعْنَى: أَصِلُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . (وَفَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ) : هَذَا مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ) ، أَيِ اعْتِقُوهَا وَخَلِّصُوهَا مِنَ النَّارِ بِالْإِيمَانِ وَتَرْكِ الْكُفْرَانِ وَبِالطَّاعَةِ لِمَا جِئْتُ بِهِ وَالِانْقِيَادِ لِمَا مَنَعْتُ مِنْهُ (لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أَيْ: لَا أُبْعِدُ مِنْكُمْ وَلَا أَدْفَعُ عَنْكُمْ شَيْئًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ: لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ") بِالنَّصْبِ فِيهِمَا، وَفَى نُسْخَةٍ بِرَفْعِ عَبَّاسٍ (" لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ ") بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلُهُ مِنْ أَلْفَاظِ النِّدَاءِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ التَّعْدَادِ، وَصْفِيَّةُ مَرْفُوعَةٌ، وَقَوْلُهُ: (" عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ") مَنْصُوبَةٌ (" لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ") وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي) كَذَا فِي نُسَخٍ مِنْ مَوْصُولَةٌ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَرَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَالِ الْمَعْرُوفِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِهِ عَمَّا يَمْلِكُهُ مِنَ الْأَمْرِ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا أَنَّهُ كَانَ ذَا مَالٍ لَا سِيَّمَا بِمَكَّةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْكَلِمَتَيْنِ أَعْنِي (مِنْ وَمَا) وَقَعَ الْفَصْلُ فِيهِمَا مِنْ بَعْضِ مَنْ لَمْ يُحَقِّقْهُ مِنَ الرُّوَاةِ فَكَتَبَهُمَا مُنْفَصِلَتَيْنِ، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] أَيْ بِمَالِ خَدِيجَةَ ﵂ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ، وَأَيْضًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ الْمَالِ الْحَاضِرِ لِلْجَوَادِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ فِي الِاسْتِقْبَالِ، فَيُحْمَلُ الْوَعْدُ الْمَذْكُورُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ لِتَصْحِيحِ الدِّرَايَةِ تَعَيَّنَ عَدَمُ التَّخْطِئَةِ فِي الرِّوَايَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (" لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ") .

стр. 7398

الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٣٧٤ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا: الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٣٧٤ - (عَنْ أَبِي مُوسَى) أَيِ: الْأَشْعَرِيُّ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُمَّتِي هَذِهِ ") أَيْ: أُمَّةُ الْإِجَابَةِ الْمَوْجُودَةُ ذِهْنًا الْمَعْهُودَةُ مَعْنًى، كَأَنَّهَا الْمَذْكُورَةُ حِسًّا (أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ) أَيْ: رَحْمَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ ; لِكَوْنِ نَبِيِّهِمْ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، بَلْ مُسَمًّى بِنَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ (لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ) أَيْ: شَدِيدٌ (فِي الْآخِرَةِ) بَلْ غَالِبُ عَذَابِهِمْ أَنَّهُمْ مَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِالْمِحَنِ، وَالْأَمْرَاضِ، وَأَنْوَاعِ الْبَلَايَا، كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَيُؤَيِّدُ قَوْلَهُ: (عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ) أَيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقِيلَ: الْحَدِيثُ خَاصٌّ بِجَمَاعَةٍ لَمْ تَأْتِ كَبِيرَةً، وَيُمْكِنْ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِلَى جَمَاعَةٍ خَاصَّةٍ مِنَ الْأُمَّةِ، وَهُمُ الْمُشَاهَدُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوِ الْمَشِيئَةُ مُقَدَّرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وَقَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا حَدِيثٌ مُشْكِلٌ ; لِأَنَّ مَفْهُومَهُ أَنْ لَا يُعَذَّبَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوَاءٌ فِيهِ مَنِ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ وَغَيْرُهُ، فَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِتَعْذِيبِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ الْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ هُنَا مَنِ اقْتَدَى بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَنْبَغِي، وَيَمْتَثِلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَاهُ.

стр. 7399

وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي مَدْحِ أُمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتِصَاصِهِمْ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأُمَمِ بِعِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحِمَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ إِنْ أُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى الشَّوْكَةُ يَشَاكُهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يُكَفِّرُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ ذَنْبًا مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ لِسَائِرِ الْأُمَمِ، وَيُؤَيِّدُهُ ذِكْرُ هَذِهِ وَتَعْقِيبُهَا بِقَوْلِهِ (مَرْحُومَةٌ) فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَزِيَّةِ تَمْيِيزِهِمْ بِعِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحِمَتِهِ، وَالذَّهَابُ إِلَى الْمَفْهُومِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ، وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ هِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنْ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا لَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ عِنْدَ أَرْبَابِ الْحَالِ أَنَّ رَحْمَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي أَنَّ جَمَاعَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ إِمَّا بِالشَّفَاعَةِ، وَإِمَّا بِعَفْوِ الْمَلِكِ الْغَفَّارِ، وَهَذَا مَنْطُوقُ الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَلْفَاظِهِ وَمَبْنَاهِ، وَلَيْسَ بِمَفْهُومِهِ الْمُتَعَارَفِ الْمُخْتَلِفِ فِي اعْتِبَارِهِ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلُهُ: أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ مَهْجُورٌ، بَلِ الْمُرَادُ بِمَفْهُومِهِ فِي كَلَامِ الْمُظْهِرِ الْمَعْلُومِ فِي الْعِبَارَةِ، ثُمَّ قَوْلِ الطِّيبِيِّ ﵀: وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ وَهِيَ كَفَّارَةُ الذُّنُوبِ بِالْبَلِيَّةِ لِسَائِرِ الْأُمَمِ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مُثْبِتٍ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا فُهِمَ مِنَ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ، إِلَى آخِرِهِ، فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّقْيِيدِ بِكَوْنِ وُقُوعِ عَذَابِهَا بِهَا غَالِبًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ. وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: " «أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ، إِنَّمَا عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ، وَالزَّلَازِلُ، وَالْقَتْلُ، وَالْبَلَايَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبِيهَقِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى عَنْ أَنَسٍ: «أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ مَغْفُورٌ لَهَا مُتَابٌ عَلَيْهَا» ، أَيْ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهَا وَلَا يَتْرُكُهَا مُصِرَّةً عَلَى الذُّنُوبِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ خَوَاصُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 7400

٥٣٧٥ - ٥٣٧٦ - وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ بَدَأَ نُبُوَّةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ مُلْكًا عَضُوضًا، ثُمَّ كَائِنٌ جَبْرِيَّةً وَعُتُوًّا وَفَسَادًا فِي الْأَرْضِ، يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْفُرُوجَ وَالْخُمُورَ، يُرْزَقُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيُنْصَرُونَ، حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) . ــ ٥٣٧٥ - ٥٣٧٦ - (وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ ") أَيْ: مَا بُعِثَ بِهِ مِنْ إِصْلَاحِ النَّاسِ دِينًا وَدُنْيَا وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ (" بَدَأَ ") بِالْأَلْفِ أَيْ: ظَهَرَ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالْهَمْزَةِ أَيْ: ابْتَدَأَ أَوَّلُ أَمْرِ الدِّينِ إِلَى آخِرِ زَمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَمَانِ نُزُولِ الْوَحْيِ وَالرَّحْمَةِ (نُبُوَّةً وَرَحْمَةً) نَصْبُهَا عَلَى التَّمْيِيزِ أَوِ الْحَالِ أَيْ: ذَا نُبُوَّةٍ وَرَحْمَةٍ كَامِلَةٍ، مِنْ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ عَلَى الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ (ثُمَّ يَكُونُ) أَيْ: أَمْرُ الدِّينِ (" خِلَافَةً ") أَيْ: نِيَابَةً عَنْ حَضْرَةِ النُّبُوَّةِ (وَرَحْمَةً) أَيْ: شَفَقَةً عَلَى الْأُمَّةِ بِطَرِيقِ كَمَالِ الْوِلَايَةِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِيَّةِ إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَانْقَضَتْ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَيَّامَ الْحَسَنِ، فَلَيْسَ لِمُعَاوِيَةَ نَصِيبٌ فِي الْخِلَافَةِ خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَهُ، (" ثُمَّ مُلْكًا عَضُوضًا ") بِفَتْحِ الْعَيْنِ فَعُولٌ لِلْمُبَالِغَةِ، مِنَ الْعَضِّ بِالسِّنِّ أَيْ: يُصِيبُ الرَّعِيَّةَ فِيهِ ظُلْمٌ يُعَضُّونَ فِيهِ عَضَّا، وَرَوَى بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعِ عَضٍّ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الْخَبِيثُ الشِّرِّيرُ أَيْ: يَكُونُ مُلُوكًا يَظْلِمُونَ النَّاسَ، وَيُؤْذُونَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَالِبِ إِذِ النَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ، فَلَا يُشَكُّ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ عَادِلًا حَتَّى سُمِّيَ عُمَرَ الثَّانِي، وَقَضَايَاهُ مَشْهُورَةٌ وَمَنَاقِبُهُ مَسْطُورَةٌ، (" ثُمَّ كَائِنَ ") أَيْ: ذَلِكَ الْأَمْرُ أَوْ ثُمَّ هَذَا الْأَمْرُ كَائِنٌ (" جَبْرِيَّةً ") بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ عَلَى النَّصْبِ أَيْ: قَهْرًا وَغَلَبَةً (وَعُتُوًّا) بِضَمَّتَيْنِ فَتَشْدِيدٍ أَيْ: تَكَبُّرًا (" وَفَسَادًا فِي الْأَرْضِ ") ، أَيْ فِي الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْعِظَامِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْعُدُولِ فِي الْكَلَامِ هُوَ الِاسْتِمْرَارُ وَالدَّوَامُ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، حَيْثُ اسْتَقَرَّتِ الْخِلَافَةُ فِي أَيْدِي الظَّلَمَةِ بِطَرِيقِ التَّسَلُّطِ وَالْغَلَبَةِ، مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ فِي زِيَادَةِ الظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي عَلَى الرَّعَايَا، وَالتَّحَكُّمِ عَلَيْهِمْ بِأَنْوَاعِ الْبَلَايَا وَأَصْنَافِ الرَّزَايَا ثَانِيًا، ثُمَّ فِي إِعْطَاءِ الْمَنَاصِبِ لِغَيْرِ أَرْبَابِهَا الْمُسْتَحِقِّ لَهَا، وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْعُلَمَاءِ

стр. 7401

الْعَامِلِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ الصَّالِحِينَ ثَالِثًا، ثُمَّ غَالِبُ سَلَاطِينِ زَمَانِنَا تَرَكُوا الْقِتَالَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَتَوَجَّهُوا إِلَى مُقَاتَلَةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَخْذِ الْبِلَادِ وَإِعْطَاءِ الْفَسَادِ ; وَلِذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: مَنْ قَالَ سُلْطَانُ زَمَانِنَا عَادَلٌ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَا أَقْبَحَ مَا صَدَرَ مِنْ بَعْضِ خَوَانِينِ الْأَزْبَكِ فِي زَمَانِنَا أَنَّهُ أَمَرَ بِالْقَتْلِ الْعَامِّ فِي بَلَدٍ عَظِيمٍ مِنْ بُلْدَانِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَشَايِخِ الْكِرَامِ، وَالسَّادَاتِ الْعِظَامِ، وَعُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَالنِّسَاءِ، وَالضُّعَفَاءِ، وَالْأَطْفَالِ، وَسَائِرِ الْمَرْضَى وَالْعُمْيَانِ، وَالْأَهْلِ وَالْعِيَالِ أُلُوفًا مُؤَلَّفَةً، وَصُنُوفًا مُؤْتَلِفَةً، وَالْحَالُ أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ وَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمُدَّعِي السَّلْطَنَةِ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَلَى تَعْظِيمِ الْعِلْمِ وَالشَّرِيعَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَوْ فَتَحُوا قَلْعَةً مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَيُوجَدُ فِيهِمْ أُلُوفٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، لَكِنْ فِيهِمْ ذِمِّيٌّ وَاحِدٌ مَجْهُولُ الْعَيْنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، لَا يَحِلُّ قَتْلُ الْعَامِّ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، أَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، هَذَا وَقَدْ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، حَتَّى فِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مِمَّا لَمْ يُمْكِنْ ذِكْرُهُ، وَمِمَّا لَمْ يُتَصَوَّرْ فِكْرُهُ، وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ وَنَاصِرُ نَبِيِّهِ، وَكُلُّ عَامٍ بَلْ كُلُّ يَوْمٍ بَلْ كُلُّ سَاعَةٍ شَرٌّ مِمَّا قَبْلَهُ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْفُرُوجَ وَالْخُمُورَ) أَيْ بِأَنْوَاعِهَا كَمَا سَبَقَ، (يُرْزَقُونَ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَيُرْزَقُونَ، أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ، (عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِحْلَالِ وَسَائِرِ قَبَائِحِ الْأَفْعَالِ، (وَيُنْصَرُونَ) أَيْ: عَلَى مَقَاصِدِهِمْ مِنَ الْأَعْمَالِ لِحِكْمَةٍ عَجَزَتْ عَنْ إِدْرَاكِهَا أَرْبَابُ الْكَمَالِ (" حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ ") . إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] . (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") . قُلْتُ: وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَهُ فِي كِتَابِهِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.

стр. 7402

٥٣٧٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُكْفَأُ " - قَالَ زَيْدُ بْنُ يَحْيَى الرَّاوِيُّ: يَعْنِي الْإِسْلَامَ - " كَمَا يُكْفَأُ الْإِنَاءُ " يَعْنِي الْخَمْرَ، قِيلَ: فَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا مَا بَيَّنَ؟ قَالَ: " يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا فَيَسْتَحِلُّونَهَا» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٥٣٧٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " إِنَّ أَوَّلَ مَا يُكْفَأُ ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَهْمُوزًا مِنْ كَفَأْتُ الْإِنَاءَ أَيْ: قَلَبَتُهُ وَأَمَلْتُهُ وَكَبَيْتُهُ ; لِإِفْرَاغِ مَا فِيهِ، قِيلَ: إِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَدَّثُ فِي الْخَمْرِ ; فَقَالَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِهِ: إِنَّ أَوَّلَ إِلَى آخِرِهِ، فَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيِ: الْخَمْرُ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِمَا بَعْدَهُ مِنْ نَقْلِ الْمُؤَلِّفِ (- قَالَ زَيْدُ بْنُ يَحْيَى الرَّاوِيُّ) أَيْ: أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ (يَعْنِي الْإِسْلَامَ -) : فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُ تَقْدِيرُ الْخَبَرِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ: أَوَّلُ مَا يَتَغَيَّرُ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ الِانْقِيَادُ الظَّاهِرُ الْمُتَعَلِّقُ بِارْتِكَابِ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَمَّاتِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (كَمَا يُكْفَأُ الْإِنَاءُ) أَيْ: مَا فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ الرَّاوِيُّ: (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: الْإِنَاءُ (الْخَمْرُ)

стр. 7403

إِمَّا عَلَى مَجَازِ الْحَذْفِ أَيْ مَظْرُوفِ الْإِنَاءِ، وَإِمَّا عَلَى ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِ، كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، لَكِنْ يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ: (قِيلَ: فَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ!) أَيْ: يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى: فَكَيْفَ الْحَالُ فِي انْقِلَابِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَتِبْيَانِ الْحَلَالِ فِي الْحَرَامِ (وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا) أَيْ: فِي الْخَمْرِ مَثَلًا (مَا بَيَّنَ؟) أَيْ: مِنْ تَحْرِيمِهَا، (قَالَ: " يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا ") أَيْ: يُسَمُّونَهَا بَاسِمِ النَّبِيذِ وَالْمُثَلَّثِ (فَيَسْتَحِلُّونَهَا) أَيْ: حَقِيقَةً ; فَيَصِيرُونَ كَفَرَةً، أَوْ فَيُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَ شَيْئًا حَلَالًا ; فَيَكُونُونَ فَسَقَةً مَكَرَةً، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: يَعْنِي أَنَّهُمْ يَسْتَتِرُونَ بِمَا أُبِيحَ لَهُمْ مِنَ الْأَنْبِذَةِ ; فَيَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إِلَى اسْتِحْلَالِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ حَلِّ الْمَرَامِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: خَبَرُ أَنَّ مَحْذُوفٌ وَهُوَ الْخَمْرُ، وَالْكَافُ فِي كَمَا يُكْفَأُ: صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، يَعْنَى: أَوَّلُ مَا يُكْفَأُ مِنَ الْإِسْلَامِ إِكْفَاءٌ مِثْلُ إِكْفَاءِ مَا فِي الْإِنَاءِ، انْتَهَى. وَأَفَادَ أَنَّ التَّقْدِيرَ: مِنَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ مِنْ تَبْعِيضِيةٌ سَاقِطَةٌ مِنَ الْكَلَامِ أَيْ: مِنْ أَحْكَامِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُكْفَأُ: يُقْلَبُ وَيُمَالُ، وَيُقَالُ كَفَأْتُ الْقِدْرَ إِذَا قَلَبْتُهَا لِيَنْصَبَّ عَنْهَا مَا فِيهَا، وَالْمُرَادُ بِهِ الشُّرْبُ هَاهُنَا، فَإِنَّ الشَّارِبَ يَكْفَأُ الْقَدَحَ عِنْدَ الشُّرْبِ، وَقَوْلُ الرَّاوِي: يَعْنِي الْإِسْلَامَ يُرِيدُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَسَقَطَ عَنْهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ أَوَّلَ مَا يُشْرَبُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَيُجْتَرَأُ عَلَى شُرْبِهِ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا يُشْرَبُ الْمَاءُ وَيُجْتَرَأُ عَلَيْهِ الْخَمْرُ، وَيُؤَوِّلُونَ فِي تَحْلِيلِهَا بِأَنْ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا: كَالنَّبِيذِ وَالْمُثَلَّثِ، انْتَهَى ; فَيُفِيدُ أَنَّ النَّبِيذَ وَالْمُثَلَّثَ حَلَالَانِ، وَأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ اسْمِ شَيْءٍ عَلَيْهِ، كَمَا يُسَمَّى الزِّنْجِيُّ بِالْكَافُورِ، فَلَا يَصِحُّ اسْتِدْلَالُ مَنْ تَوَهَّمَ حُرْمَةَ الْقَهْوَةِ الْمُحْدَثَةِ بِأَنَّهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ، وَلَا بِأَنَّهَا تُشْرَبُ عَلَى هَيْئَةِ أَهْلِ الشُّرْبِ ; لِأَنَّا نَقُولُ: لَا خُصُوصِيَّةَ حِينَئِذٍ بِالْقَهْوَةِ، فَإِنَّ اللَّبَنَ وَالْمَاءَ وَمَاءَ الْوَرْدِ كَذَلِكَ، عَلَى أَنَّ الشُّرْبَ الْمُتَعَارَفَ فِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَغَيْرِهَا لَيْسَ عَلَى مِنْوَالِ شُرْبِ الْفَسَقَةِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الزَّبَادِيَّ الْمُتَعَدِّدَةَ وَشُرْبَ جَمَاعَةٍ فِي حَالَةٍ مُتَّحِدَةٍ ; وَبِهَذَا تَزُولُ الْمُشَابَهَةُ وَتَرْتَفِعُ الشُّبْهَةُ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَتِهَا مَا نَصَّ اللَّهُ فِي كَلَامِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ مَا لَمْ يَصْرِفْ عَنْهَا دَلِيلٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، أَوِ الْقِيَاسِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) . وَرَوَى أَحْمَدُ عَنِ الضِّيَاءِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: " «لَتَسْتَحِلَّنَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ» ".

стр. 7404

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٣٧٨ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ "، ثُمَّ سَكَتَ» ، قَالَ حَبِيبٌ: فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبْتُ إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ أُذَكِّرُهُ إِيَّاهُ، وَقُلْتُ: أَرْجُو أَنْ تَكُونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْمُلْكِ الْعَاضِّ وَالْجَبْرِيَّةِ، فَسُرَّ بِهِ وَأَعْجَبَهُ، يَعْنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) . ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٣٧٨ - (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) : لَهُ وَلِأَبَوَيْهِ صُحْبَةٌ، (عَنْ حُذَيْفَةَ) أَيْ: صَاحِبُ أَسْرَارِ النُّبُوَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَكُونُ النُّبُوَّةُ ") : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ " تَكُونُ " تَامَّةٌ أَيْ

стр. 7405

تُوجَدُ وَتَقَعُ (" فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ ") بِالرَّفْعِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ " تَكُونُ " نَاقِصَةٌ وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا، وَالْمَعْنَى: ثُمَّ تَنْقَلِبُ النُّبُوَّةُ خِلَافَةً، أَوْ تَكُونُ الْحُكُومَةُ أَوِ الْإِمَارَةُ خِلَافَةً، أَيْ: بِنِيَابَةٍ حَقِيقِيَّةٍ (" عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ") أَيْ: طَرِيقَتُهَا الصُّورِيَّةُ وَالْمَعْنَوِيَّةُ (مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ) أَيِ: الْخِلَافَةُ وَهِيَ ثَلَاثُونَ سَنَةً عَلَى مَا وَرَدَ. (ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا) أَيْ: يَعَضُّ بَعْضُ أَهْلِهِ بَعْضًا، كَعَضِّ الْكِلَابِ (" فَيَكُونُ ") أَيِ: الْمُلْكُ، أَيِ: الْأَمْرُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ (مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ: تِلْكَ الْحَالَةَ (ثُمَّ تَكُونُ) أَيِ: الْحُكُومَةُ (مُلْكًا جَبْرِيَّةً) أَيْ: جَبْرُوتِيةٌ وَسُلْطَةٌ عَظَمُوتِيةٌ (فَيَكُونُ) أَيِ: الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ (" مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى) أَيِ: الْجَبْرِيَّةَ، (" ثُمَّ تَكُونُ ") أَيْ: تَنْقَلِبُ وَتَصِيرُ (" خِلَافَةً ") وَفَى نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، أَيْ: تَقَعُ وَتَحْدُثُ خِلَافَةٌ كَامِلَةٌ (" عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ ") أَيْ: مِنْ كَمَالِ عَدَالَةٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا: زَمَنُ عِيسَى ﵊ وَالْمَهْدِيِّ ﵀. (ثُمَّ سَكَتَ) أَيِ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (قَالَ حَبِيبٌ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ حَبِيبُ بْنُ سَالِمٍ، مَوْلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَكَاتِبُهُ، رُوِيَ عَنْهُ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ وَغَيْرِهِ، (فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) أَيْ: بِأَمْرِ الْخِلَافَةِ، (كَتَبْتُ إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ أُذَكِّرُهُ إِيَّاهُ) بِتَشْدِيدِ الْكَافِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِمَعْنَى: الْمَوْعِظَةُ (وَقُلْتُ: أَرْجُو أَنْ تَكُونَ) أَيْ: أَنْتَ أَوِ الْخَلِيفَةُ (أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْغَيْبَةِ، أَيْ: يَكُونُ الْمَوْعُودُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ " خَبَرُ يَكُونُ، وَقَوْلُهُ: (بَعْدَ الْمُلْكِ الْعَاضِّ وَالْجَبْرِيَّةِ) : ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ عَلَى تَأْوِيلِ الْحَاكِمِ الْعَادِلِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: ٣] أَيْ: مَعْبُودٌ فِيهَا. قُلْتُ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالتَّذْكِيرِ فِي يَكُونُ، وَبِالرَّفْعِ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: بَعْدَ الْمُلْكِ ظَرْفًا وَاقِعًا خَبَرًا لِيَكُونَ، (فَسُرَّ) بِضَمِّ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: فَرِحَ (بِهِ) أَيْ: بِهَذَا الْحَدِيثِ ; رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِي حَقِّهِ، (وَأَعْجَبَهُ) : عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ الْقَائِلُ بِالضَّمِيرَيْنِ (عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ) أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ") . وَفِي الْجَامِعِ: يَكُونُ أُمَرَاءُ يَقُولُونَ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، يَتَهَافَتُونَ فِي النَّارِ، يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا: ( «يَكُونُ لِأَصْحَابِي زَلَّةٌ يَغْفِرُهَا اللَّهُ تَعَالَى لِسَابِقَتِهِمْ مَعِي» ) .

стр. 7406

[كِتَابُ الْفِتَنِ]

стр. 7407

[٢٦] كِتَابُ الْفِتَنِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٣٧٩ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ، قَدْ نَسِيتُهُ، فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٢٦] كِتَابُ الْفِتَنِ الْفِتَنُ: جَمْعُ الْفِتْنَةِ، وَهِيَ: الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ بِالْبَلِيَّةِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٣٧٩ - (عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَامَ) أَيْ: خَطِيبًا أَوْ وَاعِظًا (فِينَا) أَيْ: فِيمَا بَيْنَنَا، أَوْ لِأَجْلِ أَنْ يَعِظَنَا وَيُخْبِرَنَا بِمَا سَيَظْهَرُ مِنَ الْفِتَنِ ; لِنَكُونَ عَلَى حَذَرٍ مِنْهَا فِي كُلِّ الزَّمَنِ (رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَامًا) : إِمَّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أَوِ اسْمُ مَكَانٍ، وَقِيلَ: اسْمُ زَمَانٍ، وَالْجُمْلَةُ الْمَنْفِيَّةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: (مَا تَرَكَ شَيْئًا) إِلَخْ: صِفَةٌ، وَقَوْلُهُ (يَكُونُ) بِمَعْنَى: يُوجَدُ صِفَةُ " شَيْئًا "، وَقَوْلُهُ: (فِي مَقَامِهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِتَرَكَ، وَوُضِعَ " مَقَامِهِ " مَوْضِعَ ضَمِيرِ الْمَوْصُوفِ، وَقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) : صِفَةُ " مَقَامِهِ "، إِشَارَةٌ إِلَى زَمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُهُ: (إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) : غَايَةٌ لِيَكُونَ، وَالْمَعْنَى: قَامَ مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَحْدُثُ فِيهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَ بِمَا يَظْهَرُ مِنَ الْفِتَنِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ (إِلَّا حَدَّثَ بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْكَائِنِ (حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ) ، أَيِ: الْمُحَدَّثُ بِهِ (وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ) أَيْ: هَذَا الْقِيَامَ، أَوْ هَذَا الْكَلَامَ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ (أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ) ، أَيِ: الْمَوْجُودُونَ فِي جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَعْلَمُونَهُ مُفَصَّلًا لَمَّا وَقَعَ لَهُمْ بَعْضُ النِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْإِنْسَانِ، وَأَنَا الْآخَرُ مِمَّنْ نَسِيَ بَعْضَهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الضَّمِيرَ لِقَوْلِهِ شَيْئًا (لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ) صِفَةُ الشَّيْءِ، وَاللَّامُ فِيهِ زَائِدَةٌ، وَاللَّامُ فِي " لَيَكُونُ " مَفْتُوحَةٌ عَلَى أَنَّهُ جَوَابٌ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ، وَالْمَعْنَى: لَيَقَعُ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ نَسِيتُهُ، (فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ) أَيْ: فَإِذَا عَايَنْتُهُ تَذَكَّرْتُ مَا نَسِيتُهُ، وَالْعُدُولُ مِنَ الْمُضِيِّ إِلَى الْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ حِكَايَةِ الْحَالِ، ثُمَّ شَبَّهَ الْمَوْصُوفَ بِالْمُعَايَنِ، فَقَالَ: (كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ) ، أَيْ: ثُمَّ يَنْسَاهُ (ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7408

٥٣٨٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نَكَتَتْ فِيهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ لَهُ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى يَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: أَبْيَضُ مِثْلُ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مِرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجْخِيًّا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٣٨٠ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ حُذَيْفَةَ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " تُعْرَضُ ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: تُوضَعُ وَتُبْسَطُ (" الْفِتَنُ ") أَيِ: الْبَلَايَا وَالْمِحَنُ، وَقِيلَ: الْعَقَائِدُ الْفَاسِدَةُ وَالْأَهْوَاءُ الْكَاسِدَةُ (" عَلَى الْقُلُوبِ ") ، وَقِيلَ: تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَيْ يَظْهَرُ لَهَا وَيَعْرِفُ مَا يَقْبَلُ مِنْهَا وَمَا يَأْبَاهُ وَيَنْفِرُ مِنْهَا، مِنْ عَرْضِ الْعُودِ عَلَى الْإِنَاءِ إِذَا وَضَعَهُ عَلَيْهِ بِعَرْضِهِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ عَرْضِ الْجُنْدِ بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطَانِ لِإِظْهَارِهِمْ وَاخْتِبَارِ أَحْوَالِهِمْ (" كَالْحَصِيرِ ") أَيْ: كَمَا يُبْسَطُ الْحَصِيرُ (عُودًا عُودًا) بِضَمِّ عَيْنٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ، وَنَصْبُهُمَا عَلَى الْحَالِ أَيْ: يُنْسَجُ الْحَصِيرُ حَالَ كَوْنِهِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: قَدْ رُوِيَ بِالرَّفْعِ، وَكَذَا نَرْوِيهِ عَنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ، وَالتَّقْدِيرُ: هُوَ عُودٌ عُودٌ، وَرَوَاهُ آخَرُونَ بِالنَّصْبِ، انْتَهَى. فَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ، أَوِ التَّقْدِيرُ يُنْسَجُ عُودٌ عُودٌ، فَهُوَ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ: عَوْذًا عَوْذًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ عَوْذًا بَعْدَ عَوْذٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هَذَانِ الْحَرْفَانِ مِمَّا اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَظْهَرُهَا وَأَشْهَرُهَا: ضَمُّ الْعَيْنِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَالثَّانِي: فَتْحُ الْعَيْنِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا، وَالثَّالِثُ: فَتْحُ الْعَيْنِ وَالدَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَمَعْنَى تُعْرَضُ، أَيْ: تُلْصَقُ بِعَرْضِ الْقُلُوبِ، أَيْ: جَانِبِهَا، كَمَا تُلْصَقُ الْحَصِيرُ بِجَنْبِ النَّائِمِ وَتُؤَثِّرُ فِيهِ بِشِدَّةِ الْتِصَاقِهَا، وَمَعْنَى عُودًا عُودًا،

стр. 7409

أَيْ: يُعَادُ وَيُكَرَّرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ ﵀: وَمَنْ رَوَاهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهُ سُؤَالُ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهَا، كَمَا يُقَالُ: غُفْرًا غُفْرًا أَيْ: نَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنَا مِنْ ذَلِكَ وَأَنْ تَغْفِرَ لَنَا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ: تَظْهَرُ عَلَى الْقُلُوبِ أَيْ تَظْهَرُ بِهَا فِتْنَةٌ بَعْدَ أُخْرَى، كَمَا يُنْسَجُ الْحَصِيرُ عُودًا عُودًا وَشَطِّيَّةً بَعْدَ أُخْرَى. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَعَلَى هَذَا تَتَوَجَّهُ رِوَايَةُ الْعَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ نَاسِجَ الْحَصِيرِ عِنْدَ الْعَرَبِ كُلَّمَا صَنَعَ عُودًا أَخَذَ آخَرَ وَنَسَجَهُ، فَشُبِّهَ عَرْضُ الْفِتَنِ عَلَى الْقُلُوبِ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى بِعَرْضِ قُضْبَانِ الْحَصِيرِ عَلَى صَانِعِهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، انْتَهَى. فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ (فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، يُقَالُ: أُشْرِبَ فِي قَلْبِهِ حُبَّهُ أَيْ: خَالَطَهُ، فَالْمَعْنَى: خَالَطَ الْفِتَنَ وَاخْتَلَطَ بِهَا، وَدَخَلَتْ فِيهِ دُخُولًا تَامًّا، وَلَزِمَهَا لُزُومًا كَامِلًا، وَحَلَّتْ مِنْهُ مَحَلَّ الشَّرَابِ فِي نُفُوذِ الْمَسَامِّ وَتَنْفِيذِ الْمَرَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] أَيْ: حُبُّ الْعِجْلِ، وَالْإِشْرَابُ: خَلْطُ لَوْنٍ بِلَوْنٍ كَأَنَّ أَحَدَ اللَّوْنَيْنِ شَرِبَ الْآخَرَ، وَكُسِيَ لَوْنًا آخَرَ، فَالْمَعْنَى: جُعِلَ مُتَأَثِّرًا بِالْفِتَنِ بِحَيْثُ يَتَدَاخَلُ فِيهِ حُبُّهَا كَمَا يَتَدَاخَلُ الصَّبْغُ الثَّوْبَ، (" نُكِتَتْ ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: نُقِطَتْ وَأَثَّرَتْ، (" فِيهِ ") أَيْ: فِي قَلْبِهِ (" نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ") ، وَأَصْلُ النَّكْتِ ضَرْبُ الْأَرْضِ بِقَضِيبٍ فَيُؤَثِّرُ فِيهَا، (" وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا ") أَيْ: رَدَّ الْفِتَنَ وَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا (" نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ ") أَيْ: إِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ ابْتِدَاءً وَإِلَّا فَمَعْنَى نُكِتَتْ أُثْبِتَتْ فِيهِ وَدَامَتْ وَاسْتَمَرَّتْ (" حَتَّى ") : غَايَةٌ لِلْأَمْرَيْنِ (" تَصِيرَ ") بِالْفَوْقِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّحْتِيَّةِ، أَيْ: تَصِيرُ قُلُوبُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، أَوْ يَصِيرُ الْإِنْسَانُ بِاعْتِبَارِ قَلْبِهِ أَوْ يَصِيرُ قَلْبُهُ (" عَلَى قَلْبَيْنِ ") أَيْ: نَوْعَيْنِ أَوْ صِنْفَيْنِ (" أَبْيَضُ ") بِالرَّفْعِ، أَيْ: أَحَدُهُمَا أَبْيَضُ (" مِثْلُ الصَّفَا ") بِالْقَصْرِ أَيْ: مِثْلُ الْحَجَرِ الْمَرْمَرِ الْأَمْلَسِ مِنْ غَايَةِ الْبَيَاضِ وَالصَّفَا، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِمَا عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ بَدَلُ الْبَعْضِ مِنْ قَلْبَيْنِ، وَالثَّانِي عَلَى الْحَالِ مِنْهُ، أَيْ: مُمَاثِلًا وَمُشَابِهًا لِلصَّفَا فِي النُّورِ وَالْبَهَاءِ، (" فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ") وَظُلْمَةٌ وَبَلِيَّةٌ (مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) ; لِأَنَّهَا قُلُوبٌ صَافِيَةٌ قَدْ أَنْكَرَتْ تِلْكَ الْفِتَنَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ، فَحَفِظَهَا عَنْهَا بَعْدَ تِلْكَ السَّاعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، (وَالْآخَرُ) بِالرَّفْعِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" أَسْوَدَ مِرْبَادًّا ") بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ: مِنِ ارْبَادَّ كَاحْمَارَّ، أَيْ صَارَ كَلَوْنِ الرَّ مَادِ، مِنَ الرُّبْدَةِ لَوْنٌ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْغَبَرَةِ، وَهُوَ حَالٌ أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى الذَّمِّ، (كَالْكُوزِ) ، أَيْ: يُشْبِهُ الْآخَرُ الْكُوزَ حَالَ كُوخٍ (" مُجْخِيًّا ") بِضَمِّ مِيمٍ وَسُكُونِ جِيمٍ وَخَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَيَاءٍ آخِرَ الْحُرُوفِ مُشَدَّدَةٍ وَقَدْ تُخَفَّفُ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَرُوِيَ بِتَقْدِيمِ الْخَاءِ عَلَى الْجِيمِ أَيْ مَائِلًا مَنْكُوسًا، مُشَبِّهًا مَنْ هُوَ خَالٍ مِنَ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ بِكُوزٍ مَائِلٍ لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ وَلَا يَسْتَقِرُّ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (" لَا يَعْرِفُ ") أَيْ: هَذَا الْقَلْبُ (" مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا) ، وَالْمَعْنَى: لَا يَبْقَى فِيهِ عِرْفَانُ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَلَا إِنْكَارُ مَا هُوَ مُنْكَرٌ (" إِلَّا مَا أُشْرِبَ ") أَيِ: الْقَلْبُ (" مِنْ هَوَاهِ ") ، أَيْ: فَيَتْبَعُهُ طَبْعًا مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ كَوْنِهِ مَعْرُوفًا أَوْ مُنْكَرًا شَرْعًا. هَذَا مُجْمَلُ الْكَلَامِ، وَتَفْصِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ شُرَّاحُ الْكَنْزِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَيْ حَتَّى يَصِيرَ جِنْسُ الْإِنْسِ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ ذُو قَلْبٍ أَبِيٍّ كَالصَّفَا، وَذُو قَلْبٍ أَسْوَدَ مُرْبَدًّا. قَالَ الْمُظْهِرُ: الضَّمِيرُ فِي يَصِيرُ لِلْقُلُوبِ أَيْ: تَصِيرُ الْقُلُوبُ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَبْيَضُ، وَثَانِيهُمَا: أَسْوَدُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: الصَّفَا: الْحِجَارَةُ الصَّافِيَةُ الْمَلْسَاءُ، وَأُرِيدَ بِهِ هُنَا النَّوْعُ الَّذِي صَفَا بَيَاضُهُ، وَعَلَيْهِ نَبَّهَ لِقَوْلِهِ أَبْيَضُ، وَإِنَّمَا ضُرِبَ الْمَثَلُ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَحْجَارَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَعْدِنِيَّةً لَمْ تَتَغَيَّرْ بِطُولِ الزَّمَانِ، وَلَمْ يَدْخُلْهَا لَوْنٌ آخَرُ، لَا سِيَّمَا النَّوْعَ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ فَإِنَّهُ أَبَدًا عَلَى الْبَيَاضِ الْخَالِصِ الَّذِي لَا يَشُوبُهُ كَدَرَةٌ، وَإِنَّمَا وَصَفَ الْقَلْبَ بِالرُّبْدَةِ ; لِأَنَّهُ أَنْكَرَ مَا يُوجَدُ مِنَ السَّوَادِ، بِخِلَافِ مَا يَشُوبُهُ صَفَاءٌ وَتَعْلُوهُ طَرَاوَةٌ مِنَ النَّوْعِ الْخَالِصِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ تَشْبِيهُهُ بِالصَّفَا بَيَانًا لِبَيَاضِهِ، لَكِنَّهُ صِفَةٌ أُخْرَى ; لِشِدَّتِهِ عَلَى عَقْدِ الْإِيمَانِ وَسَلَامَتِهِ مِنَ الْخَلَلِ، وَأَنَّ الْفِتَنَ لَمْ تَلْتَصِقْ بِهِ وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ كَالصَّفَا، وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَمْلَسُ الَّذِي لَا يُعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: مِرْبَادًّا فَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا، وَأُصُولِ بِلَادِنَا، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ خِلَافًا فِي ضَبْطِهِ ; فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى (مِرْبَئِدٍّ) بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الْبَاءِ، وَأَصْلُهُ أَنْ لَا يُهْمَزَ، وَيَكُونُ مُرْبَدًّا مِثْلَ مُسْوَدًّا وَمُحْمَرًّا ; لِأَنَّهُ مِنْ أَرْبَدَ، إِلَّا عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ احْمَأَرَّ بِهَمْزٍ بَعْدَ الْمِيمِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، فَيُقَالُ: ارْبَأَدَّ فَهُوَ مُرْبَئِدٌّ وَالدَّالُ مُشَدَّدَةٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: قَوْلُهُ: إِلَّا مَا أُشْرِبَ يَعْنِي: لَا يَعْرِفُ الْقَلْبُ إِلَّا مَا قِيلَ مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ الْفَاسِدَةِ وَالشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ الذَّمِّ بِمَا يُشْبِهُ الْمَدْحَ، أَيْ: لَيْسَ فِي خَيْرٍ الْبَتَّةِ إِلَّا هَذَا، وَهَذَا لَيْسَ بِخَبَرٍ ; فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ خَيْرٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7410

٥٣٨١ - وَعَنْهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ: حَدَّثَنَا: " «إِنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ» ". وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: " «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ ; فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلُ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ ; فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ، فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا أَظْرَفَهُ! وَمَا أَجْلَدُهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٣٨١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ حُذَيْفَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثَيْنِ) ، أَيْ: فِي أَمْرِ الْأَمَانَةِ الْحَادِثَةِ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ ; وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ ذِكْرِهَا فِي الْبَابِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْأَوَّلُ: حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ، إِلَى آخِرِهِ، وَالثَّانِي: حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا (رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا) : وَهُوَ نُزُولُ الْأَمَانَةِ (وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ) : وَهُوَ رَفْعُ الْأَمَانَةِ (حَدَّثَنَا) : وَهُوَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ (" إِنَّ الْأَمَانَةَ ") : وَهِيَ الْإِيمَانُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وَعَبَّرَ عَنْهُ بِهَا لِأَنَّهَا مَدَارُ أَمْرِ الدِّيَانَةِ (" نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ") بِفَتْحِ الْجِيمِ وَيُكْسَرُ أَيْ: أَصْلِ قُلُوبِهِمْ، قَالَ شَارِحٌ: جَذْرُ كُلِّ شَيْءٍ أَصْلُهُ، أَيْ: إِنَّ الْأَمَانَةَ أَوَّلُ مَا نَزَلَتْ فِي قُلُوبِ رِجَالِ اللَّهِ وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهَا، فَكَانَتْ هِيَ الْبَاعِثَةُ عَلَى الْأَخْذِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى. قَوْلُهُ: (" ثُمَّ عَلِمُوا ") أَيْ: بِنُورِ الْإِيمَانِ (" مِنَ الْقُرْآنِ ") أَيْ: مِمَّا يَتَلَقَّوْنَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاجِبًا كَانَ أَوْ نَفْلًا، حَرَامًا أَوْ مُبَاحًا، مَأْخُوذًا مِنَ الْكِتَابِ أَوِ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ: (" ثُمَّ مِنَ السُّنَّةِ ") ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَأْخِيرِ رُتْبَةِ الْمَأْخُوذِ مِنَ الْحَدِيثِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَصِّ كَلَامِ الْقَدِيمِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمَانَةِ التَّكْلِيفُ الَّذِي كَلَّفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عِبَادَهُ، وَالْعَهْدُ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيرِ: الْأَمَانَةُ فِي الْحَدِيثِ هِيَ الْأَمَانَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وَهِيَ عَيْنُ الْإِيمَانِ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَهْدِ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ: الْعَهْدُ الْمِيثَاقِيُّ، هُوَ الْإِيمَانُ الْفِطْرِيُّ، فَذَكَرَ قَوْلَ صَاحِبِ التَّقْرِيرِ لِبَيَانِ مَزِيدِ تَحْرِيرِ التَّقْرِيرِ، لَا لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِصَدْرِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَكَذَا مَا يَأْتِيهِ مِنْ خَتْمِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ اللَّاحِقِ، حَيْثُ قَالَ: وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ مَنْعُ الْأَمَانَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» " فَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْكَمَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (وَحَدَّثَنَا) : وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّانِي (عَنْ رَفْعِهَا) أَيِ: ارْتِفَاعُ ثَمَرَةِ الْإِيمَانِ وَانْتِقَاضُهُ، فَإِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدَ عَصْرِهِ فِي عَصْرِ أَصَحَابِهِ (قَالَ: " يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ ") : وَهِيَ إِمَّا عَلَى حَقِيقَتِهَا فَمَا بَعْدَهُ أَمْرٌ اضْطِرَارِيٌّ، وَأَمَّا النَّوْمَةُ كِنَايَةٌ عَنِ الْغَفْلَةِ الْمُوجِبَةِ لِارْتِكَابِ السَّيِّئَةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى نَقْصِ الْأَمَانَةِ وَنَقْصِ الْإِيمَانِ (" فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ ") أَيْ: بَعْضُهَا، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، وَالْمَعْنَى: يُقْبَضُ بَعْضُ ثَمَرَةِ الْإِيمَانِ (مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ) بِفَتَحَاتٍ فَتَشْدِيدُ لَامٍ، أَيْ: فَيَصِيرُ (" أَثَرُهَا ") أَيْ: أَثَرُ الْأَمَانَةِ وَهُوَ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ (" مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ ") بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ وَبِالْفَوْقِيَّةِ: وَهُوَ الْأَثَرُ الْيَسِيرُ كَالنُّقْطَةِ فِي الشَّيْءِ (" ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ ") أَيِ: الْأُخْرَى (" فَتُقْبَضُ ") أَيِ: الْأَمَانَةُ أَيْ بَعْضُ مَا بَقِيَ مِنْهَا (" فَيَبْقَى ") : مَعْرُوفًا، وَقِيلَ مَجْهُولًا (" أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ ") بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَتُفْتَحُ، وَهُوَ أَثَرُ الْعَمَلِ فِي الْيَدِ (كَجَمْرٍ) أَيْ: تَأْثِيرًا كَتَأْثِيرِ جَمْرٍ، وَقَالَ شَارِحٌ: أُبْدِلَ مِنْ مِثْلِ أَثَرِ الْمَجْلِ، أَيْ: يَكُونُ أَثَرُهَا فِي الْقَلْبِ كَأَثَرِ جَمْرٍ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ يَعْنِي أَثَرَ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ (" دَحْرَجْتَهُ ") أَيْ: قَلَّبْتَهُ وَدَوَّرْتَهُ (" عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ ") بِكَسْرِ الْفَاءِ، ذُكِرَ الضَّمِيرُ فِيهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا ") بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: مُنْتَفِخًا، مَعَ أَنَّ الرَّجُلَ مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيٌّ عَلَى إِرَادَةِ الْمَوْضِعِ الْمُدَحْرَجِ عَلَيْهِ الْجَمْرُ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِيَّاكُمْ وَالتَّخَلُّلَ بِالْقَصَبِ، فَإِنَّهُ الْفَمُ يَنْتَبِرُ مِنْهُ، أَيْ: يَرِمُ وَيَنْتَفِطُ، قِيلَ: الْمَعْنَى: يُخَيَّلُ إِلَيْكَ أَنَّ الرَّجُلَ ذُو أَمَانَةٍ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِمَثَابَةِ نُقْطَةٍ تَرَاهَا مُنْتَفِطَةً مُرْتَفِعَةً كَبِيرَةً لَا طَائِلَ تَحْتَهَا، وَفِي الْفَائِقِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَكْتِ وَالْمَجْلِ: أَنَّ الْوَكْتَ النُّقْطَةُ فِي الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ لَوْنِهِ، وَالْمَجْلَ غِلَظُ الْجِلْدِ مِنَ الْعَمَلِ لَا غَيْرَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا (" وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ ") أَيْ: صَالِحٌ، بَلْ مَاءٌ فَاسِدٌ.

стр. 7411

وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَمَانَةَ تَزُولُ عَنِ الْقُلُوبِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَإِذَا زَالَ أَوَّلُ جُزْءٍ مِنْهَا زَالَ نُورُهَا وَخَلِفَتْهُ ظُلْمَةٌ كَالْوَكْتِ، وَهُوَ اعْتِرَاضُ لَوْنٍ مُخَالِفٍ لِلَوْنِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَإِذَا زَالَ شَيْءٌ آخَرُ صَارَ كَالْمَجْلِ، وَهُوَ أَثَرٌ مُحْكَمٌ لَا يَكَادُ يَزُولُ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ، وَهَذِهِ الثُّلْمَةُ فَوْقَ الَّتِي قَبْلَهَا، ثُمَّ شَبَّهَ زَوَالَ ذَلِكَ النُّورِ بَعْدَ وُقُوعِهِ فِي الْقَلْبِ وَخُرُوجِهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ فِيهِ، وَاعْتِقَابِ الظُّلْمَةِ إِيَّاهُ بِجَمْرٍ يُدَحْرِجُهُ عَلَى رِجْلِهِ حَتَّى يُؤَثِّرَ فِيهَا، ثُمَّ يَزُولُ الْجَمْرُ وَيَبْقَى النَّفْطُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ نَفَطَ وَلَمْ يَقُلْ نَفَطَتِ اعْتِبَارًا بِالْعُضْوِ، انْتَهَى. وَقَالَ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا: يُرِيدُ أَنَّ الْأَمَانَةَ تُرْفَعُ عَنِ الْقُلُوبِ ; عُقُوبَةً لِأَصْحَابِهَا عَلَى مَا اجْتَرَحُوا مِنَ الذُّنُوبِ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْقَظُوا مِنْ مَنَامِهِمْ لَمْ يَجِدُوا قُلُوبَهُمْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَيَبْقَى فِيهِ أَثَرٌ، تَارَةً مِثْلَ الْوَكْتِ وَتَارَةً مِثْلَ الْمَجْلِ، وَهُوَ انْتِفَاطُ الْيَدِ مِنَ الْعَمَلِ، وَالْمَجْلُ وَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا إِلَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هَاهُنَا نَفْسُ النَّفَطَةِ، وَهَذَا أَقَلُّ مِنَ الْمَرَّةِ الْأُولَى ; لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِالْمُجَوَّفِ بِخِلَافِ الْمَرَّةِ الْأُولَى، أَرَادَ بِهِ خُلُوَّ الْقَلْبِ عَنِ الْأَمَانَةِ مَعَ بَقَاءِ أَثَرِهَا مِنْ طَرِيقِ الْحِسَابِ. (" وَيُصْبِحُ النَّاسُ ") أَيْ: يَدْخُلُونَ فِي الصَّبَاحِ أَوْ يَصِيرُونَ (" يَتَبَايَعُونَ ") أَيْ: يَجْرِي بَيْنَهُمُ التَّبَايُعُ، وَيَقَعُ عِنْدَهُمُ التَّعَاهُدُ (" وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ ") ، بَلْ يَظْهَرُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمُ الْخِيَانَةُ فِي الْمُبَايَعَةِ وَالْمُوَاعَدَةِ وَالْمُعَاهَدَةِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ حِفْظَ الْأَمَانَةِ أَثَرُ كَمَالِ الْإِيمَانِ، فَإِذَا نَقَصَ الْأَمَانَةُ نَقَصَ الْإِيمَانُ وَبَطَلَ الْإِيقَانُ، وَزَالَ الْإِحْسَانُ، (" فَيُقَالُ ") أَيْ: مِنْ غَايَةِ قِلَّةِ الْأَمَانَةِ فِي النَّاسِ (" إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا ") أَيْ: كَامِلُ الْإِيمَانِ وَكَامِلُ الْأَمَانَةِ (وَيُقَالُ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (" لِلرَّجُلِ ") أَيْ: مِنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ فِي تَحْصِيلِ الْمَالِ وَالْجَاهِ، وَطُبِعَ فِي الشِّعْرِ وَالنَّثْرِ، وَفَصَاحَةٍ وَبَلَاغَةٍ، وَصَبَاحَةٍ وَقُوَّةٍ بَدَنِيَّةٍ، وَشَجَاعَةٍ وَشَوْكَةٍ، (مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا أَظْرَفَهُ! وَمَا أَجْلَدَهُ ") ; تَعَجُّبًا مِنْ كَمَالِهِ، وَاسْتِغْرَابًا مِنْ مَقَالِهِ، وَاسْتِبْعَادًا مِنْ جَمَالِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَمْدَحُونَهُ بِكَثْرَةِ الْعَقْلِ وَالظَّرَافَةِ وَالْجَلَادَةِ، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، وَلَا يَمْدَحُونَ أَحَدًا بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. (" وَمَا فِي قَلْبِهِ ") : حَالٌ مِنَ الرَّجُلِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ (مِثْقَالُ حَبَّةٍ) أَيْ: مِقْدَارُ شَيْءٍ قَلِيلٍ (" مِنْ خَرْدَلٍ ") : مِنْ بَيَانِيَّةٌ لِحَبَّةٍ، أَيْ: هِيَ خَرْدَلٌ (" مِنْ إِيمَانٍ ") أَيْ: كَائِنًا مِنْهُ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ نَفْيَ أَصْلِ الْإِيمَانِ وَكَمَالِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَعَلَّهُ إِنَّمَا عَلَى حَمْلِهِمْ عَلَى تَفْسِيرِ الْأَمَانَةِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ بِالْإِيمَانِ، لِقَوْلِهِ آخِرًا: وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنَ الْإِيمَانِ، فَهَلَّا حَمَلُوهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا لِقَوْلِهِ: وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، فَيَكُونُ وَضْعُ الْإِيمَانِ آخِرًا مَوْضُوعَهَا ; تَفْخِيمًا لِشَأْنِهَا وَحَثًّا عَلَى أَدَائِهَا، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا دِينَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» "، قُلْتُ: إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ آخِرًا وَمَا صَدَرَ أَوَّلًا مِنْ قَوْلِهِ: نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، فَإِنَّ نُزُولَ الْأَمَانَةِ بِمَعْنَى الْإِيمَانِ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِأَصْلِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ يَعْلَمُونَ إِيقَانَهُ وَإِيقَانَهُمْ بِتَتَبُّعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا الْأَمَانَةُ فَهِيَ جُزْئِيَّةٌ مِنْ كُلِّيَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7412

٥٣٨٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ ; مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: " نَعَمْ "، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ "، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: " قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ "، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: " نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا "، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: " هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا "، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: " تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ "، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: " فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ: " «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ، قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ "، قَالَ حُذَيْفَةُ: قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: " تَسْمَعُ وَتُطِيعُ الْأَمِيرَ، وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» ". ــ ٥٣٨٢ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: (قَالَ: كَانَ النَّاسُ) أَيْ: أَكْثَرُهُمْ (يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْخَيْرِ) ، أَيْ: عَنِ الطَّاعَةِ لِيَمْتَثِلُوهَا، أَوْ عَنِ السَّعَةِ وَالرَّخَاءِ ; لِيَفْرَحُوا بِهِ وَيَسْتَعِينُوا بِالدُّنْيَا عَلَى الْأُخْرَى (وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ) أَيْ: عَنِ الْمَعْصِيَةِ أَوِ الْفِتْنَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى التَّوْسِعَةِ (مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي) ، أَيْ: خَشْيَةَ أَنْ يَلْحَقَنِي الشَّرُّ نَفْسُهُ أَوْ بِسَبَبِهِ، وَهَذَا الطَّرِيقُ هُوَ مُخْتَارُ الْحُكَمَاءِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ

стр. 7413

أَنَّ رِعَايَةَ الِاحْتِمَاءِ أَوْلَى فِي دَفْعِ الدَّاءِ مِنِ اسْتِعْمَالِ الدَّوَاءِ، وَأَنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ، وَفِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ نَفَى السِّوَى ثُمَّ أَثْبَتَ الْمَوْلَى، بَلْ مَدَارُ جُلِّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى النُّعُوتِ التَّنْزِيهِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﷻ : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] دُونَ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ لِظُهُورِ وُجُودِهَا فِي خَالِقِ الْأَشْيَاءِ بِالضَّرُورَةِ الْعَقْلِيَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْمُرَادُ بِالشَّرِّ الْفِتْنَةُ، وَوَهَنُ عُرَى الْإِسْلَامِ، وَاسْتِيلَاءُ الضَّلَالَةِ، وَفُشُوُّ الْبِدْعَةِ، وَالْخَيْرُ عَكْسُهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ الرَّاوِي عَنْهُ. (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ) أَيْ أَيَّامٍ غَلَبَ فِيهَا الْجَهْلُ بِالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَمَا يَتْبَعُهُمَا مِنْ سَائِرِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، فَقَوْلُهُ: (وَشَرٍّ) عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، أَوِ الْمَعْنِيُّ بِهِ الْكُفْرُ، فَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، (فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ) ، أَيِ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ بِبَرَكَةِ بِعْثَتِكَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ بِالشَّرِّ عَنَّا بِهَدْمِ قَوَاعِدِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ ; وَلَعَلَّهُ حَذَفَ وَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، لَا سِيَّمَا وَهُمَا ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، (فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ) أَيِ: الثَّابِتُ (مِنْ شَرٍّ؟) أَيْ مِنْ حُدُوثِ بَعْضِ شَرٍّ (قَالَ: " نَعَمْ ". قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: " نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ ") بِفَتْحَتَيْنِ، أَيْ: كُدُورَةٌ إِلَى سَوَادٍ، وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَكُونَ خَيْرًا صَفْوًا بَحْتًا، بَلْ يَكُونُ مَشُوبًا بِكُدُورَةٍ وَظُلْمَةٍ، (قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: " قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ ") بِتَشْدِيدِ النُّونِ الْأُولَى أَيْ: يَعْتَقِدُونَ (" بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ ") أَيْ: يَدُلُّونَ النَّاسَ (بِغَيْرِ هَدْيِي) أَيْ: بِغَيْرِ طَرِيقَتِي، وَيَتَّخِذُونَ سِيرَةً غَيْرَ سِيرَتِي (" تَعْرِفُ مِنْهُ وَتُنْكِرُ ") قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ: تَرَى فِيهِمْ مَا تَعْرِفُهُ أَنَّهُ مِنْ دِينِي، وَتَرَى أَيْضًا مَا تُنْكِرُ أَنَّهُ دِينِي، قَالَ الْأَشْرَفُ: يُعْرَفُ مِنْهُمُ الْمُنْكَرُ بِأَنْ يَصْدُرَ الْمُنْكَرُ عَنْهُمْ، وَتُنْكِرُ هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، أَيْ: أَنْكِرْ عَلَيْهِمْ صُدُورَ الْمُنْكَرِ عَنْهُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: " نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ " أَيْ: تَعْرِفُ فِيهِمُ الْخَيْرَ فَتَقْبَلُ وَالشَّرَّ فَتُنْكِرُ، فَهُوَ مِنَ الْمُقَابَلَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: " يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي " فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْطُوفُ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ كِلَاهُمَا فِي مَعْنَى الْأَمْرِ، أَيِ: اعْرِفْ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَأَنْكِرْ، وَالْخِطَابُ فِي - تَعْرِفُ وَتُنْكِرُ - مِنَ الْخِطَابِ الْعَامِّ. أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى ; إِذْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ لَهُ قَابِلِيَّةُ مَعْرِفَةِ الْمَعْرُوفِ وَإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، فَالْخِطَابُ خَاصٌّ لِحُذَيْفَةَ وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّيَانَةِ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِالشَّرِّ الْأَوَّلِ الْفِتَنُ الَّتِي وَقَعَتْ عِنْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَا بَعْدَهُ، وَبِالْخَيْرِ الثَّانِي مَا وَقَعَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ وَبِالَّذِينَ تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ الْأُمَرَاءُ بَعْدَهُ، فَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالسُّنَّةِ وَالْعَدْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو إِلَى الْبِدْعَةِ وَيَعْمَلُ بِالْجَوْرِ، أَوْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ بِالْمَعْرُوفِ تَارَةً وَيَعْمَلُ بِالْمُنْكَرِ أُخْرَى، بِحَسَبِ مَا يَقَعُ لَهُمْ مِنْ تَتَبُّعِ الْهَوَى، وَتَحْصِيلِ غَرَضِهِمْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، لَا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ تَحَرِّي الْأَحْرَى وَرِعَايَةَ الدَّارِ الْأُخْرَى، كَمَا عَلَيْهِ بَعْضُ أُمَرَاءِ زَمَانِنَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الشَّرِّ الْأَوَّلِ فِتْنَةُ عُثْمَانَ ﵁ وَمَا بَعْدَهُ، وَبِالْخَيْرِ الثَّانِي مَا وَقَعَ مِنْ صُلْحِ الْحَسَنِ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَالْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ، وَبِالدَّخَنِ مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ مِنْ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ كَزِيَادٍ بِالْعِرَاقِ، وَخِلَافُ مَنْ خَالَفَ عَلَيْهِ مِنَ الْخَوَارِجِ. (قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: " نَعَمْ، دُعَاةٌ ") : جَمْعُ دَاعٍ (عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ) قَالَ الْأَشْرَفُ: أَيْ جَمَاعَةٌ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الضَّلَالَةِ وَيَصُدُّوهُمْ عَنِ الْهُدَى بِأَنْوَاعٍ مِنَ التَّلْبِيسِ، وَمِنَ الْخَيْرِ إِلَى الشَّرِّ، وَمِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ، وَمِنَ الزُّهْدِ إِلَى الرَّغْبَةِ. جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعْوَةَ الدُّعَاةِ وَإِجَابَةَ الْمَدْعُوِّينَ سَبَبًا لِإِدْخَالِهِمْ إِيَّاهُمْ فِي جَهَنَّمَ،

стр. 7414

وَدُخُولِهِمْ فِيهَا، وَجَعَلَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّلْبِيسِ مَنْزِلَةَ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ (مَنْ أَجَابَهُمْ) أَيِ الدُّعَاةِ (" إِلَيْهِ ") أَيْ: إِلَى جَهَنَّمَ، يَعْنِي: إِلَى الضَّلَالَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهَا (" قَذَفُوهُ فِيهِ ") ، أَيْ: رَمَوْهُ وَصَارُوا سَبَبًا لِقَذْفِهِ فِي جَهَنَّمَ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِالدُّعَاةِ مَنْ قَامَ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ، وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ شُرُوطُ الْإِمَارَةِ وَالْإِمَامَةِ وَالْوِلَايَةِ، وَجُعِلُوا دُعَاةً عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] ، وَقِيلَ: هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ - وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤] ، فَكَأَنَّهُمْ كَائِنُونَ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، دَاعِينَ النَّاسَ إِلَى الدُّخُولِ فِي ضِيَافَتِهِمْ ; أَوْ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ بِسَبَبِ شَيْءٍ، فَكَأَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِ دَاخِلٌ فِيهِ. (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صِفْهُمْ لَنَا) ، أَيْ: إِنَّهُمْ مِنَّا أَوْ مِنْ غَيْرِنَا؟ (قَالَ: " هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا ") ، أَيْ: مِنْ أَنْفُسِنَا وَعَشِيرَتِنَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا، ذَكَرَهُ الْأَشْرَفُ، وَهُوَ الْأَلْطَفُ، وَقِيلَ: مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِنَا، وَفِيهِ أَنَّ الْجِلْدَةَ أَخَصُّ مِنَ الْجِلْدِ، وَجِلْدُ الشَّيْءِ ظَاهِرُهُ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ غِشَاءُ الْبَدَنِ. (" وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ") أَيْ: بِالْعَرَبِيَّةِ، أَوْ بِالْمَوَاعِظِ وَالْحِكَمِ، أَوْ بِمَا قَالَ اللَّهُ وَقَالَ رَسُولُهُ، وَمَا فِي قُلُوبِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ، يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، (قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي) أَيْ: أَنْ أَفْعَلَ بِهِ فِيهِمْ (إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟) أَيْ ذَلِكَ الزَّمَانُ (قَالَ: " تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ ") أَيْ: طَرِيقَتَهُمْ وَحُضُورَ جُمْعَتِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ (" وَإِمَامَهُمْ ") أَيْ: وَرِعَايَةَ إِمَامِهِمْ وَمُتَابَعَتَهُمْ وَمُسَاعَدَتَهُمْ، (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ) أَيْ: مُتَّفِقَةٌ (وَلَا إِمَامٌ؟) أَيْ: أَمِيرٌ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ فَقْدَهُمَا أَوْ فَقْدَ أَحَدِهِمَا (قَالَ: " فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ") ، أَيِ: الْفِرَقُ الضَّالَّةُ الْوَاقِعَةُ عَلَى خِلَافِ الْجَادَّةِ مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، (" وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ ") أَيْ: وَلَوْ كَانَ الِاعْتِزَالُ بِالْعَضِّ، وَأَنْ: مَصْدَرِيَّةٌ، وَتَعَضَّ: مَنْصُوبٌ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَقِيلَ: إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: أَيْ: تَمَسَّكْ بِمَا يُصَبِّرُكَ وَتَقْوَى بِهِ عَلَى اعْتِزَالِكَ، وَلَوْ بِمَا لَا يَكَادُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُتَمَسَّكًا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا شَرْطٌ يُعَقَّبُ بِهِ الْكَلَامُ تَتْمِيمًا وَمُبَالَغَةً، أَيِ: اعْتَزِلِ النَّاسَ اعْتِزَالًا لَا غَايَةَ بَعْدَهُ، وَلَوْ قَنَعْتَ فِيهِ بِعَضِّ أَصْلِ الشَّجَرِ افْعَلْ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ، (" حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ") أَيْ: عَلَى مَا ذَكَرْتُ مِنَ الِاعْتِزَالِ أَوِ الْعَضِّ أَوِ الْخَيْرِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ) ، قَالَ مِيرَكُ: أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَقِبَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ أَبَا سَلَّامٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ حُذَيْفَةَ ; وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِ قَالَ حُذَيْفَةُ ; فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُنْقَطِعًا، وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: إِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ لِأَبِي سَلَّامٍ شَيْئًا فِي صَحِيحِهِ لِأَنَّ رِوَايَاتِهِ مُرْسَلَةٌ، اهـ. وَأَبُو سَلَّامٍ: اسْمُهُ مُمْطِرٌ الْأَسْوَدُ الْحَبَشِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّ الْمَتْنَ صَحِيحٌ بِالطَّرِيقِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا أَتَى مُسْلِمٌ بِهَا مُتَابَعَةً ; فَإِنَّ الْمُرْسَلَ إِذَا أَتَى مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ تَبَيَّنَ بِهِ صِحَّةُ الْمُرْسَلِ، وَجَازَ بِهِ الِاحْتِجَاجُ، وَيَصِيرُ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. أَقُولُ: هَذَا الْإِشْكَالُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَنَّ الْمُرْسَلَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ وَمَعَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَنْهُ فَلَا شُبْهَةَ فِيهِ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (" يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ ") بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ وَتَسْهِيلِهَا وَإِبْدَالِهَا: جَمْعُ إِمَامٍ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ أَئِمَّةٌ عَلَى وَزْنِ أَفِعْلَةٍ أَيْ: جَمَاعَةٌ يُطْلَقُ عَلَيْهِمُ الْأَئِمَّةُ (" لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ ") ، أَيْ: مِنْ حَيْثُ الْعِلْمِ (" وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي ") ، أَيْ: مِنْ حَيْثُ الْعَمَلِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَا يَأْخُذُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، (" وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ، قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ ") أَيْ: كَقُلُوبِهِمْ فِي الظُّلْمَةِ، وَالْقَسَاوَةِ، وَالْوَسْوَسَةِ، وَالتَّلْبِيسِ

стр. 7415

وَالْآرَاءِ الْكَاسِدَةِ وَالْأَهْوَاءِ الْفَاسِدَةِ (" فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ ") بِضَمِّ الْجِيمِ، أَيْ: فِي جَسَدِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ الْإِنْسِ فَيُطَابِقُ الْجَمْعَ السَّابِقَ، (قَالَ حُذَيْفَةُ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟) أَيْ: ذَلِكَ الْوَقْتُ، أَوْ مَا ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ (قَالَ: " تَسْمَعُ ") أَيْ: مَا يَأْمُرُكَ الْأَمِيرُ، خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَكَذَا قَوْلُهُ (" وَتُطِيعُ ") فِيمَا لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ (" الْأَمِيرُ ") : مَفْعُولٌ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ (" وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: لَوْ ضُرِبْتَ (" وَأَخَذَ مَالَكَ ") وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ فِيهِمَا، فَفِيهِمَا ضَمِيرٌ لِلْأَمِيرِ، وَالْإِسْنَادُ حَقِيقِيٌّ أَوْ مَجَازِيٌّ، وَتَخْصِيصُ الظَّهْرِ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ غَالِبًا، وَقَوْلُهُ: (" فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ") جَزَاءُ الشَّرْطِ أَتَى لِمَزِيدِ تَقْرِيرٍ وَاهْتِمَامِ تَحْرِيرٍ بِشَأْنِهِ، وَإِلَّا فَمَا قَبْلَ الشَّرْطِ أَغْنَى عَنْهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِلَّا إِذَا أَمَرَكَ بِإِثْمٍ فَلَا تُطِعْهُ، لَكِنْ لَا تُقَاتِلْ، بَلْ فِرَّ مِنْهُ.

стр. 7416

٥٣٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَتًا، كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٣٨٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَادِرُوا ") أَيْ: سَابِقُوا وَسَارِعُوا (" بِالْأَعْمَالِ ") أَيْ: بِالِاشْتِغَالِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (" فِتَنًا ") أَيْ: وُقُوعَ فِتَنٍ (" كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ") بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الطَّاءِ جَمْعُ قِطْعَةٍ، وَالْمَعْنَى: كَقِطَعٍ مِنَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ; لِفَرْطِ سَوَادِهَا وَظُلْمَتِهَا، وَعَدَمِ تَبَيُّنِ الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ فِيهَا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْفِتَنِ مَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَالْكِسَائِيُّ فِي الْآيَةِ بِسُكُونِ الطَّاءِ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ: جُزْءٌ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ مِنْ سَوَادِهِ وَيُرَادِفُهُ قِطْعَةٌ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: تَعَجَّلُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ مَجِيءِ الْفِتَنِ الْمُظْلِمَةِ مِنَ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ وَالِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، فَإِنَّكُمْ لَا تُطِيقُونَ الْأَعْمَالَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فِيهِ، وَالْمُرَادُ مِنَ التَّشْبِيهِ بَيَانُ حَالِ الْفِتَنِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَشِيعٌ فَظِيعٌ، وَلَا يُعْرَفُ سَبَبُهَا وَلَا طَرِيقُ الْخَلَاصِ مِنْهَا، فَالْمُبَادَرَةُ الْمُسَارَعَةُ بِإِدْرَاكِ الشَّيْءِ قَبْلَ فَوَاتِهِ، أَوْ بِدَفْعِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ (" يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ") أَيْ: مَوْصُوفًا بِأَصْلِ الْإِيمَانِ أَوْ بِكَمَالِهِ، (" وَيُمْسِي كَافِرًا ") ، أَيْ: حَقِيقَةً، أَوْ كَافِرًا لِلنِّعْمَةِ، أَوْ مُشَابِهًا لِلْكَفَرَةِ، أَوْ عَامِلًا عَمَلَ الْكَافِرِ، (" وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا ") ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى يُصْبِحُ مُحَرِّمًا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَيُمْسِي مُسْتَحِلًّا إِيَّاهُ وَبِالْعَكْسِ، وَحَاصِلُهُ التَّذَبْذُبُ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالتَّتَبُّعُ لِأَمْرِ الدُّنْيَا، كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (" يَبِيعُ ") أَيِ: الرَّجُلُ أَوْ أَحَدُهُمْ كَمَا فِي الْجَامِعِ (" دِينَهُ ") أَيْ: يَتْرُكُهُ (" بِعَرَضٍ ") بِفَتْحَتَيْنِ، أَيْ: يَأْخُذُ مَتَاعًا دَنِيئًا وَثَمَنًا رَدِيئًا (" مِنَ الدُّنْيَا ") ، زَادَ فِي الْجَامِعِ: " قَلِيلٍ " بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ عَرَضٍ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: " «سَتَكُونُ فِتَنٌ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا إِلَّا مَنْ أَحْيَاهُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ» "، فَقَوْلُهُ: يُصْبِحُ اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ بَعْضِ الْفِتَنِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِحَالِ الْمُشَبَّهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " فِتَنًا "، وَقَوْلُهُ: " يَبِيعُ " إِلَخْ، بَيَانٌ لِلْبَيَانِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالٌ لِمُجَرَّدِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْغَضَبِ فَيَسْتَحِلُّونَ الدَّمَ وَالْمَالَ، وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ وُلَاةُ الْمُسْلِمِينَ ظَلَمَةً فَيُرِيقُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَزْنُونَ وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، فَيَعْتَقِدُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَيُفْتِيهِمْ بَعْضُ عُلَمَاءِ السُّوءِ عَلَى جَوَازِ مَا يَفْعَلُونَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا، وَثَالِثُهَا: مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِمَّا يُخَالِفُ الشَّرْعَ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَالْمُبَايَعَاتِ وَغَيْرِهَا فَيَسْتَحِلُّونَهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: " «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ هَرَمًا فَاغِضًا وَمَوْتًا خَالِسًا وَمَرَضًا حَابِسًا وَتَسْوِيفًا مُسِيئًا» ". وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: مَا تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ فَإِنَّهُ شَرُّ مُنْتَظَرٍ، أَوِ السَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبَّاسٍ الْغِفَارِيِّ مَرْفُوعًا: " «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: إِمَارَةَ السُّفَهَاءِ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ، وَبَيْعَ الْحُكْمِ، وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ، وَقَطْعَةَ الرَّحِمِ، وَنَشْوًا يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لِيُغَنِّيَهُمْ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُمْ فِقْهًا» ".

стр. 7417

٥٣٨٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَيَعُذْ بِهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ: " «تَكُونُ فِتْنَةٌ، النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ، وَالْيَقْظَانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَسْتَعِذْ بِهِ» ". ــ ٥٣٨٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَتَكُونُ فِتَنٌ ") أَيْ: عَظِيمَةٌ أَوْ كَثِيرَةٌ، مُتَعَاقِبَةٌ مُتَوَالِيَةٌ أَوْ مُتَرَاخِيَةٌ (الْقَاعِدُ فِيهَا) أَيْ: فِي تِلْكَ الْفِتَنِ (خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ) ; لِأَنَّهُ يَرَى وَيَسْمَعُ مَا لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُهُ الْقَاعِدُ، فَيَكُونُ أَقْرَبَ مِنْ عَذَابِ تِلْكَ الْفِتْنَةِ بِمُشَاهَدَتِهِ مَا لَا يُشَاهِدُهُ الْقَاعِدُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَاعِدِ هُوَ الثَّابِتَ فِي مَكَانِهِ غَيْرَ مُتَحَرِّكٍ لِمَا يَقَعُ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي زَمَانِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَائِمِ مَا يَكُونُ فِيهِ نَوْعٌ بَاعِثٌ وَدَاعِيَةٌ، لَكِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِي إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ، (" وَالْقَائِمُ فِيهَا ") أَيْ: مِنْ بَعِيدٍ مُتَشَرِّفٍ عَلَيْهَا، أَوِ الْقَائِمُ بِمَكَانِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ (" خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي ") أَيْ: مِنَ الذَّاهِبِ عَلَى رِجْلِهِ إِلَيْهَا (" وَالْمَاشِي فِيهَا ") أَيْ: إِلَيْهَا أَوْ فِيمَا بَيْنَهَا (" خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي ") أَيْ: مِنَ الْمُسْرِعِ إِلَيْهَا مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا (" مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا ") بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا (" تَسْتَشْرِفْ ") بِالْجَزْمِ وَيُرْفَعُ أَيْ: تَطْلُبُهُ وَتَجْذِبُهُ إِلَيْهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: أَيْ: مَنْ تَطَلَّعْ لَهَا دَعَتْهُ إِلَى الْوُقُوعِ فِيهَا، وَالتَّشَرُّفُ التَّطَلُّعُ، وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِلْإِصَابَةِ بَشَرِّهَا، أَوْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهَا تَدْعُوهُ إِلَى زِيَادَةِ النَّظَرِ إِلَيْهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنِ اسْتَشْرَفْتُ الشَّيْءَ أَيْ عَلَوْتُهُ، يُرِيدُ مَنِ انْتَصَبَ لَهَا انْتَصَبَتْ لَهُ وَصَرَعَتْهُ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ وَالْإِشْفَاءِ عَلَى الْهَلَاكِ، أَيْ: مَنْ خَاطَرَ بِنَفْسِهِ فِيهَا أَهْلَكَتْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَلَعَلَّ الْوَجْهَ الثَّالِثَ أَوْلَى ; لِمَا يَظْهَرُ مِنْهُ مَعْنَى اللَّامِ فِي " لَهَا "، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْفَائِقِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَيْ: مَنْ غَالَبَهَا غَلَبَتْهُ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَوْلَى ; لِمَا فِيهِ مِنْ رِعَايَةِ الْمَعْنَى الْمَفْهُومِ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ الْمُفِيدَةُ لِلِاحْتِرَاسِ، وَاخْتِيَارُ الْأُخْرَى النَّافِعُ فِي الدُّنْيَا وَالْأَخِرَى. قَالَ شَارِحٌ: تَشَرَّفَ وَاسْتَشْرَفَ أَيْ: صَعِدَ شَرَفًا، أَيْ: مُرْتَفِعًا لِيَنْظُرَ إِلَى شَيْءٍ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَا فِي النَّظَرِ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ فِي أَيِّ مَكَانٍ، كَانَ يَعْنِي مَنْ قَرُبَ مِنْ تِلْكَ الْفِتَنِ وَنَظَرَ إِلَيْهَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ الْفِتَنُ، وَتَجُرُّهُ إِلَى نَفْسِهَا، فَالْخَلَاصُ فِي التَّبَاعُدِ مِنْهَا وَالْهَلَاكُ فِي مُقَارَبَتِهَا، (" فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً ") أَيْ: مَنَاصًا وَمَفَرًّا وَمَهْرَبًا (أَوْ مَعَاذًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: مَوْضِعًا أَوْ شَخْصًا مَلَاذًا يَتَخَلَّصُ بِالذَّهَابِ إِلَيْهِ، وَبِالْعِيَاذِ بِهِ مِنَ الْفِتَنِ (" فَلْيَعُذْ ") بِضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ: فَلْيَسْتَعِذْ (بِهِ) أَيْ: بِالْمَعَاذِ، أَوْ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْمَلْجَأِ وَالْمَعَاذِ، أَيْ: فَلْيَعُذْ إِلَيْهِمَا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ﵀ قَالَ: " تَكُونُ فِتْنَةٌ ") أَيْ: عَظِيمَةٌ (" النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ ") بِسُكُونِ الْقَافِ أَيِ: الْمُنْتَبِهُ ; لِعَدَمِ شُعُورِ النَّائِمِ عَنْهَا، وَفِي مَعْنَاهِ الْغَافِلُ وَلَوْ كَانَ يَقْظَانَ، فَالْمُرَادُ بِالْيَقْظَانِ هُوَ الْعَالِمُ بِالْفِتْنَةِ، سَوَاءٌ كَانَ مُضْطَجِعًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا (" وَالْيَقْظَانُ ") أَيْ: مُضْطَجِعًا أَوْ جَالِسًا (" خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ") أَيْ: لِتَطَلُّعِهِ وَإِشْرَافِهِ، أَوْ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ حَرَكَةٍ (" وَالْقَائِمُ فِيهَا ") أَيْ: لِتَوَقُّفِهِ فِي مَكَانِهِ (" خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي ") أَيْ: مَشْيًا أَوْ رُكُوبًا إِلَيْهَا (مَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَسْتَعِذْ بِهِ) ، وَفِي الْجَامِعِ: رَوَى الْحَاكِمُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ: سَتَكُونُ أَحْدَاثُ وَفِتْنَةٌ وَفُرْقَةٌ وَاخْتِلَافٌ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ الْمَقْتُولَ لَا الْقَاتِلَ فَافْعَلْ.

стр. 7418

٥٣٨٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا، أَلَا فَإِذَا وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ غَنَمٌ فَيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ "، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ؟ قَالَ: " يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لِيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ " ثَلَاثًا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يَنْطَلِقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ، فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي؟ قَالَ " يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٣٨٥ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) أَيِ: الثَّقَفِيُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّهَا ") أَيِ: الْقِصَّةُ (سَتَكُونُ) أَيْ: سَتُوجَدُ وَتَحْدُثُ وَتَقَعُ (فِتَنٌ، أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ (" ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ ") أَيْ: عَظِيمَةٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ: أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتَنٌ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ثُمَّ بَعْدَهُ: أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ بِصِيغَةِ الْوَحْدَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فِيهِ ثَلَاثُ مُبَالَغَاتٍ، أَقْحَمَ حَرْفَ التَّنْبِيهِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ; لِمَزِيدِ التَّنْبِيهِ لَهَا، وَعَطَفَ بِثُمَّ ; لِتَرَاخِي مَرْتَبَةِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ الْخَاصَّةِ تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِهَا، وَهُوَ لَهَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ ; لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا يُفَارِقُهَا مِنْ سَائِرِ أَشْكَالِهَا، وَأَنَّهَا كَالدَّاهِيَةِ الدَّهْبَاءِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ مِنْهَا بِفَضْلِهِ وَعَمِيمِ طُولِهِ. (" الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا ") أَيْ: يَجْعَلُهَا غَايَةَ سَعْيِهِ وَمُنْتَهَى غَرَضِهِ لَا يَرَى مَطْلَبًا غَيْرَهَا وَ (لَامُ) الْغَرَضِ وَ (إِلَى) الْغَايَةِ مُتَقَارِبَانِ مَعْنًى، فَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ التَّدَرُّجُ وَالتَّرَقِّي مِنَ الْمَاشِي فِيهَا إِلَى السَّاعِي إِلَيْهَا.

стр. 7419

(" أَلَا ") : لِلتَّنْبِيهِ زِيَادَةً لِلتَّأْكِيدِ (" فَإِذَا وَقَعَتْ ") أَيِ: الْفِتَنُ أَوْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ (" فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ ") أَيْ: فِي الْبَرِّيَّةِ (" فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ ") أَيْ: عَقَارٌ أَوْ مَزْرَعَةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الْخَلْقِ (" فَيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ ") فَإِنَّ الِاعْتِزَالَ وَالِاشْتِغَالَ بِخُوَيِّصَةِ الْحَالِ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ ; لِوُقُوعِ عُمُومِ الْفِتْنَةِ الْعَمْيَاءِ بَيْنَ الرِّجَالِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: إِنِ السَّلَامَةَ مِنْ لَيْلَى لَا وَجَارَتِهَا ... أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَى حَالٍ بِوَادِيهَا (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ) أَيْ: أَخْبِرْنِي (مَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ؟) أَيْ: فَأَيْنَ يَذْهَبُ أَوْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ (قَالَ: " يَعْمِدُ ") بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: يَقْصِدُ (" إِلَى سَيْفِهِ ") أَيْ: إِنْ كَانَ لَهُ (" فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ ") أَيْ: فَيَضْرِبُ عَلَى جَانِبِ سَيْفِهِ الْحَادِّ (" بِحَجَرِ ") ، وَالْمَعْنَى: فَلْيَكْسِرْ سِلَاحَهُ كَيْلَا يَذْهَبَ بِهِ إِلَى الْحَرْبِ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْحُرُوبَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ حُضُورُهَا، (" ثُمَّ لِيَنْجُ ") بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ وَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْجِيمِ، أَيْ: لِيَفِرَّ وَيُسْرِعْ هَرَبًا حَتَّى لَا تُصِيبَهُ الْفِتْنَةُ، (" إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاةَ ") بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمَدِّ، أَيِ: الْإِسْرَاعُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: يَعْمِدُ إِلَخْ عِبَارَةٌ عَنْ تَجَرُّدِهِ تَجَرُّدًا تَامًّا، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَشْتَغِلُ بِهِ مِنْ مَهَامِّهِ فَلْيَنْجُ بِرَأْسِهِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ: فَلْيَنْجُ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ مِنَ النَّجَاةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إِنِ اسْتَطَاعَ النِّجَاءَ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاةَ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ حَاصِلُ الْمَعْنَى مِنْ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْمَادَّةِ وَالْمَبْنَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (" اللَّهُمَّ ") أَيْ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْفِتَنِ وَالتَّحْذِيرِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي مِحَنِ ذَلِكَ الزَّمَنِ، اللَّهُمَّ أَيْ: يَا اللَّهُ (" هَلْ بَلَّغْتُ؟ ") أَيْ: قَدْ بَلَّغْتُ إِلَى عِبَادِكَ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ أُبَلِّغَهُ إِيَّاهُمْ (ثَلَاثًا) : مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ أَيْ: قَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ) أَيْ: أَخْبِرْنِي (إِنْ أُكْرِهْتُ) أَيْ: أُخِذْتُ بِالْكُرْهِ وَأُجْبِرْتُ (حَتَّى يَنْطَلِقَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُذْهَبُ (بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ) أَيْ: صَفَّيِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ (فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ (يَجِيءُ سَهْمٌ) بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ عَطْفًا عَلَى الْمَاضِي (فَيَقْتُلُنِي؟) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَخِيرِ وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَشْتَمِلَ أَيْضًا عَلَى الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ، وَالْمَعْنَى: فَمَا حُكْمُ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ؟ (قَالَ: يَبُوءُ) أَيْ: يَرْجِعُ الْقَاتِلُ، وَقِيلَ: الْمُكْرَهُ (بِإِثْمِهِ) أَيْ: بِعُقُوبَةِ مَا فَعَلَهُ مِنْ قَبْلُ عُمُومًا (وَإِثْمِكَ) أَيْ: وَبِعُقُوبَةِ قَتْلِهِ إِيَّاكَ خُصُوصًا، أَوِ الْمُرَادُ بِإِثْمِهِ قَصْدُهُ الْقَتْلَ وَبِإِثْمِكَ لَوْ مَدَدْتَ يَدَكَ إِلَيْهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِإِثْمِكَ سَيِّئَاتِكَ الَّتِي فَعَلْتَهَا بِأَنْ تُوضَعَ فِي رَقَبَةِ الْقَاتِلِ بَعْدَ فَقْدِ حَسَنَاتِهِ عَلَى مَا وَرَدَ (وَيَكُونُ) أَيْ: هُوَ (" مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ") ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: وَأَنْتَ مِنْ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومَ مِنْهُ، وَتُرِكَ لِلِاكْتِفَاءَ احْتِيَاطًا لِتَبَادُرِ الْفَهْمِ إِلَى الْخِطَابِ الْمُعَيَّنِ، لَا الْمَفْرُوضُ الْمُقَدَّرُ الْمُرَادُ بِهِ الْخِطَابُ الْعَامُّ عَلَى طَرِيقِ الْإِبْهَامِ، ثُمَّ الْحُكْمُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧] إِلَخْ. وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُنْ خَيْرَ ابْنَيْ آدَمَ "، وَفِي رِوَايَةٍ: " كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ ". قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ يَبُوءُ إِلَخْ، فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَرَادَ بِمِثْلِ إِثْمِكَ عَلَى الِاتِّسَاعِ، أَيْ: يَرْجِعُ بِإِثْمِهِ وَمِثْلَ إِثْمِكَ الْمُقَدَّرِ لَوْ قَتَلْتَهُ، وَثَانِيهُمَا: أَرَادَ بِمِثْلِ قَتْلِكَ، عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، وَإِثْمِهِ السَّابِقِ عَلَى الْقَتْلِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7420

٥٣٨٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁: قَالَ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٣٨٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُوشِكُ ") أَيْ: يَقْرُبُ (" أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ) بِالنَّصْبِ (" غَنَمٌ ") أَيْ: قِطْعَةٌ مِنَ الْغَنَمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: غَنَمٌ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَهُوَ اسْمٌ يَكُونُ، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: " خَيْرَ مَالِ " مُعَرَّفٌ، فَلَا يَجُوزُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْمُسْلِمِ الْجِنْسُ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ حِينَئِذٍ، وَفَائِدَةُ التَّقْدِيمِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ حِينَئِذٍ الِاعْتِزَالُ وَتَحَرِّي الْخَبَرِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ اهـ. وَقِيلَ: (يَجُوزُ رَفْعُ " خَيْرُ، وَغَنَمٌ " عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ فِي " يَكُونَ " ضَمِيرُ الشَّأْنِ، كَذَا الْمَفَاتِيحُ (" يَتَّبِعُ ") بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِسُكُونِهَا وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: يَتَتَبَّعُ (" بِهَا ") أَيْ: مَعَ الْغَنَمِ أَوْ بِسَبَبِهَا (" شَعَفَ الْجِبَالِ ") بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْعَيْنِ أَيْ: رُؤُوسِ الْجِبَالِ أَوْ أَعَالِيهَا، وَأَحَدُهَا شَعَفَةٌ (" وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ") بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: مَوَاضِعَ الْمَطَرِ وَآثَارَهُ مِنَ النَّبَاتِ وَأَوْرَاقَ الشَّجَرِ، يُرِيدُ بِهَا الْمَرْعَى مِنَ الصَّحْرَاءِ وَالْجِبَالِ، فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَفِي تَقْدِيمِ شَعَفِ الْجِبَالِ إِشْعَارٌ بِالْمُبَالَغَةِ فِي فَضِيلَةِ الِاعْتِزَالِ عَنِ الْخَلْقِ فِي تِلْكَ الْحَالِ. (" يَفِرُّ بِدِينِهِ ") أَيْ: بِسَبَبِ حِفْظِهِ مِنَ الْفِتَنِ أَيِ الْمِحَنِ الدِّينِيَّةِ، أَوْ يَهْرُبُ (" مِنَ الْفِتَنِ ") الدُّنْيَوِيَّةِ مَصْحُوبًا بِدِينِهِ لِيَتَخَلَّصَ بِإِقَامَتِهِ هُنَاكَ عَنْهَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 7421

٥٣٨٧ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: «أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: " هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: " فَإِنِّي لَأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَوَقْعِ الْمَطَرِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٣٨٧ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) : صَحَابِيَّانِ (قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيِ: اطَّلَعَ (عَلَى أُطُمٍ) بِضَمَّتَيْنِ، أَيْ: شَاهِقِ جَبَلٍ أَوْ حِصْنٍ أَوْ بِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ، (مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ) بِمَدِّ أَوَّلِهِ: جَمْعُ الْأُطْمِ (فَقَالَ: " هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ ") أَيْ: مِنَ الْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ مِنْهُ الْمُرْتَفِعَةِ عَنْهُ (قَالُوا: لَا. قَالَ: " فَإِنِّي لَأَرَى الْفِتَنَ تَقَعُ ") أَيْ: مِنْهُ (" خِلَالَ بُيُوتِكُمْ ") أَيْ: وَسَطَهَا (" كَوَقْعِ الْمَطَرِ ") وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَى نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَأَى ذَلِكَ الْأُطْمَ، أَوْ حِينَ صَعِدَهُ اقْتِرَابَ الْفِتَنِ لِيُخْبِرَ بِهَا أُمَّتَهُ، فَيَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ، وَيَعْرِفُوا أَنَّهَا مَنْ قَدَرٍ، وَيَعُدُّوا مَعْرِفَتَهَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: (تَقَعُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثَانِيًا، وَالْأَقْرَبُ إِلَى الذَّوْقِ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَالرُّؤْيَةُ بِمَعْنَى النَّظَرِ، أَيْ: كُشِفَ لِي فَأُبْصِرُهَا عِيَانًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَفِي الْجَامِعِ بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ عَنْ أُسَامَةَ بِلَفْظِ: هَلْ تَرَى مَا أَرَى، إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْمَطَرِ.

стр. 7422

٥٣٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٣٨٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَلَكَةُ أُمَّتِي ") بِفَتْحِ الْهَاءِ وَاللَّامِ أَيْ: هَلَاكُهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ هُنَا الصَّحَابَةُ ; لِأَنَّهُمْ خِيَارُ الْأُمَّةِ وَأَكَابِرُ الْأَئِمَّةِ (" عَلَى يَدَيْ ") تَثْنِيَةٌ مُضَافَةٌ إِلَى (" غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ ") بِكَسْرِ الْغَيْنِ جَمْعُ غُلَامٍ، أَيْ: عَلَى أَيْدِي الشُّبَّانِ الَّذِينَ مَا وَصَلُوا إِلَى مَرْتَبَةِ كَمَالِ الْعَقْلِ، وَالْأَحْدَاثِ السَّنِّ، الَّذِينَ لَا مُبَالَاةَ لَهُمْ بِأَصْحَابِ الْوَقَارِ وَأَرْبَابِ النُّهَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا وَقَعَ بَيْنَ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَتَلَتِهِ، وَبَيْنَ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَمَنْ قَاتَلَهُمْ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: لَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِثْلَ يَزِيدَ وَعَبْدِ الْمَلَكِ بْنِ مَرْوَانَ وَغَيْرِهِمَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: " «هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 7423

٥٣٨٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلَمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ " قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: " الْقَتْلُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٣٨٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ ") أَيْ: زَمَانُ الدُّنْيَا وَزَمَانُ الْآخِرَةِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ اقْتِرَابَ السَّاعَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يُرِيدُ بِهِ اقْتِرَابَ السَّاعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَقَارُبَ أَهْلِ الزَّمَانِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الشَّرِّ، أَوْ تَقَارُبَ الزَّمَانِ نَفْسِهِ فِي الشَّرِّ حَتَّى يُشْبِهَ أَوَّلُهُ آخِرَهُ، وَقِيلَ: بِقِصَرِ أَعْمَارِ أَهْلِهِ، اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ قِلَّةِ بَرَكَةِ الزِّمَانِ مِنْ كَثْرَةِ الْعِصْيَانِ. وَقَالَ الْقَاضِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَهُ أَنْ يَتَسَارَعَ الدِّوَلُ إِلَى الِانْقِضَاءِ وَالْقُرُونُ إِلَى الِانْقِرَاضِ ; فَيَتَقَارَبُ زَمَانُهُمْ وَيَتَدَانَى إِبَّانُهُمْ. (وَيُقْبَضُ الْعِلَمُ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ الْأَعْيَانِ (وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ) أَيْ: وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمِحَنُ (" وَيُلْقَى الشُّحُّ ") فِي قُلُوبِ أَهْلِهِ أَيْ: عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ حَتَّى يَبْخَلَ الْعَالِمُ بِعَلَمِهِ، وَالصَّانِعُ بِصَنْعَتِهِ، وَالْغَنِيُّ بِمَالِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ وُجُودَ أَصْلِ الشُّحِّ، لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ، إِلَّا مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ ; وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . (وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ. (قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: " الْقَتْلُ ") فِي الْقَامُوسِ: هَرَجَ النَّاسُ وَقَعُوا فِي فِتْنَةٍ وَاخْتِلَاطٍ وَقَتْلٍ، اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْهَرْجِ قَتْلٌ خَاصٌّ، وَهُوَ الْمَمْزُوجُ بِالْفِتْنَةِ وَالِاخْتِلَاطِ، فَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7424

٥٣٩٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ؟ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ؟ " فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: " الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٣٩٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا ") أَيْ: جَمِيعُهَا (" حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ ") أَيْ: يَوْمٌ عَظِيمٌ فِيهِ شَرٌّ جَسِيمٌ (" لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ؟ ") أَيِ: الْمَقْتُولُ هَلْ يَجُوزُ قَتْلُهُ أَمْ لَا؟ (" وَلَا الْمَقْتُولُ ") أَيْ: نَفْسُهُ أَوْ أَهْلُهُ (" فِيمَ قُتِلَ؟ ") هَلْ بِسَبَبِ شَرْعِيٍّ أَوْ بِغَيْرِهِ، كَمَا كَثُرَ النَّوْعَانِ فِي زَمَانِنَا، (فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟) أَيْ: مَا سَبَبُ وُقُوعِ الْقَتْلِ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُ الْقَاتِلُ وَلَا الْمَقْتُولُ سَبَبَهُ (قَالَ: الْهَرْجُ ") أَيِ: الْفِتْنَةُ وَالِاخْتِلَاطُ الْكَثِيرَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْقَتْلِ الْمَجْهُولِ، وَالْمَعْنَى: سَبَبُهُ ثَوَرَانُ الْهَرْجِ بِالْكَثْرَةِ وَهَيَجَانُهُ بِالشِّدَّةِ. (" «الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» ") : أَمَّا الْقَاتِلُ فَلِقَتْلِهِ مُسْلِمًا، وَأَمَّا الْمَقْتُولُ فَلِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَلَمْ يَجِدِ الْفُرْصَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: أَمَّا الْقَاتِلُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمَقْتُولُ فَإِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ أَنَّ مَنْ نَوَى الْمَعْصِيَةَ وَأَصَرَّ عَلَى النِّيَّةِ يَكُونُ آثِمًا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7425

٥٣٩١ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٣٩١ - (وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) : هُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، مُزَنِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَإِلَيْهَا يُنْسَبُ، مَاتَ زَمَنَ ابْنِ زِيَادٍ، وَقِيلَ: زَمَنَ مُعَاوِيَةَ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْعِبَادَةُ ") أَيْ: ثَوَابُهَا مَعَ الِاسْتِقَامَةِ وَالِاسْتِدَامَةِ عَلَيْهَا (" فِي الْهَرْجِ ") أَيْ: زَمَنَ الْفِتْنَةِ وَوَقْتَ الْمُحَارَبَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (" كَهَجْرَةٍ إِلَيَّ ") أَيْ: قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنَظِيرُهُ مَا وَرَدَ: " ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْعَامِلِينَ بِمَنْزِلَةِ الصَّابِرِ فِي الْفَارِّينَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
следующие страницы →