Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.
стр. 7526
٥٤٥٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ أَوْلَادِ فَاطِمَةَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٤٥٣ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂، وَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي» ") : قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْعِتْرَةُ وَلَدُ الرَّجُلِ مِنْ صُلْبِهِ، وَقَدْ تَكُونُ الْعِتْرَةُ الْأَقْرِبَاءَ أَيْضًا وَهِيَ الْعُمُومَةُ. قُلْتُ: الْمَعْنَيَانِ لَا يُلَائِمَانِ بَيَانَهُ بِقَوْلِهِ: (" مِنْ أَوْلَادِ فَاطِمَةَ ") رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا. وَفِي النِّهَايَةِ: عِتْرَةُ الرَّجُلِ أَخَصُّ أَقَارِبِهِ، وَعِتْرَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقِيلَ: قُرَيْشٌ كُلُّهُمْ، وَالْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُمُ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ. أَقُولُ: الْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَرَامِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنْ يُطْلَقَ عَلَى غَيْرِهِ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ، وَقِيلَ عِتْرَتُهُ أَهْلُ بَيْتِهِ لِخَبَرٍ وَرَدَ، وَقِيلَ أَزْوَاجُهُ وَذُرِّيَّتُهُ، وَقِيلَ أَهْلُهُ وَعَشِيرَتُهُ الْأَقْرَبُونَ، وَقِيلَ نَسْلُهُ وَرَهْطُهُ الْأَدْنَوْنَ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْجَوْهَرِيُّ. قُلْتُ: وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي هُنَا أَنْ عَلَيْهِ يُقْتَصَرُ وَيُخْتَصَرُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ عَمِّي، فَمَعَ ضَعْفِ إِسْنَادِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَهْدِيِّ الَّذِي وُجِدَ مِنَ الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيَّةِ، أَوْ يَكُونُ لِلْمَهْدِيِّ الْمَوْعُودِ أَيْضًا نِسْبَةٌ نِسْبِيَّةٌ إِلَى الْعَبَّاسِيَّةِ، فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: " «الْمَهْدِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ يُصْلِحُهُ اللَّهُ فِي لَيْلَةٍ» " أَيْ: يُصْلِحُ أَمْرَهُ " وَيَرْفَعُ قَدْرَهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ اللَّيْلِ ; حَيْثُ يَتَّفِقُ عَلَى خِلَافَتِهِ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِيهَا ".
стр. 7527
٥٤٥٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمَهْدِيُّ مِنِّي، أَجْلَى الْجَبْهَةِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٤٥٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْمَهْدِيُّ مِنِّي ") أَيْ: مِنْ نَسْلِي وَذُرِّيَّتِي، أَوْ مِنْ عَشِيرَتِي وَأَهْلِ بَيْتِي، (" أَجْلَى الْجَبْهَةِ ") : قَالَ شَارِحٌ أَيْ: وَاسِعُهَا. وَفِي النِّهَايَةِ: خَفِيفُ الشَّعَرِ مَا بَيْنَ التُّرْعَتَيْنِ مِنَ الصُّدْغَيْنِ، وَالَّذِي انْحَسَرَ الشَّعَرُ عَنْ جَبْهَتِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُخْتَصَرًا. وَفِي النِّهَايَةِ: التُّرْعَتَانِ مِنْ جَانِبَيِ الرَّأْسِ مِمَّا لَا شَعَرَ عَلَيْهِ، وَالْجَلَا مَقْصُورًا انْحِسَارُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ مِنَ الشَّعَرِ أَوْ نِصْفِ الرَّأْسِ، أَوْ هُوَ دُونَ الصَّلَعِ، وَالنَّعْتُ أَجْلَى وَجَلْوَاءُ، وَجَبْهَةٌ جَلْوَاءُ وَاسِعَةٌ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ الشَّارِحَ السَّابِقَ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْمَقَامِ وَالْمُطَابِقُ. (" أَقْنَى الْأَنْفِ ") أَيْ: مُرْتَفِعُهُ كَذَا قَالَ شَارِحٌ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْقَنَا فِي الْأَنْفِ طُولُهُ وَدِقَّةُ أَرْنَبَتِهِ مَعَ حَدَبٍ فِي وَسَطِهِ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَقْنَى وَامْرَأَةٌ قَنْوَاءُ انْتَهَى. فَفِي الْكَلَامِ تَجْرِيدٌ، وَالْأَرْنَبَةُ طَرَفُ الْأَنْفِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْحَدَبُ الِارْتِفَاعُ وَهُوَ ضِدُّ الِانْخِفَاضِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَفْطَسَ فَإِنَّهُ مَكْرُوهُ الْهَيْئَةِ. (" «يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ» ") ، وَأَمَّا مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِ رَاوٍ: أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ، فَهُوَ شَكٌّ مِنْهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَجْزُومَةٌ بِالسَّبْعِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَشْكُوكَةً، وَطَرَحَ الشَّكَّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ وَاكْتَفَى بِالْيَقِينِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 7528
٥٤٥٥ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ الْمَهْدِيِّ قَالَ: " «فَيَجِيءُ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ! أَعْطِنِي أَعْطِنِي ". قَالَ: " فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٤٥٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ الْمَهْدِيِّ قَالَ: " «فَيَجِيءُ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ! أَعْطِنِي أَعْطِنِي» ") : التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ: أَعْطِنِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ; لِمَا تَعَوَّدَ مِنْ كَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ، (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (" «فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ» ") ; لِمَا رَأَى مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْمَالِ وَمُطَالَبَتِهِ مِنْهُ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، فَأَغْنَاهُ عَنِ السُّؤَالِ، وَخَلَّصَ نَفْسَهُ عَنِ الْمَلَالِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 7529
٥٤٥٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَكُونُ اخْتِلَافٌ عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ، فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَيُخْرِجُونَهُ وَهُوَ كَارِهٌ، فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ مِنَ الشَّامِ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أَتَاهُ أَبْدَالُ الشَّامِ، وَعَصَائِبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَيُبَايِعُونَهُ، ثُمَّ يَنْشَأُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَخْوَالُهُ كَلْبٌ، فَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ بَعْثًا فَيَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ بَعَثُ كَلْبٍ، وَيَعْمَلُ فِي النَّاسِ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ، وَيُلْقِي الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ فِي الْأَرْضِ، فَيَلْبَثُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُتَوَفَّى، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٤٥٦ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " يَكُونُ ") أَيْ: يَقَعُ (" اخْتِلَافٌ ") أَيْ: فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ (" عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ ") أَيْ: حُكْمِيَّةٍ، وَهِيَ الْحُكُومَةُ السُّلْطَانِيَّةُ بِالْغَلَبَةِ التَّسْلِيطِيَّةِ، (" فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ") أَيْ: كَرَاهِيَةً لِأَخْذِ مَنْصِبِ الْإِمَارَةِ، أَوْ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ الْوَاقِعَةِ فِيهَا، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْمُعَطَّرَةُ أَوِ الْمَدِينَةُ الَّتِي فِيهَا الْخَلِيفَةُ، (" هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ ") ; لِأَنَّهَا مَأْمَنُ كُلِّ مَنِ الْتَجَأَ إِلَيْهَا، وَمَعْبَدُ كُلِّ مَنْ سَكَنَ فِيهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَهُوَ الْمَهْدِيُّ بِدَلِيلِ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ أَبُو دَاوُدَ فِي بَابِ الْمَهْدِيِّ، (" فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ") أَيْ: بَعْدَ ظُهُورِ أَمْرِهِ وَمَعْرِفَةِ نُورِ قَدْرِهِ (" فَيُخْرِجُونَهُ ") أَيْ: مِنْ بَيْتِهِ (" وَهُوَ كَارِهٌ ") : إِمَّا بَلِيَّةَ الْإِمَارَةِ وَإِمَّا خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ، (" فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ ") أَيِ: الرُّكْنِ الْأَسْعَدِ وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ (" وَالْمَقَامِ ") أَيْ: مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵊ وَيَقَعُ مَا بَيْنَ زَمْزَمَ أَيْضًا - شَرَّفَهَا اللَّهُ - وَهَذَا الْمُثَلَّثُ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَطِيمِ مِنَ الزَّمَنِ الْقَدِيمِ ; وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ فِيهِ وَحَنِثَ أَوْ خَالَفَ الْعَهْدَ وَنَقَضَ
стр. 7530
حَطَمَ، أَيْ: كَسَرَ رَقَبَتَهُ، وَقَطَعَ حُجَّتَهُ، وَهَلَكَ دَوْلَتَهُ، (" وَيُبْعَثُ إِلَيْهِ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُرْسَلُ إِلَى حَرْبِهِ وَقِتَالِهِ، مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ سَيِّدِ الْأَنَامِ، وَأَقَامَ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ، (" بَعْثٌ مِنَ الشَّامِ ") أَيْ: جَيْشٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْمَلَامِ، (" فَيُخْسَفُ بِهِمْ ") أَيْ: كَرَامَةً لِلْإِمَامِ (" بِالْبَيْدَاءِ ") : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ (" بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ") : وَلَعَلَّ تَقْدِيمَ مَكَّةَ لِتَفْضِيلِهَا وَتَقَدُّمِهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: هِيَ أَرْضٌ مَلْسَاءُ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ، وَفِي الْحَدِيثِ: يُخْسَفُ بِالْبَيْدَاءِ، بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، وَلَيْسَ بِالْبَيْدَاءِ الَّتِي أَمَامَ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَهِيَ شُرَفٌ مِنَ الْأَرْضِ. قُلْتُ: وَلَا بِدْعَ أَنْ تَكُونَ هِيَ إِيَّاهَا مَعَ أَنَّهَا الْمُتَبَادَرُ مِنْهَا، وَلَعَلَّ الشَّيْخَ ظَفِرَ بِنَقْلٍ صَرِيحٍ، أَوْ بَنَى عَلَى أَنَّ طَرِيقَ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ قَدِيمِ الْأَيَّامِ لَيْسَ عَلَى الْمَدِينَةِ ; وَلِهَذَا جُعِلَ مِيقَاتُهُمُ الْجُحْفَةَ، لَكِنَّهُمْ عَدَلُوا عَنْ طَرِيقِهِمُ الْمَشْهُورَةِ، وَمَالُوا إِلَى دُخُولِ الْمَدِينَةِ الْمُطَهَّرَةِ لِمَصَالِحَ دِينِيَّةٍ وَمَنَافِعَ دُنْيَوِيَّةٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ غَرَضُهُمْ مُحَارَبَةَ الْمَهْدِيِّ، فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ مَا يُطَوِّلُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْمَسَافَةَ، بَلْ يُرِيدُونَ الْمُسَابَقَةَ وَالْمُسَارَعَةَ إِلَى الْمُحَارَبَةِ وَالْمُسَايَفَةِ، (" وَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ ") أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ وَمَا جُعِلَ لِلْمَهْدِيِّ مِنَ الْعَلَامَةِ (" أَتَاهُ أَبْدَالُ الشَّامِ ") ، وَنِعْمَ الْبَدَلُ مِنَ الْكِرَامِ عَنِ اللِّئَامِ. وَفِي النِّهَايَةِ: أَبْدَالُ الشَّامِ هُمُ الْأَوْلِيَاءُ وَالْعُبَّادُ، الْوَاحِدُ بَدَلٌ كَجَمَلٍ أَوْ بَدْلٌ كَحَمْلٍ ; سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كُلَّمَا مَاتَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ بُدِلَ بِآخَرَ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْأَبْدَالُ قَوْمٌ مِنَ الصَّالِحِينَ لَا تَخْلُو الدُّنْيَا مِنْهُمْ، إِذَا مَاتَ وَاحِدٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ بِآخَرَ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَاحِدُهُ بَدِيلٌ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ بُدَلَاءُ أَيْضًا، فَيَكُونُ نَظِيرَ شَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ وَشُرَفَاءَ، ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهُمْ سُمُّوا أَبْدَالًا ; لِأَنَّهُمْ قَدْ يَرْتَحِلُونَ إِلَى مَكَانٍ وَيُقِيمُونَ فِي مَكَانِهِمُ الْأَوَّلِ شَبَحًا آخَرَ شَبِيهًا بِشَبَحِهِمُ الْأَصْلِيِّ بَدَلًا عَنْهُ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْأَبْدَالُ قَوْمٌ بِهِمْ يُقِيمُ اللَّهُ الْأَرْضَ، وَهُمْ سَبْعُونَ، أَرْبَعُونَ بِالشَّامِ وَثَلَاثُونَ فِي غَيْرِهَا انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّامِ جِهَتُهُ وَمَا يَلِيهِ مِنْ وَرَائِهِ لَا بِخُصُوصِ دِمَشْقِ الشَّامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ سُمُّوا أَبْدَالًا ; لِأَنَّهُمْ أُبْدِلُوا الْأَخْلَاقَ الدَّنِيَّةَ بِالشَّمَائِلِ الرَّضِيَّةِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ بَدَّلَ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ.
وَقَالَ الْقُطْبُ الْحَقَّانِيُّ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ: إِنَّمَا سُمُّوا أَبْدَالًا لِأَنَّهُمْ فَنُوا عَنْ إِرَادَتِهِمْ فَبُدِّلَتْ بِإِرَادَةِ الْحَقِّ ، فَيُرِيدُونَ بِإِرَادَةِ الْحَقِّ أَبَدًا إِلَى الْوَفَاةِ، فَذُنُوبُ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ أَنْ يُشْرِكُوا إِرَادَةَ الْحَقِّ بِإِرَادَتِهِمْ، عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ وَغَلَبَةِ الْحَالِ وَالدَّهْشَةِ، فَيُدْرِكُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ بِالْيَقَظَةِ وَالتَّذْكِرَةِ، فَيَرْجِعُونَ عَنْ ذَلِكَ وَيَسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ . أَقُولُ: وَلَعَلَّ الْعَارِفَ ابْنَ الْفَارِضِ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ:
وَلَوْ خَطَرَتْ لِي فِي سِوَاكَ إِرَادَةٌ ... عَلَى خَاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي
فَإِنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ مِنْ مَاءٍ مَعِينٍ، وَاللَّهُ الْمُعِينُ. (" وَعَصَائِبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ") أَيْ: خِيَارُهُمْ، مِنْ قَوْلِهِمْ: عُصْبَةُ الْقَوْمِ خِيَارُهُمْ، وَلَعَلَّهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨] ، أَوْ طَوَائِفُهُمْ، فَإِنَّ الْعِصَابَةَ تَأْتِي بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ ; بِتَعَصُّبِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَشَدِّ بَعْضِهِمْ ظَهْرَ بَعْضٍ وَتَعَضُّدِهِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْعَصَائِبُ جَمْعُ عِصَابَةٍ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ، وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْهُ: الْأَبْدَالُ بِالشَّامِ، وَالنُّجَبَاءُ بِمِصْرَ، وَالْعَصَائِبُ بِالْعِرَاقِ. أَرَادَ أَنَّ التَّجَمُّعَ لِلْحُرُوبِ يَكُونُ بِالْعِرَاقِ، وَقِيلَ: أَرَادَ جَمَاعَةً مِنَ الزُّهَّادِ سَمَّاهُمْ بِالْعَصَائِبِ ; لِأَنَّهُ قَرَنَهُمْ بِالْأَبْدَالِ وَالنُّجَبَاءِ.
ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «خِيَارُ أُمَّتِي فِي كُلِّ قَرْنٍ خَمْسُمِائَةٍ، وَالْأَبْدَالُ أَرْبَعُونَ، فَلَا الْخَمْسُمِائَةُ يَنْقُصُونَ، وَلَا الْأَرْبَعُونَ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مِنَ الْخَمْسِمِائَةِ مَكَانَهُ، وَأَدْخَلَ فِي الْأَرْبَعِينَ» ". وَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دُلَّنَا عَلَى أَعْمَالِهِمْ. قَالَ: " «يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ، وَيُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ، وَيَتَوَاسَوْنَ فِيمَا آتَاهُمُ اللَّهُ » ". وَبِإِسْنَادِهِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ لِلَّهِ فِي الْخَلْقِ سَبْعَةً» "، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: " «فَبِهِمْ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُمْطِرُ وَيُنْبِتُ وَيَدْفَعُ الْبَلَاءَ» ".
стр. 7531
قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: كَيْفَ بِهِمْ يُحْيِي وَيُمِيتُ؟ قَالَ: " لِأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ اللَّهَ إِكْثَارَ الْأُمَمِ فَيَكْثُرُونَ، وَيَدْعُونَ عَلَى الْجَبَابِرَةِ فَيُقْصَمُونَ، وَيَسْتَسْقُونَ فَيُسْقَوْنَ، وَيَسْأَلُونَ فَتُنْبِتُ لَهُمُ الْأَرْضُ، وَيَدْعُونَ فَيُدْفَعُ بِهِمْ أَنْوَاعُ الْبَلَاءِ " انْتَهَى.
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَبْدَالَ وَالْعَصَائِبَ يَأْتُونَ الْمَهْدِيَّ (" فَيُبَايِعُونَهُ، ثُمَّ يَنْشَأُ ") أَيْ: يَظْهَرُ (" رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ") : هَذَا هُوَ الْقَوِيُّ الَّذِي يُخَالِفُ الْمَهْدِيَّ (" أَخْوَالُهُ كَلْبٌ ") : وَهُمْ قَبِيلَةٌ فَتَكُونُ أُمُّهُ كَلْبِيَّةٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ حَقِّيَّةٌ، وَبِشَارَةٌ جَلِيَّةٌ، وَتَفَاؤُلٌ بِغَلَبَةِ ذُرِّيَّةِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يُرِيدُ أَنَّ أُمَّ الْقُرَشِيِّ تَكُونُ كَلْبِيَّةً فَيُنَازِعُ الْمَهْدِيَّ فِي أَمْرِهِ، وَيَسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِأَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي كَلْبٍ، (فَيَبْعَثُ) أَيِ: الْكَلْبِيُّ (" إِلَيْهِمْ ") أَيْ: إِلَى الْمُبَايِعِينَ لِلْمَهْدِيِّ (" بَعْثًا ") أَيْ: جَيْشًا، (" فَيَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ ") أَيْ: فَيَغْلِبُ الْمُبَايِعُونَ عَلَى الْبَعْثِ الَّذِي بَعَثَهُ الْكَلْبِيُّ، (" وَذَلِكَ ") أَيِ: الْبَعْثُ (" بَعْثُ كَلْبٍ ") أَيْ: جَيْشُ كَلْبٍ بَاعِثُهُ هُوَ نَفْسُ الْكَلْبِيِّ (" وَيَعْمَلُ ") أَيِ: الْمَهْدِيُّ فِي النَّاسِ (" بِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ ") أَيْ: شَرِيعَتِهِ (" وَيُلْقِي ") : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: يَرْمِي وَيُرْخِي (" الْإِسْلَامُ ") أَيِ: الْمُشَبَّهُ بِالْبَعِيرِ الْمُنْقَادِ لِلْأَنَامِ (" بِجِرَانِهِ ") : بِكَسْرِ الْجِيمِ فَرَاءٍ وَنُونٍ، وَهُوَ مُقَدَّمُ عُنُقِهِ أَيْ: بِكَمَالِهِ، فَفِيهِ مَجَازُ التَّعْبِيرِ عَنِ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ، كَإِطْلَاقِ الرَّقَبَةِ عَلَى الْمَمْلُوكِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْجِرَانُ بَاطِنُ الْعُنُقِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: أَنَّ نَاقَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَتْ جِرَانَهَا، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: حَتَّى ضَرَبَ الْحَقُّ بِجِرَانِهِ، أَيْ: قَرَّ الْإِسْلَامُ وَاسْتَقَرَّ قَرَارُهُ وَاسْتَقَامَ، كَمَا أَنَّ الْبَعِيرَ إِذَا بَرَكَ وَاسْتَرَاحَ مَدَّ عُنُقَهُ عَلَى الْأَرْضِ. قِيلَ: ضُرِبَ الْجِرَانُ مَثَلًا لِلْإِسْلَامِ إِذَا اسْتَقَرَّ قَرَارُهُ، فَلَمْ يَكُنْ فِتْنَةً، وَجَرَتْ أَحْكَامُهُ عَلَى السُّنَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَالْعَدْلِ، (" فَيَلْبَثُ ") : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيِ: الْمَهْدِيُّ بَعْدَ ظُهُورِهِ (" سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُتَوَفَّى، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ ﵀: فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى أَبِي دَاوُدَ: لَمْ يَرِدْ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ ذِكْرُ الْأَبْدَالِ، إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا ﵀ فِي رِسَالَتِهِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى تَعْرِيفِ غَالِبِ أَلْفَاظِ الصُّوفِيَّةِ: الْقُطْبُ، وَيُقَالُ لَهُ الْغَوْثُ هُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ نَظَرِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْعَالَمِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، أَيْ: نَظَرًا خَاصًّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِفَاضَةُ الْفَيْضِ وَاسْتِفَاضَتُهُ، فَهُوَ الْوَاسِطَةُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ عِبَادِهِ، فَيُقَسَّمُ الْفَيْضُ الْمَعْنَوِيُّ عَلَى أَهْلِ بِلَادِهِ بِحَسَبِ تَقْدِيرِهِ وَمُرَادِهِ، ثُمَّ قَالَ: الْأَوْتَادُ أَرْبَعَةٌ: مَنَازِلُهُمْ عَلَى مَنَازِلِ الْأَرْكَانِ مِنَ الْعَالَمِ، شَرْقٌ وَغَرْبٌ وَشَمَالٌ وَجَنُوبٌ، مَقَامُ كُلٍّ مِنْهُمْ مَقَامُ تِلْكَ الْجِهَةِ.
قُلْتُ: فَهُمُ الْأَقْطَابُ فِي الْأَقْطَارِ، يَأْخُذُونَ الْفَيْضَ مِنْ قُطْبِ الْأَقْطَابِ الْمُسَمَّى بِالْغَوْثِ الْأَعْظَمِ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوُزَرَاءِ تَحْتَ حُكْمِ الْوَزِيرِ الْأَعْظَمِ، فَإِذَا مَاتَ الْقُطْبُ الْأَفْخَمُ، أُبْدِلَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَحَدٌ بَدَلَهُ غَالِبًا، ثُمَّ قَالَ: الْأَبْدَالُ قَوْمٌ صَالِحُونَ لَا تَخْلُو الدُّنْيَا مِنْهُمْ، إِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ آخَرَ، وَهُمْ سَبْعَةٌ. قُلْتُ: الْأَبْدَالُ اللُّغَوِيُّ صَادِقٌ عَلَى رِجَالِ الْغَيْبِ جَمِيعًا، وَقَدْ سَبَقَ لِلْبَدَلِ مَعْنًى آخَرَ، فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَيْهِ ; وَلَعَلَّهُمْ خُصُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَتِهِمْ، وَلِحُصُولِ كَثْرَةِ الْبَدَلِ فِيهِمْ لِغَلَبَتِهِمْ ; فَإِنَّهُمْ أَرْبَعُونَ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، أَوْ سَبْعُونَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ، فَقَوْلُهُ: وَهُمْ سَبْعَةٌ وَهْمٌ، ثُمَّ قَالَ: النُّقَبَاءُ هُمُ الَّذِينَ اسْتَخْرَجُوا خَبَايَا النُّفُوسِ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ. أَقُولُ: لَعَلَّهُ أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ النَّقْبِ بِمَعْنَى الثَّقْبِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ النُّقَبَاءَ جَمْعُ نَقِيبٍ، وَهُوَ شَاهِدُ الْقَوْمِ وَضَمِينُهُمْ وَعَرِيفُهُمْ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] ، أَيْ: شَاهِدًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ يُنَقِّبُ عَنْ أَحْوَالِ قَوْمِهِ وَيُفَتِّشُ عَنْهَا، أَوْ كَفِيلًا يَكْفُلُ عَلَيْهِمْ بِالْوَفَاءِ بِمَا أُمِرُوا بِهِ وَعَاهَدُوا عَلَيْهِ عَلَى مَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ
стр. 7532
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ خَمْسُمِائَةٍ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ، ثُمَّ قَالَ: النُّجَبَاءُ هُمُ الْمُشْتَغِلُونَ بِحَمْلِ أَثْقَالِ الْخَلْقِ، وَهُمْ أَرْبَعُونَ. أَقُولُ: كَأَنَّهُ أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ اللُّغَةِ، فَفِي الْقَامُوسِ: نَاقَةٌ نَجِيبٌ وَنَجِيبَةٌ وَجَمْعُهُ نَجَائِبُ، وَأَنْسَبُ مَا ذُكِرَ فِيهِ أَيْضًا مِنْ أَنَّ النَّجِيبَ الْكَرِيمُ وَالْجَمْعَ نُجَبَاءُ، وَالْمُنْتَجَبُ الْمُخْتَارُ، وَنَجَائِبُ الْقُرْآنِ أَفْضَلُهُ.
هَذَا وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا " «إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَمِائَةِ نَفْسٍ، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ آدَمَ ﵊ وَلَهُ أَرْبَعُونَ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ مُوسَى ﵊ وَلَهُ سَبْعَةٌ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ ﵊ وَلَهُ خَمْسَةٌ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ جِبْرِيلَ ﵊ وَلَهُ ثَلَاثَةٌ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ مِيكَائِيلَ ﵊ وَلَهُ وَاحِدٌ قَلْبُهُ عَلَى قَلْبِ إِسْرَافِيلَ ﵊ كُلَّمَا مَاتَ الْوَاحِدُ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الثَّلَاثَةِ، وَكُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الْخَمْسَةِ، وَكُلَّمَا مَاتَ مِنَ الْخَمْسَةِ وَاحِدٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ السَّبْعَةِ، وَكُلَّمَا مَاتَ مِنَ السَّبْعَةِ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الْأَرْبَعِينَ، وَكُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنَ الْأَرْبَعِينَ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الثَّلَاثِمِائَةِ، وَكُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثِمِائَةِ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الْعَامَّةِ، بِهِمْ يَدْفَعُ اللَّهُ الْهَمَّ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» ، انْتَهَى.
وَأَرْجُو مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَحُسْنِ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَعُمُومِ جُودِهِ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ مَحْلُولًا مِنْ هَذِهِ الْمَنَاصِبِ الْعَلِيَّةِ أَنْ يَجْعَلَنِي مَنْصُوبًا عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِيَّةِ، وَلَوْ مِنْ مَرْتَبَةِ الْعَامَّةِ إِلَى أَدْنَى مَرْتَبَةِ الْخَاصَّةِ، وَيُتِمَّ عَلَيَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ مَعَ الزِّيَادَةِ إِلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ، ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الِاحْتِمَالِ أَنَّ الْأَبْدَالَ لَا تَكُونُ مِنْ خَوَاصِّ الْأَبْدَالِ، بَلْ تَعُمُّ الرِّجَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ أَحَدًا يَكُونُ عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ فِي عَالَمَيِ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ أَشْرَفَ وَأَلْطَفَ مِنْ قَلْبِهِ الْأَكْرَمِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ أَيْضًا مَا يُشْعِرُ بِظَاهِرِهِ بِتَفْضِيلِ خَوَاصِّ الْمَلَكِ عَلَى خَوَاصِّ الْبَشَرِ، وَكَذَا تَفْضِيلُ إِسْرَافِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَلَى جِبْرَائِيلَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَهَذَا وَقَالَ الْعَارِفُ الصَّمَدَانِيُّ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ السِّمْنَانِيُّ فِي الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى: إِنَّ الْأَبْدَالَ مِنْ بُدَلَاءِ السَّبْعَةِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " «هُوَ مِنَ السَّبْعَةِ وَسَيِّدُهُمْ» ". أَقُولُ: لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ هَذَا مِنْ ثِقَاتٍ وَسَنَدِهِمْ، قَالَ: وَكَانَ الْقُطْبُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ عِصَامًا، فَحَرِيٌّ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي لَأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ، وَهُوَ مَظْهَرٌ خَاصٌّ لِلتَّجَلِّي الرَّحْمَانِيِّ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَظْهَرًا خَاصًّا لِلتَّجَلِّي الْإِلَهِيِّ الْمَخْصُوصِ بِاسْمِ الذَّاتِ وَهُوَ اللَّهُ.
قُلْتُ: هَذَا يُفِيدُ مُؤَيِّدًا لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُشَارِكْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَقَامِهِ الْأَعْظَمِ، لَكِنَّ فِي كَوْنِ الْقُطْبِيَّةِ لِعِصَامٍ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي أَنَّهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ، بِخِلَافِ أُوَيْسٍ فَإِنَّهُ مَشْهُورٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ سَيِّدُ التَّابِعِينَ إِشْكَالًا عَظِيمًا، فَإِنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ الْقُطْبِيَّةُ الْكُبْرَى مَعَ وُجُودِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَسَائِرِ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ الْيَافِعِيُّ ﵀: وَقَدْ سَتَرَ أَحْوَالَ الْقُطْبِ وَهُوَ الْغَوْثُ عَنِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ غَيْرِهِ مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ، لَكِنِّي أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا غَالِبِيٌّ ; لِثُبُوتِ الْقُطْبِيَّةِ لِلسَّيِّدِ عَبْدِ الْقَادِرِ ﵀ بِلَا نِزَاعٍ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ادَّعَوْا أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرَادَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ فَلَا إِشْكَالَ، وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى بَاطِلًا وَزُورًا، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمِيعٌ مِنَ الْأَوْبَاشِ، وَأَرَادَ الْفَسَادَ فِي الْبِلَادِ ; فَقُتِلَ وَاسْتَرَاحَ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى وَاقِعَةَ الْحَالِ فَحَمَلَهَا شَيْخُهُ عَلَى الْآفَاقِ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَحْمِلَهَا عَلَى الْأَنْفُسِ ; لِئَلَّا يَحْصُلَ الِاخْتِلَافُ، وَهُوَ رَئِيسُ النُّورِ بِخَشْيَةِ أَحَدِ مَشَايِخِ الْكُبْرَوِيَّةِ، وَقَدْ ظَهَرَ فِي الْبِلَادِ الْهِنْدِيَّةِ جَمَاعَةٌ تُسَمَّى الْمَهْدَوِيَّةَ، وَلَهُمْ رِيَاضَاتٌ عَمَلِيَّةٌ، وَكُشُوفَاتٌ سُفْلِيَّةٌ، وَجَهَالَاتٌ ظَاهِرِيَّةٌ، مِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَهْدِيَّ الْمَوْعُودَ هُوَ شَيْخُهُمُ الَّذِي ظَهَرَ، وَمَاتَ وَدُفِنَ فِي بَعْضِ بِلَادِ خُرَاسَانَ، وَلَيْسَ يَظْهَرُ غَيْرُهُ مَهْدِيٌّ فِي الْوُجُودِ، وَمِنْ ضَلَالَتِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الْعَقِيدَةِ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَدْ جَمَعَ شَيْخُنَا الْعَارِفُ بِاللَّهِ الْوَلِيُّ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمُتَّقِي ﵀ رِسَالَةً جَامِعَةً فِي عَلَامَاتِ الْمَهْدِيِّ، مُنْتَخَبَةً مِنْ رَسَائِلِ السُّيُوطِيِّ ﵀ وَاسْتَفْتَى مِنْ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ الْمَوْجُودِينَ فِي مَكَّةَ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَدْ أَفْتَوْا
стр. 7533
بِوُجُوبِ قَتْلِهِمْ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ مِنْ وُلَاةِ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَا مُعْتَقَدُ الطَّائِفَةِ الشِّيعَةِ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ أَنَّ الْمَهْدِيَّ الْمَوْعُودَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ الْعَسْكَرِيُّ، وَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ، بَلْ هُوَ مُخْتَفٍ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ مِنَ الْعَوَامِّ وَالْأَعْيَانِ، وَأَنَّهُ إِمَامُ الزَّمَانِ، وَأَنَّهُ سَيَظْهَرُ فِي وَقْتِهِ وَيَحْكُمُ فِي دَوْلَتِهِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالْأَدِلَّةُ مُسْتَوْفَاةٌ فِي الْكُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيَّ إِذَا اخْتَفَى دَخَلَ فِي دَائِرَةِ الْأَبْدَالِ أَوَّلًا، وَبَقِيَ فِيهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ; فَصَارَ سَيِّدَ الْأَبْدَالِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي دَائِرَةِ الْأَبْطَالِ، يَعْنِي دَائِرَةَ الْأَرْبَعِينَ، وَبَقِيَ فِيهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ; فَصَارَ سَيِّدَ الْأَبْطَالِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي دَائِرَةِ السُّيَّاحِ وَهُمُ السَّبْعَةُ، وَبَقِيَ فِيهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ; فَصَارَ سَيِّدَ السُّيَّاحِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي دَائِرَةِ الْأَوْتَادِ وَهُمُ الْخَمْسَةُ، وَبَقِيَ فِيهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَصَارَ سَيِّدَ الْأَوْتَادِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي دَائِرَةِ الْأَفْذَاذِ، وَهُمُ الثَّلَاثَةُ، وَبَقِيَ فِيهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَصَارَ سَيِّدَ الْأَفْذَاذِ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَى الْأَرِيكَةِ الْقُطْبِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ تَوَفَّى اللَّهُ عَلِيَّ بْنَ الْحَسَنِ الْبَغْدَادِيَّ الْقُطْبَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ فِي بَغْدَادَ فِي الشُّونِيزِ بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَبَقِيَ فِي الْمَرْتَبَةِ الْقُطْبِيَّةِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ تَوَفَّاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، انْتَهَى.
وَقَدْ نَقَلَ مَوْلَانَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْجَامِيُّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ السَّامِيَ - هَذَا عَنْهُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي اعْتِقَادِهِ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الشَّيْخَ عَلَاءَ الدَّوْلَةِ ظَهَرَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ بِزَمَانٍ كَثِيرٍ، وَلَمْ يُسْنِدْ هَذَا الْقَوْلَ إِلَى مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَدَّعِي هَذَا مِنْ طُرُقِ الْكَشْفِ، وَكَذَا لَا يُمْكِنُ مِنْ غَيْرِهِ أَيْضًا إِلَّا كَذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَبْنَى الِاعْتِقَادِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ، وَمِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَسَاسُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَبْنَى لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ ; وَلِذَا لَمْ يَعْتَبِرْ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ جَوَازَ الْعَمَلِ فِي الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ بِمَا يَظْهَرُ لِلصُّوفِيَّةِ مِنَ الْأُمُورِ الْكَشْفِيَّةِ، أَوْ مِنَ الْحَالَاتِ الْمَنَامِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ مَنْسُوبَةً إِلَى الْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ - عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، وَأَكْمَلُ التَّحِيَّةِ - لَكِنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي أَحْوَالِ الْمَهْدِيِّ مِمَّا جَمَعَهُ السُّيُوطِيُّ ﵀ وَغَيْرُهُ تَرُدُّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي اعْتِقَادَاتِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَآرَائِهِمُ الْكَاسِدَةِ، بَلْ جَعَلُوا تَمَامَ إِيمَانِهِمْ وَبِنَاءَ إِسْلَامِهِمْ وَأَرْكَانَ أَحْكَامِهِمْ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَائِمُ الْمُنْتَظَرُ، وَهُوَ الْمَهْدِيُّ الْمَوْعُودُ عَلَى لِسَانِ صَاحِبِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ.
стр. 7534
٥٤٥٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بَلَاءً يُصِيبُ هَذِهِ الْأُمَّةَ، حَتَّى لَا يَجِدَ الرَّجُلُ مَلْجَأً يَلْجَأُ إِلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ رَجُلًا مِنْ عِتْرَتِي وَأَهْلِ بَيْتِي، فَيَمْلَأُ بِهِ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وَسَاكِنُ الْأَرْضِ، لَا تَدَعُ السَّمَاءُ مِنْ قَطْرِهَا شَيْئًا إِلَّا صَبَّتْهُ مِدْرَارًا، وَلَا تَدَعُ الْأَرْضُ مِنْ نَبَاتِهَا شَيْئًا إِلَّا أَخْرَجَتْهُ حَتَّى يَتَمَنَّى الْأَحْيَاءُ الْأَمْوَاتَ، يَعِيشُ فِي ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِيَ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ صَحِيحٌ.
ــ
٥٤٥٧ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بَلَاءً ") أَيْ: عَظِيمًا (" يُصِيبُ هَذِهِ الْأُمَّةَ حَتَّى لَا يَجِدَ الرَّجُلُ مَلْجَأً ") أَيْ: مَلَاذًا (" يَلْجَأُ إِلَيْهِ ") أَيْ: يَعُوذُ وَيَلُوذُ بِهِ (" مِنَ الظُّلْمِ ") أَيْ: بَلَاءً نَاشِئًا مِنَ الظُّلْمِ الْعَامِّ، (" فَيَبْعَثُ اللَّهُ رَجُلًا ") أَيْ: كَامِلًا عَادِلًا عَالِمًا عَامِلًا وَهُوَ الْمَهْدِيُّ (مِنْ عِتْرَتِي ") أَيْ: أَقَارِبِي (" وَأَهْلِ بَيْتِي ") أَيْ: مِنْ أَخَصِّهِمْ، (" فَيَمْلَأُ ") أَيِ: اللَّهُ (" بِهِ ") أَيْ: بِسَبَبِ وُجُودِ ذَلِكَ الرَّجُلِ (" الْأَرْضَ ") أَيْ: جَمِيعَهَا، وَفِي نُسْخَةٍ ضَعِيفَةٍ تُمْلَأُ بِالتَّأْنِيثِ مَجْهُولًا، فَالْأَرْضُ مَرْفُوعٌ، (" قِسْطًا وَعَدْلًا ") : تَمْيِيزٌ مِنَ النِّسْبَةِ (" كَمَا مُلِئَتْ ") أَيْ: بِغَيْرِهِ (" ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ ") أَيْ: جِنْسُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَأَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (" وَسَاكِنُ الْأَرْضِ ") أَيْ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ حَتَّى الدَّوَابِّ فِي الْبَرِّ وَالْحِيتَانِ فِي الْبَحْرِ، كَمَا سَبَقَ فِي فَضْلِ الْعُلَمَاءِ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ كَقَوْلِهِ: (" لَا تَدَعُ السَّمَاءُ ") أَيْ: لَا تَتْرُكُ فِي زَمَانِهِ (" مِنْ قَطْرِهَا شَيْئًا ") أَيْ: مِنْ أَقْطَارِ أَمْطَارِهَا (" إِلَّا صَبَّتْهُ ") أَيْ: كَبَّتْهُ (" مِدْرَارًا ") : فِي الْفَائِقِ: الْمِدْرَارُ الْكَثِيرُ الدَّرِّ، وَمِفْعَالُ مِمَّا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، كَقَوْلِهِمْ: امْرَأَةٌ مِعْطَارٌ مِطْفَالٌ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنَ السَّمَاءِ، أَيْ: مِنْ فَاعِلِ صَبَّتْهُ، (" وَلَا تَدَعُ الْأَرْضُ مِنْ نَبَاتِهَا ") أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ نَبَاتِهَا وَأَصْنَافِهَا (" شَيْئًا إِلَّا أَخْرَجَتْهُ ") أَيْ: أَنْبَتَتْهُ وَأَظْهَرَتْهُ (" حَتَّى يَتَمَنَّى الْأَحْيَاءُ ") : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ
стр. 7535
الْحَيِّ مَرْفُوعٌ، وَأَخْطَأَ مَنْ كَسَرَ الْهَمْزَةَ وَنَصَبَهُ، (" الْأَمْوَاتَ ") : بِالنَّصْبِ وَمَنْ عَكَسَ التَّرْتِيبَ لَمْ يُصِبْ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: الْأَحْيَاءُ رُفِعَ بِالْفَاعِلِيَّةِ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، أَيْ: يَتَمَنَّوْنَ حَيَاةَ الْأَمْوَاتِ أَوْ كَوْنَهُمْ أَحْيَاءً ; وَإِنَّمَا يَتَمَنَّوْنَ لِيَرَوْا مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ وَالْأَمْنِ، وَيُشَارِكُوهُمْ فِيهِ، وَمَنْ زَعَمَ فِيهِ الْأَحْيَاءَ بِالنَّصْبِ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ، وَفَاعِلُ التَّمَنِّي الْأَمْوَاتُ فَقَدْ أَحَالَ، (" يَعِيشُ ") أَيِ: الْمَهْدِيُّ (" فِي ذَلِكَ ") أَيْ: فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الْعَدْلِ وَأَنْوَاعِ الْخَيْرِ (" سَبْعَ سِنِينَ ") : وَهُوَ مَجْزُومٌ بِهِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، (" أَوْ ثَمَانِيَ سِنِينَ ") : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" أَوْ تِسْعَ سِنِينَ ". رَوَاهُ) تَرَكَ هُنَا بَيَاضًا فِي الْأَصْلِ وَأَلْحَقَ بِهِ: رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ صَحِيحٌ، لَكِنْ نَقَلَ الْجَزَرِيُّ أَنَّ الذَّهَبِيَّ قَالَ: إِسْنَادُهُ مُظْلِمٌ.
стр. 7536
٥٤٥٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ، حَرَّاثٌ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مَنْصُورٌ، يُوَطِّنُ أَوْ يُمَكِّنُ لِآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا مَكَّنَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ، وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ نَصْرُهُ - أَوْ قَالَ: إِجَابَتُهُ» - ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٤٥٨ - (وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَخْرُجُ رَجُلٌ ") أَيْ: صَالِحٌ (" مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ ") أَيْ: مِمَّا وَرَاءَهُ مِنَ الْبُلْدَانِ، كَبُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ وَنَحْوِهِمَا، (" يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ ") : اسْمٌ لَهُ، وَقَوْلُهُ: (" حَرَّاثٌ ") بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، صِفَةٌ لَهُ أَيْ: زَرَّاعٌ (" عَلَى مُقَدِّمَتِهِ ") أَيْ: مُقَدِّمَةِ جَيْشِهِ (" رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مَنْصُورٌ ") : اسْمٌ لَهُ أَوْ صِفَةٌ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ، وَهُوَ إِمَامٌ جَلِيلٌ مَشْهُورٌ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْعَقَائِدِ الْحَنِيفِيَّةِ، لَكِنَّ إِيرَادَ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرُ مُلَائِمٍ لَهُ، وَمَعَ هَذَا لَا يَمْنَعُ مِنَ الِاحْتِمَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ، مَعَ أَنَّ عُنْوَانَ الْبَابِ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمَهْدِيِّ وَغَيْرِهِ، وَنُقِلَ عَنْ خَوَاجَهْ عُبَيْدِ اللَّهِ السَّمَرْقَنْدِيِّ النَّقْشَبَنْدِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: الْمَنْصُورُ هُوَ الْخَضِرُ، وَمِثْلُ هَذَا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إِلَّا بِنَقْلٍ قَالَ: أَوْ كَشْفِ حَالٍ.
(" يُوَطِّنُ ") أَيْ: يُقَرِّرُ وَيُثَبِّتُ الْأَمْرَ، وَأَصْلُ التَّوْطِينِ جَعْلُ الْوَطَنِ لِأَحَدٍ، (" أَوْ يُمَكِّنُ ") : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٤١] ، أَوْ هِيَ بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ: يُهَيِّئُ الْأَسْبَابَ بِأَمْوَالِهِ وَخَزَائِنِهِ وَسِلَاحِهِ، وَيُمَكِّنُ أَمْرَ الْخِلَافَةِ وَيُقَوِّيهَا وَيُسَاعِدُهَا بِعَسْكَرِهِ (" لِآلِ مُحَمَّدٍ ") أَيْ: لِذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ عُمُومًا وَلِلْمَهْدِيِّ خُصُوصًا، أَوِ الْآلُ مُقْحَمٌ وَالْمَعْنَى لِمُحَمَّدٍ وَالْمَهْدِيِّ، (" كَمَا مَكَّنَتْ قُرَيْشٌ ") أَيْ: كَتَمْكِينِهِمْ (" لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ") : وَالْمُرَادُ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ، وَدَخَلَ فِي التَّمْكِينِ أَبُو طَالِبٍ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنْ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: يُمَكِّنُ لِآلِ مُحَمَّدٍ أَيْ فِي الْأَرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] أَيْ: جَعَلَ لَهُ فِي الْأَرْضِ مَكَانًا، وَأَمَّا مَكَّنْتُهُ فِي الْأَرْضِ فَأُثَبِّتُهُ فِيهَا، وَمَعْنَاهُ جَعَلَهُمْ فِي الْأَرْضِ ذَوِي بَسْطَةٍ فِي الْأَمْوَالِ وَنُصْرَةٍ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: كَمَا مَكَّنَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُرَيْشٌ آخِرَ أَمْرِهَا، فَإِنَّ قُرَيْشًا وَإِنْ أَخْرَجُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلًا مِنْ مَكَّةَ، لَكِنَّ بَقَايَاهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ أَسْلَمُوا، وَمَكَّنُوا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ
стр. 7537
بِالتَّمْكِينِ فِي الْآيَةِ غَيْرُ التَّمْكِينِ فِي الْحَدِيثِ، مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ تَمْكِينِ الْمُشَبَّهِ تَمْكِينُهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، فَلَا يَحْسُنُ حَمْلُ الْمُشَبَّهِ بِهِ عَلَى آخِرِ أَمْرِهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: أَخْرَجُوا. لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ الْمُوهِمِ لِإِهَانَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِذَا قِيلَ بِكُفْرِ مَنْ أَطْلَقَ هَذَا الْقَوْلَ، وَتَأْوِيلُهُ تَسَبَّبُوا لِخُرُوجِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى مَكَانِ أَنْصَارِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُعَطَّرَةِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِجْرَاءِ أَحْكَامِهِ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَالْإِخْرَاجُ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْبَيْضَاوِيُّ ﵀ وَغَيْرُهُ.
(" وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ نَصْرُهُ ") أَيْ: نَصْرُ الْحَارِثِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ نَصْرُ الْمَنْصُورِ وَهُوَ الْأَبْلَغُ، أَوْ نَصْرُ مَنْ ذُكِرَ مِنْهُمَا، أَوْ نَصْرُ الْمَهْدِيِّ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ ; إِذْ وُجُودُ نَصْرِهِمَا عَلَى أَهْلِ بِلَادِهِمَا وَمَنْ يَمُرَّانِ بِهِ ; لِكَوْنِهِمَا مِنْ أَنْصَارِ الْمَهْدِيِّ، (" - أَوْ قَالَ إِجَابَتُهُ - ") : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمَعْنَى قَبُولُ دَعْوَتِهِ وَالْقِيَامُ بِنُصْرَتِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: فِي بَابِ الْمَهْدِيِّ بِنَاءً عَلَى الْمَعْنَى الْمُتَبَادِرِ، أَوْ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنَ الدَّلِيلِ الظَّاهِرِ. قَالَ السَّيِّدُ: وَفِيهِ انْقِطَاعٌ.
стр. 7538
٥٤٥٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ، وَحَتَّى تُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ، وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٤٥٩ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ» ") أَيْ: سِبَاعُ الْوَحْشِ كَالْأَسَدِ، أَوْ سِبَاعُ الطَّيْرِ كَالْبَازِي، وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، (" الْإِنْسَ ") أَيْ: جِنْسَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، (" وَحَتَّى تُكَلِّمَ الرَّجُلَ ") : فِي تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ هُنَا تَفَنُّنٌ فِي الْعِبَارَةِ، وَبَيَانُ جَوَازٍ فِي الِاسْتِعْمَالِ، مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ تَأْخِيرُ الْفَاعِلِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ، (" عَذَبَةُ سَوْطِهِ ") : بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: طَرَفُهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ رَأْسُ سَوْطِهِ وَهِيَ قَدْ تَكُونُ فِي طَرَفِهِ، يُسَاقُ بِهِ الْفَرَسُ مِنْ عَذَبَ الْمَاءُ إِذَا طَابَ وَسَاغَ فِي الْحَلْقِ ; إِذْ بِهَا يَطِيبُ سَيْرُ الْفَرَسِ وَيَسْتَرِيحُ رَاكِبُهُ، وَقِيلَ: مِنَ الْعَذَابِ إِذْ بِهَا يُجْلَدُ الْفَرَسُ وَيُعَذَّبُ فَيَرْتَاضُ، وَيُهَذِّبُ بِهِ أَهْلَهُ بَعْدَهُ، (" وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَكَذَا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
стр. 7539
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٤٦٠ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْآيَاتُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٤٦٠ - (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْآيَاتُ ") أَيْ: آيَاتُ السَّاعَةِ وَعَلَامَاتُ الْقِيَامَةِ، تَظْهَرُ بِاعْتِبَارِ ابْتِدَائِهَا ظُهُورًا كَامِلًا (" بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ ") أَيْ: مِنَ الْهِجْرَةِ، أَوْ مِنْ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ، أَوْ مِنْ وَفَاتِهِ ﵊ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ فِي الْمِائَتَيْنِ لِلْعَهْدِ، أَيْ: بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ بَعْدَ الْأَلْفِ، وَهُوَ وَقْتُ ظُهُورِ الْمَهْدِيِّ، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَنُزُولِ عِيسَى ﵊ وَتَتَابُعِ الْآيَاتِ، مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ دَابَّةِ الْأَرْضِ، وَظُهُورِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَأَمْثَالِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْآيَاتُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، أَيْ: تَتَابُعُ الْآيَاتِ، وَظُهُورُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ عَلَى التَّتَابُعِ وَالتَّوَالِي بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: وَآيَاتٍ تَتَابَعُ كَنِظَامٍ قُطِعَ
стр. 7540
سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ، وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ الْمِائَتَيْنِ بَعْدَ الْإِخْبَارِ، انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى عَدَمُ ظُهُورِهِ عَلَى ذَوِي النُّهَى. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) ، وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 7541
٥٤٦١ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ قَدْ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ فَأْتُوهَا ; فَإِنَّ فِيهَا خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
ــ
٥٤٦١ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا رَأَيْتُمُ ") : الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْخِطَابُ الْعَامُّ أَيْ: إِذَا أَبْصَرْتُمْ (" الرَّايَاتِ ") أَيِ: الْأَعْلَامَ (" السُّودَ ") : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّوَادُ كِنَايَةً عَنْ كَثْرَةِ عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ، الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ عَسْكَرُ الْحَارِثِ وَالْمَنْصُورِ، (" فَأْتُوهَا ") أَيْ: فَأْتُوا الرَّايَاتِ، وَاسْتَقْبِلُوا أَهْلَهَا، وَاقْبَلُوا أَمْرَ أَمِيرِهَا، (" فَإِنَّ فِيهَا خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ ") أَيْ: نُصْرَتَهُ وَإِجَابَتَهُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ ابْتِدَاءَ ظُهُورِ الْمَهْدِيِّ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، ثُمَّ دَلَّ ظَاهِرُهُ عَلَى جَوَازِ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ خَلِيفَةُ اللَّهِ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ وَسَبِيلِ الْعَدْلِ، وَقَدْ سَبَقَ مَنْعُهُ، لَكِنْ قَدْ يُئَوَّلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ مِنَ اللَّهِ خَلِيفَةً لِأَنْبِيَائِهِ، فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَنْصُوبُ هُوَ الْمَنْسُوبَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] . (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) ، وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 7542
٥٤٦٢ - وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ﵁ قَالَ: «قَالَ عَلِيٌّ، وَنَظَرَ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ، قَالَ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ يُسَمَّى بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ، يُشْبِهُهُ فِي الْخُلُقِ، وَلَا يُشْبِهُهُ فِي الْخَلْقِ، - ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ - يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ.
ــ
٥٤٦٢ - (وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: رَأَى عَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَسَمِعَ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَرَوَى عَنْهُ الْأَعْمَشُ وَشُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ كَثِيرُ الرِّوَايَةِ، وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. (قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) أَيْ: مَوْقُوفًا (وَنَظَرَ إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنَ قَالَ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَمَقُولِهِ، وَأَتَى بِقَوْلِهِ: قَالَ، إِمَّا تَأْكِيدًا لِلْمُبَالَغَةِ، أَوْ لِتَوَهُّمِ الْإِطَالَةِ، (إِنَّ ابْنِي هَذَا) : إِشَارَةٌ إِلَى تَخْصِيصِ الْحَسَنِ ; لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْحُسَيْنُ أَوِ الْجِنْسُ، (سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: بِقَوْلِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْمَنَاقِبِ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ "، (وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ) أَيْ: مِنْ ذُرِّيَّتِهِ (رَجُلٌ يُسَمَّى بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ، يُشْبِهُهُ فِي الْخُلُقِ) : بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ وَتُسَكَّنُ (وَلَا يُشْبِهُهُ فِي الْخَلْقِ) أَيْ: فِي جَمِيعِهِ، إِذْ سَبَقَ بَعْضُ نَعْتِهِ الْمُوَافِقِ لِخَلْقِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (- ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا) : بِالْإِضَافَةِ وَدُونِهَا، فَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَهْدِيَّ مِنْ أَوْلَادِ الْحَسَنِ، وَيَكُونُ لَهُ انْتِسَابٌ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فِي الْحُسَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ الشِّيعَةِ: إِنَّ الْمَهْدِيَّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ الْقَائِمُ الْمُنْتَظَرُ، فَإِنَّهُ حُسَيْنِيٌّ بِالِاتِّفَاقِ، لَا يُقَالُ لَعَلَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَرَادَ بِهِ غَيْرَ الْمَهْدِيِّ، فَإِنَّا نَقُولُ: يُبْطِلُهُ قِصَّةُ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا، إِذْ لَا يُعْرَفُ فِي السَّادَاتِ الْحُسَيْنِيَّةِ وَلَا الْحَسَنِيَّةِ مَنْ مَلَأَ الْأَرْضَ عَدْلًا إِلَّا مَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمَهْدِيِّ الْمَوْعُودِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ) : هَذَا أَعْنِي وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ كَلَامُ جَامِعِ الْأُصُولِ، نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ، وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ الطِّيبِيِّ ﵀ قَوْلُهُ: لَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ التَّعْرِيفُ فِيهِ
стр. 7543
لِلْعَهْدِ، وَهَذَا كَلَامُ جَامِعِ الْأُصُولِ، وَلَيْسَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ: لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجَزَرِيُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ: لَا فَتًى إِلَّا عَلِيٌّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْأَحَادِيثُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّنْصِيصِ عَلَى خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ مِنْ عِتْرَتِهِ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ، ثَابِتَةٌ أَصَحُّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَالْحُكْمُ لَهَا دُونَهُ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ مَعْنَاهُ لَا مَهْدِيَّ كَامِلًا مَعْصُومًا إِلَّا عِيسَى ﵇ انْتَهَى. وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: إِنَّ لِمَهْدِيِّنَا آيَتَيْنِ، لَمْ تَكُونَا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ: يَنْكَسِفُ الْقَمَرُ لِأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَتَنْكَسِفُ الشَّمْسُ فِي النِّصْفِ مِنْهُ، كَذَا فِي الْعُرْفِ الْوَرْدِيِّ فِي أَخْبَارِ الْمَهْدِيِّ لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ ﵀.
стр. 7544
٥٤٦٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: فُقِدَ الْجَرَادُ فِي سَنَةٍ مِنْ سِنِي عُمَرَ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا فَاهْتَمَّ بِذَلِكَ هَمًّا شَدِيدًا، فَبَعَثَ إِلَى الْيَمَنِ رَاكِبًا، وَرَاكِبًا إِلَى الْعِرَاقِ، وَرَاكِبًا إِلَى الشَّامِ، يَسْأَلُ عَنِ الْجَرَادِ، هَلْ أُرِيَ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَتَاهُ الرَّاكِبُ الَّذِي مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ بِقَبْضَةٍ فَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا رَآهَا عُمَرُ كَبَّرَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَلْفَ أُمَّةٍ، سِتُّمِائَةٍ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ، وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ، فَإِنَّ أَوَّلَ هَلَاكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْجَرَادُ، فَإِذَا هَلَكَ الْجَرَادُ تَتَابَعَتِ الْأُمَمُ كَنِظَامِ السِّلْكِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٥٤٦٣ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فُقِدَ الْجَرَادُ) أَيْ: عُدِمَ (فِي سَنَةٍ) أَيْ: عَامٍ (مِنْ سِنِي عُمَرَ) أَيْ: مِنْ أَيَّامِ خِلَافَتِهِ (الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا) : صِفَةٌ لِسَنَةٍ (فَاهْتَمَّ) أَيِ: اغْتَمَّ عُمَرُ (بِذَلِكَ) أَيْ: بِفَقْدِهِ (" هَمًّا شَدِيدًا ") أَيْ: خَوْفًا مِنْ هَلَاكِ سَائِرِ الْأُمَمِ لِمَا سَيَأْتِي، (فَبَعَثَ إِلَى الْيَمَنِ رَاكِبًا، وَرَاكِبًا إِلَى الْعِرَاقِ) : وَهُوَ الْمَشْرِقُ فَفَنَّنَ فِي الْعِبَارَةِ، (وَرَاكِبًا إِلَى الشَّامِ) : وَلَعَلَّ عَدَمَ بَعْثِهِ إِلَى الْغَرْبِ لِبُعْدِهِ، أَوْ لِفَصْلِهِ بِالْبَحْرِ، أَوْ لِقِلَّةِ وُجُودِهِ غَالِبًا فِي ذَلِكَ الْقُطْرِ، (يَسْأَلُ) أَيْ: عُمَرُ، أَوْ كُلٌّ مِنَ الرُّكْبَانِ يَتَفَحَّصُ (عَنِ الْجَرَادِ) ، وَقَوْلُهُ: (هَلْ أُرِيَ) : رُوِيَ مَجْهُولًا وَمَعْلُومًا، أَيْ: بَعَثَ قَائِلًا هَلْ أَرَى (" مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْجَرَادِ (شَيْئًا) أَيْ: مِنْ أَثَرِهِ أَوْ خَبَرِهِ، وَهُوَ تَمَنٍّ، (فَأَتَاهُ الرَّاكِبُ الَّذِي مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ بِقَبْضَةٍ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: بِمَقْبُوضَةٍ مِنَ الْجَرَادِ (فَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا رَآهَا عُمَرُ كَبَّرَ) أَيْ: فَرَحًا لِمَا سَيَأْتِي، (وَقَالَ) أَيْ: عُمَرُ ﵁ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَلْفَ أُمَّةٍ» ") : الْمُرَادُ كُلُّ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الدَّوَابِّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] ، (سِتُّمِائَةٍ ") : بِالرَّفْعِ (" مِنْهَا ") أَيْ: مِنَ الْأَلْفِ (" فِي الْبَحْرِ، وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ فِي سِتِّمِائَةٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ أَلْفِ أُمَّةٍ، (" فَإِنَّ أَوَّلَ هَلَاكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ") : إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ أَلْفَ أُمَّةٍ، فَالْمُرَادُ بِهَا الْجِنْسُ (" الْجَرَادُ ") ، وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ أَوَّلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِدُونِ لَفْظِ " هَلَاكِ " فَيُقَدَّرُ هَلَاكًا، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ أَوَّلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَلْقًا الْجَرَادُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هَذِهِ الْأُمَّةُ أُمَّتُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَإِذَا هَلَكَ الْجَرَادُ تَتَابَعَتِ الْأُمَمُ ") أَيْ: فِي الْهَلَاكِ، (كَنِظَامِ السِّلْكِ) أَيْ: كَتَتَابُعِ خَرَزٍ مَنْظُومِ الْخَيْطِ فِي النَّثْرِ إِذَا انْقَطَعَ السِّلْكُ، أَوْ كَتَتَابُعِ وُجُودِ الْخَرَزِ فِي حَالِ نِظَامِ السِّلْكِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّشْبِيهِ هُوَ التَّوَالِي، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ وَأَكْمَلُ فِي مُلَاحَظَةِ وَجْهِ الشَّبَهِ فِي الْهِلَالِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 7545
[بَابُ الْعَلَامَاتِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ وَذِكْرِ الدَّجَّالِ]
стр. 7546
بَابُ الْعَلَامَاتِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ وَذِكْرِ الدَّجَّالِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٤٦٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: «اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ. فَقَالَ: " مَا تَذْكُرُونَ؟ ". قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ. قَالَ: " إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ: " نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْعَاشِرَةِ: " «وَرِيحٌ تُلْقِي النَّاسَ فِي الْبَحْرِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
[٣] بَابُ الْعَلَامَاتِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ وَذِكْرِ الدَّجَّالِ
وَفِي نُسْخَةٍ: بَابُ عَلَامَاتِ، وَقَوْلُهُ: بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيْ: قُدَّامَهَا، وَأَصْلُهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي مَكَانٍ يُقَابِلُ صَدْرَ الشَّخْصِ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الزَّمَانِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: وَذِكْرِ الدَّجَّالِ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، وَهُوَ مِنْ دَجَلَ إِذَا سَاحَ فِي الْأَرْضِ، وَيُقَالُ: دَجَلَ فُلَانٌ الْحَقَّ إِذَا أَعْطَاهُ، وَفِي النِّهَايَةِ: أَصْلُ الدَّجَّالِ الْخَلْطُ، يُقَالُ: دَجَلَ إِذَا لَبَّسَ وَمَوَّهَ، وَالدَّجَّالُ فَعَّالٌ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ، أَيْ: يَكْثُرُ مِنْهُ الْكَذِبُ وَالتَّلْبِيسُ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٤٦٤ - (عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، (الْغِفَارِيِّ) : بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ، (قَالَ: اطَّلَعَ) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ: أَشْرَفَ (النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْنَا) أَيْ: وَشَرَّفَنَا بِطَلْعَةِ وَجْهِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْخَدَّيْنِ الْغَالِبِ نُورُهُمَا عَلَى طُلُوعِ الْقَمَرَيْنِ ; حَيْثُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ ضِيَاءُ الدَّارَيْنِ، (وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ) أَيْ: فِيمَا بَيْنَنَا، (فَقَالَ: " مَا تَذْكُرُونَ؟ ") أَيْ: بَعْضُكُمْ مَعَ بَعْضٍ، (قَالُوا) ، وَفِي نُسْخَةٍ قُلْنَا (نَذْكُرُ السَّاعَةَ) أَيْ: أَمْرَ الْقِيَامَةِ وَاحْتِمَالَ قِيَامِهَا فِي كُلِّ سَاعَةٍ، (قَالَ: " إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ ") أَيْ: عَلَامَاتٍ (" فَذَكَرَ ") أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانًا لِلْعَشْرِ (" الدُّخَانَ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ، وَذَلِكَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا أَصَابَ قُرَيْشًا مِنَ الْقَحْطِ، حَتَّى يُرَى الْهَوَاءُ لَهُمْ كَالدُّخَانِ، لَكِنْ قَالَ حُذَيْفَةُ: هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: " «يَمْلَأُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُؤْمِنُ يَصِيرُ كَالزُّكَامِ، وَالْكَافِرُ كَالسَّكْرَانِ» "، فَقَوْلُهُ: يَصِيرُ كَالزُّكَامِ أَيْ: كَصَاحِبِ، أَوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ: كَالْمَزْكُومِ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ، (" وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ ") : وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] ، (" وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ") ، قِيلَ: لِلدَّابَّةِ ثَلَاثُ خَرْجَاتٍ، أَيَّامَ الْمَهْدِيِّ، ثُمَّ أَيَّامَ عِيسَى، ثُمَّ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (" «وَنُزُولَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ﵊» ") أَيِ: الْمُنْضَمِّ إِلَى ظُهُورِهِ الْمَهْدِيُّ الْأَعْظَمُ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَوْسٍ مَرْفُوعًا " «يَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ» ". وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ مَرْفُوعًا: " «يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدٍّ» ": فِي النِّهَايَةِ: هُوَ مَوْضِعٌ بِالشَّامِ، وَقِيلَ بِفَلَسْطِينَ، كَذَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ لِلسُّيُوطِيِّ، وَفِي الْقَامُوسِ: لُدٌّ بِالضَّمِّ قَرْيَةٌ بِفَلَسْطِينَ، يَقْتُلُ عِيسَى ﵊ الدَّجَّالَ عِنْدَ بَابِهَا، هَذَا وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ الدُّخَانُ، ثُمَّ خُرُوجُ الدَّجَّالِ، ثُمَّ نُزُولُ عِيسَى ﵊ ثُمَّ خُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، ثُمَّ خُرُوجُ الدَّابَّةِ، ثُمَّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِنَّ الْكُفَّارَ يُسْلِمُونَ فِي زَمَنِ عِيسَى ﵇ حَتَّى تَكُونَ الدَّعْوَةُ وَاحِدَةً، وَلَوْ كَانَتِ الشَّمْسُ طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِهِ لَمْ يَكُنِ الْإِيمَانُ مَقْبُولًا مِنَ الْكُفَّارِ، قَالُوا وَلِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فَلَا يُرَدُّ أَنَّ نُزُولَهُ قَبْلَ طُلُوعِهَا، وَلَا مَا سَيَأْتِي أَنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ أَوَّلُ الْآيَاتِ. (" وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ") : بِأَلِفٍ فِيهِمَا وَيُهْمَزُ أَيْ: خُرُوجَهُمَا، (" وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ ") :
стр. 7547
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَدْ وُجِدَ الْخَسْفُ فِي مَوَاضِعَ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخُسُوفِ الثَّلَاثَةِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مَا وُجِدَ، كَأَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مَكَانًا وَقَدْرًا (" خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ") : بِالرَّفْعِ فِي الثَّلَاثَةِ عَلَى تَقْدِيرِ أَحَدِهَا أَوْ مِنْهَا، وَلَوْ رُوِيَ بِالْجَرِّ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنَ الْبِدَايَةِ، (" وَآخِرُ ذَلِكَ ") أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْآيَاتِ (نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَعَلَّهَا نَارَانِ تَجْتَمِعَانِ تَحْشُرَانِ النَّاسَ، أَوْ يَكُونُ ابْتِدَاءُ خُرُوجِهَا مِنَ الْيَمَنِ، وَظُهُورُهَا مِنَ الْحِجَازِ، ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ ثُمَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ أَوَّلَ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، بِأَنَّ آخِرِيَّتَهَا بِاعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْآيَاتِ، وَأَوَّلِيَّتَهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا أَوَّلُ الْآيَاتِ الَّتِي لَا شَيْءَ بَعْدَهَا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا أَصْلًا، بَلْ يَقَعُ بِانْتِهَائِهَا النَّفْخُ فِي الصُّورِ، بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مَعَهَا، فَإِنَّهُ يَبْقَى مَعَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا أَشْيَاءُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُوَفَّقِينَ. (" تَطْرُدُ ") أَيْ: تَسُوقُ تِلْكَ النَّارُ (النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ) : بِفَتْحِ الشِّينِ وَيُكْسَرُ أَيْ: إِلَى مَجْمَعِهِمْ، وَمَوْقِفِهِمْ، قِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْمَحْشَرِ أَرْضُ الشَّامِ، إِذْ صَحَّ فِي الْخَبَرِ: إِنَّ الْحَشْرَ يَكُونُ فِي أَرْضِ الشَّامِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَؤُهُ مِنْهَا، أَوْ تُجْعَلَ وَاسِعَةً تَسَعُ خَلْقَ الْعَالَمِ فِيهَا.
(وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لِمُسْلِمٍ أَوْ غَيْرِهِ (" نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ ") أَيْ: أَقْصَى أَرْضِهَا، وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، وَقِيلَ مُنْصَرِفٌ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ وَالْمَوْضِعِ، فَفِي الْمَشَارِقِ عَدَنُ مَدِينَةٌ مَشْهُورَةٌ بِالْيَمَنِ، وَفِي الْقَامُوسِ عَدَنُ مُحَرَّكَةً جَزِيرَةٌ بِالْيَمَنِ، (" تَسُوقُ ") أَيْ: تَطْرُدُ النَّارُ (" النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ ". وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْعَاشِرَةِ) أَيْ: فِي بَيَانِهَا وَبَدَلًا عَمَّا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ النَّارِ (" وَرِيحٌ تُلْقِي النَّاسَ فِي الْبَحْرِ ") ، وَلَعَلَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ الْكُفَّارُ، وَأَنَّ نَارَهُمْ تَكُونُ مُنْضَمَّةً إِلَى رِيحٍ شَدِيدَةِ الْجَرْيِ، سَرِيعَةِ التَّأْثِيرِ فِي إِلْقَائِهَا إِيَّاهُمْ فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ مَوْضِعُ حَشْرِ الْكُفَّارِ، أَوْ مُسْتَقَرُّ الْفُجَّارِ، كَمَا وَرَدَ: إِنَّ الْبَحْرَ يَصِيرُ نَارًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] ، بِخِلَافِ نَارِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لِمُجَرَّدِ التَّخْوِيفِ بِمَنْزِلَةِ السَّوْطِ مَهَابَةً ; لِتَحْصِيلِ السَّوْقِ إِلَى الْمَحْشَرِ وَالْمَوْقِفِ الْأَعْظَمِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 7548
٥٤٦٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَدَابَّةَ الْأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٤٦٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بَادِرُوا ") أَيْ: أَسْرِعُوا وَسَابِقُوا (" بِالْأَعْمَالِ ") أَيِ: الصَّالِحَةِ النَّافِعَةِ فِي الْآخِرَةِ (" سِتًّا ") أَيْ: سِتَّةَ آيَاتٍ، أَيْ: عَلَامَاتٍ لِوُجُودِ السَّاعَةِ ; إِذْ يَعْسُرُ الْعَمَلُ وَيَصْعُبُ فِيمَا بَعْدَهَا، أَوْ لَمْ يُقْبَلْ وَلَمْ يُعْتَبَرْ بَعْدَ تَحَقُّقِهَا، (" الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَدَابَّةَ الْأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ ") أَيِ: الْفِتْنَةَ الَّتِي تَعُمُّ النَّاسَ، أَوِ الْأَمْرَ الَّذِي يَسْتَبِدُّ بِهِ الْعَوَامُّ، وَيَكُونُ مِنْ قِبَلِهِمْ دُونَ الْخَوَاصِّ مِنْ تَأْمِيرِ الْأُمَّةِ، (" وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ ") : بِضَمٍّ وَفَتْحٍ وَسُكُونٍ وَتَشْدِيدٍ، وَهُوَ تَصْغِيرُ خَاصَّةٍ أَيِ: الْوَقْعَةَ الَّتِي تَخُصُّ أَحَدَكُمْ، قِيلَ: يُرِيدُ الْمَوْتَ، وَقِيلَ: هِيَ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الشَّوَاغِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَمَا يَهْتَمُّ بِهِ، وَصُغِّرَتْ لِاسْتِصْغَارِهَا فِي جَنْبِ سَائِرِ الْحَوَادِثِ مِنَ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَرَّرْنَاهُ بِحَسَبِ مَا حَرَّرْنَاهُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ بِعَيْنِ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَيْ: قَبْلَ ظُهُورِ الْآيَاتِ السِّتِّ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ ظُهُورَهَا يُوجِبُ عَدَمَ قَبُولِ إِيمَانِ الْيَأْسِ ; لِكَوْنِهَا مُلْجِئَةً إِلَى الْإِيمَانِ، فَلَا ثَوَابَ لِلْمُكَلَّفِ عِنْدَ الْإِلْجَاءِ عَلَى عَمَلِهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ الثَّوَابُ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ. وَقَالَ الْقَاضِي: أَمَرَهُمْ أَنْ يُبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ، فَإِنَّهَا إِذَا نَزَلَتْ دَهَشَتْهُمْ وَشَغَلَتْهُمْ عَنِ الْأَعْمَالِ، أَوْ سُدَّ عَلَيْهِمْ بَابُ التَّوْبَةِ وَقَبُولِ الْأَعْمَالِ. وَفِي الْفَائِقِ: مَعْنَى مُبَادَرَةِ السِّتِّ بِالْأَعْمَالِ: الِانْكِمَاشُ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالِاهْتِمَامُ بِهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَتَأْنِيثُ السِّتِّ لِأَنَّهَا دَوَاءٌ وَمَصَائِبُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
стр. 7549
٥٤٦٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا ; فَالْأُخْرَى عَلَى أَثَرِهَا قَرِيبًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٤٦٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ") ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قِيلَ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا لَيْسَ أَوَّلَ الْآيَاتِ ; لِأَنَّ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ قَبْلَهُ، قُلْنَا الْآيَاتُ إِمَّا أَمَارَاتٌ لِقُرْبِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَإِمَّا أَمَارَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى وُجُودِ قِيَامِ السَّاعَةِ وَحُصُولِهَا، وَمِنَ الْأَوَّلِ الدُّخَانُ وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ وَنَحْوُهُمَا، وَمِنَ الثَّانِي مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالرَّجْفَةِ، وَخُرُوجِ النَّارِ وَطَرْدِهَا النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ أَوَّلًا لِأَنَّهُ مُبْتَدَأُ الْقِسْمِ الثَّانِي، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَهُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا. (" وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ ") : هُوَ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَهُوَ خَبَرُ أَوَّلَ ; فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مُتَعَدِّدًا ; وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَعَلَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ: أَوْ خُرُوجُ الدَّابَّةِ، (" عَلَى النَّاسِ ضُحًى ") بِالتَّنْوِينِ أَيْ: وَقْتَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ نِسْبَةَ الْأَوَّلِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ إِلَيْهِمَا مُبْهَمَةٌ، وَإِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِهِمَا مَجَازِيَّةٌ ; وَلِذَا قَالَ: (" وَأَيُّهُمَا ") ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: فَأَيَّتُهُمَا بِالْفَاءِ وَالتَّأْنِيثِ، (" مَا كَانَتْ ") : " مَا " زَائِدَةٌ، أَيْ: وَأَيُّ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَقَعَتْ (" قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى أَثَرِهَا ") : بِفَتْحَتَيْنِ وَبِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، أَيْ: تَحْصُلُ عَقِبَهَا (" قَرِيبًا ") أَيْ: حُصُولًا أَوْ وُقُوعًا قَرِيبًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْقِيقِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنْ قِيلَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَيْسَ بِأَوَّلِ الْآيَاتِ ; لِأَنَّ بَعْضَ الْآيَاتِ وَقَعَ قَبْلَهُمَا، قُلْنَا: الْآيَاتُ إِمَّا أَمَارَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى قُرْبِهَا، فَأَوَّلُهَا بَعْثَةُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَمَارَاتٌ مُتَوَالِيَةٌ دَالَّةٌ عَلَى وُقُوعِهَا قَرِيبًا، وَهِيَ الْمُرَادَةُ هُنَا، وَأَمَّا حَدِيثُ: إِنَّ أَوَّلَهَا خُرُوجُ الدَّجَّالِ فَلَا صِحَّةَ لَهُ، كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 7550
٥٤٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] : طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٤٦٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلَاثٌ ") أَيْ: آيَاتٌ (" إِذَا خَرَجْنَ ") : فِيهِ تَغْلِيبٌ أَوْ مَعْنَاهُ ظَهَرَتْ، وَالْمُرَادُ هَذِهِ الثَّلَاثُ بِأَسْرِهَا ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الْأَرْضِ ") ، وَقَدَّمَ الطُّلُوعَ وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي الْوُقُوعِ ; لِأَنَّ مَدَارَ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضُمَّ خُرُوجُ غَيْرِهِ إِلَيْهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ.
стр. 7551
٥٤٦٨ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: " أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ ". قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، وَيُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] ، قَالَ: " مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٤٦٨ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: " أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ ") ؟ أَيِ الشَّمْسُ وَالْإِشَارَةُ لِلتَّعْظِيمِ، (قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ ") ، قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: لَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا نِهَايَةُ مُدْرَكِ الْبَصَرِ، وَسُجُودُهَا تَحْتَ الْعَرْشِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْغُرُوبِ. وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُسْتَقَرِّهَا غَايَةُ مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ فِي الِارْتِفَاعِ، وَذَلِكَ يَوْمٌ فِي السَّنَةِ إِلَى مُنْتَهَى أَمْرِهَا عِنْدَ انْتِهَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَسْتَقِرُّ تَحْتَهُ اسْتِقْرَارًا عِلْمُنَا لَا يُحِيطُ بِهِ، (" فَتَسْتَأْذِنُ ") : بِالرَّفْعِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَبَعْضِ
стр. 7552
النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ، وَلَا يُقْبَلُ ") : بِالتَّذْكِيرِ أَيِ السُّجُودُ، وَالظَّرْفُ هُوَ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَيُؤَنَّثُ، أَيِ: السَّجْدَةُ (مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الشَّمْسِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ، وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" وَتَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، وَيُقَالُ: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] ، قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ ") ، وَقَوْلُهُ: لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي لِأَجَدِّ قَدْرٍ لَهَا، يَعْنِي إِلَى انْقِطَاعِ مُدَّةِ بَقَاءِ الْعَالَمِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُسْتَقَرُّهَا غَايَةُ مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ فِي صُعُودِهَا وَارْتِفَاعِهَا لِأَطْوَلِ يَوْمٍ مِنَ الصَّيْفِ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِي النُّزُولِ فِي أَقْصَى مَشَارِقِ الشِّتَاءِ لِأَقْصَرِ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ لَهَا اسْتِقْرَارٌ تَحْتَ الْعَرْشِ مِنْ حَيْثُ لَا نُدْرِكُهُ، وَلَا نُشَاهِدُهُ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ غَيْبٍ فَلَا نُكَذِّبُهُ وَلَا نُكَيِّفُهُ ; لِأَنَّ عِلْمَنَا لَا يُحِيطُ بِهِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 7553
٥٤٦٩ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٤٦٩ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ ") : مَا: نَافِيَةٌ، وَالْمَعْنَى: لَيْسَ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِتْنَةٌ (" أَكْبَرُ ") أَيْ: أَعْظَمُ (" مِنَ الدَّجَّالِ ") ; لِعِظَمِ فِتْنَتِهِ وَبَلِيَّتِهِ ; وَلِشِدَّةِ تَلْبِيسِهِ وَمِحْنَتِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ. فَلْيُنْظَرْ فِي الْأُصُولِ لِيَتَحَقَّقَ النُّقُولَ.
стр. 7554
٥٤٧٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَإِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِئَةٌ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٤٧٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: ابْنِ مَسْعُودٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ ") أَيْ: بِالنَّظَرِ إِلَى نُعُوتِهِ الثُّبُوتِيَّةِ، وَصِفَاتِهِ السَّلْبِيَّةِ، وَتَنَزُّهِهِ عَنِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ، وَسَائِرِ الْحُدُوثَاتِ الزَّمَانِيَّةِ وَالْمَكَانِيَّةِ، فَالْجُمْلَةُ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: (" إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ ") ، وَمَفْهُومُهُ لَا يُعْتَبَرُ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْيُ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ لَا إِثْبَاتُ الْجَارِحَةِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ لِلتَّنْزِيهِ كَمَا وَسَّطَ سُبْحَانَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] ، (" وَإِنَّ الْمَسِيحَ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ ; لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ جَمِيعَهَا بِسُرْعَةٍ، أَوْ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ; فَإِنَّهُ مَمْسُوحُ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ نَقْلًا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ: إِنَّ مَنْ شَدَّدَ سِينَهُ أَوْ أَعْجَمَ حَاءَهُ فَقَدْ حَرَّفَ، انْتَهَى. وَهُوَ لَقَبٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ﵊ لَكِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى الْمَاسِحِ ; لِحُصُولِ الْبُرْءِ بِبَرَكَةِ مَسْحِهِ، وَبِمَعْنَى الْمَمْسُوحِ ; لِنُزُولِهِ نَظِيفًا مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْمَسِيحُ عِيسَى ﵊ لِبَرَكَتِهِ، وَذَكَرْتُ فِي اشْتِقَاقِهِ خَمْسِينَ قَوْلًا فِي شَرْحِي لِمَشَارِقِ الْأَنْوَارِ وَغَيْرِهِ، وَالدَّجَّالُ لِشُؤْمِهِ، أَوْ هُوَ كَسِكِّينٍ، وَالْمَمْسُوحُ بِالشُّؤْمِ وَالْكَثِيرُ السِّيَاحَةِ كَالْمِسِّيحِ كَسِكِّينٍ، وَالْمَمْسُوحُ الْوَجْهِ وَالْكَذَّابُ، (" الدَّجَّالُ ") : تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ، (" أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى ") : مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ " إِلَى الصِّفَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ كَالطِّيبِيِّ قَالَ أَيْ: عَيْنِ الْجُثَّةِ أَوِ الْجِهَةِ الْيُمْنَى (" كَأَنَّ ") : بِتَشْدِيدِ النُّونِ (" عَيْنَهُ) أَيِ: الْعَوْرَاءَ أَوِ الْأُخْرَى (" عِنَبَةٌ ") أَيْ: شَبِيهَةٌ بِهَا، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ (" طَافِيَةٌ ") : بِالْيَاءِ وَيُهْمَزُ أَيْ مُرْتَفِعَةٌ. قَالَ مِيرَكُ: رُوِيَتْ بِهَمْزٍ وَتَرْكِهِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَهِيَ النَّائِبَةُ عَنْ أَحَدِ أَخَوَاتِهَا مِنَ الطَّفْوِ، وَهُوَ أَنْ يَعْلُوَ الشَّيْءُ عَلَى الْمَاءِ، انْتَهَى. وَمِنْهُ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَبَيْنَ مَا رُوِيَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ وَلَا حَجْرَاءَ، أَيْ: لَا طَافِئَةٍ مُرْتَفِعَةٍ وَلَا غَائِرَةٍ مُتَحَجِّرَةٍ ; لِإِمْكَانِ اجْتِمَاعِ الْوَصْفَيْنِ بِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ.
стр. 7555
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: طَافِئَةٌ بِالْهَمْزَةِ ذَهَبَ ضَوْءُهَا، وَرُوِيَ بِغَيْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ نَاتِئَةٌ بَارِزَةٌ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي وَصْفِ الدَّجَّالِ، وَمَا يَكُونُ مِنْهُ كَلِمَاتٌ مُتَنَافِرَةٌ يُشْكِلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهَا، وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَهَا، وَسَنُبَيِّنُ كُلًّا مِنْهَا عَلَى حِدَتِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ أَوْ تَعَلَّقَ بِهِ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا طَافِيَةٌ، وَفِي آخَرَ أَنَّهُ جَاحِظُ الْعَيْنِ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ، وَفِي آخَرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ وَلَا حَجْرَاءَ، وَالسَّبِيلُ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَهَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّمَا اخْتَلَفَ الْوَصْفَانِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، هَذَا: أَنَّهُ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا: أَنَّهُ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُسْرَى، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الْمُتَنَافِرَةِ أَنْ يُقَدَّرَ فِيهَا أَنَّ إِحْدَى عَيْنَيْهِ ذَاهِبَةٌ، وَالْأُخْرَى مَعِيبَةٌ، فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَوْرَاءُ ; إِذِ الْأَصْلُ فِي الْعَوَرِ الْعَيْبُ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ، كَذَا فِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ ﵀. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7556
٥٤٧١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: ك ف ر» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٤٧١ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ ") أَيْ: خَوَّفَهُمْ بِهِ، وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ بَعْدَ أَنْ يَنْزِلَ، وَيَحْكُمُ بِالشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ; لِأَنَّ تَعْيِينَ وَقْتِ خُرُوجِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهُمْ حِينَ أَنْذَرُوا قَوْمَهُمْ، وَأَيْضًا يُحْمَلُ عَلَى هَذَا مَا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ، عَلَى مَا سَيَأْتِي، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ وَقْتُ خُرُوجِهِ وَعَلَامَاتُهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ وَقْتُ خُرُوجِهِ، فَأَخْبَرَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْإِبْهَامَ إِنَّمَا وَقَعَ بِسَبَبِ أَنَّ الْعَلَامَاتِ قَدْ يَكُونُ وُجُودُهَا مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ، فَإِذَا فُقِدَ يُتَصَوَّرُ خُرُوجُهُ بِعَدَمِ ظُهُورِهَا، وَنَظِيرُهُ خَوْفُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - مَعَ تَحَقُّقِ عِصْمَتِهِمْ، وَثُبُوتِ أَمْنِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ، وَكَذَلِكَ خَشْيَةُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ عَلَى لِسَانِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ; أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ، وَأَفْعَالُهُ لَا تُعَلَّلُ وَالْأَسْبَابُ لَا يَتَعَيَّنُ وُجُودُهَا، وَلَا تَأْثِيرَ لَهَا أَيْضًا بَعْدَ حُصُولِهَا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْوَجْهُ فِي السِّرِّ إِلَيْهِمْ، حَتَّى ظَهَرَ عَلَى لِسَانِ صَاحِبِ الدِّينِ الْأَقْوَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَوْ يُقَالُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالدَّجَّالِ كُلُّ مَنْ يَدَّعِي الْأُلُوهِيَّةَ مِنَ الرِّجَالِ، كَفِرْعَوْنَ، وَشَدَّادٍ، وَنُمْرُوذَ، وَسَائِرِ الْأَبْطَالِ، وَلَا يَخْلُو كُلٌّ مِنْهُمْ مِنْ نُقْصَانِ الْعَوَرِ، سَوَاءٌ مِمَّا بَطَنَ فِيهِ أَوْ ظَهَرَ، عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ، لَكِنْ إِذَا جَاءَ الْقَدَرُ عَمِيَ الْبَصَرُ، وَبَطَلَ الْحَذَرُ، وَيَكُونُ الدَّجَّالُ الْمَوْعُودُ أَشَرَّ وَفِتْنَةً وَبَلِيَّةً عَلَى الْعَامَّةِ أَظْهَرَ، وَكِبْرِيَاءُ رَبِّنَا وَعَظَمَتُهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ كُنْهُهُ أَوْ يُقَدَّرَ، وَمَظَاهِرُ تَجَلِّيَاتِهِ الْجَمَالِيَّةِ وَالْجَلَالِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَتُحْصَرَ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَدْيَنَ الْمَغْرِبِيُّ:
لَا تُنْكِرِ الْبَاطِلَ فِي طَوْرِهِ فَإِنَّهُ بَعْضُ ظُهُورَاتِهِ
فَيَنْبَغِي لِلسَّالِكِ أَنْ يَقُولَ دَائِمًا بَعْدَ امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابِ النَّوَاهِي: إِلَهِي أَرِنَا الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا، وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَأَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ وَارْتِكَابَهُ. (" أَلَا ") : لِلتَّنْبِيهِ (" إِنَّهُ ") أَيِ: الدَّجَّالَ (" أَعْوَرُ ") أَيْ: وَهُوَ الْغَالِبُ أَنْ يَكُونَ طَالِبًا لِلشَّرِّ، (" وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ") ، أَيْ: تَنَزَّهَ أَنْ يَكُونَ نَاقِصًا وَمَعِيبًا فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ ﵊ مِنْ بَابِ التَّنَزُّلِ إِلَى عَقْلِ الْعَوَامِّ وَفُهُومِهِمْ، كَمَا وَرَدَ: كَلِّمِ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ، وَنَظِيرُهُ مَا فِي التَّنْزِيلِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٥] ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْأَصْنَامَ مَعَ كَمَالِ عَجْزِهِنَّ وَنُقْصَانِ آلَاتِهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَابِدِينَ، كَيْفَ يَصْلُحْنَ أَنْ يَكُنَّ فِي مَرْتَبَةِ الْمَعْبُودِينَ؟ وَلَيْسَ الْقَصْدُ أَنَّهُنَّ لَوْ فُرِضَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ ثَابِتَةً لَهُنَّ، لَكَانَ يَجُوزُ أَنْ
стр. 7557
يُعْبَدْنَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ قَالَ لِأُمِّهِ: مَنْ رَبِّي؟ فَقَالَتْ: أَنَا، فَقَالَ: مَنْ رَبُّكِ؟ قَالَتْ: أَبُوكَ، قَالَ: مَنْ رَبُّهُ؟ قَالَتْ: نُمْرُوذُ، قَالَ: مَنْ رَبُّهُ؟ قَالَتْ هُوَ الرَّبُّ الْأَكْبَرُ ; لِأَنَّ جُنْدَهُ أَكْثَرُ، فَقَالَ لِأُمِّهِ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلِأَيِّ شَيْءٍ صُورَتُهُ قَبِيحَةٌ وَصُورَةُ غِلْمَانِهِ مَلِيحَةٌ؟ وَخُلَاصَةُ الْكَلَامِ أَنَّهُ ﵊ جَعَلَ ذَلِكَ الْعَيْبَ الْأَكْبَرَ، وَالنُّقْصَانَ الْأَظْهَرَ عَلَامَةَ كَذِبِهِ وَكُفْرِهِ ; لِئَلَّا يَبْقَى لِلنَّاسِ عُذْرٌ فِي قَبُولِ تَلْبِيسِهِ وَمَكْرِهِ، مَعَ أَنَّ الدَّلَائِلَ الْعَقْلِيَّةَ وَالْبَرَاهِينَ النَّقْلِيَّةَ تَشْهَدُ عَلَى أَنَّ الْجِسْمَ لَا يَكُونُ إِلَهًا، وَأَنَّ الْحَادِثَ الْمَعْيُوبَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْبُودًا. (" مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر ") ، فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ دَاعٍ إِلَى الْكُفْرِ، لَا إِلَى الرُّشْدِ، فَيَجِبُ اجْتِنَابُهُ، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ حَيْثُ ظَهَرَ رَقْمُ الْكُفْرِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالتَّنْصِيصِ أَنْ لَا يُتَوَهَّمَ فِيهِ السَّمَاحَةُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هُوَ بَيَانُ عَلَامَةٍ تَدُلُّ عَلَى كَذِبِ الدَّجَّالِ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً بَدِيهِيَّةً يُدْرِكُهَا كُلُّ أَحَدٍ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى لُحُوقِهَا جِسْمًا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ ; لِكَوْنِ بَعْضِ الْعُقُولِ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7558
٥٤٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عَنِ الدَّجَّالِ مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ؟ : إِنَّهُ أَعْوَرُ يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَالَّتِي يَقُولُ: إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ، وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٤٧٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا ") : لِلتَّنْبِيهِ (" أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عَنِ الدَّجَّالِ، مَا حَدَّثَ) أَيْ: حَدِيثًا لَمْ يُحَدِّثْ (" بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ ") ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَ (لَا) لِلنَّفْيِ، بِلَا مَقْدِرَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أَوْ بَادَرَ جَوَابَهُمْ بِقَوْلِهِ: (" إِنَّهُ أَعْوَرُ ") ، أَيْ مُصَوَّرٌ بِصُورَةٍ كَرِيهَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَمُزَوَّرٍ بِسِيرَةٍ مُمَوَّهَةٍ بَاهِرَةٍ عَلَى طَرِيقَةِ الطَّائِفَةِ السَّاحِرَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (" وَإِنَّهُ ") أَيِ: الشَّأْنَ (" يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثْلِ الْجَنَّةِ ") ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِمِثَالِ الْجَنَّةِ (" وَالنَّارِ ") ، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَأْتِي بِصُورَتِهِمَا مَعَهُ فِي نَظَرِ النَّاسِ مِمَّا يَقْلِبُ اللَّهُ تَعَالَى حَقِيقَتَهُمَا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ يَسِيرُ مَعَهُ مِثْلُهُمَا، وَيَصْحَبُ لَهُ شَكْلُهُمَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ: يَجِيءُ مَعَهُ تِمْثَالٌ، بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ بَدَلَ الْجَارِّ أَيْ: صُورَتُهُمَا، (" فَالَّتِي ") أَيْ: فَالصُّورَةُ الَّتِي (" يَقُولُ: إِنَّهَا الْجَنَّةُ ") أَيْ: وَيُظْهِرُ بَادِئَ الرَّأْيِ أَنَّهَا النِّعْمَةُ (" هِيَ النَّارُ ") أَيْ: ذَاتُ النِّقْمَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ، فَالتَّقْدِيرُ: وَالَّتِي يَقُولُ إِنَّهَا النَّارُ هِيَ الْجَنَّةُ، وَنَظِيرُهُ: الدُّنْيَا فِي نَظَرِ الْعَارِفِينَ مِنْ أَنَّ نِقْمَتَهَا نِعْمَةٌ وَنِعْمَتَهَا نِقْمَةٌ، وَمِحْنَتَهَا مِنْحَةٌ وَمِنْحَتَهَا مِحْنَةٌ، وَحُسْنَهَا وَقُبْحَهَا مُخْتَلِفَةٌ، كَالنِّيلِ مَاءً لِلْمَحْبُوبِينَ وَدَمًا لِلْمَحْجُوبِينَ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] . قَالَ شَارِحٌ: يَعْنِي مَنْ دَخَلَ جَنَّتَهُ اسْتَحَقَّ النَّارَ ; لِأَنَّهُ صَدَّقَهُ، فَأَطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ.
أَقُولُ: وَكَذَا مَنْ لَمْ يُطِعْهُ وَرَمَاهُ فِي النَّارِ اسْتَحَقَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ ; لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُمَا يَنْقَلِبَانِ وَيَنْعَكِسَانِ بِالْفِعْلِ عَلَيْهِمَا، كَمَا وَرَدَ فِي: «أَنَّ الْقَبْرَ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ» ، وَمِنْهُ: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] ، وَكَذَا الدُّنْيَا الْمُكَدَّرَةُ الْمُسَمَّاةُ بِالسِّجْنِ، تَصِيرُ جَنَّةً لِلْعَارِفِينَ الْوَاقِفِينَ فِي مَقَامِ الرِّضَا، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] جَنَّةٌ فِي الدُّنْيَا وَجَنَّةٌ فِي الْعُقْبَى، وَكَذَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَرْبَابِهَا ; لِعَدَمِ حُضُورِهِمْ مَعَ رَبِّهَا، كَالسُّمِّ فِي الدَّسَمِ، وَالْهَمِّ فِي الدِّرْهَمِ، وَالنَّارِ فِي الدِّينَارِ، وَرُبَّمَا لَا يُحِسُّونَ بِهَا كَالْمَجْنُونِ وَالْمَجْرُوحِ فِي حَالِ ابْتِدَاءِ الْجِرَاحَةِ، وَكَالْمَصْرُوعِ ; وَلِذَا قِيلَ:
سَوْفَ تَرَى إِذَا انْجَلَى الْغُبَارُ أَفَرَسٌ تَحْتَكَ أَمْ حِمَارُ وَقَضِيَّةُ وَلَدِ السُّلْطَانِ حَالَ كَوْنِهِ سَكْرَانَ وَعِنَاقِهِ لِلْمَيِّتَةِ الْعَجُوزِ الْمُعَطَّرَةِ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِرْفَانِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ حُجَّةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ فِي صِحَّةِ وَجُودِهِ، وَأَنَّهُ شَخْصٌ بِعَيْنِهِ ابْتَلَى اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ
стр. 7559
وَأَقْدَرَهُ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْ مَقْدُورَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، مِنْ إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ الَّذِي يَقْتُلُهُ وَظُهُورِ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَالْخِصْبِ مَعَهُ، وَاتِّبَاعِ كُنُوزِ الْأَرْضِ لَهُ، وَأَمْرِ السَّمَاءِ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ وَالْأَرْضِ أَنْ تُنْبِتَ، فَيَقَعُ كُلُّ ذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ، ثُمَّ يُعْجِزُهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى قَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَلَا غَيْرِهِ، وَيَقْتُلُهُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، وَقِصَّتُهُ عَظِيمَةٌ جِدًّا تُدْهِشُ الْعُقُولَ وَتُحَيِّرُ الْأَلْبَابَ، مَعَ سُرْعَةِ مُرُورِهِ فِي الْأَرْضِ، وَلَا يَمْكُثُ بِحَيْثُ يَتَأَمَّلُ الضُّعَفَاءُ دَلَائِلَ الْحُدُوثِ وَالنَّقْصِ، فَيُصَدِّقُهُ مَنْ يُصَدِّقُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ; وَلِهَذَا حَذَّرَتِ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ فِتْنَتِهِ، وَنَبَّهُوا عَلَى نَقْصِهِ وَدَلَائِلِ إِبْطَالِهِ، وَأَمَّا أَهْلُ التَّوْفِيقِ، فَلَا يَغْتَرُّونَ وَلَا يَنْخَدِعُونَ بِمَا فِيهِ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلَائِلِ الْمُكَذِّبَةِ لَهُ، مَعَ مَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ. (" وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ ") .
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ نُوحًا ﵊ بِالذِّكْرِ؟ قُلْتُ: فَإِنَّ نُوحًا ﵊ تَقَدَّمَ الْمَشَاهِيرَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا خَصَّهُ بِالتَّقَدُّمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَفِيهِ أَنَّهُ إِنَّمَا يُتِمُّ هَذَا إِنْ صَحَّ أَنَّ مَنْ سَبَقَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْذَرَ قَوْمَهُ، وَإِلَّا فَيُتْرَكُ عَلَى حَقِيقَةِ أَوَّلِيَّتِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ بَعْدَ نُوحٍ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَ الدَّجَّالَ قَوْمَهُ، وَأَمَّا تَقْدِيمُهُ فِي الْآيَةِ ; فَلِكَوْنِهِ مُقَدَّمًا عَلَى سَائِرِ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ بِحَسَبِ الْوُجُودِ ; وَلِذَا قُدِّمَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آيَةٍ أُخْرَى عَلَى أُولِي الْعَزْمِ ; لِكَوْنِ تَقَدُّمِهِ وُجُودًا وَرُتْبَةً، وَهِيَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﷻ : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَمْسَةَ هُمْ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَاجْتَمَعَ ذِكْرُهُمْ فِي الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7560
٥٤٧٣ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ، وَإِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا، فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارٌ تَحْرِقُ، وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَارًا فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذْبٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ نَارًا ; فَإِنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: " «وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ، عَلَيْهِ ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَأُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ» ".
ــ
٥٤٧٣ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ وَإِنَّ مَعَهُ مَاءً) أَيْ: وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مِنْ أَسْبَابِ النِّعَمِ، بِحَسَبِ الظَّاهِرِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْجَنَّةِ فِيمَا تَقَدَّمَ، يُرَغِّبُ إِلَيْهِ مَنْ أَطَاعَهُ، (وَنَارًا) أَيْ: مَا يَكُونُ ظَاهِرُهُ سَبَبًا لِلْعَذَابِ وَالْمَشَقَّةِ وَالْأَلَمِ ; يُخَوِّفُ بِهِ مَنْ عَصَاهُ، (" فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارٌ تَحْرِقُ، وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَارًا فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذْبٌ ") أَيْ: حُلْوٌ يَكْسِرُ الْعَطَشَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْعَلُ نَارَهُ مَاءً بَارِدًا عَذْبًا عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ وَأَلْقَاهُ فِيهَا غَيْظًا، كَمَا جَعَلَ نَارَ نُمْرُوذَ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵊ وَيَجْعَلُ مَاءَهُ الَّذِي أَعْطَاهُ مَنْ صَدَّقَهُ نَارًا مُحْرِقَةً دَائِمَةً، وَمُجْمَلُهُ أَنَّ مَا ظَهَرَ مِنْ فِتْنَتِهِ لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ، بَلْ تَخَيُّلٌ مِنْهُ وَشَعْبَذَةٌ، كَمَا يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ وَالْمُشَعْبِذُونَ، مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْلِبُ نَارَهُ وَمَاءَهُ الْحَقِيقِيَّانِ ; فَإِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ. (فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ ") أَيِ: الدَّجَّالَ أَوْ مَا ذُكِرَ مِنْ تَلْبِيسِهِ (مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ نَارًا ") أَيْ: فَلْيَخْتَرْ تَكْذِيبَهُ، وَلَا يُبَالِي بِإِيقَاعِهِ فِيمَا يَرَاهُ نَارًا ; (فَإِنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ ") أَيْ: فِي الْحَقِيقَةِ، أَوْ بِالْقَلْبِ، أَوْ بِحَسَبِ الْمَآلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ، وَالْكَلَامُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، فَالتَّقْدِيرُ: وَلَا يُصَدِّقْهُ مُغْتَرًّا بِمَا يَرَاهُ مَعَهُ مَاءً ; فَإِنَّهُ نَارٌ وَعَذَابٌ وَحِجَابٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: " وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ ") ، أَيْ: إِحْدَى مَوْضِعِ عَيْنَيْهِ مَمْسُوحٌ مِثْلَ جَبْهَتِهِ لَيْسَ لَهُ أَثَرُ الْعَيْنِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَيْ مَمْسُوحُ إِحْدَى عَيْنَيْهِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ وَنَظَائِرِهِ، (عَلَيْهَا ") أَيْ: عَلَى الْعَيْنِ الْأُخْرَى ; بِحَيْثُ لَا تُوَارِي الْحَدَقَةَ بِأَسْرِهَا لِتَعْمِيهَا (ظَفَرَةٌ ") : بِفَتْحَتَيْنِ، أَيْ: لَحْمَةٌ غَلِيظَةٌ أَوْ جِلْدَةٌ عَلَى الْعَيْنِ الْمَمْسُوحَةِ ظَفَرَةٌ، (مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ) كَمَا سَبَقَ، (" يَقْرَأُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ ") : بِالْجَرِّ بَدَلًا مِنْ مُؤْمِنٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ بَدَلَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، (وَغَيْرِ كَاتِبٍ ") ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «الدَّجَّالُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَأُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ» ".
стр. 7561
٥٤٧٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ، مَعَهُ جَنَّتُهُ وَنَارُهُ، فَنَارُهُ جِنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٤٧٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ حُذَيْفَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى ") ، قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، وَأَنَّهُ مَمْسُوحُ إِحْدَى عَيْنَيْهِ، فَالْجَمْعُ أَنْ يُقَالَ: إِحْدَى عَيْنَيْهِ ذَاهِبَةٌ، وَالْأُخْرَى مَعِيبَةٌ ; فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَوْرَاءُ، إِذِ الْعَوَرُ فِي الْأَصْلِ هُوَ الْعَيْبُ، وَقِيلَ إِنَّ الْأَعْوَرَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَشْخَاصٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَقَوْمٌ يَرَوْنَهُ أَعْوَرَ الْيُسْرَى، وَقَوْمٌ يَرَوْنَهُ أَعْوَرَ الْيُمْنَى ; لِيَدُلَّ عَلَى بُطْلَانِ أَمْرِهِ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَا يُرَى خِلْقَتُهُ كَمَا هِيَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَاحِرٌ كَذَّابٌ.
قَالَ شَارِحٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِنْ سَهْوِ الرَّاوِي، وَفِي الْجَامِعِ: رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " الدَّجَّالُ عَيْنُهُ خَضْرَاءُ " انْتَهَى. فَهُوَ كَالْحِرْبَاءِ وَالْغُولِ، مُتَلَوِّنٌ بِأَلْوَانٍ شَتَّى. (" جُفَالُ الشَّعَرِ ") : بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ: كَثِيرُ الشَّعَرِ الْمُجْتَمِعَةِ، كَذَا فِي الْفَائِقِ مُكَسَّرٌ، (" مَعَهُ جَنَّتُهُ وَنَارُهُ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 7562
٥٤٧٥ - «وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ فَقَالَ: " إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِيَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ بِفَوَاتِحِ سُورَةِ الْكَهْفِ، فَإِنَّهَا جِوَارُكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ، إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا، وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: " أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ. وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًى، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ ; فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ، شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ مِثْلُ جُمَانٍ كَاللُّؤْلُؤِ ; فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ أَنْ يَجِدَ مِنْ رِيحِ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلَهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى أَنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِيَ إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، ثُمَّ يَسِيرُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ الْخَمَرِ، وَهُوَ جَبَلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيَقُولُونَ لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الْأَرْضِ، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نُشَّابَهُمْ مَخْضُوبَةً دَمًا، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ ; فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ، فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «تَطْرَحُهُمْ بِالنَّهْبَلِ، وَيَسْتَوْقِدُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِسِيِّهِمْ وَنُشَّابِهِمْ وَجِعَابِهِمْ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ ; فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى إِنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخْذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ إِلَّا الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ: " تَطْرَحُهُمْ بِالنَّهْبَلِ " إِلَى قَوْلِهِ: " سَبْعَ سِنِينَ ". رَوَاهَا التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٤٧٥ - (وَعَنِ النَّوَّاسِ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ (بْنِ سَمْعَانَ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَتُفْتَحُ، (قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدَّجَّالَ) أَيْ: خُرُوجَهُ وَسَائِرَ أُمُورِهِ وَابْتِلَاءَ النَّاسِ بِهِ، (فَقَالَ: " إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ ") أَيْ: مَوْجُودٌ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَرْضًا وَتَقْدِيرًا (فَأَنَا حَجِيجُهُ) : فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، مِنَ الْحُجَّةِ وَهِيَ الْبُرْهَانُ أَيْ: غَالِبٌ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ، (دُونَكُمْ ") أَيْ: قُدَّامَكُمْ، وَدَافِعُهُ عَنْكُمْ وَأَنَا إِمَامُكُمْ وَأَمَامَكُمْ، وَفِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي الْمُحَاجَّةِ مَعَهُ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَى مُعَاوَنَةِ مُعَاوِنٍ مِنْ أُمَّتِهِ فِي غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْفَعُهُ بِنُورِ النُّبُوَّةِ، وَيَدْفَعُ خَارِقَ عَادَتِهِ الْبَاطِلَ بِمُعْجِزَاتِهِ الْمَقْرُونَةِ بِالْحَقِّ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَبُرْهَانٍ ; لِأَنَّ بُطْلَانَهُ أَظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعِرْفَانِ، وَأَيْضًا هُوَ مِنَ الْمُصَمِّمِينَ عَلَى الْبَاطِلِ مِنْ دَعْوَتِهِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الْمُجَادَلَةِ وَإِثْبَاتِ الْأَدِلَّةِ، وَإِلَّا فَيَحْمَدُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَنْ يُوجَدُ فِي الْأُمَّةِ مَنْ يُحَقِّقُ الْمِلَّةَ بِالْحُجَّةِ، لَا سِيَّمَا خَاتِمَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَهُوَ الْمَهْدِيُّ وَزُبْدَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ عِيسَى ﵊ وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ الْكَلَامُ، فَدَفْعُهُ إِمَّا بِإِعْدَامِهِ مَعَ وُجُودِ سَيِّدِ الْأَنَامِ، أَوْ بِذَوَبَانِهِ، وَقَتْلِهِ عَلَى يَدِ عِيسَى ﵊ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀، فَإِنْ قِيلَ: أَوَ لَيْسَ قَدْ ثَبَتَ فِي أَحَادِيثِ الدَّجَّالِ أَنَّهُ يَخْرُجُ بَعْدَ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ، وَأَنَّ عِيسَى ﵊ يَقْتُلُهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوَقَائِعِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ وَنَبِيُّ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، بَلْ لَا تَرَاهُ الْقُرُونُ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ: إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ؟ قُلْتُ: إِنَّمَا سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ مِنَ التَّوْرِيَةِ ; لِإِبْقَاءِ الْخَوْفِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ مِنْ فِتَنِهِ وَاللَّجَأِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ شَرِّهِ ; لِيَنَالُوا بِذَلِكَ مِنَ اللَّهِ ; وَيَتَحَقَّقُوا بِالشُّحِّ عَلَى دِينِهِمْ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ تَحَقُّقَ خُرُوجِهِ، وَالْمَعْنَى: لَا تَشُكُّوا فِي خُرُوجِهِ، فَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ لَا مَحَالَةَ، وَأَنْ يُرِيدَ بِهِ عَدَمَ عِلْمِهِ بِوَقْتِ خُرُوجِهِ، كَمَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَدْرِي مَتَى السَّاعَةُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ هُوَ الصَّوَابُ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ هَذَا قَبْلَ عِلْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ. أَقُولُ: كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ هُوَ الظَّاهِرُ ; لِيُطَابِقَ تَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ يُمْكِنُ، إِذْ مَعَ الْإِمْكَانِ لَا يُقَالُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا هُوَ الصَّوَابُ ; لِاحْتِمَالِ الْخَطَأِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى: أَنِّي إِنْ كُنْتُ فِيكُمْ فَأَكْفِيكُمْ شَرَّهُ وَقْتَ خُرُوجِهِ، (وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ ") : بِالرَّفْعِ أَيْ: فَكَلُّ امْرِئٍ يُحَاجُّهُ وَيُحَاوِرُهُ وَيُغَالِبُهُ لِنَفْسِهِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ: لِيَدْفَعْ شَرَّهُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْحُجَّةِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، لَكِنَّ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ يَسْمَعُ الْحُجَّةَ، وَإِلَّا فَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَدْفَعُ عَنْ
стр. 7563
نَفْسِهِ شَرَّهُ بِتَكْذِيبِهِ وَاخْتِيَارِ صُورَةِ تَعْذِيبِهِ، (وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) ، يَعْنِي: وَاللَّهُ وَلِيُّ كُلِّ مُسْلِمٍ وَحَافِظُهُ، فَيُعِينُهُ عَلَيْهِ وَيَدْفَعُ شَرَّهُ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُوقِنَ لَا يَزَالُ مَنْصُورًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نَبِيٌّ، وَلَا إِمَامٌ ; فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْإِمَامِيَّةِ مِنَ الشِّيعَةِ، (" إِنَّهُ ") أَيِ: الدَّجَّالَ، وَهُوَ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِبَعْضِ أَحْوَالِهِ، وَتِبْيَانٌ لِبَعْضِ مَا يُفِيدُ فِي دَفْعِ شَرِّ أَفْعَالِهِ، (" شَابٌّ) : فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ غَيْرُ ابْنِ الصَّيَّادِ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ مَحْرُومٌ مِنْ بَيَاضِ الْوَقَارِ، وَثَابِتٌ عَلَى اشْتِدَادِ السَّوَادِ فِي الظَّاهِرِ، الَّذِي هُوَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ مِنْ سَوَادِ الْفُؤَادِ، (" قَطَطٌ ") : بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ، أَيْ: شَدِيدُ جُعُودَةِ الشَّعَرِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَسْرِيحِ الشَّعَرِ دَفْعًا لِلْمُشَابَهَةِ بِالْهَيْئَةِ الْبَشِيعَةِ، (" عَيْنُهُ طَافِيَةٌ ") بِالْيَاءِ وَيُهْمَزُ أَيْ: مُرْتَفِعَةٌ، (كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: أُمَثِّلُهُ (" بِعَبْدِ الْعُزَّى ") : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ، (بْنِ قَطَنٍ) بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ يَهُودِيٌّ، قَالَهُ شَارِحٌ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا، وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُشْرِكٌ ; لِأَنَّ الْعُزَّى اسْمُ صَنَمٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي: هُوَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ، هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَمْ يَقُلْ: إِنَّهُ عَبْدُ الْعُزَّى ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَازِمًا فِي تَشْبِيهِهِ بِهِ، قُلْتُ: لَا شَكَّ فِي تَشْبِيهِهِ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعْرِفَةُ الْمُشَبَّهِ فِي عَالَمِ الْكَشْفِ أَوِ الْمَنَامِ عَبَّرَ عَنْهُ بِكَأَنِي كَمَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي تَعْبِيرِ حِكَايَةِ الرُّؤْيَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا لَمْ يُوجَدْ فِي الْكَوْنِ أَقْبَحُ صُورَةً مِنْهُ، فَلَا يَتِمُّ التَّشْبِيهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، بَلْ وَلَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ; عَدَلَ عَنْ صِيغَةِ الْجَزْمِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِمَا عَبَّرَ عَنْهُ، ثُمَّ فِي صِيغَةِ الْحَالِ إِشْعَارٌ بِاسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْمَآلِ. (فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ) أَيْ: أَوَائِلَهَا إِلَى (كَذِبًا) ; لِدَلَالَةِ تِلْكَ الْآيَاتِ عَلَى مَعْرِفَةِ ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، لَكِنَّ لَفْظَهُ: «مَنْ أَدْرَكَ الدَّجَّالَ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ خَوَاتِمَهَا ; فَإِنَّهَا جِوَارٌ لَهُ مِنْ فِتْنَتِهِ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَأَنَّ تَابِعَهُ يَدْعُو هَلَاكًا وَثُبُورًا» .
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْمَعْنَى أَنَّ قِرَاءَتَهُ أَمَانٌ لَهُ مِنْ فِتْنَتِهِ، كَمَا أَمِنَ تِلْكَ الْفِتْيَةُ مِنْ فِتْنَةِ دِقْيَانُوسَ الْجَبَّارِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لِمُسْلِمٍ أَيْضًا (" فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ بِفَوَاتِحِ سُورَةِ الْكَهْفِ ; فَإِنَّهَا جِوَارُكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ ") أَيْ: بَلِيَّةِ (الدَّجَّالِ) : وَالْجِوَارُ بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَفِي آخِرِهِ رَاءٌ عَلَى مَا فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ وَالشَّيْخِ الْجَزَرِيِّ، وَكَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي بَعْضِهَا بِفَتْحِ الْجِيمِ وَزَايٍ فِي آخِرِهِ، وَهُوَ الصَّكُّ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُسَافِرُ مِنَ السُّلْطَانِ أَوْ نُوَّابِهِ ; لِئَلَّا يَتَعَرَّضَ لَهُمُ الْمُتَرَصِّدَةُ فِي الطَّرِيقِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ثُمَّ قَالَ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبِالرَّاءِ، فَمَعْنَاهُ حَافِظُكُمْ، انْتَهَى.
وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ الْبُرْدَةِ: الْجِوَارُ: بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ، وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ هُوَ الْأَمَانُ، هَذَا وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهَا رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ، لَكِنْ صَرَّحَ الْجَزَرِيُّ فِي حِصْنِهِ بِأَنَّهَا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ عَنِ النَّوَّاسِ، لَكِنَّ لَفْظَهُ: «مَنْ أَدْرَكَ الدَّجَّالَ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَهَا، فَإِنَّهَا جِوَارٌ لَهُ مِنْ فِتْنَتِهِ» ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ جَاءَ فِي الْحِصْنِ رِوَايَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى ; حَيْثُ قَالَ: مَنْ قَرَأَهَا، أَيِ الْكَهْفَ، كَمَا أُنْزِلَتْ كَانَتْ لَهُ نُورًا مِنْ مَقَامِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَمَنْ قَرَأَ بِعَشْرِ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا فَخَرَجَ الدَّجَّالُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَاللَّفْظُ لِلنَّسَائِيِّ وَقَالَ: رَفْعُهُ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا، وَاخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ مَقَامِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَمَنْ قَرَأَ بِعَشْرِ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا، ثُمَّ خَرَجَ الدَّجَّالُ لَمْ يَضُرُّهُ» ، وَرَوَى مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: " «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِهَا عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ» "، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنْهُ: " مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ "، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ
стр. 7564
وَأَبِي دَاوُدَ عَنْهُ: " مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ "، وَالنَّسَائِيِّ عَنْهُ: " «مَنْ قَرَأَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنَ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» "، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْهُ: مَنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ". وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَالْأَرْبَعَةِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ: " مَنْ أَدْرَكَ الدَّجَّالَ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَهَا " الْحَدِيثَ. قِيلَ: وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ " ; أَنَّ حَدِيثَ الْعَشْرِ مُتَأَخِّرٌ، وَمَنْ عَمِلَ بِالْعَشْرِ فَقَدْ عَمِلَ بِالثَّلَاثِ، وَقِيلَ: حَدِيثُ الثَّلَاثِ مُتَأَخِّرٌ وَمَنْ عُصِمَ بِثَلَاثٍ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْعَشْرِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى أَحْكَامِ النَّسْخِ.
أَقُولُ ". بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ لَا يُحْكَمُ بِالنَّسْخِ، مَعَ أَنَّ النَّسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْإِنْشَاءِ لَا فِي الْإِخْبَارِ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ أَقَلَّ مَا يُحْفَظُ بِهِ مِنْ شَرِّهِ قِرَاءَةُ الثَّلَاثِ، وَحِفْظُهَا أَوْلَى، وَهُوَ لَا يُنَافِي الزِّيَادَةَ، كَمَا لَا يَخْفَى. وَقِيلَ: حَدِيثُ الْعَشْرِ فِي الْحِفْظِ، وَحَدِيثُ الثَّلَاثِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَمَنْ حَفِظَ الْعَشْرَ وَقَرَأَ الثَّلَاثَ كُفِيَ وَعُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَقِيلَ: مَنْ حَفِظَ الْعَشْرَ عُصِمَ مِنْ أَنْ لَقِيَهُ، وَمَنْ قَرَأَ الثَّلَاثَ عُصِمَ مِنْ فِتْنَتِهِ إِنْ لَمْ يَلْقَهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْحِفْظِ الْقِرَاءَةُ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ، وَمِنَ الْعِصْمَةِ الْحِفْظُ مِنْ آفَاتِ الدَّجَّالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْأَحْوَالِ.
(" إِنَّهُ ") أَيِ: الدَّجَّالَ (خَارِجٌ خَلَّةً ") : بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ لَامٍ أَيْ: طَرِيقًا وَاقِعًا، (" بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ) ، وَأَصْلُهُ الطَّرِيقُ فِي الرَّمْلِ، وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ مِنْ سَبِيلٍ بَيْنَهُمَا، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا مَنْصُوبَةٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي النِّهَايَةِ، أَيْ: فِي طَرِيقٍ بَيْنَهُمَا. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا، خَلَّةً بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَنْوِينِ التَّاءِ. وَقَالَ الْقَاضِي ﵀: الْمَشْهُورُ فِيهِ حَلَّةَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَنَصْبِ التَّاءِ يَعْنِي غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ، وَمَعْنَاهُ: سَمْتُ ذَلِكَ وَقُبَالَتُهُ. قُلْتُ: الْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ هِيَ الْحَلَّةَ قَرْيَةً بِنَاحِيَةِ دِجْلَةَ مِنْ بَغْدَادَ، أَهْلُهَا شَرُّ مَنْ فِي الْبِلَادِ مِنَ الْعِمَادِ. قَالَ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ حُلَّهُ بِضَمِّ اللَّامِ وَبِهَاءِ الضَّمِيرِ، أَيْ: نُزُولُهُ وَحُلُولُهُ. قَالَ: وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا بِبِلَادِنَا، وَقَوْلُهُ: (" فَعَاثَ) : هُوَ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مَاضٍ مِنَ الْعَيْثِ، وَهُوَ أَشَدُّ الْفَسَادِ وَالْإِسْرَاعِ فِيهِ. وَحَكَى الْقَاضِي ﵀: إِنَّهُ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَعَاثَ، عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: قِيلَ الصَّوَابُ فِيهِ فَعَاثَ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ ; لِكَوْنِهِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ فَاعِلٍ قَبْلَهُ، وَهُوَ خَارِجٌ. قُلْتُ: أَكْثَرُ النُّسَخِ، وَمِنْهَا أَصْلُ السَّيِّدِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْعَيْثِ، وَفِي بَعْضِهَا عَاثٍ كَقَاضٍ مِنَ الْعَثْيِ بِمَعْنَى الْعَيْثِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي التَّنْزِيلِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ الصَّوَابُ خَطَأٌ ; إِذْ هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنَى الْإِفْسَادِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّجَّالَ فَسَدَ أَوْ مُفْسِدٌ. (يَمِينًا، وَعَاثَ شِمَالًا ") ، وَهُمَا ظَرْفَا عَاثَ، وَالْمَعْنَى: يَبْعَثُ سَرَايَاهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَكْتَفِي بِالْإِفْسَادِ فِيمَا يَطَؤُهُ مِنَ الْبِلَادِ وَيَتَوَجَّهُ لَهُ مِنَ الْأَغْوَارِ وَالْأَنْجَادِ، فَلَا يَأْمَنُ مِنْ شَرِّهِ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَخْلُو مِنْ فِتْنَتِهِ مَوْطِنٌ وَلَا مَأْمَنٌ، (" يَا عِبَادَ اللَّهِ ") أَيْ: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمَوْجُودُونَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، أَوْ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ عَلَى فَرْضِ أَنَّكُمْ تُدْرِكُونَ ذَلِكَ الْأَوَانَ، (" فَاثْبُتُوا) أَيْ: عَلَى دِينِكُمْ وَإِنْ عَاقَبَكُمْ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا مِنَ الْخِطَابِ الْعَامِّ أَرَادَ بِهِ مَنْ يُدْرِكُ الدَّجَّالَ مِنْ أُمَّتِهِ، ثُمَّ قِيلَ: هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ اسْتِمَالَةٌ لِقُلُوبِ أُمَّتِهِ وَتَثْبِيتُهُمْ عَلَى مَا يُعَايِنُونَهُ مِنْ شَرِّ الدَّجَّالِ، وَتَوْطِينُهُمْ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَاعْتِقَادِهِ وَتَصْدِيقِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا لَبْثُهُ) : بِفَتْحِ لَامٍ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ: مَا قَدْرُ مُكْثِهِ وَتَوَقُّفِهِ (فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا ") ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ: يَمْكُثُ الدَّجَّالُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، السَّنَةُ كَالشَّهْرِ إِلَى آخِرِهِ. لَكِنَّهُ
стр. 7565
نَقَلَ الْبَغَوَيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ هَذِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِأَحَدِ الْمُكْثَيْنِ مُكْثٌ خَاصٌّ عَلَى وَصْفٍ مُعَيَّنٍ مُبَيَّنٍ عِنْدَ الْعَالِمِ بِهِ، (" يَوْمٌ) أَيْ: مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَعِينَ (كَسَنَةٍ) أَيْ: مِقْدَارَ عَامٍ فِي طُولِ الزَّمَانِ، أَوْ فِي كَثْرَةِ الْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ، (وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ ") .
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ لِكَثْرَةِ غُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ وَشِدَّةِ بَلَاءِ اللَّعِينِ يُرَى لَهُمْ كَسَنَةٍ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي يَهُونُ كَيْدُهُ وَيَضْعُفُ أَمْرُهُ ; فَيُرَى كَشَهْرٍ، وَالثَّالِثُ يُرَى كَجُمُعَةٍ ; لِأَنَّ الْحَقَّ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَزِيدُ قَدْرًا، وَالْبَاطِلَ يَنْقُصُ حَتَّى يَنْمَحِقَ أَثَرًا، أَوْ لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّمَا اعْتَادُوا بِالْفِتْنَةِ وَالْمِحْنَةِ يَهُونُ عَلَيْهِمْ إِلَى أَنْ تَضْمَحِلَّ شِدَّتُهَا، وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِمَا ذَكَرَ الرَّاوِي.
(قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ) أَيْ: مَثَلًا (أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ ") ، بَلْ هَذَا جَارٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَا امْتِنَاعَ فِيهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَزِيدَ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، حَتَّى يَصِيرَ مِقْدَارَ سَنَةٍ خَارِقًا لِلْعَادَةِ، كَمَا يَزِيدُ فِي أَجْزَاءِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْيَوْمِ. انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي قَرَّرَهُ عَلَى الْمِنْوَالِ الَّذِي حَرَّرَهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا بَسْطَ الزَّمَانِ، كَمَا وَقَعَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ مَعَ زِيَادَةٍ عَلَى الْمَكَانِ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ كُلِّ صَلَاةٍ إِنَّمَا هُوَ وَقْتُهُ الْمُقَدَّرُ مِنْ طُلُوعِ صُبْحٍ وَزَوَالِ شَمْسٍ وَغُرُوبِهَا وَغَيْبُوبَةِ شَفَقِهَا، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بِتَحَقُّقِ تَعَدُّدِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ، فَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ أَنَّهُ يُشْكِلُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ "، مَعَ قَوْلِهِ: وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَأْوِيلِ امْتِدَادِ تِلْكَ الْأَيَّامِ عَلَى أَنَّهَا وُصِفَتْ بِالطُّولِ وَالِامْتِدَادِ ; لِمَا فِيهَا مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ وَتَفَاقُمِ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: " لَا ". الْحَدِيثَ.
فَنَقُولُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَمِنْهُ الْمَعُونَةُ فِي التَّحْقِيقِ: قَدْ تَبَيَّنَ لَنَا بِإِخْبَارِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - أَنَّ الدَّجَّالَ يُبْعَثُ مَعَهُ مِنَ الْمُشَبَّهَاتِ، وَيَفِيضُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ التَّمْوِيهَاتِ مَا يَسْلِبُ عَنْ ذَوِي الْعُقُولِ عُقُولَهُمْ، وَيَخْطِفُ مِنْ ذَوِي الْأَبْصَارِ أَبْصَارَهُمْ، فَمِنْ ذَلِكَ تَسْخِيرُ الشَّيَاطِينِ لَهُ، وَمَجِيئُهُ بِجَنَّةٍ وَنَارٍ، وَإِحْيَاءُ الْمَيِّتِ عَلَى حَسَبِ مَا يَدَّعِيهِ، وَتَقْوِيَتُهُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ إِضْلَالَهُ، تَارَةً بِالْمَطَرِ وَالْعُشْبِ، وَتَارَةً بِالْأَزْمَةِ وَالْجَدْبِ، ثُمَّ لَا خَفَاءَ بِأَنَّهُ أَسْحَرُ النَّاسِ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ لَنَا تَأْوِيلُ هَذَا الْقَوْلِ، إِلَّا أَنْ نَقُولَ: إِنَّهُ يَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ النَّاسِ وَأَبْصَارِهِمْ، حَتَّى يُخَيِّلَ إِلَيْهِمْ أَنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَمَرَّ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ إِسْفَارٍ بِلَا ظَلَامٍ، وَصَبَاحٍ بِلَا مَسَاءٍ، يَحْسَبُونَ أَنَّ اللَّيْلَ لَا يَمُدُّ عَلَيْهِمْ رِوَاقَهُ، وَأَنَّ الشَّمْسَ لَا تَطْوِي عَنْهُمْ ضِيَاءَهَا، فَيَبْقُونَ فِي حَيْرَةٍ وَالْتِبَاسٍ مِنِ امْتِدَادِ الزَّمَانِ، وَيُدْخِلَ عَلَيْهِمْ دَوَاخِلَ بِاخْتِفَاءِ الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْتَهِدُوا عِنْدَ مُصَادَمَةِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ، وَيُقَدِّرُوا لِكُلِّ صَلَاةٍ قَدْرَهَا إِلَى أَنْ يَكْشِفَ اللَّهُ عَنْهُمْ تِلْكَ الْغُمَّةَ، هَذَا الَّذِي اهْتَدَيْنَا إِلَيْهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ ﵀ قَالُوا: هَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهَذِهِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ طَوِيلَةٌ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: " وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ ".
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ " فَقَالَ الْقَاضِي ﵀ وَغَيْرُهُ: هَذَا حُكْمٌ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ، شَرَعَهُ لَنَا صَاحِبُ الشَّرْعِ، قَالُوا: وَلَوْلَا هَذَا الْحَدِيثُ، لَوُكِّلْنَا إِلَى اجْتِهَادِنَا اقْتَصَرْنَا عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ الْأَوْقَاتِ الْمَعْرُوفَةِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ، وَمَعْنَاهُ: إِذَا بَعُدَ طُلُوعُ الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظُّهْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ; فَصَلُّوا الظُّهْرَ، ثُمَّ إِذَا مَضَى بَعْدَهُ قَدْرُ مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ ; فَصَلُّوا الْعَصْرَ، فَإِذَا مَضَى بَعْدَهَا قَدْرُ مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ ; فَصَلُّوا الْمَغْرِبَ، وَكَذَا الْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ، ثُمَّ الظَّهْرُ ثُمَّ الْعَصْرُ ثُمَّ الْمَغْرِبُ، وَكَذَا حَتَّى يَنْقَضِيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ صَلَاةُ السَّنَةِ فَرَائِضَ مُؤَدَّاةً فِي وَقْتِهَا، وَأَمَّا الثَّانِي الَّذِي كَشَهْرٍ، وَالثَّالِثُ الَّذِي كَجُمُعَةٍ، فَيُقَاسُ عَلَى
следующие страницы →