Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.
стр. 7631
الْقِيَامَةُ الصُّغْرَى انْتَهَى. وَهُوَ يُؤَيِّدُ تَقْسِيمَنَا الْمُتَقَدِّمَ فِي السَّاعَةِ (" مَا عَلَى الْأَرْضِ ") : مَا: نَافِيَةٌ، وَمِنْ فِي قَوْلِهِ (" مِنْ نَفْسٍ ") : زَائِدَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَقَوْلُهُ: (مَنْفُوسَةٌ ") صِفَةُ نَفْسٍ، وَكَذَا مَا يَأْتِي، وَالْمَعْنَى: مَا مِنْ نَفْسٍ مَوْلُودَةٍ الْيَوْمَ (" يَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ ") ، يُقَالُ: نَفِسَتِ الْمَرْأَةُ غُلَامًا بِالْكَسْرِ، وَنُفِسَتْ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ إِذَا وَلَدَتْ نَفْسًا، فَهِيَ نَافِسٌ وَنُفَسَاءُ، وَالْوَلَدُ مَنْفُوسٌ. قَالَ الشَّاعِرُ:
كَمَا سَقَطَ الْمَنْفُوسُ بَيْنَ الْقَوَابِلِ
قَالَ الْأَشْرَفُ: مَعْنَاهُ مَا تَبْقَى نَفْسٌ مَوْلُودَةٌ الْيَوْمَ مِائَةَ سَنَةٍ، أَرَادَ بِهِ مَوْتَ الصَّحَابَةِ ﵃ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا عَلَى الْغَالِبِ وَإِلَّا فَقَدْ عَاشَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ انْتَهَى. وَمِنْهُمْ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَسَلْمَانُ وَغَيْرُهُمَا. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَعْنَى لَا تَعِيشُ نَفْسٌ مِائَةَ سَنَةٍ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآتِي ; فَلَا حَاجَةَ إِلَى اعْتِبَارِ الْغَالِبِ، فَلَعَلَّ الْمَوْلُودِينَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ انْقَرَضُوا قَبْلَ تَمَامِ الْمِائَةِ مِنْ زَمَانِ وُرُودِ الْحَدِيثِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى اسْتِدْلَالُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى بُطْلَانِ دَعْوَى بَابَارْتِنْ الْهِنْدِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنِ ادَّعَى الصُّحْبَةَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنَ الْمُعَمَّرِينَ إِلَى الْمِائَتَيْنِ وَالزِّيَادَةِ. بَقِيَ أَنَّ الْحَدِيثَ بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ حَيَاةِ الْخَضِرِ وَإِلْيَاسَ، وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيُّ ﵀ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْحَيَاةِ، اثْنَانِ فِي الْأَرْضِ: الْخَضِرُ وَإِلْيَاسُ، وَاثْنَانِ فِي السَّمَاءِ: عِيسَى وَإِدْرِيسُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ مِنْ أُمَّتِي، وَالنَّبِيُّ ﵊ لَا يَكُونُ مِنْ أُمَّتِهِ نَبِيٌّ آخَرُ، وَقِيلَ: قَيْدُ الْأَرْضِ يُخْرِجُ الْخَضِرَ وَإِلْيَاسَ ; فَإِنَّهُمَا كَانَا عَلَى الْبَحْرِ حِينَئِذٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7632
٥٥١١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَا يَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥١١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا يَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ» ") : وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (" الْيَوْمَ ") : هُوَ ظَرْفُ مَنْفُوسَةٍ، ذَكَرَهُ الطِّيبِي ﵀. قَالَ ابْنُ الْمَلِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7633
٥٥١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيَسْأَلُونَهُ عَنِ السَّاعَةِ، فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: " إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥١٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأَعْرَابِ) أَيْ: أَهْلِ الْبَدْوِ (يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُونَهُ عَنِ السَّاعَةِ) ، الظَّاهِرُ أَنَّ سُؤَالَهُمْ عَنِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى، فَالْجَوَابُ الْآتِي عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، (فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: " إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكُهُ ") : بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ لَا بِالْجَزْمِ أَيْ: لَا يَلْحَقُهُ (" الْهَرَمُ ") : بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْكِبَرُ (" حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ ") أَيْ: قِيَامَتُكُمْ، وَهِيَ السَّاعَةُ الصُّغْرَى عِنْدِي، وَالْوُسْطَى عِنْدَ بَعْضِ الشُّرَّاحِ، وَالْمُرَادُ مَوْتُ جَمِيعِهِمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ أَكْثَرِهِمْ وَهُوَ الْغَالِبُ.
قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَرَادَ بِالسَّاعَةِ انْقِرَاضَ الْقَرْنِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ عِدَادِهِمْ ; وَلِذَلِكَ أَضَافَ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ مَوْتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7634
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥١٣ - عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ فِي نَفَسِ السَّاعَةِ، فَسَبَقْتُهَا كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ هَذِهِ " وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥١٣ - (عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ) : يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ غُلَامًا يَوْمَ قُبِضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، (عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " بُعِثْتُ فِي نَفَسِ السَّاعَةِ ") : بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ لَا غَيْرُ، أَرَادَ بِهِ قُرْبَهَا أَيْ: حِينَ تَنَفَّسَتْ، وَتَنَفُّسُهَا ظُهُورُ أَشْرَاطِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] ، أَيْ: ظَهَرَ أَثَارُ طُلُوعِهِ، وَبِعْثَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَوَّلِ أَشْرَاطِهَا، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ التُّورِبِشْتِيِّ ﵀ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ مِنْ كَمَالِ الِاتِّصَالِ وَعَدَمِ الِاعْتِبَارِ بِقَلِيلٍ مِنَ الِانْفِصَالِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (" فَسَبَقْتُهَا ") أَيِ: السَّاعَةَ فِي الْوُجُودِ (" كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ ") أَيِ: السَّبَّابَةُ (" هَذِهِ ") أَيِ: الْوُسْطَى، أَيْ: وُجُودًا أَوْ حِسَابًا بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ مِنْ جَانِبِ الْإِبْهَامِ، وَعَدَلَ عَنِ الْإِبْهَامِ لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسَبِّحَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ الْإِشَارَتَيْنِ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: (وَأَشَارَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ) أَيِ: الْمُسَبِّحَةِ (وَالْوُسْطَى) : عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا: " مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَعَثَهُ قَوْمُهُ طَلِيعَةً، فَلَمَّا خَشِيَ أَنْ يُسْبَقَ أَلَاحَ بِثَوْبِهِ أُتِيتُمْ أُتِيتُمْ أَنَا ذَاكَ أَنَا ذَاكَ ".
стр. 7635
٥٥١٤ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ ". قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٥١٤ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي ") : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، وَهُوَ مَفْعُولُ أَرْجُو، أَيْ: أَرْجُو عَدَمَ عَجْزِ أُمَّتِي (" عِنْدَ رَبِّهَا ") : مِنْ كَمَالِ قُرْبِهَا (" أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ ") : يَوْمٍ بَدَلٌ مِنْ أَنْ لَا تَعْجِزَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ بِحَذْفِ عَنْ، كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ ثُمَّ قَالَ: وَعَدَمُ الْعَجْزِ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ مِنَ الْقُرْبَةِ، وَالْمَكَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُقَرَّبِ عِنْدَ السُّلْطَانِ: إِنِّي لَا أَعْجِزُ أَنْ يُوَلِّيَنِي الْمَلِكُ كَذَا وَكَذَا، يَعْنِي بِهِ أَنَّ لِي عِنْدَهُ مَكَانَةً وَقُرْبَةً يَحْصُلُ بِهَا كُلُّ مَا أَرْجُوهُ عِنْدَهُ، فَالْمَعْنَى أَنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ لِأُمَّتِي عِنْدَ اللَّهِ مَكَانَةٌ وَمَنْزِلَةٌ يُمْهِلُهُمْ مِنْ زَمَانِي هَذَا إِلَى انْتِهَاءِ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ ; بِحَيْثُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. (قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ) : إِنَّمَا فَسَّرَ الرَّاوِي نِصْفَ الْيَوْمِ بِخَمْسِمِائَةٍ نَظَرًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ بِنِصْفِ يَوْمٍ تَقْلِيلًا لِبُغْيَتِهِمْ، وَرَفْعًا لِمَنْزِلَتِهِمْ، أَيْ: لَا يُنَاقِشُهُمْ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ الْقَلِيلِ، بَلْ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، وَقَدْ وَهِمَ بَعْضُهُمْ، وَنَزَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَمْرِ الْقِيَامَةِ، وَحَمَلَ الْيَوْمَ عَلَى يَوْمِ الْمَحْشَرِ، فَهِمَ أَنَّهُ غُفْلٌ عَمَّا حَقَّقْنَاهُ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ، فَهَلَّا انْتَبَهَ لِمَكَانِ الْحَدِيثِ، وَأَنَّهُ فِي أَيِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْكِتَابِ ; فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي بَابِ قُرْبِ السَّاعَةِ، فَأَيْنَ هُوَ مِنْهُ؟ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ بِالْخَمْسِمِائَةِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْأَلْفِ السَّابِعِ فَإِنَّ الْيَوْمَ نَحْنُ فِي سَابِعِ سَنَةٍ مِنَ الْأَلْفِ الثَّامِنِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى عَنِ الْخَمْسِمِائَةِ ; فَيُوَافِقُ حَدِيثَ عُمَرَ: الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ فَالْكَسْرُ الزَّائِدُ يُلْغَى، وَنِهَايَتُهُ إِلَى النِّصْفِ، وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ فَيُعَدُّ أَلْفًا ثَامِنًا بِإِلْغَاءِ الْكَسْرِ النَّاقِصِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بَقَاءَ دِينِهِ وَنِظَامِ مِلَّتِهِ فِي الدُّنْيَا مُدَّةَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَقَوْلُهُ: أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ أَيْ عَنْ أَنْ يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ سَالِمِينَ عَنِ الْعُيُوبِ مِنِ ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ وَالشَّدَائِدِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْكُرُوبِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 7636
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٥١٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَثَلُ هَذِهِ الدُّنْيَا مَثَلُ ثَوْبٍ شُقَّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، فَبَقِيَ مُتَعَلِّقًا بِخَيْطٍ فِي آخِرِهِ، فَيُوشِكُ ذَلِكَ الْخَيْطُ أَنْ يَنْقَطِعَ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٥١٥ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَثَلُ هَذِهِ الدُّنْيَا ") أَيْ: وَقِلَّةُ بَقَائِهَا [مَثَلُ ثَوْبٍ شُقَّ] : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: قُطِعَ [مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ] أَيْ: إِلَى قَرِيبٍ مِنْهُ، أَوْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ أَنَّ الْغَايَةَ فِيهِ لَا تَكُونُ دَاخِلَةً تَحْتَ الْمُغَيَّا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] [فَبَقِيَ مُتَعَلِّقًا بِخَيْطٍ فِي آخِرِهِ] : الضَّمِيرَانِ لِلثَّوْبِ [فَيُوشِكُ ذَلِكَ الْخَيْطُ] : وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ زَمَانٍ قَلِيلٍ يَكُونُ فِيهِ الدِّينُ الْمُحَمَّدِيُّ [أَنْ يَنْقَطِعَ] أَيْ: فَتَنْقَطِعُ الدُّنْيَا وَتَنْفَصِلُ عَنْ وُجُودِهَا وَتَذْهَبُ وَتَأْتِي الْأُخْرَى، فَتَبْقَى عَلَى أَبَدِ الْآبَادِ ; فَيَسْعَدُ أَهْلُهَا أَوْ يَشْقَى. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 7637
[بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥١٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ» "، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
[٧]- بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ
رُوِيَ بِتَنْوِينِ بَابٍ، وَبِالْإِضَافَةِ إِلَى الْجُمْلَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ أَصْلُ السَّيِّدِ، وَالطِّيبِيُّ عَلَى الثَّانِي ; حَيْثُ قَالَ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ مُضَافٌ إِلَيْهَا تَرْجَمَةُ الْبَابِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِالْجُمَلِ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ، كَمَا سَمَّوْا: بِتَأَبَّطَ شَرًّا، وَبَرَقَ نَحْرُهُ، وَشَابَ قَرْنَاهَا، وَكَمَا لَوْ سُمِّيَ بِـ (زَيْدُ مُنْطَلَقٌ أَوْ بَيْتُ شِعْرٍ) .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥١٦ - عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ» ": بِالرَّفْعِ فِيهِمَا وَكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وَقِيلَ: تَكْرِيرُهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَكْثِيرِ ذِكْرِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: اللَّهُ حَسْبِي، أَوْ هُوَ الْمَعْبُودُ، فَالْأَوَّلُ مُبْتَدَأٌ، وَالثَّانِي خَبَرٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِنَصْبِهِمَا. قَالَ شَارِحٌ: قَوْلُهُ: (اللَّهُ اللَّهُ) بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ أَيِ: اللَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ لَا غَيْرُهُ، وَإِنْ رُوِيَا بِالنَّصْبِ، فَعَلَى التَّحْذِيرِ أَيِ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْبُدُوهُ، فَعَلَى هَذَا مَعْنَاهُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يُحَذِّرُ النَّاسَ مِنَ اللَّهِ، وَقِيلَ: أَيْ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فَلَا يَبْقَى حِكْمَةٌ فِي بَقَاءِ النَّاسِ، وَمِنْ هَذَا يُعْرَفُ أَنَّ بَقَاءَ الْعَالَمِ بِبَرَكَةِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، وَالْعُبَّادِ الصَّالِحِينَ، وَعُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، مَعْنَى (حَتَّى لَا يُقَالَ) حَتَّى لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ وَلَا يُعْبَدَ، وَإِلَيْهِ يُنْظَرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] ، يَعْنِي: مَا خَلَقْتَهُ خَلْقًا بَاطِلًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ، بَلْ خَلَقْتَهُ لِأَذْكُرَ وَأَعْبُدَ، فَإِذَا لَمْ يُذْكَرْ وَلَمْ يُعْبَدْ ; فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يُخَرِّبَ وَتَقُومَ السَّاعَةُ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَرَكَةَ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ تَصِلُ إِلَى مَنْ فِي الْعَالَمِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: ( «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ اللَّهُ اللَّهُ» ) : بِالْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
стр. 7638
٥٥١٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥١٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ» ") : بِكَسْرِ الشِّينِ جَمْعُ الشَّرِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ السَّابِقِ: ( «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ) ؟ قُلْنَا: السَّابِقُ مُسْتَغْرِقٌ لِلْأَزْمِنَةِ عَامٌّ فِيهَا، وَالثَّانِي مُخَصِّصٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَرَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: ( «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ الْبَيْتُ» ) . وَرَوَى السِّجْزِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفْعَهُ: ( «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُرْفَعَ الرُّكْنُ وَالْقُرْآنُ» ) .
стр. 7639
٥٥١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ ". وَذُو الْخَلَصَةِ: طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥١٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ ") أَيْ: تَتَحَرَّكَ (" أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ ") : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَالْأَلَيَاتُ بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ أَلْيَةٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ اللُّحْمَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي أَصْلِ الْعُضْوِ، وَقِيلَ هِيَ اللُّحْمَةُ الْمُشْرِفَةُ عَلَى الظَّهْرِ وَالْفَخِذِ، وَهِيَ لَحْمُ الْمَقْعَدِ، وَالْمَعْنَى حَتَّى يَرْتَدُّوا فَتَطُوفَ نِسَاؤُهُمْ (حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ (وَذُو الْخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ) أَيْ: صَنَمُهُمْ، وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ أَصْنَامُهُمُ (الَّتِي كَانُوا) أَيْ: دَوْسٌ (يَعْبُدُونَ) أَيْ: يَعْبُدُونَهَا (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ: قَبْلَ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الرُّوَاةِ. وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ بَيْتٌ كَانَ فِيهِ صَنَمٌ لِدَوْسٍ، وَخَثْعَمٍ، وَبَجِيلَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: ذُو الْخَلَصَةِ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ الَّتِي كَانَتْ بِالْيَمَنِ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَخَرَّبَهَا، وَقِيلَ: ذُو الْخَلَصَةِ اسْمُ الصَّنَمِ نَفْسُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ ذُو لَا يُضَافُ إِلَّا إِلَى اسْمِ الْجِنْسِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَرْتَدُّونَ إِلَى جَاهِلِيَّتِهِمْ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَتَسْعَى نِسَاءُ بَنِي دَوْسٍ طَائِفَاتٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ، فَتَرْتَجُّ أَعْجَازُهُنَّ مُضْطَرِبَةً أَلَيَاتُهُنَّ، كَمَا كَانَتْ عَادَتُهُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7640
٥٥١٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا قَالَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتُوُفِّيَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ; فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥١٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ") أَيْ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ (حَتَّى يَعْبُدَ) : بِالتَّذْكِيرِ وَجُوزَ تَأْنِيثُهُ (اللَّاتُ) : صَنَمٌ لِثَقِيفٍ (وَالْعُزَّى) : بِضَمِّ عَيْنٍ فَتَشْدِيدِ زَايٍ صَنَمٌ لِغَطَفَانَ، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ كُنْتُ لَأَظُنَّ) : إِنْ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ وَاللَّامُ هِيَ الْفَارِقَةُ. قَالَ الْمُظْهِرُ: تَقْدِيرُهُ أَنَّهُ كُنْتُ لَأَظُنُّ يَعْنِي أَنَّ الشَّأْنَ كُنْتُ لَأَحْسَبُ (حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [التوبة: ٣٣] أَيْ: بِالتَّوْحِيدِ وَدِينِ الْحَقِّ أَيْ: وَبِالشَّرِيعَةِ الثَّابِتَةِ، وَلَمَّا كَانَ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدًا أُفْرِدَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: لِيُظْهِرَهُ أَيْ: لِيُعْلِيَهُ وَيُغَلِّبَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أَيْ: عَلَى الْأَدْيَانِ جَمِيعِهَا، بَاطِلِهَا بَرَدِّهَا، وَحَقِّهَا بِنَسْخِهَا وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ أَيْ: مَا عَلَيْهِ الْمُوَحِّدُونَ الْمُخْلِصُونَ (أَنَّ ذَلِكَ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَفْعُولٌ لِأَظُنُّ، وَحِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ظَرْفٌ لَهُ، أَيْ: كُنْتُ أَظُنُّ حِينَ إِنْزَالِ تِلْكَ الْآيَةِ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ الْمُسْتَفَادَ مِنْهَا يَكُونُ (تَامًّا) أَيْ: عَامِلًا كَامِلًا شَامِلًا لِلْأَزْمِنَةِ كُلِّهَا، فَنَصْبُهُ بِالْكَوْنِ الْمُقَدَّرِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ تَامٌّ بِالرَّفْعِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ قَدْ تَمَّ وَاخْتُتِمَ وَغَدَا، وَلَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا.
стр. 7641
(قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: بَعْضُ مَا ذُكِرَ مِنْ تَمَامِ الدِّينِ وَنُقْصَانِ الْكُفْرِ، وَأَغْرَبَ شَارِحٌ حَيْثُ قَالَ: مِنْ ذَلِكَ أَيْ: مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، (مَا شَاءَ اللَّهُ) أَيْ: مُدَّةَ مَشِيئَتِهِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً) أَيْ: يُشَمُّ مِنْهَا رَائِحَةُ الْوِصَالِ (فَتُوَفَّى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: فَقُبِضَ (كُلُّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ عَلَى أَنَّهُ حُذِفَ مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ: تَتَوَفَّى عَلَى إِسْنَادِ التَّوَفِّي إِلَى الرِّيحِ مَجَازًا، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَالْمَعْنَى: تُمِيتُ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ (مِثْقَالُ حَبَّةٍ) أَيْ: مِقْدَارُ خَرْدَلٍ، فَقَوْلُهُ: (مِنْ خَرْدَلٍ) : بَيَانٌ لِحَبَّةٍ، وَقَوْلُهُ: (مِنْ إِيمَانٍ) : بَيَانٌ لِمِثْقَالٍ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ أَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ وَالْيَقِينِ بِالْأُمُورِ الْإِجْمَالِيَّةِ، فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَصَوُّرِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِي نَفْسِ الْإِيمَانِ وَحَقِيقَةِ الْإِيقَانِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْعِرْفَانِ، (فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ) أَيْ: لَا إِسْلَامَ وَلَا إِيمَانَ، وَلَا قُرْآنَ وَلَا حَجَّ، وَلَا سَائِرَ الْأَرْكَانِ، وَلَا عُلَمَاءَ الْأَعْيَانِ، (فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ) أَيِ: الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْجَاهِلِينَ الضَّالِّينَ الْمُضِلِّينَ، فَرُوعِيَ لَفْظُ مَنْ فِي ضَمِيرِ فِيهِ، وَمَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: فَيَرْجِعُونَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] هَذَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: تَامًّا هُوَ بِالرَّفْعِ فِي الْحُمَيْدِيِّ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ إِنَّ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِ النَّسَائِيِّ بِالنَّصْبِ، فَعَلَى هَذَا هُوَ إِمَّا حَالٌ، وَالْعَامِلُ اسْمُ الْإِشَارَةِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَوْ خَبَرٌ لِكَانَ الْمُقَدَّرِ أَيْ: ظَنَنْتُ مِنْ مَفْهُومِ الْآيَةِ أَنَّ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا غَالِبَةٌ عَلَيْهَا غَيْرُ مَغْلُوبَةٍ، فَكَيْفَ يُعْبَدُ اللَّاتُ وَالْعُزَّى؟ وَجَوَابُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: فَتُوَفَّى كُلُّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا» الْحَدِيثَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7642
٥٥٢٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ " لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ عَامًا " فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ فِي النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ "، قَالَ: " فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا، وَرَفَعَ لِيتًا " قَالَ: " وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ، فَيَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] فَيُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ " قَالَ: " فَذَلِكَ يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، وَذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ: " «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ» " فِي بَابِ التَّوْبَةِ.
ــ
٥٥٢٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ) : وَأَبْهَمَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحِكْمَةٍ فِي تَرْكِ التَّمْيِيزِ، أَوْ نَسِيَهُ الرَّاوِي ; وَلِذَا قَالَ: لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ عَامًا) ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: لَا أَدْرِي إِلَى قَوْلِهِ: فَيَبْعَثُ اللَّهُ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ، أَيْ: لَمْ يَزِدْنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَرْبَعِينَ شَيْئًا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهَا ; فَلَا أَدْرِي أَيًّا أَرَادَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، (فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) أَيْ: فَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ (كَأَنَّهُ) أَيْ: فِي الصُّورَةِ (عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) أَيِ: الثَّقَفِيُّ، شَهِدَ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ كَافِرًا، وَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ عَوْدِهِ مِنَ الطَّائِفِ وَأَسْلَمَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى قَوْمِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَتَلُوهُ، وَقِيلَ: هُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، (فَيَطْلُبُهُ) أَيْ: عِيسَى الدَّجَّالَ (فَيُهْلِكُهُ) أَيْ: بِحَرْبَةٍ (ثُمَّ يَمْكُثُ فِي النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ) ، تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ خِلَافُهُ، (لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْعَدَدِ، فَلَا يُنَافِيهِ مَا سَبَقَ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ التَّرَاخِي الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ: (ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ) : بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ أَيْ: جَانِبِهِ (فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ) : الظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ فِي التَّعْبِيرِ، (إِلَّا قَبَضَتْهُ) : إِلَّا أَخَذَتْ رُوحَهُ تِلْكَ الرِّيحُ (حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ) أَيْ: فَرْضًا وَتَقْدِيرًا عَلَى
стр. 7643
الْمُبَالَغَةُ (فِي كَبِدِ جَبَلٍ) أَيْ: وَسَطَهُ وَجَوْفَهُ، وَمِنْهُ كَبِدُ السَّمَاءِ وَسَطُهَا (لَدَخَلَتْهُ) أَيْ: كَبِدَ الْجَبَلِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَحَدِكُمْ (حَتَّى تَقْبِضَهُ) . قَالَ: (فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْمُرَادُ بِخِفَّةِ الطَّيْرِ اضْطِرَابُهَا وَتَنَفُّرُهَا بِأَدْنَى تَوَهُّمٍ شَبَّهَ حَالَ الْأَشْرَارِ فِي تَهَتُّكِهِمْ وَعَدَمِ وَقَارِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ وَاخْتِلَالِ رَأْيِهِمْ، وَمَيْلِهِمْ إِلَى الْفُجُورِ وَالْفَسَادِ بِحَالِ الطَّيْرِ. (وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ) أَيْ: وَفِي عُقُولِهَا النَّاقِصَةِ، جَمْعُ حُلُمٍ بِالضَّمِّ، أَوْ جَمْعُ حِلْمٍ بِالْكَسْرَةِ، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ خَالِينَ عَنِ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ، بَلِ الْغَالِبُ عَلَيْهِمُ الطَّيْشُ وَالْغَضَبُ وَالْوَحْشَةُ وَالْإِتْلَافُ وَالْإِهْلَالُ وَقِلَّةُ الرَّحْمَةِ، (لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا) : بَلْ يَعْكِسُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَ، (فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ) أَيْ: يَتَصَوَّرُ لَهُمْ بِصُورَةِ إِنْسَانٍ، فَكَانَ التَّشَكُّلُ أَقْوَى عَلَى التَّسَلُّطِ فِي الضَّلَالَةِ مِنْ طَرِيقِ الْوَسْوَسَةِ ; وَلِذَا قَدَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] ، (فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ) أَيْ: مِنَ اللَّهِ فِي تَرْكِ عِبَادَتِهِ وَالتَّوَسُّلِ إِلَى مَقَامِ قُرْبَتِهِ (فَيَقُولُونَ: فَمَاذَا تَأْمُرُنَا) ؟ أَيْ: بِهِ نَمْتَثِلُهُ، فَمَا مَوْصُولَةٌ أَوِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، فَالْمَعْنَى: فَأَيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُنَا لِنُطِيعَكَ فِيهِ؟ (فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ) أَيْ: تَوَسُّلًا إِلَى رِضَا الرَّحْمَنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ، ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٧] ، (وَهُمْ فِي ذَلِكَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُمْ فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَوْصَافِ الرَّدِيئَةِ وَالْعِبَادَاتِ الْوَثَنِيَّةِ (دَارٌّ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ كَثِيرٌ (رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ) : فَالْأَوَّلُ إِشَارَةٌ إِلَى الْكَمِّيَّةِ، وَالثَّانِي إِلَى الْكَيْفِيَّةِ، أَوِ الْأَوَّلُ إِيمَاءٌ إِلَى كَثْرَةِ الْأَمْطَارِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَنْهَارِ، وَإِثْمَارِ الْأَشْجَارِ، وَالثَّانِي مِنْ جِهَةِ الْأَمْنِ وَعَدَمِ الظُّلْمِ وَكَثْرَةِ الصِّحَّةِ وَالْغِنَى بِالْمَالِ وَالْجَاهِ، (ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَالنَّافِخُ هُوَ إِسْرَافِيلُ ﵊ (فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا) : بِكَسْرِ اللَّامِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: أَيْ أَمَالَ صَفْحَةَ عُنُقِهِ خَوْفًا وَدَهْشَةً. (وَرَفَعَ لِيتًا) ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا أَنَّ السَّامِعَ يَصْعَقُ فَيُصْغِي لِيتًا وَيَرْفَعُ لِيتًا، أَيْ: يَصِيرُ رَأْسُهُ هَكَذَا، وَكَذَلِكَ شَأْنُ مَنْ يُصِيبُهُ صَيْحَةٌ فَيُشَقُّ قَلْبُهُ، فَأَوَّلُ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ سُقُوطُ رَأْسِهِ إِلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ ; فَأَسْنَدَ الْإِصْغَاءَ إِلَيْهِ إِسْنَادَ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ.
(قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ) أَيْ: يُطَيِّنُ وَيُصْلِحُ (حَوْضَ إِبِلِهِ فَيَصْعَقُ) أَيْ: يَمُوتُ هُوَ أَوَّلًا (وَيَصْعَقُ النَّاسُ) أَيْ: مَعَهُ، (ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيِ: الْمَطَرُ الضَّعِيفُ الصَّغِيرُ الْقَطْرِ (فَيَنْبُتُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ أَجْلِهِ وَسَبَبِهِ (أَجْسَادُ النَّاسِ) أَيِ: النَّخِرَةُ فِي قُبُورِهِمْ (ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى ; فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) ، وَبَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ عَامًا عَلَى مَا سَيَأْتِي، (ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! هَلُمَّ) : فِي الْقَامُوسِ: هَلُمَّ يُقَالُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَاءِ التَّنْبِيهِ وَمِنْ لَمْ أَيْ: ضُمَّ نَفْسَكَ إِلَيْنَا، يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالتَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ، فَالْمَعْنَى: تَعَالَوْا أَوِ ارْجِعُوا وَأَسْرِعُوا إِلَى رَبِّكُمْ، (قِفُوهُمْ) ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: (وَقِفُوهُمْ) بِالْعَاطِفَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ، يُقَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ أَيْ: يُقَالُ لِلنَّاسِ هَلُمَّ، وَيُقَالُ لِلْمَلَائِكَةِ قِفُوهُمْ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِدُونِ
стр. 7644
الْعَاطِفِ، فَهُوَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ انْتَهَى. وَهُوَ أَمْرُ مُخَاطِبٍ لِلْمَلَائِكَةِ وَالضَّمِيرُ لِلنَّاسِ، يُقَالُ: وَقَفَتِ الدَّابَّةُ وَوَقَفْتُهَا يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى، الْمَعْنَى احْبِسُوهُمْ (إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) : اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (فَيُقَالُ: أَخْرِجُوا) : أَمْرٌ لِلْمَلَائِكَةِ أَيْ: مَيِّزُوا مِمَّا بَيْنَ الْخَلَائِقِ (بَعْثَ النَّارِ) أَيْ: مَبْعُوثَهَا بِمَعْنَى مَنْ يُبْعَثُ إِلَيْهَا (فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ كَمْ؟) أَيْ: سَأَلَ الْمُخَاطَبُونَ مِنْ كَمِّيَّةِ الْعَدَدِ الْمَبْعُوثِ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُونَ: كَمْ عَدَدًا نُخْرِجُهُ مِنْ كَمْ عَدَدٍ؟ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، فَكَمِ الْأُولَى خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَكَمِ الثَّانِيَةُ مُبْتَدَأٌ، أَوْ هُمَا مَفْعُولَا نُخْرِجُ الَّذِي لِلْمُتَكَلِّمِ، (فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: أَخْرِجُوا لِلنَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ (وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ) ، قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَسْتَوْجِبُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ يُتْرَكُونَ فِيهَا بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُصْرَفُوا عَنْ طَرِيقِ جَهَنَّمَ بِالشَّفَاعَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْلُصُوا مِنْهَا بَعْدَ دُخُولِهَا بِالشَّفَاعَةِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمُ الْكُفَّارُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ عَذَابَ النَّارِ بِلَا حِسَابٍ وَلَا كِتَابٍ، فَهُمْ مُخَلَّدُونَ فِي الْعِقَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (فَذَلِكَ) أَيِ: الْوَقْتُ (يَوْمَ) ، أَوْ فَذَلِكَ الْحُكْمُ وَقْتَ (يُجْعَلُ) أَيْ: يَصِيرُ فِيهِ (الْوِلْدَانُ) أَيِ: الصِّبْيَانُ جَمْعُ وَلِيدٍ (شِيبًا) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ أَشْيَبَ كَأَبْيَضَ وَبِيضٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَصِيرُ الْأَطْفَالُ شِيبًا فِي الْحَالِ، فَالْمَعْنَى لَوْ أَنَّ وَلِيدًا شَابَ مِنْ وَاقِعَةٍ عَظِيمَةٍ لَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ هَذَا، يَوْمَ مَرْفُوعٌ مُنَوَّنٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ مُضَافًا، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمُ مَرْفُوعًا، وَيُجْعَلَ الْوِلْدَانُ صِفَةً لَهُ، فَيَكُونُ الْإِسْنَادُ مَجَازِيًّا وَأَنْ يَكُونَ مُضَافًا مَفْتُوحًا، فَيَكُونُ الْإِسْنَادُ حِينَئِذٍ حَقِيقِيًّا وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ وَأَوْفَقُ، لِمَا وَرَدَ فِي التَّنْزِيلِ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] ، (وَذَلِكَ) أَيْ: أَيْضًا (يَوْمَ يُكْشَفُ) : فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ بِرَفْعِ يَوْمٍ مُنَوَنًّا، وَفِي بَعْضِهَا بِالْفَتْحِ مُضَافًا، وَهُوَ أَوْفَقُ لِمَا فِي الْقُرْآنِ يَوْمَ يُكْشَفُ (عَنْ سَاقٍ) أَيْ: شِدَّةٍ عَظِيمَةٍ، يُقَالُ: كَشَفَتِ الْحَرْبُ عَنِ السَّاقِ إِذَا اشْتَدَّ فِيهَا، وَكَانَ أَصْلُهُ أَنَّ الْوَلَدَ يَمُوتُ فِي بَطْنِ النَّاقَةِ، فَيُدْخِلُ الْمُدْمِرُ يَدَهُ فِي رَحِمِهَا فَيَأْخُذُ سَاقَهُ ; فَجُعِلَ لِكُلِّ أَمْرٍ عَظِيمٍ وَخَطْبٍ جَسِيمٍ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا مِمَّا هَابَ الْقَوْلَ فِيهِ شُيُوخُنَا، فَأَجْرَوْهُ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِهِ، وَلَمْ يَكْشِفُوا عَنْ بَاطِنِ مَعْنَاهُ، عَلَى نَحْوِ مَذْهَبِهِمْ فِي التَّوَقُّفِ عَنْ تَفْسِيرِ كُلِّ مَا لَا يُحِيطُ الْعِلْمُ بِكُنْهِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، أَمَّا مَنْ تَأَوَّلَهُ فَقَالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ شِدَّةٍ عَظِيمَةٍ وَبَلِيَّةٍ فَظِيعَةٍ، وَهُوَ إِقْبَالُ الْآخِرَةِ وَظُهُورُهَا وَذَهَابُ الدُّنْيَا وَإِدْبَارُهَا، وَيُقَالُ لِلْأَمْرِ إِذَا اشْتَدَّ وَتَفَاقَمَ وَظَهَرَ وَزَالَ خَفَاؤُهُ: كَشَفَ عَنْ سَاقِهِ، وَهَذَا جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ سَاقٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وَذَكَرَ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: ( «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ» ) أَيْ: حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» ، فَالْمُرَادُ بِالْهِجْرَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ هِيَ الْهِجْرَةُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، أَوْ مِنْ دِيَارِ الْبِدْعَةِ إِلَى دِيَارِ السُّنَّةِ، أَوْ مِنْ بِلَادِ الشَّرِّ إِلَى بِلَادِ الْخَيْرِ، (فِي بَابِ التَّوْبَةِ) : وَفِيهِ اعْتِرَاضٌ فِعْلِيٌّ مُنْضَمٌّ إِلَى بَيَانٍ قَوْلِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ أَنْسَبُ بِذَلِكَ الْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 7645
[كِتَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ] [ بَابُ النَّفْخِ فِي الصُّورِ]
стр. 7646
[٢٧] كِتَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ
[١] بَابُ النَّفْخِ فِي الصُّورِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥٢١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ " قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا. قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ " ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٌ فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ " قَالَ: " وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ لَا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ: " كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ ".
ــ
[٢٧] كِتَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ
[١] بَابُ نَفْخِ الصُّورِ
بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَهُوَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ، فَفِي النِّهَايَةِ هُوَ الْقَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إِسْرَافِيلُ ﵊ عِنْدَ بَعْثِ الْمَوْتَى إِلَى الْمَحْشَرِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥٢١ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ ") أَيْ: نَفْخَةِ الصَّعْقِ وَهِيَ الْإِمَاتَةُ، وَنَفْخَةِ النُّشُورِ وَهِيَ الْإِحْيَاءُ (أَرْبَعُونَ) : أَبْهَمَ فِي الْحَدِيثِ وَبَيَّنَ فِي غَيْرِهِ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ عَامًا، وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ الْإِبْهَامِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيهَامِ، (قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَرْبَعُونَ يَوْمًا) ؟ بِاسْتِفْهَامٍ مُقَدَّرٍ (قَالَ: أَبَيْتُ) أَيِ: امْتَنَعْتُ عَنِ الْجَوَابِ لِأَنِّي لَا أَدْرِي مَا هُوَ الصَّوَابُ، أَوْ عَنِ السُّؤَالِ مِنْ صَاحِبِ الْمَقَالِ ; فَلَا أَدْرِي مَا الْحَالُ، (قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ) ، قَالَ: الْقَاضِي ﵀: أَيْ لَا أَدْرِي أَنَّ الْأَرْبَعِينَ الْفَاصِلَ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَيُّ شَيْءٍ أَيَّامًا أَوْ شُهُورًا أَوْ أَعْوَامًا، وَأَمْتَنِعُ عَنِ الْكَذِبِ عَلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْإِخْبَارِ عَمَّا لَا أَعْلَمُ. (قَالَ) : كَذَا فِي نُسْخَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَهُ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَيَكُونَ مَوْقُوفًا، أَوِ التَّقْدِيرُ: رَاوِيًا عَنْهُ وَنَاقِلًا مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي الْجَامِعِ لَفْظُ قَالَ فِيهِ وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ، (ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) أَيْ: مَطَرًا كَالطَّلِّ عَلَى مَا سَبَقَ (فَيَنْبُتُونَ) أَيْ: فَيَنْبُتُ أَجْسَادُ الْخَلْقِ مِنْهُ (كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ) ، أَيْ: مِنَ الْمَطَرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا قَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا فُهِمَ مِنَ الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ، فَتَعْبِيرُهُ بِـ " ثُمَّ " هُنَا لِلتَّرَاخِي الرُّتَبِيِّ أَيْ: بَعْدَمَا عَلِمْتَ مَا سَبَقَ، فَاعْلَمْ هَذَا فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ.
(قَالَ: وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ) أَيْ: جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ (لَا يَبْلَى) أَيْ: لَا يَخْلَقُ وَلَا يَرِمُّ مِمَّنْ يَبْلَى جَسَدُهُ ; «فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ أَجْسَادِ الْأَنْبِيَاءِ» ، وَكَذَا مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، بَلْ قِيلَ: وَمِنْهُمُ الْمُؤَذِّنُونَ الْمُحْتَسِبُونَ فَإِنَّهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاءُ أَوْ كَالْأَحْيَاءِ، (إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا) ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: إِلَّا عَظْمٌ وَاحِدٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ (شَيْءٍ) وَهُوَ وَاضِحٌ، وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مُوجَبٍ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْإِنْسَانِ لَا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا نَفْيُ النَّفْيِ، وَنَفْيُ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ ; فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا فَإِنَّهُ لَا يَبْلَى، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ ; لِأَنَّ اسْمَهُ مَوْصُوفٌ، كَقَوْلِكَ: لَيْسَ زَيْدٌ إِلَّا قَائِمًا، فَـ " مِنَ الْإِنْسَانِ " حَالٌ مِنْ شَيْءٍ (وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَحَكَى اللِّحْيَانِيُّ تَثْلِيثَ الْعَيْنِ مَعَ الْبَاءِ وَالْمِيمِ، فَفِيهِ سِتُّ لُغَاتٍ، وَهُوَ الْعَظْمُ بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ الَّذِي فِي أَسْفَلِ الصُّلْبِ.
قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ: الْمُرَادُ طُولُ بَقَائِهِ تَحْتَ التُّرَابِ، لَا أَنَّهُ لَا يَفْنَى أَصْلًا ; فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمَحْسُوسِ، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَا يُخْلَقُ وَآخِرُ مَا يَبْلَى، وَمَعْنَى الْحَدِيثَيْنِ وَاحِدٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ قَاعِدَةُ بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَأُسُّهُ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَكُونَ أَصْلَبَ مِنَ الْجَمِيعِ، كَقَاعِدَةِ الْجِدَارِ وَأُسِّهِ، وَإِذَا كَانَ أَصْلَبَ كَانَ أَطْوَلَ بَقَاءً.
أَقُولُ: التَّحْقِيقُ - وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ - أَنَّ عَجْبَ الذَّنَبِ يَبْلَى آخِرًا، كَمَا شَهِدَ بِهِ حَدِيثٌ، لَكِنْ لَا بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْمَحْسُوسِ، كَمَا حُقِّقَ فِي بَابِ عَذَابِ الْقَبْرِ عَلَى أَنَّ الْجُزْءَ الْقَلِيلَ مِنْهُ الْمَخْلُوطَ بِالتُّرَابِ غَيْرُ قَابِلٍ لِأَنْ يَتَمَيَّزَ بِالْحِسِّ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَرْبَابِ الْحِسِّ. (وَمِنْهُ يُرَكَّبُ) : بِتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ (الْخَلْقُ) أَيْ: سَائِرُ الْأَعْضَاءِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: كَمَا خُلِقَ أَوَّلًا فِي الْإِيجَادِ كَذَلِكَ خُلِقَ أَوَّلًا فِي الْإِعَادَةِ، أَوْ أُبْقِيَ حَتَّى يُرَكَّبَ عَلَيْهِ الْخَلْقُ ثَانِيًا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
стр. 7647
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ) ، وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ، وَفِي الْجَامِعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (كُلُّ ابْنِ آدَمَ) : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ أَيْ: أَعْضَاءُ بَدَنِ الْإِنْسَانِ، وَكَذَا سَائِرُ الْحَيَوَانِ (يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ) أَيْ: فَإِنَّهُ لَا يَأْكُلُهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ، (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ عَجْبِ الذَّنَبِ (خُلِقَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: ابْتُدِئَ مِنْهُ خَلْقُ الْإِنْسَانِ أَوَّلًا (وَفِيهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْهُ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ، وَسَبَقَ أَنَّ فِي تَأْتِي مُرَادِفَةً لِمِنْ (يُرَكَّبُ) أَيْ: ثَانِيًا. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هَذَا مَخْصُوصٌ فَيُخَصُّ مِنْهُ الْأَنْبِيَاءُ ; فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَهُمْ، وَهُوَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ.
стр. 7648
٥٥٢٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ» "؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٢٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ» ) : وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِمَا إِبْدَالُهُمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ، (بِيَمِينِهِ) أَيْ: بِقُوَّتِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ، أَوْ بِيَمِينِهِ الصَّادِرِ عَنْهُ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ، أَوْ بِقَبْضِ الْمَلَائِكَةِ وَطَيِّهِمُ الْكَائِنَيْنِ بِيَمِينِ عَرْشِهِ. قَالَ الْقَاضِي: عَبَّرَ بِهِ عَنْ إِفْنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الْمُظِلَّةَ وَهَذِهِ الْمُقِلَّةَ، رَفْعُهُمَا مِنَ الْبَيْنِ، وَإِخْرَاجُهُمَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مَأْوًى وَمَنْزِلًا لِبَنِي آدَمَ بِقُدْرَتِهِ الْبَاهِرَةِ الَّتِي تَهُونُ عَلَيْهَا الْأَفْعَالُ الْعِظَامُ الَّتِي يَتَضَاءَلُ دُونَهَا الْقُوَى وَالْقُدَرُ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهَا الْأَفْهَامُ وَالْفِكَرُ عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ وَالتَّخْيِيلِ، وَأَضَافَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ طَيَّ السَّمَاوَاتِ وَقَبْضَهَا إِلَى الْيَمِينِ، وَطَيَّ الْأَرْضِ إِلَى الشِّمَالِ ; تَنْبِيهًا وَتَخْيِيلًا لِمَا بَيْنَ الْمَقْبُوضَيْنِ مِنَ التَّفَاوُتِ وَالتَّفَاضُلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْحُدُوثِ وَصِفَةِ الْأَجْسَامِ، وَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ فِي صِفَاتِهِ، مِمَّا يُنْبِئُ عَنِ الْجِهَةِ وَالْفَوْقِيَّةِ، وَالِاسْتِقْرَارِ وَالْإِتْيَانِ، وَالنُّزُولِ، فَلَا نَخُوضُ فِي تَأْوِيلِهِ، بَلْ نُؤْمِنُ بِمَا هُوَ مَدْلُولُ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَ سُبْحَانَهُ، مَعَ التَّنْزِيهِ عَمَّا يُوهِمُ الْجِهَةَ وَالْجِسْمِيَّةَ. (ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ) أَيْ: لَا مُلْكَ إِلَّا لِي، أَوْ أَنَا مَلِكُ الْمُلُوكِ وَالْأَمْلَاكِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمَلِكَ أَبْلَغُ مِنَ الْمَالِكِ، مَعَ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ وَ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] أَنَّ أَيَّ الْقِرَاءَتَيْنِ أَبْلَغُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّاطِبِيُّ بِقَوْلِهِ:
وَمَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ رَاوِيهِ نَاصِرُ
وَمُجْمَلُ الْكَلَامِ فِي الْبَيْضَاوِيِّ مَذْكُورٌ وَالتَّفْصِيلُ فِي غَيْرِهِ مَسْطُورٌ، (أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ) ؟ أَيِ: الَّذِينَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمُلْكَ لَهُمُ اسْتِقْلَالًا أَوْ دَوَامًا لَا يَرَوْنَ بِهِ زَوَالًا، أَوِ الَّذِينَ كَانُوا يَدَّعُونَ الْأُلُوهِيَّةَ فِي الْجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ، وَقُيِّدَ بِهَا لِأَنَّ الْمَلَأَ الْأَعْلَى هُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ أَفْعَالِ أَهْلِ السُّفْلَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 7649
٥٥٢٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ - وَفِي رِوَايَةٍ: " يَأْخُذُهُنَّ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْأُخْرَى " - ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ "؟ .» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥٢٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ» ) ؟ أَيِ: الظَّلَمَةُ الْقَهَّارُونَ (أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ) ؟ أَيْ: بِمَالِهِمْ وَجَاهِهِمْ وَخَيْلِهِمْ وَحَشَمِهِمْ، لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، (ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتُسَكَّنُ (بِشِمَالِهِ - وَفِي رِوَايَةٍ: يَأْخُذُهُنَّ) أَيْ: بَدَلَ يَطْوِي، فَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ (بِيَدِهِ الْأُخْرَى) ، هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَوْفَقُ بِحَدِيثِ: وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، وَضَمِيرُهُنَّ إِلَى الْأَرَضِينَ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ السَّمَاوَاتِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ نَقَلَ بِالْمَعْنَى، وَأَنَّ لَفْظَ الرِّوَايَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْأَرَضِينَ بِيَدِهِ الْأُخْرَى، (ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟) فَيُنْظَرُ فِي الْأُصُولِ لِطَلَبِ الْأَحْرَى. قَالَ أَصْحَابُ التَّأْوِيلِ: الْمُرَادُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَالشِّمَالُ الْقُدْرَةُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الطَّيِّ التَّسْخِيرُ التَّامُّ وَالْقَهْرُ الْكَامِلُ، وَهُوَ كَذَلِكَ الْآنَ أَيْضًا، وَلَكِنْ فِي الْقِيَامَةِ يَكُونُ أَظْهَرَ، وَنَسَبَ طَيَّ السَّمَاوَاتِ إِلَى الْيَمِينِ وَطَيَّ الْأَرَضِينَ إِلَى الشِّمَالِ ; تَنْبِيهًا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمَقْبُوضَيْنِ مِنَ التَّفَاوُتِ، بَعْدَ أَنْ نَزَّهَ ذَاتَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ نِسْبَةِ الشِّمَالِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ ; لِأَنَّ الشِّمَالَ نَاقِصٌ فِي الْقُوَّةِ عَادَةً، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النُّقْصَانِ، وَعَنْ سَائِرِ صِفَاتِ الْحَدَثَانِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7650
٥٥٢٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى أُصْبُعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى أُصْبُعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا اللَّهُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٢٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيُكْسَرُ مُفْرَدُ الْأَحْبَارِ أَيْ: عَالِمٌ (مِنَ الْيَهُودِ) أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهِمْ أَوْ مِنْ أَحْبَارِهِمْ (إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ. وَفِي الْقَامُوسِ: بِتَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ، فَفِيهِ تِسْعُ لُغَاتٍ، (وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ) أَيْ: جِنْسَهُ (عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى) أَيِ: التُّرَابَ النَّدِيَّ، يَعْنِي الْمَاءَ وَمَا تَحْتَهُ مِنَ الثَّرَى (عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ) أَيْ: بَاقِيَهُ (عَلَى إِصْبَعٍ) ، وَهَذَا الْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ طَيَّ الْعُلْوِيِّ بِيَمِينِهِ وَالسُّفْلِيِّ بِالْأُخْرَى، وَأَيْضًا ظَاهِرُ تَقْسِيمِ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْأَصَابِعِ مُوهِمٌ لِإِرَادَةِ تَحَقُّقِ الْجَارِحَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَصَابِعِ الْخَمْسَةِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُجَسِّمَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا قَرَّرَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ لَمْ يُنْكِرْهُ لَزِمَ إِمَّا التَّأْوِيلُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْخَلَفِ وَهُوَ أَعْلَمُ، أَوِ التَّسْلِيمُ وَالتَّفْوِيضُ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَهُوَ أَسْلَمُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، فَقَالَ شَارِحٌ: وَالْمَعْنَى يَهُونُ عَلَى اللَّهِ إِمْسَاكُهُمْ وَحِفْظُهَا، كَمَا يُقَالُ فِي الْعُرْفِ: فُلَانٌ يَحْمِلُ بِأُصْبُعِهِ لِقُوَّتِهِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: السَّبِيلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْمَجَازِ، أَوْ ضَرْبٍ مِنَ التَّمْثِيلِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ تَصْوِيرُ عَظَمَتِهِ، وَالتَّوْفِيقُ عَلَى جَلَالَةِ شَأْنِهِ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَصَرَّفُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ تَصَرُّفَ أَقْوَى قَادِرٍ عَلَى أَدْنَى مَقْدُورٍ، تَقُولُ الْعَرَبُ فِي سُهُولَةِ الْمَطْلَبِ، وَقُرْبِ التَّنَاوُلِ، وُفُورُ الْقُدْرَةِ، وَسَعَةُ الِاسْتِطَاعَةِ: هُوَ مِنِّي عَلَى حَبْلِ الذِّرَاعِ، وَإِنِّي أُعَالِجُ ذَلِكَ بِبَعْضِ كَفِّي، وَأَسْتَقِلُّهُ بِفَرْدِ أُصْبُعٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ اسْتِهَانَةً بِالشَّيْءِ، وَاسْتِظْهَارًا فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَالْمُتَوَرِّعُ عَنِ الْخَوْضِ فِي تَأْوِيلِ أَمْثَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، إِذْ لَمْ يُنْزِلْهَا فِي سَاحَةِ الصَّدْرِ مَنْزِلَةَ مُسَمَّيَاتِ الْجِنْسِ.
(ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ) : الضَّمِيرُ لِلْأَصَابِعِ، وَالْمَعْنَى يُحَرِّكُهُنَّ (فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ) أَيِ: الْقَادِرُ الْقَوِيُّ الْقَاهِرُ (أَنَا اللَّهُ) أَيِ: الْمَعْبُودُ بِالْحَقِّ الْمُسْتَحِقُّ لِلْمَعْبُودِيَّةِ وَالْعِبَادَةِ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، (فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ) : عِلَّةُ الْعِلَّةِ. قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: إِنَّمَا ضَحِكَ أَفْصَحُ الْعَرَبِ وَتَعَجَّبَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مِنْهُ إِلَّا مَا يَفْهَمُهُ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ مِنْ غَيْرِ تَصَوُّرِ إِمْسَاكٍ وَلَا أُصْبُعٍ وَلَا هَزٍّ وَلَا شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ فَهْمَهُ وَقَعَ أَوَّلَ شَيْءٍ وَآخِرَهُ عَلَى الزُّبْدَةِ وَالْخُلَاصَةِ الَّتِي هِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ، وَلَا تَرَى بَابًا فِي عِلْمِ الْبَيَانِ أَدَقَّ، وَلَا أَلْطَفَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَلَا أَنْفَعَ وَأَهْوَنَ عَلَى تَعَاطِي تَأْوِيلِ الْمُشْتَبِهَاتِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ، وَسَائِرِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، وَكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ ; فَإِنَّ أَكْثَرَهُ تَخَيُّلَاتٌ قَدْ زَلَّتْ فِيهَا الْأَقْدَامُ قَدِيمًا، (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتِضَادًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ اسْتِشْهَادًا، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أَيْ: مَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، أَوْ مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ وَالْأَرْضُ: الْوَاوُ لِلْحَالِ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ جِنْسَ الْأَرْضِ وَهُوَ الْأَرَضُونَ السَّبْعُ ﴿جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧] أَيْ: مَقْبُوضَتُهُ وَفِي مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشَاءُ بِلَا مُزَاحِمٍ مَعَ سُهُولَةٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُنَّ بِعَظَمَتِهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ لَيْسَتْ إِلَّا قَبْضَةً وَاحِدَةً ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] أَيْ: مَجْمُوعَاتٌ بِقُدْرَتِهِ أَوْ مُغَيَّبَاتٌ بِقَسَمِهِ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى أَقْسَمَ بِعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ أَنَّهُ يُفْنِيهِمَا ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] : بِنِسْبَةِ الْوَلَدِ وَالشَّرِيكِ إِلَيْهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 7651
٥٥٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " عَلَى الصِّرَاطِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥٢٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ) ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، (قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ) أَيْ: : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] أَيْ: يَوْمَ تُبَدَّلُ هَذِهِ الْأَرْضُ الَّتِي تَعْرِفُونَهَا أَرْضًا أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ الْمَعْرُوفَةِ (وَالسَّمَاوَاتُ) أَيْ: كَذَلِكَ. قَالَ صَاحِبُ الْكَوَاشِي: إِنَّهَا تُبَدَّلُ بِخُبْزَةٍ بَيْضَاءَ، فَيَأْكُلُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ حَتَّى يَفْرُغَ الْحِسَابُ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ بَابِ الْحَشْرِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى، وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ يُبَدِّلُهَا أَرْضًا مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءَ كَالصَّحَائِفِ، وَكَذَا عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: التَّبْدِيلُ تَغْيِيرُ الشَّيْءِ عَنْ حَالِهِ، وَالْإِبْدَالُ جَعْلُ الشَّيْءِ مَكَانَ آخَرَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَدْ يَكُونُ التَّبْدِيلُ فِي الذَّوَاتِ، كَقَوْلِكَ بَدَّلْتُ الدَّرَاهِمَ دَنَانِيرَ، وَفِي الْأَوْصَافِ كَقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الْحَلَقَةَ خَاتَمًا إِذَا أَذَبْتَهَا وَسَوَّيْتَهَا خَاتَمًا، وَاخْتُلِفَ فِي تَبْدِيلِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ فَقِيلَ: تُبَدَّلُ أَوْصَافُهَا فَتَسِيرُ عَلَى الْأَرْضِ جِبَالُهَا، وَتُفَجَّرُ بِحَارُهَا، وَتُجْعَلُ مُسْتَوِيَةً لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا، وَتُبَدَّلُ السَّمَاوَاتُ بِانْتِشَارِ كَوَاكِبِهَا، وَكُسُوفِ شَمْسِهَا، وَخُسُوفِ قَمَرِهَا. وَقِيلَ: يُخْلَقُ بَدَلُهَا أَرْضٌ وَسَمَاوَاتٌ أُخَرُ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ: يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ لَمْ يُخْطِئْ عَلَيْهَا أَحَدٌ خَطِيئَةً. وَالظَّاهِرُ مِنَ التَّبْدِيلِ تَغْيِيرُ الذَّاتِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ حَيْثُ قَالَتْ: (فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: عَلَى الصِّرَاطِ) : الْمَعْهُودِ عِنْدَ النَّاسِ، أَوْ جِنْسِ الصِّرَاطِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7652
٥٥٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٥٢٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُكَوَّرَانِ ") : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ وَتَذْكِيرِهِ لِتَغْلِيبِ الْقَمَرِ ; لِأَنَّهُ الْمُذَكَّرُ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْكَوْكَبَيْنِ النَّيِّرَيْنِ، وَقَوْلُهُ: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : ظَرْفٌ لَهُ، وَالتَّكْوِيرُ مَعْنَاهُ اللَّفُّ، وَمِنْهُ تَكْوِيرُ الْعِمَامَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥] وَهُوَ مَعْنَى الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنَ التَّكْوِيرِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى اللَّفِّ الْجَمْعُ، أَيْ: يَلُفُّ صُوَرَهُمَا لَنَا ; فَيَذْهَبُ انْبِسَاطُهُمَا فِي الْآفَاقِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ رَفْعُهُمَا ; لِأَنَّ الثَّوْبَ إِذَا طُوِيَ رُفِعَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ طَعْنَةٌ مُكَوَّرَةٌ مِنْ كَوَّرَهُ إِذَا أَلْقَاهُ، أَيْ: مُلْقَيَانِ مِنْ فَلَكِهِمَا، وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَشْبَهُ بِنَسَقِ الْحَدِيثِ لِمَا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ، فَيَكُونُ تَكْوِيرُهَا فِيهَا لِيُعَذَّبَ بِهِمَا أَهْلُ النَّارِ، لَا سِيَّمَا عُبَّادَ الْأَنْوَارِ، وَلَا يُعَذَّبَانِ فِي النَّارِ، فَإِنَّهُمَا بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّكْلِيفِ، بَلْ سَبِيلُهُمَا فِي النَّارِ سَبِيلُ النَّارِ نَفْسِهَا، وَسَبِيلُ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فِي النَّارِ، إِنْ شَاءَ أَخْرَجَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا، وَالْعَقِيرُ: الزَّمِنُ.
стр. 7653
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥٢٧ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَهُ وَأَصْغَى سَمْعَهُ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: " قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥٢٧ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَيْفَ أَنْعَمُ ") أَيْ: أَفْرَحُ وَأَتَنَعَّمُ مِنْ نَعِمَ عَيْشُهُ كَفَرِحَ اتَّسَعَ، وَلِأَنَّ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ مِنَ النَّعْمَةِ بِالْفَتْحِ، وَهِيَ الْمَسَرَّةُ وَالْفَرَحُ وَالتَّرَفُّهُ. (وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَهُ) أَيْ: وَضَعَ طَرَفِ الصُّورِ فِي فَمِهِ (وَأَصْغَى سَمْعَهُ) أَيْ: أَمَالَ أُذُنَهُ (وَحَنَى جَبْهَتَهُ) أَيْ: أَمَالَهَا، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّوَجُّهِ لِإِصْغَاءِ السَّمْعِ وَإِلْقَاءِ الْأُذُنِ، (يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ) : وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلًّا مِنَ
стр. 7654
الِالْتِقَاءِ وَالْإِصْغَاءِ وَمَا بَعْدَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ عِبَادَةٌ لِصَاحِبِهِ، بَلْ هُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي ﵀: مَعْنَاهُ كَيْفَ يَطِيبُ عَيْشِي، وَقَدْ قَرُبَ أَنْ يُنْفَخَ فِي الصُّورِ، فَكَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ صَاحِبَ الصُّورِ وَضَعَ رَأْسَ الصُّورِ فِي فَمِهِ، وَهُوَ مُتَرَصِّدٌ مُتَرَقِّبٌ لِأَنْ يُؤْمَرَ فَيَنْفُخَ فِيهِ. (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا تَأْمُرُنَا؟) أَيْ: أَنْ نَقُولَ الْآنَ، أَوْ حِينَئِذٍ، أَوْ مُطْلَقًا عِنْدَ الشَّدَائِدِ (قَالَ: " قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ") : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ: كَافِينَا اللَّهُ (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) : فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ أَيْ: نِعْمَ الْمَوْكُولُ إِلَيْهِ اللَّهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَكَذَا الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَيْرَكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵊ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالُوا لَهُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] الْآيَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 7655
٥٥٢٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٥٢٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الصُّورُ قَرْنٌ ") : قِيلَ دَائِرَةٌ رَأْسُهُ كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، (يُنْفَخُ فِيهِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يَنْفُخُ فِيهِ إِسْرَافِيلُ النَّفْخَتَيْنِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) ، وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ.
стр. 7656
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٥٢٩ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] : الصُّورِ، قَالَ: وَ (الرَّاجِفَةُ) : النَّفْخَةُ الْأُولَى، وَ (الرَّادِفَةُ) الثَّانِيَةُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٥٢٩ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ﴾ [المدثر: ٨] أَيْ: نُفِخَ ﴿فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] الصُّورِ: بِالْجَرِّ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ هُوَ الصُّورُ، (قَالَ) أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] أَيْ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ - تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦ - ٧] ; لِأَنَّهَا تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ عِنْدَهَا أَيْ: تَضْطَرِبُ وَتَتَحَرَّكُ وَتَتَزَلْزَلُ لَهَا، (وَالرَّادِفَةُ: الثَّانِيَةُ) أَيْ: لِأَنَّهَا تَقَعُ عَقِيبَهَا.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الرَّاجِفَةُ الْوَاقِعَةُ الَّتِي تَرْجُفُ عِنْدَهَا الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الْأُولَى وُصِفَتْ بِمَا يَحْدُثُ بِحُدُوثِهَا، وَالرَّادِفَةُ الْوَاقِعَةُ الَّتِي تَرْدُفُ الْأُولَى وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْجِيمِ أَيْ: فِي عُنْوَانِهِ تَعْلِيقًا، لَكِنْ وَصَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ.
стр. 7657
٥٥٣٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَاحِبَ الصُّورِ، وَقَالَ: " عَنْ يَمِينِهِ جِبْرِيلُ وَعَنْ يَسَارِهِ مِيكَائِيلُ» .
ــ
٥٥٣٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاحِبَ الصُّورِ) أَيْ: إِسْرَافِيلَ (وَقَالَ: " عَنْ يَمِينِهِ جِبْرِيلُ ") : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتُفْتَحُ فَكَسْرِ رَاءٍ فَسُكُونِ يَاءٍ وَبِفَتْحِهِمَا وَهَمْزَةٍ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ وَتُحْذَفُ، أَرْبَعُ لُغَاتٍ كُلُّهُنَّ مُتَوَاتِرَاتٌ، (وَعَنْ يَسَارِهِ مِيكَائِيلُ) : بِهَمْزَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ وَتُحْذَفُ وَبِوَزْنِ مِفْعَالٍ، ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الشَّاطِبِيَّةِ لِلْجَعْبَرِيِّ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُمَا مَمْدُودَانِ فِي الْحَدِيثِ انْتَهَى. وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّ مُرَادَهُ الْمَدَّةَ الطَّبِيعِيَّةَ أَوْ حَرْفَ الْمَدِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ جِبْرَائِيلَ بِالْأَلِفِ الْمَمْدُودَةِ عَلَى الشُّذُوذِ، وَاخْتِيرَ لِمُشَاكَلَةِ مِيكَائِيلَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 7658
٥٥٣١ - «وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يُعِيدُ اللَّهُ الْخَلْقَ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: " أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي قَوْمِكَ جَدْبًا ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا "؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " فَتِلْكَ آيَةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ "، ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] » . رَوَاهُمَا رَزِينٌ.
ــ
٥٥٣١ - (وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ (الْعُقَيْلِيِّ) : مُصَغَّرًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يُعِيدُ اللَّهُ الْخَلْقَ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ) أَيْ: عَلَامَتُهُ (فِي خَلْقِهِ) ؟ أَيْ مَخْلُوقَاتِهِ الْمَوْجُودِينَ (قَالَ: أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي قَوْمِكَ جَدْبًا) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْقَامُوسِ، وَفِي الْمُقَدِّمَةِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ ضِدُّ الْخِصْبِ، (ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ) : بِتَشْدِيدِ الزَّايِ يَتَحَرَّكُ (خَضِرًا) ؟ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَهْتَزُّ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَخَضِرًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ، اسْتَعَارَ الِاهْتِزَازَ لِأَشْجَارِ الْوَادِي تَصْوِيرًا لِحُسْنِهَا، وَيُقَالُ: اهْتَزَّ فُلَانٌ فَرَحًا أَيْ خَفَّ لَهُ، وَكُلُّ مَنْ خَفَّ لِأَمْرٍ وَارْتَاحَ لَهُ فَقَدِ اهْتَزَّ لَهُ. (قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَتِلْكَ آيَةُ اللَّهِ) أَيْ: عَلَامَةُ قُدْرَتِهِ (فِي خَلْقِهِ) أَيْ وَفِي إِعَادَتِهِ وَالْعَوْدُ أَحْمَدُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ، الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اسْتِشْهَادٌ بِالْآيَةِ أَوِ اقْتِبَاسٌ مِنْهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ لَيْسَ فَرْقٌ بَيْنَ إِنْشَاءِ خَلْقٍ وَإِعَادَتِهِ، وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] بَيَانٌ لِلتَّسْوِيَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] أَيْ: بِكُلٍّ مِنَ الْإِنْشَاءِ وَالْإِعَادَةِ عَلِيمٌ، وَنَظِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الدَّلَالَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ الْقَادِرَ الَّذِي يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، هُوَ الَّذِي يُحْيِي النَّاسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْمَقْدُورَاتِ قَادِرٌ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَقْدُورَاتِ بِدَلِيلِ الْإِنْشَاءِ. (رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (رَزِينٌ) . قَالَ الْمُؤَلِّفُ ﵀: هُوَ أَبُو الْحَسَنِ رَزِينُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْعَبْدَرِيُّ الْحَافِظُ صَاحِبُ كِتَابِ التَّجْرِيدِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصِّحَاحِ، مَاتَ بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَالْخَمْسِمِائَةِ.
стр. 7659
[بَابُ الْحَشْرِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥٣٢ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٢] بَابُ الْحَشْرِ
فِي الْمُغْرِبِ: الْحَشْرُ الْجَمْعُ. قُلْتُ: وَهُوَ ضِدُّ النَّشْرِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥٣٢ - (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) : سَبَقَ ذِكْرُهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ، عَفْرَاءَ ") أَيْ: غَيْرَ شَدِيدَةِ الْبَيَاضِ، وَالْعُفْرَةُ لَوْنُ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَخْلُصُ بَيَاضُهَا بَلْ يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ، (كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَهُوَ الدَّقِيقُ الْمَنْخُولُ الْمُنَظَّفُ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الْحُوَّارَّيُّ، وَالْقُرْصَةُ بِالضَّمِّ الرَّغِيفُ، وَالتَّاءُ لِلْوَحْدَةِ وَالتَّشْبِيهُ بِهَا فِي اللَّوْنِ وَالشَّكْلِ دُونَ الْقَدْرِ (لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ عَلَامَةٌ (لِأَحَدٍ) يُرِيدُ بِهِ الْأَبْنِيَةَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تَكُونُ قَاعًا لَا بِنَاءَ فِيهَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ﵀. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَعَلَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأَرْضِ الدُّنْيَا، وَتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنْ مُلَّاكِهَا بِقِطَعٍ مِنْهَا أَعْلَمُ، عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7660
٥٥٣٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نَزَلَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ". فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ! أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: " بَلَى ". قَالَ: تَكُونُ الْأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا، ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَدَامِهِمْ؟ بَالَامٌ وَالنُّونُ ". قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: " ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٣٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً) أَيْ: كَخُبْزَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أَوِ التَّقْدِيرُ: تَصِيرُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى مَا سَيَأْتِي (يَتَكَفَّؤُهَا) : بِالْهَمْزَةِ بَعْدَ تَشْدِيدِ الْفَاءِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: هَذِهِ رِوَايَةُ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، وَرِوَايَةُ كِتَابِ مُسْلِمٍ يَكْفَؤُهَا بِسُكُونِ الْكَافِ وَالْهَمْزَةِ، مِنْ كَفَأْتُ الْإِنَاءَ أَيْ قَلَبْتُهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَالْمَعْنَى يُقَلِّبُهَا، (الْجَبَّارُ) أَيِ: الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (بِيَدِهِ) أَيْ: مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجَارِحَةِ، (كَمَا يَتَكَفَّؤُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ) أَيْ: عَجِينَتَهُ ; فَهِيَ تَسْمِيَةٌ بِالْمَآلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] ، (فِي السَّفَرِ) : بِفَتْحَتَيْنِ، وَقِيلَ: بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْعُ سُفْرَةٍ، فَالْأَوَّلُ ظَرْفُ الزَّمَانِ، وَالثَّانِي مَكَانُ الْبَيَانِ، وَالْمَعْنَى كَمَا يُفْعَلُ بِالْعَجِينَةِ إِذَا أُرِيدَ بِهِ تَرْقِيقُهَا وَاسْتِوَاؤُهَا حَتَّى تُلْقَى عَلَى الْمَلَّةِ فِي السَّفَرِ اسْتِعْجَالًا، (نُزُلًا) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ إِضَافَةً (لِأَهْلِ الْجَنَّةِ) : وَهُوَ مَا يُسْتَعْجَلُ لِلضَّيْفِ مِنَ الطَّعَامِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: يَتَكَفَّؤُهَا بِالْهَمْزِ أَيْ: يُقَلِّبُهَا وَيُمِيلُهَا مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ حَتَّى تَجْتَمِعَ وَتَسْتَوِيَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَبْسُوطَةً كَالرُّقَاقَةِ وَنَحْوِهَا، وَفِي نُسْخَةِ مُسْلِمٍ: وَيَكْفَؤُهَا بِالْهَمْزِ، وَالْخُبْزَةُ هِيَ الطُّلْمَةُ الَّتِي تُوضَعُ فِي الْمَلَّةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْعَلُ الْأَرْضَ كَالطُّلْمَةِ وَالرَّغِيفِ الْعَظِيمِ يَكُونُ ذَلِكَ طَعَامًا نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: أَرَى الْحَدِيثَ مُشْكِلًا جِدًّا غَيْرَ مُسْتَنْكِرٍ شَيْئًا مِنْ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَجَائِبِ فِطْرَتِهِ، بَلْ لِعَدَمِ التَّوْفِيقِ الَّذِي يَكُونُ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ فِي قَلْبِ جِرْمِ الْأَرْضِ مِنَ الطَّبْعِ الَّذِي عَلَيْهِ إِلَى طَبْعِ الْمَطْعُومِ وَالْمَأْكُولِ، مَعَ مَا وَرَدَ فِي الْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ، أَيْ: هَذِهِ الْأَرْضُ بَرُّهَا وَبَحْرُهَا تَمْتَلِئُ نَارًا قِي النَّشْأَةِ الثَّانِيَةِ وَتَنْضَمُّ إِلَى جَهَنَّمَ، فَنَرَى الْوَجْهَ فِيهِ أَنْ نَقُولَ مَعْنَى قَوْلِهِ خُبْزَةً وَاحِدَةً أَيْ: كَخُبْزَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ نَعْتِهَا كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ مِثْلُ مَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، وَإِنَّمَا ضُرِبَ الْمَثَلُ بِقُرْصَةِ النَّقِيِّ لِاسْتِدَارَتِهَا وَبَيَاضِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَفِي الْحَدِيثِ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِخُبْزَةٍ تُشْبِهُ الْأَرْضَ هَيْئَةً وَشَكْلًا وَمِسَاحَةً، فَاشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا بَيَانُ الْهَيْئَةِ الَّتِي تَكُونُ الْأَرْضُ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ، وَالْآخَرُ بَيَانُ الْخُبْزَةِ الَّتِي يُهَيِّئُهَا اللَّهُ تَعَالَى نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَبَيَانُ عِظَمِ مِقْدَارِهَا إِبْدَاعًا وَاخْتِرَاعًا مِنَ الْقَادِرِ الْحَكِيمِ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ أَمْرٌ وَلَا يَعُوزُهُ شَيْءٌ اهـ.
وَأَطْنَبَ الطِّيبِيُّ ﵀ هُنَا بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، فَأَعْرَضْنَا عَنْ ذِكْرِهِ، وَقِيلَ: الْحَدِيثُ مُشْكِلٌ لَا مِنْ جِهَةِ إِنْكَارِ قُدْرَتِهِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: إِنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ تَصِيرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا، وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ شَبَّهَ أَرْضَ الْحَشْرِ بِالْخُبْزَةِ فِي الِاسْتِوَاءِ وَالْبَيَاضِ، كَمَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَشَبَّهَ أَرْضَ الْجَنَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي كَوْنِهَا نُزُلًا لِأَهْلِهَا تَكْرِمَةً لَهُمْ بِعُجَالَةِ الرَّاكِبِ زَادًا يَقْنَعُ بِهِ فِي سَفَرِهِ، وَلَكِنَّ آخِرَ هَذَا الْحَدِيثِ يُشْعِرُ بِأَنَّ كَوْنَ الْأَرْضِ خُبْزَةً عَلَى التَّجَوُّزِ، وَالْأَوْلَى الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَقُدْرَتُهُ تَعَالَى صَالِحَةٌ لِذَلِكَ، بَلِ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَبْلَغُ بِأَنْ يَقْلِبَ اللَّهُ تَعَالَى بِقُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ طَبْعَ الْأَرْضِ حَتَّى يَأْكُلُوا مِنْهَا تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، بِغَيْرِ كُلْفَةٍ وَلَا عِلَاجٍ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ ضَعْفَ مَا قَالَهُ الْقَاضِي مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ جِرْمَ الْأَرْضِ يَنْقَلِبُ خُبْزَةً فِي الشَّكْلِ وَالطَّبْعِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا تَكُونُ حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ، يَسْتَعْجِلُ الْمُضِيفُ بِهَا نُزُلًا لِلضَّيْفِ، ثُمَّ تَعْرِيفُ الْأَرْضِ فِي الْحَدِيثِ كَتَعْرِيفِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ أَرْضُ الْجَنَّةِ، هَذَا وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ قَوْلُ
стр. 7661
الرَّاوِي: (فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ) أَيْ: مِنْ أَحْبَارِهِمْ (فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ) : دَعَا لَهُ بِنُزُولِ كَثْرَةِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِ، أَوْ إِخْبَارًا عَنْهُ (يَا أَبَا الْقَاسِمِ!) : كَنَّاهُ تَعْظِيمًا (أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: بَلَى. قَالَ: تَكُونُ الْأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا) أَيِ: الْتِفَاتٌ وَتَعَجُّبٌ وَتَنْبِيهٌ (ثُمَّ ضَحِكَ) أَيْ: فَرَحًا لِلْمُطَابَقَةِ وَالْمُوَافَقَةِ (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) أَيْ: ظَهَرَتْ آخِرُ أَضْرَاسِهِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُبَالَغَةِ، (ثُمَّ قَالَ) أَيِ: الْيَهُودِيُّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَدَامِهِمْ) ؟ أَيْ بِمَا يَأْتَدِمُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْخُبْزَةَ بِهِ (بَالَامٌ) أَيْ: هُوَ بَالَامٌ وَهُوَ عَلَى وَزْنِ فَاعَانٌ أَيْ ثَوْرٌ، (وَالنُّونُ) أَيِ: السَّمَكُ (قَالُوا) أَيِ: الصَّحَابَةُ (وَمَا هَذَا) ؟ أَيْ مَا مَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتَهُ (قَالَ: ثَوْرٌ وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا) ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: أَمَّا النُّونُ فَهُوَ الْحُوتُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا بَالَامٌ فَبِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَخْفِيفِ لَامٍ وَمِيمٍ مُنَوَّنَةٍ مَرْفُوعَةٍ، وَفِي مَعْنَاهُ أَقْوَالٌ، وَالصَّحِيحُ مِنْهَا مَا اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّهَا لَفْظَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ مَعْنَاهَا بِالْعَرَبِيَّةِ الثَّوْرُ، وَفَسَّرَ الْيَهُودِيُّ بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً لَعَرَفَهَا الصَّحَابَةُ وَلَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى سُؤَالِهِ عَنْهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَأْكُلُ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفًا فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: إِنَّهُمُ السَّبْعُونَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ ; فَخُصُّوا بِأَطْيَبِ النُّزُلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِهِ مِنَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ، وَلَمْ يُرِدِ الْحَصْرَ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7662
٥٥٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ: رَاغِبِينَ، رَاهِبِينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٣٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُحْشَرُ النَّاسُ) أَيْ: بَعْدَ الْبَعْثِ (عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ) أَيْ: فِرَقٍ، وَأَصْنَافُ الرُّكْبَانِ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثِ، وَالْبَقِيَّةُ تَتَنَاوَلُ الطَّرِيقَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، وَهُمَا الْمُشَاةُ وَالَّذِينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، (رَاغِبِينَ) أَيْ: فِي الْجَنَّةِ لِمَا فِيهَا مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ ثَلَاثٍ، وَهُوَ وَاحِدُ الْفِرَقِ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، (رَاهِبِينَ) أَيْ: مِنَ النَّارِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَخَافُونَ، وَلَكِنْ يُنَجَّوْنَ مِنْهَا وَهُمُ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الرَّجَاءِ أَوْلَى مِنْ عِبَادَتِهِ عَلَى الْخَوْفِ ; وَلِذَا سُمِّيَ الْأَوَّلُونَ الطَّيَّارِينَ، وَالْآخَرُونَ السَّيَّارِينَ، وَتَحْقِيقُهُ فِي كُتُبِ التَّصَوُّفِ، وَيَعْرِفُهُ أَهْلُ التَّعَرُّفِ. وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّاغِبِينَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الرَّجَاءُ، وَبِالرَّاهِبِينَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْخَوْفُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْخَوْفَ فِي الْآيَةِ ; لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِعُمُومِ الْعَامَّةِ لَا سِيَّمَا فِي الْبِدَايَةِ، (وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ) أَيِ: اعْتِقَابًا أَوِ اجْتِمَاعًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ (وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشْرٌ عَلَى بَعِيرٍ) : فَعَلَى مِقْدَارِ مَرَاتِبِهِمْ يَسْتَرِيحُونَ عَلَى مَرَاكِبِهِمْ، وَالْبَاقُونَ يَمْشُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ عَلَى قَدْرِ أَقْدَامِهِمْ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَوْلُهُ: وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ الْوَاوُ فِيهِ لِلْحَالِ، وَصِفَةُ الْمُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ أَيِ اثْنَانِ مِنْهُمْ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَهَذِهِ الْأَعْدَادُ تَفْصِيلٌ لِمَرَاتِبِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ وَالتَّمْثِيلِ، فَمَنْ كَانَ أَعْلَى مَرَاتِبِهِ كَانَ أَقَلَّ شَرِكَةً وَأَشَدَّ سُرْعَةً وَأَكْثَرَ سِبَاقًا.
فَإِنْ قُلْتَ: كَوْنُ الِاثْنَيْنِ وَإِخْوَاتِهِ عَلَى الْبَعِيرِ بِطَرِيقِ الِاجْتِمَاعِ أَمِ الِاعْتِقَابِ؟ قُلْنَا: قَالَ شَارِحٌ: السُّنَّةُ بِطَرِيقِ الِاعْتِقَابِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاجْتِمَاعِ ; إِذْ فِي الِاعْتِقَابِ لَا يَكُونُ الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ عَلَى بَعِيرٍ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا اقْتُصِرَ عَلَى ذِكْرِ الْعَشْرِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ غَايَةُ عَدَدِ الرَّاكِبِينَ عَلَى ذَلِكَ الْبَعِيرِ الْمُحْتَمِلِ لِلْعَشَرَةِ مِنْ بَدَائِعِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَنَاقَةِ صَالِحٍ ; حَيْثُ قَوَّى مَا لَا يَقْوَى مِنَ الْبُعْرَانِ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الْخَمْسَةَ وَالسِّتَّةَ وَغَيْرَهُمَا إِلَى الْعَشَرَةِ لِلْإِيجَازِ.
стр. 7663
(وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمْ) أَيْ: تَجْمَعُهُمُ (النَّارُ تَقِيلُ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الْقَيْلُولَةِ وَفَاعِلُهُ النَّارُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا تَكُونُ (مَعَهُمْ) : فِي النَّهَارِ (حَيْثُ قَالُوا) أَيْ: كَانُوا أَوِ اسْتَرَاحُوا (وَتَبِيتُ) : أَيِ النَّارُ (مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا) أَيْ: كَانُوا فِي اللَّيْلِ (وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا) أَيْ: دَخَلُوا فِي الصَّبَاحِ (وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا) : وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّارَ تَلْزَمُهُمْ بِحَيْثُ لَا تُفَارِقُهُمْ أَبَدًا. هَذَا مُجْمَلُ الْكَلَامِ فِي تَحْصِيلِ الْمَرَامِ.
وَأَمَّا تَفْصِيلُهُ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحَشْرُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ يُحْشَرُ النَّاسُ أَحْيَاءً إِلَى الشَّامِ، وَأَمَّا الْحَشْرُ بَعْدَ الْبَعْثِ مِنَ الْقُبُورِ، فَإِنَّهُ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ رُكُوبِ الْإِبِلِ وَالْمُعَاقَبَةِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ حُفَاةً عُرَاةً، وَفُسِّرَ ثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، عَلَى أَنَّهُمْ يَعْتَقِبُونَ الْبَعِيرَ الْوَاحِدَ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ وَيَمْشِي بَعْضُهُمْ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: قَوْلُ مَنْ يَحْمِلُ الْحَشْرَ عَلَى الْحَشْرِ الَّذِي هُوَ بَعْدَ الْبَعْثِ فِي الْقُبُورِ أَشَدُّ وَأَقْوَى، وَأَشْبَهُ بِسِيَاقِ الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ الْحَشْرَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي مُتَعَارَفِ الشَّرْعِ لَا يُرَادُ مِنْهُ إِلَّا الْحَشْرُ الَّذِي بَعْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلَّا أَنْ يُخَصَّ بِنَوْعٍ مِنَ الدَّلِيلِ، وَلَمْ نَجِدْ هَاهُنَا، وَالْآخَرُ: أَنَّ التَّقْسِيمَ الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْحَشْرِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ ; لِأَنَّ الْمُهَاجِرَ إِلَيْهَا لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ رَاغِبًا رَاهِبًا، أَوْ رَاهِبًا، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ رَاغِبًا وَرَاهِبًا، وَتَكُونَ هَذِهِ طَرِيقَةً وَاحِدَةً لَا ثَانِيَ لَهَا مِنْ جِنْسِهَا فَلَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ حَشْرَ النَّارِ يُقَيِّدُ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ، وَالْتِزَامُهَا لَهُمْ حَتَّى لَا تُفَارِقَهُمْ فِي مَقِيلٍ وَلَا مَبِيتٍ، وَلَا صَبَاحٍ وَلَا مَسَاءٍ، قَوْلٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ التَّوْقِيفُ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نَقُولَ بِتَسْلِيطِ النَّارِ عَلَى أُولِي الشَّقَاوَةِ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ. وَالرَّابِعُ: وَهُوَ أَقْوَى الدَّلَائِلِ وَأَوْثَقُهَا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ فِي الْحِسَانِ مِنْ هَذَا الْبَابِ: يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ الْحَدِيثَ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ بَعْثِ النَّاسِ حُفَاةً عُرَاةً، فَلَا تَضَادَّ بَيْنَ الْقَضِيَّتَيْنِ ; لِأَنَّ إِحْدَاهَا حَالَةُ الْبَعْثِ مِنَ النَّشْرِ، وَأُخْرَى حَالَةُ السَّوْقِ إِلَى الْمَحْشَرِ، وَنَرَى التَّقْسِيمَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ التَّقْسِيمَ الَّذِي جَاءَ بِهِ التَّنْزِيلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا - وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا - فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا - وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٤ - ٧] الْآيَاتِ، فَقَوْلُهُ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ يُرِيدُ بِهِ عَوَامَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمْ ذَوُو الْهَنَاتِ الَّذِينَ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ بَعْدَ زَوَالِ التَّكْلِيفِ، فَتَارَةً يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ لِإِيمَانِهِمْ، وَتَارَةً يَخَافُونَ عَذَابَهُ لِمَا اجْتَرَحُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ فِي الْحِسَانِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَقَوْلُهُ: وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، فَالْمُرَادُ مِنْهُ أُولُو السَّابِقَةِ مِنْ أَفَاضِلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمُ السَّابِقُونَ، وَقَوْلُهُ: وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، يُرِيدُ أَصْحَابَ الْمَشْأَمَةِ. فَهَذِهِ ثَلَاثُ طَرَائِقَ، فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْ مِنَ السَّابِقِينَ مَنْ يَتَفَرَّدُ بِفَرْدِ مَرْكَبٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ، قُلْنَا لِأَنَّهُ عُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ مَجْعُولٌ لِمَنْ فَوْقَهُمْ فِي الْمَرْتَبَةِ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ لِيَقَعَ الِامْتِيَازُ بَيْنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ فِي الْمَرَاكِبِ كَمَا وَقَعَ فِي الْمَرَاتِبِ اهـ. وَعَارَضَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ فَحَذَفْنَا بَحْثَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7664
٥٥٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا " ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ، " وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ. فَأَقُولُ أَيْ قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] إِلَى قَوْلِهِ: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٣٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ) أَيْ: سَتُبْعَثُونَ (حُفَاةً) : بِضَمِّ الْحَاءِ جَمْعُ حَافٍ وَهُوَ الَّذِي لَا نَعْلَ لَهُ (عُرَاةً) : بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعُ عَارٍ وَهُوَ مَنْ لَا سِتْرَ لَهُ (غُرْلًا) : بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، جَمْعُ الْأَغْرَلِ، وَهُوَ الْأَقْلَفُ أَيْ غَيْرَ مَخْتُونِينَ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي قَوْلِهِ: غُرْلًا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْبَعْثَ يَكُونُ بَعْدَ رَدِّ تَمَامِ الْأَجْزَاءِ وَالْأَعْضَاءِ الزَّائِلَةِ فِي الدُّنْيَا إِلَى الْبَدَنِ، وَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ، فَإِنَّ الْقُلْفَةَ كَانَتْ وَاجِبَةَ الْإِزَالَةِ فِي الدُّنْيَا، فَغَيْرُهَا مِنَ الْأَشْعَارِ وَالْأَظْفَارِ وَالْأَسْنَانِ وَنَحْوِهَا أَوْلَى، وَذَلِكَ لِغَايَةِ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ، وَنِهَايَةِ قُدْرَتِهِ
стр. 7665
بِالْأَشْيَاءِ الْمُمْكِنَاتِ، (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ: اسْتِشْهَادًا، وَاعْتِضَادًا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] : الْكَافُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ نُعِيدُهُ أَيْ نُعِيدُ الْخَلْقَ إِعَادَةً مِثْلَ الْأَوَّلِ، وَالْمَعْنَى: بَدَأْنَاهُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، كَذَا نُعِيدُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أَيْ: لَازِمًا لَا يَجُوزُ الْخُلْفُ فِيهِ ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أَيْ مَا وَعَدْنَاهُ وَأَخْبَرْنَا بِهِ لَا مَحَالَةَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِنْ قُلْتَ: سِيَاقُ الْآيَةِ فِي إِثْبَاتِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى نُوجِدُكُمْ عَنِ الْعَدَمِ، كَمَا أَوَجَدْنَاكُمْ أَوَّلًا عَنِ الْعَدَمِ، فَكَيْفَ يُسْتَشْهَدُ بِهَا لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ؟ قُلْتُ: دَلَّ سِيَاقُ الْآيَةِ وَعِبَارَتُهَا عَلَى إِثْبَاتِ الْحَشْرِ، وَإِشَارَتُهَا عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنَ الْحَدِيثِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْإِدْمَاجِ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ بِعِبَارَتِهَا تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ وَإِنْ كَانَ سِيَاقُ الْآيَةِ مُخْتَصًّا لِأَحَدِهِمَا، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ: نُوجِدُكُمْ مِنَ الْعَدَمِ مُسَامَحَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ) : ﵊، قِيلَ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْفُقَرَاءَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَرِيَ فِي ذَاتِ اللَّهِ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، لَا لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ نَبِيِّنَا، أَوْ لِكَوْنِهِ أَبَاهُ فَقَدَّمَهُ لِعِزَّةِ الْأُبُوَّةِ، عَلَى أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ نَبِيَّنَا يَخْرُجُ فِي النَّاسِ مِنْ قَبْرِهِ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا، وَعِنْدِي - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ، يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ حُفَاةً عُرَاةً، لَكِنْ يَلْبَسُونَ أَكْفَانَهُمْ بِحَيْثُ لَا تُكْشَفُ عَوْرَاتُهُمْ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ ﷺ : ( «أَخْرُجُ مِنْ قَبْرِي وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِي وَعُمَرُ عَنْ يَسَارِي وَآتِي الْبَقِيعَ» ) الْحَدِيثَ. ثُمَّ يَرْكَبُونَ النُّوقَ وَنَحْوَهَا، وَيَحْضُرُونَ الْمَحْشَرَ، فَيَكُونُ هَذَا الْإِلْبَاسُ مَحْمُولًا عَلَى الْخِلَعِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْحُلَلِ الْجَنَّتِيَّةِ، عَلَى الطَّائِفَةِ الِاصْطِفَائِيَّةِ، وَأَوَّلِيَّةُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً، أَوْ إِضَافِيَّةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَدِيثَ: " «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ فَأُكْسَى حُلَّةً مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقُومُ ذَلِكَ الْمَقَامَ غَيْرِي» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ آتِي أَهْلَ الْبَقِيعِ فَيُحْشَرُونَ مَعِي، ثُمَّ أَنْتَظِرُ أَهْلَ مَكَّةَ» ". وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: نَرَى أَنَّ التَّقَدُّمَ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ إِنَّمَا وَقَعَ لِإِبْرَاهِيمَ ﵊ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَرِيَ فِي ذَاتِ اللَّهِ حِينَ أَرَادُوا إِلْقَاءَهُ فِي النَّارِ، فَإِنْ قِيلَ: أَوَلَيْسَ نَبِيُّنَا ﷺ هُوَ الْمَحْكُومَ لَهُ بِالْفَضْلِ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَأَخُّرُهُ فِي ذَلِكَ مُوهِمٌ أَنَّ الْفَضْلَ لِلسَّابِقِ؟ قُلْنَا: إِذَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَبْدًا بِفَضْلِهِ عَلَى آخَرَ، وَاسْتَأْثَرَ الْمُسْتَأْثَرَ عَلَيْهِ عَلَى الْمُسْتَأْثَرِ بِتِلْكَ الْوَاحِدَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا أَوْ أَفْضَلَ كَانَتِ السَّابِقَةُ لَهُ، وَلَا يَقْدَحُ اسْتِئْثَارُ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ بِفَضِيلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي فَضْلِهِ، وَلَا خَفَاءَ بِأَنَّ الشَّفَاعَةَ حَيْثُ لَا يُؤْذَنُ لِأَحَدٍ فِي الْكَلَامِ لَمْ تُبْقِ سَابِقَةً لِأُولِي السَّابِقَةِ، وَلَا فَضِيلَةً لِذَوِي الْفَضَائِلِ إِلَّا أَتَتْ عَلَيْهَا، وَكَمْ لَهُ مِنْ فَضَائِلَ مُخْتَصَّةٍ بِهِ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا، وَلَمْ يُشَارَكْ فِيهَا. (وَإِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِي) أَيْ: جَمَاعَةً مِنْهُمْ، وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ (يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أَيْ: إِلَى النَّارِ مَعَ أَصْحَابِ الْمَشْأَمَةِ (فَأَقُولُ: أُصَيْحَابِي) : بِالتَّصْغِيرِ لِلتَّقْلِيلِ، أَيْ: هَؤُلَاءِ أَصْحَابِي (أُصَيْحَابِي!) : كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى جَمَاعَتَيْنِ، (فَيَقُولُ) أَيْ: قَائِلٌ أَوْ مُجِيبٌ (إِنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُذْ فَارَقْتَهُمْ) .
قَالَ الْقَاضِي ﵀: يُرِيدُ بِهِمْ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي أَيَّامِهِ، كَأَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ، وَالْأَسْوَدِ وَأَضْرَابِهِمْ، فَإِنَّ أَصْحَابَهُ، وَإِنْ شَاعَ عُرْفًا فِيمَنْ يُلَازِمُهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، شَاعَ اسْتِعْمَالُهُ لُغَةً فِي كُلِّ مَنْ تَبِعَهُ، أَوْ أَدْرَكَ حَضْرَتَهُ وَوَفِدَ عَلَيْهِ وَلَوْ مَرَّةً. قُلْتُ: الْأَوَّلُ اصْطِلَاحُ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالثَّانِي مُصْطَلَحُ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالِارْتِدَادِ إِسَاءَةَ السِّيرَةِ، وَالرُّجُوعَ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْلَاصِ، وَصِدْقِ النِّيَّةِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيَا. أَقُولُ: هَذَا بِالْإِشَارَاتُ الصُّوفِيَّةُ أَنْسَبُ وَأَقْرَبُ، وَإِلَّا فَعِبَارَةُ الِارْتِدَادِ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَصْلًا، وَلَا مُوَافِقَةٍ لِقَوْلِهِ ﵊: (فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ) : وَهُوَ عِيسَى ﵊: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ أَيْ: عَلَى أُمَّتِي شَهِيدًا أَيْ: مُطَّلِعًا رَقِيبًا حَافِظًا ﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] أَيْ: مَوْجُودًا فِيمَا بَيْنَهُمْ (إِلَى قَوْلِهِ: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) : وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
стр. 7666
٥٥٣٦ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٣٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ) : بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقْرَأَ بِالْمَدِّ وَالتَّسْهِيلِ أَيْضًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] ، (وَالنِّسَاءُ) : عَطْفٌ عَلَى الرِّجَالِ وَهُمَا مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: (جَمِيعًا) أَيْ: مُجْتَمِعِينَ حَالٌ مِنْهُمَا عَلَى مَا جَوَّزَهُ الْبَعْضُ، فَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: (يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) ؟ وَهُوَ مَحَطُّ الِاسْتِفْهَامِ التَّعَجُّبِيِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ: مُبْتَدَأٌ، وَجَمِيعًا: حَالٌ سَدَّ مَسَدَّ الْخَبَرِ، أَيْ: مُخْتَلِطُونَ جَمِيعًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ: يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي الْحَالِ قُدِّمَ اهْتِمَامًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧] وَفِيهِ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، وَلِذَلِكَ أَجَابَ، (فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ! الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) أَيْ: أَمْرُ الْقِيَامَةِ أَصْعَبُ مِنْ أَنْ يَقْدِرَ أَحَدٌ عَلَى النَّظَرِ إِلَى غَيْرِهِ عَمْدًا، أَوْ سَهْوًا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا " فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: أَيَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى عَوْرَةِ بَعْضٍ، فَقَالَ: " يَا فُلَانَةُ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: كَيْفَ يُحْشَرُ النَّاسُ؟ قَالَ: " حُفَاةً عُرَاةً ". قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ! قَالَ: " إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ آيَةٌ لَا يَضُرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثِيَابٌ أَوْ لَا ". قَالَتْ: وَأَيُّ آيَةٍ هِيَ؟ قَالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] » ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاسَوْأَتَاهُ! يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ! فَقَالَ: " شُغُلُ النَّاسِ ". قُلْتُ: مَا شُغُلُهُمْ؟ قَالَ: " نَشْرُ الصَّحَائِفِ فَمِنْهَا مَثَاقِيلُ الذَّرِّ وَمَثَاقِيلُ الْخَرْدَلِ» ".
стр. 7667
٥٥٣٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٣٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ؟ وَلِكَوْنِ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرًا (قَالَ: أَلَيْسَ) أَيِ: الشَّأْنُ (الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا) : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: (قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهُ (عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فِي الثَّالِثِ، وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبَا حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ «عَنْ أَنَسٍ قِيلَ: قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: " الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَرْجُلِهِمْ قَادِرٌ أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: " أَرَأَيْتَ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَلَيْسَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ» ؟ ".
стр. 7668
٥٥٣٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ ; فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ! إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ لِإِبْرَاهِيمَ: مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٥٣٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَلْقَى) أَيْ: يَرَى (إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ) : بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجْهِ آزَرَ) : وُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ; لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رَجْعُهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فِي ابْتِدَاءِ الْحَالِ (قَتَرَةٌ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ سَوَادٌ مِنَ الْكَآبَةِ وَالْحُزْنِ (وَغَبَرَةٌ) : بِفَتْحَتَيْنِ غُبَارٌ مَعَهُ سَوَادٌ، فَذَكَرَهُمَا مُبَالَغَةً وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، (فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ) : ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ (لَا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ! إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي) أَيْ: لَا تَفْضَحَنِي (يَوْمَ يُبْعَثُونَ) أَيِ: الْخَلَائِقُ (فَأَيُّ خِزْيٍ) : فِي النِّهَايَةِ هُوَ الْهَلَاكُ وَالْوُقُوعُ فِي بَلِيَّةٍ (أَخْزَى مِنْ أَبِي) أَيْ: مِنْ خِزْيِ أَبِي (الْأَبْعَدِ) : يُرِيدُ الْبُعْدَ فِي الْمَرْتَبَةِ وَالِالْتِحَاقَ بِأَهْلِ النَّارِ، أَوِ الْهَالِكِ مِنَ الْبُعْدِ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ، أَوِ الْأَبْعَدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الْفَاسِقَ بَعِيدٌ وَالْكَافِرَ أَبْعَدُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَإِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ أَقْرَبُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ أَفْعَلُ الَّذِي قُطِعَ عَنْ مُتَعَلَّقِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، (فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ) ؟ وَفِي نُسْخَةٍ: انْظُرْ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ، وَمَا: اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَا اسْتِفْهَامٌ خَبَرُهُ تَحْتَ، وَيَجُوزُ كَوْنُهُ بِمَعْنَى الَّذِي، أَيِ: انْظُرْ إِلَى الَّذِي تَحْتَ رِجْلَيْكَ، (فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ) أَيْ: آزَرُ (بِذِيخٍ) : بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَتَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ فَخَاءٌ مُعْجَمَةٌ، وَهُوَ ذَكَرُ الضَّبْعِ الْكَثِيرِ الشَّعْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ مَا يُذْبَحُ (مُتَلَطِّخٍ) : إِمَّا بِرَجِيعِهِ أَوْ بِدَمِهِ أَوْ بِالطِّينِ، (فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ) : جَمْعُ قَائِمَةٍ وَهُوَ مَا يَقُومُ بِهِ الدَّوَابُّ بِمَثَابَةِ الْأَرْجُلِ لِلْإِنْسَانِ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، فَفِيهِ تَغْلِيبٌ ; إِذِ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ (فَيُلْقَى) أَيْ: فَيُطْرَحُ (فِي النَّارِ) أَيْ: فِي مَقَامِ الْكُفَّارِ، فَغُيِّرَ صُورَتُهُ لِيَكُونَ تَسْلِيَةً لِإِبْرَاهِيمَ حَتَّى لَا يُخْزِيَهُ لَوْ رَآهُ قَدْ أُلْقِيَ فِي النَّارِ عَلَى صُورَتِهِ، فَيَكُونُ خِزْيًا وَفَضِيحَةً عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ ; فَغَيَّرَهُ سُتْرَةً لِحَالِهِ فِي تَقْبِيحِ مَآلِهِ. قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اخْتَلَفَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَبَرَّأَ إِبْرَاهِيمُ فِيهِ مِنْ أَبِيهِ، فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لَمَّا مَاتَ آزَرُ مُشْرِكًا، وَقِيلَ إِنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمَّا أَيِسَ مِنْهُ حِينَ مُسِخَ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ لَمَّا مَاتَ مُشْرِكًا، فَتَرَكَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ، لَكِنْ لَمَّا رَآهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَدْرَكَتْهُ الرَّأْفَةُ فَسَأَلَ مِنْهُ، فَلَمَّا رَآهُ مُسِخَ أَيِسَ مِنْهُ وَتَبَرَّأَ تَبَرُّأً أَبَدِيًّا، وَقِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ آمَنَ فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُطْلِعْ إِبْرَاهِيمَ، وَيَكُونُ وَقْتُ تَبَرُّئِهِ مِنْهُ بَعْدَ الْحَالِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7669
٥٥٣٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥٣٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَعْرَقُ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ (النَّاسُ) أَيْ: جَمِيعًا، وَالْجِنُّ أَوْلَى، فَتَرْكُهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَالظَّاهِرُ اسْتِثْنَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ (حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا) : قِيلَ هَذَا الْعَرَقُ تَرَاكُمُ الْأَهْوَالِ وَحُصُولُ الْحَيَاءِ وَالْخَجَالَةِ وَالنَّدَامَةِ وَالْمَلَامَةِ، وَتَزَاحُمُ حَرِّ الشَّمْسِ وَالنَّارِ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: إِنَّ جَهَنَّمَ تُدِيرُ أَهْلَ الْمَحْشَرِ فَلَا يَكُونُ إِلَى الْجَنَّةِ طَرِيقٌ إِلَّا الصِّرَاطُ، (وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ) أَيْ: يَصِلَ الْعَرَقُ إِلَيْهَا، وَهِيَ بِالْمَدِّ جَمْعُ أُذُنٍ. قَالَ شَارِحٌ: أَيْ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَسَيَأْتِي أَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي أَحْوَالِهِمْ عَلَى مَرَاتِبِ أَعْمَالِهِمْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُلْجِمُهُ الْعَرَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ أَرِحْنِي وَلَوْ إِلَى النَّارِ» ".
стр. 7670
٥٥٤٠ - وَعَنِ الْمِقْدَادِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا "، وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٥٤٠ - (وَعَنِ الْمِقْدَادِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تَدْنُو الشَّمْسُ) أَيْ: تَقْرَبُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ) أَيِ: الشَّمْسُ وَالْمُرَادُ جِرْمُهَا (كَمِقْدَارِ مِيلٍ) : تَقْدِيرُهُ حَتَّى يَكُونَ مِقْدَارُ قُرْبِ الشَّمْسِ مِنْهُمْ مِثْلَ مِقْدَارِ مِيلٍ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩] أَيْ: كَانَ قُرْبُ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ جِبْرِيلَ، أَوْ مِنْ مَكَانِ الْقُرْبِ مِثْلَ مِقْدَارِ قَوْسَيْنِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ سُلَيْمٌ: لَا أَدْرِي أَيَّ الْمِيلَيْنِ يَعْنِي مَسَافَةَ الْأَرْضِ، أَوِ الْمِيلَ الَّذِي يُكْحَلُ بِهِ الْعَيْنُ، (فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ) أَيِ: السَّيِّئَةِ (فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ) أَيْ: تَقْرِيبًا ; فَيَقْبَلُ النُّقْصَانَ وَالزِّيَادَةَ، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ) : الْحَقْوُ: الْخَصْرُ وَمَشَدُّ الْإِزَارِ، (وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا، وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ) أَيْ: فَمِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنْ قُلْتَ: إِذَا كَانَ الْعَرَقُ كَالْبَحْرِ يُلْجِمُ الْبَعْضَ، فَكَيْفَ يَصِلُ إِلَى كَعْبِ الْآخَرِ؟ قُلْنَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى ارْتِفَاعًا فِي الْأَرْضِ تَحْتَ أَقْدَامِ الْبَعْضِ، أَوْ يُقَالُ يُمْسِكُ اللَّهُ تَعَالَى عَرَقَ كُلِّ إِنْسَانٍ بِحَسَبِ عَمَلِهِ ; فَلَا يَصِلُ إِلَى غَيْرِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، كَمَا أَمْسَكَ جَرْيَةَ الْبَحْرِ لِمُوسَى ﵊ قُلْتُ: الْمُعْتَمَدُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَخِيرُ ; فَإِنَّ أَمْرَ الْآخِرَةِ كُلَّهُ عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ، أَمَا تَرَى أَنَّ شَخْصَيْنِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ يُعَذَّبُ أَحَدُهُمَا وَيُنَعَّمُ الْآخَرُ، وَلَا يَدْرِي أَحَدُهُمَا عَنْ غَيْرِهِ، وَنَظِيرُهُ فِي الدُّنْيَا نَائِمَانِ، مُخْتَلِفَانِ فِي رُؤْيَاهُمَا، فَيَحْزَنُ أَحَدُهُمَا وَيَفْرَحُ الْآخَرُ، بَلْ شَخْصَانِ قَاعِدَانِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ أَحَدُهُمَا فِي عِلِّيِّينَ، وَالْآخَرُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ، أَوْ أَحَدُهُمَا فِي صِحَّةٍ وَالْآخَرُ فِي وَجَعٍ أَوْ بَلِيَّةٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
следующие страницы →