Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.
стр. 7491
٥٤٣٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي بِغَائِطٍ، يُسَمُّونَهُ الْبَصْرَةَ، عِنْدَ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: دِجْلَةُ، يَكُونُ عَلَيْهِ جِسْرٌ، يَكْثُرُ أَهْلُهَا، وَيَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ جَاءَ بَنُو قَنْطُورَاءَ عِرَاضُ الْوُجُوهِ، صِغَارُ الْأَعْيُنِ، حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ، فَيَتَفَرَّقُ أَهْلُهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ فِي أَذْنَابِ الْبَقَرِ وَالْبَرِّيَّةِ وَهَلَكُوا، وَفِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَهَلَكُوا، وَفِرْقَةٌ يَجْعَلُونَ ذَرَارِيَّهُمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ وَهُمُ الشُّهَدَاءُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٤٣٢ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) : بِالتَّاءِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " يَنْزِلُ أُنَاسٌ ") : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ لُغَةٌ فِي نَاسٍ (" مِنْ أُمَّتِي بِغَائِطٍ ") أَيْ: بِغَائِرٍ مِنَ الْأَرْضِ، ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَفِي الْفَائِقِ: أَيْ بَوَادٍ مُطَمْئِنٍ (" يُسَمُّونَهُ الْبَصْرَةَ ") : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْبَصْرَةُ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَيُحَرَّكُ وَبِكَسْرِ الصَّادِ، أَوْ هُوَ مُعَرَّبُ بِسْ رَاهْ أَيْ: كَثِيرُ الطُّرُقِ، (" عِنْدَ نَهَرٍ ") : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ (" يُقَالُ لَهُ: دِجْلَةُ ") : بِكَسْرِ الدَّالِ وَيُفْتَحُ نَهْرُ بَغْدَادَ، (" يَكُونُ عَلَيْهِ جِسْرٌ ") أَيْ: قَنْطَرَةٌ وَمَعْبَرٌ (" يَكْثُرُ أَهْلُهَا ") أَيْ: أَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَفِي حَاشِيَةِ الشِّفَاءِ لِلْحَلَبِيِّ: الْبَصْرَةُ مُثَلَّثُ الْبَاءِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، بَنَاهَا عُتْبَةُ بْنُ غَزَوَانَ فِي خِلَافَةَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَمْ يُعْبَدِ الصَّنَمُ قَطُّ فِي ظَهْرِهَا، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ.
стр. 7492
قَالَ الْمُغْنِي: وَالْكَسْرُ فِي النِّسْبَةِ أَفْصَحُ مِنَ الْفَتْحِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ لِمُجَاوِرَةِ كَسْرِ الرَّاءِ، هَذَا وَقَدْ قَالَ الْأَشْرَفُ: أَرَادَ ﷺ بِهَذِهِ الْمَدِينَةِ مَدِينَةَ السَّلَامِ بَغْدَادُ، فَإِنَّ دِجْلَةَ هِيَ الشَّطُّ، وَجِسْرُهَا فِي وَسَطِهَا لَا فِي وَسَطِ الْبَصْرَةِ، وَإِنَّمَا عَرَّفَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِبَصْرَةَ ; لِأَنَّ فِي بَغْدَادَ مَوْضِعًا خَارِجِيًّا مِنْهُ قَرِيبًا مِنْ بَابِهِ يُدْعَى بَابُ الْبَصْرَةِ، فَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ بَغْدَادَ بِاسْمِ بَعْضِهَا، أَوْ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، وَبَغْدَادُ مَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ وَلَا كَانَ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ فِي عَهْدِهِ ﷺ ; وَلِذَا قَالَ ﷺ : (" وَيَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ ") بِلَفْظِ الِاسْتِقْبَالِ، بَلْ كَانَ فِي عَهْدِهِ ﷺ قُرًى مُتَفَرِّقَةٌ بَعْدَمَا خُرِّبَتْ مَدَائِنُ كِسْرَى مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْبَصْرَةِ مَحْسُوبَةٌ مِنْ أَعْمَالِهَا، هَذَا وَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْمَعْ فِي زَمَانِنَا بِدُخُولِ التُّرْكِ بَصْرَةَ قَطُّ عَلَى سَبِيلِ الْقِتَالِ وَالْحَرْبِ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ بَعْضًا مِنْ أُمَّتِي يَنْزِلُونَ عِنْدَ دِجْلَةَ، وَيَتَوَطَّنُونَ ثَمَّةَ، وَيَصِيرُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِصْرًا مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ بَغْدَادُ، (" وَإِذَا كَانَ ") : اسْمُهُ مُضْمَرٌ (" فِي آخِرِ الزَّمَانِ جَاءَ بَنُو قَنْطُورَاءَ ") : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ النُّونِ مَقْصُورًا، وَقَدْ يُمَدُّ أَيْ: يَجِيئُونَ لِيُقَاتِلُوا أَهْلَ بَغْدَادَ، وَقَالَ بِلَفْظٍ: جَاءَ دُونَ يَجِيءُ ; إِيذَانًا بِوُقُوعِهِ، فَكَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ، وَبَنُو قَنْطُورَاءَ اسْمُ أَبِي التُّرْكِ، وَقِيلَ اسْمُ جَارِيَةٍ كَانَتْ لِلْخَلِيلِ ﵊ وَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا جَاءَ مِنْ نَسْلِهِمُ التُّرْكُ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; فَإِنَّ التُّرْكَ مِنْ أَوْلَادِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ، وَهُوَ قَبْلَ الْخَلِيلِ بِكَثِيرٍ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الْجَارِيَةَ كَانَتْ مِنْ أَوْلَادِ يَافِثَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْجَارِيَةِ بِنْتٌ مَنْسُوبَةٌ لِلْخَلِيلِ ; لِكَوْنِهَا مِنْ بَنَاتِ أَوْلَادِهِ، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا وَاحِدٌ مِنْ أَوْلَادِ يَافِثَ فَأَتَتْ بِأَبِي هَذَا الْجِيلِ، فَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ بِهَذَا الْقَالِ وَالْقِيلِ، وَيَصِحُّ انْتِسَابُهُمْ إِلَى يَافِثَ وَالْخَلِيلِ. (" عِرَاضُ الْوُجُوهِ ") : بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" صِغَارُ الْأَعْيُنِ، حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ، فَيَتَفَرَّقُ أَهْلُهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ ") : بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ جَمْعُ فِرْقَةٍ، (" فِرْقَةٌ ") : بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهَا (" يَأْخُذُونَ فِي أَذْنَابِ الْبَقَرِ ") : مِنْ أَخَذَ فِي الشَّيْءِ شَرَعَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: (" فِي الْبَرِّيَّةِ ") تَتْمِيمٌ وَتَذْيِيلٌ ; لِأَنَّ أَخْذَ أَذْنَابِ الْبَقَرِ لَا يَكُونُ غَالِبًا إِلَّا فِي الْبَرِّيَّةِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْمَدِينَةِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْبَحْرِيَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فِي الْبَرِّيَّةِ اخْتِيَارُ الْعُزْلَةِ، وَإِيثَارُ الصَّحْرَاءِ وَالْخَلَاءِ عَلَى الْبَلَدِ، وَاجْتِمَاعُ الْمَلَأِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ صِفَةٌ أَوْ حَالٌ، وَعَلَى الثَّانِي بَدَلُ كُلٍّ أَوْ بَعْضٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ (فِي) تَعْلِيلِيَّةً وَقَوْلُهُ: (" وَهَلَكُوا ") فَذْلَكَةً وَنَتِيجَةً لِأَفْعَالِهِمْ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ فِرْقَةً يُعْرِضُونَ عَنِ الْمُقَاتَلَةِ ; هَرَبًا مِنْهَا ; وَطَلَبًا لِخَلَاصِ أَنْفُسِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ، وَيُحْمَلُونَ عَلَى الْبَقَرِ فَيَهِيمُونَ فِي الْبَوَادِي، وَيَهْلِكُونَ فِيهَا، أَوْ يُعْرِضُونَ عَنِ الْمُقَاتَلَةِ، وَيَشْتَغِلُونَ بِالزِّرَاعَةِ، وَيَتْبَعُونَ الْبَقَرَ لِلْحِرَاثَةِ إِلَى الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ فَيَهْلِكُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: يَأْخُذُونَ فِي أَذْنَابِ الْبَقَرِ عَلَى مَعْنَى يُوقِعُونَ الْأَخْذَ فِي الْأَذْنَابِ، كَقَوْلِهِ: يُجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهِا نَصْلِي
وَكَأَنَّهُمْ يُبَالِغُونَ فِي الِاشْتِغَالِ وَلَا يَعْبَأُونَ بِأَمْرٍ آخَرَ، أَوْ يُوغِلُونَ فِي السَّيْرِ خَلْفَهَا إِلَى الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ فَيَهْلِكُونَ فِيهَا. (" وَفِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ ") أَيْ: يَطْلُبُونَ أَوْ يَقْبَلُونَ الْأَمَانَ مِنْ بَنِي قَنْطُورَاءَ (" لِأَنْفُسِهِمْ وَهَلَكُوا ") أَيْ: بِأَيْدِيهِمْ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْفِرْقَةِ الْمُسْتَعْصِمُ بِاللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، طَلَبُوا الْأَمَانَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِأَهْلِ بَغْدَادَ، وَهَلَكُوا بِأَيْدِيهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ. وَقَالَ شَارِحٌ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَصْرَةِ بَغْدَادَ ; لِأَنَّ بَغْدَادَ كَانَتْ قَرْيَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قُرَى الْبَصْرَةِ، إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ، فَالْوَاقِعَةُ وَقَعَتْ كَمَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَإِنْ أَرَادَ الْبَصْرَةَ الْمَعْهُودَةَ، فَلَعَلَّهُ يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ ; إِذْ لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ الْكُفَّارَ نَزَلُوا بِهَا قَطُّ لِلْقِتَالِ. (" وَفِرْقَةٌ يَجْعَلُونَ ذَرَارِيَّهُمْ ") أَيْ: أَوْلَادَهُمُ الصِغَارَ وَنِسَاءَهُمْ (" خَلْفَ ظُهُورِهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ وَهُمُ الشُّهَدَاءُ ") أَيِ: الْكَامِلُونَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ فِرْقَةً ثَالِثَةً هُمُ الْغَازِيَةُ الْمُجَاهِدَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتَلُوا التُّرْكَ قَبْلَ ظُهُورِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَاسْتُشْهِدَ مُعْظَمُهُمْ، وَنَجَتْ مِنْهُمْ شِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَشْرَفُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ فَإِنَّهُ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ فِي صَفَرَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 7493
٥٤٣٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «يَا أَنَسُ! إِنَّ النَّاسَ يُمَصِّرُونَ أَمْصَارًا، وَإِنَّ مِصْرًا مِنْهَا يُقَالُ لَهُ: الْبَصْرَةُ؛ فَإِنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِهَا أَوْ دَخَلْتَهَا، فَإِيَّاكَ وَسِبَاخَهَا وَكَلَأَهَا وَسُوقَهَا وَبَابَ أُمَرَائِهَا، وَعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِهَا خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَرَجْفٌ وَقَوْمٌ يَبِيتُونَ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ طَرِيقٍ لَمْ يَجْزِمْ بِهَا الرَّاوِي بَلْ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا ذَكَرَهُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
ــ
٥٤٣٣ - (وَعَنْ أَنَسِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَا أَنَسُ إِنَّ النَّاسَ يُمَصِّرُونَ ") بِتَشْدِيدِ الصَّادِ (" أَمْصَارًا ") : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ مِصْرٍ، أَيْ: يَتَّخِذُونَ بِلَادًا، وَالتَّمَصُّرُ اتِّخَاذُ الْمِصْرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ فَالتَّقْدِيرُ يَتَّخِذُونَ أَمْصَارًا فَفِيهِ تَجْرِيدٌ، وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ: يَضَعُونَ أَسَاسَ مِصْرٍ وَبِنَاءَهُ (" وَإِنَّ مِصْرًا مِنْهَا ") أَيْ: مِنَ الْأَمْصَارِ (وَيُقَالُ لَهُ: الْبَصْرَةُ، فَإِنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِهَا أَوْ دَخَلْتَهَا ") (أَوْ) : لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ، (" إِيَّاكَ وَسِبَاخَهَا ") أَيْ: فَاحْذَرْ سِبَاخَهَا وَهُوَ بِكَسْرِ السِّينِ جَمْعُ سَبْخَةٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، أَيْ: أَرْضٌ ذَاتُ مِلْحٍ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تَعْلُوهَا الْمِلُوحَةُ وَلَا تَكَادُ تُنْبِتُ إِلَّا بَعْضَ الشَّجَرِ، (" وَكَلَّاءَهَا ") : بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَمْدُودًا مَوْضِعٌ بِالْبَصْرَةِ، وَقَالَ شَارِحٌ: هُوَ شَطُّ النَّهْرِ، وَهُوَ مَوْضِعُ حَبْسِ السَّفِينَةِ، وَقِيلَ: هُوَ مَوْضِعُ الرَّعْيِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالتَّخْفِيفِ وَالْقَصْرِ، وَقَدِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ نُسْخَةُ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ ﵀ هَذَا وَقَوْمٌ يَجْعَلُونَ كَلَاءَ الْبَصْرَةِ اسْمًا مِنْ كُلٍّ عَلَى فَعَلَاءِ وَلَا يَصْرِفُونَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَوْضِعٌ تَكِلُّ فِيهِ الرِّيحُ عَنْ عَمَلِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَكَانَ الْحَذَرُ عَنْهَا لِعُفُونَةِ هَوَاهُ، (" وَنَخِيلَهَا ") : إِمَّا لِشُبْهَةٍ فِيهَا، أَوْ لِخَوْفِ غُرَّةٍ بِهَا (" وَسُوقَهَا ") : إِمَّا لِحُصُولِ الْغَفْلَةِ فِيهَا، أَوْ لِكَثْرَةِ اللَّغْوِ بِهَا، أَوْ فَسَادِ الْعُقُودِ وَنَحْوَهَا، (" وَبَابَ أُمَرَائِهَا ") أَيْ: لِكَثْرَةِ الظُّلْمِ الْوَاقِعِ بِهَا، (" وَعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا ") : جَمْعُ الضَّاحِيَةِ وَهِيَ النَّاحِيَةُ الْبَارِزَةُ لِلشَّمْسِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا جِبَالُهَا، وَهَذَا أَمْرٌ بِالْعُزْلَةِ، فَالْمَعْنَى: الْزَمْ نَوَاحِيَهَا، (" فَإِنَّهُ يَكُونُ بِهَا ") ، قِيلَ: الضَّمِيرُ لِلسِّبَاخِ، وَالصَّوَابُ لِلْمَوَاضِعِ الْمَذْكُورَةِ (خَسْفٌ) أَيْ: ذَهَابٌ فِي الْأَرْضِ وَغَيْبُوبَةٌ فِيهَا، (" وَقَذْفٌ ") أَيْ: رِيحٌ شَدِيدَةٌ بَارِدَةٌ، أَوْ قَذْفُ الْأَرْضِ الْمَوْتَى بَعْدَ دَفْنِهَا، أَوْ رَمْيُ أَهْلِهَا بِالْحِجَارَةِ بِأَنْ تُمْطِرَ عَلَيْهِمْ، (" وَرَجْفٌ ") أَيْ: زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ (" وَقَوْمٌ يَبِيتُونَ ") أَيْ: أَهْلُ ذَلِكَ الْمِصْرِ قَوْمٌ يَبِيتُونَ بِحَذْفِ الْمُبْتَدَأِ، أَوْ فِيهَا قَوْمٌ بِحَذْفِ الْخَبَرِ، كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ (قَوْمٌ) عَطْفٌ عَلَى خَسْفٍ، أَيْ: يَكُونُ بِهَا قَوْمٌ يُمْسُونَ طَيِّبِينَ (" وَيُصْبِحُونَ قِرَدَةً ") أَيْ: شَبَابُهُمْ (" وَخَنَازِيرَ ") أَيْ: شُيُوخُهُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْمُرَادُ بِهِ الْمَسْخُ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِمَا هُوَ أَشْنَعُ اهـ. وَقِيلَ: فِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بِهَا قَدَرِيَّةً ; لِأَنَّ الْخَسْفَ وَالْمَسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، هُنَا بَيَاضٌ فِي الْأَصْلِ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ لَمْ يَجْزِمْ بِهَا الرَّاوِي، بَلْ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ عِيسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
стр. 7494
٥٤٣٤ - وَعَنْ صَالِحِ بْنِ دِرْهَمٍ ﵄ يَقُولُ: انْطَلَقْنَا حَاجِّينَ فَإِذَا رَجُلٌ فَقَالَ لَنَا: إِلَى جَنْبِكُمْ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا: الْأُبُلَّةُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ يَضْمَنُ لِي مِنْكُمْ أَنْ يُصَلِّيَ لِي فِي مَسْجِدِ الْعَشَّارِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا، وَيَقُولُ: هَذِهِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ؟ سَمِعْتُ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مِنْ مَسْجِدِ الْعَشَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ لَا يَقُومُ مَعَ شُهَدَاءِ بَدْرٍ غَيْرُهُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: هَذَا الْمَسْجِدُ مِمَّا يَلِي النَّهْرَ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي الدَّرْدَاءِ " إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ "، فِي بَابِ: ذِكْرِ الْيَمَنِ وَالشَّامِ "، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
٥٤٣٤ - (وَعَنْ صَالِحِ بْنِ دِرْهَمٍ) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، وَفِي الْقَامُوسِ: دِرْهَمٌ كَمِنْبَرٍ وَزِبْرَجٍ مَعْلُومٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: بَاهِلِيٌّ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَمُرَةَ، وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَالْقَطَّانُ ثِقَةٌ. (يَقُولُ: انْطَلَقْنَا حَاجِّينَ) أَيْ: ذَهَبْنَا مُرِيدِينَ الْحَجَّ (فَإِذَا رَجُلٌ) : الْمُرَادُ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَقَوْلُهُ: (فَقَالَ) : عَطْفٌ عَلَيْهِ
стр. 7495
أَيْ: فَإِذَا رَجُلٌ وَاقِفٌ فَقَالَ (لَنَا: إِلَى جَنْبِكُمْ قَرْيَةٌ) : بِحَذْفِ الِاسْتِفْهَامِ (يُقَالُ لَهَا: الْأُبُلَّةُ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، الْبَلَدُ الْمَعْرُوفُ قُرْبَ الْبَصْرَةِ مِنْ جَانِبِهَا الْبَحْرِيِّ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَهِيَ أَحَدُ الْمُنْتَزَهَاتِ الْأَرْبَعِ، وَهِيَ أَقْدَمُ مِنَ الْبَصْرَةِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ اسْمٌ نَبَطِيٌّ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَقَالَ شَارِحٌ: هِيَ مِنْ جَنَّاتِ الدُّنْيَا، وَهِيَ أَرْبَعٌ: أُبُلَّةُ الْبَصْرَةِ، وَغُوطَةُ دِمَشْقَ، وَسَفْدُ سَمَرْ قَنْدَ، وَشِعْبُ بَوَانَ، ثُمَّ قِيلَ: بَوَانُ هُوَ كِرْمَانُ، وَقِيلَ نُوبِنْدِجَانُ فِي الْفَارِسِ. (قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: مَنْ يَضْمَنُ) : اسْتِفْهَامٌ لِلِالْتِبَاسِ وَالسُّؤَالِ، وَالْمَعْنَى: مَنْ يَتَقَبَّلُ وَيَتَكَفَّلُ (لِي) أَيْ: لَأَجْلِي (مِنْكُمْ أَنْ يُصَلِّيَ لِي) أَيْ: بِنِيَّتِي (فِي مَسْجِدِ الْعَشَّارِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، مَسْجِدٌ مَشْهُورٌ يُتَبَرَّكُ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، (رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا) أَيْ: أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَ (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ، أَوْ بِمَعْنَى " بَلْ "، (وَيَقُولُ) أَيْ: عِنْدَ النِّيَّةِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ (هَذِهِ) أَيِ: الصَّلَاةُ أَوْ ثَوَابُهَا (لِأَبِي هُرَيْرَةَ؟) : قِيلَ، فَإِنْ قِيلَ: الصَّلَاةُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَلَا تَقَبَلُ النِّيَابَةَ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ قُلْنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَاسَ الصَّلَاةَ عَلَى الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَجِّ شَائِبَةٌ مَالِيَّةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: ثَوَابٌ هَذِهِ الصَّلَاةِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، كَذَا ذَكَرَ الطِّيبِيُّ ﵀ وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: الْأَصْلُ فِي الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ، حَجًّا أَوْ صَلَاةً، أَوْ صَوْمًا أَوْ صَدَقَةً، أَوْ غَيْرَهَا كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ، فَإِذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَجَعَلَ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ جَازَ، وَيَصِلُ إِلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
(سَمِعْتُ خَلِيلِي) ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: قَدْ سَبَقَ مِنْهُ هَذَا الْقَوْلُ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، وَكَأَنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ رُؤْيَةٍ، بَلْ كَانَ الْبَاعِثُ عَلَيْهِ مَا عَرَفَ مِنْ قَلْبِهِ مِنْ صِدْقِ الْمَحَبَّةِ، وَلَوْ تَدَبَّرَ الْقَوْلَ لَمْ يَلْتَبِسْ عَلَيْهِ كَوْنُ ذَلِكَ زَائِغًا عَنْ نَهْجِ الْأَدَبِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» "، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ» " ; فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ خُلَّتَهُ مَعَ بَرَاءَتِهِ عَنْ خُلَّةِ كُلِّ خَلِيلٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَوْ تَأَمَّلَ حَقَّ التَّأَمُّلِ مَا ذَهَبَ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُحِبَّ مِنْ فَرْطِ الْمَحَبَّةِ وَصِدْقِ الْوِدَادِ بِرَفْعِ الِاحْتِشَامِ مِنَ الْبَيْنِ، لَا سِيَّمَا إِذَا امْتَدَّ زَمَانُ الْمُفَارَقَةِ عَلَى أَنَّهُ نَسَبَ الْخُلَّةَ إِلَى جَانِبِهِ لَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ ﵁ مُذْ أَسْلَمَ مَا فَارَقَ حَضْرَةَ الرِّسَالَةِ مَعَ شَدَّةِ احْتِيَاجِهِ وَفَاقَتِهِ، وَالنَّاسُ مُشْتَغِلُونَ بِتِجَارَتِهِمْ وَزُرُوعِهِمْ. أَقُولُ: قَوْلُهُ: لِأَنَّ صِدْقَ الْوِدَادِ يَرْفَعُ الِاحْتِشَامَ مِنَ الْبَيْنِ إِلَخْ، كَلَامٌ مَدْخُولٌ وَتَعْلِيلٌ مَعْلُولٌ، إِذْ مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ إِلَّا فِي الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنَ الْمُتَصَاحِبَيْنِ، وَلَا يُقَاسُ الْمُلُوكُ بِالْحَدَّادِينَ، فَأَيْنَ مَنْصِبُ صَاحِبِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ عَنْ مَرْتَبَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْحَضْرَةِ أَوِ الْغَيْبَةِ، حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ ﷺ بِأَنَّهُ خَلِيلُهُ، بِأَيِّ مَعْنًى يَكُونُ سَوَاءً مِنْ إِضَافَةِ الْوَصْفِ إِلَى فَاعِلِهِ أَوْ مَفْعُولِهِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَوْ صَدَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ لَأُنْكِرَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ بِظَاهِرِهِ مُصَادِمٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : " لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا " الْحَدِيثَ. هَذَا وَقَدْ قِيلَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ إِبْرَاهِيمَ بِالْخَلِيلِ، أَنَّهُ بَعَثَ إِلَى خَلِيلٍ لَهُ بِمِصْرَ فِي أَزْمَةٍ أَصَابَتِ النَّاسَ، يَمْتَارُ مِنْهُ، فَقَالَ خَلِيلُهُ: لَوْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَطْلُبُ الْمِيرَةَ لِنَفْسِهِ لَفَعَلْتُ، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُهَا لِلْأَضْيَافِ، فَاجْتَازَ غِلْمَانُهُ بِبَطْحَاءَ لَيِّنَةٍ فَمَلَأُوا مِنْهَا الْغَرَائِرَ حَيَاءً مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا أَخْبَرُوا إِبْرَاهِيمَ ﵊ سَاءَهُ الْخَبَرُ، فَحَمَلَتْهُ عَيْنَاهُ وَعَمَدَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى غِرَارَةٍ مِنْهَا، فَأَخْرَجَتْ أَحْسَنَ حُوَّارَى وَاخْتَبَزَتْ، وَاسْتَنْبَهَ فَاشْتَمَّ رَائِحَةَ الْخُبْزِ، فَقَالَ: مَنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مِنْ خَلِيلِكَ الْمِصْرِيِّ، فَقَالَ: بَلْ مِنْ عِنْدِ خَلِيلِيَ اللَّهِ ; فَسَمَّاهُ اللَّهُ خَلِيلًا. هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْكَشَّافِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: أَصْلُ الْخُلَّةِ الِاخْتِصَاصُ وَالِاسْتِقْصَاءُ، وَقِيلَ: أَصْلُهَا الِانْقِطَاعُ إِلَى مَنْ خَالَلْتَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَلَّةِ، وَهِيَ الْحَاجَةُ، فَسُمِّيَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَصَرَ حَاجَتَهُ إِلَى اللَّهِ ﷻ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَقِيلَ: الْخُلَّةُ صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ الَّتِي تُوجِبُ تَخَلُّلَ الْأَسْرَارِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهَا الْمَحَبَّةُ وَالْأَلْطَافُ، هَذَا كَلَامُ
стр. 7496
الْقَاضِي ﵀ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْخَلِيلُ مَعْنَاهُ الْمُحِبُّ الْكَامِلُ الْمَحَبَّةِ، وَالْمَحْبُوبُ الْمُوفِي بِحَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ، الَّتِي لَيْسَ فِي حُبِّهِ نَقْصٌ وَلَا خَلَلٌ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الِاخْتِيَارُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلِيلُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ تَعَالَى خَلِيلُ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْخَلَّةِ الَّتِي هِيَ الْحَاجَةُ اهـ.
وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْخُلَّةَ بِالْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرُوهَا لَا تَصْدُقُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَصْحَابِ، وَيَقُولُ: سَمِعْتُ خَلِيلِي. (أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ : بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (يَقُولُ) : فَاعِلٌ سَمِعْتُ (" إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ ") أَيْ: يَحْشُرُ (" مِنْ مَسْجِدِ الْعَشَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ لَا يَقُومُ ") أَيِ: الْقُبُورِ أَوْ فِي الْمَرْتَبَةِ (" مَعَ شُهَدَاءِ بَدْرٍ غَيْرُهُمْ ") ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ مِنْ شُهَدَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَوْ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ) أَيْ: أَبُو دَاوُدَ (هَذَا الْمَسْجِدُ مِمَّا يَلِي النَّهْرَ) أَيْ: نَهْرَ الْفُرَاتِ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ: (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي الدَّرْدَاءِ " إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ ") تَمَامُهُ: " يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ هِيَ خَيْرُ مَدَائِنِ الشَّامِ ". (فِي بَابِ: ذِكْرِ الْيَمَنِ وَالشَّامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) : جَلَّ شَأْنُهُ.
стр. 7497
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٤٣٥ - عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵄ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ، قَالَ: هَاتِ، إِنَّكَ لِجَرِيءٌ، وَكَيْفَ قَالَ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ ; يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» "، قَالَ عُمَرُ لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. قَالَ: قُلْتُ: مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: فَيُكْسَرُ الْبَابُ أَوْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا ; بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: ذَاكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ أَبَدًا. قَالَ: فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: هَلْ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مِنَ الْبَابِ؟ قَالَ: نَعَمْ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةٌ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ، قَالَ: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ. فَسَأَلَهُ فَقَالَ: عُمَرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٤٣٥ - (عَنْ شَقِيقٍ) : وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَرَوَى عَنْ خَلْقٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَ خِصِّيصًا بِهِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْحَدِيثِ، ثِقَةٌ حُجَّةٌ، مَاتَ زَمَنَ الْحَجَّاجِ (عَنْ حُذَيْفَةَ) أَيِ: ابْنُ الْيَمَانِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ عُمَرُ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، مَاتَ بِالْمَدَائِنِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَقَبْرُهُ بِهَا (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ) : صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: أَنَا أَحْفَظُ مَقُولَهُ ﷺ حِفْظًا مُمَاثِلًا لِمَا قَالَ، ذَكَرَ الطِّيِبِيُّ ﵀ فَأَحْفَظُ: مُتَكَلِّمٌ لَا تَفْضِيلَ كَمَا يُتَوَهَّمُ، (قَالَ: هَاتِ) : بِكَسْرِ التَّاءِ، أَيْ: أَعْطِنِي، عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، (إِنَّكَ لِجَرِيءٌ) : فَعِيلٌ مِنَ الْجَرَاءَةِ وَهِيَ الْإِقْدَامُ عَلَى الشَّيْءِ، وَمَعْنَاهُ: إِنَّكَ غَيْرُ هَائِبٍ، قَدْ تَجَاسَرْتَ عَلَى مَا لَا أَعْرِفُهُ، وَلَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُكَ، وَاعَيْتُ أَنَّكَ عَرَفْتَ صَرِيحَ الْقَوْلِ ; وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: هَاتِ (وَكَيْفَ: قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ .
قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هُوَ عَطْفٌ عَلَى هَاتِ، أَيْ: هَاتِ مَا قَالَ، وَبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الظَّاهِرَ بِالنَّظَرِ إِلَى حَالِ حُذَيْفَةَ، وَمَا كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّهُ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَقَعُ مِنَ الْفِتَنِ أَنْ
стр. 7498
يَكُونَ الْمَعْنَى إِنَّكَ لِجَرَاءَتِكَ وَكَثْرَةِ مُسَاءَلَتِكَ أَخَذْتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَمْ نَأْخُذْ مِنْهُ، فَهَاتِ وَبَيِّنْ. (قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ» ") أَيْ: عِيَالُهُ، مِنِ امْرَأَتِهِ وَجَارِيَتِهِ أَوْ أَقَارِبِهِ، (" وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ ") أَيْ: وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الرَّجُلَ يُبْتَلَى وَيُمْتَحَنُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَيُسْأَلُ عَنْ حُقُوقِهَا، وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ ذُنُوبٌ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِيهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُكَفِّرَهَا بِالْحَسَنَاتِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (" يُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ "، فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا سَأَلَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ وَاحْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ بِالْفِتْنَةِ الِاخْتِبَارُ وَالِابْتِلَاءُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ، وَأَنْ يُرَادَ بِهَا وَقْعَةُ الْقِتَالِ، وَكَانَ سُؤَالُهُ عَنِ الثَّانِي قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ (إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ) أَيْ: تَضْطَرِبُ اضْطِرَابَ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ شِدَّةِ الْمُخَاصَمَةِ، وَكَثْرَةِ الْمُنَازَعَةِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْمُشَاتَمَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ، وَإِنَّمَا أَنَّثَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمُشَارَ إِلَيْهِ بَعْدَ مَا ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ دَلَالَةً عَلَى فَظَاعَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَإِنَّهَا الدَّاهِيَةُ الدَّهْيَاءُ.
(قَالَ: قُلْتُ: مَا لَكَ وَلَهَا) : اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ لَكَ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى تِلْكَ الْفِتْنَةِ وَإِلَى سُؤَالِهَا، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمِحْنَةِ، وَأَيُّ شَيْءٍ لَهَا مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْكَ وَالْحُصُولِ لَدَيْكَ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ وَلَهَا اقْتِرَانٌ وَاجْتِمَاعٌ فِي زَمَانٍ، (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟) : يُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ، (إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا) : اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ، (قَالَ: فَيُكْسَرُ الْبَابُ) أَيْ: مِنْ شِدَّتِهِ وَصُعُوبَتِهِ، وَالِاسْتِفْهَامُ مُقَدَّرٌ ; وَلِذَا قَابَلَهُ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يُفْتَحُ) أَيْ: مِنْ خِفَّتِهِ وَسُهُولَتِهِ (قَالَ: قُلْتُ: لَا) أَيْ: لَا يُفْتَحُ ; فَانْصَبَّ النَّفْيُ عَلَى الْفِعْلِ الْقَرِيبِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ مُوَهَّمًا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا اسْتَدْرَكَهُ وَقَالَ: (بَلْ يُكْسَرُ) وَفَائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ وَالتَّأْيِيدُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: كَانَ يَكْفِي فِي الْجَوَابِ أَنْ يَقُولَ: يُكْسَرُ، فَلِمَ أَتَى بِلَا وَبَلْ؟ قُلْتُ: لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مَقَامِ التَّرْدِيدِ فِي الْكَسْرِ لِظُهُورِهِ، فَلَا يُسْأَلُ بِأَمِ الْمُعَادَلَةِ كَمَا سَبَقَ مِرَارًا اهـ.
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الِاعْتِرَاضِ الْبَارِدِ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ زُبْدَةِ الْفُصَحَاءِ وَعُمْدَةِ الْبُلَغَاءِ، وَكَذَا مِنْ دَعْوَى الظُّهُورِ الَّذِي لَا يَتَوَهَّمُهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَغْبِيَاءِ، مَعَ أَنَّ (أَمْ) لَيْسَ مَوْجُودًا فِي الْعِبَارَةِ، بَلِ التَّرْدِيدُ إِنَّمَا وَقَعَ بِلَفْظٍ أَوْ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَرْبَابِ الْإِشَارَةِ، بَلِ الظَّاهِرُ إِنَّمَا هُوَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى حُذَيْفَةَ فِي جَوَابِهِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ مِنْ أَنَّ جَوَابَ (أَمْ) الْمُتَّصِلَةِ بِالتَّعْيِينِ دُونَ نَعَمْ أَوْ لَا ; لِأَنَّهُمَا لَا يُفِيدَانِ التَّعْيِينَ بِخِلَافِ (أَوْ) مَعَ الْهَمْزَةِ كَمَا إِذَا قُلْنَا: جَاءَكَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو، فَإِنَّهُ يُصْبِحُ جَوَابُهُ بِلَا وَنَعَمْ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسُّؤَالِ أَحَدُهُمَا لَا عَلَى التَّعْيِينِ جَاءَكَ أَوْ لَا، وَلَا شَكَّ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُرَادٍ هُنَا فِي جَوَابِهِ، بَلِ الْمُرَادُ التَّعْيِينُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْحُكْمِ بِالْكَسْرِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ نَفَى مُقَابِلَهُ وَهُوَ الْفَتْحُ أَوَّلًا، ثُمَّ أَثْبَتَ الْكَسْرَ لِزِيَادَةِ إِفَادَةِ الْحَصْرِ كَمَا حَقَّقَ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ: اللَّهُ مَوْجُودٌ أَوْ ثَابِتٌ أَوْ مُحَقَّقٌ، لَمْ يُفِدْ نَفْيَ مَا سِوَاهُ، فَلِذَا عَدَلَ عَنْهُ إِلَى قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
(قَالَ) أَيْ: عُمَرُ ﵁ (ذَاكَ) : كَذَا بِلَا لَامٍ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، أَيْ: ذَاكَ الْبَابُ الَّذِي مِنْ وَصْفِهِ أَنْ يُكْسَرَ وَلَا يُفْتَحَ (أَحْرَى) أَيْ: حَرِيٌّ وَحَقِيقٌ (أَنْ لَا يُغْلَقَ أَبَدًا) ; لِأَنَّ الْفَتْحَ قَدْ يُرْجَى إِغْلَاقُهُ بِخِلَافِ
стр. 7499
الْكَسْرِ، فَإِنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ الرَّجَاءِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ثَوْبَانَ: " «إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي وَهُوَ شَقِيقٌ (فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: هَلْ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟) ، كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: مَا الْبَابُ؟ فَكَأَنَّهُمْ تَفَرَّسُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَابِ الشَّخْصُ لَا الْبَابُ الْحَقِيقِيُّ، كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَفِي الْكَسْرِ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةِ عُمَرَ ﵁ فَكَأَنَّ ابْنَ الْخَطَّابِ كَانَ بَابَ الصَّوَابِ، وَمِفْتَاحًا لِعِزِّ الْإِسْلَامِ، وَمَأْمَنًا مِنَ الْفِتَنِ بَيْنَ الْأَنَامِ، فَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَأَدْخَلَهُ دَارَ السَّلَامِ.
(قَالَ) أَيْ: حُذَيْفَةُ (نَعَمْ) أَيْ: كَانَ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ، (كَمَا يَعْلَمُ) أَيْ: كَعِلْمِهِ (أَنَّ دُونَ غَدٍ) أَيْ: قُدَّامَهُ (لَيْلَةٌ) ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْغَدَ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا مُتَأَخِّرًا عَنْ حُصُولِ اللَّيْلَةِ، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ زَمَنَ الْأَمْنِ فِي قُوَّةِ الْيَوْمِ الْحَاضِرِ، وَوَقْتَ الْفِتَنِ بِمَنْزِلَةِ الْغَدِ الْحَاضِرِ، وَالْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا فِي مَرْتَبَةِ لَيْلٍ سَاتِرٍ، وَمَا أَحْسَنَ تَعْبِيرَ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنْ ظُهُورِ يَوْمِ الْفِتْنَةِ بِالْغَدِ الْوَاقِعِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الظُّلْمَةِ الْمُعَبِّرِ عَنْهَا بِاللَّيْلَةِ ; لِخَفَاءِ أَمْرِ الْفِتْنَةِ وَشِدَّةِ بَلَائِهَا، فَإِنَّ اللَّيْلَ أَدْهَى لِلْوَيْلِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ عِلْمَهُ بِأَنَّهُ هُوَ الْبَابُ أَمْرٌ ظَاهِرٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ، (إِنِّي حَدَّثْتُهُ) : اسْتِئْنَافٌ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ أَيْ: ذَكَرْتُ لَهُ حَدِيثًا) أَيْ: ظَاهَرًا (لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ) : وَهِيَ جَمْعُ الْأُغْلُوطَةِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي يُغْلَطُ بِهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَرَادَ أَنَّ مَا ذَكَرْتُ لَهُ لَمْ يَكُنْ مُبْهَمًا مُحْتَمَلًا كَالْأَغَالِيطِ، بَلْ صَرَّحْتُهُ تَصْرِيحًا، وَفِيهِ أَنَّهُ قَدْ آثَرَ حُذَيْفَةُ الْحِرْصَ عَلَى حِفْظِ السِّرِّ، وَلَمْ يُصَرِّحْ لِعُمَرَ بِمَا سَأَلَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَنَّى عَنْهُ كِنَايَةً، أَيْ: لَا يَخْرُجُ مِنَ الْفِتَنِ شَيْءٌ فِي حَيَاتِكَ، وَكَأَنَّهُ مَثَّلَ الْفِتَنَ بِدَارٍ مُقَابِلٍ لِدَارِ الْأَمْنِ، وَحَيَاتُهُ بَابٌ مُغْلَقٌ، وَمَوْتُهُ بِفَتْحِ ذَلِكَ الْبَابِ، ثُمَّ أَنَّهُ كَنَّى بِالْكَسْرِ عَنِ الْقَتْلِ، وَبِالْفَتْحِ عَنِ الْمَوْتِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مِنْ بَابِ الصَّرِيحِ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ الرَّمْزِ وَالتَّلْوِيحِ، لَكِنَّ عُمَرَ مِمَّنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْإِشَارَةُ فَضْلًا عَنِ الْعِبَارَةِ، بَلْ هُوَ أَيْضًا مِنْ أَصْحَابِ الْأَسْرَارِ وَأَرْبَابِ الْأَنْوَارِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالسُّؤَالِ تَحْقِيقَ الْحَالِ، وَأَنَّهُ هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ يَكُونُ هَذَا الْعِلْمُ مِنْهُ عَلَى الْبَابِ ; وَلِذَا جَزَمَ حُذَيْفَةُ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ثُمَّ قَوْلُ الطِّيبِيِّ ﵀: وَلَعَلَّهُ لِهَذَا السِّرِّ قَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّكَ لِجَرِيءٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ إِظْهَارَ الْحَقِّ الْمَسْمُوعِ مِنْ سَيِّدِ الْخَلْقِ لَا يُسْتَبْعَدُ حَتَّى يُسَمَّى جَرَاءَةً عَلَى الرَّدِّ، فَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَالَ) أَيْ: شَقِيقٌ (فَهِبْنَا) : بِكَسْرِ الطَّاءِ مِنَ الْهَيْبَةِ أَيْ: فَخَشِينَا (أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ مَنِ الْبَابُ؟) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ (فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ) : وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (سَلْهُ) أَيْ: سَلْ حُذَيْفَةَ (فَسَأَلَهُ فَقَالَ) أَيْ: حُذَيْفَةُ (عُمَرُ) أَيْ: هُوَ الْبَابُ بِمَعْنَى السَّدِّ لِلْفِتْنَةِ عَنِ الْأَصْحَابِ وَالْأَحْبَابِ، أَوْ لِأَنَّهُ بَابُ النُّطْقِ بِالصَّوَابِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَفِي الْجَامِعِ: " «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَنَفْسِهِ وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ حُذَيْفَةَ.
стр. 7500
٥٤٣٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مَعَ قِيَامِ السَّاعَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٤٣٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مَعَ قِيَامِ السَّاعَةِ) أَيْ: مَعَ قُرْبِ قِيَامِهَا، وَقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ الْمَبَانِي وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْمَعَانِي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَيْ: إِسْنَادًا أَوْ مَتْنًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 7501
[بَابُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ]
стр. 7502
[٢] بَابُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٤٣٧ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ. وَيَكْثُرَ الزِّنَا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ ". ". وَفِي رِوَايَةٍ: " يَقِلُّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٢] بَابُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ
أَيْ: عَلَامَاتُ الْقِيَامَةِ، فَفِي النِّهَايَةِ: الْأَشْرَاطُ الْعَلَامَاتُ، وَاحِدَتُهَا شَرْطٌ بِالتَّحْرِيكِ، وَبِهِ سُمِّيِتِ شُرَطُ السُّلْطَانِ، لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا، هَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ أَنْكَرَ هَذَا التَّفْسِيرَ، وَقَالَ: أَشْرَاطُ السَّاعَةِ مَا يُنْكِرُهُ النَّاسُ مِنْ صِغَارِ أُمُورِهَا قَبْلَ أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ اهـ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِمَّا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: أَنَّ الشُّرَطَ مُحَرَّكَةً الْعَلَّامَةُ، وَأَوَّلُ الشَّيْءِ، وَرَذَائِلُ الْمَالِ وَصِغَارُهَا، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ الشُّرَطُ لَهُ مَعْنَيَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصْلُحُ لِلْمَقَامِ، فَلَا وَجْهَ لِلْإِنْكَارِ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: مَا يُنْكِرُهُ النَّاسُ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ ; إِذْ قَدْ يُوجَدُ فِي النَّاسِ مَنْ لَا يُنْكِرُ صِغَارَ أُمُورِ السَّاعَةِ ; لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ مِنْ صَاحِبِ السِّيَادَةِ وَالسَّعَادَةِ أَوَّلًا، وَزِيَادَةِ عَيْنِ الْيَقِينِ فِي مَقَامِ الْمُشَاهِدَةِ آخِرًا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٤٣٧ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ» ") أَيْ: يَرْتَفِعُ إِمَّا بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، وَإِمَّا بِخَفْضِهِمْ عِنْدَ الْأُمَرَاءِ (" وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ ") أَيْ: بِغَلَبَةِ السُّفَهَاءِ (" وَيَكْثُرَ الزِّنَا ") أَيْ: لِأَجْلِ قِلَّةِ الْحَيَاءِ (وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ ") : بِضَمِّ الشِّينِ وَفَتْحِهَا، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي الْمُتَوَاتِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، فَفِي الْقَامُوسِ: شَرِبَ كَسَمِعَ شُرْبًا، وَيُثَلَّثُ، ثُمَّ كَثْرَةُ شُرْبِ الْخَمْرِ مُوَرِّثَةٌ لِكَثِيرٍ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، فَيَحْصُلُ الِاعْتِدَاءُ. (" وَيَقِلَّ الرِّجَالُ ") أَيْ: وُجُودُهُمُ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ نِظَامُ الْعَالَمِ، (" وَيَكْثُرَ النِّسَاءَ ") أَيْ: مِمَّنْ لَا يَتَعَلَّقُ بِظُهُورِهِنَّ الْأَمْرُ الْأَهَمُّ، بَلْ وَجُودُهُنَّ مِمَّا يُكْثِرُ الْغَمَّ وَالْهَمَّ، وَيَقْتَضِي تَحْصِيلَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، (" حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ ") : بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيِ: الْقَائِمُ (" الْوَاحِدُ ") أَيِ: الْمُنْفَرِدُ لِمَصَالِحِهِنَّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ لَهُ، بَلْ أَعَمُّ مِنْهَا وَمِنَ الْأُمَّهَاتِ وَالْجَدَّاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ: " يَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ ") : وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا بَدَلَانِ مِنْ (يُرْفَعَ وَيَكْثُرَ) ، فَالتَّقْدِيرُ: أَنَّ يَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَلَعَلَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ مَآلَ آخِرِهِ إِلَى رَفْعِ الْعِلْمِ بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ السَّجَزِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُرْفَعَ الرُّكْنُ وَالْقُرْآنُ» ". وَفِي حَدِيثِ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ ". (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ ﵀ وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنِّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: " «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَفْشُوَ الزِّنَا، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَذْهَبَ الرِّجَالُ، وَيَبْقَى النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبَى مُوسَى مَرْفُوعًا: " «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ وَالْمَرَجُ وَهُوَ الْقَتْلُ» ".
стр. 7503
٥٤٣٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ، فَاحْذَرُوهُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٤٣٨ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ» ") ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَرَادَ مِنْهُ كَثْرَةَ الْجَهْلِ، وَقِلَّةَ الْعِلْمِ، وَالْإِتْيَانَ بِالْمَوْضُوعَاتِ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَمَا يَفْتَرُونَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ ادِّعَاءُ النُّبُوَّةِ كَمَا كَانَ فِي زَمَانِهِ وَبَعْدَ زَمَانِهِ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِمْ جَمَاعَةٌ يَدَّعُونَ أَهْوَاءً فَاسِدَةً، وَيُسْنِدُونَ اعْتِقَادَهُمُ الْبَاطِلَ إِلَيْهِ ﷺ كَأَهْلِ الْبِدَعِ كُلِّهِمْ، (" فَاحْذَرُوهُمْ "؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: قَوْلُهُ: " فَاحْذَرُوهُمْ " غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ قَوْلُ جَابِرٍ اهـ. وَفِي الْجَامِعِ كَلَفْظِ الْمِشْكَاةِ بِكَمَالِهِ، وَقَالَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.
стр. 7504
٥٤٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: " إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ". قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: " إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٤٣٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ) أَيْ: يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرٍ مَعَ أَصْحَابِهِ (إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: " إِذَا ضُيِّعَتِ ") : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ مِنَ التَّضْيِيعِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنَ الْإِضَاعَةِ (" الْأَمَانَةُ ") أَيْ: حِينَ جُعِلَتِ الْأَمَانَةُ ضَائِعَةً بِالْخِيَانَةِ، أَوْ وُضِعَتْ عِنْدَ غَيْرِ أَرْبَابِ الدِّيَانَةِ (" فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ") أَيْ: فَإِنَّهُ مِنْ أَشْرَاطِ الْقِيَامَةِ. (قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا) ؟ هَذَا يُؤَيِّدُ النُّسْخَةَ أَيْ: كَيْفَ تَضْيِيعُ الْأَمَانَةِ، وَالْأُمَّةُ قَائِمُونَ بِأَمْرِهَا، وَالْعَامَّةُ مُعْتَنُونَ بِقَدْرِهَا (قَالَ: " إِذَا وُسِّدَ ") : بِضَمِّ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ، وَقَدْ تُخَفَّفُ عَلَى مَا فِي الْمُقَدِّمَةِ أَيْ: أُسْنِدَ وَفُوِّضَ (" الْأَمْرُ ") أَيْ: أَمْرُ السُّلْطَةِ أَوِ الْإِمَارَةِ أَوِ الْقَضَاءِ أَوِ الْحُكُومَةِ (" إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ ") أَيْ: مِمَّنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ شَرَائِطُ الِاسْتِحْقَاقِ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَالْجَهَلَةِ وَالْفَسَقَةِ، وَالْبَخِيلِ وَالْجَبَانِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ قُرَشِيًّا وَلَوْ كَانَ مِنْ نَسْلِ سَلَاطِينِ الزَّمَانِ، هَذَا فِي الْخَلِيفَةِ، وَقِسْ عَلَى هَذَا سَائِرَ أُولِي الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ وَأَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ مِنَ التَّدْرِيسِ وَالْفَتْوَى وَالْإِمَامَةِ وَالْخَطَابَةِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْتَخِرُ بِهِ الْأَقْرَانُ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ أَنْ يَلِيَ الْأَمْرَ مَنْ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ، فَيُلْقَى لَهُ وِسَادَةُ الْمُلْكِ وَأَرَادَ بِالْأَمْرِ الْخِلَافَةَ، وَمَا يَنْضَمُّ إِلَيْهَا مِنْ قَضَاءٍ وَإِمَارَةٍ وَنَحْوِهَا، وَالتَّوْسِيدُ: أُخِذَ مِنَ الْوِسَادِ، يُقَالُ: وَسَدْتُهُ الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ فَتَوَسَّدَهُ، إِذَا جَعَلَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، وَلَفْظَةُ " إِلَى " فِيهَا إِشْكَالٌ، إِذْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُقَالَ: وُسِّدَ الْأَمْرُ لِغَيْرِ أَهْلِهِ، فَلَعَلَّهُ أَتَى بِهَا لِيَدُلَّ عَلَى إِسْنَادِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ اهـ.
وَفِي الْقَامُوسِ: إِنَّ إِلَى تَأْتِي مُرَادِفَةً لِلَّامِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣] اهـ. وَيُرِيدُ أَنَّ الْمَعْنَى: وَالْأَمْرُ لَكِ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنْ يُقَالَ: الْأَمْرُ رَاجِعٌ إِلَيْكِ، وَالْأَحْسَنُ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يُضَمَّنَ مَعْنَى التَّفْوِيضِ وَالْإِسْنَادِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ أَوَّلًا. (" فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ") : لِلدَّلَالَةِ عَلَى قُرْبِ قِيَامِهَا، وَإِنَّمَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى دُنُوِّ السَّاعَةِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى اخْتِلَالِ الْأَمْرِ، وَعَدَمِ تَمَامِ النِّظَامِ، وَوَهَنِ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَضَعْفِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لِأَنَّ تَغَيُّرَ الْوُلَاةِ وَفَسَادَهُمْ مُسْتَلْزِمٌ لِتَغَيُّرِ الرَّعِيَّةِ، وَقَدْ قِيلَ: النَّاسُ عَلَى دِينِ مُلُوكِهِمْ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَخْرَجَ الْجَوَابَيْنِ مُخْرَجَ الِاسْتِئْنَافِ لِلتَّأْكِيدِ ; وَلِأَنَّ السُّؤَالَ الْأَوَّلَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِجَوَابٍ حَقِيقِيٍّ يُطَابِقُهُ، فَإِنَّ تَأْقِيتَ السَّاعَةِ غَيْبٌ لَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، عَدَلَ عَنِ الْجَوَابِ إِلَى ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَسْئُولِ عَنْهُ دَلَالَةً مِنْ أَمَارَاتِهَا، وَسَلَكَ فِي الْجَوَابِ الثَّانِي مَسْلَكَ الْأَوَّلِ ; لِيَنْتَسِقَ الْكَلَامُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَانَ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يُكْتَفَى عَنْ جَوَابِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ، وَأَنْ يُؤْتَى فِي السُّؤَالِ الثَّانِي بِمَتَى ; لِيُطَابِقَ الْجَوَابَ، فَزَادَ فِي الْأَوَّلِ: " فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ " ; لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: " إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ " لَيْسَ إِبَّانَ السَّاعَةِ، بَلْ مِنْ أَمَارَاتِهَا، فَلَا تَكُونُ إِذَا شَرْطِيَّةً، وَتَأْوِيلُ السُّؤَالِ الثَّانِي: مَتَى تَضِيعُ الْأَمَانَةُ؟ وَكَيْفَ حُصُولُ التَّضْيِيعِ؟ فَقَالَ: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ، فَأَطْنَبَ فِي الْأَوَّلِ لِإِفَادَةِ مَعْنًى زَائِدٍ، وَاخْتَصَرَ فِي الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ تَفَنُّنًا اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ قَوْلَهُ: فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْجَوَابِ الثَّانِي، وَالْحَالُ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِهِ، بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْجَوَابَيْنِ، وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ أَصْلِ الطِّيبِيِّ ﵀، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: وَإِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 7505
٥٤٤٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ، حَتَّى يُخْرِجَ الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ، وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ: " تَبْلُغُ الْمَسَاكِنُ إِهَابَ أَوْ يِهَابَ» ".
ــ
٥٤٤٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَى يَكْثُرَ الْمَالُ ") أَيِ ابْتِلَاءٌ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ (" وَيَفِيضَ ") : بِفَتْحِ الْيَاءِ فِيهِ، وَفِيمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، أَيْ: يَسِيلَ مِنْ كَثْرَتِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ كَالسَّيْلِ ; لِيَمِيلَ الْخَلْقُ إِلَيْهِ كُلَّ الْمَيْلِ، (" حَتَّى يُخْرِجَ ") : بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ: يُفْرِزَ (" الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ ") ، أَيْ: لِكَثْرَةِ الْمَالِ وَلِقِلَّةِ الْمَيْلِ إِلَيْهِ بِتَشَوُّشِ الْحَالِ، (" وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ ") أَيْ: تَصِيرَ أَوْ تَرْجِعَ (" مُرُوجًا ") : بِالضَّمِّ أَيْ: رِيَاضًا كَمَا كَانَتْ بِنَبَاتَاتِهَا وَأَشْجَارِهَا وَأَثْمَارِهَا، (" وَأَنْهَارًا ") أَيْ: مِيَاهًا كَثِيرَةً جَارِيَةً فِي أَنْهَارِهَا.
وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَرْجُ: الْأَرْضُ الْوَاسِعَةُ ذَاتُ نَبَاتٍ كَثِيرٍ تَمْرُجُ فِيهِ الدَّوَابُّ، أَيْ: تُخَلَّى تَسْرَحُ مُخْتَلِطَةً كَيْفَ شَاءَتْ اهـ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قِيلَ: مِنْ أَنَّ الدُّنْيَا جَنَّةُ الْحَمْقَى فِي أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ غَافِلِينَ عَنِ الْعُقْبَى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) : أَيْ لِمُسْلِمٍ (قَالَ: " تَبْلُغُ الْمَسَاكِنُ ") أَيْ: تَصِلُ نِهَايَةَ مَسَاكِنِ الْمَدِينَةِ (" إِهَابَ ") : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، (" أَوْ يِهَابَ ") بِكَسْرِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ لِلِازْدِوَاجِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَ الْفُصَحَاءِ وَالْبُلَغَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا مَوْضِعَانِ قُرْبَ الْمَدِينَةِ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَعَدَمُ صَرْفِهِمَا بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ، وَالْمُرَادُ كَثْرَةُ عِمَارَةِ الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا. وَقَالَ شَارِحٌ: أَوْ نِهَابَ. بِالنُّونِ الْمَكْسُورَةِ، وَرُوِيَ بِالْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: أَمَّا إِهَابُ فَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَأَمَّا يَهَابُ فَبِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمَكْسُورَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي فِي الشَّرْحِ وَالْمَشَارِقِ إِلَّا الْكَسْرَ، وَحَكَى الْقَاضِي ﵀ عَنْ بَعْضِهِمْ نِهَابَ بِالنُّونِ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يُرِيدُ أَنَّ الْمَدِينَةَ يَكْثُرُ سَوَادُهَا حَتَّى يَتَّصِلَ مَسَاكِنُ أَهْلِهَا بِإِهَابَ أَوْ يِهَابَ، شَكَّ الرَّاوِي فِي اسْمِ الْمَوْضِعِ، أَوْ كَانَ يُدْعَى بِكِلَا الِاسْمَيْنِ، فَذَكَرَ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَهُمَا، وَفِي التَّصْحِيحِ عَلَى مَا نَقَلَهُ مِيرَكُ أَنَّ قَوْلَهُ: " إِهَابَ " بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَلَمْ يَصْرِفْهُ عَلَى قَصْدِ الْبُقْعَةِ، وَ " يِهَابَ " بِيَاءٍ ـ آخِرَ الْحُرُوفِ - مَكْسُورَةٍ، كَذَا قَيَّدَهُ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ، وَقَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِالْفَتْحِ. وَقِيلَ: فِيهِ نِهَابُ بِالنُّونِ، وَكَأَنَّهُ تَصْحِيفٌ، وَالشَّكُّ فِيهِ مِنَ الرَّاوِي.
وَفِي الْقَامُوسِ: الْإِهَابُ كَكِتَابِ الْجِلْدِ، وَكَسَحَابٍ: مَوْضِعٌ قُرْبَ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ يِهَابُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 7506
٥٤٤١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَلِيفَةٌ يُقَسِّمُ الْمَالَ وَلَا يَعُدُّهُ ". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا، وَلَا يَعُدُّهُ عَدًّا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٤٤١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَكُونُ ") أَيْ: يُوجَدُ (" فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَلِيفَةٌ ") أَيْ: سُلْطَانٌ بِحَقٍّ (" يُقَسِّمُ الْمَالَ ") أَيْ: عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ بِالْعَدْلِ، وَلَا يُخَزِّنُهُ كَسَلَاطِينِ زَمَانِنَا (" وَلَا يَعُدُّهُ ") بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: وَيُعْطِي كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ عَدٍّ وَإِحْصَاءٍ، بَلْ يَكُونُ إِحْسَانُهُ جُزَافًا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مِنَ الْإِعْدَادِ، وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ عُدَّةً وَذَخِيرَةً، أَيْ: لَا يَدَّخِرُ لِعَدُوٍّ لَا يَكُونُ لَهُ خِزَانَةً، كَفِعْلِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَدْ سَبَقَهُ شَارِحٌ ; حَيْثُ قَالَ: إِمَّا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ: لَا يُحْصِيهِ، أَوْ يُعِدُّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: لَا يَدَّخِرُهُ، وَهُوَ كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، لَكِنْ يُضْعِفُ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَبْنًى وَمَعْنًى قَوْلُهُ: (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ ") : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ: يُعْطِيهِ بِالْكَفَّيْنِ (" حَثْيًا ") : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَتَى بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ: حَثْيًا بَلِيغًا، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (" وَلَا يَعُدُّهُ عَدًّا ") : مَصْدَرٌ بَيَّنَ أَنَّ فِعْلَهُ ثُلَاثِيٌّ لَا رُبَاعِيٌّ. قَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْحَثْوُ الَّذِي يَفْعَلُهُ هَذَا الْخَلِيفَةُ يَكُونُ لِكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَالْغَنَائِمِ وَالْفُتُوحَاتِ مَعَ سَخَاءِ نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: السِّرُّ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ يُظْهَرُ لَهُ كُنُوزُ الْأَرْضِ، أَوْ يُعَلَّمُ الْكِيمْيَاءُ، أَوْ يَكُونُ مِنْ كَرَامَتِهِ أَنْ يَنْقَلِبَ الْحَجَرُ ذَهَبًا، كَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7507
٥٤٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٤٤٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ» ") : بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِهَا أَيْ يَكْشِفَ (" عَنْ كَنْزٍ ") : فَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: حَسَرْتُ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِي، وَحَسَرْتُ الثَّوْبَ عَنْ بَدَنِي أَيْ: كَشَفْتُهُمَا. وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ يَظْهَرَ وَيَكْشِفَ نَفْسَهُ عَنْ كَنْزٍ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ حَسَرَ مُتَعَدٍّ. وَقَالَ الْخَلْخَالِيُّ أَحَدُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ، أَيْ: سَيُظْهِرُ فُرَاتٌ عَنْ نَفْسِهِ كَنْزًا، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ وَقَعَ الْقَلْبُ فِي الْكَلَامِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ عَرَضَتِ النَّاقَةُ عَلَى الْحَوْضِ. وَفِي الْقَامُوسِ: حَسَرَهُ يَحْسُرُهُ وَيَحْسِرُهُ كَشَفَهُ، وَالشَّيْءُ حُسُورًا انْكَشَفَ، فَالْفِعْلُ مُتَعَدٍّ وَلَازِمٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ اللُّزُومِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكَلُّفٍ، فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْنَى: يَقْرُبُ الْفُرَاتُ أَنْ يَنْكَشِفَ عَنْ كَنْزٍ، أَيِ: انْكِشَافًا صَادِرًا عَنْ كَنْزٍ عَظِيمٍ. (" مِنْ ذَهَبٍ ") أَيْ: كَثِيرٍ (" فَمَنْ حَضَرَ ") أَيْ: فَالْغَائِبُ بِالْأَوْلَى (" فَلَا يَأْخُذْ ") : بِصِيغَةِ النَّهْيِ (" مِنْهُ شَيْئًا ") أَيْ: لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَخْذِ مِنْهُ مَا سَيَأْتِي مِنَ الْمُقَاتَلَةِ الْكَثِيرَةِ، وَالْمُنَازَعَةِ الْكَبِيرَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَلَا يَأْخُذُ نَفْيًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
стр. 7508
٥٤٤٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ، يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَيُقْتَلُ مَنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ: لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٤٤٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ» ") ، الظَّاهِرُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ مُتَّحِدَةٌ وَالرِّوَايَةَ مُتَعَدِّدَةٌ، فَالْمَعْنَى عَنْ كَنْزٍ عَظِيمٍ مِقْدَارِ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ هَذَا غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَيَكُونَ الْجَبَلُ مَعْدِنًا مِنْ ذَهَبٍ، (" يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ ") أَيْ: عَلَى تَحْصِيلِهِ وَأَخْذِهِ، (" فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ ") أَيْ: مِنَ النَّاسِ الْمُتَقَاتِلِينَ، (" وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ") أَيْ: مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ (" لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو ") . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
أَيْ: أَنَا الَّذِي يَنْجُو، فَنُظِرَ إِلَى الْمُبْتَدَأِ فَحُمِلَ الْخَبَرُ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمَوْصُولِ اهـ. أَيْ: يَرْجُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ هُوَ النَّاجِيَ فَيَقْتُلَ الْبَاقِيَ فِي الْحَالِ رَجَاءَ أَنْ يَنْجُوَ فِي الْمَآلِ فَيَأْخُذَ الْمَالَ، وَهَذَا مِنْ سُوءِ الْآمَالِ وَتَضْيِيعِ الْأَعْمَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فِيهِ كِنَايَةٌ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُقَالَ: أَنَا الَّذِي أَفُوزُ بِهِ، فَعُدِلَ إِلَى أَنْجُو ; لِأَنَّهُ إِذَا نَجَا مِنَ الْقَتْلِ تَفَرَّدَ بِالْمَالِ وَمَلَكَهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7509
٥٤٤٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ، فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٤٤٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَقِيءُ الْأَرْضُ ") : مُضَارِعٌ مِنَ الْقَيْءِ، أَيْ: تُلْقِي الْأَرْضُ (" أَفْلَاذَ كَبِدِهَا ") : بِفَتْحِ الْهَمْزِ جَمْعَ الْفِلْذَةِ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ الْمَقْطُوعَةُ طُولًا، وَسَمَّى مَا فِي الْأَرْضِ كَبِدًا تَشْبِيهًا بِالْكَبِدِ الَّتِي فِي بَطْنِ الْبَعِيرِ ; لِأَنَّهَا أَحَبُّ مَا هُوَ مُخَبَّأٌ فِيهَا، كَمَا أَنَّ الْكَبِدَ أَطْيَبُ مَا فِي بَطْنِ الْجَزُورِ، وَأَحَبُّهُ إِلَى الْعَرَبِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي بَطْنِ الْبَعِيرِ ; لِأَنَّ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: الْفِلْذُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْبَعِيرِ، فَالْمَعْنَى: تُظْهِرُ كُنُوزَهَا وَتُخْرِجُهَا مِنْ بُطُونِهَا إِلَى ظُهُورِهَا، (" أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ ") : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالطَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: " الْأُسْطُوَانَةِ " فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَالْأَوَّلُ جِنْسٌ وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِجَمْعِ الْأَمْثَالِ، وَقَوْلُهُ: (" مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ") لِبَيَانِ مُجْمَلِ الْحَالِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْضَ تُلْقِي مِنْ بَطْنِهَا مَا فِيهِ مِنَ الْكُنُوزِ، وَقِيلَ: مَا رَسَخَ فِيهَا مِنَ الْعُرُوقِ الْمَعْدِنِيَّةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانَةِ، وَشَبَّهَهَا بِأَفْلَاذِ الْكِبَادِ هَيْئَةً
стр. 7510
وَشَكْلًا، فَإِنَّهَا قِطَعُ الْكَبِدِ الْمَقْطُوعَةِ طُولًا. أَقُولُ: وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا - وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١ - ٢] ، (" فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ ") أَيْ: قَاتِلُ النَّفْسِ (" فَيَقُولُ: فِي هَذَا ") أَيْ: فِي طَلَبِ هَذَا الْغَرَضِ، وَلِأَجْلِ تَحْصِيلِ هَذَا الْمَقْصُودِ (" قَتَلْتُ ") أَيْ: مَنْ قَتَلْتُ مِنَ الْأَنْفُسِ، (" وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ ") أَيْ: قَاطِعُ الرَّحِمِ (" فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَلَوْ رُوِيَ مَعْلُومًا لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، أَيْ: تَسَبَّبَ لِقَطْعِ يَدِي (" ثُمَّ يَدَعُونَهُ ") : بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ: يَتْرُكُونَ مَا قَاءَتْهُ مِنَ الْكَنْزِ أَوِ الْمَعْدِنِ (" فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا ") . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ.
стр. 7511
٥٤٤٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٤٤٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا» ") أَيْ: لَا تَفْرَغُ وَلَا تَنْقَضِي (" حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ ") : الْمُرَادُ بِهِمَا الْجِنْسُ، فَهُمَا فِي قُوَّةِ النَّكِرَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا الِاسْتِغْرَاقُ، فَكُلُّ فَرْدٍ فِي هَذَا الِاسْتِحْقَاقِ (" فَيَتَمَرَّغُ ") أَيْ: يَتَقَلَّبُ الرَّجُلُ (" عَلَيْهِ ") أَيْ: فَوْقَ الْقَبْرِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ يَتَمَسَّكُ عَلَى رَأْسِ الْقَبْرِ وَيَتَقَلَّبُ فِي التُّرَابِ، (" وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ ") أَيْ: مَيِّتًا (" وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ ") : بِكَسْرِ الدَّالِ، (" إِلَّا الْبَلَاءُ ") أَيِ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى التَّمَنِّي لَيْسَ الدِّينُ بَلِ الْبَلَاءُ وَكَثْرَةُ الْمِحَنِ وَالْفِتَنِ وَسَائِرُ الضَّرَّاءِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: الدِّينُ هُنَا الْعَادَةُ وَلَيْسَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَتَمَرَّغُ، يَعْنِي: يَتَمَرَّغُ عَلَى رَأْسِ الْقَبْرِ، وَيَتَمَنَّى الْمَوْتَ فِي حَالٍ لَيْسَ التَّمَرُّغُ مِنْ عَادَتِهِ، وَإِنَّمَا حَمَلَ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ الدِّينُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، أَيْ: لَيْسَ ذَلِكَ التَّمَرُّغُ وَالتَّمَنِّي لِأَمْرٍ أَصَابَهُ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ الدُّنْيَا، فَيُفِيدُ الْبَلَاءَ الْمُطْلَقَ بِالدُّنْيَا بِوَاسِطَةِ الْقَرِينَةِ السَّابِقَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَيْ: بِهَذَا اللَّفْظِ، وَاتَّفَقَا عَلَى: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
قُلْتُ: وَهَذَا اللَّفْظُ فِي الْجَامِعِ أُسْنِدَ إِلَى أَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ، وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَخْرُجُ الدَّجَّالُ حَتَّى لَا يَكُونَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ خُرُوجِ نَفْسِهِ» ". وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ أَحَبَّ إِلَى الْمُؤْمِنِ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْعَسَلُ فَيَشْرَبُهُ» ". وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَبَى ذَرٍّ قَالَ: " «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَمُرُّ الْجَنَازَةُ فِيهِمْ فَيَقُولُ الرَّجُلُ: يَا لَيْتَ أَنِّي مَكَانَهُ» ".
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبَى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: مَرِضَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَتَيْتُ أَعُودُهُ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اشْفِ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُرْجِعْهَا، وَقَالَ: يُوشِكُ يَا أَبَا سَلَمَةَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ الْمَوْتُ أَحَبَّ إِلَى أَحَدِهِمْ مِنَ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ، وَيُوشِكُ يَا أَبَا سَلَمَةَ إِنْ بَقِيتَ إِلَى قَرِيبٍ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ الْقَبْرَ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَكَ.
стр. 7512
٥٤٤٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٤٤٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ» ") أَيْ: مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهُمَا (" تُضِيءُ ") : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: تُنَوِّرُ (" أَعْنَاقَ الْإِبِلِ ") : جَمْعُ الْعُنُقِ بِضَمَّتَيْنِ، وَهُوَ الْعُضْوُ الْمَعْرُوفُ، وَقِيلَ: بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْجَمَاعَةُ، (" بِبُصْرَى ") : بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ، وَهِيَ مَدِينَةُ حَوْرَانَ بِالشَّامِ، وَقِيلَ: مَدِينَةُ قَيْسَارِيَةِ الْبَصْرَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هَكَذَا الرِّوَايَةُ بِنَصْبِ " أَعْنَاقَ " وَهُوَ مَفْعُولُ تُضِيءُ، يُقَالُ: أَضَاءَتِ النَّارُ
стр. 7513
وَأَضَاءَتْ غَيْرَهَا، وَبُصَرَى بِضَمِّ الْبَاءِ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالشَّامِ، وَهِيَ مَدِينَةُ حَوْرَانَ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِمَشْقَ نَحْوُ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ، وَقَدْ خَرَجَتْ فِي زَمَانِنَا نَارٌ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَانَتْ نَارًا عَظِيمَةً خَرَجَتْ مِنْ جَنْبِ الْمَدِينَةِ - شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى - الشَّرْقِيِّ وَرَاءَ الْحَرَّةِ، وَتَوَاتَرَ الْعِلْمُ بِهَا عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الشَّامِ، وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ، وَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: رَأَى هَذِهِ النَّارَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ رُؤْيَةً لَا مِرْيَةَ فِيهَا وَلَا خَفَاءَ، فَإِنَّهَا لَبِثَتْ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ يَوْمًا تَتَّقِدُ وَتَرْمِي بِالْأَحْجَارِ الْمُجْمَرَةِ بِالنَّارِ مِنْ بَطْنِ الْأَرْضِ إِلَى مَا حَوْلَهَا، مُشَاكِلَةً لِلْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَنْ نَارِ جَهَنَّمَ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ - كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٢ - ٣٣] ، وَقَدْ سَالَ مِنْ يَنْبُوعِ النَّارِ فِي تِلْكَ الصَّحَارَى مَدٌّ عَظِيمٌ شَبِيهٌ بِالصُّفْرِ الْمُذَابِ، فَيَجْمُدُ الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ، فَيُوجَدُ شَبِيهًا بِخَبَثِ الْحَدِيدِ.
قَالَ الْقَاضِي ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَيْهَا، وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ وَهِيَ لَمْ تَحْدُثْ بَعْدُ» ".
قُلْتُ: لَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَوَّلَ الْأَشْرَاطِ مُطْلَقًا بَلِ الْأَشْرَاطَ الْمُتَّصِلَةَ بِالسَّاعَةِ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّهَا تَقُومُ عَمَّا قَرِيبٍ، فَإِنَّ مِنَ الْأَشْرَاطِ بَعْثَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ تَتَقَدَّمْهَا تِلْكَ النَّارُ، أَوْ أَرَادَ بِالنَّارِ نَارَ الْحَرْبِ وَالْفِتَنِ كَفِتْنَةِ التَّتَرِ، فَإِنَّهَا سَارَتْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: وَالْعَجَبُ مِنَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ، وَأَسْنَدَهُ مِنْ طَرِيقِ رُشْدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَاقَهُ بِلَفْظِهِ: فَاسْتَدْرَكَهُ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ فِيهِمَا، وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا رِوَايَتُهُ لَهُ مِنْ طَرِيقِ رُشْدِ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ اهـ. وَقَدْ سَبَقَ جَوَابُهُ بِأَنَّهُ أَتَى بِإِسْنَادٍ غَيْرِ إِسْنَادِ الصَّحِيحَيْنِ، فَيَكُونُ مُسْتَدْرِكًا لَا مُسْتَدْرَكًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ رُشْدٍ، وَلَعَلَّهُ قَوِيَ عِنْدَهُ أَوْ لَهُ مُتَابِعٌ أَوْ مُشَاهِدٌ يَنْجَبِرُ بِهِ، مَعَ أَنَّهُ أَقَلُّ رَاوٍ أَجْمَعُوا عَلَى ضَعْفِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7514
٥٤٤٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٤٤٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ") : سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ (" نَارٌ ") أَيْ: شُعْلَةٌ سَاطِعَةٌ أَوْ فِتْنَةٌ طَالِعَةٌ (" تَحْشُرُ النَّاسَ ") أَيْ: تَجْمَعُهُمْ (" مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَرَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «أَوَّلُ شَيْءٍ يَحْشُرُ النَّاسَ نَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ» "، كَذَا فِي الْجَامِعِ، وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ السَّابِقُ.
стр. 7515
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٤٤٨ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ فَتَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرْمَةِ بِالنَّارِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٤٤٨ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ» ") أَيْ: زَمَانُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَوْ يَتَقَارَبَ أَهْلُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الشَّرِّ، أَوْ يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ نَفْسُهُ فِي الشَّرِّ حَتَّى يُشْبِهَ أَوَّلُهُ آخِرَهُ، أَوْ تَقْصُرَ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي وَهُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا لِقَوْلِهِ: (" فَتَكُونُ ") بِالرَّفْعِ وَيُنْصَبُ وَهُوَ بِالتَّأْنِيثِ، وَيَجُوزُ تَذْكِيرُهُ لَيْلًا، ثُمَّ عَطَفَ الشَّهْرَ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى فَتَصِيرُ (" السَّنَةُ كَالشَّهْرِ ") .
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى قِلَّةِ بَرَكَةِ الزَّمَانِ وَذَهَابِ فَائِدَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، أَوْ عَلَى أَنَّ النَّاسَ لِكَثْرَةِ اهْتِمَامِهِمْ بِمَا دَهَمَهُمْ مِنَ النَّوَازِلِ وَالشَّدَائِدِ وَشُغْلِ قَلْبِهِمْ بِالْفِتَنِ الْعِظَامِ، لَا يَدْرُونَ كَيْفَ تَنْقَضِي أَيَّامُهُمْ وَلَيَالِيهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: الْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ قِصَرَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي فِي الْمَسَرَّاتِ وَطُولَهَا فِي الْمَكَارِهِ، قُلْنَا: الْمَعْنَى الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ فِي الْقِصَرِ وَالطُّولِ مُفَارِقٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى تَمَنِّي الْإِطَالَةِ لِلرَّخَاءِ، أَوْ إِلَى تَمَنِّي الْقِصَرِ
стр. 7516
لِلشِّدَّةِ، وَالَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ رَاجِعٌ إِلَى زَوَالِ الْإِحْسَاسِ بِمَا يَمُرُّ عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَانِ لِشِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ، وَذَلِكَ أَيْضًا صَحِيحٌ، (" وَالشَّهْرُ ") أَيْ: وَيَكُونُ الشَّهْرُ (" كَالْجُمُعَةِ ") : بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُسَكَّنُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْأُسْبُوعُ، (" وَتَكُونُ ") : بِالتَّأْنِيثِ رَفْعًا وَيُنْصَبُ أَيْ وَتَصِيرُ (" الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ ") أَيْ: كَالنَّهَارِ، (" وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ ") أَيِ: الْعُرْفِيَّةِ النُّجُومِيَّةِ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْقِسْمَةِ الِاثْنَتَيْ عَشْرِيَّةَ فِي اعْتِدَالِ الْأَزْمِنَةِ الصَّيْفِيَّةِ وَالشِّتَائِيَّةِ، (" وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرْمَةِ بِالنَّارِ ") : بِفَتْحِ الضَّادِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَيُفْتَحُ أَيْ: مِثْلَهَا فِي سُرْعَةِ ابْتِدَائِهَا وَانْقِضَائِهَا. قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَيْ كَزَمَانِ إِيقَادِ الضَّرْمَةِ وَهِيَ مَا يُوقَدُ بِهِ النَّارُ أَوَّلًا كَالْقَصَبِ وَالْكِبْرِيتِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الضَّرَمَةُ مُحَرَّكَةً السَّعَفَةُ أَوِ الشِّيحَةُ فِي طَرَفِهَا نَارٌ. وَفِي الْأَزْهَارِ: الضَّرْمَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ غُصْنُ النَّخْلِ، وَالشِّيحَةُ نَبْتٌ فِي طَرَفِهَا نَارٌ فَإِنَّهَا إِذَا اشْتَعَلَتْ تُحْرَقُ سَرِيعًا اهـ.
فَالْمُرَادُ بِهَا السَّاعَةُ اللُّغَوِيَّةُ، وَهِيَ أَدْنَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الزَّمَانِ مِنَ اللَّمْحَةِ وَاللَّحْظَةِ وَالطَّرْفَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ أَوْ عِيسَى ﵊ أَوْ كِلَيْهِمَا. قُلْتُ: وَالْأَخِيرُ هُوَ الْأَظْهَرُ ; لِظُهُورِ هَذَا الْأَمْرِ فِي خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَهُوَ فِي زَمَانِهِمَا. قَالَ فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَتِ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَالْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَالسَّاعَةُ كَالضَّرْمَةِ، فَمَا وَجْهُ التَّقَارُبِ وَمَعْنَاهُ؟ قُلْنَا: الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ السَّنَةَ ذَاتُ شُهُورٍ وَجُمَعٍ وَأَيَّامٍ وَسَاعَاتٍ، فَإِنَّ كُلَّ سَنَةٍ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا وَثَمَانٍ وَأَرْبَعُونَ جُمُعَةً، وَثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا وَأَرْبَعَةُ آلَافٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ سَاعَةً، وَإِذَا عَادَتِ السَّنَةُ إِلَى الشَّهْرِ عَادَتْ جُمُعَتُهَا إِلَى جُمُعَةِ شَهْرِ تِلْكَ السَّنَةِ، وَهِيَ أَرْبَعٌ، وَأَيَّامُهَا إِلَى أَيَّامِ شَهْرٍ بِتِلْكَ السَّنَةِ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَسَاعَاتُهَا إِلَى سَاعَاتِ شَهْرٍ بِتِلْكَ السَّنَةِ، وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ سَاعَةً، وَنِسْبَةُ كُلٍّ مِنْهَا إِلَى السَّنَةِ كَجُزْءٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا بِلَا زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ، نَعَمْ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ مِنْ أَمَدِ الضَّرْمَةِ بِالنَّارِ، فَإِنَّهَا غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا، وَلَا يَتَبَيَّنُ لِلنَّاظِرِ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ ; فَلِذَا قَالَ: " يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ "، وَلَمْ يَقُلْ يَتَسَاوَى الزَّمَانُ اهـ. وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ وَبَيَانٍ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ مِنَ الْبَابِ الْآتِي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7517
٥٤٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَغْنَمَ عَلَى أَقْدَامِنَا، فَرَجَعْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا، وَعَرَفَ الْجَهْدَ فِي وُجُوهِنَا، فَقَامَ إِلَيْنَا فَقَالَ: " «اللَّهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ فَأَضْعُفَ عَنْهُمْ، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ قَالَ: " يَا ابْنَ حَوَالَةَ! إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتِ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ، فَقَدْ دَنَتِ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَابِلُ وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ، وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنَ النَّاسِ مِنْ يَدِي هَذِهِ إِلَى رَأْسِكَ» ". رَوَاهُ. . . . .
ــ
٥٤٤٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: أَزْدِيٌّ نَزَلَ الشَّامَ، رَوَى عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ وَغَيْرِهِ، (قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ") أَيْ: أَرْسَلَنَا (لِنَغْنَمَ) أَيْ: لِنَأْخُذَ الْغَنِيمَةَ (عَلَى أَقْدَامِنَا) أَيْ: مَاشِينَ عَلَيْهَا، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي بَعَثَنَا أَيْ بَعَثَنَا رِجَالًا غَيْرَ رُكَّابٍ، (فَرَجَعْنَا) أَيْ: سَالِمِينَ مَأْمُونِينَ (فَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا) أَيْ: فَصِرْنَا مَغْمُومِينَ مَحْزُونِينَ، (وَعَرَفَ الْجَهْدَ) : بِالْفَتْحِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالضَّمِّ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْجَهْدُ الطَّاقَةُ وَيُضَمُّ وَالْمَشَقَّةُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْجُهْدُ بِالضَّمِّ الطَّاقَةُ وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لُغَتَانِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَشَقَّةُ، وَقَدْ صَرَّحَ شَارِحٌ بِالْفَتْحِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ فِي أَصْلِهِ، أَيْ: وَعَرَفَ مَشَقَّةَ أَلَمِ فَقْدِ الْغَنِيمَةِ (فِي وُجُوهِنَا) أَيْ: فِيمَا ظَهَرَ عَلَيْهَا مِنْ آثَارِ الْكَآبَةِ وَالْحُزْنِ وَالْخَجَالَةِ وَالْحَيَاءِ، (فَقَامَ) أَيْ: خَطِيبًا (فِينَا) أَيْ: لِأَجْلِنَا أَوْ فِيمَا بَيْنَنَا (فَقَالَ: " اللَّهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ ") : مِنَ الْوُكُولِ أَيْ: لَا تَتْرُكْ أُمُورَهُمْ (" إِلَيَّ ") أَيْ: إِلَى أَمْرِي (" فَأَضْعُفَ عَنْهُمْ ") : بِالنَّصْبِ جَوَابًا لِلنَّهْيِ ; وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ ضَعِيفًا، وَأَنَّ الْمَخْلُوقَ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ عَنْ غَيْرِهِ ; وَلِذَا وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ: اللَّهُمَّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَلَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تَكِلْنِي إِلَى ضَعْفٍ وَعَوْرَةٍ وَذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩] وَهَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ الْمُبَيَّنُ بِقَوْلِهِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
стр. 7518
وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ أَنَّ إِلْيَاسَ وَالْخَضِرَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَلْتَقِيَانِ فِي كُلِّ عَامٍ بِالْمَوْسِمِ، فَيَحْلِقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسَ صَاحِبِهِ وَيَفْتَرِقَانِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا يَسُوقُ الْخَيْرَ إِلَّا اللَّهُ، مَا شَاءَ اللَّهُ لَا يَصْرِفُ السُّوءَ إِلَّا اللَّهُ، مَا شَاءَ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. ثُمَّ لَمَّا كَانَ لَهُ الْقُرْبُ الْإِلَهِيُّ قَدَّمَ دَفْعَ وُكُولِهِمْ إِلَيْهِ أَوَّلًا ثُمَّ قَالَ: (" وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا ") : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفُتِحَ، فَفِي الْقَامُوسِ: عَجَزَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَسَمِعَ، ثُمَّ فِي تَأْخِيرِ أَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ الْأَنْفَسَ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، (" وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ ") أَيْ: إِلَى الْخَلْقِ، وَإِنَّمَا خَصَّ النَّاسَ لِقُرْبِ الِاسْتِئْنَاسِ ; (" فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ ") عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ فَيَعْجِزُوا لِظُهُورِهِ، إِلَى قَوْلِهِ: فَيَسْتَأْثِرُوا ; إِشْعَارًا بِأَنَّهُمْ مَا يَكْتَفُونَ بِإِظْهَارِ الْعَجْزِ، بَلْ يَتَبَادَرُونَ إِلَى أَنْ يَخْتَارُوا الْجَيِّدَ لِأَنْفُسِهِمْ وَالرَّدِيءَ لِغَيْرِهِمْ، فَفِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ فِي شُهُودِ صُنْعِ اللَّهِ وَالْغَيْبَةِ عَمَّا سِوَاهُ، حَتَّى يَكِلُوا أُمُورَهُمْ إِلَيْهِ، وَيَعْتَمِدُوا فِي جَمِيعِ حَوَائِجِهِمْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ أُمُورَ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] .
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْمَعْنَى: لَا تُفَوِّضْ أُمُورَهُمْ إِلَيَّ فَأَضْعُفَ عَنْ كِفَايَةِ مُؤْنَتِهِمْ وَسَدِّ خَلَّتِهِمْ، وَلَا تُفَوِّضْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَعْجِزُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ ; لِكَثْرَةِ شَهَوَاتِهَا وَشُرُورِهَا، وَلَا تُفَوِّضْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَخْتَارُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ ; فَيَضِيعُوا، بَلْ هُمْ عِبَادُكَ فَافْعَلْ بِهِمْ مَا يَفْعَلُ السَّادَةُ بِالْعَبِيدِ. (ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي) ، أَيْ: لِحِكْمَةٍ سَتَأْتِي، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْبَرَكَةِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى ذَلِكَ الْمَرَامِ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَضَعَهَا ثُمَّ رَفَعَهَا، (ثُمَّ قَالَ: " يَا ابْنَ حَوَالَةَ إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ ") أَيْ: خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ (" قَدْ نَزَلَتِ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ") أَيْ: مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ، كَمَا وَقَعَتْ فِي إِمَارَةِ بَنِي أُمَيَّةَ (" فَقَدْ دَنَتِ ") أَيْ: قَرُبَتِ (" الزَّلَازِلُ ") أَيْ: وُقُوعُهَا وَهِيَ مُقَدِّمَاتُ زَلْزَلَةِ السَّاعَةِ الَّتِي هِيَ شَيْءٌ عَظِيمٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] ، وَالزَّلْزَلَةُ هِيَ الْحَرَكَةُ وَالزِّلْزَالُ مَصْدَرٌ، (" وَالْبَلَابِلُ ") : جَمْعُ بَلْبَلَةٍ، فَفِي النِّهَايَةِ: هِيَ الْهُمُومُ وَالْأَحْزَانُ، وَبَلْبَلَةُ الصَّدْرِ وَسْوَاسُهُ، (" وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ ") أَيْ: مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، (" وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنَ النَّاسِ مِنْ يَدِي هَذِهِ ") أَيِ: الْمَوْضُوعَةِ عَلَى رَأْسِكَ (" إِلَى رَأْسِكَ " رَوَاهُ) : كَذَا هُنَا بَيَاضٌ بِالْأَصْلِ، وَأُلْحِقَ فِي الْحَاشِيَةِ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ. جَزَرِيٌّ وَأُلْحِقَ فِي نُسْخَةٍ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ.
стр. 7519
٥٤٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا اتُّخِذَ الْفَيْءُ دِوَلًا، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَتُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَعَقَّ أُمَّهُ، وَأَدْنَى صَدِيقَهُ، وَأَقْصَى أَبَاهُ، وَظَهَرَتِ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ، وَشُرِبَتِ الْخَمْرُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا ; فَارْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ وَزَلْزَلَةً وَخَسْفًا وَمَسْخًا وَقَذْفًا وَآيَاتٍ تَتَابَعُ كَنِظَامٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٤٥٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا اتُّخِذَ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: إِذَا أُخِذَ (" الْفَيْءُ ") أَيِ: الْغَنِيمَةُ (" دِوَلًا ") : بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَيُضَمُّ أَوَّلُهُ جَمْعُ دُولَةٍ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ، أَيْ: غَلَبَةً فِي الْمُدَاوَلَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الدَّوْلَةُ انْقِلَابُ الزَّمَانِ، وَالْعُقْبَةُ فِي الْمَآلِ وَيُضَمُّ، أَوِ الضَّمُّ فِيهِ وَالْفَتْحُ فِي الْحَرْبِ، أَوْ هُمَا سَوَاءٌ، أَوِ الضَّمُّ فِي الْآخِرَةِ وَالْفَتْحُ فِي الدُّنْيَا، الْجَمْعُ: دُوَلٌ مُثَلَّثَةً. وَفِي شَرْحِ ابْنِ الْمَلَكِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الدُّولَةُ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِمَا يُتَنَاوَلُ مِنَ الْمَالِ يَعْنِي الْفَيْءَ، وَبِالْفَتْحِ الِانْتِقَالُ مِنْ حَالِ الْبُؤْسِ وَالضُّرِّ إِلَى حَالِ السُّرُورِ.
стр. 7520
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: أَيْ إِذَا كَانَ الْأَغْنِيَاءُ وَأَصْحَابُ الْمَنَاصِبِ يَسْتَأْثِرُونَ بِحُقُوقِ الْفُقَرَاءِ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ أَمْوَالَ الْفَيْءِ تُؤْخَذُ غَلَبَةً وَأَثَرَةً صَنِيعَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَذَوِي الْعُدْوَانِ، (" وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا ") ، أَيْ: بِأَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِوَدَائِعِ بَعْضِهِمْ وَأَمَانَاتِهِمْ، فَيَتَّخِذُونَهَا كَالْمَغَانِمِ يَغْنَمُونَهَا، (" وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا ") أَيْ: بِأَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ أَدَاؤُهَا حَتَّى تُعَدَّ غَرَامَةً، (" وَتُعُلِّمَ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ (" لِغَيْرِ الدِّينِ ") ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، كَذَا فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ بِغَيْرِ اللَّامِ، وَالْأُولَى أَوْلَى، أَيْ: رِوَايَةً وَدِرَايَةً، أَيْ: يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ لِطَلَبِ الْجَاهِ وَالْمَالِ لَا لِلدِّينِ وَنَشْرِ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ; لِإِظْهَارِ دِينِ اللَّهِ، (" وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ") أَيْ: فِيمَا تَأْمُرُهُ وَتَهْوَاهُ مُخَالِفًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَهُدَاهُ، (" وَعَقَّ أُمَّهُ ") أَيْ: خَالَفَهَا فِيمَا تَأْمُرُهُ وَتَنْهَاهُ، وَفِي الْقَرِينَتَيْنِ إِشْعَارٌ بِانْقِلَابِ الدَّهْرِ ; لِانْعِكَاسِ الْأَمْرِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: (" وَأَدْنَى صَدِيقَهُ، وَأَقْصَى أَبَاهُ ") ; حَيْثُ قَرَّبَ صَدِيقَهُ الْأَجْنَبِيَّ إِلَيْهِ، وَبَعَّدَ أَقْرَبَ الْأَقْرَبِينَ مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ أَشْفَقُ الْأَشْفَقِينَ عَلَيْهِ، هَذَا وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: خَصَّ عُقُوقَ الْأُمِّ بِالذِّكْرِ، وَإِنْ كَانَ عُقُوقُ كُلٍّ مِنَ الْأَبَوَيْنِ مَعْدُودًا مِنَ الْكَبَائِرِ ; لِتَأَكُّدِ حَقِّهَا، أَوْ لِكَوْنِ قَوْلِهِ: وَأَقْصَى أَبَاهُ بِمَنْزِلَةِ وَعَقَّ أَبَاهُ، فَيَكُونُ عُقُوقُهُمَا مَذْكُورًا. أَقُولُ: فَفِيهِ تَفَنُّنٌ وَتَسْجِيعٌ، مَعَ زِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي قَوْلِهِ: أَقْصَى، عَلَى قَوْلِهِ: عَقَّ، عَلَى أَنَّهُ يُفْهَمُ عُقُوقُ الْأَبِ مِنْ عُقُوقِ الْأُمِّ بِالْأَوْلَى.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: وَأَدْنَى صَدِيقَهُ وَأَقْصَى أَبَاهُ، كِلَاهُمَا قَرِينَةٌ لِقَوْلِهِ: وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ، لَكِنَّ الْمَذْمُومَ فِي الْأُولَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ إِدْنَاءَ الصَّدِيقِ مَحْمُودٌ، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّ الْإِفْرَادَ وَالْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مَذْمُومَانِ. وَأَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ إِطَاعَةَ الْمَرْأَةِ وَالْأُمِّ فِي الْمُبَاحِ مَنْدُوبَتَانِ، وَفِي الْمَعْصِيَةِ مَنْهِيَّتَانِ، فَالْغَرَابَةُ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا هِيَ فِي انْعِكَاسِ الْقَضِيَّةِ وَانْقِلَابِ الْبَلِيَّةِ، وَكَذَا فِي الْقَرِينَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ; إِذْ يُتَصَوَّرُ إِدْنَاءُ الصَّدِيقِ الصَّالِحِ وَإِبْعَادُ الْأَبِ الصَّالِحِ، وَيُؤَيِّدُ مَا حَرَّرْنَا قَوْلُهُ: فَرَجَّحَ جَانِبَ الزَّوْجَةِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّهْوَةِ عَلَى جَانِبِ الْأُمِّ، فَإِنَّهَا مَرْضَاةُ الرَّبِّ، وَخَصَّ الْأُمَّ بِالذِّكْرِ لِزِيَادَةِ حَقِّهَا، وَتَأَكُّدِ مَشَقَّتِهَا فِي تَرْبِيَتِهِ، فَعُقُوقُهَا أَقْبَحُ مِنْ عُقُوقِ الْأَبِ، وَأَدْنَى صَدِيقَهُ أَيْ: قَرَّبَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِلْمُؤَانَسَةِ وَالْمُجَالَسَةِ، وَأَقْصَى أَبَاهُ أَبْعَدَهُ وَلَمْ يَسْتَصْحِبْهُ وَلَمْ يَسْتَأْنِسْ بِهِ. (وَظَهَرَتِ الْأَصْوَاتُ) أَيْ: رَفْعُهَا (فِي الْمَسَاجِدِ) ، وَهَذَا مِمَّا كَثُرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَقَدْ نَصَّ بَعْضُ عُلَمَائِنَا بِأَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ لِلذِّكْرِ حَرَامٌ، (وَسَادَ الْقَبِيلَةَ) : وَفِي مَعْنَاهُ الْبَلَدُ وَالْمَحَلَّةُ (فَاسِقُهُمْ) ، وَظَالِمُهُمْ بِالْأَوْلَى، وَقَدْ كَثُرَ هَذَا أَيْضًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَثْرَةَ هِيَ الْعَلَامَةُ، وَإِلَّا فَلَمْ يَكُنْ يَخْلُو زَمَانٌ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣] (وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ) أَيِ: الْمُتَكَفِّلُ بِأَمْرِهِمْ (أَرْذَلَهُمْ) أَيْ: أَبْخَلَهُمْ، أَوْ أَكْثَرَهُمْ رَذَالَةً فِي النَّسَبِ وَالْحَسَبِ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: زَعِيمُ الْقَوْمِ رَأْسُهُمْ. وَفِي الْقَامُوسِ: الزَّعِيمُ الْكَفِيلُ، وَسَيِّدُ الْقَوْمِ رَأْسُهُمْ وَالْمُتَكَلِّمُ عَنْهُمْ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ النُّسَخَ جَمِيعَهَا عَلَى رَفْعِ " زَعِيمُ " وَنَصْبِ " أَرْذَلَهُمْ "، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُعْكَسَ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالزَّعِيمِ الْكَرِيمُ، وَبِالْأَرْذَلِ الْأَحْمَقُ وَالْأَخْمَلُ، وَفِي الْمَالِ وَالْجَاهِ أَقَلُّ، (" وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ ") أَيْ: عُظِّمَ (" مَخَافَةَ شَرِّهِ ") أَيْ: لَا لِسَبَبٍ غَيْرِهِ مِنْ نَحْوِ رَجَاءِ خَيْرِهِ، (" وَظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ ") : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ أَيِ: الْإِمَاءُ الْمُغَنِّيَاتُ، (" وَالْمَعَازِفُ ") ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ أَيْ: وَظَهَرَتْ آلَاتُ اللَّهْوِ، (" وَشُرِبَتِ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (" الْخُمُورُ ") أَيْ: أَنْوَاعُ الْخَمْرِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا تُشْرَبُ شُرْبًا ظَاهِرًا، (" وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا ") : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَةَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ الْمُنَاسِبَةُ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ؟ قَالُوا: أَصْحَابُ مُوسَى وَعِيسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ.
стр. 7521
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ طَعَنَ الْخَلَفُ فِي السَّلَفِ، وَذَكَرُوهُمْ بِالسُّوءِ، وَلَمْ يَقْتَدُوا بِهِمْ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَكَأَنَّهُ لَعَنَهُمْ. أَقُولُ: إِذَا كَانَتِ الْحَقِيقَةُ مُتَحَقِّقَةً فَمَا الْمُحْوِجُ إِلَى الْعُدُولِ عَنْهَا إِلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، وَقَدْ كَثُرَتْ كَثْرَةً لَا تَخْفَى فِي الْعَالَمِ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي حَقِّ الْأَوَّلِينَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَشْحُونَانِ بِمَنَاقِبِهِمْ وَفَضَائِلِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ نَصَرُوا نَبِيَّهُمْ فِي اجْتِهَادِهِ، وَجَاهَدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، فَتَحُوا بِلَادَ الْإِسْلَامِ، وَحَفِظُوا الْأَحْكَامَ وَسَائِرَ الْعُلُومِ مِنْ سَيِّدِ الْأَنَامِ، وَانْتَفَعُوا بِهِمْ عُلَمَاءُ الْأَعْلَامِ وَمَشَايِخُ الْكِرَامِ، وَقَدْ عَلَّمَنَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنْ نَقُولَ فِي حَقِّهِمْ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] ، وَقَدْ ظَهَرَتْ طَائِفَةٌ لَاعِنَةٌ مَلْعُونَةٌ، إِمَّا كَافِرَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ، حَيْثُ لَمْ يَكْتَفُوا بِاللَّعْنِ وَالطَّعْنِ فِي حَقِّهِمْ، بَلْ نَسَبُوهُمْ إِلَى الْكُفْرِ بِمُجَرَّدِ أَوْهَامِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَأَفْهَامِهِمُ الْكَاسِدَةِ مِنْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَخَذُوا الْخِلَافَةَ وَهِيَ حَقُّ عَلِيٍّ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْحَالُ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ سَلَفًا وَخَلَفًا، وَلَا اعْتِبَارَ بِإِنْكَارِ الْمُنْكِرِينَ، وَأَيُّ دَلِيلٍ لَهُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَكُونُ نَصًّا عَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ، ثُمَّ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ اجْتِهَادٍ، فَلَيْسَ يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ، غَايَتُهُ أَنَّهُ كَانَ مُخْطِئًا، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ كَانَ مُسِيئًا، فَلَعَلَّهُ مَاتَ تَائِبًا، أَوْ بَاقِيًا تَحْتَ الْمَشِيئَةِ مَعَ غَالِبِ رَجَاءِ الْمَغْفِرَةِ وَالشَّفَاعَةِ بِبَرَكَةِ الْخِدْمَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ - مَرْفُوعًا: يَكُونُ لِأَصْحَابِي زَلَّةٌ، يَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ ; لِسَابِقَتِهِمْ مَعِي. فَنَحْنُ مَعَ كَثْرَةِ ذُنُوبِنَا مِنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ، إِذَا كُنَّا رَاجِينَ رَحْمَةَ رَبِّنَا وَشَفَاعَةَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ بِأَكَابِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَبِأَنْصَارِ هَذِهِ الْمِلَّةِ، وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ طَائِفَةَ الرَّافِضَةِ الْمَرْفُوضَةِ، الْبَاغِضَةِ الْمَبْغُوضَةِ، أَفْسَقُ الْخَلْقِ وَأَظْلَمُهُمْ، وَأَحْمَقُ الْعَالَمِينَ وَأَجْهَلُهُمْ، فَطُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، هَذَا وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ» ". وَقَالَ: " «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا» ".
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: " «حُبُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنَ الْإِيمَانِ وَبُغْضُهُمَا كُفْرٌ، وَحُبُّ الْأَنْصَارِ مِنَ الْإِيمَانِ وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ، وَحُبُّ الْعَرَبِ مِنَ الْإِيمَانِ وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ، وَمَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَمَنْ حَفِظَنِي فِيهِمْ فَأَنَا أَحْفَظُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". (" فَارْتَقِبُوا ") : جَوَابُ إِذَا، وَالْمَعْنَى: فَانْتَظِرُوا (" عِنْدَ ذَلِكَ ") أَيْ: عِنْدَ وُجُودِ مَا ذُكِرَ (" رِيحًا حَمْرَاءَ ") أَيْ: شَدِيدَةً فِي الْهَوَاءِ (" وَزَلْزَلَةً ") أَيْ: حَرَكَةً عَظِيمَةً لِلْأَرْضِ (" وَخَسْفًا ") أَيْ: ذَهَابًا فِي الْأَرْضِ وَغَيْبُوبَةً فِيهَا (" وَمَسْخًا ") : بِتَغْيِيرِ الصُّوَرِ عَلَى طِبْقِ اخْتِلَافِ تَغَيُّرِ السِّيَرِ (" وَقَذْفًا ") أَيْ: رَمْيَ حِجَارَةٍ مِنَ السَّمَاءِ (" وَآيَاتٍ ") أَيْ: عَلَامَاتٍ أُخَرَ لِدُنُوِّ الْقِيَامَةِ وَقُرْبِ السَّاعَةِ، (" تَتَابَعُ ") : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا (" كَنِظَامٍ ") : بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ: عِقْدٍ مِنْ نَحْوِ جَوْهَرٍ وَخَرَزٍ (" قُطِعَ سِلْكُهُ ") : بِكَسْرِ السِّينِ أَيِ: انْقَطَعَ خَيْطُهُ (" فَتَتَابَعَ ") أَيْ: مَا فِيهِ مِنَ الْخَرَزِ، وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ بِخِلَافِ الْمَاضِي، فَإِنَّهُ حَالٌ أَوِ اسْتِقْبَالٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: وَقَالَ: غَرِيبٌ. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «الْآيَاتُ خَرَزَاتٌ مَنْظُومَاتٌ فِي سِلْكٍ، فَانْقَطَعَ السِّلْكُ فَيَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا» ".
стр. 7522
٥٤٥١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ، وَعَدَّ هَذِهِ الْخِصَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ: " تُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ "، قَالَ: " وَبَرَّ صَدِيقَهُ، وَجَفَا أَبَاهُ "، وَقَالَ: " وَشُرِبَ الْخَمْرُ، وَلُبِسَ الْحَرِيرُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٤٥١ - (وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ ") بِسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَيُكْسَرُ (" خَصْلَةً ") أَيْ: فِعْلَةً ذَمِيمَةً (" حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ ") أَيْ: نَزَلَ
стр. 7523
(وَعَدَّ) أَيْ: وَأَحْصَى النَّبِيُّ ﷺ (هَذِهِ الْخِصَالَ) أَيِ: الْخَمْسَ عَشْرَةَ، (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيْ: عَلِيٌّ ﵁: (" تُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ ") ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ، وَذَلِكَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْوَلَاءِ، وَعَدَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْأَعْدَادَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ. (قَالَ) أَيْ: عَلِيٌّ (" وَبَرَّ صَدِيقَهُ ") أَيْ: بَدَلَ أَدْنَى (" وَجَفَا أَبَاهُ ") : بَدَلَ أَقْصَى، فَهُوَ اخْتِلَافُ عِبَارَةٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَقَالَ) أَيْ: عَلِيٌّ (" وَشُرِبَ الْخَمْرُ ") أَيْ: بَدَلَ شُرِبَتِ الْخُمُورُ بِتَغْيِيرِ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ، (" وَلُبِسَ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (" الْحَرِيرُ ") ، قَالَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ: هَذَا بَدَلٌ مِنَ اللَّعْنِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ اللَّعْنَ مَذْكُورٌ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ تُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ، فَتَطَابَقَ الْعَدَدَانِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، فَصَحَّ قَوْلُ الطِّيبِيِّ: أَنَّهُ عَدَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْأَعْدَادَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ، وَبَطَلَ قَوْلُ صَاحِبِ الْمُخْتَصَرِ: إِنَّ الْمَجْمُوعَ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَمَّا الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ فَسِتَّةَ عَشَرَ اهـ.
وَهُنَا أَنَا أَذْكُرُ لَكَ مُفَصِّلًا مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مُجْمِلًا بَلْ مُخْتَصِرًا مُخِلًّا مُهْمِلًا بِقَوْلِهِ: (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، فَفِي الْجَامِعِ: إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ إِذَا كَانَ الْمَغْنَمُ دُوَلًا، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، وَعَقَّ أُمَّهُ، وَبَرَّ صَدِيقَهُ، وَجَفَا أَبَاهُ، وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ، وَلُبِسَ الْحَرِيرُ، وَاتُّخِذَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ، أَوْ خَسْفًا أَوْ مَسْخًا ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (فَأَوْ) هُنَا لِلتَّنْوِينِ، وَالْوَاوُ هُنَاكَ لِلْجَمْعِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ.
стр. 7524
٥٤٥٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِيَ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ: " لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلًا مِنِّي - أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِيَ وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا» ".
ــ
٥٤٥٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا ") أَيْ: لَا تَفْنَى وَلَا تَنْقَضِي (" حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ ") أَيْ: وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ; فَإِنَّ مَنْ أَسْلَمَ فَهُوَ عَرَبِيٌّ، (" رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ ") أَيْ: يُوَافِقُ (" اسْمُهُ اسْمِيَ ") أَيْ: وَيُطَابِقُ رَسْمُهُ رَسْمِيَ، فَإِنَّهُ مُحَمَّدٌ الْمَهْدِيُّ، وَبِهَدْيِهِ ﷺ لِلنَّاسِ يَهْدِي. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَمْ يَذْكُرِ الْعَجَمَ، وَهُمْ مُرَادُونَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ الْعَرَبَ وَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ، وَكَانُوا يَدًا وَاحِدَةً قَهَرُوا سَائِرَ الْأُمَمِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ بُعَيْدَ هَذَا اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: ذَكَرَ الْعَرَبَ لِغَلَبَتِهِمْ فِي زَمَنِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِمْ أَشْرَفَ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَمُرَادُهُ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أَيْ: وَالْبَرْدَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْعَرَبِ ; لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ يُطِيعُونَهُ، بِخِلَافِ الْعَجَمِ بِمَعْنَى ضِدِّ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْهُمْ خِلَافٌ فِي إِطَاعَتِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ: لِأَبِي دَاوُدَ (قَالَ: " لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ ") أَيْ: يُظْهِرَ (" فِيهِ ") أَيْ: فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (" رَجُلًا ") أَيْ: كَامِلًا (" مِنِّي ") أَيْ: مِنْ نَسَبِي (" - أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي - ") : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ مِنْ بَنِي الْحَسَنِ، أَوْ مِنْ بَنِي الْحُسَيْنِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا بَيْنَ النِّسْبَتَيْنِ الْحُسْنَيَيْنِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ حَسَنِيٌّ، وَمِنْ جَانِبِ الْأُمِّ حُسَيْنِيٌّ، قِيَاسًا عَلَى مَا وَقَّعَهُ فِي وَلَدَيْ إِبْرَاهِيمَ: إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ - عَلَيْهِمُ
стр. 7525
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، حَيْثُ كَانَ أَنْبِيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلُّهُمْ مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ، وَإِنَّمَا نُبِّئَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ نَبِيُّنَا ﷺ وَقَامَ مَقَامَ الْكُلِّ، وَنِعْمَ الْعِوَضُ وَصَارَ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَذَلِكَ لَمَّا ظَهَرَتْ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ وَأَكَابِرُ الْأُمَّةِ مِنْ أَوْلَادِ الْحُسَيْنِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَنْجَبِرَ الْحَسَنُ بِأَنْ أُعْطِيَ لَهُ وَلَدٌ يَكُونُ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ، وَيَقُومُ مَقَامَ سَائِرِ الْأَصْفِيَاءِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: لَمَّا نَزَلَ الْحَسَنُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ الْخِلَافَةِ الصُّورِيَّةِ، كَمَا وَرَدَ فِي مَنْقَبَتِهِ فِي الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ: أُعْطِيَ لَهُ لِوَاءُ وَلَايَةِ الْمَرْتَبَةِ الْقُطْبِيَّةِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَتِهَا النِّسْبَةُ الْمَهْدَوِيَّةُ الْمُقَارِنَةُ لِلنُّبُوَّةِ الْعِيسَوِيَّةِ، وَاتِّفَاقُهُمَا عَلَى إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْمِلَّةِ النَّبَوِيَّةِ - عَلَى صَاحِبِهَا أُلُوفُ السَّلَامِ وَآلَافُ التَّحِيَّةِ - وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبَى إِسْحَاقَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ - مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(" وَيُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِيَ، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي ") : فَيَكُونُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فِيهِ رَدٌّ عَلَى الشِّيعَةِ ; حَيْثُ يَقُولُونَ: الْمَهْدِيُّ الْمَوْعُودُ هُوَ الْقَائِمُ الْمُنْتَظَرُ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ، (" يَمْلَأُ الْأَرْضَ ") : اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِحَسَبِهِ، كَمَا أَنَّ مَا قَبْلَهُ مُعَيِّنٌ لِنَسَبِهِ، أَيْ: يَمْلَأُ وَجْهَ الْأَرْضِ جَمِيعًا أَوْ أَرْضَ الْعَرَبِ وَمَا يَتْبَعُهَا، وَالْمُرَادُ أَهْلُهَا، (" قِسْطًا ") : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَتَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ (" وَعَدْلًا ") : أَتَى بِهِمَا تَأْكِيدًا، وَكَذَا الْجَمْعُ فِي قَوْلِهِ: (" كَمَا مُلِئَتْ ") أَيِ: الْأَرْضُ قَبْلَ ظُهُورِهِ (" ظُلْمًا وَجَوْرًا ") ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُغَايَرَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُجْعَلَ الظُّلْمُ هُنَا قَاصِرًا لَازِمًا وَالْجَوْرُ تَعَدِّيًا مُتَعَدِّيًا، وَكَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقِسْطِ إِعْطَاءُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَبِالْعَدْلِ النَّصَفَةُ وَالْحُكْمُ بِمِيزَانِ الشَّرِيعَةِ وَانْتِصَارُ الْمَظْلُومِ وَانْتِقَامُهُ مِنَ الظَّالِمِ، فَيَكُونُ جَامِعًا لِمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ، وَقَائِمًا بِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَنَّ الدِّينَ هُوَ التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَمَوْصُوفًا بِوَصْفِ الْكَمَالِ، وَهُوَ إِجْرَاءُ كُلٍّ مِنْ تَجَلِّي الْجَمَالِ وَتَجَلِّي الْجَلَالِ فِي مَحَلِّهِ اللَّائِقِ بِكُلِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، هَذَا وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا: " «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا يَوْمٌ لَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلَؤُهَا عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا» ". وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ، لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَمْلِكُ جِبَالَ الدَّيْلَمِ وَالْقُسْطَنْطِينِيَّةَ» . وَفِي الْقَامُوسِ: الدَّيْلَمُ: جَبَلٌ مَعْرُوفٌ. وَرَوَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: " «الْمَهْدِيُّ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِي، وَجْهُهُ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ» ".
стр. 7526
٥٤٥٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ أَوْلَادِ فَاطِمَةَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٤٥٣ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂، وَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي» ") : قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْعِتْرَةُ وَلَدُ الرَّجُلِ مِنْ صُلْبِهِ، وَقَدْ تَكُونُ الْعِتْرَةُ الْأَقْرِبَاءَ أَيْضًا وَهِيَ الْعُمُومَةُ. قُلْتُ: الْمَعْنَيَانِ لَا يُلَائِمَانِ بَيَانَهُ بِقَوْلِهِ: (" مِنْ أَوْلَادِ فَاطِمَةَ ") رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا. وَفِي النِّهَايَةِ: عِتْرَةُ الرَّجُلِ أَخَصُّ أَقَارِبِهِ، وَعِتْرَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقِيلَ: قُرَيْشٌ كُلُّهُمْ، وَالْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُمُ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ. أَقُولُ: الْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَرَامِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنْ يُطْلَقَ عَلَى غَيْرِهِ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ، وَقِيلَ عِتْرَتُهُ أَهْلُ بَيْتِهِ لِخَبَرٍ وَرَدَ، وَقِيلَ أَزْوَاجُهُ وَذُرِّيَّتُهُ، وَقِيلَ أَهْلُهُ وَعَشِيرَتُهُ الْأَقْرَبُونَ، وَقِيلَ نَسْلُهُ وَرَهْطُهُ الْأَدْنَوْنَ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْجَوْهَرِيُّ. قُلْتُ: وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي هُنَا أَنْ عَلَيْهِ يُقْتَصَرُ وَيُخْتَصَرُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ عَمِّي، فَمَعَ ضَعْفِ إِسْنَادِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَهْدِيِّ الَّذِي وُجِدَ مِنَ الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيَّةِ، أَوْ يَكُونُ لِلْمَهْدِيِّ الْمَوْعُودِ أَيْضًا نِسْبَةٌ نِسْبِيَّةٌ إِلَى الْعَبَّاسِيَّةِ، فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «الْمَهْدِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ يُصْلِحُهُ اللَّهُ فِي لَيْلَةٍ» " أَيْ: يُصْلِحُ أَمْرَهُ " وَيَرْفَعُ قَدْرَهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ اللَّيْلِ ; حَيْثُ يَتَّفِقُ عَلَى خِلَافَتِهِ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِيهَا ".
стр. 7527
٥٤٥٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمَهْدِيُّ مِنِّي، أَجْلَى الْجَبْهَةِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٤٥٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْمَهْدِيُّ مِنِّي ") أَيْ: مِنْ نَسْلِي وَذُرِّيَّتِي، أَوْ مِنْ عَشِيرَتِي وَأَهْلِ بَيْتِي، (" أَجْلَى الْجَبْهَةِ ") : قَالَ شَارِحٌ أَيْ: وَاسِعُهَا. وَفِي النِّهَايَةِ: خَفِيفُ الشَّعَرِ مَا بَيْنَ التُّرْعَتَيْنِ مِنَ الصُّدْغَيْنِ، وَالَّذِي انْحَسَرَ الشَّعَرُ عَنْ جَبْهَتِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُخْتَصَرًا. وَفِي النِّهَايَةِ: التُّرْعَتَانِ مِنْ جَانِبَيِ الرَّأْسِ مِمَّا لَا شَعَرَ عَلَيْهِ، وَالْجَلَا مَقْصُورًا انْحِسَارُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ مِنَ الشَّعَرِ أَوْ نِصْفِ الرَّأْسِ، أَوْ هُوَ دُونَ الصَّلَعِ، وَالنَّعْتُ أَجْلَى وَجَلْوَاءُ، وَجَبْهَةٌ جَلْوَاءُ وَاسِعَةٌ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ الشَّارِحَ السَّابِقَ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْمَقَامِ وَالْمُطَابِقُ. (" أَقْنَى الْأَنْفِ ") أَيْ: مُرْتَفِعُهُ كَذَا قَالَ شَارِحٌ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْقَنَا فِي الْأَنْفِ طُولُهُ وَدِقَّةُ أَرْنَبَتِهِ مَعَ حَدَبٍ فِي وَسَطِهِ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَقْنَى وَامْرَأَةٌ قَنْوَاءُ انْتَهَى. فَفِي الْكَلَامِ تَجْرِيدٌ، وَالْأَرْنَبَةُ طَرَفُ الْأَنْفِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْحَدَبُ الِارْتِفَاعُ وَهُوَ ضِدُّ الِانْخِفَاضِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَفْطَسَ فَإِنَّهُ مَكْرُوهُ الْهَيْئَةِ. (" «يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ» ") ، وَأَمَّا مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِ رَاوٍ: أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ، فَهُوَ شَكٌّ مِنْهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَجْزُومَةٌ بِالسَّبْعِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَشْكُوكَةً، وَطَرَحَ الشَّكَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ وَاكْتَفَى بِالْيَقِينِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 7528
٥٤٥٥ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ الْمَهْدِيِّ قَالَ: " «فَيَجِيءُ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ! أَعْطِنِي أَعْطِنِي ". قَالَ: " فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٤٥٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ الْمَهْدِيِّ قَالَ: " «فَيَجِيءُ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ! أَعْطِنِي أَعْطِنِي» ") : التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ: أَعْطِنِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ; لِمَا تَعَوَّدَ مِنْ كَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ، (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (" «فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ» ") ; لِمَا رَأَى مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْمَالِ وَمُطَالَبَتِهِ مِنْهُ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، فَأَغْنَاهُ عَنِ السُّؤَالِ، وَخَلَّصَ نَفْسَهُ عَنِ الْمَلَالِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7529
٥٤٥٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَكُونُ اخْتِلَافٌ عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ، فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَيُخْرِجُونَهُ وَهُوَ كَارِهٌ، فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ مِنَ الشَّامِ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أَتَاهُ أَبْدَالُ الشَّامِ، وَعَصَائِبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَيُبَايِعُونَهُ، ثُمَّ يَنْشَأُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَخْوَالُهُ كَلْبٌ، فَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ بَعْثًا فَيَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ بَعَثُ كَلْبٍ، وَيَعْمَلُ فِي النَّاسِ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ، وَيُلْقِي الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ فِي الْأَرْضِ، فَيَلْبَثُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُتَوَفَّى، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٤٥٦ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " يَكُونُ ") أَيْ: يَقَعُ (" اخْتِلَافٌ ") أَيْ: فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ (" عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ ") أَيْ: حُكْمِيَّةٍ، وَهِيَ الْحُكُومَةُ السُّلْطَانِيَّةُ بِالْغَلَبَةِ التَّسْلِيطِيَّةِ، (" فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ") أَيْ: كَرَاهِيَةً لِأَخْذِ مَنْصِبِ الْإِمَارَةِ، أَوْ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ الْوَاقِعَةِ فِيهَا، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْمُعَطَّرَةُ أَوِ الْمَدِينَةُ الَّتِي فِيهَا الْخَلِيفَةُ، (" هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ ") ; لِأَنَّهَا مَأْمَنُ كُلِّ مَنِ الْتَجَأَ إِلَيْهَا، وَمَعْبَدُ كُلِّ مَنْ سَكَنَ فِيهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَهُوَ الْمَهْدِيُّ بِدَلِيلِ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ أَبُو دَاوُدَ فِي بَابِ الْمَهْدِيِّ، (" فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ") أَيْ: بَعْدَ ظُهُورِ أَمْرِهِ وَمَعْرِفَةِ نُورِ قَدْرِهِ (" فَيُخْرِجُونَهُ ") أَيْ: مِنْ بَيْتِهِ (" وَهُوَ كَارِهٌ ") : إِمَّا بَلِيَّةَ الْإِمَارَةِ وَإِمَّا خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ، (" فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ ") أَيِ: الرُّكْنِ الْأَسْعَدِ وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ (" وَالْمَقَامِ ") أَيْ: مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵊ وَيَقَعُ مَا بَيْنَ زَمْزَمَ أَيْضًا - شَرَّفَهَا اللَّهُ - وَهَذَا الْمُثَلَّثُ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَطِيمِ مِنَ الزَّمَنِ الْقَدِيمِ ; وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ فِيهِ وَحَنِثَ أَوْ خَالَفَ الْعَهْدَ وَنَقَضَ
стр. 7530
حَطَمَ، أَيْ: كَسَرَ رَقَبَتَهُ، وَقَطَعَ حُجَّتَهُ، وَهَلَكَ دَوْلَتَهُ، (" وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُرْسَلُ إِلَى حَرْبِهِ وَقِتَالِهِ، مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ سَيِّدِ الْأَنَامِ، وَأَقَامَ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ، (" بَعْثٌ مِنَ الشَّامِ ") أَيْ: جَيْشٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْمَلَامِ، (" فَيُخْسَفُ بِهِمْ ") أَيْ: كَرَامَةً لِلْإِمَامِ (" بِالْبَيْدَاءِ ") : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ (" بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ") : وَلَعَلَّ تَقْدِيمَ مَكَّةَ لِتَفْضِيلِهَا وَتَقَدُّمِهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: هِيَ أَرْضٌ مَلْسَاءُ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ، وَفِي الْحَدِيثِ: يُخْسَفُ بِالْبَيْدَاءِ، بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، وَلَيْسَ بِالْبَيْدَاءِ الَّتِي أَمَامَ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَهِيَ شُرَفٌ مِنَ الْأَرْضِ. قُلْتُ: وَلَا بِدْعَ أَنْ تَكُونَ هِيَ إِيَّاهَا مَعَ أَنَّهَا الْمُتَبَادَرُ مِنْهَا، وَلَعَلَّ الشَّيْخَ ظَفِرَ بِنَقْلٍ صَرِيحٍ، أَوْ بَنَى عَلَى أَنَّ طَرِيقَ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ قَدِيمِ الْأَيَّامِ لَيْسَ عَلَى الْمَدِينَةِ ; وَلِهَذَا جُعِلَ مِيقَاتُهُمُ الْجُحْفَةَ، لَكِنَّهُمْ عَدَلُوا عَنْ طَرِيقِهِمُ الْمَشْهُورَةِ، وَمَالُوا إِلَى دُخُولِ الْمَدِينَةِ الْمُطَهَّرَةِ لِمَصَالِحَ دِينِيَّةٍ وَمَنَافِعَ دُنْيَوِيَّةٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ غَرَضُهُمْ مُحَارَبَةَ الْمَهْدِيِّ، فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ مَا يُطَوِّلُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْمَسَافَةَ، بَلْ يُرِيدُونَ الْمُسَابَقَةَ وَالْمُسَارَعَةَ إِلَى الْمُحَارَبَةِ وَالْمُسَايَفَةِ، (" وَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ ") أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ وَمَا جُعِلَ لِلْمَهْدِيِّ مِنَ الْعَلَامَةِ (" أَتَاهُ أَبْدَالُ الشَّامِ ") ، وَنِعْمَ الْبَدَلُ مِنَ الْكِرَامِ عَنِ اللِّئَامِ. وَفِي النِّهَايَةِ: أَبْدَالُ الشَّامِ هُمُ الْأَوْلِيَاءُ وَالْعُبَّادُ، الْوَاحِدُ بَدَلٌ كَجَمَلٍ أَوْ بَدْلٌ كَحَمْلٍ ; سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كُلَّمَا مَاتَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ بُدِلَ بِآخَرَ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْأَبْدَالُ قَوْمٌ مِنَ الصَّالِحِينَ لَا تَخْلُو الدُّنْيَا مِنْهُمْ، إِذَا مَاتَ وَاحِدٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ بِآخَرَ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَاحِدُهُ بَدِيلٌ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ بُدَلَاءُ أَيْضًا، فَيَكُونُ نَظِيرَ شَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ وَشُرَفَاءَ، ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهُمْ سُمُّوا أَبْدَالًا ; لِأَنَّهُمْ قَدْ يَرْتَحِلُونَ إِلَى مَكَانٍ وَيُقِيمُونَ فِي مَكَانِهِمُ الْأَوَّلِ شَبَحًا آخَرَ شَبِيهًا بِشَبَحِهِمُ الْأَصْلِيِّ بَدَلًا عَنْهُ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْأَبْدَالُ قَوْمٌ بِهِمْ يُقِيمُ اللَّهُ الْأَرْضَ، وَهُمْ سَبْعُونَ، أَرْبَعُونَ بِالشَّامِ وَثَلَاثُونَ فِي غَيْرِهَا انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّامِ جِهَتُهُ وَمَا يَلِيهِ مِنْ وَرَائِهِ لَا بِخُصُوصِ دِمَشْقِ الشَّامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ سُمُّوا أَبْدَالًا ; لِأَنَّهُمْ أُبْدِلُوا الْأَخْلَاقَ الدَّنِيَّةَ بِالشَّمَائِلِ الرَّضِيَّةِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ بَدَّلَ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ.
وَقَالَ الْقُطْبُ الْحَقَّانِيُّ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ: إِنَّمَا سُمُّوا أَبْدَالًا لِأَنَّهُمْ فَنُوا عَنْ إِرَادَتِهِمْ فَبُدِّلَتْ بِإِرَادَةِ الْحَقِّ ، فَيُرِيدُونَ بِإِرَادَةِ الْحَقِّ أَبَدًا إِلَى الْوَفَاةِ، فَذُنُوبُ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ أَنْ يُشْرِكُوا إِرَادَةَ الْحَقِّ بِإِرَادَتِهِمْ، عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ وَغَلَبَةِ الْحَالِ وَالدَّهْشَةِ، فَيُدْرِكُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ بِالْيَقَظَةِ وَالتَّذْكِرَةِ، فَيَرْجِعُونَ عَنْ ذَلِكَ وَيَسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ . أَقُولُ: وَلَعَلَّ الْعَارِفَ ابْنَ الْفَارِضِ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ:
وَلَوْ خَطَرَتْ لِي فِي سِوَاكَ إِرَادَةٌ ... عَلَى خَاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي
فَإِنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ مِنْ مَاءٍ مَعِينٍ، وَاللَّهُ الْمُعِينُ. (" وَعَصَائِبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ") أَيْ: خِيَارُهُمْ، مِنْ قَوْلِهِمْ: عُصْبَةُ الْقَوْمِ خِيَارُهُمْ، وَلَعَلَّهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨] ، أَوْ طَوَائِفُهُمْ، فَإِنَّ الْعِصَابَةَ تَأْتِي بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ ; بِتَعَصُّبِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَشَدِّ بَعْضِهِمْ ظَهْرَ بَعْضٍ وَتَعَضُّدِهِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْعَصَائِبُ جَمْعُ عِصَابَةٍ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ، وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْهُ: الْأَبْدَالُ بِالشَّامِ، وَالنُّجَبَاءُ بِمِصْرَ، وَالْعَصَائِبُ بِالْعِرَاقِ. أَرَادَ أَنَّ التَّجَمُّعَ لِلْحُرُوبِ يَكُونُ بِالْعِرَاقِ، وَقِيلَ: أَرَادَ جَمَاعَةً مِنَ الزُّهَّادِ سَمَّاهُمْ بِالْعَصَائِبِ ; لِأَنَّهُ قَرَنَهُمْ بِالْأَبْدَالِ وَالنُّجَبَاءِ.
ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «خِيَارُ أُمَّتِي فِي كُلِّ قَرْنٍ خَمْسُمِائَةٍ، وَالْأَبْدَالُ أَرْبَعُونَ، فَلَا الْخَمْسُمِائَةُ يَنْقُصُونَ، وَلَا الْأَرْبَعُونَ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مِنَ الْخَمْسِمِائَةِ مَكَانَهُ، وَأَدْخَلَ فِي الْأَرْبَعِينَ» ". وَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دُلَّنَا عَلَى أَعْمَالِهِمْ. قَالَ: " «يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ، وَيُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ، وَيَتَوَاسَوْنَ فِيمَا آتَاهُمُ اللَّهُ » ". وَبِإِسْنَادِهِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ لِلَّهِ فِي الْخَلْقِ سَبْعَةً» "، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: " «فَبِهِمْ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُمْطِرُ وَيُنْبِتُ وَيَدْفَعُ الْبَلَاءَ» ".
следующие страницы →