← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

بِهِ فِي الْأَحْكَامِ السِّيَاسِيَّةِ أَنْ لَا يُتَعَرَّضَ إِلَّا لِذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ، وَيَرَى أَنَّهَا إِذَا اخْتَارَتِ الزَّوْجَ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنَ السُّلْطَانِ، بَلْ يَكُونُ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ زَوْجِهَا، فَأَمَّا اللَّاتِي لَا أَزَوَاجَ لَهُنَّ، فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِنَّ إِلَّا إِذَا رَضِينَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَلْزَمَنِي بِالطَّلَاقِ، أَوْ قَصَدَ قَتْلِي حِرْصًا عَلَيْكِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ دِينَ الْمَلِكِ أَنْ لَا يَحِلَّ لَهُ التَّزَوُّجَ وَالتَّمَتُّعَ بِقَرَابَاتِ الْأَنْبِيَاءِ. (فَأَرْسَلَ) أَيِ: الْجَبَّارُ (إِلَيْهَا) أَيْ: إِلَى سَارَةَ يَطْلُبُهَا (فَأُتِيَ بِهَا) أَيْ: جِيءَ بِهَا إِلَى الْجَبَّارِ (قَامَ إِبْرَاهِيمُ: اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: فَمَاذَا فَعَلَ بَعْدُ؟ فَأُجِيبَ: قَامَ إِبْرَاهِيمُ (يُصَلِّي) : حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ أَيْ: لِيُصَلِّيَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] كَمَا «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى» عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ حُذَيْفَةَ: (فَلَمَّا دَخَلَتْ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ وَفِي نُسْخَةٍ: أُدْخِلَتْ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْجَبَّارِ (ذَهَبَ) أَيْ: طَفِقَ (يَتَنَاوَلُ) أَيْ: يَأْخُذُهَا وَيَمَسُّهَا (بِيَدِهِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ، أَوْ بَعْدَ سُؤَالِهَا وَسَمَاعِ جَوَابِهَا، لَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْمَيْلُ إِلَيْهَا لِكَمَالِ حُسْنِهَا وَجَمَالِهَا. (فَأُخِذَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُخَفَّفًا أَيْ: حُبِسَ نَفَسُهُ وَضُغِطَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْخَنْقُ هَاهُنَا. أَيْ: أُخِذَ بِمَجَارِي نَفْسِهِ حَتَّى سُمِعَ لَهُ غَطِيطٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَأُخِذَ بِبِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: حُبِسَ عَنْ إِمْسَاكِهَا، أَوْ عُوقِبَ بِذَنْبِهِ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ الْخَاءِ. قَالَ شَارِحٌ: وَيُرْوَى أُخِذَ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّأْخِيذِ، وَهُوَ اسْتِجْلَابُ قَلْبِ شَخْصٍ بِرُقْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، كَالسِّحْرِ بِحَيْثُ يَصِلُ لَهُ خَرَفٌ أَوْ هَيَمَانٌ أَوْ جُنُونٌ عَلَى مَا قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَيُؤَيِّدُ رِوَايَةَ التَّخْفِيفِ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ: (وَيُرْوَى) أَيْ: بَدَلَ يَأْخُذُ أَوْ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ (فَغُطَّ) : بِضَمِّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ: خُنِقَ (حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ) أَيْ: ضَرَبَ بِرِجْلَيْهِ الْأَرْضَ مِنْ شِدَّةِ الْغَيْظِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: حُصِرَ حَصْرًا شَدِيدًا. وَقِيلَ: الْغَطُّ هُنَا بِمَعْنَى الْخَنْقِ. أَيْ: أُخِذَ بِمَجَامِعِ مَجَارِي نَفَسِهِ حَتَّى يُسْمَعُ لَهُ غَطِيطُ نَخِيرٍ وَهُوَ صَوْتٌ بِالْأَنْفِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ أَيِ: اخْتَنَقَ حَتَّى صَارَ كَالْمَصْرُوعِ، (فَقَالَ: ادْعِي) أَيْ: سَلِي (اللَّهَ لِي) أَيْ: لِأَجْلِيَ الْخَلَاصَ (وَلَا أَضُرُّكِ) أَيْ: بِالتَّعَرُّضِ لَكِ (فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ) أَيْ: مِنَ الْأَخْذِ (ثُمَّ تَنَاوَلَ) أَيْ: أَرَادَ تَنَاوُلَهَا (الثَّانِيَةَ) أَيِ: الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ (فَأُخِذَ مِثْلَهَا) أَيْ: مِثْلَ الْأَخْذَةِ الْأُولَى (أَوْ أَشَدَّ) أَيْ: بَلْ أَشَدَّ مِنْهَا (فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ، فَأُطْلِقَ فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ) : بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ حَاجِبٍ كَطَلَبَةٍ جَمْعُ طَالِبٍ (فَقَالَ: إِنَّكَ لَمْ تَأْتِينِي بِإِنْسَانٍ) أَيْ: حَتَّى أَقْدِرَ عَلَيْهَا (إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ) أَيْ: حَيْثُ لَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهَا، بَلْ تَصْرَعُنِي، وَتُرِيدُ أَنْ تُهْلِكَنِي. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَرَادَ بِهِ الْمُتَمَرِّدَ مِنَ الْجِنِّيِّ، وَكَانُوا يَهَابُونَ الْجِنَّ وَيُعَظِّمُونَ أَمْرَهُمْ، (فَأَخْدَمْهَا هَاجَرَ) أَيْ: جَعَلَ الْجَبَّارُ هَاجَرَ خَادِمَةً لِسَارَةَ لَمَّا رَأَى كَرَامَتَهَا وَقُرْبَهَا عِنْدَ اللَّهِ، أَوْ جَبْرًا لِمَا وَقَعَ مِنْ كَسْرِ خَاطِرِهَا حَيْثُ تَعَرَّضَ لَهَا، (فَأَتَتْهُ) أَيْ: إِبْرَاهِيمَ (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي) : وَهُوَ إِمَّا لِعَدَمِ إِطْلَاعِهِ عَلَى خَلَاصِهَا اسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ، أَوِ انْكَشَفَ لَهُ الْأَمْرُ، وَزَادَ فِي الْعِبَادَةِ لِيَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا بَعْدَمَا كَانَ عَبْدًا صَبُورًا، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: (فَأَوْمَأَ) : بِهَمْزَتَيْنِ أَيْ: أَشَارَ إِبْرَاهِيمُ (بِيَدِهِ) أَيْ: إِلَى سَارَةَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ (مَهْيَمْ) ؟ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ مَرَّتَيْنِ أَيْ: مَا شَأْنُكِ وَمَا حَالُكِ؟ وَهِيَ كَلِمَةٌ يَمَانِيَةٌ يُسْتَفْهَمُ بِمَا، وَهَاهُنَا مُفَسِّرَةٌ لِلْإِيمَاءِ أَيْ: أَوْمَأَ بِيَدِهِ بِمَا يُفْهَمُ مِنْهَا مَعْنَاهُ، وَلَيْسَتْ بِتَرْجَمَةٍ لِقَوْلِهِ: وَإِلَّا لَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ: فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَهْيَمْ؟ (قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ فِي نَحْرِهِ) أَيْ: عَلَى صَدْرِهِ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وَمِنْ قَبِيلِ الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: «اللَّهُمَّ

стр. 7912

إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ» . (وَأَخْدَمَ هَاجَرَ) أَيْ: أُمَّ إِسْمَاعِيلَ ﵊ قِيلَ: سُمِّيَتْ هَاجَرُ لِأَنَّهَا هَاجَرَتْ مِنَ الشَّامِ إِلَى مَكَّةَ. وَقِيلَ: كَانَ لَا يُولَدُ لَهُ مِنْ سَارَةَ، فَوَهَبَتْ هَاجَرَ لَهُ وَقَالَتْ: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكَ مِنْهَا وَلَدًا، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ يَوْمَئِذٍ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ، نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ) أَيْ: هَاجَرُ (أُمُّكُمْ) أَيْ: جَدَّتُكُمْ (يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ) قَالَ الْقَاضِي ﵀: قِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الْعَرَبَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ الْمَطَرَ، وَيَتَمَتَّعُونَ بِهِ، وَالْعَرَبُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا بِأَجْمَعِهِمْ مِنْ بَطْنِ هَاجَرَ، لَكِنْ غَلَبَ أَوْلَادُ إِسْمَاعِيلَ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الْأَنْصَارَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ عَامِرِ بْنِ حَارِثَةَ الْأَزْدِيِّ، جَدِّ نُعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ كَانَ مُلَقَّبًا بِمَاءِ السَّمَاءِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُسْتَمْطَرُ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِمْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَسَمَّاهُمْ بِذَلِكَ لِطَهَارَةِ نَسَبِهِمْ وَشَرَفِ أُصُولِهِمْ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقِيلَ: أَشَارَ بِهِمْ لِكَوْنِهِمْ مِنْ وَلَدِ هَاجَرَ، لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ أَنْبَعَ اللَّهُ ﵎ لَهُ زَمْزَمَ وَهِيَ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فَإِنْ قُلْتَ: فَإِذَا شَهِدَ لَهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ بِالْبَرَاءَةِ عَنْ سَاحَةٍ، فَمَا بَالُهُ يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِهَا مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ فَذَكَرَهَا، ثُمَّ قَالَ: نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي عَلَى أَنَّ تَسْمِيَتَهَا وَإِنَّهَا مَعَارِيضُ بِالْكَذَبَاتِ إِخْبَارُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ؟ قُلْتُ: نَحْنُ وَإِنْ أَخْرَجْنَاهَا عَنْ مَفْهُومِ الْكَذَبَاتِ بِاعْتِبَارِ التَّوْرِيَةِ، وَسَمَّيْنَاهَا مَعَارِيضَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ صُورَتَهَا صُورَةُ التَّعْوِيجِ عَنِ الْمُسْتَقِيمِ، فَالْحَبِيبُ قَصَدَ إِلَى بَرَاءَةِ سَاحَةِ الْخَلِيلِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، فَسَمَّاهَا مَعَارِيضَ، وَالْخَلِيلُ لَمَّحَ إِلَى مَرْتَبَةِ الشَّفَاعَةِ هُنَالِكَ، وَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْحَبِيبِ، فَتَجَوَّزَ بِالْكَذَبَاتِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7913

٥٧٠٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧٠٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] » : تَمَامُهُ: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مَا صَدَرَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﵊ لَمْ يَكُنْ شَكًّا، بَلْ كَانَ طَلَبًا لِمَزِيدِ الْعِلْمِ، وَأَنَا أَحَقُّ بِهِ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وَأُطْلِقَ الشَّكُّ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْمِزِّيُّ: مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ الشَّكُّ مُتَطَرِّقًا إِلَيْهِ، لَكُنْتُ أَحَقُّ بِهِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أَشُكَّ، فَاعْلَمُوا أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا رَجَّحَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى نَفْسِهِ تَوَاضُعًا، أَوْ لِصُدُورِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ خَيْرُ وَلَدِ آدَمَ، وَأَمَّا سُؤَالُ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَلِلتَّرَقِّي مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَجَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ رَبَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ طَلَبَ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ دَلِيلُهُ عِيَانًا، وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَذْهَبُ هَذَا الْحَدِيثِ التَّوَاضُعُ وَالْهَضْمُ مِنَ النَّفْسِ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ هَذَا اعْتِرَافٌ بِالشَّكِّ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، لَكِنَّ فِيهِ نَفْيُ الشَّكِّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: إِذَا لَمْ أَشُكَّ أَنَا وَلَمْ أَرْتَبْ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَإِبْرَاهِيمُ أَوْلَى بِأَنْ لَا يَشُكَّ فِيهِ وَلَا يَرْتَابَ بِهِ، وَفِيهِ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ قِبَلِ إِبْرَاهِيمَ لَمْ تُعْرَضُ مِنْ جِهَةِ الشَّكِّ، لَكِنْ مِنْ قِبَلِ طَلَبِ زِيَادَةِ الْعِلْمِ، وَاسْتِفَادَةِ مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الْإِحْيَاءِ، وَالنَّفْسُ تَجِدُ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ بِعِلْمِ الْكَيْفِيَّةِ مَا لَمْ تَجِدْهُ بِعِلْمِ الْأُمْنِيَّةِ، وَالْعِلْمُ فِي الْوَجْهَيْنِ حَاصِلٌ وَالثَّالِثُ مَرْفُوعٌ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا طَلَبَ الْإِيمَانَ حِسًّا وَعِيَانًا، لِأَنَّهُ فَوْقَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ وَالْمُسْتَدِلُ لَا تَزُولُ عَنْهُ الْوَسَاوِسُ وَالْخَوَاطِرُ، فَقَدْ قَالَ ﵊: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» " انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ عَدَمَ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ عِلْمُهُمْ مِنْ بَابِ الْكَشْفِ وَالْمَعْرِفَةِ التَّامَّةِ، وَالْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ الَّذِي لَهُمْ فِي السَّرَائِرِ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَرَدُّدُ الْخَوَاطِرِ، وَتَوَسْوُسُ الضَّمَائِرِ، نَعَمْ مَرْتَبَةُ عَيْنِ الْيَقِينِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ عِلْمِ الْيَقِينِ، وَأَنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُعِينُ.

стр. 7914

وَفِي بَعْضِ (نُسَخِ الْمَصَابِيحِ) : «نَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» بِدُونِ قَوْلِهِ بِالشَّكِّ، فَفَالَ شَارِحٌ لَهُ أَيْ: نَحْنُ أَحَقُّ مِنْهُ بِالسُّؤَالِ الَّذِي سَأَلَهُ يُرِيدُ بِهِ تَعْظِيمَ أَمْرِهِ، وَأَنَّ سُؤَالَهُ هَذَا لَمْ يَكُنْ لِنُقْصَانٍ فِي عَقِيدَتِهِ، بَلْ لِكَمَالِ فِكْرَتِهِ، وَعُلُوِّ هِمَّتِهِ الطَّالِبَةِ لِحُصُولِ الِاطْمِئْنَانِ بِالْوُصُولِ إِلَى دَرَجَةِ الْعِيَانِ. قَالَ: وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﵊» ، وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْ: لَمْ يَكُنْ صُدُورُ هَذَا السُّؤَالِ مِنْهُ شَكًّا مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَاخْتَلَجَ فِي صَدْرِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ الشَّكُّ يَعْتَرِيهِ لَنَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْهُ، وَلَكِنَّا لَا نَشُكُّ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَشُكَّ هُوَ فِيهِ؟ أَقُولُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: نَحْنُ لَيْسَ صِيغَةُ التَّعْظِيمِ، لِيَحْتَاجَ إِلَى الِاعْتِذَارِ بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا لِإِبْرَاهِيمَ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ مَعَ أُمَّتِي لَا تَشُكُّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، بَلْ نَحْنُ مُعَاشِرَ الْخَلْقِ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ غَالِبًا نَعْتَقِدُ قُدْرَتَهُ عَلَى الْإِحْيَاءِ، وَإِبْرَاهِيمُ ﵊ مِنْ أَكْمَلِ الْأَنْبِيَاءِ فِي مَرْتَبَةِ التَّوْحِيدِ، وَمَقَامِ التَّفْرِيدِ حَتَّى أَمَرَنَا بِمُتَابَعَتِهِ عَلَى طَرِيقِهِ الْقَوِيمِ وَسَبِيلِهِ الْمُسْتَقِيمِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الشَّكُّ؟ إِذْ لَوْ جَازَ عَلَيْهِ الشَّكُّ، وَهُوَ مِنَ الْمَعْصُومِينَ الْمَتْبُوعِينَ لَجَازَ لَنَا بِالْأَوْلَى، وَنَحْنُ مِنَ اللَّاحِقِينَ التَّابِعِينَ. وَالْحَالُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالدَّلِيلِ الْبُرْهَانِيِّ نَفْيَ الشَّكِّ عَنِ الْخَلِيلِ الرَّحْمَانِيِّ، وَإِيصَالِهِ إِيَّاهُ إِلَى الْمَقَامِ الِاطْمِئْنَانِيِّ، وَالْحَالِ الْعَيَانِيِّ. (وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا) : قِيلَ: تَصْدِيرُ الْكَلَامِ هَذَا الدُّعَاءَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اعْتِرَاءُ نَقْصٍ عَلَيْهِ فِيمَا سَيَأْتِي مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] حَيْثُ كَأَنَّهُ تَمْهِيدٌ وَمُقَدِّمَةٌ لِلْخِطَابِ الْمُزْعِجِ. (لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) ، أَيْ عَشِيرَةٍ قَوِيَّةٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ. وَقَالَ شَارِحٌ تَبَعًا لِلْقَاضِي: وَكَأَنَّهُ اسْتَغْرَبَ مِنْهُ وَعَدَّهُ بَادِرَةً، إِذْ لَا رُكْنَ أَشَدَّ مِنَ الرُّكْنِ الَّذِي كَانَ يَأْوِي إِلَيْهِ، وَهُوَ عِصْمَةُ اللَّهِ وَحِفْظُهُ، وَعِنْدِي أَنَّ أَخْذَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا الْمَبْنَى لَيْسَ مِنْ طَرِيقِ الْأَدَبِ فِي الْإِنْبَاءِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَانَ يَنْهَى عَنْ غِيبَةِ أَفْرَادِ الْعَامَّةِ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَذْكُرَ فِي حَقِّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ مَا يَكُونُ مُوهِمًا لِنَقْصِ مَرْتَبَتِهِ، أَوْ تَنَزُّلًا عَنْ عُلُوِّ هِمَّتِهِ؟ فَالْمَعْنَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ بِمُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ الْبَشَرِيَّةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ يَمِيلُ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالْعَشِيرَةِ الْقَوِيَّةِ، فَيَجُوزُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ الْمِحَالِ، فَإِنَّا مَأْمُورُونَ بِمُتَابَعَةِ أَرْبَابِ الْكَمَالِ فِي التَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ مَعَ الِاعْتِمَادِ عَلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي (الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) مَا يُقَوِّي الْمَذْكُورَ مِنَ التَّقْرِيرِ وَالتَّحْرِيرِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «رَحِمَ اللَّهُ لُوطًا كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَمَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ» ". قُلْتُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ ﵊: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] وَكَذَلِكَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُعَظَّمًا وَمَحْمِيًّا وَمُكَرَّمًا لِقُرْبِهِ مِنْ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ، وَإِلَيْهِ الْإِيمَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦] وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ أَيْ: مِقْدَارَ طُولِ زَمَنِ لُبْثِهِ وَجَاءَنِي دَاعٍ بِالطَّلَبِ أَوْ سَاعٍ إِلَى الْخُرُوجِ (لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ) . أَيْ وَلَبَادَرْتُ الْخُرُوجَ عَمَلًا بِالْجَوَازِ. لَكِنَّ يُوسُفَ ﵊ صَبَرَ لِحُكْمِ تَقَضِّيهِ ذَلِكَ، كَمَا عَبَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ﴾ [يوسف: ٥٠] إِلَى آخِرِهِ وَرُبَّمَا وَجَّبَتُهُ عَلَيْهِ فِي مَرَامِ ذَلِكَ الْمَقَامِ مِمَّنْ قَصْدُهُ الْبَرَاءَةُ مِمَّا اشْتُهِرَ فِي حَقِّهِ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ، لِيُقَابِلَ صَاحِبَ الْأَمْرِ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ، أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَلِّمُ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَرِيقٍ، فَمَرَّ عَلَيْهِ صَحَابِيٌّ فَقَالَ لَهُ ﵊: " إِنَّ هَذِهِ فُلَانَةُ مِنَ الْأَزْوَاجِ الطَّاهِرَاتِ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُظَنُّ فِيكَ ظَنُّ السُّوءِ؟ فَقَالَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» ". قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى إِحْمَادِهِ صَبْرَ يُوسُفَ ﵇، وَتَرْكَهُ الِاسْتِعْجَالَ بِالْخُرُوجِ عَنِ السِّجْنِ مَعَ امْتِدَادِ مُدَّةِ الْحَبْسِ عَلَيْهِ، قَالَ: إِنَّ فِي ضِمْنِ هَذَا الْحَدِيثِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ،

стр. 7915

وَإِنْ كَانُوا مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ لَا يُنَازِلُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ، فَإِنَّهُمْ بَشَرٌ يَطْرَأُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَحْوَالِ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْبَشَرِ، فَلَا تَعُدُّوا ذَلِكَ مَنْقَصَةً، وَلَا تَحْسَبُوهُ سَيِّئَةً. قُلْتُ: هَذَا مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَضِيَّةِ سَيِّدِنَا لُوطٍ ﵊. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ إِخْبَارًا عَنْ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَضَجُّرِهِ وَقِلَّةِ صَبْرِهِ، بَلْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَدْحِ يُوسُفَ ﵇، وَتَرْكِهِ الِاسْتِعْجَالَ بِالْخُرُوجِ لِيَزُولَ عَنْ قَلْبِ الْمَلِكِ مَا اتُّهِمَ بِهِ مِنَ الْفَاحِشَةِ، وَلَا يَنْظُرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ مَشْكُوكٍ. انْتَهَى. وَهُوَ بِعَيْنِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَقِيلَ: بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْصِيرِ يُوسُفَ ﵇، وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الْوَسَائِطَ، وَلَمْ يُفَوِّضْ كُلَّ مَا آتَاهُ إِلَيْهِ تَعَالَى. قُلْتُ: سَبَقَ أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْأَسْبَابِ لَا تُنَافِي تَفْوِيضَ الْأَمْرِ إِلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إِنَّ مَرْتَبَةَ جَمْعِ الْجَمْعِ هِيَ مُبَاشَرَةُ السَّبَبِ مَعَ مُلَاحَقَةِ عَمَلِ الرَّبِّ، وَقِيلَ: بَلْ فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَقْصِيرِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ رَسُولًا، وَلِذَا دَعَا أَهْلَ السِّجْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ [يوسف: ٣٩] إِلَخْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى عَوْدَةِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَدَّمَ بَرَاءَةَ نَفْسِهِ مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ، وَهُوَ دَعْوَةُ الْمَلِكِ. قُلْتُ: وَهَذَا ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ إِذْ تَقْدِيرُ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ رَسُولًا عَامًّا أَوْ خَاصًّا، فَتَقَدَّمَ مَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِرْسَالِ مِنَ الْبَرَاءَةِ عَلَيْهِ مِمَّا يَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إِلَيْهِ، لِئَلَّا يَدُورَ طَعْنُ الطَّاعِنِ حَوَالَيْهِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَرَّرْنَاهُ، وَعَلَى حَقِيقَةِ مَا حَرَّرْنَاهُ، مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ( «رَحِمَ اللَّهُ يُوسُفَ ﵇ إِنْ كَانَ لَذَا أَنَاةٍ حَلِيمًا، لَوْ كُنْتُ أَنَا الْمَحْبُوسُ ثُمَّ أُرْسِلَ إِلَيَّ لَخَرَجْتُ سَرِيعًا» ) . وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فِي (الزُّهْدِ) ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا: ( «رَحِمَ اللَّهُ أَخِي يُوسُفَ لَوْ أَنَا أَتَانِيَ الرَّسُولُ بَعْدَ طُولِ الْحَبْسِ لَأَسْرَعْتُ الْإِجَابَةَ حِينَ قَالَ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ [يوسف: ٥٠] » كَذَا فِي (الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 7916

٥٧٠٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: مَا تَسَتَّرَ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ: إِمَّا بَرَصٌ أَوْ أُدْرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ فَجَمَحَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ! ثَوْبِي يَا حَجَرُ! حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، وَأَخْذَ ثَوْبَهُ، وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا، فَوَاللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ " ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧٠٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا» ") : بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى وَبِتَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّهُ فَعِيلٌ أَيْ مُسْتَحْيِيًا (سَتِيرًا) ، بِفَتْحِ السِّينِ وَتَخْفِيفِ الْفَوْقِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ. قَالَ شَارِحٌ أَيْ: مَسْتُورًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُبَالَغَةُ سَاتِرٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي نُسْخَةِ مَنْ كَسَرَ السِّينَ وَالْفَوْقِيَّةَ الْمُشَدَّدَةَ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ جَعَلَ قَوْلَهُ: " لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ ": صِفَةٌ كَاشِفَةٌ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، بَلْ هُوَ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ كَثِيرَ التَّسَتُّرِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهِ عِنْدَ اغْتِسَالِهِ (اسْتِحْيَاءً) ، أَيْ مِنَ النَّاسِ (فَآذَاهُ، مَنْ آذَاهُ) : بِالْمَدِّ فِيهِمَا أَيْ: مَنْ أَرَادَ إِيذَاءَهُ (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا) : جَمْعٌ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى مَنْ كَمَا أَفْرَدَ أَوَّلًا بِنَاءً عَلَى لَفْظِهِ، وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ فِي التَّنْزِيلِ أَيْ فَقَالَ بَعْضُ الْمُؤْذِينَ: (مَا تَسَتَّرَ) أَيْ: مُوسَى (هَذَا التَّسَتُّرَ) أَيْ: الْبَلِيغَ (إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ: إِمَّا بَرَصٌ أَوْ أُدْرَةٌ) ، بِضَمِّ هَمْزَةٍ وَسُكُونِ دَالٍ مُهْمَلَةٍ نَفْخَةٌ بِالْخُصْيَةِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ) ، بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ يُنَزِّهَهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ الْعَيْبِ، وَيُثْبِتَ لَهُ الْحَيَاءَ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِنَّ اللَّهَ هُوَ هَكَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِالْوَاوِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَإِنَّ اللَّهَ لِلتَّعْقِيبِ، وَأَصْلُ الْكَلَامِ فَقَالُوا: كَيْتَ وَكَيْتَ، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُبَرِّئَهُ، وَأَتَى بِأَنَّ الْمُؤَكِّدَةِ تَأْكِيدَ اعْتِنَاءٍ بِشَأْنِهِ، (فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ) أَيْ: انْفَرَدَ عَنِ النَّاسِ وَقْتًا مَا حَالَ كَوْنِهِ مُنْفَرِدًا (لِيَغْتَسِلَ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ) أَيْ: بِجَنْبِ الْمَاءِ (فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ) ، الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: فَأَخَذَهُ فَارًّا عَنْ مُوسَى، (فَجَمَحَ مُوسَى) : بِجِيمٍ وَمِيمٍ وَحَاءٍ

стр. 7917

مَفْتُوحَاتٍ. أَيْ: ذَهَبَ وَأَسْرَعَ إِسْرَاعًا لَا يَرُدُّهُ شَيْءٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧] (فِي أَثَرِهِ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَقَدْ يُكْسَرُ الْهَمْزُ وَتُسَكَّنُ الْمُثَلَّثَةُ أَيْ: فِي عَقِبِ الْحَجَرِ (يَقُولُ) أَيْ: بِلِسَانِ الْمَقَالِ أَوْ بِبَيَانِ الْحَالِ (ثَوْبِي) أَيْ: أَعْطِنِي ثَوْبِي (يَا حَجَرُ ثَوْبِي) أَيْ: مَطْلُوبِي ثَوْبِي (يَا حَجْرُ وَالتِّكْرَارُ لِلتَّكْثِيرِ (حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِيهِمُ الْمُؤْذِينَ (فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: عُرْيَانًا حَالٌ. وَكَذَا قَوْلُهُ: " أَحْسَنَ " لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ بِمَعْنَى النَّظَرِ. (وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ) ، أَيْ لَيْسَ بِهِ عَيْبٌ مَا. (وَأَخَذَ ثَوْبَهُ وَطَفِقَ) أَيْ: شَرَعَ (بِالْحَجَرِ ضَرْبًا أَيْ: بِضَرْبِهِ ضَرْبًا، فَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ. كَمَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] (فَوَاللَّهِ إِنَّ فِي الْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ) : النَّدَبُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالدَّالِ أَيْ: أَثَرًا وَعَلَامَةً بَاقِيَةً مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ، وَأَصْلُ النَّدَبِ أَثَرُ الْجُرْحِ، إِذَا لَمْ يَرْتَفِعْ عَنِ الْجِلْدِ، فَشُبِّهَ بِهِ أَثَرُ الضَّرْبِ بِالْحَجَرِ وَقَوْلُهُ: (ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا) . مُتَعَلِّقٌ بِالضَّرْبِ أَوِ النَّدَبِ وَالشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: ثَلَاثًا أَيْ نَدَبَاتٍ. ثَلَاثًا بَيَانًا وَتَفْسِيرًا لِاسْمِ إِنَّ، وَضَرْبُهُ هَذَا مِنْ أَثَرِ غَضَبِهِ عَلَى الْحَجَرِ لِأَجْلِ فِرَارِهِ، وَقِلَّةِ أَدَبِهِ، وَلَعَلَّهُ ذُهِلَ عَنْ كَوْنِهِ مَأْمُورًا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا، وَفِيهِ مَأْخَذُ الْعُلَمَاءِ الْأَنَامِ عَلَى أَنَّ ضَرَرَ الْخَاصِّ يُتَحَمَّلُ لِنَفْعِ الْعَامِّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ، ثُمَّ قِيلَ: إِنَّ مُوسَى أُمِرَ بِحَمْلِ الْحَجَرِ مَعَهُ إِلَى أَنْ كَانَ فِي التِّيَهِ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ، فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: فِيهِ مُعْجِزَتَانِ ظَاهِرَتَانِ لِمُوسَى ﵊. إِحْدَاهُمَا مَشْيُ الْحَجْرِ بِثَوْبِهِ، وَالثَّانِيَةُ حُصُولُ النَّدَبِ فِي الْحَجَرِ بِضَرْبِهِ، وَفِيهِ حُصُولُ التَّمْيِيزِ فِي الْجَمَادِ، وَفِيهِ جَوَازُ الْغُسْلِ عُرْيَانًا فِي الْخَلْوَةِ، وَإِنْ كَانَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ أَفْضَلُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ ﵏، وَخَالَفَهُمُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَقَالَ: إِنَّ لِلْمَاءِ سَاكِنًا. قُلْتُ: إِمَامُنَا الْأَعْظَمُ ﵀ مَعَ الْجُمْهُورِ، وَظَاهِرُ مُخَالَفَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي دُخُولِ الْمَاءِ. قَالَ: وَفِيهِ ابْتِلَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ أَذَى السُّفَهَاءِ وَالجُّهَالَةِ وَصَبْرُهُمْ عَلَيْهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُنَزَّهُونَ عَنِ النَّقَائِصِ فِي الْخَلْقِ، وَالْخُلُقِ سَالِمُونَ مِنَ الْعَاهَاتِ وَالْمَعَايِبِ، اللَّهُمَّ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الِابْتِلَاءِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7918

٥٧٠٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لَا غِنَى عَنْ بَرَكَتِكَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٧٠٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا) ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَابِسًا لِلْإِزَارِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي: يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَجَرِّدًا عَنِ الثِّيَابِ كُلِّهَا عَلَى طِبْقِ مَا سَبَقَ لِمُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ جَائِزًا عِنْدَهُمَا، لَكِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَارَ إِلَى أَنَّ التَّسَتُّرَ أَوْلَى حَيَاءً مِنَ الْمَوْلَى، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ لِيُتِمِّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، (فَخَرَّ) : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ: فَسَقَطَ وَنَزَلَ (عَلَيْهِ) أَيْ: فَوْقَهُ " أَطْرَافَهُ " (جَرَادٌ) أَيْ: جِنْسُ جَرَادٍ (مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْثِي) أَيْ: يَضَعَهُ (فِي ثَوْبِهِ) : كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِكَفِّهِ أَوْ كَفَّيْهِ، وَيَضَعُ فِي ثَوْبِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ وَهُوَ الْإِزَارُ اللَّابِسُ لَهُ قَبْلَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوِ الْمُنْفَصِلُ الَّذِي مَا لَبِسَهُ بَعْدُ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ. قَالَ شَارِحٌ لَهُ أَيْ يَجْمَعُهُ فِي ذَيْلِهِ وَيَضُمُّ طَرَفَ الذَّيْلِ إِلَى نَفْسِهِ، (فَنَادَاهُ رَبُّهُ) أَيْ: نِدَاءَ تَلَطُّفٍ (يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ) أَيْ: جَعَلْتُكَ ذَا غِنًى (عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا لَيْسَ بِعِتَابٍ مِنْهُ تَعَالَى إِنَّ الْإِنْسَانَ وَإِنْ كَانَ مُثْرِيًا لَا يَشْبَعُ بِثَرَاهُ، بَلْ يُرِيدُ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ التَّلَطُّفِ وَالِامْتِحَانِ بِأَنَّهُ هَلْ يَشْكُرُ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ، فَيَزِيدُ فِي الشُّكْرِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَكِنْ لَا غِنًى) : بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ مَقْصُورًا أَيْ لَا اسْتِغْنَاءَ (بِي عَنْ بَرَكَتِكَ) . أَيْ عَنْ كَثْرَةِ نِعْمَتِكَ، وَزِيَادَةِ رَحْمَتِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ يَشْبَعُ مِنْ رَحِمَتِكَ أَوْ مِنْ فَضْلِكَ، وَفِيهِ جَوَازُ الْحِرْصِ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْحَلَالِ فِي حَقِّ مَنْ وَثَقَ مِنْ نَفْسِهِ الشُّكْرَ عَلَيْهِ، وَيَصْرِفُهُ فِيمَا يُحِبُّ رَبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَيُتَوَجَّهُ الْأَمْرُ إِلَيْهِ، وَفِي تَسْمِيَةِ الْمَالِ مِنْ جِهَةِ الْحَلَالِ بَرَكَةً فِي الْمَالِ وَحُسْنِ الْحَلَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ جَوَابًا عَنْ قَوْلِهِ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي: " «مَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرَ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» ". (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 7919

٥٧٠٨ - وَعَنْهُ، قَالَ: «اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ. فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ. فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمَ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْلِمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأُصْعَقُ مَعَهُمْ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرَى كَانَ فِيمَنْ صُعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ فِيمَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ؟» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَةِ يَوْمِ الطُّورِ، أَوْ بُعِثَ قَبْلِي؟ وَلَا أَقُولُ أَنَّ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» . ــ ٥٧٠٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ) ، بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ افْتِعَالٌ مِنَ السَّبِّ وَهُوَ الشَّتْمِ، وَالْمَعْنَى سَبَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ، (قَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ) أَيْ: جَمِيعِهِمْ مِنْ خَلَفِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ (فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ) أَيْ: عَالَمِي زَمَانِهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ الْمُعَارَضَةَ، وَحَاصِلُ مَرَامِهِ الْمُشَارَكَةَ فِي الِاصْطِفَاءِ عَلَى الْخَلْقِ مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَخِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءِ، وَلِذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ، (فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ) أَيْ: الْقَوْلِ الْمُوهِمَ لِخِلَافِ الْأَدَبِ (فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ) ، أَيْ ضَرَبَهُ بِكَفِّهِ كَفًّا لَهُ وَتَأْدِيبًا (فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَدَعَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ) . أَيْ الْأَمْرِ (فَأَخْبَرَهُ) ، أَيْ بِمُطَابَقَةِ الْخَبَرِ (فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تُخَيِّرُونِي ") : بِضَمِّ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنَ التَّخْيِيرِ بِمَعْنَى الِاصْطِفَاءِ، وَالْمَعْنَى لَا تَجْعَلُونِي خَيْرًا بِمَعْنَى لَا تُفَضِّلُونِي (عَلَى مُوسَى) أَيْ: وَنَحْوِهِ مِنْ أَصْحَابِ النُّبُوَّةِ تَفْضِيلًا يُؤَدِّي إِلَى إِيهَامِ الْمَنْقَصَةِ، أَوْ إِلَى تَسَبُّبِ الْخُصُومَةِ، فَإِنَّ أَمْرَ التَّفْضِيلِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ عَلَى وَجْهِ التَّفْضِيلِ، (فَإِنَّ النَّاسَ) أَيْ: جَمِيعَهُمْ (يُصْعَقُونَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى (فَأُصْعَقُ مَعَهُمْ) : مِنْ صَعِقَ الرَّجُلُ إِذَا أَصَابَهُ فَزَعٌ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا مَاتَ مِنْهُ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَوْتِ كَثِيرًا، لَكِنَّ هَذِهِ الصَّعْقَةَ صَعْقَةُ فَزَعٍ قَبْلَ الْبَعْثِ لِذِكْرِ الْإِفَاقَةِ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ) ، فَإِنَّ الْإِفَاقَةَ إِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْغَشْيِ وَالْبَعْثِ فِي الْمَوْتِ (فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ) : قَالَ شَارِحٌ أَيْ: قَوِيٌّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ آخِذٌ (بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي كَانَ) أَيْ: أَكَانَ (فِيمَنْ صُعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي) ، أَيْ لِفَضِيلَةٍ اخْتُصَّ بِهَا (أَوْ كَانَ فِيمَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ) أَيْ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] وَالْمَعْنَى أَوْ كَانَ فِيمَنْ لَمْ يُصْعَقْ فَلَهُ مَنْقَبَةٌ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: يَعْنِي فَإِنْ أَفَاقَ قَبْلِي فَهِيَ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمْ يُصْعَقْ، فَهِيَ أَيْضًا فَضِيلَةٌ، وَإِنَّمَا فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ، لَا مَنْ يَقُولُهُ بِدَلِيلٍ، أَوْ مَنْ يَقُولُ بِحَيْثُ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ، أَوْ يَجُرُّ إِلَى الْخُصُومَةِ، أَوِ الْمُرَادُ لَا تُفَضِّلُونِي بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْفَضَائِلِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِلْمَفْضُولِ فَضِيلَةٌ، أَوْ أَرَادَ النَّهْيَ عَنِ التَّفْضِيلِ فِي نَفْسِ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِيهَا، وَإِنَّمَا التَّفَاضُلُ بِخَصَائِصَ وَفَضَائِلَ أُخْرَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وَ ﴿لَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] (وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ) أَيْ: أَجُوزِيَ (بِصَعْقَةِ يَوْمِ الطَّوْرِ) ، بِإِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الظَّرْفِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالضَّمَائِرِ أَيْ: بِصَعْقَةِ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] فَفِي الْقَامُوسِ: صَعِقَ كَسَمِعَ صَعْقًا وَيُحَرَّكُ، وَصَعْقَةً وَتَصَاعُقًا، فَهُوَ صَعِقٌ كَ " كَنِفٌ " غُشِيَ عَلَيْهِ. (أَوْ بُعِثَ قَبْلِي) ؟ أَيْ أَفَاقَ قَبْلَ إِفَاقَتِي بَعْدَمَا شَارَكَنِي فِي صَعْقَتِي، فَالْبَعْثُ مَجَازٌ عَنِ الْإِفَاقَةِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ (وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا) أَيْ: لَا أَنَا وَلَا غَيْرِي مِنَ الْأَنْبِيَاءِ (أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) . بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ الْمَقْصُورَةِ قِيلَ: هِيَ اسْمُ أَمِّ يُونُسَ عَلَى مَا فِي (جَامِعِ الْأُصُولِ) ثُمَّ قِيلَ: إِنَّ أَحَدًا اسْتُعْمِلَ فِي الْإِثْبَاتِ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا أُفَضِّلُ أَحَدًا عَلَى يُونُسَ.

стр. 7920

٥٧٠٩ - وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: ( «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ» ". ــ ٥٧٠٩ - (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: لَا تُخَيِّرُوا) أَيْ: لَا تُفَضِّلُوا (بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى» أَيْ لَا تُفَضِّلُونِي عَلَيْهِ. أَقُولُ: قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ أَوَّلًا، ثُمَّ لِيَرْدَعَ الْأُمَّةَ عَنِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ ثَانِيًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي بِهِمْ إِلَى الْعَصَبِيَّةِ، فَيَنْتَهِزُ الشَّيْطَانُ مِنْهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ فُرْصَةً يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، فَيُطْرُونَ الْفَاضِلَ فَوْقَ حَقِّهِ، وَيَبْخَسُونَ الْمَفْضُولَ حَقَّهُ، فَيَقَعُونَ فِي مَهْوَاةِ الْغَيِّ، وَلِذَا قَالَ: «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» ، أَيْ: لَا تُقْدِمُوا عَلَى ذَلِكَ بِأَهْوَائِكُمْ وَآرَائِكُمْ، بَلْ مِمَّا آتَاكُمُ اللَّهُ مِنَ الْبَيَانِ، وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» " أَيْ: لَا أَقُولُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، وَلَا أُفَضِّلُ أَحَدًا عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ، فَإِنَّ شَأْنَهُمَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، بَلْ نَقُولُ: كُلُّ مَنْ أُكْرِمَ بِالنُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُمْ سَوَاءٌ فِيمَا جَاءُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَرَاتِبَهُمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ أُكْرِمَ بِالرِّسَالَةِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وَإِنَّمَا خُصَّ يُونُسَ ﵇ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ الرُّسُلِ لِمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ أَمْرِ يُونُسَ، وَتَوَلِّيهِ عَنْ قَوْمِهِ، وَضَجْرَتِهِ عَنْ تَثَبُّطِهِمْ فِي الْإِجَابَةِ، وَقِلَّةِ الِاحْتِمَالِ عَنْهُمْ وَالِاحْتِفَالِ بِهِمْ حِينَ رَامُوا التَّنَصُّلَ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] وَقَالَ: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] فَلَمْ يَأْمَنْ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُخَامِرَ بَوَاطِنَ الضُّعَفَاءِ مِنْ أُمَّتِهِ مَا يَعُودُ إِلَى نَقِيصَةٍ فِي حَقِّهِ فَنَبَّأَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِيمَا آتَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَنَّهُ مَعَ مَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ كَسَائِرِ إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَهَذَا قَوْلٌ جَامِعٌ فِي بَيَانِ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ فَافْهَمْ تَرْشُدْ إِلَى الْأَقْوَمِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الصَّعْقَةِ فَهِيَ قَبْلَ الْبَعْثِ عِنْدَ نَفْخَةِ الْفَزَعِ، فَأَمَّا فِي الْبَعْثِ، فَلَا تَقَدُّمَ لِأَحَدٍ فِيهِ عَلَى نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتِصَاصُ مُوسَى ﵊ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ لَا تُوجِبُ لَهُ تَقَدُّمًا عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهُ بِسَوَابِقٍ جَمَّةٍ، وَفَضَائِلَ كَثِيرَةٍ، وَاللَّهُ الْمَأْمُولُ أَنْ يُعَرِّفَنَا حُقُوقَهُمْ، وَيُحْيِينَا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ، وَيُمِيتَنَا عَلَى سُنَّتِهِمْ، وَيَحْشُرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا تُفَضِّلُوا ") : بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ عَلَى مَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ أَيْ: لَا تُوقِعُوا التَّفْضِيلَ (بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ) ، أَيْ: وَكَذَا بَيْنَ رُسُلِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِزْرَاءِ بِبَعْضٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِفَسَادِ الِاعْتِقَادِ فِي بَعْضٍ وَذَلِكَ كُفْرٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالصَّادِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَيْ: لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ لِقَوْلِهِ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] .

стр. 7921

٥٧١٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: " «قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ» ". ــ ٥٧١٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي) أَيْ: وَيَعْنِي نَفْسَهُ أَوْ نَفْسِي (" خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ") أَيْ: فَضْلًا عَنْ غَيْرِي (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: " مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ ") أَيْ: فِي النُّبُوَّةِ (" مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى لَقَدْ كَذَبَ ") : لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي مَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ، وَإِنَّمَا التَّفَاضُلُ بِاعْتِبَارِ الدَّرَجَاتِ، وَخُصَّ يُونُسُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُ بِأَوْصَافٍ تُوهِمُ انْحِطَاطَ رُتْبَتِهِ حَيْثُ قَالَ: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠] فَلَفَظُ: " أَنَا " وَاقِعٌ مَوْقِعَ " هُوَ "، وَيَكُونُ رَاجِعًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْقَائِلِ، فَحِينَئِذٍ كَذَبَ بِمَعْنَى كَفَرَ، كَنَّى بِهِ عَنِ الْكُفْرِ، لِأَنَّ هَذَا الْكَذِبَ مُسَاوٍ لِلْكُفْرِ.

стр. 7922

قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: قِيلَ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ يَعُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ: يَعُودُ إِلَى كُلِّ قَائِلٍ أَيْ: لَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْجَاهِلِينَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ، أَوِ الْعِلْمِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَضَائِلِ، فَإِنَّهُ لَوْ بَلَغَ مَا بَلَغَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ، وَيُؤَيُّدُهُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى: مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى. أَقُولُ: فِي تَأْيِيدِهَا نَظَرٌ لِتَحَقُّقِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِيهِ أَيْضًا، بَلِ الْمَعْنَى الثَّانِي أُظْهَرُ مِنْهَا حَيْثُ قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ بِطْرِيقِ الْعُمُومِ الْمُشِيرِ إِلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ قُدْسِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي " الْجَامِعِ " مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا خُصَّ يُونُسُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْهُ فِي جُمْلَةِ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَقَالَ: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ - إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] فَقَصَّرَ بِهِ عَنْ مَرَاتِبِ أُولِي الْعَزْمِ وَالصَّبْرِ مِنَ الرُّسُلِ، يَقُولُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا لَمْ آذَنْ لَكُمْ أَنْ تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى، فَلَا يَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تُفَضِّلُونِي عَلَى غَيْرِهِ مَنْ ذَوِي الْعَزْمِ مِنْ أَجِلَّةِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا مِنْهُ ﵊ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالْهَضْمِ مِنَ النَّفْسِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُخَالِفٍ لِقَوْلِهِ: " «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» " لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ مُفْتَخِرًا وَلَا مُتَطَاوِلًا بِهِ عَلَى الْخَلْقِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ذِكْرًا لِلنِّعْمَةِ وَمَصْرِفًا بِالْمِنَّةِ، وَأَرَادَ بِالسِّيَادَةِ مَا يُكْرَمُ بِهِ فِي الْقِيَامَةِ مِنَ الشَّفَاعَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 7923

٥٧١١ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا، وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧١١ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ» ") : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ مَوْجُودٌ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، سِيَّمَا عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ، وَأَهْلِ الصَّلَاحِ، وَالْمَعْرِفَةِ. وَحِكَايَاتُهُمْ فِي رُؤْيَتِهِ وَالِاجْتِمَاعِ بِهِ، وَالْأَخْذِ عَنْهُ وَسُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ، وَحُضُورِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الشَّرِيفَةِ، وَمَوَاطِنِ الْخَيْرِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَصَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ بِذَلِكَ، وَشَذَّ مَنْ أَنْكَرَهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ. قَالَ الْحِمْيَرِيُّ الْمُفَسِّرُ، وَأَبُو عَمْرٍو: هُوَ نَبِيٌّ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مُرْسَلًا. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ، وَكَثِيرُونَ: هُوَ وَلِيٌّ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِنُبُوَّتِهِ بِقَوْلِهِ: مَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَبِأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْ مُوسَى ﵊، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ أَعْلَمُ مِنَ النَّبِيِّ. وَأَجَابَ الْآخَرُونَ: بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُلْقِيَ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ الْإِلْهَامِ، كَمَا أُلْقِيَ إِلَى أُمِّ مُوسَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى - أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ [طه: ٣٨ - ٣٩] قُلْتُ: فِيهِ أَنَّ الْوَحْيَ إِلَى أُمِّ مُوسَى فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَدْبِيرِ خَلَاصِ الطِّفْلِ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ فِي أَمْرِهِ، وَأَمَّا حَمْلُ أَمْرِ الْغُلَامِ عَلَى الْإِلْهَامِ إِلَى الْوَلِيِّ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، إِذْ لَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسًا زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ اعْتِمَادًا عَلَى الْوَحْيِ الْإِلْهَامِيِّ بِأَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا، وَقَدْ قَالَ الثَّعْلَبِيُّ الْمُفَسِّرُ: الْخَضِرُ نَبِيٌّ مُعَمِّرٌ مَحْجُوبٌ عَنْ أَكْثَرِ الْأَبْصَارِ. قَالَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَمُوتُ إِلَّا فِي آخِرِ الزَّمَانِ حِينَ يُرْفَعُ الْقُرْآنُ. قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ الدَّجَّالُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَقْوَالًا أَنَّهُ مِنْ زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵊ أَمْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ؟ قُلْتُ: وَيُرْوَى أَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَفِي (الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) : رَوَى الْحَارِثُ عَنْ أَنَسٍ: الْخَضِرُ فِي الْبَحْرِ، وَإِلْيَاسُ فِي الْبَرِّ يَجْتَمِعَانِ كُلَّ لَيْلَةٍ عِنْدَ الرَّدْمِ الَّذِي بَنَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَيَحُجَّانِ وَيَعْتَمِرَانِ كُلَّ عَامٍ، وَيَشْرَبَانِ مِنْ زَمْزَمَ شَرْبَةً تَكْفِيهِمَا إِلَى قَابِلٍ. وُفِي (الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةِ) : رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ: إِنْ إِلْيَاسَ وَالْخَضِرَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَلْتَقِيَانِ فِي كُلِّ عَامٍ بِالْمَوْسِمِ، فَيَحْلِقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسَ صَاحِبِهِ، وَيَفْتَرِقَانِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا يَسُوقُ الْخَيْرَ إِلَّا اللَّهُ، بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا يَصْرِفُ السُّوءَ إِلَّا اللَّهُ، مَا شَاءَ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

стр. 7924

ثُمَّ قَوْلُهُ: (طُبِعَ كَافِرًا) أَيْ: خُلِقَ الْغُلَامُ عَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ الْكُفْرَ، فَلَا يُنَافِي خَبَرَ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» " إِذِ الْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ اسْتِعْدَادُ قَبُولِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ شَقِيًّا فِي جِبِلَّتِهِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي (الْكَامِلِ) ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي (الْكَبِيرِ) ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: " «خَلَقَ اللَّهُ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا فِي بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا، وَخَلَقَ فِرْعَوْنَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ كَافِرًا» ". وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ أَنَّ «بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِي كُلِّ مَوْلُودٍ يُكْتَبُ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، وَعَلَى طَبَقَةٍ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَائَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] » قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: فِيَ هَذَا حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَصِحَّةِ مَذْهَبِهِمْ فِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْفِعْلِ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ وَتَيْسِيرِهِ لَهُ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ لِلْعَبْدِ فِعْلًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَقُدْرَةً عَلَى الْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَفِيهِ أَنَّ الَّذِينَ قُضِيَ لَهُمْ بِالنَّاسِ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا، وَجَعَلَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمَنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا، أَوْ حِجَابًا مَسْتُورًا، وَجَعَلَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، وَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضًا، لِتَتِمَّ سَابِقَتُهُ وَتَمْضِيَ كَلِمَتُهُ، لَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ أَطْفَالَ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ. قُلْتُ: الْأَوْلَى التَّفْصِيلُ بِأَنَّ مَنْ طُبِعَ مِنْهُمْ كَافِرًا يَكُونُ فِي النَّارِ، وَمَنْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ، وَيُقَارَبُ الْقَوْلُ بِالتَّوَقُّفِ الَّذِي اخْتَارَهُ إِمَامُنَا الْأَعْظَمُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَاشَ) أَيْ: ذَلِكَ الْغُلَامُ بِأَنْ أَدْرَكَ الْكِبَرَ (لِأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ) أَيْ: لَكَلَّفَهُمَا (طُغْيَانًا وَكُفْرًا) أَيْ: جُعِلَ سَبَبًا لِإِضْلَالِهِمَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ عِلَّةَ قَتْلِهِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ كَوْنِهِ طُبِعَ كَافِرًا، وَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ عَاشَ لَكَانَ مُضِلًّا فَاجِرًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَمَّا كَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ يَكُونُ هُوَ مُؤْمِنًا. قُلْتُ: فَكَيْفَ يَجُوزُ قَتْلُ الْمُؤْمِنِ؟ قَالَ: فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْغُلَامَ لَوْ بَلَغَ لَكَانَ كَافِرًا، وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ. أَيْ: غَشِيَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا. أَيْ طُغْيَانًا عَلَيْهِمَا وَكُفْرًا لِنِعْمَتِهِمَا بِعُقُوقِهِ، أَوْ مَعْنَاهُ حَمَلَهُمَا أَنْ يَتْبَعَاهُ فَيَطْغَيَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، فَإِنْ قُلْتَ: خَوْفُ كُفْرِ أَحَدٍ فِي الْمَآلِ لَا يُبِيحُ قَتْلَهُ فِي الْحَالِ، فَكَيْفَ قَتَلَهُ الْخَضِرُ مِنْ خَوْفِ كُفْرٍ؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي شَرْعِهِمْ. قُلْتُ: تَقْرِيرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَقْرِيرُهُ مُوسَى صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، بَلْ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي شَرْعِنَا لَوْ عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا، كَمَا قَرَّرَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَبَطَلَ كَوْنُ الْغُلَامِ مُؤْمِنًا حِينَئِذٍ، إِذْ لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْمُؤْمِنِ مِنْ غَيْرِ جُنْحٍ إِجْمَاعًا فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ. قَالَ: أَوْ نَقُولُ هَذَا عِلْمٌ لَدُنِّيٌّ، وَلَهُ مَشْرَبٌ آخَرُ غَيْرُ الْمَعْهُودِ فِي الظَّاهِرِ، فَلَا نَشْتَغِلُ بِكَيْفِيَّتِهِ. قُلْتُ: لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ فِي أَحْكَامِ الطَّرِيقَةِ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا مِمَّنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى مَرْتَبَةِ الْجَمْعِ نُسِبَ إِلَى الزَّنْدَقَةِ، ثُمَّ إِنَّ الْأَمْرَ لَا يَخْلُوَ عَنْ أَحَدِ شَيْئَيْنِ: فَإِنَّ الْخَضِرَ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النُّبُوَّةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَمِلَهُ عَلَى وَفْقِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى عِلْمِهِ اللَّدُنِّيِّ، وَإِلْهَامِهِ الْغَيْبِيِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْعُظْمَى، وَالْبَلِيَّةِ الْكُبْرَى، ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِي قَتْلِ الْخَضِرِ، وَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَوْضِعُ الِاعْتِذَارِ عَنْهُ تَصْرِيحًا بِخِلَافِ مَا فِي الْآيَةِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى ذَلِكَ تَلْوِيحًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7925

٥٧١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٧١٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ) أَيْ: خَضِرًا، وَفِي نُسْخَةٍ بِنَصْبِهِ أَيْ إِنَّمَا سُمِّيَ الرَّجُلُ الْمَشْهُورُ الْخَضِرَ (لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ) ، فِي النِّهَايَةِ: الْفَرْوَةُ الْأَرْضُ الْيَابِسَةُ. وَقِيلَ: الْهَشِيمُ الْيَابِسُ مِنَ النَّبَاتِ. قُلْتُ: وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَمُؤَدَّاهُمَا مُتَّحِدٌ، وَاخْتَارَ شَارِحٌ الْقَوْلَ الثَّانِي فَقَالَ: الْمُرَادُ بِالْفَرْوَةِ الْهَشِيمُ الْيَابِسُ شَبَّهَهُ بِالْفَرْوِ، وَقِيلَ: الْأَرْضُ الْيَابِسَةُ، وَقِيلَ: جِلْدَةُ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: قِطْعَةُ نَبَاتٍ مُجْتَمِعَةٌ يَابِسَةٌ. قُلْتُ: هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَلَعَلَّ الثَّانِيَ مِنْ قَوْلَيِّ صَاحِبِ النِّهَايَةِ أَنْسَبُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مَنْ خَلْفِهِ خَضِرًا) ؟ إِمَّا تَمْيِيزٌ أَوْ حَالٌ، فَكَأَنَّهُ نَظَرَ الْخَضِرُ ﵊ إِلَى مَجْلِسِهِ ذَاكَ، فَإِذَا هِيَ تَتَحَرَّكُ مِنْ جِهَةِ الْخُضْرَةِ وَالنَّضَارَةِ انْتَهَى. وَلَعَلَّهُ قَالَ: مِنْ خَلْفِهِ مَعَ أَنَّ النُّمُوَّ وَالِاهْتِزَازَ بِمَا كَانَ فِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ مِنْ تَحْتِهِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ الْخُضْرَةَ زَادَتْ عَنِ الْمَجْلِسِ إِلَى انْتِهَاءِ الْفَرْوَةِ الْبَيْضَاءِ، ثُمَّ قَالَ شَارِحٌ: قَوْلُهُ " خَضِرًا " بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ مَعَ التَّنْوِينِ أَيْ نَبَاتًا أَخْضَرَ نَاعِمًا. وَرُوِيَ عَلَى زِنَةِ صَفْرَاءَ. قُلْتُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي " أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمَضْبُوطَةِ الْمُعْتَمَدَةِ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ النُّسْخَةَ الْأُولَى لِمُنَاسَبَةِ وَجْهِ التَّسْمِيَةِ أَوْلَى لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْمَبْنَى وَالْمَعْنَى. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَأَسْنَدَهُ السُّيُوطِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ فِي (الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) إِلَى أَحْمَدَ، وَالشَّيْخَيْنِ، وَالتِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 7926

٥٧١٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ابْنِ عِمْرَانَ، فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ ". قَالَ: " فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكَ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا ". قَالَ: " فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي " قَالَ: " فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرِهِ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ ، قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ. قَالَ: فَالْآنَ مِنْ قَرِيبٍ، رَبِّ أَدْنِنِي مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَنْبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧١٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (" جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ ") أَيْ: فِي صُورَةِ بَشَرٍ (إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَقَالَ لَهُ) أَيْ: لِمُوسَى ﵊ (أَجِبْ رَبَّكَ) أَيْ: بِقَبُولِ الْمَوْتِ، وَالْمَعْنَى إِنِّي جِئْتُكَ لِأَقْبِضَ رُوحَكَ (قَالَ) أَيْ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ) أَيْ: ضَرَبَهَا بِبَاطِنِ كَفِّهِ (فَفَقَأَهَا) . بِفَاءٍ فَقَافٍ فَهَمْزَةٍ مَفْتُوحَاتٍ أَيْ: فَشَقَّهَا وَقَلَعَهَا وَأَعْمَاهَا. قِيلَ: الْمَلَائِكَةُ يَتَصَوَّرُونَ بِصُورَةِ الْإِنْسَانِ، وَتِلْكَ الصُّورَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ كَالْمَلَابِسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَاللَّطْمَةُ إِنَّمَا أَثَّرَتْ فِي الْعَيْنِ الصُّورِيَّةِ لَا فِي الْعَيْنِ الْمَلَكِيَّةِ، فَإِنَّهَا غَيْرُ مُتَأَثِّرَةٍ بِاللَّطْمَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ شَارِحٌ: وَإِنَّمَا لَطَمَهَا مُوسَى لِإِقْدَامِهِ عَلَى قَبْضِ رَوْحِهِ قَبْلَ التَّخْيِيرِ، وَالْأَنْبِيَاءُ كَانُوا مُخَيَّرِينَ عِنْدَ اللَّهِ آخِرَ الْأَمْرِ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْوَفَاةِ، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ لِذَلِكَ. (قَالَ: " «فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، فَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي» ". قَالَ: " «فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فَإِنْ قُلْتَ أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِ الْمَلَكِ عَبْدٍ لَكَ عَلَى التَّنْكِيرِ، وَبَيْنَ قَوْلِ اللَّهِ عَبْدِي؟ قُلْتُ: دَلَّ قَوْلُ الْمَلَكِ عَلَى نَوْعِ طَعْنٍ فِيهِ حَيْثُ نَكَّرَهُ، وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: دَلَّ عَلَى تَفْخِيمِ شَأْنِهِ وَتَعْظِيمِ مَكَانِهِ حَيْثُ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ رَدًّا عَلَيْهِ. (فَقَالَ: الْحَيَاةَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ قَوْلِهِ (تُرِيدُ) ؟ عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ قَبْلَ الْفِعْلِ، أَوِ الْمَفْعُولِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقْرَأَ: الْحَيَاءَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] فَالتَّقْدِيرُ الْحَيَاةَ تُرِيدُ أَمِ الْمَوْتَ؟ ثُمَّ فَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ) أَيْ: الطَّوِيلَةَ إِذِ الْمُؤَبَّدَةُ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ فِي الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] (فَضَعْ يَدَكَ) أَيْ: وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ (عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ) أَيْ: عَلَى ظَهْرِ بَقَرَةٍ (فَمَا تَوَارَتْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَمَا وَارَتْ (يَدُكَ) : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ وَقَوْلُهُ: (مِنْ شَعْرَةٍ) : بَيَانٌ لَهَا، وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ شَعْرِهِ بِالضَّمِيرِ أَيْ: مِنْ شَعْرِ مَتْنِ الثَّوْرِ (فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا) أَيْ: بِكُلِّ شَعْرَةٍ مُتَوَارِيَةٍ (سَنَةً) ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُقَالُ: وَارَاهُ الشَّيْءُ أَيْ سَتَرَهُ، وَتَوَارَى أَيِ اسْتَتَرَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ [النحل: ٥٩] فَقَالَ شَارِحٌ قَوْلُهُ: فَمَا تَوَارَتْ غَلَطٌ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ، وَفِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ، هَكَذَا مَذْكُورٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ فَمَا وَارَتْ يَدُكَ بِالرَّفْعِ، وَأَخْطَأَ بَعْضُ الرُّوَاةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَدُكَ مَنْصُوبًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَفِي تَوَارَتْ ضَمِيرُ رَفْعٍ فَأَنَّثَهُ لِكَوْنِهِ مُفَسَّرًا بِالشَّعْرَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: مِنْ شَعْرَةٍ بَيَانُ " مَا " وَالضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، وَمَا وَارَتْ يَدُهُ قِطْعَةٌ مِنْهُ، فَأَنَّثَهُ بِاعْتِبَارِ الْقِطْعَةِ أَيْ الْقِطْعَةِ الَّتِي تَوَارَتْ بِيَدِكَ أَوْ تَحْتَ يَدِكَ انْتَهَى. وَقِيلَ: التَّاءُ الْأُولَى زَائِدَةٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ وَارَتْ أَيْ غَطَّتْ، ذَكَرَهُ الْأَكْمَلُ. (قَالَ) أَيْ: مُوسَى (ثُمَّ مَهْ) ؟ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَأَصْلُهُ مَا حُذِفَتْ أَلِفُهُ، وَوُقِفَ عَلَيْهِ بِالْهَاءِ لِلتَّعَذُّرِ بَيْنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ هَاءُ السَّكْتِ، وَمَا: اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ: ثُمَّ مَاذَا يَكُونُ أَحَيَاةٌ أَمْ مَوْتٌ؟ (قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ. قَالَ: فَالْآنَ مِنْ قَرِيبٍ) ، أَيْ فَأَخْتَارُ الْمَوْتَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (رَبِّ أَدْنِنِي) : أَمْرٌ مِنَ الْإِدْنَاءِ أَيْ قَرِّبْنِي (مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ) : وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَفْضَلَ مَوَاضِعِهَا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ الَّذِي كَانَ فِيهِ قِبْلَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِلَّا فَالْأَرْضُ

стр. 7927

الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ التَّقْرِيبُ مِقْدَارَ رَمْيَةٍ وَاحِدَةٍ بِحَجَرٍ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: بِمِقْدَارِ ذَلِكَ. أَقُولُ: وَلَعَلَّهُ كَانَ الْمُقَدَّسَةُ تُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَرَاضِي الشَّامِ (رَمْيَةً بِحَجَرٍ) . أَيْ كَرَمْيَةِ حَجَرٍ، وَالْمُرَادُ السُّرْعَةُ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي التَّيْهِ، فَأَرَادَ التَّقْرِيبَ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ، وَلَوْ بِمِقْدَارٍ قَلِيلٍ مِنْ مَوْضِعِ دُعَائِهِ، أَوْ مِنْ مَحَلٍّ مَطْلُوبٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَأَمَّا سُؤَالُهُ الْإِدْنَاءَ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَلِشَرَفِهَا وَفَضِيلَةِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَدْفُونِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّالِحِينَ. قَالُوا: وَإِنَّمَا سَأَلَ الْإِدْنَاءَ وَلَمْ يَسْأَلْ نَفْسَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَبْرُهُ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ، فَيُفْتَنَ بِهِ النَّاسُ. قُلْتُ: وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا إِذْ لَمْ يَقَعِ التَّفَتُّنُ بِقَبْرِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ إِمْكَانِ الْفِتْنَةِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَقْبَرَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ قُرْبَ الْقَرْيَةِ لَا دَاخِلَهَا، وَلَعَلَّ عِمَارَةَ بُيُوتِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَتْ حِينَئِذٍ قَرِيبَةً إِلَى مَحَلِّ تُرْبَتِهِ ﵊، وَعَلَى كُلٍّ فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمَوْتِ وَالدَّفْنِ فِي الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ، وَالْمَوَاطِنِ الْمُبَارَكَةِ، وَالْقُرْبِ مِنْ مَدَافِنَ أَرْبَابِ الدِّيَانَةِ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ ") أَيْ: عِنْدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَبْعَدَ شَارِحٌ حَيْثُ قَالَ: لَوْ أَنِّي عِنْدَ مُوسَى (لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَنْبِ الطَّرِيقِ) أَيْ: طَرِيقِ الْجَادَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى حَوَالَيْهِ (عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ) . أَيْ التَّلِّ الْمُسْتَطِيلِ الْمُجْتَمِعِ مِنَ الرَّمْلِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ هَذَا الْحَدِيثَ قَالُوا: كَيْفَ يَجُوزُ عَلَى مُوسَى فَقْءُ عَيْنِ مَلَكِ الْمَوْتِ؟ وَأَحَالُوا عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُوسَى ﵊ قَدْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِي هَذِهِ اللَّطْمَةِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ امْتِحَانًا بِالْمَلْطُومِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَفْعَلُ فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ، وَيَمْتَحِنُهُمْ بِمَا يُرِيدُ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعِيدٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا عَلَى الْمَجَازِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مُوسَى نَاظَرَهُ وَحَاجَّهُ فَغَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ، يُقَالُ: فَقَأَ فَلَانٌ عَيْنَ فُلَانٍ إِذَا غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ. قَالَ: وَفِي هَذَا ضَعْفٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، فَإِنْ قِيلَ: أَرَادَ رَدَّ حُجَّتِهِ كَانَ بَعِيدًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ مُوسَى لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَلَكٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَظَنَّ أَنَّهُ رَجُلٌ قَصَدَهُ يُرِيدُ نَفْسَهُ فَدَفَعَهُ عَنْهَا، فَأَدَّتِ الْمُدَافَعَةُ إِلَى فَقْءِ عَيْنِهِ، وَمَا قَصَدَهَا بِالْفَقْءِ، وَهَذَا جَوَابُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ. قَالُوا: وَأَتَاهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ بِعَلَامَةٍ عَلِمَ بِهَا أَنَّهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَاسْتَسْلَمَ لَهُ بِخِلَافِ الْمَرَّةِ الْأُولَى. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي (شَرْحِ الْمَشَارِقِ) ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ صَدَرَ مِنْ مُوسَى هَذَا الْفِعْلُ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ مُتَشَابِهٌ يُفَوَّضُ عَلَمَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَبِأَنَّ مُوسَى لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، وَظَنَّ أَنَّهُ رَجُلٌ قَصَدَ نَفْسَهُ فَدَفَعَهُ عَنْهَا فَأَدَّتْ مُدَافَعَتُهُ إِلَى فَقْءِ عَيْنِهِ، وَهَذَا مُخْتَارُ الْمَازِرِيِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ، وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ الشَّارِحُ يَعْنِي الْأَكْمَلَ بِأَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الرَّجُلَ الدَّاخِلَ لَمْ يَقْصِدْهُ بِالْمُحَارَبَةِ حَتَّى يَدْفَعَهُ عَنْهُ، بَلْ دَعَاهُ إِلَى الْمَوْتِ، وَبِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَوْلِ لَا يَصْدُرُ عَنْ مُؤْمِنٍ صَالِحٍ مِثْلُ هَذَا الْفِعْلِ فَمَا ظَنُّكَ بِمُوسَى ﵊؟ وَأَقُولُ: إِنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ فِي طَبْعِهِ حِدَّةٌ، حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ إِذَا غَضِبَ اسْتَعْلَتْ قَلَنْسُوَتُهُ فَإِذَا هَجَمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَدَعَاهُ إِلَى الْهَلَاكِ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْحَرْبِ، فَدَفَعَهُ قَبْلَ قَصْدِهِ، وَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِ، أَوْ لِأَنَّ مُوسَى ﵊ زَعَمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ حِينَ ادَّعَى قَبَضَ رُوحِهِ لِزَعْمِهِ أَنَّ بَشَرًا لَا يَقْبِضُ الرُّوحَ، فَغَضِبَ عَلَيْهِ فَلَطَمَهُ، وَكَانَ هَذَا الْغَضَبُ لِلَّهِ، وَفِي اللَّهِ، فَلَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا، وَلِهَذَا لَمْ يُعَاقِبِ اللَّهُ مُوسَى ﵇ حِينَ أَخَذَ رَأْسَ هَارُونَ وَلِحْيَتَهُ، وَكَانَ يَجُرُّهُ مَعَ أَنَّ هَارُونَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا وَأَجَلُّ قَدْرًا عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «حَقُّ كَبِيرِ الْأُخْوَةِ عَلَيْهِمْ كَحَقِّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» ". قُلْتُ: هَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ لِزَعْمِهِ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ.

стр. 7928

قَالَ: وَمَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ الشَّارِحُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ مُوسَى ﵊ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا فِي حَقِّ اللَّطْمَةِ، وَيَكُونَ ذَلِكَ امْتِحَانًا لِلْمَلْطُومِ، فَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْإِيمَانُ بِهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَبِرَهُ بِمَا جَرَى عَلَيْهِ عُرْفُ الْبَشَرِ، فَيَقَعُ فِي الِارْتِيَابِ، لِأَنَّهُ أَمَرٌ مَصْدَرُهُ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُهُ، وَهُوَ مُجَادَلَةٌ جَرَتْ بَيْنَ مَلَكٍ كَرِيمٍ وَنَبِيٍّ كَلِيمٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَخْصُوصٌ بِصِفَةٍ يَخْرُجُ بِهَا عَنْ حُكْمِ عَوَامِّ الْبَشَرِ وَمَجَارِي عَادَاتِهِمْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي خُصَّ بِهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ حَالُهُمَا بِحَالِ غَيْرِهِمَا، وَقَدِ اصْطَفَى اللَّهُ - تَعَالَى مُوسَى بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ، فَلَمَّا دَنَتْ وَفَاتُهُ وَهُوَ بِشَرٌ يَكْرَهُ الْمَوْتَ طَبْعًا لَطَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِأَنْ لَمْ يُفَاتِحْهُ بَغْتَةً، وَلَمْ يَأْمُرِ الْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ بِهِ بِأَنْ يَأْخُذَهُ قَهْرًا، بَلْ أَرْسَلَهُ عَلَى سَبِيلِ الِامْتِحَانِ فِي صُورَةِ بَشَرٍ، فَلَمَّا رَآهُ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ اسْتَنْكَرَ شَأْنَهُ، وَاسْتَوْعَرَ مَكَانَهُ احْتَجَزَ مِنْهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ بِمَا كَانَ مِنْ صَكِّهِ إِيَّاهُ، فَأَتَى ذَلِكَ عَلَى عَيْنِهِ الَّتِي رُكِّبَتْ فِي الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ فِي طَبْعِ مُوسَى ﵇ حِدَّةٌ عَلَى مَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِ فِي كِتَابِهِ؟ مِنْ وَكْزِهِ الْقِبْطِيَّ، وَإِلْقَائِهِ الْأَلْوَاحَ، وَأَخْذِهِ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ، هَذَا وَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ الدِّينِ بِدَفْعِ كُلِّ قَاصِدِ سُوءٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِهِ رَدًّا عَلَى مَنْ طَعَنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُلْحِدِينَ أَبَادَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 7929

٥٧١٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ لَهُ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ - وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٧١٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ: عُرِضَ عَلَيَّ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُظْهِرَ لَدَيَّ (الْأَنْبِيَاءُ) : وَهُمْ أَعَمُّ مِنَ الرُّسُلِ، وَهُوَ إِمَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ، وَالْمَعْنَى عُرِضَ أَرْوَاحُهُمْ مُتَشَكِّلِينَ بِصُوَرٍ كَانُوا عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ تَبَعًا لِشَارِحٍ مِنْ عُلَمَائِنَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَعَلَّ أَرْوَاحَهُمْ مُثِّلَتْ لَهُ كَهَذِهِ الصُّوَرِ، وَلَعَلَّ صُوَرَهُمْ كَانَتْ كَذَلِكَ، أَوْ صُوَرَ أَبْدَانِهِمْ كُشِفَتْ لَهُ فِي نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ (فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ) أَيْ: نَوْعٌ (مِنَ الرِّجَالِ) ، وَقِيلَ أَيْ: خَفِيفُ اللَّحْمِ (كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ وَهَمْزَةٍ وَهَاءٍ، وَيَجُوزُ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ وَاوًا وَإِدْغَامُهَا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ، أَزْدُ شَنُّوَةَ بِالتَّشْدِيدِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُشْبِهُ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْقَبِيلَةِ. قَالَ شَارِحٌ: وَالشَّنُوءَةُ التَّبَاعُدُ مِنْ الْأَدْنَاسِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَمِنْهُمْ أَزْدُ شَنُوءَةَ، وَهُمْ حَيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَلَعَلَّهُمْ لُقِّبُوا بِذَلِكَ لِطَهَارَةِ نَسَبِهِمْ، وَنَظَافَةِ حَسَبِهِمْ، وَحِسْنِ سِيرَتِهِمْ وَأَدَبِهِمْ. (وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِذَا هُوَ أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ نَظِيرًا (عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) ، قِيلَ: هُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ. (" «وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ» " - يَعْنِي نَفْسَهُ) أَيْ: يُرِيدُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ صَاحِبُكُمْ نَفْسَ ذَاتِهِ لِمَا ظَهَرَ لَهُ فِي مِرْآتِهِ، وَلَمَّا كَانَ جِبْرِيلُ مُلَازِمًا لِلْأَنْبِيَاءِ لِكَوْنِهِ مِنْ لَوَازِمَ الْأَنْبِيَاءِ ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الْأَنْبِيَاءِ، (فَقَالَ: " «وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ» ") . بِكَسْرِ الدَّالِ، وَقَدْ يُفْتَحُ وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ صُورَةً. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7930

٥٧١٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى، رَجُلًا آدَمَ طُوَالًا، جَعْدًا كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى رَجُلًا مَرْبُوعَ الْخَلْقِ، إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، سَبْطَ الرَّأْسِ، وَرَأَيْتُ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، وَالدَّجَّالَ فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ، فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧١٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي ") : بِالْإِضَافَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ أَيْ: أَبْصَرْتُ فِي لَيْلَةِ أَسْرِيَ بِي فِيهَا (مُوسَى رَجُلًا) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ (آدَمَ) أَيْ: أَسْمَرَ شَدِيدَ السُّمْرَةِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (طُوَالًا) ، بِضَمِّ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ أَيْ: طَوِيلًا كَعُجَابٍ مُبَالَغَةَ عَجِيبٍ، وَأَمَّا بِكَسْرِ الطَّاءِ فَهُوَ جَمْعُ طَوِيلٍ، (جَعْدًا) : هُوَ ضِدُّ السَّبْطِ فَمَعْنَاهُ غَيْرُ مُسْتَرْسِلِ الشَّعْرِ، وَلَعَلَّ انْقِبَاضَ شَعْرِهِ مِمَّا يُشْعِرُ عَلَى حِدَّةِ بَاطِنِهِ مِنْ غَيْرِ شُعُورِهِ، ( «كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى رَجُلًا مَرْبُوعَ الْخَلْقِ» ) أَيْ: مُتَوَسِّطًا لَا طَوِيلًا وَلَا قَصِيرًا وَلَا سَمِينًا وَلَا هَزِيلًا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى اعْتِدَالِ مِزَاجِهِ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ: (إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ) ، حَالٌ أَيْ: مَائِلًا لَوْنُهُ إِلَيْهِمَا، فَلَمْ يَكُنْ شَدِيدَ الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، بَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْبَيَاضِ الْمُشْرَبِ بِالْحُمْرَةِ، كَمَا كَانَ نَعْتُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا فِي الشَّمَائِلِ فِي الْوَصْفَيْنِ السَّابِقَيْنِ. (سَبْطَ الرَّأْسِ) ، بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا أَيْضًا، وَقَدْ تُسَكَّنُ، فَفِي الْقَامُوسِ: السَّبْطُ وَيُحَرَّكُ وَكَكَتِفٍ نَقِيضُ الْجَعْدِ، وَالْمَعْنَى مُسْتَرْسِلَ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ صِفَةُ الْجَمَالِ، كَمَا أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى مُوسَى نَعْتُ الْجَلَالِ، وَنَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا كَانَ فِي مَرْتَبَةِ الْكَمَالِ كَانَ شَعْرُهُ أَيْضًا. فِي السُّبُوطَةِ وَالْجُعُودَةِ فِي غَايَةٍ مِنَ الِاعْتِدَالِ. (وَرَأَيْتُ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، وَالدَّجَّالَ) أَيْ: وَرَأَيْتُ الدَّجَّالَ (فِي آيَاتٍ) أَيْ: مَعَ عَلَامَاتٍ (أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ) ، أَيْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي: رَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدَّجَّالَ مَعَ آيَاتٍ أُخَرَ أَرَاهُنَّ اللَّهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا حَكَاهَا. وَقَوْلُهُ: فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ دَفْعًا لِاسْتِبْعَادِ السَّامِعِينَ، وَإِمَاطَةً لِمَا عَسَى أَنْ يَخْتَلِجَ فِي صُدُورِهِمْ، وَلَوْ كَانَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَالَ: أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّايَ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الدَّجَّالِ، وَالْمُرَادُ خَوَارِقُ الْعَادَاتِ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ اسْتِدْرَاجًا لِلدَّجَّالِ، وَابْتِلَاءً لِلْعِبَادِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: فِي آيَاتٍ أَيْ: رَأَيْتُ الْمَذْكُورَ فِي جُمْلَةِ آيَاتٍ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهَا الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] فَعَلَى هَذَا فِي الْكَلَامِ الْتِفَاتٌ حَيْثُ وَضَعَ إِيَّاهُ مَوْضِعَ إِيَّايَ، أَوِ الرَّاوِي نَقَلَ مَعْنَى مَا تَلَفَّظَ بِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: (فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) . مُتَعَلِّقٌ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ، وَهُوَ حَدِيثُ مُوسَى ﵇ تَلْمِيحًا إِلَى مَا فِي التَّنْزِيلِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] الْكَشَّافِ، قِيلَ: مِنْ لِقَائِكَ مُوسَى ﵊ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ عِيسَى، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الْآيَاتِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ وَالْإِدْمَاجِ، أَيْ: لَا تَكُنْ يَا مُحَمَّدُ فِي رُؤْيَةِ مَا رَأَيْتَ مِنَ الْآيَاتِ فِي شَكٍّ. فَعَلَى هَذَا الْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: " فَلَا تَكُنْ " لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْكَلَامُ كُلُّهُ مُتَّصِلٌ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ مِنَ الرَّاوِي إِلَّا لَفْظُ " إِيَّاهُ " وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ ﵀ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ: كَانَ قَتَادَةَ يُفَسِّرُهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَالَى قَدْ لَقِيَ مُوسَى ﵊، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: مُجَاهِدٌ، وَالْكَلْبِيُّ، وَالسُّدِّيُّ. وَمَعْنَاهُ: فَلَا تَكُنْ فِي شَكٍّ مِنْ لِقَائِكَ مُوسَى، وَالشَّارِحُونَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي أَلْحَقَهُ بِالْحَدِيثِ دَفْعًا لِاسْتِبْعَادِ السَّامِعِينَ، وَإِمَاطَةً لِمَا عَسَى يَخْتَلِجُ فِي صُدُورِهِمْ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: الْخِطَابُ فِي: فَلَا تَكُنْ خِطَابٌ عَامٌّ لِمَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي لِقَائِكَ عَائِدٌ إِلَى الدَّجَّالِ، أَيْ: إِذَا كَانَ خُرُوجُهُ مَوْعُودًا، فَلَا تَكُنْ فِي شَكٍّ مِنْ لِقَائِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَا ذُكِرَ أَيْ: فَلَا تَكُنْ فِي شَكٍّ مِنْ رُؤْيَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْآيَاتِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ الْحَدِيثَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى قَوْلِهِ: " (وَ) الدَّجَّالُ وَقَالَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالشَّيْخَانِ.

стр. 7931

٥٧١٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسَى - فَنَعَتَهُ: فَإِذَا رَجُلٌ مُضْطَرِبٌ، رَجِلُ الشَّعْرِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَلَقِيتُ عِيسَى رَبْعَةً أَحْمَرَ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ - يَعْنِي الْحَمَّامَ - وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ " قَالَ: " فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالْآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ. فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ. فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، فَقِيلَ لِي: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧١٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي ") : ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ: (لَقِيتُ مُوسَى فَنَعَتَهُ) أَيْ: فَوَصَفَ مُوسَى فَقَالَ فِي حَقِّهِ (فَإِذَا) أَيْ: هُوَ (رَجُلٌ مُضْطَرِبٌ) ، قَالَ الْقَاضِيَ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّرَّاحِ: يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَقِيمَ الْقَدِّ حَادًّا، فَإِذِ الْحَادُّ يَكُونُ قَلِقًا مُتَحَرِّكًا، كَانَ فِيهِ اضْطِرَابٌ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: رُمْحٌ مُضْطَرِبٌ إِذَا كَانَ طَوِيلًا مُسْتَقِيمًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ مُضْطَرِبًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذِهِ صِفَةُ النَّبِيَّيْنِ وَالصِّدِّيقِينَ، كَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي وَلِقَلْبِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ» . (رَجِلَ الشَّعْرِ) ، بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيُسَكَّنُ وَيُفْتَحُ، فِي الْقَامُوسِ: شَعْرٌ رَجِلٌ وَكَكَتِفٍ وَجَبِلٍ بَيْنَ السُّبُوطَةِ وَالْجُعُودَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: لَمْ يَكُنْ شَدِيدَ الْجُعُودَةَ، وَلَا شَدِيدَ السُّبُوطَةِ، بَلْ بَيْنَهُمَا. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنْ تَكُونَ جُعُودَتُهُ غَالِبَةٌ عَلَى سُبُوطَتِهِ، لِئَلَّا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ كَوْنِهِ مُوسَى ﵊ جَعْدًا، (" كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ ") : سَبَقَ بَيَانُهُ (وَلَقِيتُ عِيسَى رَبْعَةً) : بِتَسْكِينِ الْمُوَحَّدَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ أَيْ: مَرْبُوعَ الْخَلْقِ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: لَا طَوِيلٌ وَلَا قَصِيرٌ، وَالتَّأْنِيثُ عَلَى تَأْوِيلِ النَّفْسِ (أَحْمَرُ) أَيْ: شَدِيدُ الْحُمْرَةِ (كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَتُفَتَحُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ: (الْكِنُّ وَالسِّرْبُ وَالْحَمَّامُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: فَإِنْ فَتَحْتَ الدَّالَ جُمِعَتْ عَلَى دَيَامِيسَ، مِثْلَ شَيْطَانَ وَشَيَاطِينَ، وَإِنْ كَسَرْتَهَا جُمِعَتْ عَلَى دَمَامِيسٍ كَقِيرَاطٍ وَقَرَارِيطَ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ الدِّيمَاسُ لَهُ مَعَانٍ. قَالَ الرَّاوِي: (يَعْنِي) ، أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (الْحَمَّامَ) ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هَذَا فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَالْمُرَادُ وَصْفُهُ بِصَفَاءِ اللَّوْنِ وَنَضَارَةِ الْجِسْمِ وَكَثْرَةِ مَاءِ الْوَجْهِ، كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ حَمَّامٍ وَهُوَ عَرِقٌ. (وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ) أَيْ: أَوْلَادِهِ مِنْ نَسْلِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ أَوْ مُطْلَقًا (وَبِهِ) أَيْ إِبْرَاهِيمَ صُورَةً وَمَعْنًى، فَالْمُشَابَهَةُ الصُّورِيَّةُ عُنْوَانٌ لِلْمُنَاسَبَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ مَعَ أَنَّ الْوَلَدَ سِرُّ أَبِيهِ فِي مَبَانِيهِ وَمَعَانِيهِ. (قَالَ) أَيْ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ) أَيْ: أُحْضِرْتُ بِهِمَا (أَحَدُهُمَا لَبَنٌ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: الْعَالَمُ الْقُدْسِيُّ يُصَاغُ فِيهِ الصُّوَرُ مِنَ الْعَالَمِ الْحِسِّيِّ لِيُدْرَكَ بِهَا الْمَعَانِيَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّبَنُ فِي عَالَمِ الْحِسِّ مِنْ أَوَّلِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّرْبِيَةُ، وَيُرَشَّحُ بِهِ الْمَوْلُودُ صِيغَ عَنْهُ مِثَالٌ لِلْفِطْرَةِ الَّتِي تَتِمُّ بِهَا الْقُوَّةُ الرُّوحَانِيَّةُ، وَتَنْشَأُ عَنْهَا الْخَاصِّيَّةُ الْإِنْسَانِيَّةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ لَبَنٌ كَأَنَّهُ جَعَلَهُ لَبَنًا كُلَّهُ تَغْلِيبًا لِلَّبَنِ عَلَى الْإِنَاءِ لِكَثْرَتِهِ، وَتَكْثِيرًا لِمَا اخْتَارَهُ، وَلَمَّا كَانَ الْخَمْرُ مَنْهِيًّا عَنْهُ قَلِيلُهُ فَقَالَ: (وَالْآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ) أَيْ: خَمْرٌ قَلِيلٌ (فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ) . أَيْ: أَيَّ الْإِنَاءَيْنِ، أَوْ أَيَّ الْمَشْرُوبَيْنِ أَرَدْتَهُ وَاشْتَهَيْتَهُ (فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ) ، أَيْ لِمَا يَدُلُّ الْأَمْرُ بِالْأَخْذِ عَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا عُرِضُ عَلَيْهِ كِلَاهُمَا إِظْهَارًا عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَضْلَهُ بِاخْتِيَارِهِ الصَّوَابَ، (فَقِيلَ لِي هُدِيتَ الْفِطْرَةَ) ، بِصِيغَةِ الْخِطَابِ مَجْهُولًا أَيْ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: هَدَاكَ اللَّهُ إِلَى الْفِطْرَةِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ وَالدُّعَاءَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، وَالْمَعْنَى أَنَّكَ هُدِيتَ الْفِطْرَةَ الْكَامِلَةَ الشَّامِلَةَ لِأَتْبَاعِكَ الْعَالِمَةَ الْعَامِلَةَ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْمُرَادُ بِهَا الْفِطْرَةُ الْأَصْلِيَّةُ الَّتِي فُطِرَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ مِنْهَا الْإِعْرَاضُ عَمَّا فِيهِ غَائِلَةٌ وَفَسَادٌ، كَالْخَمْرِ الْمُخِلِّ بِالْعَقْلِ الدَّاعِي إِلَى الْخَيْرِ الْوَازِعِ عَنِ الشَّرِّ الْمُؤَدِّي إِلَى صَلَاحِ الدَّارَيْنِ، وَخَيْرِ الْمَنْزِلَيْنِ، وَالْمَيْلِ إِلَى مَا فِيهِ نَفْعٌ حَالٌّ عَنْ مَضَرَّةٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَمَعَرَّةٍ دِينِيَّةٍ، كَشُرْبِ اللَّبَنِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَصْلَحِ الْأَغْذِيَةِ، وَأَوَّلُ مَا حَصَلَ بِهِ التَّرْبِيَةُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي هَذَا الْقَوْلِ لَهُ عِنْدَ أَخْذِ اللَّبَنِ لُطْفٌ وَمُنَاسَبَةٌ، فَإِنَّ اللَّبَنَ لَمَّا كَانَ فِي الْعَالَمِ الْحِسِّيِّ ذَا خُلُوصٍ وَبَيَاضٍ، وَأَوَّلُ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَرْبِيَةُ الْمَوْلُودِ صِيَغَ مِنْهُ الْعَالَمُ الْقُدْسِيُّ مِثَالَ الْهِدَايَةِ وَالْفِطْرَةِ الَّتِي يَتِمُّ بِهَا الْقُوَّةُ الرُّوحَانِيَّةُ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ فَإِنَّهَا لِكَوْنِهَا ذَاتَ مَفْسَدَةٍ صِيغَ مِنْهَا مِثَالُ الْغِوَايَةِ، وَمَا يُفْسِدُ الْقُوَّةَ الرُّوحَانِيَّةَ وَلِهَذَا قِيلَ لَهُ أَيْضًا: (أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ) أَيْ: شَرِبْتَ أَوْ مَا شَرِبْتَ، وَالْمَعْنَى لَوْ مِلْتَ إِلَيْهَا أَدَقَّ الْمَيْلِ (غَوَتْ) أَيْ: ضَلَّتْ (أُمَّتُكَ) . أَيْ نَوْعًا مِنَ الْغِوَايَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى شُرْبِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَوْ شَرِبَهَا لَأُحِلَّ لِلْأُمَّةِ شُرْبُهَا، فَوَقَعُوا فِي ضَرَرِهَا وَشَرِّهَا، وَلَمَّا كَانَ هُوَ مَعْصُومًا لَمْ يَقُلْ لَهُ: غَوَيْتَ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْمُقَابَلَةُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اسْتِقَامَةَ الْمُقْتَدَى مِنَ النَّبِيِّ وَالْعَالِمِ وَالسُّلْطَانِ، وَنَحْوِهِمْ سَبَبٌ لِاسْتِقَامَةِ أَتْبَاعِهِمْ، لِأَنَّهُمْ. بِمَنْزِلَةِ الْقَلْبِ لِلْأَعْضَاءِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7932

٥٧١٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَمَرَرْنَا بِوَادٍ، فَقَالَ: " أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ " فَقَالُوا وَادِي الْأَزْرَقِ. قَالَ: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى " فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئًا، وَاضِعًا أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي ". قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ. فَقَالَ: " أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ " قَالُوا: هَرْشَى - أَوْ لِفْتُ - فَقَالَ: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ ــ ٥٧١٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سِرْنَا) : مِنَ السَّيْرِ أَيْ سَافَرْنَا (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) ، يُحْتَمَلُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبِالْعَكْسِ، (فَمَرَرْنَا بِوَادٍ فَقَالَ: " أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ " فَقَالُوا: وَادِي الْأَزْرَقِ) . وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ سُمِّيَ بِهِ لِزُرْقَتِهِ، وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ. (فَقَالَ: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى " فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئًا) أَيْ: بَعْضًا مِنْ أَوْصَافِهَا، وَهُوَ أَنَّ لَوْنَهُ أَحْمَرُ وَشَعْرَهُ جَعْدٌ عَلَى مَا سَبَقَ (وَاضِعًا) أَيْ: حَالَ كَوْنِ مُوسَى وَاضِعًا (أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) ، بِضَمِّ الذَّالِ وَيُسَكَّنُ وَالتَّثْنِيَةُ فِيهِمَا عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ (لَهُ) أَيْ: لِمُوسَى (جُؤَارٌ) : بِضَمِّ جِيمٍ فَهَمْزٍ، وَقَدْ يُبْدَلُ أَيْ: تَضَرُّعٌ (إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ) : ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: رَفْعُ صَوْتٍ بِهَا وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ (مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَاضِعًا وَمَارًّا حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ أَوْ مُتَدَاخِلَانِ مِنْ مُوسَى ﵊، وَقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا كَلَامُ الرَّاوِي، يَعْنِي الرَّاوِيَ عَنْ حَالِهِ، وَهُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (قَالَ) أَيْ: ابْنُ عَبَّاسٍ (ثُمَّ سِرْنَا) أَيْ: ذَهَبْنَا (حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ) : بِفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَكَسْرِ نُونٍ وَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ أَيْ: عَقَبَةٍ وَهِيَ طَرِيقٌ عَالٍ فِي الْجَبَلِ أَوْ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ. (فَقَالَ: " أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ " قَالُوا: هَرَشَى) : بَهَاءٍ فَرَاءٍ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَأَلِفٍ مَقْصُورَةٍ تُكْتَبُ بِالْيَاءٍ كَسَكْرَى عَلَى طَرِيقِ الشَّامِ، وَالْمَدِينَةِ قُرْبَ الْجُحْفَةِ (أَوْ لِفْتَ) : بِكَسْرِ اللَّامِ، وَسُكُونِ الْفَاءِ عَلَى مَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُرْوَى فِيهِ كَسْرُ اللَّامِ، وَإِسْكَانُ الْفَاءِ وَفَتْحُهَا مَعَهُ وَفَتْحُهُمَا. وَقَالَ شَارِحٌ: هَرَشَى ثَنِيَّةٌ بِقُرْبِ الْجُحْفَةِ. يُقَالُ لَهَا أَيْضًا: لِفْتُ، وَالشَّكُّ لِلرَّاوِي، أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ عَلَى أَنْ بَعْضَهُمْ قَالَ: هَرَشَى، وَبَعْضُهُمْ لِفْتَ، وَلَا خِلَافَ فِي الْحَقِيقَةِ. (فَقَالَ: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ ") أَيْ: لِلتَّوَاضُعِ وَاخْتِيَارُ الزُّهْدِ، " هَذَا مَأْخَذٌ لِلصُّوفِيَّةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالْكِسَائِيِّ، وَلَعَلَّهُ لَبِسَهَا عَلَى غَيْرِ هَيْئَةِ الْمُعْتَادِ، أَوْ كَانَ جَائِزٌ فِي شَرْعِهِ لِلْمُحْرِمِ لِبْسُ الْجُبَّةِ وَنَحْوِهَا مُطْلَقًا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (خِطَامُ نَاقَتِهِ) أَيْ: زِمَامُهَا وَزْنًا وَمَعْنَى، وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُقَادُ بِهِ الْبَعِيرُ يُجْعَلُ عَلَى خَطْمِهِ أَيْ مُقَدَّمِ أَنْفِهِ وَفَمِهِ، (خُلْبَةٌ) ، بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِضَمِّهَا فَمُوَحَّدَةٌ فَهَاءٌ لِيفَةُ نَخْلٍ، (مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا) . حَالَانِ مِنْ يُونُسَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْحَجَّ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَمِنْ شَعَائِرِ أَنْبِيَائِهِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، فَيُفِيدُ التَّرْغِيبَ فِي قَصْدِ الْحَجِّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ التَّلْبِيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْهَيْئَةِ الْإِحْرَامِيَّةِ الْمُشْعِرَةِ إِلَى التَّجْرِيدِ وَالتَّفْرِيدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَحُجُّونَ وَيُلَبُّونَ وَهُمْ أَمْوَاتٌ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدَارِ عَمَلٍ؟ الْجَوَابُ: مِنْ وُجُوهٍ: أَحُدُهَا: أَنَّهُمْ كَالشُّهَدَاءِ بَلْ أَفْضَلُ، وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَحُجُّوا وَيُصَلُّوا وَيَتَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا اسْتَطَاعُوا، لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ تُوُفُّوا، فَهَذَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ دَارُ الْعَمَلِ، حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ مُدَّتُهَا، وَتَعْقُبُهَا الْآخِرَةُ الَّتِي هِيَ دَارُ الْجَزَاءِ انْقَطَعَ الْعَمَلُ. وَثَانِيهَا: أَنَّ التَّلْبِيَةَ دُعَاءٌ مِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] .

стр. 7933

وَثَالِثُهَا: أَنْ تَكُونَ هَذِهِ رُؤْيَةَ مَنَامٍ فِي غَيْرِ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ كَمَا قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ» ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّةِ عِيسَى. قُلْتُ: وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ وَصِدْقٌ. قَالَ: وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيَ حَالَهُمُ الَّتِي كَانَ فِي حَيَاتِهِمْ، وَمُثِّلُوا لَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِمْ، كَيْفَ كَانُوا وَكَيْفَ حِجُّهُمْ وَتَلْبِيَتُهُمْ، كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ". قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ هَذَا اسْتِحْضَارُ تِلْكَ الْحَالَةِ الْمَاضِيَةِ عِنْدَ الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى غَايَةِ تَحَقُّقِهَا وَنِهَايَةِ صِدْقِهَا. قَالَ: وَخَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَ عَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُمْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ. قُلْتُ: يَرُدُّهُ قَوْلُهُ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا. قَالَ: وَهَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ وَضْعِ الْأُصْبُعِ فِي الْأُذُنِ عِنْدَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا الِاسْتِنْبَاطُ وَالِاسْتِحْبَابُ يَجْنِي عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَوْ غَيْرِهِمْ: إِنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا. قُلْتُ: هَذَا الِاسْتِنْبَاطُ إِنَّمَا يَتِمُّ لَوْ قِيلَ: بِاسْتِحْبَابِ وَضْعِ الْأُصْبُعَيْنِ فِي الْأُذُنَيْنِ وَقْتَ التَّلْبِيَةِ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا قَالَ بِهَذَا، وَأَمَّا وَضْعُ الْأُصْبُعِ فِي الْأُذُنِ حَالَ الْأَذَانِ، فَلَهُ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ ذُكِرَ فِي بَابِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 7934

٥٧١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسَرَّحَ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسَرَّحَ دَوَابُّهُ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٧١٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " خُفِّفَ ") أَيْ: سُهِّلَ وَيُسِّرَ (عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ) أَيْ: قِرَاءَةُ الزَّبُورِ وَحِفْظُهُ (فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ) ، أَيْ لِرُكُوبِهِ) ، أَيْ وَرُكُوبِ أَصْحَابِهِ (فَتُسْرَجُ الدَّوَابُّ، أَوْ فَيُشْرَعُ فِي سَرْجِهَا (فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ) أَيْ: الْمَقْرُوءَ، وَهُوَ الزَّبُورُ (قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّهُ) : وَفِي النِّهَايَةِ: الْأَصْلُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ يَعْنِي الْقُرْآنَ الْجَمْعُ، وَكُلُّ شَيْءٍ جَمَعْتَهُ فَقَدْ قَرَأْتَهُ، وَعَنِ الْقُرْآنِ قُرْآنًا لِأَنَّهُ جَمَعَ الْقَصْرَ وَالْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ، وَالْآيَاتِ وَالسُّوَرَ بَعْضَهَا مَعَ بَعْضٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ كَالْغُفْرَانِ وَالْكُفْرَانِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْقِرَاءَةِ نَفْسِهَا يُقَالُ: قَرَأَ قِرَاءَةً وَقُرْآنًا. قُلْتُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: يُرِيدُ بِالْقُرْآنِ الزَّبُورَ، وَإِنَّمَا قَالَهُ الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ قَصَدَ إِعْجَازَهُ مِنْ طَرِيقِ الْقِرَاءَةِ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَطْوِي الزَّمَانَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ كَمَا يَطْوِي الْمَكَانَ لَهُمْ، وَهَذَا بَابٌ لَا سَبِيلَ إِلَى إِدْرَاكِهِ إِلَّا بِالْفَيْضِ الرَّبَّانِيِّ. قُلْتُ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي أَنَّهُ بَسْطٌ لِلزَّمَانِ أَوْ طَيٌّ لِلِّسَانِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَقَدْ حَصَلَ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ فِي الْمَبْنِيِّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ طَيِّ الْمَكَانِ وَبَسْطِ الزَّمَانِ، يَحْسَبُ السَّمْعَ وَاللِّسَانَ فِي قَلِيلٍ مِنَ الْآنِ، وَلِاتِّبَاعِهِ أَيْضًا وَقَعَ حَظٌّ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ عَلَى مَا حُكِيَ أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ كَانَ يَبْتَدِئُ الْقُرْآنَ مِنَ ابْتِدَاءٍ قَصْدِ رُكُوبِهِ مَعَ تَحَقُّقِ الْمَبَانِي وَتَفَقُّهِ الْمَعَانِي، وَيَخْتِمُهُ حِينَ وَضْعِ قَدَمِهِ فِي رِكَابِهِ الثَّانِي، وَقَدْ نَقَلَ مَوْلَانَا نُورُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْجَامِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ السَّامِيُّ فِي كِتَابِهِ نَفَحَاتُ الْأُنْسِ فِي حَضَرَاتِ الْقُدْسِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ: أَنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآنَ مِنْ حِينِ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَالرُّكْنَ الْأَسْعَدَ إِلَى حِينِ وَصُولِ مُحَاذَاةِ بَابِ الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ، وَالْقِبْلَةِ الْمَنِيفَةِ، وَقَدْ جَمَعَهُ ابْنُ الشَّيْخِ شِهَابُ الدِّينِ السَّهْرَوَرْدِيُّ مِنْهُ كَلِمَةً كَلِمَةً وَحَرْفًا حَرْفًا مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، قَدَّسَ اللَّهُ أَسْرَارَهُمْ وَنَفَعَنَا بِبَرَكَةِ أَنْوَارِهِمْ. (وَلَا يَأْكُلُ) أَيْ: كَانَ لَا يَتَعَيَّشُ دَاوُدُ ﵊ (إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ) . كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ - أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١] أَيْ دُرُوعًا وَاسِعَاتٍ، وَفِي إِيرَادِ يَدَيْهِ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ عَمَلَهُ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى مُبَاشَرَةِ الْعُضْوَيْنِ، فَيَكُونُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، فَرِوَايَةُ الْجَامِعِ بِيَدِهِ عَلَى صِيغَةِ الْإِفْرَادِ يُرَادُ بِهَا الْجِنْسُ، وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ لَالٍ: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْكَسْبُ مِنَ الْحَلَالِ» . (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَذَا أَحْمَدُ.

стр. 7935

٥٧١٩ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلُ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧١٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَتَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَانِ ") ، أَيْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ابْنٌ (جَاءَ الذِّئْبُ) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا) أَيْ: رَفِيقَةُ إِحْدَاهُمَا الَّتِي ذَهَبَ بِابْنِهَا (إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ) . وَلَعَلَّ الْوَلَدَيْنِ كَانَا شَبِيهَيْنِ، أَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا كَاذِبَةً، لَكِنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَسْتَأْنِسَ بِالْمَوْجُودِ بَدَلًا عَنِ الْمَفْقُودِ، أَوْ لِأَغْرَاضٍ أُخَرَ فَاسِدَةٍ وَأَمْكَارٍ كَاسِدَةٍ. (فَتَحَاكَمَتَا) أَيْ: فَرَفَعَتَا الْحُكُومَةَ (إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ) أَيْ: حَكَمَ بِالْوَلَدِ لِلْكُبْرَى) ، إِمَّا لِكَوْنِهِ فِي يَدِهَا عَلَى مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ صَاحِبَةَ الْيَدِ أَوْلَى، أَوْ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِهَا عَلَى اعْتِبَارِ عِلْمِ الْقِيَافَةِ، كَمَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، (فَخَرَجَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ) ، أَيْ مَارَّتَيْنِ عَلَيْهِ (فَأَخْبَرَتَاهُ) ، أَيْ: مِمَّا سَبَقَ مِنْ حَالِهِمَا وَتَحَقَّقَ مِنْ مَآلِهِمَا (فَقَالَ) أَيْ: لِخَدَمِهِ (ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقَّهُ) : بِفَتْحِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: أَنَا أَقْطَعُ الْوَلَدَ نِصْفَيْنِ (بَيْنَكُمَا) أَيْ: مَقْسُومَيْنِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ أَنَّكُمَا لَمْ تُظْهِرَا لِي الصِّدْقَ فِي أَمْرِهِ، وَلَعَلَّ الْأُخْرَى أَيْضًا كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مُتَعَلِّقَةً بِالْوَلَدِ مُتَمَسِّكَةً بِالْيَدِ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّنْصِيفِ، وَإِنَّمَا صَوَّرَ لَهُمَا هَذَا التَّصْوِيرَ تَوَسُّلًا إِلَى مَا أَرَادَ بِهِ مِنْ ظُهُورِ أَمَارَةِ التَّأْلِيفِ (فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ) ، أَيْ الشَّقَّ (يَرْحَمُكَ اللَّهُ) أَيْ: كَمَا أَوْقَعَنِي فِي الرَّحْمَةِ عَلَى وَلَدِي (هُوَ ابْنُهَا) ، أَيْ رَضِيتُ بِأَنَّهُ يَكُونُ ابْنَهَا وَهُوَ حَيٌّ، وَلَا أَرْضَى بِالشَّقِّ الْمُفْضِي إِلَى مَوْتِهِ، (فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى) . أَيْ لِوُجُودِ قَرِينَةِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ فِيهَا، وَتَحَقُّقِ الْقَسَاوَةِ وَالْيُبُوسَةِ وَالْغَفْلَةِ، بَلْ دَلَالَةُ الْعَدَاوَةِ فِي الْأُخْرَى. قَالَ شَارِحٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ قَضَاءَهُمَا حَقٌّ، لِكَوْنِهِمَا مُجْتَهِدَيْنِ، وَمُسْتَنَدُ قَضَائِهِمَا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ هِيَ الْقَرِينَةُ لَكِنَّ الْقَرِينَةَ الَّتِي قَضَى بِهَا سُلَيْمَانُ أَقْوَى مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ قَرَائِنَ الْأَحْوَالِ كَانَتْ فِي شَرْعِهِمْ بِمَثَابَةِ الْبَيِّنَةِ يَعْنِي: وَلَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا ذَاتَ الْيَدِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ ﵀ قَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنَّ دَاوُدَ ﵊ قَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى لِشَبَهٍ رَآهُ فِيهِمَا، لِكَوْنِهِ كَانَ فِي يَدِهَا، وَأَمَّا سُلَيْمَانُ فَتَوَصُّلَ بِطَرِيقٍ مِنَ الْحِيلَةِ وَالْمُلَاطَفَةِ إِلَى مَعْرِفَةِ بَاطِنِ الْقَضِيَّةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اخْتِبَارَ شَفَقَتِهِمَا لِيَتَمَيَّزَ لَهُ الْأَمْرُ لَا الْقَطْعَ حَقِيقَةً، فَلَمَّا تَمَيَّزَ حَكَمَ لِلصُّغْرَى بِإِقْرَارِ الْكُبْرَى، لَا بِمُجَرَّدِ الشَّفَقَةِ قُلْتُ: الْإِقْرَارُ لَا دَلَالَةَ لِلْعِبَارَةِ عَلَيْهِ، وَلَا طَرِيقَ لِلْإِشَارَةِ إِلَيْهِ. قَالَ: وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: وَمِثْلُهُ مَا يَفْعَلُهُ الْحُكَمَاءُ لِيَتَوَصَّلُوا بِهِ إِلَى حَقِيقَةِ الصَّوَابِ. قُلْتُ: وَقَدْ حَقَّقَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيُّ هَذَا الْمَبْحَثَ فِي كِتَابِ " الْفَرَاسَةِ فِي السِّيَاسَةِ ". قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ نَقَضَ سُلَيْمَانُ حُكْمَ أَبِيهِ دَاوُدَ ﵊؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَكُنْ جَزَمَ بِالْحُكْمِ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَتْوَى مِنْ دَاوُدَ لَا حُكْمًا. وَثَالِثُهَا: لَعَلَّهُ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ فَسْخُ الْحُكْمِ إِذَا رَفَعَهُ الْخَصْمُ إِلَى حَاكِمٍ آخَرَ يَرَى خِلَافَهُ. قُلْتُ: وَفِي كُلٍّ مِنْهَا نَظَرٌ ظَاهِرٌ، فَالْوَجْهُ أَنَّ الْقَرِينَةَ الْأَقْوَى كَانَتْ عِنْدَهَا بِاْلِاعْتِبَارِ هُوَ الْأَوْلَى، وَأَمَّا لَوْ صَحَّ إِقْرَارُ الْكُبْرَى بِأَنَّهُ لِلصُّغْرَى، فَلَا إِشْكَالَ بِكُلِّ حَالٍ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بَعْدَ الْحُكْمِ مُعْتَبَرٌ فِي شَرْعِنَا أَيْضًا، كَمَا إِذَا اعْتَرَفَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْحَقَّ لِخَصْمِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 7936

٥٧٢٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَالَ سُلَيْمَانُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِمِائَةِ امْرَأَةٍ كُلُّهُمْ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ تَحْمَلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَأَيْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧٢٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ سُلَيْمَانُ: لَأَطُوفَنَّ ") : الطَّوَافُ هَذَا كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، وَالْمَعْنَى وَاللَّهِ لِأَدُورَنَّ (اللَّيْلَةَ) أَيْ: الْآتِيَةَ (عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِمِائَةِ امْرَأَةٍ) : قَالَ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ: فِيهِ رِوَايَاتٌ سِتُّونَ وَسَبْعُونَ وَتِسْعُونَ وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ وَمِائَةٌ، وَالْجَمْعُ أَنَّ السِتِّينَ كُنَّ حَرَائِرَ، وَمَا زَادَ كُنَّ سَرَائِرَ، وَبِالْعَكْسِ. وَأَمَّا السَبْعُونَ، فَلِلْمُبَالَغَةِ، وَأَمَّا التِسْعُونَ وَالْمِائَةَ

стр. 7937

وَفَوْقَ التِسْعِينَ فَمَنْ قَالَ: تِسْعُونَ أَلْغَى الْكَسْرَ، وَمَنْ قَالَ: مِائَةً أَتَى بِالْجَبْرِ (كُلُّهُنَّ) أَيْ: كُلُّ وَاحِدَةٍ (تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) : وَهَذِهِ نِيَّةٌ حَسَنَةٌ إِلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الْمَشِيئَةِ. (فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ) أَيْ: الْمُوَكَّلُ عَلَى يَمِينِهِ، أَوْ جِبْرِيلُ، أَوْ غَيْرُهُمَا، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ إِبْهَامُهُ أَوْ إِلْهَامُهُ (قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ) أَيْ: اكْتِفَاءً بِمَا فِي الْجِنَانِ عَنِ الْبَيَانِ بِاللِّسَانِ (وَنَسِيَ) كَعَلِمَ، وَرُوِيَ بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ، وَهُوَ أَحْسَنُ أَيْ: حَصَلَ لَهُ النِّسْيَانُ بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ أَكْمَلُ عِنْدَ أَرْبَابِ الْجَمْعِ وَأَصْحَابِ الْعِرْفَانِ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ وَنَسِيَ، (فَطَافَ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ تَحْمَلْ مِنْهُنَّ) أَيْ: لَمْ تَحْبَلْ (إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ) ، أَيْ بِنِصْفِهِ، أَوْ بَعْضِهِ حَيْثُ عَدَلَ عَنْ شَتَّى الصَّوَابِ وَصَوْبِ الْكَمَالِ، (وَاَيْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) ، تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَيْمُ لَفْظًا وَمَعْنَى، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: هُنَا الْأَصْلُ. فِي " أَيْمُ " اللَّهِ أَيْمُنُ اللَّهِ حُذِفَ مِنْهُ النُّونُ، وَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ لِلْقَسَمِ هَكَذَا بِضَمِّ الْمِيمِ وَالنُّونِ، وَأَلِفُهُ أَلْفُ وَصْلٍ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وَلَمْ تَجِئْ فِي الْأَسْمَاءِ أَلِفُ الْوَصْلِ مَفْتُوحَةً غَيْرُهَا، وَتَقْدِيرُهُ أَيْمُنُ اللَّهِ قَسَمِي، وَإِذَا حُذِفَ عَنْهُ النُّونُ قِيلَ: أَيْمُ اللَّهِ وَإِيمُ اللَّهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْضًا (لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا) أَيْ: لَوُجِدُوا وَوُلِدُوا وَكَبِرُوا وَقَاتَلُوا الْكُفَّارَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: طَرِيقِ رِضَاهُ (فُرْسَانًا) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ جَاهَدُوا (أَجْمَعُونَ) : تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ أَجْمَعِينَ عَلَى الْحَالِ، وَالرِّوَايَةُ الْمُعْتَدُّ بِهَا أَجْمَعُونَ بِالرَّفْعِ. قِيلَ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عَقِيبَ قَوْلِهِ إِنِّي أَعْمَلُ كَذَا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَبَرُّكًا وَتَيَمُّنًا وَتَسْهِيلًا لِذَلِكَ الْعَمَلِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى؟ ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَلَفْظُ الْجَامِعِ: ( «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ، كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ إِنْسَانٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 7938

٥٧٢١ - وَعَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «كَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٧٢١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ زَكَرِيَّا ") : بِالْقَصْرِ وَيُرْوَى مَدُّهُ (نَجَّارًا) أَيْ: يَنْجُرُ الْخَشَبَةَ وَيَنْحِتُهَا وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، وَفِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ ﵊ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْكَسْبَ مِنْ سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ بِتَرْكِ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ فِي الْأَشْيَاءِ، كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُ الْأَنْبِيَاءِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْفِيَاءِ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى خِلَافٍ فِي كَوْنِ أَيِّهِمَا أَفْضَلَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَتَحْقِيقُهُ فِي كِتَابِ الْإِحْيَاءِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 7939

٥٧٢٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، الْأَنْبِيَاءُ أُخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧٢٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا أَوْلَى النَّاسِ ") أَيْ: أَقْرَبُهُمْ (بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ) ، أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ بَشَّرَ بِأَنْ يَأْتِيَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨] لِأَنَّهُ هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ مِنْ جِهَةِ الِاقْتِدَاءِ، وَأَوْلَاهُمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ جِهَةِ قُرْبِ الْعَهْدِ انْتَهَى، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ مُجَرَّدَ قُرْبِ الْعَهْدِ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: (الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ) : فَالْأَوْلَى مَا قَالَ الْقَاضِي ﵀: مِنْ أَنَّ الْمُوجِبَ لِكَوْنِهِ أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ﵊ أَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ دِينَهُ مُتَّصِلٌ بِدِينِهِ، وَأَنَّ عِيسَى كَانَ مُبَشِّرًا لَهُ، مُمَهِّدًا لِقَوَاعِدِ دِينِهِ، دَاعِيًا لِلْخَلْقِ إِلَى تَصْدِيقِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى.

стр. 7940

الْحُكْمِ السَّابِقِ كَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَ عَنِ الْمُقْتَضِي لِلْأَوْلَوِيَّةِ، فَأَجَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْأُخُوَّةَ الَّتِي بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ، وَجُعِلَ ذَلِكَ كَالنَّسَبِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ الْأَسْبَابِ، ثُمَّ يَقْرُبُ زَمَانُهُ مِنْ زَمَانِهِ وَاتِّصَالُ دَعْوَتِهِ بِدَعْوَتِهِ، كَمَا سَتَجِيءُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ فَقَوْلُهُ: (مِنْ عَلَّاتٍ) : بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ أَيْ: هُمْ إِخْوَةٌ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْعَلَّةَ الضَّرَّةَ وَبَنُو الْعَلَّاتِ أَوْلَادُ الرَّجُلِ مِنْ نِسْوَةٍ شَتَّى فَقَوْلُهُ: (وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى) ، أَيْ مُتَفَرِّقَةٌ مُخْتَلِفَةٌ إِمَّا تَأْكِيدٌ أَوْ تَجْرِيدٌ، وَالْمَعْنَى كَمَا أَنَّ أَوْلَادَ الْعَلَّاتِ أُمَّهَاتُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، فَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ دِينُهُمْ وَاحِدٌ وَشَرَائِعُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ. قَالَ الْقَاضِي ﵀ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّرَّاحِ: الْعَلَّةُ الضَّرَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَلَلِ، وَهُوَ الشَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ الْأُولَى، وَكَانَ الزَّوْجُ عَلَّ مِنْهَا بَعْدَمَا كَانَ نَاهِلًا مِنَ الْأُخْرَى مِنَ النَّهْلِ وَهُوَ الشُّرْبُ الْأَوَّلُ، وَأَوْلَادُ الْعَلَّاتِ أَوْلَادُ الضَّرَّاتِ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ حَاصِلَ أَمْرِ النُّبُوَّةِ، وَالْغَايَةَ الْقُصْوَى مِنَ الْبِعْثَةِ الَّتِي بُعِثُوا جَمِيعًا لِأَجْلِهَا دَعْوَةُ الْخَلْقِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى مَا بِهِ يَنْتَظِمُ مَعَاشُهُمْ، وَيَحْسُنُ مَعَادُهُمْ؟ فَهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي هَذَا الْأَصْلِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَفَارِيعِ الشَّرْعِ الَّتِي هِيَ كَالْوَصْلَةِ الْمُؤَدِّيَةِ، وَالْأَوْعِيَةِ الْحَافِظَةِ لَهُ، فَعَبَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَّا هُوَ الْأَصْلُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ بِالْأَبِ، وَنَسَبِهِمْ إِلَيْهِ، وَعَبَّرَ عَمَّا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالشَّرَائِعِ الْمُتَفَاوِتَةِ بِالصُّورَةِ الْمُتَقَارِبَةِ فِي الْفَرْضِ، يَعْنِي بِحَسْبِ الْأَزْمِنَةِ وَالْمَصَالِحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَشْخَاصِ الْمُخْتَلِفَةِ طَبْعًا بِالْأُمَّهَاتِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ تَبَايَنَتْ أَعْصَارُهُمْ وَتَبَاعَدَتْ أَيَّامُهُمْ، فَالْأَصْلُ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ فِي إِخْرَاجِهِمْ وَإِبْرَازِهِمْ كُلًّا فِي عَصْرِهِ وَأَمْرِهِ وَاحِدٌ، وَلِذَا قَالَ: (وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ) : وَهُوَ الدِّينُ الْحَقُّ الَّذِي فُطِرَ النَّاسُ عَلَيْهِ، مُسْتَعَدِّينَ لِقَبُولِهِ، مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ، وَالتَّمَسُّكِ بِهِ، فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِالْأُمَّهَاتِ الْأَزْمِنَةُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِمْ، وَانْكَشَفَتْ عَنْهُمْ، وَلِذَا قَالَ: (وَلَيْسَ بَيْنَنَا) أَيْ: بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسَى (نَبِيٌّ) : إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى نَبِيٍّ ذِي شَرْعٍ، أَوْ عَلَى أُلِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀ أَيْ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، بَلْ جِئْتُ بَعْدَهُ كَمَا قَالَ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] قَالَ: وَبِهَذَا بَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْحَوَارِيُّونَ كَانُوا أَنْبِيَاءَ بَعْدَ عِيسَى ﵊ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ حَمَلَ النَّفْيَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: الْأَنْبِيَاءُ أُخُوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ كَمَا مَرَّ اسْتِئْنَافٌ عَلَى بَيَانِ الْمُوجِبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ". فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ الْبَيَانُ عَلَى الْمُبِينِ، يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِيمَا بُعِثُوا لِأَجْلِهِ مِنْ أُصُولِ التَّوْحِيدِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ اخْتِصَاصٌ مِنْهُ، لَكِنْ أَنَا أَخَصُّ النَّاسِ بِعِيسَى، لِأَنَّهُ كَانَ مُبَشِّرًا بِي قَبْلَ بِعْثَتِي، وَمُمَهِّدًا لِقَوَاعِدَ مِلَّتِي، ثُمَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مُتَابِعٌ شَرِيعَتِي، وَنَاصِرٌ لِدِينِي، فَكَأَنَّنَا وَاحِدٌ، وَالْأُولَى وَالْآخِرَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ هُمَا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِمَا الْحَالَةُ الْأُولَى وَهِيَ كَوْنُهُ مُبَشِّرًا، وَالْحَالَةُ الْآخِرَةُ وَهُوَ كَوْنُهُ نَاصِرًا مُقَوِّيًا لِدِينِهِ. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨] أَيْ إِنِّي أَخَصُّهُمْ بِهِ وَأَقْرَبُهُمْ فِيهِ؟ قُلْتُ: الْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي كَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَتْبُوعًا، وَالتَّنْزِيلُ فِي كَوْنِهِ تَابِعًا، وَلَهُ الْفَضْلُ تَابِعًا وَمَتْبُوعًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَلَفَظُ الْجَامِعِ: " «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَا يَخْفَى حُسْنُ نَظْمِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُطَابِقَةِ لِمُرَاعَاةِ تَرْتِيبِ الدِّرَايَةِ.

стр. 7941

٥٧٢٣ - وَعَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِأُصْبُعَيْهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧٢٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُلُّ بَنِي آدَمَ ") : فِيهِ تَغْلِيبُ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ أَيْ كُلُّ أَوْلَادِ آدَمَ (" يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ ") : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُضَمُّ مِنْ طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ كَمَنَعَهُ وَنَصَرَهُ طَعْنًا ضَرَبَهُ وَزَجَرَهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَسُّ لِمَا فِي رِوَايَةٍ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَمَسُّهُ وَيُصِيبُهُ (فِي جَنْبَيْهِ بِأُصْبُعَيْهِ) أَيْ: السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفِي التَّثْنِيَةِ إِشْعَارٌ بِكَمَالِ الْعَدَاوَةِ، وَإِيمَاءٌ إِلَى قَصْدِ إِضْلَالِهِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، (حِينَ يُولَدُ) ، أَيْ أَوَّلَ زَمَنِ وِلَادَتِهِمْ، وَالْإِفْرَادُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ كُلُّ (غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) أَيْ: لِدَعْوَةِ حَنَّةَ جَدَّتِهِ فِي حَقِّ أُمِّهِ بِقَوْلِهَا: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] (ذَهَبَ) أَيْ: أَرَادَ الشَّيْطَانُ وَشَرَعَ وَطَفِقَ (يَطْعَنُ) أَيْ: فِي جَنْبَيْ عِيسَى (فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ) . أَيْ: فَأَوْقَعَ الطَّعْنَ فِي الْمَشِيمَةِ وَهِي مَا فِيهِ الْوَلَدُ فَلَمْ يَتَأَثَّرْ مِنْ مَسِّهِ عِيسَى. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسَّ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ» عَلَى الْحَقِيقَةِ كَمَا مَرَّ فِي الْوَسْوَسَةِ. قُلْتُ: وَتَمَامُ الْحَدِيثِ: «حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا ﵉» ، فَكَأَنَّ الرَّاوِيَ اقْتَصَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذِكْرِ عِيسَى ﵊، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ فِي الْمَرَامِ، أَوْ خُصَّ بِعِيسَى نَظَرًا إِلَى بَعْضِ الْقُيُودِ فِي الْكَلَامِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَأَسْنَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ إِلَى الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ: لَفَظُ مُسْلِمٍ: " «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا» ".

стр. 7942

٥٧٢٤ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يُكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ: " يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ ". وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ " وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: " الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ". فِي (بَابِ الْمُفَاخَرَةِ وَالْعَصَبِيَّةِ) . الْفَصْلُ الثَّانِي ــ ٥٧٢٤ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " كَمُلَ ") : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، فَفِي الْقَامُوسِ: كَمُلَ كَنَصَرَ وَكَرُمَ وَعَلِمِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ فِي كَمُلَ ثَلَاثُ لُغَاتٍ، لَكِنَّ كَسْرَ الْمِيمِ ضَعِيفٌ، أَقُولُ: الصَّحِيحُ الضَّمُّ لِمُوَافَقَتِهِ الْمَعْنَى اللَّازِمِيِّ، أَيْ: صَارَ كَامِلًا، أَوْ بَلَغَ مَبْلَغَ الْكَمَالِ (مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ) ، أَيْ: كَثِيرُونَ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْجِنْسِ حَتَّى صَارُوا رُسُلًا وَأَنْبِيَاءَ وَخُلَفَاءَ وَعُلَمَاءَ وَأَوْلِيَاءَ، (وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) ، وَالتَّقْدِيرُ. إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُنَّ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْقَلِيلُ مَحْصُورًا فِيهِمَا بِاعْتِبَارِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ نَصَّ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الْكُمَّلِ مِنَ الرِّجَالِ، فَإِنَّهُ يَبْعُدُ تِعْدَادُهُ وَاسْتِقْصَاؤُهُمْ بِطَرِيقِ الِانْحِصَارِ سَوَاءٌ أُرِيدَ بِالْكُمَّلِ الْأَنْبِيَاءُ أَوِ الْأَوْلِيَاءُ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: اسْتَدَلَّ هَذَا الْحَصْرُ عَلَى أَنَّهُمَا نَبِيَّانِ لِأَنَّ أَكْمَلَ الْإِنْسَانِ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ، وَالشُّهَدَاءُ؟ فَلَوْ كَانَتَا غَيْرَ نَبِيَّتَيْنِ لَلَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي النِّسَاءِ وَلِيَّةٌ وَلَا صِدِّيقَةٌ وَلَا شَهِيدَةٌ غَيْرُهُمَا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الْكَمَالِ ثُبُوتُ نُبُوَّتِهِمَا، لِأَنَّهُ يُطْلَقُ لِتَمَامِ الشَّيْءِ وَتَنَاهِيهِ فِي بَابِهِ، فَالْمُرَادُ بِبُلُوغِهِمَا إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْفَضَائِلِ الَّتِي لِلنِّسَاءِ. قُلْتُ: لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَقَالَ لَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْإِشْكَالُ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَمَالِ الْمَرْأَةِ كَمَلِيَّتُهَا حَتَّى تَلْزَمَ النُّبُوَّةُ، بَلْ يَكْفِي لِحُصُولِ الْكَمَالِ وُصُولُهَا لِلْوِلَايَةِ، فَفَائِدَةُ ذِكْرِهِمَا لِطَرِيقِ الْحَصْرِ اخْتِصَاصُهُمَا بِكَمَالٍ لَمْ يُشْرِكْهُمَا فِيهِ أَحَدٌ مِنْ نِسَاءِ زَمَانِهِمْ، أَوْ مِنْ نِسَاءِ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَوْ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ، وَذَلِكَ لِمَا نَقَلَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ نُبُوَّةِ النِّسَاءِ، وَلِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩] لَكِنْ نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ نُبُوَّةُ حَوَّاءَ وَسَارَةَ وَأُمِّ مُوسَى وَهَاجَرَ وَآسِيَةَ وَمَرْيَمَ، وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: فِي الْجَوَابِ عَنِ الْإِيرَادِ السَّابِقِ. قُلْنَا: الْكَمَالُ فِي شَيْءٍ يَكُونُ حُصُولُهُ لِلْكَمَالِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَالنُّبُوَّةُ لَيْسَتْ أَوْلَى بِالنِّسَاءِ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الظُّهُورِ وَالدَّعْوَةِ، وَحَالُهُنَّ الِاسْتِتَارُ، فَلَا تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِي حَقِّهِنَّ كَمَالًا، بَلِ الْكَمَالُ فِي حَقِّهِنَّ الصِّدِيقِيَّةُ، وَهِي قَرِيبَةٌ مِنَ النُّبُوَّةِ انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْقَوْلِ.

стр. 7943

بِتَرَادُفِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ مَأْمُورٌ بِالتَّبْلِيغِ، بِخِلَافِ النَّبِيِّ فَلَا يَلْزَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ عَدَمُ التَّسَتُّرِ، مَعَ أَنَّ الرِّسَالَةَ أَيْضًا لَا تُنَافِي السِّتَارَةَ، كَمَا لَا يَخْفَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ) أَيْ: عَلَى جِنْسِهِنَّ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا جَمِيعِهِنَّ، أَوْ عَلَى النِّسَاءِ الْمَذْكُورَاتِ، أَوْ عَلَى نِسَاءِ الْجَنَّةِ، أَوْ عَلَى نِسَاءِ زَمَانِهَا، أَوْ عَلَى نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَوْ عَلَى الْأَزْوَاجِ الطَّاهِرَاتِ (كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَمْ يَعْطِفْ عَائِشَةَ عَلَى آسِيَةَ، لَكِنْ أُبْرِزَتْ فِي صُورَةٍ جَمِيلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ تَنْبِيهًا عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِمَا امْتَازَتْ بِهِ عَنْ سَائِرِهِنَّ، نَحْوَهُ فِي الْأُسْلُوبِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مَنَ الدُّنْيَا ثَلَاثٌ: الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ". قُلْتُ: وَسَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ لَفْظَ ثَلَاثٍ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀ قِيلَ: إِنَّمَا مَثَّلَ بِالثَّرِيدِ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ طَعَامِ الْعَرَبِ. وَلَا يَرَوْنَ فِي الشِّبَعِ أَغْنَى غَنَاءٍ عَنْهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَحْمَدُونَ الثَّرِيدَ فِيمَا طُبِخَ بِلَحْمٍ، وَرُوِيَ: سَيِّدُ الطَّعَامِ اللَّحْمُ، فَكَأَنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ اللَّحْمِ عَلَى سَائِرِ الْأَطْعِمَةِ، وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ الثَّرِيدَ مَعَ اللَّحْمِ جَامِعٌ بَيْنَ الْغِذَاءِ وَاللَّذَّةِ وَالْقُوَّةِ، وَسُهُولَةِ التَّنَاوُلِ، وَقِلَّةِ الْمُؤْنَةِ فِي الْمَضْغِ، وَسُرْعَةِ الْمُرُورِ فِي الْمِرِّيءِ، فَضُرِبَ بِهِ مَثَلًا لِيُؤْذِنَ بِأَنَّهَا أُعْطَتْ مَعَ حُسْنِ الْخُلُقِ وَالْخَلْقِ، وَحَلَاوَةِ النُّطْقِ فَصَاحَةَ اللَّهْجَةِ وَجَوْدَةَ الْقَرِيحَةِ، وَرَزَانَةَ الرَّأْيِ، وَرَصَانَةَ الْعَقْلِ، وَالتَّحَبُّبَ إِلَى الْبَعْلِ، فَهِيَ تَصْلُحُ لِلتَّبَعُّلِ وَالتَّحَدُّثِ وَالِاسْتِئْنَاسِ بِهَا، وَالْإِصْغَاءِ إِلَيْهَا، وَحَسْبُكَ أَنَّهَا عَقِلَتْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ تَعْقِلْ غَيْرُهَا مِنَ النِّسَاءِ، وَرَوَتْ مَا لَمْ يَرْوِ مِثْلُهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّرِيدَ أَشْهَى الْأَطْعِمَةِ عِنْدَهُمْ وَأَلَذُّهَا قَوْلُ الشَّاعِرِ: إِذَا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ ... فَذَاكَ ـ أَمَانَةَ اللَّهِ ـ الثَّرِيدُ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ عَائِشَةَ وَخَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ. قَالَ الْأَكْمَلُ: رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَائِشَةَ بَعْدَ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ. أَقُولُ: فَهَذَا يَحْتَمِلُ تَسَاوِي خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ، لِكَوْنِ الْأُولَى مِنَ الْعُرَفَاءِ السَّوَابِقِ، وَالثَّانِيَةِ مِنَ الْفُضَلَاءِ اللَّوَاحِقِ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: فَاطِمَةُ أَفْضَلُ مِنْ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ عَائِشَةُ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي النُّقَايَةِ وَشَرْحِهَا: وَنَعْتَقِدُ أَنَّ أَفْضَلَ النِّسَاءِ مَرْيَمُ وَفَاطِمَةُ. رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ﵇، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍ: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» . وَفِي الصَّحِيحِ: «فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ» . وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ " «هَذَا مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ لِيُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي أَنَّ حَسَنًا وَحُسَيْنًا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأُمَّهُمَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . وَرَوَى الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ: مَرْيَمُ خَيْرُ نِسَاءِ عَالَمِهَا، وَفَاطِمَةُ خَيْرُ نِسَاءِ عَالَمِهَا. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِلَفْظِ: خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ وَخَيْرُ نِسَائِهَا فَاطِمَةُ. قُلْتُ: وَفِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، ثُمَّ فَاطِمَةُ، ثُمَّ خَدِيجَةُ، ثُمَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ بَعْدَ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ» ". ثُمَّ قَالَ السُّيُوطِيُّ: " وَأَفْضَلُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ وَعَائِشَةُ ". قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يُكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ وَآسِيَةُ وَخَدِيجَةُ وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» ". وَفِي لَفْظٍ: " إِلَّا ثَلَاثٌ: مَرْيَمُ وَآسِيَةُ وَخَدِيجَةُ ". وَفِي التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمَا أَقْوَالٌ. ثَالِثُهَا: الْوَقْفُ. قَالَتْ: وَصَحَّحَ الْعِمَادُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ قَالَتْ: قَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا، فَقَالَ: " «لَا وَاللَّهِ مَا رَزَقَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا آمَنَتْ بِي حِينَ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَأَعْطَتْنِي مَالَهَا حِينَ حَرَمَنِي النَّاسُ» ". وَسُئِلَ ابْنُ دَاوُدَ فَقَالَ: عَائِشَةُ أَقْرَأَهَا السَّلَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِبْرِيلَ، وَخَدِيجَةُ أَقْرَأَهَا السَّلَامَ جِبْرِيلُ مِنْ رَبِّهَا، فَهِيَ أَفْضَلُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ فَقِيلَ لَهُ: فَأَيٌّ أَفْضَلُ فَاطِمَةُ أَمْ أُمُّهَا؟

стр. 7944

قَالَ: فَاطِمَةُ بَضْعَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا نَعْدِلُ بِهَا أَحَدًا، وَسُئِلَ السُّبْكِيُّ فَقَالَ: الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَدِينُ لِلَّهِ بِهِ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﵇ أَفْضَلُ، ثُمَّ أَمُّهَا خَدِيجَةُ، ثُمَّ عَائِشَةُ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ. وَعَنِ ابْنِ الْعِمَادِ أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ مِنْ فَاطِمَةَ بِاعْتِبَارِ الْأُمُومَةِ لَا السِّيَادَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ: تَقَدُّمُ آسِيَةُ عَلَى مَرْيَمَ وَزِيَادَةٌ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ إِلَخْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ: " يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ) أَيْ: قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ " ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ". (وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: " أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ ") : تَمَامُهُ: فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ " قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: " فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنُ خَلِيلِ اللَّهِ» " الْحَدِيثَ. قَالَ شَارِحٌ أَيْ: إِذَا لَمْ تَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا فَأَكْرَمُ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ يُوسُفَ. قُلْتُ: أَوْ فِي النَّسَبِ وَالْحَسَبِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْدَادُ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ. (وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: " «الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ» ") : تَمَامُهُ: " «ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ» " (فِي بَابِ الْمُفَاخِرَةِ وَالْعَصَبِيَّةِ) .

стр. 7945

٥٧٢٥ - «عَنْ أَبِي رَزِينٍ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَالَ: " كَانَ فِي عَمَاءٍ، مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: الْعَمَاءُ أَيْ: لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ. ــ ٥٧٢٥ - (عَنْ أَبِي رَزِينٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ لَقْيَطُ بْنُ عَامِرِ بْنِ صَبْرَةَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْقَافِ، وَصَبْرَةُ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، عُقَيْلِيٌّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، عِدَادُهُ فِي الطَّائِفِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَاصِمٌ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا. قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ) ؟ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَكَانَ مَعَ الزَّمَانِ مِنْ جُمْلَةِ خَلْقِهِ مَعْدُودَانِ، فَلَوْلَا التَّأْوِيلُ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ لَأَوَّلُ السُّؤَالِ وَآخِرُهُ يَتَعَارَضَانِ، وَسَيَجِيءُ بَيَانُ كَشْفِ الْمَعْنَى مِنَ الشُّرَّاحِ الْأَعْيَانِ (قَالَ: " كَانَ فِي عَمَاءٍ ") : بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَمْدُودًا أَيْ: فِي غَيْبِ هُوُيَّةِ الذَّاتِ بَلَا ظُهُورِ مَظَاهِرِ الصِّفَاتِ كَمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ، فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِأُعْرَفَ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] إِشَارَةً إِلَيْهِ، وَدَلَالَةً عَلَيْهِ عَلَى تَفْسِيرِ حَبْرِ الْأُمَّةِ أَيْ لِيَعْرِفُونِ. قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدَّوْلَةَ فِي كِتَابِهِ (الْعُرْوَةُ) فَأَثْبَتَ تَجَلِّيَ الذَّاتِ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًا ثُمَّ تَجَلِّيهِ بِالصِّفَةِ الْآحِدِيَّةِ بِقَوْلِهِ: أَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ. ثَانِيًا: ثُمَّ تَجَلِّيهِ بِالصِّفَةِ الْوَاحِدَةِ بِقَوْلِهِ: فَخَلَقْتُ الْخَلْقَ لِأُعْرَفَ. ثَالِثًا: وَفِي اصْطِلَاحَاتِ الصُّوفِيَّةِ لِلْكَاشِيِّ الْعَمَاءُ هِيَ الْحَضْرَةُ الْآحِدِيَّةُ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ، فَهُوَ فِي حِجَابِ الْجَلَالِ. أَقُولُ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْآحِدِيَّةِ الْجَمْعَ، فَإِنَّهَا بَيْنَ غَيْبِ الْغُيُوبُ، وَبَيْنَ آحِدِيَّةِ الصُّوفِيَّةِ، فَإِنَّهَا بَيْنَ أَحَدِيَّةِ الْجَمْعِ وَبَيْنَ الْوَاحِدِيَّةِ، وَهَذِهِ الْبَيْنُونَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْعَمَاءَ فِي اللُّغَةِ غَيْمٌ رَقِيقٌ يَحُولُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الْآحِدِيَّةِ الصُّوفِيَّةِ حَائِلَةٌ بَيْنَ سَمَاءِ الذَّاتِ وَأَرْضِ الْكَثْرَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ، وَقِيلَ: هِيَ الْحَضْرَةُ الْوَاحِدِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَنْشَأُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، لِأَنَّ الْعَمَاءَ هُوَ الْغَيْمُ الرَّقِيقُ، وَالْغَيْمُ هُوَ الْحَائِلُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَهَذِهِ الْحَضْرَةُ الْوَاحِدِيَّةُ هِيَ الْحَائِلَةُ بَيْنَ سَمَاءِ الْآحِدِيَّةِ الصِّرْفَةِ، وَبَيْنَ أَرْضِ الْكَثْرَةِ الْخِلْقِيَّةِ، وَقَدْ جَعَلَ الْفَارِقُ الْجَامِيُّ شَرْحًا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ التَّحْقِيقَ، عَلَيْكَ بِذَلِكَ التَّصْنِيفِ، فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ، وَتَبِعَ كُلُّ فَرِيقٍ مَذْهَبَهُمْ، هَذَا وَفِي الْفَائِقِ الْعَمَاءُ: هُوَ السَّحَابُ الرَّقِيقُ، وَقِيلَ: السَّحَابُ الْكَثِيفُ الْمُطْلَقُ، وَقِيلَ: شِبْهُ الدُّخَانِ يَرْكَبُ رَأْسَ الْجِبَالِ، وَعَنِ الْجَرْمِيِّ الضَّبَابُ، وَفِي النِّهَايَةِ الْعَمَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ السَّحَابُ. وَفِي الْقَامُوسِ: هُوَ السَّحَابُ الْمُرْتَفِعُ، أَوِ الْكَثِيفُ، أَوِ الْمَطَرُ الرَّقِيقُ، أَوِ الْأَسْوَدُ، أَوِ الْأَبْيَضُ، أَوْ هُوَ الَّذِي هَرَاقَ.

стр. 7946

مَاؤُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ التِّبْيَانِيَ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ السَّحَابَ كِنَايَةٌ عَنْ حِجَابِ الْجَلَالِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ حِجَابِ الذَّاتِ الْبَاعِثِ عَلَى سِرِّ الصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَلَوِيَّاتِ وَالسَّلَفِيَّاتِ، وَلِذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا يَدْرِي أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَاءُ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَمَى بِالْقِصَرِ، وَهُوَ ذَهَابُ الْبَصَرِ، فَقِيلَ: هُوَ كُلُّ أَمْرٍ لَا تُدَارِكُهُ عُقُولُ بَنِي آدَمَ، وَلَا يَبْلُغُ كُنْهَهُ الْوَصْفُ، وَلَا يُدْرِكُهُ الْفَطِنُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُكَيِّفُهُ بِصِفَةٍ أَيْ نُجْرِي اللَّفْظَ عَلَى مَا جَاءَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ مَعَ التَّنْزِيهِ عَمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الْحُدُوثِ وَالتَّبْدِيلِ. (مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ) : مَا: نَافِيَةٌ فِيهِمَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ. قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِالْعَمَاءِ مَا لَا تَقْبَلُهُ الْأَوْهَامُ وَلَا تُدْرِكُهُ الْعُقُولُ وَالْأَفْهَامُ، عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ الْمَكَانِ بِمَا لَا يُدْرَكُ وَلَا يُتَوَهَّمُ، وَعَنْ عَدَمِ مَا يَحْوِيهِ وَيُحِيطُ بِهِ الْهَوَاءُ، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْخَلَاءُ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الْجِسْمِ، لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى فَهْمِ السَّامِعِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَمَّا خُلِقَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ فَلَوْ كَانَ الْعَمَاءُ أَمْرًا مَوْجُودًا لَكَانَ مَخْلُوقًا، إِذْ مَا مِنْ شَيْءٍ سِوَاهُ إِلَّا وَهُوَ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ وَأَبْدَعَهُ، فَلَمْ يَكُنِ الْجَوَابُ طِبْقَ السُّؤَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وَنَحْوِهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَيْنَ كَانَ عَرْشُ رَبِّنَا؟ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] : الْمُطَابِقُ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ عَنِ الْعَرْشِ لَمَا كَانَ حَاجَةٌ لِلتَّعَرُّضِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى التَّقْدِيرِ، وَلَا بُدَّ لِقَوْلِهِ فِي عَمَاءٍ بِالْمَدِّ مِنَ التَّأْوِيلِ، حَتَّى يُوَافِقَ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى عَمًّى مَقْصُورًا، وَمَا وَرَدَ فِي الصِّحَاحِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: " «مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ» " جَاءَ تَتْمِيمًا صَوْنًا لِمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: فِي عَمَاءٍ مِنَ الْمَكَانِ، فَإِنَّ الْغَمَامَ الْمُتَعَارَفَ مُحَالٌ أَنْ يُوجَدَ بِغَيْرِ هَوَاءٍ، فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: " «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» " عَلَى مَا سَبَقَ فَالْجَوَابُ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ سُئِلَ عَنِ الْمَكَانِ؟ فَأَجَابَ عَنِ الْإِمْكَانِ، يَعْنِي إِنْ كَانَ هَذَا مَكَانًا فَهُوَ فِي مَكَانٍ، وَهُوَ إِرْشَادٌ لَهُ يَفِي غَايَةً مِنَ اللُّطْفِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) : وَهُوَ أَحَدُ مَشَايِخِ شُيُوخِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ (الْعَمَاءُ) أَيْ: يَعْنِي مَعْنَاهُ (لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ) : وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى كَلَامِ بَعْضِ الْعَارِفِينَ فِي هَذَا الشَّأْنِ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وَالْآنَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ كَانَ، وَإِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ.

стр. 7947

٥٧٢٦ - «وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁. أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي الْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِيهِمْ، فَمَرَّتْ سَحَابَةٌ، فَنَظَرُوا إِلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ ": قَالُوا: السَّحَابَ. قَالَ: " وَالْمُزْنَ؟ " قَالُوا: وَالْمُزْنَ. قَالَ: " وَالْعَنَانَ ". قَالُوا وَالْعَنَانَ. قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ ". قَالُوا: لَا نَدْرِي قَالَ: " إِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ وَإِمَّا اثْنَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَالسَّمَاءُ الَّتِي فَوْقَهَا كَذَلِكَ " حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ. ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ، بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوَعَالٍ، بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَوُرُكِهِنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ " الْعَرْشُ "، بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللَّهُ فَوْقَ ذَلِكَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٥٧٢٦ - (وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، زَعَمَ) أَيْ: نُقِلَ (أَنَّهُ) أَيْ: الْعَبَّاسَ (كَانَ جَالِسًا بِالْبَطْحَاءِ) أَيْ: فِي الْمُحَصَّبِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِمَكَّةَ فَوْقَ مَقْبَرَةِ الْمُعَلَّى، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَكَّةَ، وَأَصْلُ الْبَطْحَاءِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ مَسِيلٌ وَاسِعٌ، فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى (فِي عِصَابَةٍ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اسْتِعْمَالُ زَعَمَ، وَنِسْبَتُهُ إِلَى عَبَّاسٍ رَمَزٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُسْلِمًا، وَلَا تِلْكَ الْعِصَابَةُ كَانُوا مُسْلِمِينَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْبَطْحَاءِ. قُلْتُ: وَكَانَ وَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ غَالِبًا مُجْتَمَعُ الْكُفَّارِ، وَمَجْمَعُ رَأْيِهِمْ فِي تِلْكَ الدَّارِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اتَّفَقَ مَشَايِخُ الْعَرَبِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، أَنَّهُمْ يَهْجُرُونَ بَنِي هَاشِمٍ، وَلَا يُبَايِعُونَهُمْ، وَلَا يُشَاوِرُونَهُمْ، وَلَا يُنَاكِحُونَهُمْ، وَلَا يُجَالِسُونَهُمْ، حَتَّى يَتْرُكُوا نُصْرَةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحِمَايَتَهُ، كَمَا هُوَ فِي السِّيَرِ مَعْرُوفٌ.

стр. 7948

وَلِذَا لَمَّا حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةَ الْوَدَاعِ نَزَلَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنْ مِنًى إِشَارَةً إِلَى مَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْغَلَبَةِ عَلَى أَعْدَاءِ الدَّيْنِ، وَإِيمَاءً إِلَى إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْيَقِينِ، هَذَا وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِمَّا يَدُلُّ صَرِيحًا أَنَّ تِلْكَ الْعِصَابَةَ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَأَمَّا " زَعَمَ "، فَكَثِيرًا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ فِيهِمْ) ، أَيْ حِينَئِذٍ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقَضِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ بَعْدَ الْقِصَّةِ الْمَسْطُورَةِ بَعْدَمَا وَقَعَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْهَدِيَّةِ، (فَمَرَّتْ سَحَابَةٌ، فَنَظَرُوا إِلَيْهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ ") ؟ مَا: اسْتِفْهَامِيَّةٌ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ، وَهُوَ حَمْلُ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَالْمَقْصُودُ التَّثْبِيتُ ضِدَّ الْإِنْكَارِ أَيْ أَيُّ: شَيْءٍ تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ إِشَارَةٌ إِلَى السَّحَابَةِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِتُسَمُّونَ، وَالْأَوَّلُ لَفْظَةُ: " مَا " (قَالُوا: السَّحَابَ) . بِالنَّصْبِ أَيْ: نُسَمِّيهِ السَّحَابَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هِيَ السَّحَابُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ وَاحِدَةٌ مِنْ جُمْلَةِ جِنْسِ السَّحَابِ (قَالَ: وَالْمُزْنُ) أَيْ وَتُسَمُّونَهَا أَيْضًا الْمُزْنَ (قَالُوا: وَالْمُزْنَ) . أَيْ: نُسَمِّيهَا أَيْضًا. فَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْغَيْمُ، وَالسَّحَابُ وَاحِدَتُهُ مُزْنَةٌ وَقِيلَ: هِيَ السَّحَابَةُ الْبَيْضَاءُ زَادَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ [الواقعة: ٦٩] (قَالَ: وَالْعَنَانُ؟ قَالُوا: وَالْعَنَانُ) . كَسَحَابٍ زِنَةً وَمَعْنَى، مِنْ عَنَّ أَيْ: ظَهَرَ. وَفِي النِّهَايَةِ الْوَاحِدَةُ عَنَانَةُ، وَقِيلَ مَا عَنَّ لَكَ فِيهَا أَيِ اعْتَرَضَ وَبَدَا لَكَ إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا لَاطَفَهُمْ فِي الْكَلَامِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ مَعْرِفَتَهُ بِلُغَاتِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ تَدْرِيجًا بِالِانْتِقَالِ مِنْ مَعْلُومِهِمْ إِلَى مَجْهُولِهِمْ، وَتَرَقِّيًا مِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ. (قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ") ؟ أَيْ: مَا مِقْدَارُ بُعْدَ مَسَافَةِ مَا بَيْنَهُمَا (قَالُوا: لَا نَدْرِي. قَالَ: " إِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ وَإِمَّا اثْنَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً) ، الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي كَذَا قِيلَ، وَلِلتَّنْوِيعِ لِاخْتِلَافِ أَمَاكِنِ الصَّاعِدِ وَالْهَاوِي، وَبِهَذَا يَظْهَرُ صِحَّةُ مَا قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْمُرَادُ بِالسَبْعُونَ فِي الْحَدِيثِ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ، لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةَ عَامٍ أَيْ سَنَةً، وَالتَّكْثِيرُ هَذَا أَبْلَغُ وَالْمَقَامُ لَهُ أَدْعَى. (وَالسَّمَاءُ) : بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ (الَّتِي فَوْقَهَا) أَيْ: فَوْقَ سَمَاءِ الدُّنْيَا (كَذَلِكَ) أَيْ: فِي الْبُعْدِ (حَتَّى عِنْدَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ) . أَيْ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَاتِ (ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ) أَيْ: عَظِيمٌ (بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ) . أَيْ الْبَحْرِ (ثَمَانِيَةُ أَوَعَالٍ) ، جَمْعُ وَعْلٍ، وَهُوَ الْعَنْزُ الْوَحْشِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ تَيْسُ شَاةِ الْجَبَلِ (بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ) : جَمْعُ ظِلْفٍ بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ لِلْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَالطِّيبِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْحَافِرِ لِلدَّابَّةِ، وَالْخُفُّ لِلْبَعِيرِ. (وَوَرِكِهِنَّ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ مَا فَوْقَ أَفْخَاذِهِنَّ (مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ) ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِنَّ مَلَائِكَةٌ عَلَى أَشْكَالٍ أَوَعَالٍ، وَيُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: (ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ) أَيْ: مَحْمُولٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧] (بَيْنَ أَسْفَلِهِ) أَيْ: الْعَرْشِ (وَأَعْلَاهُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ) ، أَيْ مِنْ كَثْرَةِ الْبُعْدِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْحَدِّ، وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ بِجَنْبِ الْعَرْشَ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ (ثُمَّ اللَّهُ) أَيْ: وَسِعَةُ عِلْمُهُ أَوِ اتِّسَاعُ قُدْرَتِهِ فِي مُلْكِهِ (فَوْقَ ذَلِكَ) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَشْغَلَهُمْ عَنِ السُّفْلِيَّاتِ إِلَى الْعُلْوِيَّاتِ، وَالتَّفْكِيرُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْعَرْشِ، ثُمَّ يَتَرَقَّوْا إِلَى مَعْرِفَةِ خَالِقِهِمْ وَرَازِقِهِمْ، وَيَسْتَكْفُوا عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَلَا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، فَأَخَذَ فِي التَّرَقِّي مِنَ السَّحَابِ، ثُمَّ مِنَ السَّمَاوَاتِ، ثُمَّ مِنَ الْبَحْرِ، ثُمَّ مِنَ الْأَوْعَالِ، ثُمَّ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى ذِي الْعَرْشِ، وَالْفَوْقِيَّةُ بِحَسْبِ الْعَظَمَةِ لَا الْمَكَانِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ عَالِي الشَّأْنِ عَظِيمُ الْبُرْهَانِ، وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ: فَوْقَ الْعَرْشِ حُكْمًا وَعَظَمَةً وَاسْتِيلَاءً ". (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .

стр. 7949

٥٧٢٧ - «وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مَطْعِمٍ ﵁، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: جَهِدَتِ الْأَنْفُسُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، وَنُهِكَتِ الْأَمْوَالُ، وَهَلَكَتِ الْأَغْنَامُ، فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللَّهِ، وَنَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ ". فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ قَالَ: " وَيْحَكَ إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ، شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ لَهَكَذَا " وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ مَثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ " وَإِنَّهُ لِيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٥٧٢٧ - (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَيْ: جَاءَهُ (أَعْرَابِيٌّ) أَيْ: بَدَوِيٌّ (فَقَالَ: جُهِدَتِ الْأَنْفُسُ) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْجُهْدِ بِفَتْحِ الْجِيمِ الْمَشَقَّةُ وَبِضَمِّهَا الطَّاقَةُ، وَالْمَعْنَى حَمَلَتْ فَوْقَ طَاقَتِهَا (وَجَاعَ الْعِيَالُ) ، عِيَالُ الرَّجُلِ بِالْكَسْرِ مَنْ يَعُولُهُ وَيَمُونُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنَ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ وَالْعَبِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (وَنُهِكَتْ) : بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ نَقَصَتْ (الْأَمْوَالُ) ، أَيْ الَّتِي تَنْمُو مِنَ الْأَمْطَارِ (وَهَلَكَتِ الْأَنْعَامُ) ، وَهُوَ جَمْعُ نَعَمٍ مُحَرَّكَةً الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لَنَا) ، أَيْ: فَاطْلُبِ اللَّهَ لِلسَّقْيِ بِالْمَطَرِ مِنْ أَجْلِ مَعَاشِنَا الَّذِي هُوَ زَادُ مَعَادِنَا نَسْتَشْفِعُ أَيْ: نَطْلُبُ الشَّفَاعَةَ (بِكَ) أَيْ: بِوُجُودِكَ وَحُرْمَتِكَ وَبِعَظَمَتِكَ (عَلَى اللَّهِ، وَنَسْتَشْفِعُ اللَّهَ) أَيْ: نَسْتَجِيرُ وَنَسْتَغِيثُ بِهِ (عَلَيْكَ) . فِي أَنْ تَشْفَعَ لَنَا عِنْدَهُ بِأَنْ يُوَفِّقَكَ عَلَى مُسَاعَدَتِنَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ مُوَهِّنًا لِلتَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ، أَوِ التَّشَارُكِ فِي الْأَمْرِ، وَالْحَالُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الشِّرْكِ مُطْلَقًا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وَقَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَقَالَ: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] أَنْكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَعْظَمَ الْأَمْرَ لَدَيْهِ، وَتَعَجَّبَ مِنْ هَذِهِ النِّسْبَةِ إِلَيْهِ. (فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ") ، أَيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الْمُشَارَكَةِ (" سُبْحَانَ اللَّهِ ") ، كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا، أَوْ ذَكَرَ الثَّانِي تَعَجُّبًا (فَزَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ حَتَّى تَبَيَّنَ أَثَرُ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ إِلَى وُجُوهِ أَصْحَابِهِ) ، لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ تَكْرِيرِ تَسْبِيحِهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، فَخَافُوا مِنْ غَضَبِهِ فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا أَثَّرَ فِيهِمُ الْخَوْفُ رَقَّ لَهُمْ وَقَطَعَ التَّسْبِيحَ وَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ (ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ) : بِمَعْنَى وَيْلَكَ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ مَعْنَى الشَّفَقَةِ عَنِ الْمَزَلَّةِ وَالْمَزْلَقَةِ، وَالثَّانِي دَعَا عَلَيْهِ بِالْهَلَكَةِ وَالْعُقُوبَةِ، فَالْمَعْنَى اعْلَمْ أَيُّهَا الْمُتَكَلِّمُ الْجَاهِلُ فِي كَلَامِهِ الْغَافِلُ عَنْ مَرَامِهِ (إِنَّهُ) أَيْ: الشَّأْنُ (لَا يُسْتَشْفَعُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ شَأْنُ اللَّهِ) : اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ أَيْ لِأَنَّ شَأْنَهُ الْعَلِيُّ وَبُرْهَانَهُ الْجَلِيُّ (أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ) ، أَيْ مِنْ أَنْ يُسْتَشْفَعَ بِهِ عَلَى أَحَدٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ، يُقَالُ: اسْتَشْفَعْتُ بِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ لِيَشْفَعَ لِي إِلَيْهِ فَشَفَّعَهُ أَجَابَ شَفَاعَتَهُ، وَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ الشَّفَاعَةَ هِيَ الِانْضِمَامِ إِلَى آخَرَ نَاصِرًا لَهُ وَسَائِلًا عَنْهُ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ عَظِيمٍ مَنَعَ ﷺ أَنْ يُسْتَشْفَعَ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ، وَقَوْلُهُ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَثَرِ هَيْبَةٍ أَوْ خَوْفٍ اسْتُشْعِرَ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ تَنْزِيهًا عَمَّا نُسِبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الِاسْتِشْفَاعِ بِهِ عَلَى أَحَدٍ وَتَكْرَارِهِ مِرَارًا. (وَيْحَكَ) : كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِزَجْرِهِ وَتَبْيِينًا لِأَمْرِهِ (أَتَدْرِي مَا اللَّهُ) ؟ أَيْ عَظَمَتَهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ مُلْكِهِ وَمَلَكُوتِهِ وَسَطْوَةِ كِبْرِيَائِهِ وَجَبَرُوتِهِ (إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ) أَيْ: مُحِيطٌ بِهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ (لَهَكَذَا) . بِفَتْحِ اللَّامِ الِابْتِدَائِيَّةِ دَخَلَتْ عَلَى خَبَرِ إِنَّ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ (وَقَالَ بِأُصْبُعِهِ) أَيْ: أَشَارَ بِهَا وَفِعْلًا بَيَانٌ لِلْمُشَارِ إِلَيْهِ قَوْلًا (مِثْلَ الْغَيْبَةِ عَلَيْهِ) : حَالٌ مِنَ الْعَرْشِ أَيْ مُمَاثِلًا إِلَّا عَلَى مَا فِي جَوْفِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ حَالٌ مِنَ الْمُشَارِ بِهِ، وَفِي قَالَ مَعْنَى الْإِشَارَةِ بِأَصَابِعِهِ إِلَى مُشَابَهَةِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ، وَهِيَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ لِلْأَصَابِعِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْكَفِّ مِثْلَ حَالَةِ الْإِشَارَةِ (وَإِنَّهُ) أَيْ: الْعَرْشَ مَعَ مَا وُصِفَ بِهِ مِنَ الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ وَالسِّعَةِ وَالْعَظَمَةِ (لَيَئِطُّ) : بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: لَيَتَضَايَقُ وَيَعْجِزُ عَنِ الْقِيَامِ (بِهِ) أَيْ: بِحَقِّ مَعْرِفَتِهِ وَعَنْ سَعَةِ عِلْمِهِ وَإِحَاطَةِ عَظَمَتِهِ، حَيْثُ يَئِطُّ لِمَا

стр. 7950

يَرْتَكِبُهُ، وَيَرْتَعِدُ مِمَّا يَرْكَبُهُ مِنْ أَعْبَاءِ جَلَالِهِ وَهَيْبَتِهِ (أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ) أَيْ: كَعَجْزِ الرَّحْلِ عَنِ احْتِمَالِ الرَّاكِبِ. فِي النِّهَايَةِ أَيْ: أَنَّ الْعَرْشَ لِيَعْجَزُ عَنْ حَمْلِهِ وَعَظَمَتِهِ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ، إِنَّمَا يَكُونُ لِقُوَّةِ مَا فَوْقَهُ وَعَجْزِهِ عَنِ احْتِمَالِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْكَلَامُ إِذَا أُجْرِيَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْكَيْفِيَّةِ، وَالْكَيْفِيَّةُ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَصِفَاتِهِ مَنْفِيَّةٌ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ تَحْقِيقُ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَا تَحْدِيدُهُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ تَقْرِيبٍ أُرِيدَ بِهِ تَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي النُّفُوسِ، وَإِفْهَامِ السَّائِلِ مِنْ حَيْثُ يُدْرِكُهُ فَهْمُهُ إِذْ كَانَ أَعْرَابِيًّا حَافِيًا لَا عِلْمَ لَهُ بِمَعَانِي مَا دَقَّ مِنَ الْكَلَامِ، وَقَرَّرَ بِهَذَا التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ مَعْنَى عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ فِي نَفْسِ السَّائِلِ، وَأَنَّ مَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ لَا يُجْعَلُ شَفِيعًا إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنَّ مَعْنَى يَئِطُّ يُصَوِّتُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّنْزِيهِ مِنْ عَظْمَةِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، حَيْثُ تَحَيَّرَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ مِنْ مَعْرِفَةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، كَصَوْتِ الرَّحْلِ الْجَدِيدِ بِالرَّاكِبِ الثَّقِيلِ الشَّدِيدِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْقَوْلِ السَّدِيدِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
следующие страницы →