← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

٥٤٨٨ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ مِنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٥٤٨٨ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) : أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ (قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ ") أَيْ: بِخُرُوجِهِ وَظُهُورِهِ (" فَلْيَنْأَ ") : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَمْرُ غَائِبٍ مِنْ نَأَى يَنْأَى حُذِفَ الْأَلِفُ لِلْجَزْمِ، أَيْ: فَلْيَبْعُدْ (" مِنْهُ ") أَيْ: مِنَ الدَّجَّالِ ; لِأَنَّ الْبُعْدَ عَنْ قُرْبِهِ سَعْدٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] ، وَالرُّكُونُ أَدْنَى الْمَيْلِ، (" فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ ") أَيِ: الرَّجُلُ (" يَحْسِبُ ") : بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا أَيْ: يَظُنُّ (" أَنَّهُ ") أَيِ: الرَّجُلَ بِنَفْسِهِ (" مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ ") : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ أَيْ: فَيُطِيعُ الدَّجَّالَ (" مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ ") : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيُفْتَحُ أَيْ: مِنْ أَجْلِ مَا يُثِيرُهُ وَيُبَاشِرُهُ (" مِنَ الشُّبُهَاتِ ") أَيِ: الْمُشْكِلَاتِ، كَالسِّحْرِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَغَيْرِ ذَلِكَ ; فَيَصِيرُ تَابِعُهُ كَافِرًا وَهُوَ لَا يَدْرِي. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 7597

٥٤٨٩ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «يَمْكُثُ الدَّجَّالُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَالْيَوْمُ كَاضْطِرَامِ السَّعَفَةِ فِي النَّارِ» ". رَوَاهُ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) . ــ ٥٤٨٩ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَنْصَارِيَّةٍ مِنْ ذَوَاتِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ، (قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «يَمْكُثُ الدَّجَّالُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً» ") ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ لُبْثَهُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافُ الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: (" السَّنَةُ كَالشَّهْرِ ") ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى سُرْعَةِ الِانْقِضَاءِ، كَمَا أَنَّ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: يَوْمٌ كَسَنَةٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الشِّدَّةَ فِي غَايَةٍ مِنَ الِاسْتِقْصَاءِ، عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالرِّجَالِ، (" وَالشَّهْرُ ") أَيْ: مِنَ السَّنَةِ (" كَالْجُمُعَةِ) أَيْ: كَالْأُسْبُوعِ، (" وَالْجُمُعَةُ ") : يَعْنِي الْأُسْبُوعَ مِنَ الشَّهْرِ (" كَالْيَوْمِ ") أَيْ: كَالنَّهَارِ، (" وَالْيَوْمُ كَاضْطِرَامِ السَّعَفَةِ فِي النَّارِ ") : بِفَتْحَتَيْنِ وَاحِدَةُ السَّعَفِ، وَهُوَ غُصْنُ النَّخْلِ، أَيْ: كَسُرْعَةِ الْتِهَابِ النَّارِ بِوَرَقِ النَّخْلِ، وَالِاضْطِرَامُ الِالْتِهَابُ وَالِاشْتِعَالُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الْيَوْمَ كَالسَّاعَةِ. (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ.

стр. 7598

٥٤٩٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ السِّيجَانُ» ". رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) . ــ ٥٤٩٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ أُمَّتِي ") أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ أَوِ الدَّعْوَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا سَبَقَ أَنَّهُمْ مِنْ يَهُودِ أَصْفَهَانَ (" سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ السِّيجَانُ ") بِكَسْرِ السِّينِ جَمْعُ سَاجٍ كَتِيجَانَ وَتَاجٍ، وَهُوَ الطَّيْلَسَانُ الْأَخْضَرُ، وَقِيلَ: الْمَنْقُوشُ يُنْسَجُ كَذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ إِذَا كَانَ أَصْحَابُ الثَّرْوَةِ سَبْعِينَ أَلْفًا فَمَا ظَنُّكَ بِالْفُقَرَاءِ؟ قُلْتُ: الْفُقَرَاءُ لِكَوْنِهِمْ مُفْلِسِينَ هُمْ فِي أَمَانِ اللَّهِ، إِلَّا إِذَا كَانُوا طَامِعِينَ فِي الْمَالِ وَالْجَاهِ، فَهُمْ فِي الْمَعْنَى مِنْ أَصْحَابِ الثَّرْوَةِ وَالتَّابِعِينَ لِتَحْصِيلِ الْكَثْرَةِ، سَوَاءٌ يَكُونُ مَتْبُوعُهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَوِ الْبَاطِلِ، كَمَا شُوهِدَ فِي الْأَزْمِنَةِ السَّابِقَةِ مِنْ أَيَّامِ يَزِيدَ وَالْحَجَّاجِ وَابْنِ زِيَادٍ، وَهَكَذَا يَزِيدُ الْفَسَادُ كُلَّ سَنَةٍ، بَلْ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْبِلَادِ، فَيَتْبَعُ الْعُلَمَاءُ الْعُبَّادَ، وَالْمَشَايِخُ الزُّهَّادَ، عَلَى مَا يُشَاهَدُ بِشَرِّ الْعِبَادِ لِلْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ وَالْمَنَاصِبِ الْكَاسِدَةِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَحُسْنَ الْخَاتِمَةِ. (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : قِيلَ: فِي سَنَدِهِ أَبُو هَارُونَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ.

стр. 7599

٥٤٩١ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي، فَذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: " إِنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ سِنِينَ: سَنَةٌ تُمْسِكُ السَّمَاءُ فِيهَا ثُلُثَ قَطْرِهَا، وَالْأَرْضُ ثُلُثَ نَبَاتِهَا، وَالثَّانِيَةُ تُمْسِكُ السَّمَاءُ ثُلُثَيْ قَطْرِهَا، وَالْأَرْضُ ثُلُثَيْ نَبَاتِهَا، وَالثَّالِثَةُ تُمْسِكُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا كُلَّهُ، وَالْأَرْضُ نَبَاتَهَا كُلَّهُ، فَلَا يَبْقَى ذَاتُ ظِلْفٍ وَلَا ذَاتُ ضِرْسٍ مِنَ الْبَهَائِمِ إِلَّا هَلَكَ، وَإِنَّ مِنْ أَشَدِّ فِتْنَتِهِ أَنَّهُ يَأْتِي الْأَعْرَابِيَّ فَيَقُولُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْيَيْتُ لَكَ إِبِلَكَ! أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيُمَثِّلُ لَهُ الشَّيْطَانَ نَحْوَ إِبِلِهِ كَأَحْسَنِ مَا يَكُونُ ضُرُوعًا، وَأَعْظَمِهِ أَسْنِمَةً ". قَالَ: وَيَأْتِي الرَّجُلَ قَدْ مَاتَ أَخُوهُ، وَمَاتَ أَبُوهُ، فَيَقُولُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْيَيْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأَخَاكَ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيُمَثِّلُ لَهُ الشَّيَاطِينَ نَحْوَ أَبِيهِ وَنَحْوَ أَخِيهِ ". قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ وَالْقَوْمُ فِي اهْتِمَامٍ وَغَمٍّ مِمَّا حَدَّثَهُمْ، قَالَتْ: فَأَخَذَ بِلَحْمَتَيِ الْبَابِ فَقَالَ: " مَهْيَمْ أَسْمَاءُ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدْ خَلَعْتَ أَفْئِدَتَنَا بِذِكْرِ الدَّجَّالِ. قَالَ: " إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا حَيٌّ، فَأَنَا حَجِيجُهُ، وَإِلَّا فَإِنَّ رَبِّي خَلِيفَتِي، عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ "، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاللَّهِ إِنَّا لَنَعْجِنُ عَجِينَنَا فَمَا نَخْبِزُهُ حَتَّى نَجُوعَ فَكَيْفَ بِالْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " يُجْزِئُهُمْ مَا يُجْزِئُ أَهْلَ السَّمَاءِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْهَا. وَرَوَاهُ مُحْيِى السُّنَّةِ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ. ــ ٥٤٩١ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) أَيِ: ابْنِ السَّكَنِ (قُلْتُ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِي [فَذَكَرَ الدَّجَّالَ] فَقَالَ: " إِنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ") أَيْ: قُدَّامَ الدَّجَّالِ وَقُبَيْلَ زَمَانِ خُرُوجِهِ (" ثَلَاثَ سِنِينَ ") أَيْ: مُخْتَلِفَةً فِي ذَهَابِ الْبَرَكَةِ (" سَنَةٌ ") : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ (" تُمْسِكُ السَّمَاءُ ") أَيْ: تَمْنَعُ بِإِمْسَاكِ اللَّهِ (" فِي ") أَيْ: فِي تِلْكَ السَّنَةِ (" ثُلُثَ قَطْرِهَا ") : بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ مَطَرِهَا الْمُعْتَادِ فِي الْبِلَادِ (" وَالْأَرْضُ ") أَيْ: وَتُمْسِكُ الْأَرْضُ (" ثُلُثَ نَبَاتِهَا ") أَيْ: وَلَوْ كَانَتْ تُسْقَى مِنْ غَيْرِ الْمَطَرِ، (" وَالثَّانِيَةُ ") أَيِ: السَّنَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ نَصْبُهَا إِمَّا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَإِمَّا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ (" تُمْسِكُ السَّمَاءُ ثُلُثَيْ قَطْرِهَا وَالْأَرْضُ ثُلُثَيْ نَبَاتِهَا، وَالثَّالِثَةُ تُمْسِكُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا كُلَّهُ، وَالْأَرْضُ نَبَاتَهَا كُلَّهُ ") يَعْنِي: فَيَقَعُ الْقَحْطُ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِ، وَيَكُونُ الْخَزَائِنُ وَالْكُنُوزُ تَتْبَعُهُ، وَأَنْوَاعُ النِّعَمِ مِنَ الْخُبْزِ وَالثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ مَعَهُ، (" فَلَا يَبْقَى ") : بِالتَّذْكِيرِ وَيُؤَنَّثُ (" ذَاتُ ظِلْفٍ ") : بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ وَالظَّبْيُ، (" وَلَا ذَاتُ ضِرْسٍ) : وَهِيَ السِّبَاعُ مِنَ الْبَهَائِمِ (" إِلَّا هَلَكَ ") أَيْ: لَا يَبْقَى فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا فِي حَالِ الْهَلَاكِ، (" وَإِنَّ مِنْ أَشَدِّ فِتْنَتِهِ ") أَيْ: أَعْظَمِ بَلِيَّتِهِ (" أَنَّهُ يَأْتِي ") أَيِ: الدَّجَّالُ (" الْأَعْرَابِيَّ ") أَيِ: الْبَدَوِيَّ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ مِنْ جِنْسِ الْغَبِيِّ، (" فَيَقُولُ ") أَيِ: الدَّجَّالُ (" أَرَأَيْتَ ") أَيْ: أَخْبِرْنِي (" إِنْ أَحْيَيْتُ لَكَ إِبِلَكَ ") أَيِ: الَّتِي مَاتَتْ مِنَ الْقَحْطِ (" أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى فَيُمَثِّلُ ") : بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَيُفْتَحُ أَيْ: يُصَوِّرُ لَهُ (" نَحْوَ إِبِلِهِ ") أَيْ: مِثَالَ إِبِلِهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نُسْخَةُ: فَيُمَثِّلُ لَهُ الشَّيَاطِينَ نَحْوَ إِبِلِهِ (" كَأَحْسَنِ مَا يَكُونُ ") أَيْ: كَأَحْسَنِ أَكْوَانِهِ (" ضُرُوعًا ") أَيْ: مِنَ اللَّبَنِ، وَنَصْبُهُ عَلَى التَّمْيِيزِ، (" وَأَعْظَمِهِ ") أَيْ: وَأَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ السِّمَنِ (" أَسْنِمَةً ") : بِكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ السَّنَامِ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا أَوْ إِعَادَةً لِطُولِ الْفَصْلِ تَأْيِيدًا (" وَيَأْتِي الرَّجُلَ ") : عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: وَيَأْتِي الْأَعْرَابِيَّ ; فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ أَشَدِّ الْفِتْنَةِ (" قَدْ مَاتَ أَخُوهُ ") أَيْ: مَثَلًا

стр. 7600

(" وَمَاتَ أَبُوهُ ") : الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى " أَوْ " وَلِذَا أَعَادَ الْفِعْلَ (" فَيَقُولُ: أَرَأَيْتَ ") أَيْ: أَخْبِرْنِي، وَالْخِطَابُ لِمَنْ مَاتَ أَبُوهُ، أَوْ لِكُلٍّ مِمَّنْ مَاتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ (" إِنْ أَحْيَيْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأَخَاكَ ") : جَمِيعًا أَوْ أَخَاكَ (" أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيُمَثِّلُ لَهُ الشَّيَاطِينَ ") : مَفْعُولٌ أَوَّلٌ (" نَحْوَ أَبِيهِ وَنَحْوَ أَخِيهِ ") : مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَفِي نُسْخَةٍ يُمَثَّلُ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَرَفْعِ الشَّيَاطِينِ، وَقِيلَ: نَصْبُ " الشَّيَاطِينَ " بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: مِنَ الشَّيَاطِينِ، فَعَلَى هَذَا يُنْصَبُ نَحْوُ وَيُرْفَعُ بِاخْتِلَافِ الْعَامِلِينَ. (قَالَتْ) أَيْ: أَسْمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - (ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ وَالْقَوْمُ فِي اهْتِمَامٍ وَغَمٍّ) أَيْ: شَدِيدٍ زِيدَ لِلتَّأْكِيدِ (مِمَّا حَدَّثَهُمْ) أَيْ: مِنْ أَجْلِ تَحْدِيثِهِ إِيَّاهُمْ بِهِ (قَالَتْ: فَأَخَذَ بِلَحْمَتَيِ الْبَابِ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ، كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ أَيْ: نَاحِيَتِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ. وَقَالَ شَارِحٌ لَهُ هُوَ بِلَجْفَتَيِ الْبَابِ بِالْجِيمِ وَالْفَاءِ. قَالَ التُّوِرِبِشْتِيُّ ﵀: الصَّوَابُ فَأَخَذَ بِلَجْفَتَيِ الْبَابِ، أُرِيدَ بِهِمَا الْعِضَادَتَانِ، وَقَدْ فُسِّرَ بِجَانِبَيْهِ وَمِنْهُ أَلْجَافُ الْبِئْرِ أَيْ جَوَانِبُهَا. وَفِي كِتَابِ الْمَصَابِيحِ: بِلَحْمَتَيِ الْبَابِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ إِلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَا. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْقَامُوسِ مِنْ أَنَّ اللَّجْفَ فِي جَانِبِ الْبِئْرِ، وَلَجِيفَتَا الْبَابِ جَانِبَاهُ، لَكِنَّ بَعْدَ اتِّفَاقِ النُّسَخِ لَا بُدَّ مِنَ التَّوْجِيهِ، فَفِي الْقَامُوسِ: اللَّحْمَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ، فَيُجَرَّدُ وَيُقَالُ: الْمُرَادُ بِهِمَا قِطْعَتَا الْبَابِ ; فَإِنَّهُمَا تَلْتَحِمَانِ وَتَنْفَصِلَانِ وَتَلْتَئِمَانِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَخْطِئَةِ رُوَاةِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (" مَهْيَمْ ") : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ثُمَّ فَتْحٍ فَسُكُونٍ، فِي الْقَامُوسِ: مَهْيَمْ كَلِمَةُ اسْتِفْهَامٍ، أَيْ: مَا حَالُكَ وَمَا شَأْنُكَ أَوْ مَا وَرَاءَكَ أَوْ أَحَدَثَ لَكَ شَيْءٌ؟ وَقَالَ الْقَاضِي ﵀: مَهْيَمْ كَلِمَةٌ يَمَانِيَّةٌ، وَمَعْنَاهُ مَا الْحَالُ وَالْخَبَرُ، وَقَوْلُهُ: (" أَسْمَاءُ ") : مُنَادًى حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدْ خَلَعْتَ أَفْئِدَتَنَا) أَيْ: أَقْلَقْتَ أَوْ قَلَعْتَ قُلُوبَنَا (بِذِكْرِ الدَّجَّالِ) أَيْ: وَمَا مَعَهُ مِنَ الْفِتْنَةِ وَشِدَّةِ الْحَالِ، (قَالَ: " إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا حَيٌّ ") أَيْ فَرْضًا وَتَقْدِيرًا (" فَأَنَا حَجِيجُهُ ") أَيْ: دَافِعُهُ عَنْكُمْ بِالْحُجَّةِ أَوِ الْهِمَّةِ (" وَإِلَّا فَإِنَّ رَبِّي خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ") ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ أَنَّهُ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْحُجَّةِ الْيَقِينِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ صَاحِبُ النُّبُوَّةِ مَوْجُودًا، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ، وَنَاصِرُ نَبِيِّهِ، وَحَافِظُ أَوْلِيَائِهِ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ، (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا لَنَعْجِنُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ (عَجِينًا فَمَا نَخْبِزُهُ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُضَمُّ أَيْ: فَمَا يَتِمُّ خَبْزُهُ (حَتَّى نَجُوعَ) أَيْ: مِنْ قِلَّةِ صَبْرِنَا عَنِ الْأَكْلِ (فَكَيْفَ بِالْمُؤْمِنِينَ) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ: كَيْفَ حَالُهُمْ (يَوْمَئِذٍ) ؟ أَيْ: وَقْتَ الْقَحْطِ وَانْحِصَارِ وُجُودِ الْخُبْزِ عِنْدَ الدَّجَّالِ وَأَتْبَاعِهِ، (قَالَ: " يُجْزِئُهُمْ مَا يُجْزِئُ ") : بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَهْمُوزًا أَيْ: يَكْفِيهِمْ مَا يَكْفِي (" أَهْلَ السَّمَاءِ ") أَيِ: الْمَلَائِكَةَ (" مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ ") . قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي مَنِ ابْتُلِيَ بِزَمَانِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ،

стр. 7601

كَمَا لَا يَحْتَاجُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، وَأَبْعَدَ الطِّيبِيُّ ﵀ حَيْثُ قَالَ: مَعْنَاهُ: إِنَّا نَعْجِنُ الْعَجِينَ لِنَخْبِزَهُ، فَلَا نَقْدِرُ عَلَى خَبْزِهِ لِمَا فِينَا مِنْ خَوْفِ الدَّجَّالِ حِينَ خَلَعْتَ أَفْئِدَتَنَا بِذِكْرِهِ، فَكَيْفَ حَالُ مَنِ ابْتُلِيَ بِزَمَانِهِ؟ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: يُجْزِئُهُمْ أَنَّهُ تَعَالَى يُسَلِّيهِمْ بِبَرَكَةِ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، هَذَا وَفِي الْحَدِيثِ كَلِمَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عِبَادَةُ الْخَلْقِ، وَبِهَا يُقْطَعُ أَرْزَاقُهُمْ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمَعْنَى الْإِقْطَاعِ تَسْوِيغُ الْإِمَامِ مِنْ مَالِ اللَّهِ شَيْئًا لِمَنْ يَرَاهُ أَهْلًا لِذَلِكَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَا يُعَيَّنُ لِلشَّخْصِ. (رَوَاهُ) : هُنَا بَيَاضٌ فِي الْأَصْلِ، وَأُلْحِقَ بِهِ: أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَقِيلَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْهَا، وَانْفَرَدَ بِهِ هُنَا.

стр. 7602

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٤٩٢ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: «مَا سَأَلَ أَحَدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الدَّجَّالِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ، وَإِنَّهُ قَالَ لِي: " مَا يَضُرُّكَ؟ " قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهَرَ مَاءٍ. قَالَ: " هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٤٩٢ - (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الدَّجَّالِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ) أَيْ: عَنْهُ، (وَإِنَّهُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ أَوْ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْمَنْفِيَّةِ، وَالتَّقْدِيرُ وَقَالَ: إِنَّهُ، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ أَوْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ لِي: " مَا يَضُرُّكَ ") ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْجُمْلَةُ حَالٌ، وَالْمَعْنَى: كُنْتُ مُولَعًا بِالسُّؤَالِ عَنِ الدَّجَّالِ، مَعَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَا يَضُرُّكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَافِيكَ شَرَّهُ. أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجُمْلَةَ إِخْبَارِيَّةٌ تَقْرِيرِيَّةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ خَبَرِيَّةً لَفْظًا وَفِي الْمَعْنَى دُعَائِيَّةً، وَإِنَّمَا أَتَى بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِتَوَقُّعِ وَجُودِهِ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (قُلْتُ: إِنَّهُمْ) أَيِ: النَّاسَ، أَوْ أَهْلَ الْكِتَابِ، أَوِ الْيَهُودَ (يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ) : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فَزَايٍ أَيْ: مَعَهُ مِنَ الْخُبْزِ قَدْرَ الْجَبَلِ، وَفِي نُسْخَةٍ جَبَلَ خُبْزٍ، وَهِيَ كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَكَأَنَّهُ تَصْحِيفٌ (وَنَهَرَ مَاءٍ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَهُوَ أَفْصَحُ، وَتُسَكَّنُ وَهُوَ أَشْهَرُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِي زَمَانِهِ قَحَطَ الْمَاءُ أَيْضًا ابْتِلَاءً لِلْعِبَادِ، وَزَوَالًا لِلْبَرَكَةِ فِي الْبِلَادِ لِعُمُومِ الْفَسَادِ، وَهَذَا سُؤَالٌ مُسْتَقِلٌّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ، وَأَبْعَدَ الطِّيبِيُّ ﵀ فِي قَوْلِهِ: قُلْتُ: إِلَى آخِرِهِ اسْتِئْنَافُ جَوَابٍ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ أَيْ: سَأَلْتُهُ يَوْمًا، فَقَالَ لِي: مَا يَضُرُّكَ أَيْ: مَا يُضِلُّكَ؟ قُلْتُ: كَيْفَ مَا يُضِلُّنِي وَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ، (قَالَ: " هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ ") أَيِ: الدَّجَّالُ هُوَ أَحْقَرُ أَنَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يُحَقَّقُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ وَتَمْوِيهٌ لِلِابْتِلَاءِ، فَيَثْبُتُ الْمُؤْمِنُ وَيَزِلُّ الْكَافِرُ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ آيَةً عَلَى صِدْقِهِ، وَلَا سِيَّمَا قَدْ جَعَلَ فِيهِ آيَةً ظَاهِرَةً فِي كَذِبِهِ وَكُفْرِهِ، وَيَقْرَأُهَا مَنْ لَا يَقْرَأُ. أَوْ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْقَاضِي ﵀: مَعْنَاهُ هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدِهِ مُضِلًّا لِلْمُؤْمِنِينَ وَمُشَكِّكًا لِقُلُوبِهِمْ، بَلْ إِنَّمَا جَعَلَهُ اللَّهُ لِيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا، وَيُلْزِمَ الْحُجَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَنَحْوِهِمْ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7603

٥٤٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ عَلَى حِمَارٍ أَقْمَرَ، مَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ سَبْعُونَ بَاعًا» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) . ــ ٥٤٩٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ عَلَى حِمَارٍ أَقْمَرَ» ") أَيْ: شَدِيدِ الْبَيَاضِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ حِمَارَهُ أَحْسَنُ مِنْ وَجْهِهِ، (" مَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ) : صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِـ " حِمَارٍ " (سَبْعُونَ بَاعًا) ، وَهُوَ طُولُ ذِرَاعَيِ الْإِنْسَانِ وَمَا بَيْنَهُمَا. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) .

стр. 7604

[بَابُ قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ]

стр. 7605

[٤] بَابُ قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٤٩٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ وَفِي أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَصَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ ". ثُمَّ قَالَ لِابْنِ الصَّيَّادِ: مَاذَا تَرَى؟ قَالَ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خُلِّطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيئًا " وَخَبَّأَ لَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] . فَقَالَ: هُوَ الدُّخُّ. فَقَالَ: " اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ ". قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَأْذَنُ لِي فِيهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنْ يَكُنْ هُوَ لَا تُسَلَّطْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ مِنْ قَتْلِهِ ". قَالَ ابْنُ عُمَرَ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ الصَّيَّادِ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا زَمْزَمَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ. فَقَالَتْ: أَيْ صَافُ - وَهُوَ اسْمُهُ - هَذَا مُحَمَّدٌ. فَتَنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: " إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ، تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٤] بَابُ قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ كَذَا فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ وَأَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: ابْنُ الصَّيَّادِ مُعَرَّفًا. فِي الْقَامُوسِ: ابْنُ صَائِدٍ أَوْ صَيَّادٍ الَّذِي كَانَ يُظَنُّ أَنَّهُ الدَّجَّالُ، وَقَالَ الْأَكْمَلُ: ابْنُ صَائِدٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: صِيَافٌ. وَيُقَالُ: ابْنُ صَائِدٍ وَهُوَ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ. وَقِيلَ: هُوَ دَخِيلٌ فِيهِمْ، وَكَانَ حَالُهُ فِي صِغَرِهِ حَالَ الْكُهَّانِ يَصْدُقُ مَرَّةً وَيَكْذِبُ مِرَارًا، ثُمَّ أَسْلَمَ لَمَّا كَبُرَ وَظَهَرَتْ مِنْهُ عَلَامَاتٌ مِنَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ ظَهَرَتْ مِنْهُ أَحْوَالٌ، وَسُمِعَتْ مِنْهُ أَقْوَالٌ تُشْعِرُ بِأَنَّهُ الدَّجَّالُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ تَابَ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ. وَقِيلَ: بَلْ فُقِدَ يَوْمَ الْحَرَّةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: اخْتَلَفُوا فِي حَالِ ابْنِ الصَّيَّادِ، فَقِيلَ: هُوَ الدَّجَّالُ، وَمَا يُقَالُ: إِنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَثْبُتْ، إِذْ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ فُقِدَ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَمْ يُولَدْ لِلدَّجَّالِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْبَلَدَيْنِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ كَافِرًا، فَذَلِكَ فِي زَمَانِ خُرُوجِهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ هُوَ الدَّجَّالُ، وَنُقِلَ أَنَّ جَابِرًا حَلَفَ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ، وَأَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَحْلِفُ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَالظَّاهِرُ مِنْ قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الدَّجَّالُ، نَعَمْ كَانَ أَمْرُ ابْنِ الصَّيَّادِ ابْتِلَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، فَوَقَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِ. أَقُولُ: وَلَا يُنَافِيهِ قِصَّةُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبْدَانٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَظَاهِرُهُ فِي عَالَمِ الْحِسِّ وَالْخَيَالِ دَائِرٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَبَاطِنُهُ فِي عَالَمِ الْمِثَالِ مُقَيَّدٌ بِالسَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ، وَلَعَلَّ الْمَانِعَ مِنْ ظُهُورِهِ كَمَالَهُ فِي الْفِتْنَةِ وُجُودُ سَلَاسِلِ النُّبُوَّةِ وَأَغْلَالِ الرِّسَالَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٤٩٤ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) : أُفْرِدَ الضَّمِيرُ لِكَوْنِهِ هُوَ الْأَصْلَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ وَذِكْرُ ابْنِهِ تَبَعًا لَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْهُمَا، وَهُوَ مُوهِمٌ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ الْخِطَابُ، وَهُوَ عُدُولٌ عَنِ الصَّوَابِ، (انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: ذَهَبَ عُمَرُ مَعَهُ (فِي رَهْطٍ) : وَهُوَ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمَعْنَى فِي جُمْلَةِ جَمْعٍ (مِنْ أَصْحَابِهِ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ) : بِكَسْرِ قَافٍ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ: جَانِبَهُ (حَتَّى وَجَدُوهُ) : قِيلَ: حَتَّى هُنَا حَرْفُ ابْتِدَاءٍ يُسْتَأْنَفُ بَعْدَهُ الْكَلَامُ، وَيُفِيدُ انْتِهَاءَ الْغَايَةِ، وَقَوْلُهُ: (يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ) حَالٌ مِنْ مَفْعُولِ وَجَدُوهُ (وَفِي أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُضَمُّ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَنُقِلَ بِالضَّمِّ وَالْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ قَبِيلَةٌ، وَالْأُطُمُ بِضَمَّتَيْنِ الْقَصْرُ، وَكُلُّ حِصْنٍ مَبْنِيٍّ بِحِجَارَةٍ، وَكُلُّ بَيْتٍ مُرَبَّعٍ مُسَطَّحٍ، الْجَمْعُ آطَامٌ وَأُطُومٌ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْمَشْهُورُ مَغَالَةَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ. (وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ اللَّامُ أَيِ: الْبُلُوغَ بِالِاحْتِلَامِ وَغَيْرِهِ (فَلَمْ يَشْعُرْ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ جَاءُوهُ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْهُ أَيْ: لَمْ يَتَفَطَّنْ بِمَأْتَانَا، (حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَهْرَهُ) أَيْ: ظَهْرَ ابْنِ صَيَّادٍ (بِيَدِهِ) أَيِ: الْكَرِيمَةِ، (ثُمَّ قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (" أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ "، فَنَظَرَ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَظَرَ غَضَبٍ أَوْ غَفْلَةٍ ; وَلِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ نَضْرَةٌ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] ، (فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ) . قَالَ الْقَاضِي ﵀: يُرِيدُ بِهِمُ الْعَرَبَ ; لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا لَا يَكْتُبُونَ وَلَا يَقْرَءُونَ، وَمَا ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا مِنْ

стр. 7606

قِبَلِ الْمَنْطُوقِ، لَكِنَّهُ يُشْعِرُ بِبَاطِلٍ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومِ، وَهُوَ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْعَرَبِ غَيْرُ مَبْعُوثٍ إِلَى الْعَجَمِ، كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ الْيَهُودِ، وَهُوَ إِنْ قَصَدَ بِهِ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُلْقِي إِلَيْهِ الْكَاذِبُ الَّذِي يَأْتِيهِ وَهُوَ شَيْطَانُهُ انْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعُهُ مِنَ الْيَهُودِ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ، أَوْ هَذَا مِنْهُ عَلَى طَرِيقَةِ الْحُكَمَاءِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ يَسْتَغْنُونَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ. (ثُمَّ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) ؟ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الرِّسَالَةَ النَّبَوِيَّةَ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمُقَابَلَةُ الْكَلَامِيَّةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الرِّسَالَةَ اللُّغَوِيَّةَ ; فَإِنَّهُ أُرْسِلَ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى لِلْفِتْنَةِ وَالْبَلِيَّةِ، (فَرَصَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : بِتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: ضَغَطَهُ حَتَّى ضَمَّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] ، ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: فِي أَكْثَرِ نُسَخِ بِلَادِنَا: فَرَفَضَهُ بِالْفَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمَعْنَى: تَرَكَهُ وَقَطَعَ سُؤَالَهُ وَجَوَابَهُ وَجِدَالَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَقَالَ شَارِحٌ: قَوْلُهُ: فَرَضَّهُ أَيْ كَسَرَهُ، وَقِيلَ: صَوَابُهُ بِالْمُهْمَلَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْعَصْرُ وَالتَّضْيِيقُ. (ثُمَّ قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (" آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ ") . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ عَطْفٌ عَلَى فَرَصَّهُ، وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ، وَالْكَلَامُ خَارِجٌ عَلَى إِرْخَاءِ الْعِنَانِ أَيْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، فَتَفَكَّرْ هَلْ أَنْتَ مِنْهُمْ؟ انْتَهَى. وَفِيهِ إِيهَامُ تَجْوِيزِ التَّرَدُّدِ فِي كَوْنِهِ مِنَ الرُّسُلِ أَمْ لَا، وَلَا يَخْفَى فَسَادُهُ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ عَمِلَ بِالْمَفْهُومِ كَمَا فَعَلَهُ الدَّجَّالُ، فَالْمَعْنَى: إِنِّي آمَنْتُ بِرُسُلِهِ وَأَنْتَ لَسْتَ مِنْهُمْ، فَلَوْ كُنْتَ مِنْهُمْ لَآمَنْتُ بِكَ، وَهَذَا أَيْضًا عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِلَّا فَبَعْدَ الْعِلْمِ بِالْخَاتِمَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا الْفَرْضُ وَالتَّقْدِيرُ بِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا بِأَنَّهُ لَوِ ادَّعَى أَحَدٌ النُّبُوَّةَ فَطَلَبَ مِنْهُ شَخْصٌ الْمُعْجِزَةَ كَفَرَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَنَّهُ ادَّعَى بِحَضْرَتِهِ النُّبُوَّةَ ; لِأَنَّهُ صَبِيٌّ، وَقَدْ نَهَى عَنْ قَتْلِ الصِّبْيَانِ، أَوْ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَوْمَئِذٍ مُسْتَمْسِكِينَ بِالذِّمَّةِ مُصَالِحِينَ أَنْ يُتْرَكُوا عَلَى أَمْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ حُلَفَائِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ ذِمَّةُ ابْنِ الصَّيَّادِ لِتُنْقَضَ بِقَوْلِهِ الَّذِي قَالَ، كَذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَهْدَ الْوَالِدِ يُجْزِئُ عَنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ صَرِيحًا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَتَشْهَدُ اسْتِفْهَامٌ لَا تَصْرِيحَ فِيهِ، وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا قَدَّمْتُهُ مِنِ احْتِمَالِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِي الرِّسَالَةِ. (ثُمَّ قَالَ لِابْنِ صَيَّادٍ: " مَاذَا تَرَى ") ؟ ذَا زَائِدَةٌ، وَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ، أَيْ: مَا تُبْصِرُ وَتُكَاشِفُ مِنَ الْأَمْرِ الْغَيْبِيِّ، (قَالَ: يَأْتِينِي صَادِقٌ) أَيْ: خَبَرٌ صَادِقٌ تَارَةً (وَكَاذِبٌ) أَيْ أُخْرَى، أَوْ مَلَكَ صَادِقٌ وَشَيْطَانٌ كَاذِبٌ، وَقِيلَ: حَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّ الَّذِي يَأْتِيكَ مَا يَقُولُ لَكَ، وَمُجْمَلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ يُحَدِّثُنِي بِشَيْءٍ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا، وَقَدْ يَكُونُ كَاذِبًا، (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خُلِّطَ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُشَدَّدًا لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهُ أَيْ شُبِّهَ (" عَلَيْكَ الْأَمْرُ ") أَيِ: الْكَذِبُ بِالصِّدْقِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: أَيْ مَا يَأْتِيكَ بِهِ شَيْطَانُكَ مُخَلَّطٌ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ تَارَاتٌ يُصِيبُ فِي بَعْضِهَا وَيُخْطِئُ فِي بَعْضِهَا ; فَلِذَلِكَ الْتَبَسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي خَبَّأْتُ ") أَيْ: أَضْمَرْتُ (" لَكَ ") أَيْ: فِي نَفْسِي (" خَبِيئًا ") أَيِ: اسْمًا مُضْمَرًا لِتُخْبِرَنِي بِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا امْتَحَنَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ ; لِيُظْهِرَ إِبْطَالَ حَالِهِ لِلصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ فَيُلْقِي عَلَى لِسَانِهِ، (وَخَبَّأَ لَهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ، الْجُمْلَةُ حَالٌ بِتَقْدِيرٍ أَوْ بِدُونِهِ (فَقَالَ: " هُوَ الدُّخُّ ") : بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ، وَحُكِيَ الْكَسْرُ أَيْضًا، فَفِي النِّهَايَةِ: الدُّخُّ بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا الدُّخَانُ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ، وَقِيلَ إِنَّ عِيسَى يَقْتُلُ الدَّجَّالَ بِجَبَلِ الدُّخَانِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَهُ تَعْرِيضًا لِقَتْلِهِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الدَّخُّ وَيُضَمُّ الدُّخَانُ. أَقُولُ: وَلَوْ رُوِيَ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْخَاءِ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ فِي أَنَّهُ رَمْزٌ وَإِشَارَةٌ إِلَى الدُّخَانِ وَتَصْرِيحٌ بِنُقْصَانِ إِدْرَاكِهِ، كَمَا هُوَ دَأْبُ الْكُهَّانِ.

стр. 7607

وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَهُوَ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي الدُّخَانِ، وَمَعْنَى خَبَّأْتُ أَضْمَرْتُ لَكَ اسْمَ الدُّخَانِ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَضْمَرَ لَهُ آيَةَ الدُّخَانِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي أَضْمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا بِهَذَا اللَّفْظِ النَّاقِصِ عَلَى عَادَةِ الْكُهَّانِ إِذَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ إِلَيْهِمْ بِقَدْرِ مَا يَخْطِفُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الشِّهَابُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ عَنْهُ. (فَقَالَ: " اخْسَأْ ") : بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ كُلُّهُ زَجْرٌ وَاسْتِهَانَةٌ أَيِ: امْكُثْ صَاغِرًا، أَوِ ابْعُدْ حَقِيرًا وَاسْكُتْ مَزْجُورًا، مِنَ الْخُسُوءِ وَهُوَ زَجْرُ الْكَلْبِ، (" فَلَنْ تَعْدُوهَا ") : بِضَمِّ الدَّالِ أَيْ: فَلَنْ تُجَاوِزَ (" قَدْرَكَ ") أَيِ: الْقَدْرَ الَّذِي يُدْرِكُهُ الْكُهَّانُ مِنَ الِاهْتِدَاءِ إِلَى بَعْضِ الشَّيْءِ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ لَا تَتَجَاوَزُ عَنْ إِظْهَارِ الْخَبِيآتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، كَمَا هُوَ دَأْبُ الْكَهَنَةِ إِلَى دَعْوَى النُّبُوَّةِ، فَتَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. أَقُولُ: وَحَاصِلُ الْجُمْلَةِ وَزُبْدَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّكَ وَإِنْ أَخْبَرْتَ عَنِ الْخَبِيءِ، فَلَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تُجَاوِزَ عَنِ الْحَدِّ الَّذِي حُدَّ لَكَ، يُرِيدُ أَنَّ الْكَهَانَةَ لَا تَرْفَعُ بِصَاحِبِهَا عَنِ الْقَدْرِ الَّذِي عَلَيْهِ هُوَ، وَإِنْ أَصَابَ فِي كَهَانَتِهِ. (قَالَ عُمَرُ) : فِيهِ الْتِفَاتٌ أَوْ تَجْرِيدٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ مُصَاحِبًا لَهُمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَأْذَنُ لِي فِيهِ) أَيْ: فِي حَقِّهِ (أَضْرِبْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَلْأَضْرِبْ، وَفِي أُخْرَى: أَنْ أَضْرِبَ (عُنُقَهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنْ يَكُنْ هُوَ ") أَيِ: الدَّجَّالُ (" لَا تُسَلَّطْ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَجْزُومًا، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: لَا تَقْدِرْ (" عَلَيْهِ ") أَيْ: عَلَى هَلَاكِهِ ; لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ أَنَّ قَاتِلَهُ عِيسَى ﵊ فِيمَا سَيَأْتِي مِنَ الْأَيَّامِ (" وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ ") أَيْ: لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ صَغِيرًا أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ كَوْنِ كَلَامِهِ مُحْتَمَلًا، أَقُولُ: وَأَوْسَطُهَا أَعْدَلُهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَمَّا كَانَ فِيهِ قَرَائِنُ دَالَّةٌ عَلَى كَوْنِهِ الدَّجَّالَ، ذَكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ بِصُورَةِ الشَّدِّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُهُ: إِنْ يَكُنْ هُوَ الضَّمِيرُ لِلدَّجَّالِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَسْتَ صَاحِبَهُ ; إِنَّمَا صَاحِبُهُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَإِلَّا يَكُنْ هُوَ، فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَقْتُلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ، وَهُوَ خَبَرُ كَانَ، وَاسْمُهُ مُسْتَكِنٌّ فِيهِ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُكِنَّهُ، فَوَضَعَ الْمَرْفُوعَ الْمُنْفَصِلَ مَوْضِعَ الْمَنْصُوبِ الْمُتَّصِلِ، عَكْسُ قَوْلِهِمْ: لَوْلَاهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْمُسْتَكِنِّ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفًا عَلَى تَقْدِيرِ: إِنْ يَكُنْ هُوَ هَذَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ إِنْ يَكُنْ هُوَ الدَّجَّالَ، وَهُوَ ضَمِيرُ فَصْلٍ أَوْ هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالدَّجَّالُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ انْتَهَى. وَعَلَى الْأَخِيرِ يَكُونُ فِي يَكُنْ ضَمِيرُ الشَّأْنِ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ) : بِالرَّفْعِ لِلْعَطْفِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ لِلْمَعِيَّةِ (يَؤُمَّانِ النَّخْلَ) : مِنْ أَمَّهُ يَؤُمُّهُ إِذَا قَصَدَهُ أَيْ: يَقْصِدَانِ النَّخِيلَ (الَّتِي فِيهَا) أَيْ فِيمَا بَيْنَهَا أَوْ فِي بُسْتَانِهَا (ابْنُ صَيَّادٍ، فَطَفِقَ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ: شَرَعَ (رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَّقِي) أَيْ: يَسْتُرُ نَفْسَهُ (بِجُذُوعِ النَّخْلِ) أَيْ: وَيَتَخَبَّأُ عَنِ ابْنِ صَيَّادٍ ; لِيَأْخُذَهُ عَلَى غِرَّةٍ وَغَفْلَةٍ، فَإِنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ أَدَلُّ عَلَى بُطْلَانِ الرُّهْبَانِ، (وَهُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَخْتِلُ) : بِسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ مِنَ الْخَتْلِ، وَهُوَ طَلَبُ الشَّيْءِ بِحِيلَةٍ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: يَخْدَعُ ابْنَ صَيَّادٍ (أَنْ يَسْمَعَ) أَيْ: لِيَسْمَعَ (مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ) أَيْ: يَعْلَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ حَالَهُ فِي أَنَّهُ كَاهِنٌ أَمْ سَاحِرٌ وَنَحْوُهُمَا.

стр. 7608

قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَفِيهِ جَوَازُ كَشْفِ أَحْوَالِ مَا يُخَافُ مَفْسَدَتُهُ وَكَشْفِ الْأُمُورِ الْمُبْهَمَةِ بِنَفْسِهِ، (وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ) أَيْ: دِثَارٍ مُخَمَّلٍ، وَقِيلَ لِحَافٍ صَغِيرٍ، (لَهُ فِيهَا زَمْزَمَةٌ) . قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هُوَ فِي مُعْظَمِ نُسَخِ مُسْلِمٍ بِزَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ، وَفِي بَعْضِهَا بِرَائَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ بِالْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ صَوْتٌ خَفِيٌّ لَا يَكَادُ يُفْهَمُ أَوْ لَا يُفْهَمُ. قَالَ شَارِحٌ: هِيَ صَوْتٌ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ صَوْتُ الرَّعْدِ. (فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ. فَقَالَتْ: أَيْ) : لِلنِّدَاءِ (صَافُ -) : بِالضَّمِّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ صَافِي، فَحُذِفَ الْيَاءُ وَاكْتُفِيَ بِالْكَسْرَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: (وَهُوَ اسْمُهُ -) : وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ بِمَعْنَى الْوَصْفِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ مِنْ نَحْوِ اللَّقَبِ وَالْعَلَمِ (هَذَا) أَيْ: وَرَاءَكَ (مُحَمَّدٌ) ، أَوْ جَاءَكَ فَتَنَبَّهْ لَهُ، (فَتَنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ) أَيِ: انْتَهَى عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الزَّمْزَمَةِ وَسَكَتَ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ تَرَكَتْهُ ") أَيْ: أَمُّهُ (" بَيَّنَ ") أَيْ أَظْهَرَ مَا فِي نَفْسِهِ، كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: أَيْ بَيَّنَ لَكُمْ بِاخْتِلَافِ كَلَامِهِ مَا يُهَوِّنُ عَلَيْكُمْ شَأْنَهُ. (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) : الظَّاهِرُ أَنَّ مَا سَيَأْتِي حَدِيثٌ آخَرُ ذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا ; وَلِذَا لَمْ يَأْتِ بِعَاطِفَةٍ، وَقَالَ: (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: " إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ ") أَيْ: بَعْدَ نُوحٍ، (" لَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ ") أَيْ: قَبْلَ الْأَنْبِيَاءِ، (" وَلَكِنَّنِي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ، تَعْلَمُونَ ") : خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيِ: اعْلَمُوا (" أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ ") : بِالْفَتْحِ لِلْعَطْفِ، وَبِالْكَسْرِ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ حَالِيَّةٌ (" لَيْسَ بِأَعْوَرَ ") أَيْ: لَا بِالْأَمْرِ الْبَدِيهِيِّ فِي التَّنْزِيهِ الْإِلَهِيِّ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يُحْتَمَلُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يُكَاشَفْ أَوْ يُخْبَرْ بِأَنَّهُ أَعْوَرُ، وَيُحْتَمَلْ أَنَّهُ أُخْبِرَ، وَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْهُ كَرَامَةً لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ بِهَذَا الْوَصْفِ دُحُوضَ حُجَّتِهِ الدَّاحِضَةِ وَيُبَصِّرُ بِأَمْرِهِ جُهَّالَ الْعَوَامِّ، فَضْلًا عَنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ وَالْأَفْهَامِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالُوا: قِصَّتُهُ مُشْكِلَةٌ، وَأَمْرُهُ مُشْتَبِهٌ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ أَمْ غَيْرُهُ؟ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ دَجَّالٌ مِنَ الدَّجَاجِلَةِ. قَالُوا: وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ وَلَا غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِفَاتِ الدَّجَّالِ، وَكَانَ لِابْنِ صَيَّادٍ قَرَائِنُ مُحْتَمِلَةٌ ; فَلِذَلِكَ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَقْطَعُ بِأَنَّهُ الدَّجَّالُ وَلَا غَيْرُهُ ; وَلِهَذَا قَالَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَا يُولَدُ الدَّجَّالُ وَقَدْ وُلِدَ لَهُ، وَأَنْ لَا يَدْخُلَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، وَابْنُ صَيَّادٍ قَدْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَكَّةَ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ صِفَاتِهِ وَقْتَ فِتْنَتِهِ وَخُرُوجِهِ فِي الْأَرْضِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَمْرِهِ بَعْدَ كِبَرِهِ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كَشَفُوا عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ، وَقِيلَ لَهُمْ: اشْهَدُوا. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ يَحْلِفَانِ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ لَا يَشُكَّانِ فِيهِ، فَقِيلَ لِجَابِرٍ: إِنَّهُ أَسْلَمَ، فَقَالَ: وَإِنْ أَسْلَمَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: وَإِنْ دَخَلَ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: فَقَدْنَا ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَهَذَا يُبْطِلُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ جَابِرًا حَلَفَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ، وَأَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَحْلِفُ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُنْكِرْهُ.

стр. 7609

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ " الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ ": اخْتَلَفُوا فِي أَمْرِ ابْنِ صَيَّادٍ اخْتِلَافًا كَثِيرًا هَلْ هُوَ الدَّجَّالُ أَمْ لَا، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُهُ احْتَجَّ بِحَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي قِصَّةِ الْجَسَّاسَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَافَقَ صِفَةُ ابْنِ صَيَّادٍ وَصِفَةُ الدَّجَّالِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ أَشْبَهَ النَّاسِ بِالدَّجَّالِ عَبْدُ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، وَلَيْسَ هُوَ هُوَ. قَالَ: وَكَانَ أَمْرُ ابْنِ صَيَّادٍ فِتْنَةً ابْتَلَى اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ، فَعَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا الْمُسْلِمِينَ وَوَقَاهُمْ شَرَّهًا. قَالَ: وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ تَمِيمٍ، هَذَا كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ، قَدِ اخْتَارَ أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ أَنَّهُ الدَّجَّالُ، فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَقْتُلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَنَّهُ ادَّعَى بِحَضْرَتِهِ النُّبُوَّةَ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ هَذَا الْجَوَابَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ فِي أَيَّامِ مُهَادَنَةِ الْيَهُودِ وَحُلَفَائِهِمْ، وَجَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِالْجَوَابِ الثَّانِي، قَالَ: لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ كَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِ كِتَابَ الصُّلْحِ، عَلَى أَنْ يُتْرَكُوا عَلَى حَالِهِمْ، وَكَانَ ابْنُ صَيَّادٍ مِنْهُمْ أَوْ دَخِيلًا فِيهِمْ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَأَمَّا امْتِحَانُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا خَبَّأَهُ لَهُ مِنْ آيَةِ الدُّخَانِ ; فَلِأَنَّهُ كَانَ يَبْلُغُهُ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْكَهَانَةِ وَيَتَعَاطَاهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي الْغَيْبِ، فَامْتَحَنَهُ لِيَعْلَمَ حَقِيقَةَ حَالِهِ، وَيُظْهِرَ إِبْطَالَ حَالِهِ لِلصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ كَاهِنٌ سَاحِرٌ يَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ، فَيُلْقِي عَلَى لِسَانِهِ مَا يُلْقِيهِ الشَّيَاطِينُ إِلَى الْكَهَنَةِ فَامْتَحَنَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ، أَيْ: لَا تَتَجَاوَزُ قَدْرَكَ وَقَدْرَ أَمْثَالِكَ مِنَ الْكُهَّانِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِنْ جُمْلَةٍ كَثِيرَةٍ، بِخِلَافِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهُ يُوحِي اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ مَا يُوحِي ; فَيَكُونُ وَاضِحًا جَلِيًّا كَامِلًا، وَبِخِلَافِ مَا يُلْهِمُ اللَّهُ الْأَوْلِيَاءَ مِنَ الْكَرَامَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

стр. 7610

٥٤٩٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «لَقِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يَعْنِي ابْنَ صَيَّادٍ - فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ " فَقَالَ هُوَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " آمَنْتُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، مَاذَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ وَمَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا، أَوْ كَاذِبَيْنِ وَصَادِقًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لُبِسَ عَلَيْهِ، فَدَعُوهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٤٩٥ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَقِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ أَبُو سَعِيدٍ بِالضَّمِيرِ الْبَارِزِ (ابْنَ صَيَّادٍ -) : وَالْمَعْنَى لَقُوهُ (فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ " فَقَالَ هُوَ) أَيِ: ابْنُ صَيَّادٍ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ فِي فَقَالَ: (أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ "، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " آمَنْتُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ") : تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، (" مَاذَا تَرَى؟ " قَالَ: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ ") ، أَقُولُ: قَدْ جَرَى لِبَعْضِ الْمُكَاشَفِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ (" وَمَا تَرَى؟ ") أَيْ: غَيْرَ هَذَا (قَالَ: أَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا، أَوْ كَاذِبَيْنِ وَصَادِقًا) أَيْ: يَأْتِينِي شَخْصَانِ يُخْبِرَانِي بِمَا هُوَ صِدْقٌ، وَشَخْصٌ يُخْبِرُنِي بِمَا هُوَ كَذِبٌ، وَالشَّكُّ مِنِ ابْنِ الصَّيَّادِ فِي عَدَدِ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ يَدُلُّ عَلَى افْتِرَائِهِ ; إِذِ الْمُؤَيَّدُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) أَيْ: لِأَصْحَابِهِ (" لُبِسَ ") : بِضَمِّ لَامٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ مُخَفَّفَةٍ، وَلَوْ شُدِّدَ لَأَفَادَ التَّأْكِيدَ وَالتَّكْثِيرَ أَيْ: خُلِطَ (" عَلَيْهِ الْأَمْرُ ") : فِي كَهَانَتِهِ (" فَدَعُوهُ ") أَيْ: فَاتْرُكُوهُ فَإِنَّهُ لَا يُحَدِّثُ بِشَيْءٍ يَصْلُحُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7611

٥٤٩٦ - وَعَنْهُ: «أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَقَالَ: " دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ، مِسْكٌ خَالِصٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٤٩٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ) أَيْ: مَا تُرَابُهَا (فَقَالَ: " دَرْمَكَةٌ ") ، فِي الْقَامُوسِ: الدَّرْمَكُ كَجَعْفَرٍ دَقِيقُ الْحُوَّارَى، وَالتُّرَابُ النَّاعِمُ، (" بَيْضَاءُ ") : صِفَةٌ مُؤَكَّدَةٌ (" مِسْكٌ خَالِصٌ ") : خَبَرٌ ثَانٍ. وَفِي النِّهَايَةِ: الدَّرْمَكَةُ الدَّقِيقُ الْحُوَّارَى، شَبَّهَ تُرْبَةَ الْجَنَّةِ بِهَا لِبَيَاضِهَا وَنُعُومَتِهَا، وَبِالْمِسْكِ لِطِيبِهَا انْتَهَى. وَيُقَالُ: دَقِيقُ حُوَّارَى بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، هُوَ مَا حُوِّرَ أَيْ بُيِّضَ مِنَ الطَّعَامِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7612

٥٤٩٧ - وَعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَيَّادٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ قَوْلًا أَغْضَبَهُ، فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ، فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حَفْصَةَ وَقَدْ بَلَغَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ مَا أَرَدْتَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٤٩٧ - (وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَيَّادٍ) أَيْ: رَآهُ (فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ لَهُ (قَوْلًا أَغْضَبُهُ) أَيِ: الْقَوْلُ مَجَازًا، أَوِ ابْنُ عُمَرَ، (فَانْتَفَخَ) أَيْ: صَارَ ذَا نَفْخٍ مِنَ الْغَضَبِ (حَتَّى مَلَأَ) أَيْ: جَسَدُهُ الْمُنْتَفِخُ (السِّكَّةَ) : بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ أَيِ: الطَّرِيقَ (فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حَفْصَةَ) : وَهِيَ أُخْتُهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ (وَقَدْ بَلَغَهَا) أَيْ: وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهَا مَا جَرَى بَيْنَهُمَا، (فَقَالَتْ لَهُ) أَيْ: لِأَخِيهَا (رَحِمَكَ اللَّهُ) : جُمْلَةٌ دُعَائِيَّةٌ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِ مِثْلِهَا لِلْأَحْيَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ الْآنَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ (مَا أَرَدْتَ) : مَا: اسْتِفْهَامٌ مَفْعُولُ أَرَدْتَ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ قَصَدْتَ (مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ) ؟ أَيْ: حَيْثُ أَغْضَبْتَهُ فِي الْكَلَامِ (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّمَا يَخْرُجُ ") أَيِ: الدَّجَّالُ حِينَ يَخْرُجُ (" مِنْ غَضْبَةٍ ") : بِسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: مِنْ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْغَضَبِ (" يَغْضَبُهَا ") : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ وَالضَّمِيرُ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ، أَيْ: أَنَّهُ يَغْضَبُ غَضْبَةً فَيَخْرُجُ بِسَبَبِ غَضَبِهِ فَيَدَّعِي النُّبُوَّةَ ; فَلَا تُغْضِبْهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَلَا تَتَكَلَّمْ مَعَهُ كَيْلَا يَخْرُجَ فَتَظْهَرَ الْفِتَنُ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي إِنَّمَا يَخْرُجُ الدَّجَّالُ حِينَ يَغْضَبُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7613

٥٤٩٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «صَحِبْتُ ابْنَ صَيَّادٍ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لِي: مَا لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ؟ ! يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ، أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّهُ لَا يُولَدُ لَهُ "؟ وَقَدْ وُلِدَ لِي، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ: " هُوَ كَافِرٌ؟ " وَأَنَا مُسْلِمٌ، أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ: " لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ؟ " وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ لِي فِي آخِرِ قَوْلِهِ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ وَمَكَانَهُ وَأَيْنَ هُوَ، وَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: فَلَبَسَنِي، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، قَالَ: وَقِيلَ لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ ذَاكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: فَقَالَ: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٤٩٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ صَيَّادٍ إِلَى مَكَّةَ) أَيْ: مُتَوَجِّهِينَ إِلَيْهَا (فَقَالَ لِي: مَا لَقِيتُ) : مَا: اسْتِفْهَامُ تَعْجِيبٍ، أَيْ: شَيْئًا عَظِيمًا لَقِيتُ (مِنَ النَّاسِ) ؟ أَيْ مِنْ كَلَامِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ) أَيْ: وَلَسْتُ إِيَّاهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: يَزْعُمُونَ اسْتِئْنَافٌ، كَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: مَا لَقِيتُ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ؟ قِيلَ لَهُ: مَاذَا تَشْكُو مِنْهُمْ؟ فَقَالَ يَزْعُمُونَ، أَوْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ لَقِيتُ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ وَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ كَذَا أَيْ: يَتَرَدَّدُونَ فِي أَمْرِي، وَيَشُكُّونَ فِيهِ، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ (أَلَسْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " لَا يُولَدُ لَهُ " وَقَدْ وُلِدَ لِي، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ: " هُوَ كَافِرٌ؟ " وَأَنَا مُسْلِمٌ، أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ: " لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ " وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ) ، وَقَدْ سَبَقَ تَأْوِيلَاتُ الْجُمَلِ الْمَذْكُورَةِ، (ثُمَّ قَالَ لِي فِي آخِرِ قَوْلِهِ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ) أَيْ: لَأَعْرِفُ (مَوْلِدَهُ) أَيْ: زَمَانَ وِلَادَةِ الدَّجَّالِ (وَمَكَانَهُ) أَيْ: حِينَئِذٍ (وَأَيْنَ هُوَ) أَيِ: الْآنَ (وَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ) : فِيهِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا وَصَادِقًا فِيهِ، (قَالَ) أَيْ: أَبُو سَعِيدٍ (فَلَبَسَنِي) بِتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هُوَ بِالتَّخْفِيفِ أَيْ جَعَلَنِي أَلْتَبِسُ عَلَى أَمْرِهِ، وَأَشُكُّ فِيهِ، يَعْنِي حَيْثُ قَالَ أَوَّلًا: اعْلَمْ أَنَا مُسْلِمٌ، ثُمَّ ادَّعَى الْغَيْبَ بِقَوْلِهِ: إِنِّي لَأَعْلَمُ، وَمَنِ ادَّعَى عِلْمَ الْغَيْبِ فَقَدْ كَفَرَ ; فَالْتَبَسَ عَلَيَّ إِسْلَامُهُ وَكُفْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَلَبَّسَنِي مِنَ التَّلْبِيسِ أَيِ التَّخْلِيطِ ; حَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْ مَوْلِدَهُ وَمَوْضِعَهُ، بَلْ تَرَكَهُ مُلْتَبِسًا فَلُبِّسَ عَلَيَّ، أَوْ مَعْنَاهُ: أَوْقَعَنِي فِي الشَّكِّ بِقَوْلِهِ: وُلِدَ لِي،: وَبِدُخُولِهِ الْمَدِينَةَ وَمَكَّةَ، وَكَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ الدَّجَّالُ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو سَعِيدٍ (قُلْتُ لَهُ) أَيْ: لِابْنِ صَيَّادٍ (تَبًّا) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ هَلَاكًا وَخُسْرَانًا (لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ) أَيْ: جَمِيعَ الْيَوْمِ أَوْ بَاقِيَهُ، أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْيَوْمِ قَدْ خَسِرْتَ فِيهِ، فَكَذَا فِي بَاقِيهِ، (قَالَ) أَيْ: أَبُو سَعِيدٍ (وَقِيلَ لَهُ) أَيْ: لِابْنِ صَيَّادٍ (أَيَسُرُّكَ) أَيْ: أَيُوقِعُكَ فِي السُّرُورِ وَيُفْرِحُكَ وَيُعْجِبُكَ (أَنَّكَ ذَاكَ الرَّجُلُ) أَيْ: تَكُونُ الدَّجَّالَ، (قَالَ) أَيْ: أَبُو سَعِيدٍ (فَقَالَ) أَيِ: ابْنُ صَيَّادٍ (لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا جُبِلَ فِي الدَّجَّالِ مِنَ الْإِغْوَاءِ وَالْخَدِيعَةِ وَالتَّلْبِيسِ عَلَيَّ (" مَا كَرِهْتُ ") أَيْ: بَلْ قَبِلْتُ، وَالْحَاصِلُ رِضَاهُ بِكَوْنِهِ الدَّجَّالَ، وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى كُفْرِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّرَّاحِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7614

٥٤٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَقِيتُهُ وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ فَقُلْتُ: مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قُلْتُ: لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ، قَالَ: فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ سَمِعْتُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٤٩٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَقِيتُهُ) أَيِ: ابْنَ صَيَّادٍ (وَقَدْ نَفَرَتْ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ: وَرِمَتْ (عَيْنُهُ) : كَأَنَّ الْجِلْدَ يَنْفِرُ مِنَ اللَّحْمِ لِلدَّاءِ الْحَادِثِ بَيْنَهُمَا. قَالَ شَارِحٌ: وَرُوِيَ بِالْقَافِ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيِ: اسْتُخْرِجَتْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْقَافِ، أَيْ: وَرِمَتْ وَنَتَأَتْ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ وُجُوهًا أُخَرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَصْحِيفٌ. (قُلْتُ: مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ) : أَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى الْعَيْنِ مَجَازًا، وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ، وَالْمَعْنَى مَتَى فَعَلَ اللَّهُ بِعَيْنِكَ (مَا أَرَى) ؟ أَيِ: الَّذِي أَرَاهُ فِيهَا مِنَ الْوَرَمِ، وَكَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى ابْنِ صَيَّادٍ يَخْتَبِرُهُ أَوْ يُوَافِقُهُ أَوْ يُخَالِفُهُ، (قَالَ: لَا أَدْرِي، قُلْتُ: لَا تَدْرِي) : بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ (وَهِيَ فِي رَأْسِكَ) ؟ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَهَذَا اسْتِبْعَادٌ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْإِمْكَانِ، بَلْ مِنْ أَبْدَعِ مَا كَانَ أَنَّهُ يَحْدُثُ فِي عَيْنِهِ شَيْءٌ وَلَا يَدْرِي ; فَإِنَّهُ إِذَا جَاءَ الْقَدَرُ عَمِيَ الْبَصَرُ، لَا سِيَّمَا وَكُلُّ أَحَدٍ أَعْجَمِيٌّ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ، بَصِيرٌ بِعُيُوبِ غَيْرِهِ، يَرَى الْقَذَى فِي عَيْنِ النَّاسِ، وَلَا يَرَى الْجِذْعَ فِي بَاصِرَتِهِ. (قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا) أَيْ: هَذِهِ الْعِلَّةَ أَوْ هَذِهِ الْعَيْنَ الْمَعِيبَةَ (فِي عَصَاكَ) أَيْ: بِحَيْثُ لَا تَدْرِي بِهَا، وَهِيَ أَقْرَبُ شَيْءٍ إِلَيْكَ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: قَوْلُ ابْنِ صَيَّادٍ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكَ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ بِحَالٍ لَا يَكُونُ لَهُ شُعُورٌ بِحَالِهَا، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُسْتَغْرِقًا فِي أَفْكَارِهِ بِحَيْثُ يَشْغَلُهُ عَنِ الْإِحْسَاسِ بِهَا، وَالتَّذَكُّرِ لِأَحْوَالِهَا؟ قُلْتُ: وَنَظِيرُهُ قَطْعُ عُضْوٍ مَأْكُولَةٍ مِنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ حَالَةَ كَوْنِهِ مِنَ الْمُصَلِّينَ، مُسْتَغْرِقًا فِي بُلُوغِ مَدَارِجِ مُشَاهَدَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَطُلُوعِ مِعْرَاجِ مُنَاجَاةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَمَا يُشَاهَدُ مِنْ آحَادِ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَحِسُّ بِأَلَمِ الْجُوعِ فَرَحًا أَوْ حُزْنًا وَغَيْرِ ذَلِكَ. (قَالَ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (فَنَخَرَ) أَيِ: ابْنُ صَيَّادٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: صَوَّتَ صَوْتًا مُنْكَرًا، (كَأَشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ) ، قَالَ شَارِحٌ: هُوَ صَوْتُ الْأَنْفِ، يَعْنِي مَدَّ النَّفَسِ فِي الْخَيْشُومِ، (سَمِعْتُ) : بِالضَّمِّ أَيْ: سَمِعْتُ مِنْهُ صَوْتًا مُنْكَرًا، فَإِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَأَشَدِّ نَخِيرٍ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ نَخَرَ نَخْرَةً إِلَى آخِرِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7615

٥٥٠٠ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: «رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصَّيَّادِ الدَّجَّالُ، قُلْتُ: تَحْلِفُ بِاللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٥٠٠ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) : تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ، (قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصَّيَّادِ) : بِكَسْرِ الْهَمْزِ، وَتَعْرِيفُ صَيَّادٍ فِي الْأُصُولِ (الدَّجَّالُ) أَيْ: هُوَ الدَّجَّالُ (قُلْتُ: تَحْلِفُ بِاللَّهِ) ؟ أَيْ: أَتَحْلِفُ مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ مَظْنُونٌ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِهِ. (قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: عَلَى أَنَّ ابْنَ الصَّيَّادِ الدَّجَّالُ (عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا لَأَنْكَرَهُ، أَيْ: وَلَمْ يَجُزِ الْيَمِينُ عَلَى مَا يَغْلِبُ بِهِ الظَّنُّ لِمَا سُكِتَ عَنْهُ، قِيلَ: لَعَلَّ عُمَرَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الصَّيَّادِ مِنَ الدَّجَّالِينَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ، فَيَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ، أَوْ يُضِلُّونَ النَّاسَ وَيُلْبِسُونَ الْأَمْرَ عَلَيْهِمْ، لَا أَنَّهُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَدَّدَ ; حَيْثُ قَالَ: إِنْ يَكُنْ هُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، وَلَكِنْ فِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادِرَ مِنْ إِطْلَاقِ الدَّجَّالِ هُوَ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ، فَالْوَجْهُ حَمْلُ يَمِينِهِ عَلَى الْجَوَازِ عِنْدَ غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ شَارِحًا قَالَ: قَوْلُهُ: فَلَمْ يُنْكِرْهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَفَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ حَذَّرَ النَّاسَ عَنْهُ مِنَ الدَّجَّالِينَ بِقَوْلِهِ: " «يَخْرُجُ فِي أُمَّتِي دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ» "، وَابْنُ صَيَّادٍ لَمْ يَكُنْ خَارِجًا مِنْ جُمْلَتِهِمْ ; لِأَنَّهُ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بِمَحْضَرٍ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَكُنْ حَلِفُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مُخَالِفًا لِلْحَقِيقَةِ، أَوْ يُرِيدُ أَنَّ فِيهِ صِفَةَ الدَّجَّالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7616

الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٥٠١ - عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَشُكُّ أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ابْنُ الصَّيَّادِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) . ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٥٠١ - (عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَشُكُّ) أَيْ: لَا أَتَرَدَّدُ (أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ابْنُ صَيَّادٍ) أَيْ: هُوَ هُوَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِاللَّامِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) .

стр. 7617

٥٥٠٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَدْ فَقَدْنَا ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٥٥٠٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدْ فَقَدْنَا ابْنَ صَيَّادٍ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: قَدْ فُقِدَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَضَمِّ ابْنِ صَيَّادٍ (يَوْمَ الْحَرَّةِ) : هُوَ يَوْمُ غَلَبَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمُحَارَبَتِهِ إِيَّاهُمْ. قِيلَ: هَذَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَهُوَ مُخَالِفٌ ; إِذْ يَلْزَمُ مِنْ فَقْدِهِ الْمُحْتَمَلِ مَوْتُهُ بِهَا وَبِغَيْرِهَا، وَكَذَا بَقَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَى حِينِ خُرُوجِهِ عَدَمُ جَزْمِ مَوْتِهِ بِالْمَدِينَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

стр. 7618

٥٥٠٣ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَمْكُثُ أَبَوَا الدَّجَّالِ ثَلَاثِينَ عَامًا، لَا يُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضْرَسُ، وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ ". ثُمَّ نَعَتَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ، فَقَالَ: " أَبُوهُ طُوَالٌ ضَرْبُ اللَّحْمِ، كَأَنَّ أَنْفَهُ مِنْقَارٌ، وَأُمُّهُ امْرَأَةٌ فِرْضَاخِيَّةٌ طَوِيلَةُ الْيَدَيْنِ ". فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ فِي الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ، فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ، فَإِذَا نَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمَا، فَقُلْنَا: هَلْ لَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَا: مَكَثْنَا ثَلَاثِينَ عَامًا، لَا يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ، ثُمَّ وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضْرَسُ، وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ: فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمَا، فَإِذَا هُوَ مُنْجَدِلٌ فِي الشَّمْسِ فِي قَطِيفَةٍ، وَلَهُ هَمْهَمَةٌ، فَكَشَفَ عَنْ رَأْسِهِ فَقَالَ: مَا قُلْتُمَا؟ قَالَ: هَلْ سَمِعْتَ مَا قُلْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٥٠٣ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) : بِالتَّاءِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَمْكُثُ أَبَوَا الدَّجَّالِ ") أَيْ: وَالِدَاهُ (" ثَلَاثِينَ عَامًا ") ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ أَحَدُ الدَّجَّالِينَ ; فَلَا يُنَافِيهِ مَا سَبَقَ، وَلَا مَا يَأْتِي مِنَ الْكَلَامِ (" لَا يُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضْرَسُ ") أَيْ: عَظِيمُ الضِّرْسِ، وَهُوَ السِّنُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّابُ لِمَا سَيَأْتِي، (" وَأَقَلُّهُ ") أَيْ: وَأَقَلُّ غُلَامٍ (" مَنْفَعَةً ") ، وَالْمَعْنَى: لَا غُلَامَ أَقَلُّ مِنْهُ نَفْعًا. قَالَ الْجَزَرِيُّ: قَوْلُهُ: أَضْرَسُ كَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ أَيْ عَظِيمُ الضِّرْسِ، أَوِ الَّذِي يُولَدُ وَضِرْسُهُ مَعَهُ، وَلَا شَكَّ عِنْدِي أَنَّهُ تَصْحِيفُ أَضَرُّ شَيْءٍ، وَكَذَا هُوَ فِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ الَّذِي أَخَذَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْهُ، وَبِهَذَا يَصِحُّ عَطْفُ وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَعَسُّفٍ وَلَا تَكَلُّفِ تَقْدِيرٍ، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى شَيْءٍ، أَيْ: أَقَلُّ شَيْءٍ مَنْفَعَةً. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ أَوْرَدَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ نَاقِلًا عَنْ أَبِي دَاوُدَ، وَفِيهِ: غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضَرُّ شَيْءٍ وَأَقَلُّهُ نَفْعًا، (" تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ ") ، قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَيْ لَا تَنْقَطِعُ أَفْكَارُهُ الْفَاسِدَةُ عَنْهُ عِنْدَ النَّوْمِ ; لِكَثْرَةِ وَسَاوِسِهِ وَتَخَيُّلَاتِهِ وَتَوَاتُرِ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ إِلَيْهِ، كَمَا لَمْ يَكُنْ يَنَامُ قَلْبُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَفْكَارِهِ الصَّالِحَةِ ; بِسَبَبِ مَا تَوَاتَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَحْيِ وَالْإِلْهَامِ. (ثُمَّ نَعَتَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَوَيْهِ فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (" أَبُوهُ طُوَالٌ ") : بِضَمِّ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ مُبَالَغَةُ طَوِيلٍ، وَالْمُشَدَّدُ أَكْثَرُ مُبَالَغَةً، لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الرِّوَايَةُ (" ضَرْبُ اللَّحْمِ ") أَيْ: خَفِيفُهُ، وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْخَفِيفُ اللَّحْمِ الْمُسْتَدَقُّ، وَفِي صِفَةِ مُوسَى ﵊ أَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ (" كَأَنَّ ") : بِتَشْدِيدِ النُّونِ (" أَنْفَهُ مِنْقَارٌ ") : بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: فِي أَنْفِهِ طُولٌ بِحَيْثُ يُشْبِهُ مِنْقَارَ طَائِرٍ، (" وَأُمُّهُ امْرَأَةٌ فِرْضَاخِيَّةٌ ") : بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ: ضَخْمَةٌ عَظِيمَةٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَفِي الْفَائِقِ: هِيَ صِفَةٌ بِالضَّخْمِ، وَقِيلَ بِالطُّولِ، وَالْيَاءُ مَزِيدَةٌ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ كَأَحْمَرِيٍّ، وَفِي الْقَامُوسِ: رَجُلٌ فِرْضَاخٌ ضَخْمٌ عَرِيضٌ أَوْ طَوِيلٌ، وَهِيَ بِهَاءٍ، وَامْرَأَةٌ فِرْضَاخَةٌ أَوْ فِرْضَاخِيَّةٌ عَظِيمَةُ الثَّدْيَيْنِ، وَفِي النِّهَايَةِ: فِرْضَاخِيَّةٌ ضَخْمَةٌ عَظِيمَةُ الثَّدْيَيْنِ، (" طَوِيلَةُ الْيَدَيْنِ ") أَيْ: بِالْإِضَافَةِ إِلَى عَادَةِ نِسَائِهَا، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِرِ أَعْضَائِهَا.

стр. 7619

(فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ فِي الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ، فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ) : بِالرَّفْعِ أَوِ النَّصْبِ (حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ، فَإِذَا نَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ: وَصْفُهُ (- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمَا، فَقُلْنَا: هَلْ لَكُمَا وَلَدٌ) ؟ بِالرَّفْعِ أَيْ: وُلِدَ وَلَدٌ، (فَقَالَا: مَكَثْنَا) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا أَيْ: لَبِثْنَا (ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ ثُمَّ وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضْرَسُ) ، فِيهِ مَا تَقَدَّمَ (وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ) ، وَلَعَلَّهُ كَانَ يَظْهَرُ بَعْضُ آثَارِ قَلْبِهِ عَلَى صَفْحَةِ قَالِبِهِ، أَوْ هُوَ أَخْبَرَهُمَا عَنْ بَعْضِ مُدْرَكَاتِ قَلْبِهِ حَالَ نَوْمِهِ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو بَكْرَةَ (فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمَا، فَإِذَا هُوَ) أَيِ: الْغُلَامُ (مُنْجَدِلٌ) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ: مُلْقًى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ مُلْقًى عَلَى الْجَدَالَةِ، وَهِيَ الْأَرْضُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: " «أَنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَآدَمُ الْمُنْجَدِلُ فِي طِينَتِهِ» ". قُلْتُ فَفِيهِ تَجْرِيدٌ أَوْ تَأْكِيدٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَاقِطٌ أَوْ وَاقِعٌ (فِي الشَّمْسِ فِي قَطِيفَةٍ) أَيْ: دِثَارٍ مُخْمَلٍ، وَقِيلَ لِحَافٍ صَغِيرٍ، (لَهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، (وَلَهُ هَمْهَمَةٌ) أَيْ: زَمْزَمَةٌ، وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ كَلَامٌ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ تَرْدِيدُ الصَّوْتِ فِي الصَّدْرِ، أَيْ: كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي الْفَرَسِ عِنْدَ جَرَيَانِهِ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَأَصْلُ الْهَمْهَمَةِ صَوْتُ الْبَقَرِ، (فَكَشَفَ) أَيِ: ابْنُ صَيَّادٍ (عَنْ رَأْسِهِ) أَيْ: غِطَاءَهُ (فَقَالَ: مَا قُلْتُمَا) ؟ كَأَنَّهُ وَقَعَ كَلَامٌ بَيْنَهُمَا فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، (قُلْنَا: وَهَلْ سَمِعْتَ مَا قُلْنَا؟ قَالَ نَعَمْ، تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ.

стр. 7620

٥٥٠٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ وَلَدَتْ غُلَامًا مَمْسُوحَةٌ عَيْنُهُ، طَالِعَةٌ نَابُهُ، فَأَشْفَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُونَ الدَّجَّالَ، فَوَجَدَهُ تَحْتَ قَطِيفَةٍ يُهَمْهِمُ، فَآذَنَتْهُ أُمُّهُ فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! هَذَا أَبُو الْقَاسِمِ، فَخَرَجَ مِنَ الْقَطِيفَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا لَهَا قَاتَلَهَا اللَّهُ؟ لَوْ تَرَكَتْهُ لَبَيَّنَ ". فَذَكَرَ مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَقْتُلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَسْتَ صَاحِبَهُ، إِنَّمَا صَاحِبُهُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَإِلَّا يَكُنْ هُوَ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَقْتُلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ " فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُشْفِقًا أَنَّهُ هُوَ الدَّجَّالُ» . رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) . ــ ٥٥٠٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ وَلَدَتْ غُلَامًا مَمْسُوحَةٌ عَيْنُهُ) أَيِ: الْيُمْنَى، وَقِيلَ: الْيُسْرَى، (طَالِعَةٌ نَابُهُ) ، هَكَذَا هُوَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَالظَّاهِرُ طَالِعًا نَابُهُ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ وَالتَّعَدُّدُ فِيهِ عَلَى التَّمَحُّلِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ فَالْمَعْنَى طَالِعَةٌ أَنْيَابُهُ. وَفِي الْقَامُوسِ: النَّابُ السِّنَّةُ خَلْفَ الرُّبَاعِيَّةِ مُؤَنَّثٌ، فَالتَّعَدُّدُ بِاعْتِبَارِ الطَّرَفَيْنِ وَالْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَقَلَّ يَكُونُ لِاثْنَيْنِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يُقَوِّي رِوَايَةَ: أَضْرَسُ. فِيمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (فَأَشْفَقَ) أَيْ: خَافَ (رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ سَلَّمَ -) أَيْ: عَلَى أُمَّتِهِ (أَنْ يَكُونَ) أَيْ: هُوَ (الدَّجَّالَ، فَوَجَدَهُ تَحْتَ قَطِيفَةٍ يُهَمْهِمُ) . أَيْ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ غَيْرِ مَفْهُومٍ، (فَآذَنَتْهُ) : بِالْمَدِّ أَيْ أَعْلَمَتْهُ (أُمُّهُ) أَيْ: بِمَأْتَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهُ (فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ!) : يَحْتَمِلُ الْعَلَمِيَّةَ وَالْوَصْفِيَّةَ (هَذَا أَبُو الْقَاسِمِ) أَيْ: حَاضِرٌ أَوْ حَضَرَ، فَتَنَبَّهْ لَهُ وَتَهَيَّأَ لِكَلَامِهِ، (فَخَرَجَ مِنَ الْقَطِيفَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا لَهَا ") : مَا: لِلِاسْتِفْهَامِ مُبْتَدَأٌ، وَلَهَا: خَبَرُهُ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ لَهَا؟ (" قَاتَلَهَا اللَّهُ ") دُعَاءٌ عَلَيْهَا زَجْرًا لَهَا: (" لَوْ تَرَكَتْهُ لَبَيَّنَ ") أَيْ: لَأَظْهَرَ مَا فِي ضَمِيرِهِ.

стр. 7621

(فَذَكَرَ) أَيْ: جَابِرُ (مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ) أَيِ: الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ، (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ائْذَنْ لِي) : أَمْرٌ مِنَ الْإِذْنِ، أَيْ: أَعْطِنِي الْإِجَازَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (فَأَقْتُلَهُ) : بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنْ يَكُنْ هُوَ ") أَيِ: ابْنُ الصَّيَّادِ الدَّجَّالَ (" فَلَسْتَ صَاحِبَهُ ") أَيْ: صَاحِبَ قَتْلِهِ وَمُبَاشَرَةِ هَلَاكِهِ، (إِنَّمَا صَاحِبُهُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَإِنْ لَا يَكُنْ) : اسْتِعْمَالُ " لَا " أَوْلَى هُنَا مِنْ قَوْلِهِمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ (" فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَقْتُلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ ") أَيْ: مِنَ الذِّمَّةِ وَالْجِزْيَةِ، (فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشْفِقًا) أَيْ: خَائِفًا عَلَى أُمَّتِهِ (أَنَّهُ) أَيِ: ابْنَ الصَّيَّادِ (هُوَ الدَّجَّالُ. رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) ، بِإِسْنَادِهِ. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْوَجْهُ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ابْنِ صَيَّادٍ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالتَّضَادِّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَسِبَهُ الدَّجَّالَ قَبْلَ التَّحْقِيقِ بِخَبَرِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَلَمَّا أُخْبِرَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا أُخْبِرَ بِهِ مِنْ شَأْنِ قِصَّتِهِ فِي حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَوَافَقَ ذَلِكَ مَا عِنْدَهُ، تَبَيَّنَ لَهُ ﷺ أَنَّ ابْنَ الصَّيَّادِ لَيْسَ بِالَّذِي ظَنَّهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو سَعِيدٍ حِينَ صَحِبَهُ إِلَى مَكَّةَ، وَأَمَّا تَوَافُقُ النُّعُوتِ فِي أَبَوَيِ الدَّجَّالِ وَأَبَوَيِ ابْنِ صَيَّادٍ، فَلَيْسَ مِمَّا يُقْطَعُ بِهِ قَوْلًا، فَإِنَّ اتِّفَاقَ الْوَصْفَيْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ اتِّحَادُ الْمَوْصُوفَيْنِ، وَكَذَا حَلَفَ عُمَرُ وَابْنُهُ مَعَ عَدَمِ إِنْكَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَنَّهُ الدَّجَّالُ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَبْلَ تَبَيُّنِ الْحَالِ، وَقَدْ كَانَ لِلدَّجَّالِ فِي بَعْضِ عَلَامَاتِهِ مَا أَوْرَثَ ذَلِكَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِشْفَاقًا مِنْهُ.

стр. 7622

[بَابُ نُزُولِ عِيسَى ﵊] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٥٠٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ، حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] الْآيَةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٥] بَابُ نُزُولِ عِيسَى ﵊ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٥٠٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ، حَكَمًا» ") : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ حَاكِمًا (" عَدْلًا ") أَيْ: عَادِلًا، (" فَيَكْسِرُ ") : بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ بِالنَّصْبِ: وَالْفَاءُ فِيهِ تَفْصِيلِيَّةٌ لِقَوْلِهِ: حَكَمًا عَدْلًا، أَوْ تَفْرِيعِيَّةٌ أَيْ: يَهْدِمُ وَيَقْطَعُ (" الصَّلِيبَ ") ، قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِ: أَيْ فَيُبْطِلُ النَّصْرَانِيَّةَ وَيَحْكُمُ بِالْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الصَّلِيبُ فِي اصْطِلَاحِ النَّصَارَى خَشَبَةٌ مُثَلَّثَةٌ يَدَّعُونَ أَنَّ عِيسَى ﵊ صُلِبَ عَلَى خَشَبَةٍ مُثَلَّثَةٍ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ صُورَةُ الْمَسِيحِ، (" وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ ") أَيْ: يُحَرِّمُ اقْتِنَاءَهُ وَأَكْلَهُ، وَيُبِيحُ قَتْلَهُ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ أَعْيَانَهَا نَجِسَةٌ ; لِأَنَّ عِيسَى ﵊ إِنَّمَا يَقْتُلُهَا عَلَى حُكْمِ شَرْعِ الْإِسْلَامِ، وَالشَّيْءُ الطَّاهِرُ الْمُنْتَفَعُ بِهِ لَا يُبَاحُ إِتْلَافُهُ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ قَدْ يُبَاحُ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ، مَعَ أَنَّ فِي كَوْنِ الْخِنْزِيرِ نَجِسُ الْعَيْنِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ خِلَافًا لِلْعُلَمَاءِ، (" وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ ") أَيْ: عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ غَيْرَ دِينِ الْحَقِّ،

стр. 7623

وَقِيلَ: يَضَعُ الْجِزْيَةَ عَنْهُمْ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ مُحْتَاجٌ يَقْبَلُ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ ; لِكَثْرَةِ الْمَالِ، وَقِلَّةِ أَهْلِ الْحِرْصِ وَالْآمَالِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (" وَيَفِيضُ ") : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ فَاضَ الْمَاءُ يَفِيضُ، إِذَا كَثُرَ حَتَّى سَالَ كَالْوَادِي عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، أَيْ يَكْثُرُ (" الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ ") أَيْ: مِنَ الرِّجَالِ، (" حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ ") أَيِ: الْوَاحِدَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ لَذَّةِ الْعِبَادَةِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّجْدَةِ نَفْسُهَا أَوِ الصَّلَاةُ بِكَمَالِهَا لِتَضَمُّنِهَا لَهَا، (" خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ") ، قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَتَّى الْأُولَى مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: وَيَفِيضُ الْمَالُ، وَالثَّانِيَةُ غَايَةٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ إِلَخْ، أَقُولُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الثَّانِيَةَ بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى، أَوْ غَايَةٌ لِمَا قَبْلَهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِلَّةِ لَهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: لَمْ تَزَلِ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ يَرْغَبُونَ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَيَزْهَدُونَ عَنِ الدُّنْيَا، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] الْآيَةَ) : بِالنَّصْبِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهَا وَخَفْضُهَا وَقَدَّمْنَا وَجْهَهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى نُزُولِ عِيسَى ﵊ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ; مِصْدَاقًا لِلْحَدِيثِ، وَتَحْرِيرُهُ: أَنَّ الضَّمِيرَيْنِ فِي بِهِ وَقَبْلَ مَوْتِهِ لِعِيسَى، وَالْمَعْنَى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحَدٌ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَكُونُونَ فِي زَمَانِ نُزُولِهِ، فَتَكُونُ الْمِلَّةُ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ انْتَهَى. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الرُّوحِ، وَهُوَ لَا يَنْفَعُ، فَضَمِيرُ بِهِ رَاجِعٌ إِلَى نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَمِيرُ مَوْتِهِ لِلْكِتَابِيِّ، وَقِيلَ: كُلٌّ مِنْهُمْ يُؤْمِنُ عِنْدَ الْمَوْتِ بِعِيسَى، وَأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَلَا يَنْفَعُ، وَقِيلَ: ضَمِيرُ بِهِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ أَيْ: كُلٌّ مِنْهُمْ يُؤْمِنُ بِهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَا يَنْفَعُ، وَالْأُولَى مَذْهَبُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْآيَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7624

٥٥٠٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَاللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَيَتْرُكَنَّ الْقِلَاصَ، فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا قَالَ: " «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟» ". ــ ٥٥٠٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «وَاللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا» ") : وَفِي نُسْخَةٍ: عَدْلًا وَهُوَ أَبْلَغُ (فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ ") أَيْ: لَيَحْكُمُ بِمَا ذُكِرَ، (" وَلَيَتْرُكَنَّ الْقِلَاصَ ") : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِهِ: (" فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا ") أَيْ: لَا يُعْمَلُ عَلَى الْقِلَاصِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ الْقَلُوصِ بِفَتْحِهَا، وَهِيَ النَّاقَةُ الشَّابَّةُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُتْرَكُ الْعَمَلُ عَلَيْهَا اسْتِغْنَاءً عَنْهَا لِكَثْرَةِ غَيْرِهَا، أَوْ مَعْنَاهُ لَا يَأْمُرُ أَحَدًا بِأَنْ يَسْعَى عَلَى أَخْذِهَا، وَتَحْصِيلِهَا لِلزَّكَاةِ لِعَدَمِ مَنْ يَقْبَلُهَا، فَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: يَتْرُكُ زَكَاتَهَا فَلَا يَكُونُ لَهَا سَاعٍ، وَقِيلَ: لَا يَكُونُ مَعَهَا رَاعٍ يَسْعَى، فَفِي الصِّحَاحِ: كُلُّ مَنْ وَلِيَ أَمْرَ قَوْمٍ فَهُوَ سَاعٍ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي لَيَتْرُكَّنَ عِيسَى ﵊ إِبِلَ الصَّدَقَةِ، وَلَا يَأْمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْعَى عَلَيْهَا وَيَأْخُذَهَا ; لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ مَنْ يَقْبَلُهَا لِاسْتِغْنَاءِ النَّاسِ عَنْهَا وَالْمُرَادُ بِالسَّعْيِ الْعَمَلُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ تَرْكِ التِّجَارَاتِ، وَالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ لِطَلَبِ الْمَالِ، وَتَحْصِيلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِاسْتِغْنَائِهِمْ (" وَلَتَذْهَبَنَّ ") أَيْ: وَلَتَزُولَنَّ (" الشَّحْنَاءُ ") : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ: أَيِ الْعَدَاوَةُ الَّتِي تَشْحِنُ الْقَلْبَ وَتَمْلَؤُهُ مِنَ الْغَضَبِ (" وَالتَّبَاغُضُ ") أَيِ: الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْعَدَاوَةِ (" وَالتَّحَاسُدُ ") أَيِ: الَّذِي هُوَ بَاعِثُ التَّبَاغُضِ، وَكُلُّهَا نَتِيجَةُ حُبِّ الدُّنْيَا، فَتَزُولُ كُلُّ هَذِهِ الْعُيُوبِ بِزَوَالِ مَحَبَّةِ الدُّنْيَا عَنِ الْقُلُوبِ. وَقَالَ الْأَشْرَفُ: بِهِمَا تَذْهَبُ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ يَوْمَئِذٍ ; لِأَنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ يَكُونُونَ يَوْمَئِذٍ عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْإِسْلَامُ، وَأَعْلَى أَسْبَابِ التَّبَاغُضِ وَأَكْثَرُهَا هُوَ اخْتِلَافُ الْأَدْيَانِ. قُلْتُ: الْيَوْمَ كَثِيرٌ مِنَ الْبُلْدَانِ مُتَّفِقُونَ عَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِمْ عُلَمَاءُ الْأَعْلَامِ وَمَشَايِخُ الْكِرَامِ، مَعَ كَثْرَةِ التَّبَاغُضِ وَالتَّحَاسُدِ وَالْعَدَاوَةِ بَلِ الْمُقَاتَلَةِ وَالْمُحَارَبَةِ بَيْنَ الْحُكَّامِ، وَلَيْسَ السَّبَبُ وَالْبَاعِثُ عَلَيْهَا إِلَّا حُبُّ الْجَاهِ بَيْنَ الْأَنَامِ، وَالْمَيْلُ إِلَى الْمَالِ الْحَرَامِ. (" وَلَيَدْعُوَنَّ ") : ضُبِطَ فِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْوَاوِ، وَنُسِبَ إِلَى النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا وَجْهَ لَهُ، فَالصَّوَابُ مَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَفَاعِلُهُ ضَمِيرُ عِيسَى ﵊ وَالْمَعْنَى لَيَدْعُوَنَّ النَّاسَ (" إِلَى الْمَالِ ") أَيْ: أَخْذِهِ وَقَبُولِهِ (" فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ ") :

стр. 7625

أَيِ: اسْتِغْنَاءً بِعَطَاءِ الْأَحَدِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) أَيْ: لِمُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ مُسْلِمٍ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنْ يَكُونَ قَرِينًا لَهُ، فِيهِ نَوْعُ تَغْلِيبٍ لِلْحَاضِرِ عَلَى الْغَائِبِ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (" كَيْفَ أَنْتُمْ ") أَيْ: حَالُكُمْ وَمَآلُكُمْ (" إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ ") ؟ أَيْ: مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ، وَقِيلَ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ الْمَهْدِيُّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ إِمَامَكُمْ وَاحِدٌ مِنْكُمْ دُونَ عِيسَى، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَلِيفَةِ، وَقِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عِيسَى ﵊ لَا يَكُونُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵊ بَلْ مُقَرِّرًا لِمِلَّتِهِ وَمُعِينًا لِأُمَّتِهِ ﵉. وَفَى شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ مَعْمَرٌ: وَإِنَّكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: فَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ، قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فِي مَعْنَاهُ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَالضَّمِيرُ فِي إِمَامِكُمْ لِعِيسَى، وَمِنْكُمْ حَالٌ، أَيْ: يَؤُمُّكُمْ عِيسَى حَالَ كَوْنِهِ مِنْ دِينِكُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى إِمَامِكُمْ مِنْكُمْ كَيْفَ حَالُكُمْ وَأَنْتُمْ مُكْرَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحَالُ أَنَّ عِيسَى يَنْزِلُ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ، وَعِيسَى يَقْتَدِي بِإِمَامِكُمْ تَكْرِمَةً لِدِينِكُمْ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي اهـ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ.

стр. 7626

٥٥٠٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " قَالَ: " فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا فَيَقُولُ: لَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٥٠٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ» ") : إِمَّا مُقَاتَلَةً حِسِّيَّةً أَوْ مَعْنَوِيَّةً عَلَى ظُهُورِ الْحَقِّ، أَوْ حَالَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْحَقِّ (" ظَاهِرِينَ ") أَيْ: غَالِبِينَ، أَيْ: عَلَى أَعْدَائِهِمْ ; قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] ، (" إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ") أَيْ: إِلَى قُرْبِ قِيَامِ السَّاعَةِ، (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (" فَيَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ ") أَيِ: الْمَهْدِيُّ (" تَعَالَ ") : بِفَتْحِ اللَّامِ أَيِ: احْضُرْ وَتَقَدَّمْ (" وَصَلِّ ") : بَدَلٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، وَالْمَعْنَى: أُمَّ (" لَنَا ") أَيْ: فِي صَلَاتِنَا، فَإِنَّ الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ هُوَ الْأَفْضَلُ، وَأَنْتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّسُولُ الْكَمِلُ، وَفِي رِوَايَةٍ: تَعَالَ فَصَلِّ لَنَا (" فَيَقُولُ: لَا ") أَيْ: لَا أَصِيرُ إِمَامًا لَكُمْ ; لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ بِإِمَامَتِي لَكُمْ نَسْخُ دِينِكُمْ، وَقِيلَ: تَعَلَّلَ بِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ أُقِيمَتْ لِإِمَامِكُمْ، فَهُوَ أَوْلَى بِهَا، لَكِنْ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ إِطْلَاقُ قَوْلِهِ: (" «إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ» ") أَيْ: دِينِيَّةٌ أَوْ دُنْيَوِيَّةٌ، وَإِنَّ عَلَى الْإِعَانَةِ الْمَعِيَّةَ (" تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ ") أَيْ: إِكْرَامًا مِنْهُ سُبْحَانَهُ لِهَذِهِ الْجَمَاعَةِ الْمُكَرَّمَةِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: تَكْرِمَةَ اللَّهِ نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُولِ لِأَجْلِهِ، وَالْعَامِلُ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى: شَرَعَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، وَأَمِيرُهُمْ مِنْ عِدَادِهِمْ، تَكْرِمَةً لَهُمْ وَتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ. قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ قِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ: الْأَصَحُّ أَنَّ عِيسَى ﵊ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَيَؤُمُّهُمْ، وَيَقْتَدِي بِهِ الْمَهْدِيُّ ; لِأَنَّهُ أَفْضَلُ وَإِمَامَتُهُ أَوْلَى. قَالَ ابْنُ أَبَى شَرِيفٍ: هَذَا يُوَافِقُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ، لَكِنَّهُ فِيهِ مَا يُخَالِفُهُ، وَهُوَ حَدِيثُ جَابِرٍ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ صَلَّى بِهِمْ أَوَّلَ نُزُولِهِ ; تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ نَزَلَ مُقْتَدًى بِهِ فِي الْحُكْمِ عَلَى شَرِيعَتِهِمْ، ثُمَّ دَعَى إِلَى الصَّلَاةِ فَأَشَارَ بِأَنْ يَؤُمَّهُمُ الْمَهْدِيُّ ; إِظْهَارًا لِإِكْرَامِ اللَّهِ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِالْعَكْسِ أَيْضًا، وَرُبَّمَا يُدَّعَى أَنَّهُ الْأَوْلَى، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: إِمَامُكُمْ مِنْكُمْ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمَهْدِيَّ هُوَ الْإِمَامُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. قَالَ: وَأَمَّا كَوْنُهُ أَفْضَلَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ الِاقْتِدَاءِ بِغَيْرِهِ، وَأَمَّا الْأَوْلَوِيَّةُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ فَيُعَارِضُهَا إِظْهَارُ تَكْرِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ بِدَوَامِ شَرِيعَتِهِ، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . (وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي) يَعْنِي: عَنِ الْأَحَادِيثِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْحِسَانِ عَلَى اصْطِلَاحِ الْبَغَوِيِّ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالْفَصْلِ الثَّانِي عَلَى مُصْطَلَحِ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ، أَيِ: الْمَوْضُوعُ فِي الْأَحَادِيثِ الزَّائِدَةِ لِصَاحِبِ الْمِشْكَاةِ عَلَى الْمَصَابِيحِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْبَابِ.

стр. 7627

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٥٠٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِلَى الْأَرْضِ، فَيَتَزَوَّجُ، وَيُولَدُ لَهُ، وَيَمْكُثُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَمُوتُ، فَيُدْفَنُ مَعِي فِي قَبْرِي، فَأَقُومُ أَنَا وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ بَيْنَ أَبَى بَكْرٍ وَعُمَرَ» ". رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي (كِتَابِ الْوَفَاءِ) . ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي ٥٥٠٨ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِلَى الْأَرْضِ، فَيَتَزَوَّجُ، وَيُولَدُ لَهُ، وَيَمْكُثُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً» ) ، وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يُخَالِفُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ عِيسَى رُفِعَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعُمْرُهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ، وَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ نُزُولِهِ سَبْعَ سِنِينَ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الْعَدَدِ أَرْبَعِينَ، لَكِنَّ حَدِيثَ مُكْثِهِ سَبْعًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَيَتَعَيَّنُ الْجَمْعُ بِمَا ذُكِرَ، أَوْ تَرْجِيحُ مَا فِي الصَّحِيحِ، وَلَعَلَّ عَدَدَ الْخَمْسِ سَاقِطٌ مِنَ الِاعْتِبَارِ لِإِلْغَاءِ الْكَسْرِ. (" ثُمَّ يَمُوتُ، فَيُدْفَنُ مَعَهُ ") أَيْ: مُصَاحِبًا لِي (" فِي قَبْرِي ") أَيْ: فِي مَقْبَرَتِي، وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْقَبْرِ لِقُرْبِ قَبْرِهِ بِقَبْرِهِ، فَكَأَنَّهُمَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، (" فَأَقُومُ أَنَا وَعِيسَى فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ") أَيْ: مِنْ مَقْبَرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَفِي الْقَامُوسِ: إِنَّ (فِي) تَأْتِي بِمَعْنَى (مِنْ) وَكَذَا فِي الْمُغْنِي، (" بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ") ﵄، أَيْ: حَالَ كَوْنِنَا قَائِمَيْنِ وَاقِفَيْنِ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِمَا إِيمَاءً إِلَى تَيَمُّنِهِ بِالْإِيمَانِ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ يَمَانٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِمَا لِيُسْرِ الْإِسْلَامِ وَعِزِّهِ بِهِ، وَهُوَ عُمَرُ، وَسَيَأْتِي فِي فَضَائِلِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ بِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ وَعِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ بَقِيَ فِي الْبَيْتِ مَوْضِعُ قَبْرٍ أَقْوَالٌ. وَالظَّاهِرُ اللَّائِقُ بِمَقَامِ عِيسَى ﵊ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَكِنْ سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْجَزَرِيِّ أَنَّهُ يُدْفَنُ بَعْدَ عُمَرَ، وَلَعَلَّهُ نَظَرَ إِلَى تَأَخُّرِ الدَّفْنِ بِاعْتِبَارِ تَأَخُّرِ زَمَنِ الْمَوْتِ، أَوْ تَكْرِمَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَتَعْظِيمًا لِلصَّحَابِيَّيْنِ الْكَرِيمَيْنِ أَنْ يَكُونَا بَيْنَ النَّبِيَّيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ) .

стр. 7628

[بَابُ قُرْبِ السَّاعَةِ وَأَنَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٥٠٩ - عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ". قَالَ شُعْبَةُ: وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى» ، فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ أَوْ قَالَهُ قَتَادَةُ؟ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٦] بَابُ قُرْبِ السَّاعَةِ وَفَى نُسْخَةٍ: الْقِيَامَةِ، وَأَطْلَقَ السَّاعَةَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تَكُونُ بَغْتَةً وَفَجْأَةً، فَوُقُوعُهَا فِي أَدْنَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الزَّمَانِ، وَإِنْ كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى انْتِهَائِهَا مَدِيدَةً، وَقِيلَ: أُطْلِقَتْ عَلَيْهَا لِطُولِهَا، كَمَا يُسَمَّى الزِّنْجِيُّ بِالْكَافُورِ تَسْمِيَةً بِالضِّدِّ. (وَأَنَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ) : عَطَفَ عَلَى قُرْبِ السَّاعَةِ لَا عَلَى السَّاعَةِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: السَّاعَةُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ، وَيُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ: الْكُبْرَى، وَهِيَ بَعْثُ النَّاسِ لِلْجَزَاءِ، وَالْقِيَامَةُ الْوُسْطَى: وَهِيَ انْقِرَاضُ الْقَرْنِ الْوَاحِدِ بِالْمَوْتِ، وَالْقِيَامَةُ الصُّغْرَى: وَهِيَ مَوْتُ الْإِنْسَانِ، الْمُرَادُ هُنَا هَذِهِ أَيِ الْأَخِيرَةُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ هِيَ الْكُبْرَى، سَوَاءً أُرِيدَ بِهَا النَّفْخَةُ الْأُولَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ» "، أَوِ الثَّانِيَةُ وَهِيَ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى الْمَعْرُوفَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ قَوْلُهُ ﵊: " «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» " يَحْتَمِلُهُمَا، نَعَمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي يَدُلُّ عَلَى الْقِيَامَةِ الْوُسْطَى، وَأَمَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ فَمَا أَظُنُّ أَنَّ السَّاعَةَ وَرَدَتْ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْقِيَامَةِ الصُّغْرَى إِلَّا مَا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: " «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ» "، وَهُوَ الْمُعَنْوَنُ فِي الْبَابِ مَعَ عَدَمِ إِيرَادِ حَدِيثٍ يُلَائِمُهُ، وَهَذَا كَمَا تَرَى لَمْ يَرِدْ بِلَفْظِ السَّاعَةِ، وَأُرِيدَ بِهَا الْقِيَامَةُ الصُّغْرَى، بَلْ وَلَا وَرَدَ بِمَعْنَى الْقِيَامَةِ الْوُسْطَى إِلَّا بِالْإِضَافَةِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى ثَلَاثَةٍ: كُبْرَى وَهِيَ الطَّامَّةُ الْجَامِعَةُ، وَوُسْطَى وَهِيَ النَّفْخَةُ لِلْإِمَاتَةِ الْعَامَّةِ، وَصُغْرَى وَهِيَ إِمَاتَةُ الْجَمَاعَةِ، وَالْقِيَامَةُ تُطْلَقُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَعَلَى مَنْ مَاتَ وَحْدَهُ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 7629

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٥٠٩ - (عَنْ شُعْبَةَ) : أَحَدِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (عَنْ قَتَادَةَ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ ") : بِالرَّفْعِ فِي بَعْضٍ، وَفَى بَعْضِ النُّسَخِ بِالنَّصْبِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَرُوِيَ بِنَصْبِ السَّاعَةِ وَرَفْعِهَا. قَالَ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا: السَّاعَةُ مَرْفُوعَةٌ رِوَايَةً، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى " مَعَ "، (" كَهَاتَيْنِ ") ، قَالَ الْقَاضِي ﵀: مَعْنَاهُ أَنَّ نِسْبَةَ تَقَدُّمِ بَعْثَتِهِ عَلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، كَنِسْبَةِ فَضْلِ إِحْدَى الْإِصْبُعَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى انْتَهَى، وَهُوَ الْمَعْنَى بِمَا قِيلَ: كَفَضْلِ الْوُسْطَى عَلَى السَّبَّابَةِ فِي السَّبْقِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شَدَّادٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: كَفَصْلِ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ; لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ قَلِيلِ الِانْفِصَالِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي النِّهَايَةِ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ ارْتِبَاطَ دَعْوَتِهِ بِالسَّاعَةِ لَا تَفْتَرِقُ إِحْدَاهَا عَنِ الْأُخْرَى، كَمَا أَنَّ السَّابِقَةَ لَا تَفْتَرِقُ عَنِ الْوُسْطَى، وَلَمْ يُوجَدْ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ مِنْهُمَا. وَقَالَ شَارِحٌ آخَرُ: يُرِيدُ أَنَّ دِينَهُ مُتَّصِلٌ بِقِيَامِ السَّاعَةِ لَا يَفْصِلُهُ عَنْهُ دِينٌ آخَرُ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا دَعْوَةٌ أُخْرَى، كَمَا لَا يَفْصِلُ شَيْءٌ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيُؤَيِّدُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ الْحَدِيثُ الْآتِي لِلْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ. قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ فِي كُلِّ حَدِيثٍ رُوعِيَ مَعْنًى لَمْ يُرَاعَ فِي الْآخَرِ، إِذِ التَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ، عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُلَاحَظَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ، إِذْ لَا تَدَافُعَ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي رَأْيِ الْعَيْنَيْنِ، نَعَمْ يُفْهَمُ مِنَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ إِغْرَاقٌ فِي التَّشْبِيهِ الْقُرْبِيِّ مَا لَا يُفْهَمُ مِنَ الثَّانِي ; وَلِذَا اخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ مُوَافَقَتُهُ لِتَفْسِيرِ الرَّاوِي. (قَالَ شُعْبَةُ: وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ) : بِفَتْحِ الْقَافِ مَصْدَرُ قَصَّ يَقُصُّ، بِمَعْنَى يَعِظُ أَوْ يَحْكِي الْقِصَّةَ، أَوْ يُحَدِّثُ وَيَرْوِي، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] ، وَفَى نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهِيَ جَمْعُ قِصَّةٍ، وَالْمَعْنَى فِي قَصَصِ قَتَادَةَ أَيْ: تَحْدِيثُهُ أَوْ تَفْسِيرُ حَدِيثِهِ، (كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا) أَيْ: إِحْدَى الْإِصْبُعَيْنِ (عَلَى الْأُخْرَى) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا، بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: كَهَاتَيْنِ، مُوَضِّحٌ لَهُ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ، وَالرَّفْعُ عَلَى الْعَطْفِ، وَالْمَعْنَى: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ بَعْثًا مُتَفَاضِلًا مِثْلَ فَضْلِ إِحْدَاهُمَا، وَمَعْنَى النَّصْبِ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى هَذَا، يَعْنِي: لَا بُدَّ عَلَى قَصْدِ الْمَعِيَّةِ، لَكِنْ يُمْكِنُ ادِّعَاؤُهَا عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ، كَمَا عَبَّرَ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي بِقَوْلِهِ: " «بُعِثْتُ فِي نَفَسِ السَّاعَةِ» ": بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ فِي قُرْبِهَا. (فَلَا أَدْرِي أَذْكَرَهُ) أَيْ: قَتَادَةُ (عَنْ أَنَسٍ) أَيْ: مَرْفُوعًا أَوْ مَوْقُوفًا (أَوْ قَالَهُ قَتَادَةُ) ؟ أَيْ: مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ وَتِلْقَاءَ رَأْيِهِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ حَتَّى يَثْبُتَ الْآخَرُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَكَذَا رَوَى أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.

стр. 7630

٥٥١٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: " تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَةِ؟ وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٥١٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: " تَسْأَلُونِّي ") : بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَتَخْفِيفِهِ عَلَى صِيغَةِ الْخِطَابِ لِلْأَصْحَابِ، وَهَمْزَةُ الْإِنْكَارِ مُقَدَّرَةٌ، أَيْ: أَتَسْأَلُونَ (" عَنِ السَّاعَةِ ") ؟ أَيِ: الْقِيَامَةِ وَهِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةُ (" وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ") أَيْ: لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: حَالٌ مُقَرِّرَةٌ لِجِهَةِ الْإِشْكَالِ، أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُؤَالَهُمْ، وَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: (" وَأَقْسَمَ بِاللَّهِ ") : مُقَرِّرٌ لَهُ يَعْنِي: تَسْأَلُونِي عَنِ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى وَعِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَمَا أَعْلَمُهُ هُوَ

стр. 7631

الْقِيَامَةُ الصُّغْرَى انْتَهَى. وَهُوَ يُؤَيِّدُ تَقْسِيمَنَا الْمُتَقَدِّمَ فِي السَّاعَةِ (" مَا عَلَى الْأَرْضِ ") : مَا: نَافِيَةٌ، وَمِنْ فِي قَوْلِهِ (" مِنْ نَفْسٍ ") : زَائِدَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَقَوْلُهُ: (مَنْفُوسَةٌ ") صِفَةُ نَفْسٍ، وَكَذَا مَا يَأْتِي، وَالْمَعْنَى: مَا مِنْ نَفْسٍ مَوْلُودَةٍ الْيَوْمَ (" يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ ") ، يُقَالُ: نَفِسَتِ الْمَرْأَةُ غُلَامًا بِالْكَسْرِ، وَنُفِسَتْ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ إِذَا وَلَدَتْ نَفْسًا، فَهِيَ نَافِسٌ وَنُفَسَاءُ، وَالْوَلَدُ مَنْفُوسٌ. قَالَ الشَّاعِرُ: كَمَا سَقَطَ الْمَنْفُوسُ بَيْنَ الْقَوَابِلِ قَالَ الْأَشْرَفُ: مَعْنَاهُ مَا تَبْقَى نَفْسٌ مَوْلُودَةٌ الْيَوْمَ مِائَةَ سَنَةٍ، أَرَادَ بِهِ مَوْتَ الصَّحَابَةِ ﵃ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا عَلَى الْغَالِبِ وَإِلَّا فَقَدْ عَاشَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ انْتَهَى. وَمِنْهُمْ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَسَلْمَانُ وَغَيْرُهُمَا. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَعْنَى لَا تَعِيشُ نَفْسٌ مِائَةَ سَنَةٍ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآتِي ; فَلَا حَاجَةَ إِلَى اعْتِبَارِ الْغَالِبِ، فَلَعَلَّ الْمَوْلُودِينَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ انْقَرَضُوا قَبْلَ تَمَامِ الْمِائَةِ مِنْ زَمَانِ وُرُودِ الْحَدِيثِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى اسْتِدْلَالُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى بُطْلَانِ دَعْوَى بَابَارْتِنْ الْهِنْدِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنِ ادَّعَى الصُّحْبَةَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنَ الْمُعَمَّرِينَ إِلَى الْمِائَتَيْنِ وَالزِّيَادَةِ. بَقِيَ أَنَّ الْحَدِيثَ بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ حَيَاةِ الْخَضِرِ وَإِلْيَاسَ، وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيُّ ﵀ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْحَيَاةِ، اثْنَانِ فِي الْأَرْضِ: الْخَضِرُ وَإِلْيَاسُ، وَاثْنَانِ فِي السَّمَاءِ: عِيسَى وَإِدْرِيسُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ مِنْ أُمَّتِي، وَالنَّبِيُّ ﵊ لَا يَكُونُ مِنْ أُمَّتِهِ نَبِيٌّ آخَرُ، وَقِيلَ: قَيْدُ الْأَرْضِ يُخْرِجُ الْخَضِرَ وَإِلْيَاسَ ; فَإِنَّهُمَا كَانَا عَلَى الْبَحْرِ حِينَئِذٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7632

٥٥١١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَا يَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٥١١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا يَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ» ") : وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (" الْيَوْمَ ") : هُوَ ظَرْفُ مَنْفُوسَةٍ، ذَكَرَهُ الطِّيبِي ﵀. قَالَ ابْنُ الْمَلِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7633

٥٥١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيَسْأَلُونَهُ عَنِ السَّاعَةِ، فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: " إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٥١٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأَعْرَابِ) أَيْ: أَهْلِ الْبَدْوِ (يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُونَهُ عَنِ السَّاعَةِ) ، الظَّاهِرُ أَنَّ سُؤَالَهُمْ عَنِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى، فَالْجَوَابُ الْآتِي عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، (فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: " إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكُهُ ") : بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ لَا بِالْجَزْمِ أَيْ: لَا يَلْحَقُهُ (" الْهَرَمُ ") : بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْكِبَرُ (" حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ ") أَيْ: قِيَامَتُكُمْ، وَهِيَ السَّاعَةُ الصُّغْرَى عِنْدِي، وَالْوُسْطَى عِنْدَ بَعْضِ الشُّرَّاحِ، وَالْمُرَادُ مَوْتُ جَمِيعِهِمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ أَكْثَرِهِمْ وَهُوَ الْغَالِبُ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَرَادَ بِالسَّاعَةِ انْقِرَاضَ الْقَرْنِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ عِدَادِهِمْ ; وَلِذَلِكَ أَضَافَ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ مَوْتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7634

الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٥١٣ - عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ فِي نَفَسِ السَّاعَةِ، فَسَبَقْتُهَا كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ هَذِهِ " وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٥١٣ - (عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ) : يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ غُلَامًا يَوْمَ قُبِضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، (عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " بُعِثْتُ فِي نَفَسِ السَّاعَةِ ") : بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ لَا غَيْرُ، أَرَادَ بِهِ قُرْبَهَا أَيْ: حِينَ تَنَفَّسَتْ، وَتَنَفُّسُهَا ظُهُورُ أَشْرَاطِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] ، أَيْ: ظَهَرَ أَثَارُ طُلُوعِهِ، وَبِعْثَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَوَّلِ أَشْرَاطِهَا، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ التُّورِبِشْتِيِّ ﵀ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ مِنْ كَمَالِ الِاتِّصَالِ وَعَدَمِ الِاعْتِبَارِ بِقَلِيلٍ مِنَ الِانْفِصَالِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (" فَسَبَقْتُهَا ") أَيِ: السَّاعَةَ فِي الْوُجُودِ (" كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ ") أَيِ: السَّبَّابَةُ (" هَذِهِ ") أَيِ: الْوُسْطَى، أَيْ: وُجُودًا أَوْ حِسَابًا بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ مِنْ جَانِبِ الْإِبْهَامِ، وَعَدَلَ عَنِ الْإِبْهَامِ لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسَبِّحَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ الْإِشَارَتَيْنِ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: (وَأَشَارَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ) أَيِ: الْمُسَبِّحَةِ (وَالْوُسْطَى) : عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا: " مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَعَثَهُ قَوْمُهُ طَلِيعَةً، فَلَمَّا خَشِيَ أَنْ يُسْبَقَ أَلَاحَ بِثَوْبِهِ أُتِيتُمْ أُتِيتُمْ أَنَا ذَاكَ أَنَا ذَاكَ ".

стр. 7635

٥٥١٤ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ ". قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٥٥١٤ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي ") : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، وَهُوَ مَفْعُولُ أَرْجُو، أَيْ: أَرْجُو عَدَمَ عَجْزِ أُمَّتِي (" عِنْدَ رَبِّهَا ") : مِنْ كَمَالِ قُرْبِهَا (" أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ ") : يَوْمٍ بَدَلٌ مِنْ أَنْ لَا تَعْجِزَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ بِحَذْفِ عَنْ، كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ ثُمَّ قَالَ: وَعَدَمُ الْعَجْزِ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ مِنَ الْقُرْبَةِ، وَالْمَكَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُقَرَّبِ عِنْدَ السُّلْطَانِ: إِنِّي لَا أَعْجِزُ أَنْ يُوَلِّيَنِي الْمَلِكُ كَذَا وَكَذَا، يَعْنِي بِهِ أَنَّ لِي عِنْدَهُ مَكَانَةً وَقُرْبَةً يَحْصُلُ بِهَا كُلُّ مَا أَرْجُوهُ عِنْدَهُ، فَالْمَعْنَى أَنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ لِأُمَّتِي عِنْدَ اللَّهِ مَكَانَةٌ وَمَنْزِلَةٌ يُمْهِلُهُمْ مِنْ زَمَانِي هَذَا إِلَى انْتِهَاءِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ ; بِحَيْثُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. (قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ) : إِنَّمَا فَسَّرَ الرَّاوِي نِصْفَ الْيَوْمِ بِخَمْسِمِائَةٍ نَظَرًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ بِنِصْفِ يَوْمٍ تَقْلِيلًا لِبُغْيَتِهِمْ، وَرَفْعًا لِمَنْزِلَتِهِمْ، أَيْ: لَا يُنَاقِشُهُمْ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ الْقَلِيلِ، بَلْ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَقَدْ وَهِمَ بَعْضُهُمْ، وَنَزَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَمْرِ الْقِيَامَةِ، وَحَمَلَ الْيَوْمَ عَلَى يَوْمِ الْمَحْشَرِ، فَهِمَ أَنَّهُ غُفْلٌ عَمَّا حَقَّقْنَاهُ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ، فَهَلَّا انْتَبَهَ لِمَكَانِ الْحَدِيثِ، وَأَنَّهُ فِي أَيِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْكِتَابِ ; فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي بَابِ قُرْبِ السَّاعَةِ، فَأَيْنَ هُوَ مِنْهُ؟ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ بِالْخَمْسِمِائَةِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْأَلْفِ السَّابِعِ فَإِنَّ الْيَوْمَ نَحْنُ فِي سَابِعِ سَنَةٍ مِنَ الْأَلْفِ الثَّامِنِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى عَنِ الْخَمْسِمِائَةِ ; فَيُوَافِقُ حَدِيثَ عُمَرَ: الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ فَالْكَسْرُ الزَّائِدُ يُلْغَى، وَنِهَايَتُهُ إِلَى النِّصْفِ، وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ فَيُعَدُّ أَلْفًا ثَامِنًا بِإِلْغَاءِ الْكَسْرِ النَّاقِصِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بَقَاءَ دِينِهِ وَنِظَامِ مِلَّتِهِ فِي الدُّنْيَا مُدَّةَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَقَوْلُهُ: أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ أَيْ عَنْ أَنْ يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ سَالِمِينَ عَنِ الْعُيُوبِ مِنِ ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ وَالشَّدَائِدِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْكُرُوبِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
следующие страницы →