Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.
стр. 7946
مَاؤُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ التِّبْيَانِيَ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ السَّحَابَ كِنَايَةٌ عَنْ حِجَابِ الْجَلَالِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ حِجَابِ الذَّاتِ الْبَاعِثِ عَلَى سِرِّ الصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَلَوِيَّاتِ وَالسَّلَفِيَّاتِ، وَلِذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا يَدْرِي أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَاءُ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَمَى بِالْقِصَرِ، وَهُوَ ذَهَابُ الْبَصَرِ، فَقِيلَ: هُوَ كُلُّ أَمْرٍ لَا تُدَارِكُهُ عُقُولُ بَنِي آدَمَ، وَلَا يَبْلُغُ كُنْهَهُ الْوَصْفُ، وَلَا يُدْرِكُهُ الْفَطِنُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُكَيِّفُهُ بِصِفَةٍ أَيْ نُجْرِي اللَّفْظَ عَلَى مَا جَاءَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ مَعَ التَّنْزِيهِ عَمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الْحُدُوثِ وَالتَّبْدِيلِ.
(مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ) : مَا: نَافِيَةٌ فِيهِمَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ. قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِالْعَمَاءِ مَا لَا تَقْبَلُهُ الْأَوْهَامُ وَلَا تُدْرِكُهُ الْعُقُولُ وَالْأَفْهَامُ، عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ الْمَكَانِ بِمَا لَا يُدْرَكُ وَلَا يُتَوَهَّمُ، وَعَنْ عَدَمِ مَا يَحْوِيهِ وَيُحِيطُ بِهِ الْهَوَاءُ، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْخَلَاءُ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الْجِسْمِ، لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى فَهْمِ السَّامِعِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَمَّا خُلِقَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ فَلَوْ كَانَ الْعَمَاءُ أَمْرًا مَوْجُودًا لَكَانَ مَخْلُوقًا، إِذْ مَا مِنْ شَيْءٍ سِوَاهُ إِلَّا وَهُوَ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ وَأَبْدَعَهُ، فَلَمْ يَكُنِ الْجَوَابُ طِبْقَ السُّؤَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وَنَحْوِهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَيْنَ كَانَ عَرْشُ رَبِّنَا؟ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] : الْمُطَابِقُ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ عَنِ الْعَرْشِ لَمَا كَانَ حَاجَةٌ لِلتَّعَرُّضِ إِلَيْهِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى التَّقْدِيرِ، وَلَا بُدَّ لِقَوْلِهِ فِي عَمَاءٍ بِالْمَدِّ مِنَ التَّأْوِيلِ، حَتَّى يُوَافِقَ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى عَمًّى مَقْصُورًا، وَمَا وَرَدَ فِي الصِّحَاحِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: " «مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ» " جَاءَ تَتْمِيمًا صَوْنًا لِمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: فِي عَمَاءٍ مِنَ الْمَكَانِ، فَإِنَّ الْغَمَامَ الْمُتَعَارَفَ مُحَالٌ أَنْ يُوجَدَ بِغَيْرِ هَوَاءٍ، فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: " «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» " عَلَى مَا سَبَقَ فَالْجَوَابُ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ سُئِلَ عَنِ الْمَكَانِ؟ فَأَجَابَ عَنِ الْإِمْكَانِ، يَعْنِي إِنْ كَانَ هَذَا مَكَانًا فَهُوَ فِي مَكَانٍ، وَهُوَ إِرْشَادٌ لَهُ يَفِي غَايَةً مِنَ اللُّطْفِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) : وَهُوَ أَحَدُ مَشَايِخِ شُيُوخِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ (الْعَمَاءُ) أَيْ: يَعْنِي مَعْنَاهُ (لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ) : وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى كَلَامِ بَعْضِ الْعَارِفِينَ فِي هَذَا الشَّأْنِ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وَالْآنَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ كَانَ، وَإِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ.
стр. 7947
٥٧٢٦ - «وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁. أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي الْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِيهِمْ، فَمَرَّتْ سَحَابَةٌ، فَنَظَرُوا إِلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ ": قَالُوا: السَّحَابَ. قَالَ: " وَالْمُزْنَ؟ " قَالُوا: وَالْمُزْنَ. قَالَ: " وَالْعَنَانَ ". قَالُوا وَالْعَنَانَ. قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ ". قَالُوا: لَا نَدْرِي قَالَ: " إِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ وَإِمَّا اثْنَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَالسَّمَاءُ الَّتِي فَوْقَهَا كَذَلِكَ " حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ. ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ، بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوَعَالٍ، بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَوُرُكِهِنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ " الْعَرْشُ "، بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللَّهُ فَوْقَ ذَلِكَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٧٢٦ - (وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، زَعَمَ) أَيْ: نُقِلَ (أَنَّهُ) أَيْ: الْعَبَّاسَ (كَانَ جَالِسًا بِالْبَطْحَاءِ) أَيْ: فِي الْمُحَصَّبِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِمَكَّةَ فَوْقَ مَقْبَرَةِ الْمُعَلَّى، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَكَّةَ، وَأَصْلُ الْبَطْحَاءِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ مَسِيلٌ وَاسِعٌ، فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى (فِي عِصَابَةٍ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اسْتِعْمَالُ زَعَمَ، وَنِسْبَتُهُ إِلَى عَبَّاسٍ رَمَزٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُسْلِمًا، وَلَا تِلْكَ الْعِصَابَةُ كَانُوا مُسْلِمِينَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْبَطْحَاءِ. قُلْتُ: وَكَانَ وَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ غَالِبًا مُجْتَمَعُ الْكُفَّارِ، وَمَجْمَعُ رَأْيِهِمْ فِي تِلْكَ الدَّارِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اتَّفَقَ مَشَايِخُ الْعَرَبِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، أَنَّهُمْ يَهْجُرُونَ بَنِي هَاشِمٍ، وَلَا يُبَايِعُونَهُمْ، وَلَا يُشَاوِرُونَهُمْ، وَلَا يُنَاكِحُونَهُمْ، وَلَا يُجَالِسُونَهُمْ، حَتَّى يَتْرُكُوا نُصْرَةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحِمَايَتَهُ، كَمَا هُوَ فِي السِّيَرِ مَعْرُوفٌ.
стр. 7948
وَلِذَا لَمَّا حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةَ الْوَدَاعِ نَزَلَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنْ مِنًى إِشَارَةً إِلَى مَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْغَلَبَةِ عَلَى أَعْدَاءِ الدَّيْنِ، وَإِيمَاءً إِلَى إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْيَقِينِ، هَذَا وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِمَّا يَدُلُّ صَرِيحًا أَنَّ تِلْكَ الْعِصَابَةَ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَأَمَّا " زَعَمَ "، فَكَثِيرًا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ فِيهِمْ) ، أَيْ حِينَئِذٍ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقَضِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ بَعْدَ الْقِصَّةِ الْمَسْطُورَةِ بَعْدَمَا وَقَعَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْهَدِيَّةِ، (فَمَرَّتْ سَحَابَةٌ، فَنَظَرُوا إِلَيْهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ ") ؟ مَا: اسْتِفْهَامِيَّةٌ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ، وَهُوَ حَمْلُ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَالْمَقْصُودُ التَّثْبِيتُ ضِدَّ الْإِنْكَارِ أَيْ أَيُّ: شَيْءٍ تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ إِشَارَةٌ إِلَى السَّحَابَةِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِتُسَمُّونَ، وَالْأَوَّلُ لَفْظَةُ: " مَا " (قَالُوا: السَّحَابَ) . بِالنَّصْبِ أَيْ: نُسَمِّيهِ السَّحَابَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هِيَ السَّحَابُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ وَاحِدَةٌ مِنْ جُمْلَةِ جِنْسِ السَّحَابِ (قَالَ: وَالْمُزْنُ) أَيْ وَتُسَمُّونَهَا أَيْضًا الْمُزْنَ (قَالُوا: وَالْمُزْنَ) . أَيْ: نُسَمِّيهَا أَيْضًا. فَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْغَيْمُ، وَالسَّحَابُ وَاحِدَتُهُ مُزْنَةٌ وَقِيلَ: هِيَ السَّحَابَةُ الْبَيْضَاءُ زَادَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ [الواقعة: ٦٩] (قَالَ: وَالْعَنَانُ؟ قَالُوا: وَالْعَنَانُ) . كَسَحَابٍ زِنَةً وَمَعْنَى، مِنْ عَنَّ أَيْ: ظَهَرَ. وَفِي النِّهَايَةِ الْوَاحِدَةُ عَنَانَةُ، وَقِيلَ مَا عَنَّ لَكَ فِيهَا أَيِ اعْتَرَضَ وَبَدَا لَكَ إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا لَاطَفَهُمْ فِي الْكَلَامِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ مَعْرِفَتَهُ بِلُغَاتِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ تَدْرِيجًا بِالِانْتِقَالِ مِنْ مَعْلُومِهِمْ إِلَى مَجْهُولِهِمْ، وَتَرَقِّيًا مِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ. (قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ") ؟ أَيْ: مَا مِقْدَارُ بُعْدَ مَسَافَةِ مَا بَيْنَهُمَا (قَالُوا: لَا نَدْرِي. قَالَ: " إِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ وَإِمَّا اثْنَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً) ، الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي كَذَا قِيلَ، وَلِلتَّنْوِيعِ لِاخْتِلَافِ أَمَاكِنِ الصَّاعِدِ وَالْهَاوِي، وَبِهَذَا يَظْهَرُ صِحَّةُ مَا قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْمُرَادُ بِالسَبْعُونَ فِي الْحَدِيثِ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ، لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةَ عَامٍ أَيْ سَنَةً، وَالتَّكْثِيرُ هَذَا أَبْلَغُ وَالْمَقَامُ لَهُ أَدْعَى. (وَالسَّمَاءُ) : بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ (الَّتِي فَوْقَهَا) أَيْ: فَوْقَ سَمَاءِ الدُّنْيَا (كَذَلِكَ) أَيْ: فِي الْبُعْدِ (حَتَّى عِنْدَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ) . أَيْ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَاتِ (ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ) أَيْ: عَظِيمٌ (بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ) . أَيْ الْبَحْرِ (ثَمَانِيَةُ أَوَعَالٍ) ، جَمْعُ وَعْلٍ، وَهُوَ الْعَنْزُ الْوَحْشِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ تَيْسُ شَاةِ الْجَبَلِ (بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ) : جَمْعُ ظِلْفٍ بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ لِلْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَالطِّيبِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْحَافِرِ لِلدَّابَّةِ، وَالْخُفُّ لِلْبَعِيرِ. (وَوَرِكِهِنَّ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ مَا فَوْقَ أَفْخَاذِهِنَّ (مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ) ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِنَّ مَلَائِكَةٌ عَلَى أَشْكَالٍ أَوَعَالٍ، وَيُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: (ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ) أَيْ: مَحْمُولٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧] (بَيْنَ أَسْفَلِهِ) أَيْ: الْعَرْشِ (وَأَعْلَاهُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ) ، أَيْ مِنْ كَثْرَةِ الْبُعْدِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْحَدِّ، وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ بِجَنْبِ الْعَرْشَ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ (ثُمَّ اللَّهُ) أَيْ: وَسِعَةُ عِلْمُهُ أَوِ اتِّسَاعُ قُدْرَتِهِ فِي مُلْكِهِ (فَوْقَ ذَلِكَ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَشْغَلَهُمْ عَنِ السُّفْلِيَّاتِ إِلَى الْعُلْوِيَّاتِ، وَالتَّفْكِيرُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْعَرْشِ، ثُمَّ يَتَرَقَّوْا إِلَى مَعْرِفَةِ خَالِقِهِمْ وَرَازِقِهِمْ، وَيَسْتَكْفُوا عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَلَا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، فَأَخَذَ فِي التَّرَقِّي مِنَ السَّحَابِ، ثُمَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ، ثُمَّ مِنَ الْبَحْرِ، ثُمَّ مِنَ الْأَوْعَالِ، ثُمَّ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى ذِي الْعَرْشِ، وَالْفَوْقِيَّةُ بِحَسْبِ الْعَظَمَةِ لَا الْمَكَانِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ عَالِي الشَّأْنِ عَظِيمُ الْبُرْهَانِ، وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ: فَوْقَ الْعَرْشِ حُكْمًا وَعَظَمَةً وَاسْتِيلَاءً ". (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 7949
٥٧٢٧ - «وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مَطْعِمٍ ﵁، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: جَهِدَتِ الْأَنْفُسُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، وَنُهِكَتِ الْأَمْوَالُ، وَهَلَكَتِ الْأَغْنَامُ، فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللَّهِ، وَنَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ ". فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ قَالَ: " وَيْحَكَ إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ، شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ لَهَكَذَا " وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ مَثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ " وَإِنَّهُ لِيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٧٢٧ - (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ: جَاءَهُ (أَعْرَابِيٌّ) أَيْ: بَدَوِيٌّ (فَقَالَ: جُهِدَتِ الْأَنْفُسُ) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْجُهْدِ بِفَتْحِ الْجِيمِ الْمَشَقَّةُ وَبِضَمِّهَا الطَّاقَةُ، وَالْمَعْنَى حَمَلَتْ فَوْقَ طَاقَتِهَا (وَجَاعَ الْعِيَالُ) ، عِيَالُ الرَّجُلِ بِالْكَسْرِ مَنْ يَعُولُهُ وَيَمُونُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنَ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ وَالْعَبِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (وَنُهِكَتْ) : بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ نَقَصَتْ (الْأَمْوَالُ) ، أَيْ الَّتِي تَنْمُو مِنَ الْأَمْطَارِ (وَهَلَكَتِ الْأَنْعَامُ) ، وَهُوَ جَمْعُ نَعَمٍ مُحَرَّكَةً الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لَنَا) ، أَيْ: فَاطْلُبِ اللَّهَ لِلسَّقْيِ بِالْمَطَرِ مِنْ أَجْلِ مَعَاشِنَا الَّذِي هُوَ زَادُ مَعَادِنَا نَسْتَشْفِعُ أَيْ: نَطْلُبُ الشَّفَاعَةَ (بِكَ) أَيْ: بِوُجُودِكَ وَحُرْمَتِكَ وَبِعَظَمَتِكَ (عَلَى اللَّهِ، وَنَسْتَشْفِعُ اللَّهَ) أَيْ: نَسْتَجِيرُ وَنَسْتَغِيثُ بِهِ (عَلَيْكَ) . فِي أَنْ تَشْفَعَ لَنَا عِنْدَهُ بِأَنْ يُوَفِّقَكَ عَلَى مُسَاعَدَتِنَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ مُوَهِّنًا لِلتَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ، أَوِ التَّشَارُكِ فِي الْأَمْرِ، وَالْحَالُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الشِّرْكِ مُطْلَقًا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وَقَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَقَالَ: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] أَنْكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَعْظَمَ الْأَمْرَ لَدَيْهِ، وَتَعَجَّبَ مِنْ هَذِهِ النِّسْبَةِ إِلَيْهِ.
(فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ") ، أَيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الْمُشَارَكَةِ (" سُبْحَانَ اللَّهِ ") ، كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا، أَوْ ذَكَرَ الثَّانِي تَعَجُّبًا (فَزَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ حَتَّى تَبَيَّنَ أَثَرُ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ إِلَى وُجُوهِ أَصْحَابِهِ) ، لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ تَكْرِيرِ تَسْبِيحِهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، فَخَافُوا مِنْ غَضَبِهِ فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا أَثَّرَ فِيهِمُ الْخَوْفُ رَقَّ لَهُمْ وَقَطَعَ التَّسْبِيحَ وَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ (ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ) : بِمَعْنَى وَيْلَكَ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ مَعْنَى الشَّفَقَةِ عَنِ الْمَزَلَّةِ وَالْمَزْلَقَةِ، وَالثَّانِي دَعَا عَلَيْهِ بِالْهَلَكَةِ وَالْعُقُوبَةِ، فَالْمَعْنَى اعْلَمْ أَيُّهَا الْمُتَكَلِّمُ الْجَاهِلُ فِي كَلَامِهِ الْغَافِلُ عَنْ مَرَامِهِ (إِنَّهُ) أَيْ: الشَّأْنُ (لَا يُسْتَشْفَعُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ شَأْنُ اللَّهِ) : اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ أَيْ لِأَنَّ شَأْنَهُ الْعَلِيُّ وَبُرْهَانَهُ الْجَلِيُّ (أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ) ، أَيْ مِنْ أَنْ يُسْتَشْفَعَ بِهِ عَلَى أَحَدٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ، يُقَالُ: اسْتَشْفَعْتُ بِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ لِيَشْفَعَ لِي إِلَيْهِ فَشَفَّعَهُ أَجَابَ شَفَاعَتَهُ، وَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ الشَّفَاعَةَ هِيَ الِانْضِمَامِ إِلَى آخَرَ نَاصِرًا لَهُ وَسَائِلًا عَنْهُ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ عَظِيمٍ مَنَعَ ﷺ أَنْ يُسْتَشْفَعَ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ، وَقَوْلُهُ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَثَرِ هَيْبَةٍ أَوْ خَوْفٍ اسْتُشْعِرَ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ تَنْزِيهًا عَمَّا نُسِبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الِاسْتِشْفَاعِ بِهِ عَلَى أَحَدٍ وَتَكْرَارِهِ مِرَارًا. (وَيْحَكَ) : كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِزَجْرِهِ وَتَبْيِينًا لِأَمْرِهِ (أَتَدْرِي مَا اللَّهُ) ؟ أَيْ عَظَمَتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ مُلْكِهِ وَمَلَكُوتِهِ وَسَطْوَةِ كِبْرِيَائِهِ وَجَبَرُوتِهِ (إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ) أَيْ: مُحِيطٌ بِهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ (لَهَكَذَا) . بِفَتْحِ اللَّامِ الِابْتِدَائِيَّةِ دَخَلَتْ عَلَى خَبَرِ إِنَّ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ (وَقَالَ بِأُصْبُعِهِ) أَيْ: أَشَارَ بِهَا وَفِعْلًا بَيَانٌ لِلْمُشَارِ إِلَيْهِ قَوْلًا (مِثْلَ الْغَيْبَةِ عَلَيْهِ) : حَالٌ مِنَ الْعَرْشِ أَيْ مُمَاثِلًا إِلَّا عَلَى مَا فِي جَوْفِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ حَالٌ مِنَ الْمُشَارِ بِهِ، وَفِي قَالَ مَعْنَى الْإِشَارَةِ بِأَصَابِعِهِ إِلَى مُشَابَهَةِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ، وَهِيَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ لِلْأَصَابِعِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْكَفِّ مِثْلَ حَالَةِ الْإِشَارَةِ (وَإِنَّهُ) أَيْ: الْعَرْشَ مَعَ مَا وُصِفَ بِهِ مِنَ الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ وَالسِّعَةِ وَالْعَظَمَةِ (لَيَئِطُّ) : بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: لَيَتَضَايَقُ وَيَعْجِزُ عَنِ الْقِيَامِ (بِهِ) أَيْ: بِحَقِّ مَعْرِفَتِهِ وَعَنْ سَعَةِ عِلْمِهِ وَإِحَاطَةِ عَظَمَتِهِ، حَيْثُ يَئِطُّ لِمَا
стр. 7950
يَرْتَكِبُهُ، وَيَرْتَعِدُ مِمَّا يَرْكَبُهُ مِنْ أَعْبَاءِ جَلَالِهِ وَهَيْبَتِهِ (أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ) أَيْ: كَعَجْزِ الرَّحْلِ عَنِ احْتِمَالِ الرَّاكِبِ. فِي النِّهَايَةِ أَيْ: أَنَّ الْعَرْشَ لِيَعْجَزُ عَنْ حَمْلِهِ وَعَظَمَتِهِ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ، إِنَّمَا يَكُونُ لِقُوَّةِ مَا فَوْقَهُ وَعَجْزِهِ عَنِ احْتِمَالِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْكَلَامُ إِذَا أُجْرِيَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْكَيْفِيَّةِ، وَالْكَيْفِيَّةُ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَصِفَاتِهِ مَنْفِيَّةٌ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ تَحْقِيقُ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَا تَحْدِيدُهُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ تَقْرِيبٍ أُرِيدَ بِهِ تَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي النُّفُوسِ، وَإِفْهَامِ السَّائِلِ مِنْ حَيْثُ يُدْرِكُهُ فَهْمُهُ إِذْ كَانَ أَعْرَابِيًّا حَافِيًا لَا عِلْمَ لَهُ بِمَعَانِي مَا دَقَّ مِنَ الْكَلَامِ، وَقَرَّرَ بِهَذَا التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ مَعْنَى عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ فِي نَفْسِ السَّائِلِ، وَأَنَّ مَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ لَا يُجْعَلُ شَفِيعًا إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنَّ مَعْنَى يَئِطُّ يُصَوِّتُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّنْزِيهِ مِنْ عَظْمَةِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، حَيْثُ تَحَيَّرَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ مِنْ مَعْرِفَةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، كَصَوْتِ الرَّحْلِ الْجَدِيدِ بِالرَّاكِبِ الثَّقِيلِ الشَّدِيدِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْقَوْلِ السَّدِيدِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 7951
٥٧٢٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقَيْهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٧٢٨ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ ") أَيْ: عَنْ وَصْفِ مَلَكٍ عَظِيمٍ (مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ) أَيْ: الْمُعَظَّمِينَ لِقَوْلِهِ (مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ) . فَإِنَّهُمْ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِمْ، لِأَنَّ الْمَطَايَا عَلَى قَدْرِ الْعَطَايَا (أَنَّ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيُكْسَرُ (مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقَيْهِ) : وَرِوَايَةُ الْجَامِعِ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ فِيهِمَا (مَسِيرَةُ سَبْعَمِائَةِ عَامٍ) . يَعْنِي: فَقِسِ الْبَاقِي عَلَى هَذَا النِّظَامِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا الضِّيَاءُ.
стр. 7952
٥٧٢٩ - «وَعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِجِبْرِيلَ: " هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ، فَانْتَفَضَ جِبْرِيلُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ، لَوْ دَنَوْتُ مِنْ بَعْضِهَا لَاحْتَرَقْتُ» ". هَكَذَا فِي الْمَصَابِيحِ.
ــ
٥٧٢٩ - (وَعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى) : بِضَمِّ الزَّايِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَهُ صُحْبَةٌ، مَاتَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِجِبْرِيلَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَانْتَفَضَ جِبْرِيلُ) أَيْ: ارْتَعَدَ ارْتِعَادًا شَدِيدًا مِنْ عَظَمَةِ ذَلِكَ السُّؤَالِ، وَمِنْ هَيْبَةِ مَا سَمِعَ مِنَ الْمَقَالِ. قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حَقِيقَةِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي دَارِ الْبَقَاءِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَتْ مُسْتَحِيلَةً مَا سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى أَمْ لَا؟ ثُمَّ لَمَّا كَانَ الرُّؤْيَةُ غَالِبًا تُنْبِئُ عَنِ الْقُرْبَةِ فَارْتَعَدَ جِبْرِيلُ مِنَ الْهَيْبَةِ، (وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ) ، قَالَ شَارِحٌ: وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَنُقْصَانِ جِبْرِيلَ، وَالْحِجَابُ مِنْ طَرَفِ جِبْرِيلَ اه. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَحْجُوبَ مَغْلُوبٌ، فَهُوَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ الْمَوْصُوفِ بِنَعْتِ النُّقْصَانِ، وَأَمَّا الْخَالِقُ ذُو الْجَلَالِ الْمَنْعُوتُ بِوَصْفِ الْكَمَالِ، فَلَا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ وَلَوْ مِنْ أَنْوَارِ الْجَمَالِ (لَوْ دَنَوْتُ) أَيْ: قَرُبْتُ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (مِنْ بَعْضِهَا) أَيْ: مِنْ بَعْضِ جَمِيعِ تِلْكَ الْحُجُبِ النُّورَانِيَّةِ عَلَى فَرْضِ الْمُحَالِ، وَإِلَّا فَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، (لَاحْتَرَقْتُ) أَيْ: مِنْ أَثَرِ ذَلِكَ النُّورِ الَّذِي يَغْلِبُ النَّارَ فِي الظُّهُورِ، فَإِنَّ النَّارَ تَقُولُ: جُزْ يَا مُؤْمِنَ فَإِنَّ نُورَكَ أَطْفَأَ لَهَبِي، فَكَيْفَ بِنُورِ رَبِّي وَهُوَ حَسْبِي؟ (هَكَذَا) أَيْ: لَفَظُ الْحَدِيثِ (فِي الْمَصَابِيحِ) أَيْ: عَنْ زُرَارَةَ.
стр. 7953
٥٧٣٠ - وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " الْحِلْيَةِ " عَنْ أَنَسٍ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: " فَانْتَفَضَ جِبْرِيلُ ".
ــ
٥٧٣٠ - (وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَنَسٍ إِلَّا أَنَّهُ) أَيْ: أَنَسًا (لَمْ يَذْكُرْ: " فَانْتَفَضَ جِبْرِيلُ) . وَفِي (الْجَامِعِ بِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي (الْأَوْسَطِ) عَنْ أَنَسٍ: سَأَلْتُ جِبْرِيلَ: " هَلْ تَرَى رَبَّكَ؟ " قَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ لَوْ رَأَيْتُ أَدْنَاهَا لَاحْتَرَقْتُ.
стр. 7954
٥٧٣١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ إِسْرَافِيلَ، مُنْذُ يَوْمَ خَلْقَهُ صَافًّا قَدَمَيْهِ لَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّبِّ ﵎ سَبْعُونَ نُورًا، مَا فِيهَا مِنْ نُورٍ يَدْنُو إِلَّا احْتَرَقَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
ــ
٥٧٣١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ إِسْرَافِيلَ مُنْذُ يَوْمِ خَلَقَهُ ") : بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ مُنَوَّنًا (صَافًّا) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ حَالَ كَوْنِ إِسْرَافِيلَ وَاقِفًا (قَدَمَيْهِ) : مَفْعُولُ صَافًّا، وَاعْلَمْ أَنَّ مُنْذُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِكَسْرِهِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ، وَيَلِيهِ اسْمٌ مَجْرُورٌ، وَحِينَئِذٍ: حَرْفُ جَرٍّ بِمَعْنَى " مِنْ " فِي الْمَاضِي، وَبِمَعْنَى " فِي " فِي الْحَاضِرِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: مُنْذُ: هَاهُنَا حَرْفُ جَرٍّ وَهُوَ. بِمَعْنَى " فِي ". وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: صَافًّا حَالٌ مِنْ إِسْرَافِيلَ لَا مِنْ ضَمِيرِهِ الْمَنْصُوبِ، وَمُنْذُ يَوْمَ: ظَرْفٌ لِصَافًا وَلَيْسَ بِمَعْنَى " فِي ". وَقَالَ الدَّارَحَدِيثِيُّ: " اتَّفَقُوا أَنَّ مُذْ وَمُنْذُ إِنَّمَا يَدْخُلَانِ اسْمَا الزَّمَانِ، ثُمَّ قَالُوا: إِنْ أُرِيدَ ابْتِدَاءُ الزَّمَانِ الْمَاضِي الَّذِي انْتِهَاؤُهُ (كَمَنْ) فِيهِ يَكُونَانِ لِلِابْتِدَاءِ نَحْوَ: مَا رَأَيْتُهُ مُذْ يَوْمَيْنِ أَوْ مُذْ سَنَةٍ كَذَا أَيْ: انْتَفَى الرُّؤْيَةَ مِنِ ابْتِدَاءِ يَوْمَيْنِ أَنَا فِي آخِرِهِمَا، وَلَيْسَا بِمَعْنَى " فِي " وَإِنْ قَالَ بِهِ بَعْضٌ، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُمَا نَفْيُ الرُّؤْيَةِ فِي أَزْمِنَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَنْتَ فِي آخِرِهَا مَقْصُودًا بِهِ ابْتِدَاؤُهَا وَانْتِهَاؤُهَا اه. وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ إِسْرَافِيلَ صَافًّا قَدَمَيْهِ مِنْ أَوَّلِ مُدَّةِ خَلْقِهِ، (لَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ) أَيْ: إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُ أَدَبًا، أَوْ لَا يَرْفَعُ نَظَرَهُ عَنِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ خَوْفًا (" بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّبِّ ﵎ سَبْعُونَ نُورًا ") ، أَيْ مِنْ أَنْوَارِ الْحِجَابِ، وَأَسْرَارِ الْغِيَابِ، وَأَسْتَارِ النِّقَابِ حَتَّى لَا يَعْرِفَهُ غَيْرُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] (مَا مِنْهَا) أَيْ: لَيْسَ مِنَ السَبْعِينَ مِنْ نُورٍ (يَدْنُو) أَيْ: يَقْرُبُ (مِنْهُ) : إِسْرَافِيلُ فَرْضًا (إِلَّا احْتَرَقَ) . أَيْ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ الَّذِي فَوْقَ طَاقَةِ نَظَرِ إِسْرَافِيلَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
стр. 7955
٥٧٣٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، خَلَقْتَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ وَيَرْكَبُونَ، فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ وَنَفَخْتُ مِنْ رُوحِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٥٧٣٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ ") أَيْ: يَوْمَ الْمِيثَاقِ أَوْ بَعْدَهُ (قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ خَلَقْتَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ ") : بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ يَطَئُونَ أَوْ يَتَزَوَّجُونَ (وَيَرْكَبُونَ) أَيْ: عَلَى الدَّوَابِّ فِي الْبَرِّ، وَعَلَى السُّفُنِ فِي الْبَحْرِ، (فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا) أَيْ: بِطَرِيقِ الدَّوَامِ وَالْبَقَاءِ، أَوِ اجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا فَقَطْ، (وَلَنَا الْآخِرَةَ) أَيْ: نَعِيمَهَا لِحِرْمَانِنَا مِنَ الْحُظُوظِ الْمَذْكُورَةِ فِي الدُّنْيَا تَعَادُلًا بَيْنَنَا. (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ) : بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَرُوِيَ بِالْإِفْرَادِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: لَا أَجْعَلُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِ " أَجْعَلُ "، وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ (لَا) رَدًّا لِقَوْلِهِمْ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ إِنْكَارًا عَلَيْهِمْ، وَهُوَ أَبْلَغُ يَعْنِي: أَكْثَرُ مُبَالَغَةً أَوْ بَلَاغَةُ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ مُكَرَّرًا، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ، وَالْمَعْنَى لَا أَجْعَلُ عَاقِبَةَ مَنْ خَلَقْتُهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ مُرَكَّبًا مِنْ مَعْجُونِ الْكَمَالِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى قَابِلِيَّةِ الْهِدَايَةِ وَالضَّلَالِ، وَاسْتِعْدَادِ مَظْهَرِيَّةِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ، (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) أَيْ: بَعْدَ تَرْبِيَةِ كَمَالِ جَسَدِهِ وَتَصْوِيرِهِ شَكْلًا كَرِيمًا تَشْرِيفًا لَهُ وَتَعْظِيمًا (كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ) أَيْ: بِالْخَلْقِ الْآتِي: (فَكَانَ) . أَيْ
стр. 7956
مِنْ غَيْرِ التَّوَانِي. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ: لَا يَسْتَوِي فِي الْكَرَامَةِ مَنْ خَلَقْتُهُ بِنَفْسِي وَلَا وَكَّلْتُ خَلْقَهُ إِلَى أَحَدٍ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي وَهُوَ آدَمُ وَأَوْلَادُهُ، مَعَ مَنْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ بِقَوْلِ (كُنْ) وَهُوَ الْمَلِكُ، وَإِضَافَةُ الرُّوحِ إِلَى نَفْسِهِ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ كَقَوْلِهِ: بَيْتُ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: لَا يَسْتَوِي الْبَشَرُ وَالْمَلَكُ فِي الْكَرَامَةِ وَالْقُرْبَةِ، بَلْ كَرَامَةُ الْبَشَرِ أَكْثَرُ وَمَنْزِلَتُهُ أَعْلَى، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي تَفْضِيلِ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَكِ. أَقُولُ: وَوَجْهُهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ الْمَلَكَ خُلِقَ مَعْصُومًا، فَصَارَ عَنِ الْجَحِيمِ مَمْنُوعًا وَعَنِ النَّعِيمِ مَحْرُومًا، وَالْبِشْرُ خُلِقَ مَمْحُونًا بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَمَبْلُوًّا بِالْعَطِيَّةِ وَالْبَلِيَّةِ، فَمَنْ قَامَ بِحَقِّهَا اسْتَحَقَّ الثَّوَابَ فِي الدَّارَيْنِ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُمَا اسْتَوْجَبَ الْعَذَابَ فِي الْكَوْنَيْنِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 7957
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٧٣٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ بَعْضِ مَلَائِكَتِهِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٧٣٣ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْمُؤْمِنُ ") ؟ أَيْ الْكَامِلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَوِ الْأَوْلِيَاءِ (أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ بَعْضِ مَلَائِكَتِهِ) . وَهُمْ خَوَاصُّهُمْ أَوْ عَوَامُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الِاصْطِفَاءِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ مِنْ عَوَامِّهِمْ وَبِبَعْضِ الْمَلَائِكَةِ أَيْضًا عَوَامُّهُمْ: قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: عَوَامُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ، وَخَوَاصُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] وَيَسْتَدِلُّ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي تَفْضِيلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ اه. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِخَوَاصِّ الْمُؤْمِنِينَ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ، وَبِخَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ نَحْوَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، وَبِعَوَامِّ الْمُؤْمِنِينَ الْكُمَّلِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ كَالْخُلَفَاءِ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ: بِعَوَّامِ الْمَلَائِكَةِ سَائِرُهُمْ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ أَوْلَى مِنْ إِجْمَالِ بَعْضِهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ: أَنَّ الْبَشَرَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَكِ، بِمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ لَمَّا وُجِدَ فِيهِمُ الْكُمَّلُ مِنَ الرُّسُلِ، أَوِ الْأَكْمَلُ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ لِعَدَمِ وُجُودِهِمْ فِيهِمْ فَتَأَمَّلْ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . قُلْتُ: وَحَدِيثُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْكَعْبَةِ. فِي ابْنِ مَاجَهْ: بِسَنَدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَنَظَرَ إِلَى الْكَعْبَةِ: " «لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكَ» " وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
стр. 7958
٥٧٣٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي فَقَالَ: " «خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمُكَوَّرَةَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ وَآخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٧٣٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي) : إِشَارَةً إِلَى كَمَالِ قُرْبِهِ، وَدَلَالَةً عَلَى تَمَامِ حِفْظِهِ، وَلَعَلَّ فِي أَخْذِ يَدِهِ، إِيمَاءً إِلَى تَعْدَادِ أَعْدَادِ الْخَمْسَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خَلْقِ آدَمَ ﵊ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الْغَائِبَةِ وَالْفَذْلَكَةِ الْإِيمَانِيَّةِ، (فَقَالَ: " خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ ") أَيْ: التُّرَابَ وَهُوَ الْأَرْضُ (يَوْمَ السَّبْتِ) ، وَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ آخِرَ يَوْمِهِ الْمُسَمَّى بِعَشِيَّةِ الْأَحَدِ فَلَهَا حِكْمُهُ، فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] (وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ) ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ - وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ [فصلت: ٩ - ١٠] (وَخَلْقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ) أَيْ: جِنْسَهُ (يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ) ، بِالْمَدِّ قَالَ : ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] أَيْ فِي بَقِيَّةِ الْأَرْبَعَةِ (وَخَلَقَ النُّورَ) : بِالرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنُّونِ فِي آخِرِهِ. قَالَ الْأَكْمَلُ: هُوَ بِالرَّاءِ كَمَا لِمُسْلِمٍ وَلِغَيْرِهِ بِالنُّونِ وَهُوَ الْحُوتُ، وَيَجُوزُ خَلَقَهُمَا فِي الْأَرْبِعَاءِ، وَالنُّورُ هُوَ الظَّاهِرُ بِنَفْسِهِ الْمُظْهَرُ لِغَيْرِهِ اه. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنُّورِ هُوَ نَفْسُهُ، وَمَا فِيهِ ظُهُورُهُ فَيُنَاسِبُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ - فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١١ - ١٢]
стр. 7959
(يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَمْدُودَةِ. وَفِي الْقَامُوسِ مُثَلَّثَةُ الْبَاءِ مَمْدُودَةٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ النُّورِ كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ. (وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ) أَيْ: فَرَّقَهَا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ خَلْقِ أُصُولِهَا (يَوْمَ الْخَمِيسِ) ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ قَضَاءَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَخَلْقَهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ (وَخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ) أَيْ: لِكَوْنِهِ الْفَذْلَكَةَ الْإِيمَانِيَّةَ، وَبِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الْغَائِبَةِ (وَآخَرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ) أَيْ: وَفِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ نَهَارِ الْجُمُعَةِ، وَرِوَايَةُ الْجَامِعِ: فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ (فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ) ، وَهِيَ السَّاعَةُ الْمَرْجُوَّةُ لِلْإِجَابَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَحْمَدُ فِي مَسْنَدَهِ مَرْفُوعًا، لَكِنْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ مَا مُلَخَّصُهُ: هُوَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ غَرَائِبِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَجَعَلُوهُ مِنْ كَلَامِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّمَا جَمَعَهُ مِنْ كَعْبٍ، وَإِنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ فَجَعَلَهُ مَرْفُوعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 7960
٥٧٣٥ - «وَعَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَأَصْحَابُهُ إِذْ أَتَى عَلَيْهِمْ سَحَابٌ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : " هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " هَذِهِ الْعَنَانُ هَذِهِ رَوَايَا الْأَرْضِ، يَسُوقُهَا اللَّهُ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْكُرُونَهُ، وَلَا يَدْعُونَهُ ". ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فَإِنَّهَا الرَّقِيعُ، سَقْفٌ مَحْفُوظٌ، وَمَوْجٌ مَكْفُوفٌ ". ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ " ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " سَمَاءَيْنِ بُعْدُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ ". ثُمَّ قَالَ كَذَلِكَ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ " مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: " إِنَّ فَوْقَ؟ ذَلِكَ الْعَرْشُ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءَيْنِ ". ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِي تَحْتَكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " إِنَّهَا الْأَرْضُ ". ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا تَحْتَ ذَلِكَ؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " إِنَّ تَحْتَهَا أَرْضًا أُخْرَى، بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ ". حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضِينَ وَبَيْنَ كُلِّ أَرْضَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ ". ثُمَّ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّكُمْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلٍ إِلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى لَهَبَطَ عَلَى اللَّهِ " ثُمَّ قَرَأَ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] » رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ: لَهَبَطَ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَعِلْمُ اللَّهِ وَقُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ، كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ.
ــ
٥٧٣٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: بَيْنَمَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : جَالَسٌ وَأَصْحَابُهُ) أَيْ: مَعَهُ جُلُوسٌ (إِذَا أَتَى) أَيْ: مَرَّ (عَلَيْهِمْ سَحَابٌ) ، وَفِي نُسْخَةٍ سَحَابَةٌ (فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : " هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا "؟ أَيْ السَّحَابُ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: هَذِهِ) أَيْ: السَّحَابَةُ، فَالتَّعْبِيرُ بِالتَّأْنِيثِ لِلْوَحْدَةِ وَبِالتَّذْكِيرِ لِلْجِنْسِ مِنْ بَابِ التَّفَنُّنِ (الْعَنَانُ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ " عَنَّ " أَيْ: ظَهَرَ كَمَا سَبَقَ (هَذِهِ رَوَايَا الْأَرْضِ) ، قِيلَ التَّقْدِيرُ: بَلْ هَذِهِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَفِي النِّهَايَةِ عَنِ السَّحَابِ رَوَايَا الْبِلَادِ، وَالرَّوَايَا مِنَ الْإِبِلِ الْحَوَامِلُ لِلْمَاءِ وَاحِدَتُهَا رَاوِيَةٌ، فَشَّبَهَهَا بِهِ، وَبِهِ سُمِّيَتِ الْمَزَادَةُ رَاوِيَةٌ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ (يَسُوقُهَا اللَّهُ) أَيْ: يَجُرُّهَا أَوْ يَأْمُرُ بِسَوْقِهَا (إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْكُرُونَهُ) ، أَيْ بَلْ يَكْفُرُونَهُ حَيْثُ يَنْسُبُونَ الْمَطَرَ إِلَى اقْتِرَابِ النُّجُومِ، وَافْتِرَاقِهَا وَغُرُوبِهَا وَطُلُوعِهَا، وَيَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، (وَلَا يَدْعُونَهُ) . أَيْ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ وَلَا يَطْلُبُوَنَ مِنْهُ وَلَا يَعْبُدُونَهُ، بَلْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَهُوَ بِعَمِيمِ كَرَمِهِ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ، كَسَائِرِ الْأَنَامِ وَبَاقِي الْأَنْعَامِ.
(ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَكُمْ ") ؟ أَيْ مِنَ السَّمَاءِ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فَإِنَّهَا الرَّقِيعُ ") . وَهُوَ اسْمٌ لِسَمَاءِ الدُّنْيَا وَقِيلَ: لِكُلِّ سَمَاءٍ وَالْجَمْعُ أَرْقِعَةٌ (سَقْفٌ مَحْفُوظٌ، وَمَوْجٌ مَكْفُوفٌ ") . أَيْ مَمْنُوعٌ مِنْ الِاسْتِرْسَالِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ حَفِظَهَا مِنَ السُّقُوطِ عَلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مُعَلَّقَةٌ بِلَا عَمَدٍ كَالْمَوْجِ الْمَكْفُوفِ، (ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا ") ؟ أَيْ مِقْدَارَ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ " بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ ") . أَيْ مَسِيرَتُهَا وَمَسَافَتُهَا. (ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ) ؟ أَيْ الْمَحْسُوسُ أَوِ الْمَذْكُورُ مِنْ سَمَاءِ الدُّنْيَا (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " سَمَاءَانِ ") أَيْ: سَمَاءٌ بَعْدَ سَمَاءٍ (بُعْدُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ " ثُمَّ قَالَ: كَذَلِكَ) أَيْ: سَمَاءَانِ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ (حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ) أَيْ: أَكْمَلَ عَدَدَ السَّبْعِ مِنْهُنَّ (مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) . أَيْ كَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ فَفِيهِ نَوْعُ تَفَنُّنٍ فِي الْعِبَارَةِ.
стр. 7961
(ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ ") ؟ أَيِ الْمَذْكُورِ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " إِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ ") : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ وَقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا لِإِنَّ، وَقَوْلُهُ: (الْعَرْشَ) ، بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لَهُ (وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ) أَيْ: السَّابِعَةِ (بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءَيْنِ) . أَيْ مِنَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ. (ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِي تَحْتَكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: إِنَّهَا الْأَرْضُ ") أَيْ: الْعُلْيَا (ثُمَّ قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا تَحْتَ ذَلِكَ ") ؟ أَيْ الْمُشَارِ إِلَيْهِ (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " تَحْتَهَا أَرْضٌ أُخْرَى، بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ ") . أَيْ: وَهَكَذَا ذَكَرَ أَرْضًا بَعْدَ أُخْرَى. (حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرْضِينَ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ (بَيْنَ كُلِّ أَرْضَيْنِ) : بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ بَيْنَ كُلِّ أَرْضَيْنِ مِنْهَا (مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّكُمْ دَلَّيْتُمْ ") : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ مِنْ أَدْلَيْتُ الدَّلْوَ وَدَلَّيْتَهَا إِذَا أَرْسَلْتُهَا الْبِئْرَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ [يوسف: ١٩] عَلَى التَّجْرِيدِ أَوِ التَّأْكِيدِ، وَالْمَعْنَى لَوْ أَرْسَلْتُمْ (بِحَبْلٍ إِلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى لَهَبَطَ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ لَنَزَلَ (عَلَى اللَّهِ) . أَيْ عَلَى عِلْمِهِ وَمُلْكِهِ. كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ فِي كَلَامِهِ الْآتِي، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى مُحِيطٌ بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى سُفْلِيَّاتِ مُلْكِهِ، كَمَا فِي عُلْوِيَّاتِ مَلَكُوتِهِ دَفْعًا لِمَا عَسَى يَخْتَلِجُ فِي وَهْمِ مَنْ لَا فَهْمَ لَهُ أَنَّ لَهُ اخْتِصَاصًا بِالْعُلُوِّ دُونَ السُّفْلِ، وَالَّذِي قِيلَ: كَانَ مِعْرَاجُ يُونُسَ ﵊ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، كَمَا أَنَّ مِعْرَاجَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي ظَهْرِ السَّمَاءِ، فَالْقُرْبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلٍّ فِي مَدِّ الِاسْتِوَاءِ، كَمَا أَخَّرَ عَنْ قُرْبِهِ لِكُلٍّ مِنَ الْعَبِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وَإِنَّمَا يَتَفَاوَتُ الْقُرْبُ الْمَعْنَوِيُّ بِالتَّشْرِيفِ اللَّدُنِّيِّ، وَمِنْهُ قُرْبُ الْفَرَائِضِ وَقُرْبُ النَّوَافِلِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ.
(ثُمَّ قَرَأَ) أَيْ: النَّبِيُّ ﷺ اسْتِشْهَادًا وَأَبُو هُرَيْرَةَ اعْتِضَادًا ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ [الحديد: ٣] أَيْ: الْقَدَمُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ابْتِدَاءٌ ﴿وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] أَيْ: الْبَاقِي الَّذِي لَيْسَ لَهُ انْتِهَاءٌ ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ [الحديد: ٣] أَيْ: بِالصِّفَاتِ ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] أَيْ: بِالذَّاتِ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [البقرة: ٢٩] أَيْ: مِنَ الْعُلْوِيَّاتِ وَالسُّفْلِيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ عَلَيْهِمْ أَيْ: بَالِغٌ فِي كَمَالِ الْعِلْمِ بِهِ مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِجَوَانِبِهِ.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْآيَةَ) أَيْ: الْمَذْكُورَةُ (تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ: لَهَبَطَ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَمَّا عِلْمُهُ تَعَالَى، فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] وَأَمَّا قُدْرَتُهُ فَمِنْ قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] أَيْ هُوَ الْأَوَّلُ الَّذِي يُبْدِئُ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَالْآخِرُ الَّذِي يُفْنِي كُلَّ شَيْءٍ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ - وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] وَأَمَّا سُلْطَانُهُ فَمِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: يُقَالُ: ظَهَرْتُ عَلَى فُلَانٍ إِذَا غَلَبْتَهُ، وَالْمَعْنَى هُوَ الْغَالِبُ الَّذِي يَغْلِبُ وَلَا يُغْلَبُ، وَيَتَصَرَّفُ فِي الْمُكَوِّنَاتِ عَلَى سَبِيلِ الْغَلَبَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ، أَوْ لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ يَمْنَعُهُ، وَالْبَاطِنُ هُوَ الَّذِي لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى دُونَهُ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: (وَعِلْمُ اللَّهِ وَقُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ) ، أَيْ يَسْتَوِي فِيهِ الْعُلْوِيَّاتُ وَالسُّفْلِيَّاتُ وَمَا بَيْنَهُمَا، كَمَا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ، بَلْ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ الزَّمَانُ
стр. 7962
وَالْمَكَانُ (وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ، كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْكَافُ فِي (كَمَا) مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ هُوَ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ اسْتِوَاءً مِثْلَ مَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ مُسْتَأْثِرٌ بِعِلْمِهِ بِاسْتِوَائِهِ عَلَيْهِ، وَفِي قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ إِشْعَارًا إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِقَوْلِهِ: لَهَبَطَ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، وَلِقَوْلِهِ: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] مِنْ تَفْوِيضِ عِلْمِهِ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَالْإِمْسَاكُ عَنْ تَأْوِيلِهِ كَمَا سَبَقَ أَنَّ بَعْضًا مِنْ خِلَافِ الظَّاهِرِ يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ. وَمِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ الْخَوْضُ فِيهِ.
стр. 7963
٥٧٣٦ - وَعَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ طُولُ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِ أَذْرُعٍ عَرْضًا» "
ــ
٥٧٣٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " كَانَ طُولُ آدَمَ ﵊ سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِ أَذْرُعٍ عَرْضًا ") . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَدْرِ ذِرَاعِ نَفْسِهِ، وَأَنْ يُرِيدَ بِقَدْرِ الذِّرَاعِ الْمُتَعَارَفِ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، لِأَنَّ ذِرَاعَ كُلَّ أَحَدٍ لِقَدْرِ مِرْفَقِهِ، فَلَوْ كَانَ بِالذِّرَاعِ الْمُتَعَارَفِ لَكَانَتْ يَدُهُ قَصِيرَةً فِي جَنْبِ طُولِ جَسَدِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَقُولُ: فِي الْقَامُوسِ: الذِّرَاعُ بِالْكَسْرِ مِنْ طَرَفِ الْمِرْفَقِ إِلَى طَرَفِ الْأُصْبُعِ الْوُسْطَى وَالسَّاعِدِ، وَقَدْ تُذْكَرُ فِيهِمَا جَمْعُهُ أَذْرُعٍ أَيْ بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَضَمِّ الرَّاءِ، فِي مَدٍّ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالذِّرَاعِ طُولًا هُوَ الْمُتَعَارَفُ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ، وَالْمُرَادُ بِهِ عَرْضَا ذِرَاعِهِ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ، وَيَرْتَفِعُ الدَّوْرُ الَّذِي هُوَ فِي مَرْتَبَةِ الْمَنْعِ.
стр. 7964
٥٧٣٧ - «وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ أَوَّلَ؟ قَالَ: " آدَمُ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَنَبِيٌّ كَانَ؟ قَالَ: " نَعَمْ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ ". قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ الْمُرْسَلُونَ؟ قَالَ: " ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ وَفَاءُ عِدَّةِ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ: " مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا» ".
ــ
٥٧٣٧ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَنْبِيَاءِ) أَيْ: أَيُّ فَرْدٍ مِنْهُمْ (كَانَ أَوَّلَ) ؟ بِالنَّصْبِ أَيْ أَسْبَقَ (قَالَ: " آدَمُ ") : بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ هُوَ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَنَبِيٌّ كَانَ؟) ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ لِلتَّقْرِيرِ لَمَّا قَالَ أَوَّلًا أَيُّ الْأَنْبِيَاءِ، وَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: آدَمُ أَيْ أَوْ هُوَ نَبِيٌّ كَانَ؟ (قَالَ: " نَعَمْ نَبِيٌّ ") : ذَكَرَ نَبِيٌّ بَعْدَ قَوْلِهِ: نَعَمْ لِيُنِيطَ بِهِ قَوْلَهُ (مُكَلَّمٌ) أَيْ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا فَقَطْ، بَلْ كَانَ نَبِيًّا مُكَلَّمًا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الصُّحُفُ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ الْمُرْسَلُونَ) ؟ الْكَشَّافُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] هَذَا دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى تَغَايُرِ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرَّسُولَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ جَمَعَ إِلَى الْمُعْجِزَةِ الْكِتَابَ الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وَالنَّبِيُّ غَيْرُ الرَّسُولِ مَنْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ كِتَابٌ، وَإِنَّمَا أُمِرَ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ اه. وَالْمَشْهُورُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرَّسُولَ مَنْ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ، وَالنَّبِيُّ أَعَمُّ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَالَ: " ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةُ عَشَرَ ") : أَهُمُ الْعَدَدُ إِشْعَارًا بِعَدَمِ الْجَزْمِ كَيْلَا يَزِيدَ أَوْ يَنْقُصَ فِي الْحَدِّ (جَمًّا غَفِيرًا) . أَيْ جَمًّا كَثِيرًا. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ مُجْتَمِعِينَ كَثِيرِينَ، وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنَ الْجُمُومِ وَالْجَمَّةُ وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ وَالْكَثْرَةُ. وَالْغَفِيرُ مِنَ الْغَفْرِ، وَهُوَ التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ، فَجُعِلَتِ الْكَلِمَتَانِ فِي مَوْضِعِ الشُّمُولِ وَالْإِحَاطَةِ، وَلَمْ تَقُلِ الْعَرَبُ الْجَمَّاءُ إِلَّا مَوْصُوفَةً، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ كَطُرًّا وَقَاطِبَةً، فَإِنَّهَا أَسْمَاءٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) ، الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ لَيْسَ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ، فَإِنَّهُ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، بَلْ هُوَ أَبُو أُمَامَةَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَامَيْنِ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا لِصِغَرِهِ،
стр. 7965
وَلِذَلِكَ قَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الَّذِينَ بَعَدَ الصَّحَابَةِ، وَأَثْبَتَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ أَحَدُ الْأَجِلَّةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ، سَمِعَ أَبَاهُ وَأَبَا سَعِيدٍ وَغَيْرَهُمَا. رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ، مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ وَلَهُ اثْنَتَانِ وَتِسْعُونَ سَنَةً، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ. (قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قُلْتُ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ وَفَاءُ عِدَّةِ الْأَنْبِيَاءِ) ؟ أَيْ كَمْ كَمَالُ عَدَدِهِمْ (قَالَ: " مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا ") . الْعَدَدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ مَجْزُومًا بِهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَقْطُوعٍ، فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مُجْمَلًا مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ فِي عَدَدٍ، لِئَلَّا يَخْرُجَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِهِمْ فِيهِمْ.
стр. 7966
٥٧٣٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي الْعِجْلِ، فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ، فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ فَانْكَسَرَتْ» ". رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ أَحْمَدُ.
ــ
٥٧٣٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى) : اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ، وَالْمَعْنَى لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ (أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي الْعِجْلِ، فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ) أَيْ: لِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْخَبَرِ فِيهِ تَأْثِيرًا زَائِدًا بَاعِثًا عَلَى الْغَضَبِ الْمُوجِبِ لِلْإِلْقَاءِ (فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ) ، أَيْ غَضَبًا لِلَّهِ عَلَى قَوْمِهِ لِمُخَالَفَةِ دِينِهِ (فَانْكَسَرَتْ) . أَيْ الْأَلْوَاحُ مِنْ شِدَّةِ إِلْقَائِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَثْرَةِ غَضَبِهِ، ثُمَّ فِي إِلْقَائِهَا إِيمَاءٌ بِأَنَّهَا إِنَّمَا تَنْفَعُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، فَإِذَا اخْتَارُوا الْكُفْرَ وَالطُّغْيَانَ لَمْ يَبْقَ فَائِدَةٌ فِي إِبْقَائِهَا، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَا فَاتَ شَيْءٌ مُهِمٌّ مِنْ كَسْرِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ إِلَخِ اسْتِشْهَادٌ وَتَقْرِيرٌ لِمَعْنَى قَوْلِهِ: لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] عِنْدَ نُزُولِ أَلْوَاحِ التَّوْرَاةِ عَلَيْهِ لَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ، ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] . (رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ أَحْمَدُ) . وَوَافَقَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ صَدْرَ الْحَدِيثِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ " عَنْ أَنَسٍ، وَكَذَا الْخَطِيبُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 7967
[كِتَابِ الْفَضَائِلِ] [ بَابُ فَضَائِلِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ]
стр. 7968
(كِتَابِ الْفَضَائِلِ)
(١) بَابُ فَضَائِلِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٧٣٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[١] بَابُ فَضَائِلِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ
اعْلَمْ أَنَّ تَفْصِيلَ فَضَائِلِهِ، وَتَحْصِيلَ شَمَائِلِهِ ﷺ وَشَرَفٌ وَكَرَمٌ مِمَّا لَا يُحَدُّ وَلَا يُحْصَى، بَلْ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّ وَيُسْتَقْصَى، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْبَابَ شَمْلَةً مِنْ شَمَائِلِهِ، وَلِمَّةً مِنْ فَضَائِلِهِ تَدُلُّ عَلَى بَقِيَّةِ خَصَائِلِهِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٧٣٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُنْتُ) أَيْ:؟ وُلِدْتُ (مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ) : اعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْاصْطِفَائِيَّةِ فِي الَّذِي يَلِيهِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي حَقِّ الْقَبَائِلِ، لَيْسَ بِاعْتِبَارِ الدِّيَانَةِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ الْخَصَائِلِ الْحَمِيدَةِ وَالشَّمَائِلِ السَّعِيدَةِ. (قَرْنًا فَقَرْنًا) : قِيلَ إِنَّهُ حَالٌ لِلتَّفْضِيلِ، وَالْفَاءُ فِيهِ لِلرَّتِيبِ فِي الْفَضْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِنَ الْقَرْنِ السَّابِقِ إِلَى الْقَرْنِ اللَّاحِقِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (حَتَّى كُنْتُ) أَيْ: صِرْتُ: (مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ مِنْهُ) أَيْ: وُجِدْتُ، وَالْقَرْنُ مِنَ النَّاسِ أَهْلُ زَمَانٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي» وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْقَرْنُ كُلُّ طَبَقَةٍ مُقْتَرِنِينَ فِي وَقْتٍ، قِيلَ: سُمِّيَ قَرْنًا لِأَنَّهُ يَقْرِنُ أُمَّةً بِأُمَّةٍ، وَعَالَمًا بِعَالَمٍ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَرَنْتُ أَيْ: وَصَلْتُ وَجُعِلَ اسْمًا لِلْوَقْتِ أَوْ لِأَهْلِهِ. وَقِيلَ: الْقَرْنُ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَقِيلَ أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ مِائَةٌ اه. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، فَالْمَعْنَى بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ طَبَقَاتِ بَنِي آدَمَ كَائِنِينَ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَفِيهِ تَفْضِيلُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَعَلَى تَفْضِيلِ أُمَّتِهِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: حَتَّى كُنْتُ غَايَةَ قَوْلِهِ بُعِثْتُ، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْثِ تَقَلُّبُهُ فِي أَصْلَابِ الْآبَاءِ أَبًا فَأَبًا قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى ظَهَرَ فِي الْقَرْنِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ، يَعْنِي انْتَقَلْتُ أَوَّلًا مَنْ صُلْبِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ مِنْ كِنَانَةَ، ثُمَّ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: " قَرْنًا " لِلتَّرْتِيبِ عَلَى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِنَ الْآبَاءِ الْأَبْعَدِ إِلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، كَمَا فِي قَوْلِكَ: خُذِ الْأَفْضَلَ فَالْأَكْمَلَ وَاعْمَلِ الْأَحْسَنَ وَالْأَجْمَلَ، وَفِي مَعْنَاهُ) أَنْشَدَ ابْنُ الرُّومِيِّ:
كَمْ مِنْ أَبٍ قَدْ عَلَا بِابْنٍ ذُرَى شَرَفٍ ... كَمَا عَلَا بِرَسُولِ اللَّهِ عَدْنَانُ
وَفِي قَوْلِنَا: حَتَّى ظَهَرَ فِي الْقَرْنِ الَّذِي وُجِدَ فِي نُسْخَتِهِ، لِمَا رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ مُحَمَّدًا أَمَرَ جِبْرِيلَ ﵇، فَأَتَاهُ بِالْقَبْضَةِ الْبَيْضَاءِ الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعُجِنَتْ بِمَاءِ التَّسْنِيمِ فَغُمِسَتْ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ وَطَيَّفَهَا فِي السَّمَاوَاتِ، فَعَرَفَتِ الْمَلَائِكَةُ مُحَمَّدًا ﷺ قَبْلَ أَنْ يُعْرَفَ آدَمُ، ثُمَّ كَانَ نُورُ مُحَمَّدٍ يُرَى فِي غُرَّةِ جَبْهَةِ آدَمَ، وَقِيلَ لَهُ: يَا آدَمُ هَذَا سَيِّدُ وَلَدِكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَلَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ بِشِيثَ انْتَقَلَ النُّورُ مِنْ آدَمَ إِلَى حَوَّاءَ، وَكَانَتْ تَلِدُ فِي كُلِّ بَطْنٍ وَلَدَيْنِ إِلَّا شَيْثًا، فَإِنَّهُ وَلَدَتْهُ وَحْدَهُ كَرَامَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَنْتَقِلُ مِنْ طَاهِرٍ إِلَى طَاهِرٍ إِلَى أَنْ وَلَدَتْهُ آمِنَةُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اه.
وَقَدْ ذُكِرَ مُجْمَلًا مِنْ أَحْوَالِ وِلَادَتِهِ ﷺ فِي رِسَالَةٍ سَمَّيْتُهَا، بِ (الْمَوْرِدِ فِي الْمَوْلِدِ) . (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 7969
٥٧٤٠ - وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنَى هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مَنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ» .
ــ
٥٧٤٠ - (وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ) : بِكَسْرِ الْكَافِ. ابْنُ خُزَيْمَةَ أَبُو قَبِيلَةٍ كَذَا فِي الْقَامُوسِ (مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ وَبِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ أَيْ: مِنْ أَوْلَادِهِ (وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ) وَهُمْ أَوْلَادُ نَضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، كَانُوا تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، جَمَعَهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ فِي مَكَّةَ، فَسُمُّوا قُرَيْشًا لِأَنَّهُ قَرَشَهُمْ أَيْ: جَمَعَهُمْ، وَلِكِنَانَةَ وَلَدٌ سِوَى النَّضْرُ، وَهُمْ لَا يُسَمَّوْنَ قُرَيْشًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقْرَشُوا، (وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضِرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مِدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ النَّضِرِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ. وَلَا يَصِحُّ حِفْظُ النَّسَبِ فَوْقَ عَدْنَانَ اه.
وَقَدْ ضَبَطْتُ الْأَسْمَاءَ الْمَذْكُورَةَ فِي رِسَالَتِي الْمُسَمَّاةِ (الْمَسْطُورَةَ) : (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ.
стр. 7970
(وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ) أَيْ: عَنْ وَاثِلَةَ أَيْضًا ( «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ» ) : وَتَمَامُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ: وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مَنْ بَنِي هَاشِمٍ.
стр. 7971
٥٧٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٧٤١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ. قَالَ الْهَرَوِيُّ: السَّيِّدُ هُوَ الَّذِي يَفُوقُ قَوْمَهُ فِي الْخَيْرِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الَّذِي يُفْزَعُ إِلَيْهِ فِي النَّوَائِبِ وَالشَّدَائِدِ، فَيَقُومُ بِأُمُورِهِمْ، وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ مَكَارِهَهُمْ وَيَدْفَعُهَا عَنْهُمْ، وَالتَّقْيِيدُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ مَعَ أَنَّهُ ﷺ سَيِّدُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَظْهَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُؤْدُدُهُ بِلَا مُنَازِعٍ وَلَا مُعَانِدٍ، بِخِلَافِ الدُّنْيَا، فَقَدْ نَازَعَهُ فِيهَا مُلُوكُ الْكُفَّارِ وَزُعَمَاءُ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] مَعَ أَنَّ الْمُلْكَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، لَكِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مَنْ يَدَّعِي الْمُلْكَ، أَوْ مَنْ يُضَافُ إِلَيْهِ مَجَازًا، فَانْقَطَعَ كُلُّ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهِ ﷺ عَلَى كُلِّ الْخَلْقِ، لِأَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْآدَمِيَّ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ ﷺ أَفْضَلُ الْآدَمِيِّينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ: «لَا تُفَضِّلُونِي بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» فَجَوَابُهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحُدُهَا: أَنَّهُ ﷺ قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَالثَّانِي: قَالَهُ أَدَبًا وَتَوَاضُعًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَنْهِيَّ إِنَّمَا هُوَ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ. وَالرَّابِعُ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَةِ وَالْفِتْنَةِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالتَّفْضِيلِ فِي نَفْسِ النُّبُوَّةِ وَلَا تَفَاضُلَ فِيهَا، وَإِنَّمَا التَّفَاضُلُ فِي الْخَصَائِصِ وَفَضَائِلَ أُخْرَى، وَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِقَادِ التَّفْضِيلِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وَقَدْ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] (وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ) ، أَيْ: فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُبْعَثَ مَنْ قَبْرِهِ وَيَحْضُرَ فِي الْمَحْشَرِ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا، لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلَا فَخْرَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ آتِي أَهْلَ الْبَقِيعِ فَيُحْشَرُونَ مَعِي، ثُمَّ أَنْتَظِرُ أَهْلَ مَكَّةَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ فَأُكْسَى حُلَّةً مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقُومُ ذَلِكَ الْمَقَامَ غَيْرِي» (وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَحْضَرِ، (وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ: أَوَّلُ مَنْ تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي أَنْوَاعِ الشَّفَاعَاتِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ ﷺ أَفْضَلُ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَكْمَلُ الْمَوْجُودَاتِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ» .
стр. 7972
٥٧٤٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٧٤٢ - (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا» ) : بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ تَابِعٍ أَيْ: أَتْبَاعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّ أُمَّتَهُ ثُلُثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَكْثَرِيَّةَ الْأَتْبَاعِ تُوجِبُ أَفْضَلِيَّةَ الْمَتْبُوعِ، وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ عَاصِمٌ مِنْ بَيْنِ الْقُرَّاءِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَهُ حَظٌّ عَظِيمٌ وَنَصِيبٌ جَسِيمٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ غَالِبَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَتْبَاعِهِ فِي فُرُوعِ الْأَحْكَامِ. (وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: يَدُقُّ وَيَسْتَفْتِحُ (بَابَ الْجَنَّةِ) أَيْ:؟ فَيُفْتَحُ لَهُ مَدْخَلُهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَى ابْنُ النَّجَّارِ، عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَدُقُّ بَابَ الْجَنَّةِ فَلَمْ تَسْمَعِ الْآذَانُ أَحْسَنَ مِنْ طَنِينِ الْحَلْقِ عَلَى تِلْكَ الْمَصَارِيعِ» .
стр. 7973
٥٧٤٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ أَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٧٤٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : آتِي) أَيْ: أَجِيءُ (بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ) ، أَيْ: أَطْلُبُ فَتْحَهُ (فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ) ؟ سُمِّيَ الْمُوَكَّلُ لِحِفْظِ الْجَنَّةِ خَازِنًا لِأَنَّ الْجَنَّةَ خَزَانَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ حَافِظُهَا (فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ) أَيْ: أَنَا مُحَمَّدٌ (فَيَقُولُ: بِكَ) أَيْ: بِفَتْحِ الْبَابِ لَكَ قَبْلَ غَيْرِكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ (أُمِرْتُ أَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: بِكَ مُتَعَلِّقٌ بِ " أُمِرْتُ " وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ قُدِّمَتْ لِلتَّخْصِيصِ، وَالْمَعْنَى بِسَبَبِكَ أُمِرْتُ أَنْ لَا أَفْتَحَ لِغَيْرِكَ لَا بِشَيْءٍ آخَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِلَةَ الْفِعْلِ، وَأَنْ لَا أَفْتَحَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، أَيْ: أُمِرْتُ بِأَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ غَيْرَكَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7974
٥٧٤٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا صَدَّقَهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٍ.
ــ
٥٧٤٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ» ) : قَالَ الْمُظْهِرُ أَيْ: أَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ لِلْعُصَاةِ مِنْ أُمَّتِي فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ أَيْ: أَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ فِي الْجَنَّةِ لِرَفْعِ دَرَجَاتِ النَّاسِ فِيهَا لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ) : مَا: مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: يُصَدَّقُ نَبِيٌّ تَصْدِيقًا مِثْلَ تَصْدِيقِ أُمَّتِي إِيَّايَ يَعْنِي بِهِ كَثْرَةَ مُصَدِّقِيهِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّهُ ﷺ أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ أُمَّةً، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ( «وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا صَدَّقَهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7975
٥٧٤٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ قَصْرٍ أُحْسِنَ بُنْيَانُهُ تُرِكَ فِيهِ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ، فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ، يَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِ بِنَائِهِ، إِلَّا مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، فَكُنْتُ أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ، خُتِمَ بِيَ الْبُنْيَانُ وَخُتِمَ بِي الرُّسُلُ وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٧٤٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَثَلِي) أَيْ:، صِفَتِي الْعَجِيبَةُ الشَّأْنِ الْغَرِيبَةُ الْبُرْهَانِ (وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ) أَيْ: مِنَ الْإِخْوَانِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي أَسَاسِ الْبُنْيَانِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَتَحْقِيقِ الْإِيمَانِ وَتَدْقِيقِ الْإِيقَانِ مِمَّا يُوجِبُ مَرْتَبَةَ الْقُرْبِ وَالْإِحْسَانِ (كَمَثَلِ قَصْرٍ) أَيْ: بِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ (أُحْسِنَ بُنْيَانُهُ) أَيْ: زُيِّنَ بِنَاءُ أَرْكَانِهِ (تُرِكَ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْقَصْرِ (مَوْضِعُ لَبِنَةٍ) : وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أَوْ بِدُونِهِ (فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ) : بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: دَارَ بِهِ الْحَاضِرُونَ، وَتَفَرَّجَ فِي جَوَانِبِهِ النَّاظِرُونَ (يَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِ بُنْيَانِهِ) أَيْ: يَسْتَحْسِنُونَ أَنْوَاعَ أَرْكَانِهِ (إِلَّا مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ) ، فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مَوْضِعِ الِاسْتِحْسَانِ دَاخِلٌ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِغْرَابِ فِي ذَلِكَ الشَّأْنِ (فَكُنْتُ) أَيْ: فَصِرْتُ (أَنَا) : ضَمِيرُ فَصْلٍ لِلتَّأْكِيدِ وَإِفَادَةِ الْحَصْرِ عَلَى وَجْهِ التَّأْبِيدِ (سَدَدْتُ مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ) ، أَيْ: لِكَوْنِي خَاتَمَ النَّبِيِّينَ (وَخُتِمَ بِيَ الْبُنْيَانُ) : حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ وَالْمُرَادُ بِهِ بُنْيَانُ الدِّينِ الْمُشَبَّهِ بِذَلِكَ الْبُنْيَانِ (وَخُتِمَ بِيَ الرُّسُلُ) . الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ هُنَا بِمَعْنَى الْأَنْبِيَاءِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّرَادُفِ أَوْ بِاعْتِبَارِ التَّجْرِيدِ لِأَنَّ الرَّسُولَ نَبِيٌّ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ) : بِكَسْرِ التَّاءِ وَيُفْتَحُ، فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى مَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ : بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مِنَ التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ شَبَّهَ الْأَنْبِيَاءَ وَمَا بُعِثُوا مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، وَإِرْشَادَهُمُ النَّاسَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ بِقَصْرٍ شُيِّدَ بُنْيَانُهُ وَأُحْسِنَ بِنَاؤُهُ، لَكِنْ تُرِكَ مِنْهُ مَا يُصْلِحُهُ، وَمَا يَسُدُّ خَلَلَهُ مِنَ اللَّبِنَةِ، فَبُعِثَ نَبِيًّا لِسَدِّ ذَلِكَ الْخَلَلِ مَعَ مُشَارَكَتِهِ إِيَّاهُمْ فِي تَأْسِيسِ الْقَوَاعِدِ وَرَفْعِ الْبُنْيَانِ، هَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، إِذْ حَاصِلُ الْمَعْنَى تَعَجُّبُهُمُ الْمَوَاضِعَ إِلَّا مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُصْلِحَ إِلَّا مَا اخْتُصَّ بِهِ مِنْ مَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَحَقِّ الْحَقِيقَةِ الَّذِي يَعْتَنِيهِ أَهْلُ الْعِرْفَانِ، وَقَوْلُهُ: أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّادَّ بِلَبِنَةِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَأَنْ يَسُدَّهُ بِنَفْسِهِ، وَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ اللَّبِنَةِ، وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى مِنْ قَوْلِهِ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 7976
٥٧٤٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٧٤٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ) : زِيدَ مِنَ الثَّانِيَةِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْأُولَى لِلتَّبْعِيضِ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ (إِلَّا قَدْ) : وَفِي الْجَامِعِ: إِلَّا وَقَدْ (أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ) أَيِ: الْمُعْجِزَاتِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ وَمِنْ: بَيَانٌ لِمَا فِي قَوْلِهِ: (مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ) : وَهِيَ مَوْصُولَةٌ. وَمِثْلُهُ: مُبْتَدَأٌ. وَآمَنَ: خَبَرُهُ، وَعَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِآمَنَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الِاطِّلَاعِ، كَأَنَّهُ قَالَ: آمَنَ لِلِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، أَوْ بِحَالٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: آمَنَ الْبَشَرُ وَاقِفًا أَوْ مُطَّلِعًا عَلَيْهِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ مَا إِذَا شُوهِدَ وَاطُّلِعَ عَلَيْهِ دَعَا الشَّاهِدَ إِلَى تَصْدِيقِهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ زَمَانُهُ انْقَطَعَتْ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتُ، هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ، مِنْ: فِيهِ بَيَانِيَّةٌ، وَمِنْ: الثَّانِيَةُ زَائِدَةٌ تُزَادُ بَعْدَ النَّفْيِ وَمَا: فِي (مَا مِثْلُهُ) مَوْصُولَةٌ وَقَعَتْ مَفْعُولًا ثَانِيًا لَأَعْطَى، وَمِثْلُهُ مُبْتَدَأٌ. وَآمَنَ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةَ صِلَةُ الْمَوْصُولِ، وَالرَّاجِعُ إِلَى الْمَوْصُولِ ضَمِيرُ الْمَجْرُورِ فِي عَلَيْهِ، وَهُوَ حَالٌ أَيْ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ فِي التَّحَدِّي وَالْمُبَارَاةِ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتُ، وَمُوقِعُ الْمِثْلِ هُنَا مَوْقِعُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] أَيْ: مِمَّا هُوَ عَلَى صِفَتِهِ فِي الْبَيَانِ الْغَرِيبِ وَعُلُوِّ الطَّبَقَةِ فِي حُسْنِ النَّظْمِ، يَعْنِي لَيْسَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا قَدْ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ الشَّيْءَ الَّذِي مِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ إِذَا شُوهِدَ اضْطُرَّ الشَّاهِدُ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ اخْتُصَّ بِمَا يُثْبِتُ دَعْوَاهُ مِنْ خَارِقِ الْعَادَاتِ بِحَسْبِ زَمَانِهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ زَمَانُهُ انْقَطَعَتْ تِلْكَ الْمُعْجِزَةُ، كَقَلْبِ الْعَصَا ثُعْبَانًا فِي زَمَانِ مُوسَى ﵇، وَإِخْرَاجِ الْيَدِ الْبَيْضَاءِ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ فِي زَمَنِهِ لِلسِّحْرِ، فَأَتَاهُمْ بِمَا هُوَ فَوْقَ السِّحْرِ، وَاضْطَرَّهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ. وَفِي زَمَنِ عِيسَى ﵇ الطِّبُّ، فَأَتَاهُمْ بِمَا هُوَ أَعْلَى مِنَ الطِّبِّ، وَهُوَ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءُ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَفِي زَمَنِ رَسُولِنَا الْبَلَاغَةُ وَالْفَصَاحَةُ، فَجَاءَ الْقُرْآنُ وَأَبْطَلَ الْكُلَّ اه.
وَفِيهِ تَأَمُّلٌ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ: أَبْطَلَ الْكُلَّ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: فَجَاءَ الْقُرْآنُ مُعْجِزَةً مُشْتَهِرَةً دَائِمَةً إِلَى انْقِرَاضِ الزَّمَانِ، بَلْ أَبَدَ الْآبَادِ، لِمَا يُتْلَى فِي دَرَجَاتِ الْجِنَانِ، بَلْ يُسْمَعُ مِنْ كَلَامِ الرَّحْمَنِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ) : وَفِي الْجَامِعِ: أُوتِيتُهُ وَالْمَوْصُولُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: كَانَ خَرْقُ الْعَادَةِ الَّذِي أُعْطِيتُهُ بِالْخُصُوصِ (وَحْيًا) أَيْ: كَلَامًا مُنَزَّلًا عَلَيَّ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ) أَيْ: لَا غَيْرِهِ، فَالْمُرَادُ بِالْوَحْيِ هُنَا الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ نَفْسُهُ دَعْوَةٌ، وَفِي نَظْمِهِ مُعْجِزَةٌ، وَهُوَ لَا يَنْقَرِضُ بِمَوْتِهِ كَمَا تَنْقَرِضُ مُعْجِزَاتُ غَيْرِهِ. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَيْ: مُعْظَمُ الَّذِي أُوتِيتُ وَأَفْيَدُهُ إِذْ كَانَ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ مُعْجِزَاتٌ مِنْ جِنْسِ مَا أُوتِيتُهُ غَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْوَحْيِ الْقُرْآنُ الْبَالِغُ أَقْصَى غَايَةِ الْإِعْجَازِ فِي النَّظْمِ وَالْمَعْنَى، وَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً وَأَعَمُّ مَنْفَعَةً مِنْ سَائِرِ الْمُعْجِزَاتِ، فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الدَّعَوَاتِ وَالْحُجَّةِ، وَيَسْتَمِرُّ عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ وَالْأَعْصَارِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ الْحَاضِرُونَ عِنْدَ الْوَحْيِ، الْمُشَاهِدُونَ لَهُ، وَالْغَائِبُونَ عَنْهُ، وَالْمَوْجُودُونَ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى السَّوَاءِ، وَلِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ.
стр. 7977
٥٧٤٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأَعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٧٤٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُعْطِيتُ خَمْسًا أَيْ: مِنَ الْخَصَائِلِ وَالْفَضَائِلِ (لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي) أَيْ: مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُعْطَى أَحَدٌ بَعْدَهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ (نُصِرْتُ) أَيْ: نَصَرَنِي رَبِّي عَلَى أَعْدَائِي (بِالرُّعْبِ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَبِضَمَّتَيْنِ أَيْ بِخَوْفِ الْعَدُوِّ مِنِّي (مَسِيرَةَ) أَيْ: فِي قَدْرِ مَسِيرَةِ.
стр. 7978
شَهْرٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنْ قُدَّامٍ أَوْ وَرَاءٍ، وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ الرُّعْبُ الْفَزَعُ وَالْخَوْفُ، وَقَدْ أَوْقَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ أَعْدَاءِ النَّبِيِّ ﷺ الْخَوْفَ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مَسِيرَةَ شَهْرٍ هَابُوا وَفَزِعُوا مِنْهُ (وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَرَادَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَمْ تُبَحْ لَهُمُ الصَّلَاةُ إِلَّا فِي بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَأَبَاحَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الصَّلَاةَ حَيْثُ كَانُوا تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ وَتَيْسِيرًا، ثُمَّ خَصَّ مِنْ جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ: الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ وَالْمَكَانَ النَّجِسَ، وَقَوْلُهُ طَهُورًا أَرَادَ بِهِ التَّيَمُّمَ اه. وَفِي الْحَمَّامِ وَالْمَقْبَرَةِ تَفْصِيلٌ قَدَّمْنَاهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِيمَا تَيَقَّنُوا طَهَارَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ، وَخُصِصْنَا بِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ إِلَّا فِيمَا تَيَقَّنَا نَجَاسَتَهُ، ثُمَّ صَرَّحَ بِعُمُومِ هَذَا الْحُكْمِ وَفَرَّعَ عَلَى مَا قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: (فَأَيُّمَا رَجُلٍ) أَيْ: شَخْصٍ (مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ) أَيْ: وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَدَخَلَ وَقْتُهَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ (فَلْيُصَلِّ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِشُرُوطِهِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ (وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ) أَيِ: الْغَنَائِمُ وَهِيَ الْأَمْوَالُ الْمَأْخُوذَةُ مِنَ الْكُفَّارِ (وَلَمْ تَحِلَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: لَمْ تُبَحِ الْغَنَائِمُ (لِأَحَدٍ قَبْلِي) أَيْ: مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ غَنَائِمُهُمْ تُوضَعُ فَتَأْتِي نَارٌ تَحْرِقُهَا، هَكَذَا أَطْلَقَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ - مِنْ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: مِنْ قَبْلِنَا مِنَ الْأُمَمِ إِذَا غَنِمُوا الْحَيَوَانَاتِ يَكُونُ مِلْكًا لِلْغَانِمِينَ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ، فَخُصَّ نَبِيُّنَا ﷺ بِأَخْذِ الْخُمُسِ وَالصَّفِيُّ، وَإِذَا غَنِمُوا الْحَيَوَانَاتِ غَيْرَهَا جَمَعُوهُ فَتَأْتِي نَارٌ فَتَحْرِقُهُ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي إِحْرَاقِ الْغَنِيمَةِ تَحْصِيلُ تَحْسِينِ النِّيَّةِ وَتَزْيِينُ الطَّوِيَّةِ فِي مَرْتَبَةِ الْإِخْلَاصِ فِي الْجِهَادِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْعِبَادِ وَرَءُوفٌ بِالْعِبَادِ. (وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) : الْ فِيهِ لِلْعَهْدِ أَيِ: الشَّفَاعَةَ الْعَامَّةَ لِلْإِرَاحَةِ مِنَ الْمَحْشَرِ الْمُعَبَّرَ عَنْهَا بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَغْبِطُهُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ (وَكَانَ النَّبِيُّ) أَيِ: اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ: وَكَانَ كُلُّ نَبِيٍّ مِنْ قَبْلِي (يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ) أَيْ: إِلَى أَقْوَامٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْهُمْ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِقَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ (عَامَّةً) أَيْ: شَامِلَةً لِلْعَرَبِ وَالْعَجَمِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّعْرِيفُ فِي النَّبِيِّ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَهُوَ أَشْمَلُ مِنْ لَوْ جُمِعَ لِمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي أَنَّ اسْتِغْرَاقَ الْمُفْرَدِ أَشْمَلُ مِنِ اسْتِغْرَاقِ الْجَمْعِ، لِأَنَّ الْجِنْسِيَّةَ فِي الْمُفْرَدِ قَائِمَةٌ فِي وِجْدَانِهِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَفِي الْجَامِعِ فِيمَا فِيهِ الْجِنْسِيَّةُ مِنَ الْمَجْمُوعِ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ اه. وَقِيلَ: اللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ وَلِلْعَهْدِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ لِبَيَانِ الْمَاهِيَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذَّهَبِيِّ لَا لِتَعْيِينِ الذَّاتِ وَتِلْكَ الْمَاهِيَةُ هِيَ النُّبُوَّةُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: «أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأَعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ» ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ لِيَ التُّرَابُ طَهُورًا، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ. وَرَوَى الْحَارِثُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ، وَلَفْظُهُ: «أُعْطِيتُ ثَلَاثَ خِصَالٍ: أُعْطِيتُ صَلَاةً فِي الصُّفُوفِ، وَأُعْطِيتُ السَّلَامَ وَهُوَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأُعْطِيتُ آمِينَ وَلَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَعْطَاهَا هَارُونَ فَإِنَّ مُوسَى كَانَ يَدْعُو وَيُؤَمِّنُ هَارُونُ» .
стр. 7979
٥٧٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٧٤٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ بِخَمْسٍ، وَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافِ تَضَادٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ زَمَانٍ يَكُونُ فِيهِ حَدِيثُ الْخَمْسِ مُتَقَدِّمًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُعْطِيَهَا فَحَدَّثَ بِهِ، ثُمَّ زِيدَ لَهُ السَّادِسَةَ فَأَخْبَرَ عَنْ سِتٍّ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ تَأَخُّرُ الدَّالِّ عَلَى الزِّيَادَةِ. قُلْتُ: إِنْ ثَبَتَ فَلَا كَلَامَ، وَإِلَّا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ زِيَادَتِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَاضِي تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ اه.
وَقَالَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْخَمْسِ أَوِ السِّتِّ لِمُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ، وَحِينَئِذٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ سَبْعًا كَمَا إِذَا ضُمَّتِ الشَّفَاعَةُ إِلَى هَذِهِ السِّتِّ. قُلْتُ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً عَلَى السَّبْعِ لِمَا سَيَأْتِي، وَلِمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ) أَيْ: قُوَّةَ إِيجَازٍ فِي اللَّفْظِ مَعَ بَسْطٍ فِي الْمَعْنَى فَأُبَيِّنُ بِالْكَلِمَاتِ الْيَسِيرَةِ الْمَعَانِيَ الْكَثِيرَةَ، وَقَدْ جَمَعْتُ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنَ الْجَوَامِعِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا أَقَلُّ مِمَّا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ تَرَكُّبُ الْكَلَامِ، وَيَتَأَتَّى مِنْهُ
стр. 7980
إِسْنَادُ الْمُرَادِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﵇: الْعِدَةُ دَيْنٌ وَالْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ وَلَا تَغْضَبْ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُمَرَ ﵁: «أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَ لِيَ الْكَلَامُ اخْتِصَارًا» . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قِيلَ: جَوَامِعُ الْكَلِمِ هِيَ الْقُرْآنُ، جَمَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِلَفْظِهِ مَعَانِيَ كَثِيرَةً فِي أَلْفَاظٍ يَسِيرَةٍ وَقِيلَ: إِيجَازُ الْكَلَامِ فِي إِشْبَاعٍ مِنَ الْمَعْنَى، فَالْكَلِمَةُ الْقَلِيلَةُ الْحُرُوفِ مِنْهَا تَتَضَمَّنُ كَثِيرًا مِنَ الْمَعَانِي، وَأَنْوَاعًا مِنَ الْكَلَامِ (وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ) : أَطْلَقَهُ هُنَا وَقَيَّدَ غَايَتَهُ فِيمَا سَبَقَ بِمَسِيرَةِ شَهْرٍ (وَأُحِلَّتْ لِيَ) أَيْ: لِأَجْلِيَ عَلَى أُمَّتِي (الْغَنَائِمُ، «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً» ) أَيْ: إِلَى الْمَوْجُودَاتِ بِأَسْرِهَا عَامَّةً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الْمَلَكِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الصَّلَوَاتِ الْعَلِيَّةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَافَّةً مَصْدَرًا أَيْ: أُرْسِلْتُ رِسَالَةً عَامَّةً لَهُمْ مُحِيطًا بِهِمْ، لِأَنَّهَا إِذَا شَمِلَتْهُمْ فَقَدْ كَفَتْهُمْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا أَحَدٌ، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا إِمَّا مِنَ الْفَاعِلِ، وَالتَّاءُ عَلَى هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ كَتَاءِ الرِّوَايَةِ وَالْعَلَامَةِ، وَإِمَّا مِنَ الْمَجْرُورِ أَيْ مَجْمُوعِينَ (وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ) أَيْ: وَجُودُهُمْ، فَلَا يَحْدُثُ بَعْدِي نَبِيٌّ، وَلَا يُشْكَلُ بِنُزُولِ عِيسَى ﵇، وَتَرْوِيجِ دِينِ نَبِيِّنَا ﷺ عَلَى أَتَمِّ النِّظَامِ وَكَفَى بِهِ شَهِيدًا شَرَفًا، وَنَاهِيكَ بِهِ فَضْلًا عَنْ سَائِرِ الْأَنَامِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَغْلَقَ بَابَ الْوَحْيِ وَقَطَعَ طَرِيقَ الرِّسَالَةِ وَسَدَّ وَأَخْبَرَ بِاسْتِغْنَاءِ النَّاسِ عَنِ الرُّسُلِ وَإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ بَعْدَ تَصْحِيحِ الْحُجَّةِ وَتَكْمِيلِ الدِّينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَأَمَّا بَابُ الْإِلْهَامِ فَلَا يَنْسَدُّ وَهُوَ مَدَدٌ يُعِينُ النُّفُوسَ الْكَامِلَةَ، فَلَا يَنْقَطِعُ لِدَوَامِ ضَرُورَةِ حَاجَتِهَا إِلَى تَأْكِيدٍ وَتَجْرِيدٍ وَتَذْكِيرٍ، وَكَمَا أَنَّ النَّاسَ اسْتَغْنَوْا عَنِ الرِّسَالَةِ وَالدَّعْوَةِ احْتَاجُوا إِلَى التَّذْكِيرِ وَالتَّنْبِيهِ لِاسْتِغْرَاقِهِمْ فِي الْوَسَاوِسِ، وَانْهِمَاكِهِمْ فِي الشَّهَوَاتِ، فَاللَّهُ تَعَالَى أَغْلَقَ بَابَ الْوَحْيِ بِحِكْمَتِهِ، وَفَتَحَ بَابَ الْإِلْهَامِ بِرَحْمَتِهِ لُطْفًا مِنْهُ بِعِبَادِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ: «فُضِّلْتُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ بِخَمْسٍ: بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَادَّخَرْتُ شَفَاعَتِي لِأُمَّتِي، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ شَهْرًا أَمَامِي وَشَهْرًا خَلْفِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي» . وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: «فُضِّلْتُ بِأَرْبَعٍ: جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرَيْنِ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيَّ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ» . وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «فُضِّلْتُ بِأَرْبَعٍ: جُعِلْتُ أَنَا وَأُمَّتِي فِي الصَّلَاةِ كَمَا تُصَفُّ الْمَلَائِكَةُ، وَجُعِلَ الصَّعِيدُ لِي وَضُوءًا، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ» فَبَعْضُ الْأَحَادِيثِ وَإِنْ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ مَخْصُوصٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، تَعَالَى بِفَضَائِلَ مَعْدُودَةٍ، لَكِنْ لَا يَدُلُّ مَفْهُومُهُ عَلَى حَصْرِ فَضَائِلِهِ فِيهَا فَإِنَّ فَضَائِلَهُ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ.
стр. 7981
٥٧٤٩ - وَعَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٧٤٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وُضِعَتْ فِي يَدِي» ) : فِي النِّهَايَةِ: أَرَادَ مَا سَهَّلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَلِأُمَّتِهِ مِنِ افْتِتَاحِ الْبِلَادِ الْمُتَعَدِّدَاتِ وَاسْتِخْرَاجِ الْكُنُوزِ الْمُتَنَوِّعَاتِ اه. أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ مَعَادِنُ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَسَائِرُ الْفِلِزَّاتِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
стр. 7982
٥٧٥٠ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٧٥٠ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ) : وَهُوَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ) أَيْ: جَمَعَهَا لِأَجْلِي. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: زَوَيْتُهُ جَمَعْتُهُ وَقَبَضْتُهُ، يُرِيدُ بِهِ تَقْرِيبَ الْبَعِيدِ مِنْهَا حَتَّى اطَّلَعَ عَلَيْهِ اطِّلَاعَهُ عَلَى الْقَرِيبِ مِنْهَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ طَوَى لَهُ الْأَرْضَ وَجَعَلَهَا مَجْمُوعَةً كَهَيْئَةِ كَفٍّ فِي مِرْآةِ نَظَرِهِ، وَلِذَا قَالَ:
стр. 7983
(فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا أَيْ: جَمِيعَهَا ( «وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» : قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ " مِنْ " فِي " مِنْهَا " لِلتَّبْعِيضِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا تَوَهَّمَهُ، بَلْ هِيَ لِلتَّفْصِيلِ لِلْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالتَّفْصِيلُ لَا يُنَاقِضُ الْجُمْلَةَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْضَ زُوِيَتْ لِي جُمْلَتُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، ثُمَّ هِيَ تُفْتَحُ لِأُمَّتِي جُزْءًا فَجُزْءًا حَتَّى يَصِلَ مُلْكُ أُمَّتِي إِلَى كُلِّ أَجْزَائِهَا. أَقُولُ: وَلَعَلَّ وَجْهَ مَنْ قَالَ بِالتَّبْعِيضِ هُوَ أَنَّ مُلْكَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا بَلَغَ جَمِيعَ الْأَرْضِ، فَالْمُرَادُ بِالْأَرْضِ أَرْضُ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ ضَمِيرَ مِنْهَا رَاجِعٌ إِلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْدَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. ( «وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ» ) : بَدَلَانِ مِمَّا قَبْلَهُمَا أَيْ: كَنَزَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ خَزَائِنَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى نُقُودِ مَمَالِكِ كِسْرَى الدَّنَانِيرُ، وَالْغَالِبَ عَلَى نُقُودِ مَمَالِكِ قَيْصَرَ الدَّرَاهِمُ ( «وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ» ) أَيْ: بِقَحْطٍ شَائِعٍ لِجَمِيعِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: السَّنَةُ الْقَحْطُ وَالْجَدْبُ، وَهِيَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْغَالِبَةِ، (وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا) : وَهُمُ الْكُفَّارُ وَقَوْلُهُ: (مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ) : صِفَةُ عَدُوًّا أَيْ: كَائِنًا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِهَذَا الْقَيْدِ لَمَّا سَأَلَ أَوَّلًا ذَلِكَ فَمُنِعَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي (فَيَسْتَبِيحَ) أَيِ: الْعَدُوُّ، وَهُوَ مِمَّا يَسْتَوِي فِيهِ الْجَمْعُ وَالْمُفْرَدُ (بَيْضَتَهُمْ) : أَرَادَ بِالْبَيْضَةِ أَيْ: مُجْتَمَعَهُمْ مَوْضِعَ سُلْطَانِهِمْ، وَمُسْتَقَرَّ دَعْوَتِهِمْ، وَبَيْضَةُ الدَّارِ أَوْسَطُهَا وَمُعْظَمُهَا، أَرَادَ عَدُوًّا يَسْتَأْصِلُهُمْ وَيُهْلِكُهُمْ جَمِيعَهُمْ، وَقِيلَ: أَرَادَ إِذَا هَلَكَ أَصْلُ الْبَيْضَةِ كَانَ هَلَاكُ كُلِّهَا فِيهِ مِنْ طُعْمٍ أَوْ فَرْخٍ، وَإِذَا لَمْ يَهْلِكَ أَصْلُ الْبَيْضَةِ رُبَّمَا سَلِمَ بَعْضُ فِرَاخِهَا، وَالنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَى السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ مَعًا، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا، لَكِنْ لَا يَسْتَأْصِلُ شَأْفَتَهُمْ، (وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً) أَيْ: حَكَمْتُ حُكْمًا مُبْرَمًا (فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ) أَيْ: بِشَيْءٍ بِخِلَافِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ بِشَرْطِ وُجُودِ شَيْءٍ أَوْ عَدَمِهِ، كَمَا حُقِّقَ فِي بَابُ الدُّعَاءِ وَرَدِّ الْبَلَاءِ، (وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ) أَيْ: عَهْدِي وَمِيثَاقِي (لِأُمَّتِكَ) أَيْ: لِأَجْلِ أُمَّةِ إِجَابَتِكَ (أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ) أَيْ: بِحَيْثُ يَعُمُّهُمُ الْقَحْطُ وَيُهْلِكُهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّامُ فِي أُمَّتِكَ هِيَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ سَابِقًا: سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي، أَيْ: أَعْطَيْتُ سُؤَالَكَ لِدُعَائِكَ لِأُمَّتِكَ، وَالْكَافُ هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَقَوْلُهُ: أَنْ لَا أُهْلِكَهُمُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي كَمَا هُوَ فِي قَوْلِهِ: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي، (وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ) أَيِ: الَّذِينَ هُمْ (بِأَقْطَارِهَا) أَيْ: بِأَطْرَافِهَا جَمْعُ قُطْرٍ، وَهُوَ الْجَانِبُ وَالنَّاحِيَةُ، وَالْمَعْنَى فَلَا يَسْتَبِيحُ عَدُوٌّ مِنَ الْكُفَّارِ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَى مُحَارَبَتِهِمْ مِنْ أَطْرَافِ بَيْضَتِهِمْ، وَجَوَابُ لَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ (حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي) : كَيَرْمِي بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى يُهْلِكُ أَيْ: وَيَأْسِرُ (بَعْضُهُمْ) : بِوَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ (بَعْضًا) أَيْ: بَعْضًا آخَرَ. فِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى يَكُونُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى. بِمَعْنَى كَيْ أَيْ: لِكَيْ يَكُونَ بَعْضُ أُمَّتِكَ يُهْلِكُ بَعْضًا، فَقَوْلُهُ: " «إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَلَا يُرَدُّ» " تَوْطِئَةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ ثَلَاثًا: فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا» . قَالَ الْمُظْهِرُ: اعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ قَضَاءَيْنِ مُبْرَمًا وَمُعَلَّقًا بِفِعْلٍ، كَمَا قَالَ: إِنْ فَعَلَ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا يَتُوقُ إِلَيْهِ الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] وَأَمَّا الْقَضَاءُ الْمُبْرَمُ؟ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا قَدَّرَهُ سُبْحَانَهُ فِي الْأَزَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِفِعْلٍ؟ فَهُوَ فِي الْوُقُوعِ نَافِذٌ غَايَةَ النَّفَاذِ بِحَيْثُ لَا يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَقْضِي عَلَيْهِ وَلَا الْمُقْتَضِي لَهُ، لِأَنَّهُ مِنْ عِلْمِهِ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَخِلَافُ مَعْلُومِهِ مُسْتَحِيلٌ قَطْعًا، وَهَذَا مِنْ قِبَلِ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] وَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: «لَا مَرَدَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مَرَدَّ لِحُكْمِهِ» . فَقَوْلُهُ ﷺ " «إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَلَا يُرَدُّ» " مِنَ الْقَبِيلِ الثَّانِي وَلِذَلِكَ لَمْ يُجِبْ إِلَيْهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُسْتَجَابُو الدَّعْوَةِ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7984
٥٧٥١ - وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ، دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بِأَسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٧٥١ - (وَعَنْ سَعْدٍ) أَيْ: ابْنِ أَبِي وَقَاصٍّ أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَسْجِدٍ مِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ) ، هُمْ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقِيلَ كَانَ الْمَسْجِدُ فِي الْمَدِينَةِ (دَخَلَ) : قَالَ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَغْوَيِّ: فَدَخَلَ أَيْ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ (فَرَكَعَ) أَيْ: فَصَلَّى فِيهِ (رَكْعَتَيْنِ) أَيْ: تَحِيَّةً أَوْ فَرِيضَةً (وَصَلَّيْنَا مَعَهُ) أَيْ: مُوَافَقَةً أَوْ مُتَابَعَةً (وَدَعَا) أَيْ: فَنَاجَى كَمَا فِي رِوَايَةٍ (رَبَّهُ طَوِيلًا) ، أَيْ: زَمَانًا كَثِيرًا، أَوْ دُعَاءً عَرِيضًا بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَصْحَابَهُ دَعَوْا مَعَهُ أَوْ أَمَّنُوا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ طَوِيلًا قَيْدٌ لِلصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ لِمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ خَبَّابٍ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّانِي. (ثُمَّ انْصَرَفَ) أَيْ: مِنَ الدُّعَاءِ (فَقَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا) أَيْ: مِنَ السُّؤَالَاتِ أَوْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً) : فِيهِ زِيَادَةُ تَوْضِيحٍ (سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ) أَيْ: بِالْقَحْطِ الْعَامِّ (فَأَعْطَانِيهَا) أَيْ: الْمَسْأَلَةَ (وَسَأَلْتُ أَنْ لَا يُهْلِكَ) : أُمَّتِي (بِالْغَرَقِ) : بِفَتْحَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ: بِالْغَرَقِ الْعَامِّ كَقَوْمِ فِرْعَوْنَ فِي الْيَمِّ، وَقَوْمِ نُوحٍ بِالطُّوفَانِ (فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ) أَيْ: حَرْبَهُمُ الشَّدِيدَةُ (بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 7985
٥٧٥٢ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ; وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٧٥٢ - (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) : هُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ (قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قُلْتُ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: عَنْ نَعْتِهِ (فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ حَرْفٌ يُصَدَّقُ بِهَا الْخَبَرُ خَاصَّةً، يُقَالُ لِمَنْ قَالَ: قَامَ زَيْدٌ أَجَلْ، وَزَعَمَ بَعْضٌ جَوَازُ وُقُوعِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِي الْحَدِيثِ جَاءَ جَوَابًا لِلْأَمْرِ عَلَى تَأْوِيلِ قَرَأْتُ التَّوْرَاةَ، هَلْ وَجَدَ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، فَأَخْبِرْنِي. قَالَ: أَجَلْ أَيْ: نَعَمْ أُخْبِرُكَ. (وَاللَّهِ إِنَّهُ لِمَوْصُوفٌ فِي (التَّوْرَاةِ) ، بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ: بِالْمَعْنَى كَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] : حَالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الْكَافِ أَوْ مِنَ الْفَاعِلِ أَوْ مُقَدَّرًا أَوْ مُقَدِّرِينَ شَهَادَتَكَ عَلَى مَنْ بُعِثْتَ إِلَيْهِمْ، وَعَلَى تَكْذِبِيهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ أَيْ: مَقْبُولًا قَوْلُكُ عِنْدَ اللَّهِ وَعَلَيْهِمْ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الشَّاهِدِ الْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ شَاهَدًا لِأَفْعَالِ أُمَّتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَبْلِيغِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] أَوْ مُزَكِّيًا لِأُمَّتِكَ فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْأُمَمِ بِتَبْلِيغِ رِسَالَةِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وَقَدْ تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَوْ مَعْنَاهُ شَاهِدًا لِقُدْرَتِنَا وَإِرَادَتِنَا فِي الْخَلْقِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ وَمُبَشِّرًا أَيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْمَثُوبَةِ وَنَذِيرًا: (" أَيْ: مُنْذِرًا وَمُخَوِّفًا لِلْكَافِرِينَ بِالْعُقُوبَةِ وَحِرْزًا: بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ لِلْأُمِّيِّينَ، قَالَ الْقَاضِي أَيْ: حِصْنًا وَمَوْئِلًا لِلْعَرَبِ، يَتَحَصَّنُونَ بِهِ مِنْ غَوَائِلِ الشَّيْطَانِ أَوْ عَنْ سَطْوَةِ الْعَجَمِ وَتَغَلُّبِهِمْ، وَإِنَّمَا سُمُّوا أُمِّيِّينَ لِأَنَّ أَغْلَبَهُمْ لَا يَقْرَءُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ اه.
أَوْ لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ إِلَى أُمِّ الْقُرَى، وَهِيَ مَكَّةُ، أَوْ لِكَوْنِ نَبِيِّهِمْ أُمِّيًّا، وَلَعَلَّ هَذَا الْوَجْهَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَوْجَهُ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ الْأُمَّةِ، وَلَا يَبْقَى مُتَمَسَّكٌ لِلْيَهُودِ عَلَى مَا زَعَمُوا مِنْ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ بِذِكْرِهِ لَا يَنْفِي مَا
следующие страницы →