← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8016–8055 · переход к 8021.

стр. 8016

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٧٧٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﵄ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ. فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبَّاسٍ) ! بِمَ فَضَّلَهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢] قَالُوا: وَمَا فَضْلُهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤] الْآيَةَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٧٧٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﵄ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ. قَالُوا: يَا أَبَا عَبَّاسٍ) هُوَ كُنْيَةُ ابْنُ عَبَّاسٍ (بِمَ فَضَّلَهُ) أَيْ: اللَّهُ (عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ) ؟ كَأَنَّهُمْ قَدَّمُوا الْأَهَمَّ فَالْأَهَمَّ، أَوْ هُوَ عَلَى مِنْوَالِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الْآيَةِ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى - لِمُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢] : قَالَ الطِّيبِيُّ: يُفْهَمُ التَّفْضِيلُ مِنْ صَوْلَةِ الْخِطَابِ وَغِلْظَتِهِ فِي مُخَاطَبَةِ أَهْلِ السَّمَاءِ وَفَرْضِ مَا لَا يَتَأَتَّى مِنْهُمْ، وَجَعْلِهِ كَالْوَاقِعِ، وَتَرَتُّبِ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ إِظْهَارًا لِكِبْرِيَائِهِ وَجَلَالِهِ، وَأَنَّهُمْ بُعَدَاءُ مِنْ أَنْ يُنْسَبُوا إِلَى مَا يُشَارِكُونَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] تَحْقِيرًا لَهُمْ وَتَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ، وَمِنْ مُلَاطَفَتِهِ فِي الْخِطَابِ مَعَهُ ﷺ وَأَنَّ مَا صَدَرَ وَيَصْدُرُ مِنْهُ مَغْفُورٌ، وَجَعَلَ فَتْحَ مَكَّةَ عِلَّةً لِلْمَغْفِرَةِ وَالنُّصْرَةِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ وَالْهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَإِنْزَالِ السِّكِّينَةِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ اه. وَخُلَاصَةُ كَلَامِهِ، أَنَّهُ تَعَالَى غَلَّظَ فِي وَعِيدِ خِطَابِهِمْ، وَلَاطَفَ فِي خِطَابِ وَعْدِهِ، لَكِنَّ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ بَالَغَ فِي مَدْحِهِمْ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَمِنْهُ مَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا - سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨] وَغَلَّظَ فِي الْوَعِيدِ لِنَبِيِّهِ ﷺ عَلَى طَرِيقِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ بِالْخِطَابِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٩] يَحْتَمِلُ، أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مِنَ الْخَلَائِقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُرِيدُ بِهِ بِنَفْيِ النُّبُوَّةِ وَادِّعَاءِ ذَلِكَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ وَتَهْدِيدِ الْمُشْرِكِينَ بِتَهْدِيدِ مُدَّعِي الرُّبُوبِيَّةِ اه فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي وَجْهِ التَّفْضِيلِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَيْضًا كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ (قَالُوا: وَمَا فَضْلُهُ؟) أَيْ زِيَادَةُ فَضْلِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤] أَيْ: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] : قَالَ: وَأَمَّا بَيَانُ فَضْلِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُرْسَلٌ إِلَى قَوْمٍ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ ﷺ مُرْسَلٌ إِلَى كَافَّةِ النَّاسِ، وَلَا ارْتِيَابَ أَنَّ الرُّسُلَ إِنَّمَا بُعِثُوا لِإِرْشَادِ الْخَلْقِ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَمِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ إِلَى عِبَادَةِ الْمَلَكِ الْعَلَّامِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا كَانَ أَفْضَلَ وَأَفْضَلَ، وَكَانَ لَهُ ﷺ فِيهِ الْقَدَحُ الْمُعَلَّى، وَحَازَ قَصَبَ السَّبَقِ إِذْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وَزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، بَلْ دِينَهُ انْتَشَرَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَتَغَلْغَلَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاسْتَمَرَّ امْتِدَادُهُ عَلَى وَجْهِ كُلِّ زَمَانٍ، وَزَادَهُ اللَّهُ شَرَفًا عَلَى شَرَفٍ، وَعِزًّا عَلَى عِزٍّ، مَا ذَرَّ شَارِقٌ وَلَمَحَ بَارِقٌ، فَلَهُ الْفَضْلُ بِحَذَافِيرِهِ سَابِقًا وَلَاحِقًا (فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) أَيْ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ بَقِيَّةِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وَنَحْوَ قَوْلِهِ : ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠] عَلَى مَا فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ، فَذِكْرُ النَّاسِ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ تَعْظِيمًا أَوْ تَغْلِيبًا، أَوْ لِأَنَّهُ يَعُمُّهُمْ، فَفِي الْقَامُوسِ: النَّاسُ يَكُونُ مِنَ الْإِنْسِ وَمِنَ الْجِنِّ جَمْعُ إِنْسٍ أَصْلُهُ أُنَاسٌ جَمْعٌ عَزِيزٌ أُدْخِلَ عَلَيْهِ الْ، وَقِيلَ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ لِلنَّتِيجَةِ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ تَعْرِيفَ النَّاسِ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَكَافَّةً: إِمَّا حَالٌ أَوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: تَكْفِي أَنْ يَخْرُجَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْجِنْسِ مِنَ الْإِرْسَالِ وَالْجِنُّ تَبَعٌ لِلنَّاسِ، فَعُلِمَ الْتِزَامًا أَنَّ رِسَالَتَهُ عَمَّتِ الثَّقَلَيْنِ جَمِيعًا.

стр. 8017

٥٧٧٤ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، ﵁، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ حَتَّى اسْتَيْقَنْتَ؟ فَقَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ! أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَعْضِ بَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْأَرْضِ، وَكَانَ الْآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهْوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَزِنْهُ بِرَجُلٍ، فَوُزِنْتُ بِهِ فَوَزَنْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ زِنْهُ بِأَلْفٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَنْتَثِرُونَ عَلَيَّ مِنْ خِفَّةِ الْمِيزَانِ. قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لَرَجَحَهَا» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٥٧٧٤ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁ ، مَنْسُوبٌ إِلَى غِفَارٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ قَبِيلَةٍ مَشْهُورَةٍ (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ حَتَّى اسْتَيْقَنْتَ) ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى غَايَةٌ لِلْعِلْمِ أَيْ كَيْفَ تَدَرَّجْتَ فِي الْعِلْمِ حَتَّى بَلَغَ عِلْمُكَ غَايَتَهُ الَّتِي هِيَ الْيَقِينُ (" فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَعْضِ بَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَوَقَعَ ") أَيْ فَنَزَلَ (" أَحَدُهُمَا إِلَى الْأَرْضِ، وَكَانَ الْآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ") أَيْ وَاقِفًا (" فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ ") الظَّاهِرُ أَنَّهُ النَّازِلُ (" أَهُوَ هُوَ؟ ") وُضِعَ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ هَذَا (" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَزِنْهُ بِرَجُلٍ، فَوُزِنْتُ بِهِ ") بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (" فَوَزَنْتُهُ ") ، عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ أَيْ غَلَبْتُهُ فِي الْوَزْنِ وَرَجَّحْتُهُ (" ثُمَّ قَالَ زِنْهُ بِعَشَرَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ زِنْهُ بِأَلْفٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ") أَيْ إِلَى الْأَلْفِ الْمَوْزُونِ (" يَنْتَثِرُونَ ") أَيْ يَتَسَاقَطُونَ (" عَلَيَّ مِنْ خِفَّةِ الْمِيزَانِ ") أَيْ مِنْ خِفَّةِ تِلْكَ الْكِفَّةِ (" قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ ") أَيْ بِجَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ قَوْمِهِ (" لَرَجَحَهَا ") . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ الْأُمَّةَ كَمَا يَفْتَقِرُونَ فِي مَعْرِفَةِ كَوْنِ النَّبِيِّ صَادِقًا إِلَى إِظْهَارِهِ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ بَعْدَ التَّحَرِّي، كَذَلِكَ النَّبِيُّ يَفْتَقِرُ فِي مَعْرِفَتِهِ كَوْنِهِ نَبِيًّا إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْخَوَارِقِ. قُلْتُ: وَهَذَا أَيْضًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنِ الْإِشْكَالِ الْمَذْكُورِ الْمَشْهُورِ فِي سُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ ﵊: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى (رَوَاهُمَا) أَيْ الْحَدِيثَيْنِ (الدَّارِمِيُّ) .

стр. 8018

٥٧٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وَأُمِرْتُ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِهَا» " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. ــ ٥٧٧٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كُتِبَ ") أَيْ أُوجِبَ (" عَلَيَّ النَّحْرُ ") أَيْ الْأُضْحِيَّةُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ وَجَبَ، وَعَنِيَ بِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] (" وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ ") ، قِيلَ: النَّحْرُ كَانَ وَاجِبًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا لِخَبَرِ: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ: الضُّحَى وَالْأَضْحَى وَالْوَتْرُ» ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ فِي حَدِيثِ: نَزَلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ - فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ - إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١ - ٣] (" «وَأُمِرْتُ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا» ") . قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَحَادِيثِ وُجُوبُ الضُّحَى عَلَيْهِ ﷺ أُمِرْتُ إِلَخْ ضَعِيفَةٌ، وَأَمَّا مَا قِيلَ إِنَّهَا مِنْ خَصَائِصِهِ، فَفِيهِ أَنَّ الَّذِي مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وُجُوبُ أَصْلِ صَلَاتِهَا لَا تِكْرَارُهَا كُلَّ يَوْمٍ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا بِلَفْظِ: " «كُتِبَ عَلَيَّ الْأَضْحَى وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وَأُمِرْتُ بِصَلَاةِ الضُّحَى وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا» " فَأَقَلُّ مَرْتَبَةِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا، وَلَوْلَا ثُبُوتُهُ لَمَا عُدَّتْ مِنْ خَصَائِصِهِ، ثُمَّ الْمُتَبَادِرُ مِنْ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، نَعَمِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «أُمِرْتُ بِالْوِتْرِ وَالْأُضْحَى وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيَّ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أُمِرْتُ بِالْوَتْرِ وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى وَلَمْ يُكْتَبْ» ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ أَنْ أَصْلَهَا وَاجِبٌ، وَاسْتِمْرَارَهَا مُسْتَحَبٌّ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 8019

[بَابُ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَصِفَاتِهِ]

стр. 8020

بَابُ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَصِفَاتِهِ ــ [٢] بَابُ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَصِفَاتِهِ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، فَإِنَّهُ ﷺ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ جَامِدٌ، نَعَمْ لَهُ أَسْمَاءٌ نُقِلَتْ مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الْعَلَمِيَّةِ، كَأَحْمَدَ وَمُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمَا، وَلَهُ صِفَاتٌ بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِهَا مُخْتَصَّةٌ بِهِ أَوِ اشْتَرَكَ فِيهَا غَيْرُهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْمَاءِ هُوَ الْمُغْنِي الْأَعَمُّ مِنْهُمَا، وَبِالصِّفَاتِ الشَّمَائِلِ الَّتِي يَأْتِي بَيَانُهَا ثُمَّ الْقَوَاعِدُ الْمُقَرِّرَةُ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَسْمَاءِ تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ الْمُسَمَّى، فَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ (الْأَحْوَذِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ) عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَلْفَ اسْمٍ، وَلِلنَّبِيِّ ﷺ أَلْفَ اسْمٍ أَيْضًا، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهَا عَلَى التَّفْصِيلِ بِضْعًا وَسِتِّينَ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ: ذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَارِسِ اللُّغَوِيُّ أَنَّ لِنَبِيِّنَا ﷺ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ اسْمًا، وَذَكَرَهَا الطِّيبِيُّ مُفَصَّلًا، وَقَدْ أَفْرَدَ السُّيُوطِيُّ رِسَالَةً سَمَّاهَا: (الْبَهْجَةُ السَّوِيَّةُ فِي الْأَسْمَاءِ النَّبَوِيَّةِ) وَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى بِضْعَةٍ وَخَمْسِمِائَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ، وَلَخَّصْتُهَا بِإِخْرَاجِ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ اسْمًا مِنْ صِفَاتِهِ الْعُلْيَا عَلَى طِبْقِ عَدَدِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، وَالْآنَ أَقْتَصِرُ عَلَى مَا يَرِدُ فِي الْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ مِمَّا لِلْمَقْصُودِ هِيَ الشَّافِيَةُ وَالْوَافِيَةُ وَالْكَافِيَةُ.

стр. 8021

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٧٧٦ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٧٧٦ - (عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " إِنَّ لِي أَسْمَاءً ") أَيْ كَثِيرَةً عَظِيمَةً شَهِيرَةً (" أَنَا مُحَمَّدٌ ") ، فَقِيلَ: هُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ التَّحْمِيدِ، وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْحَمْدِ، يُقَالُ: حَمَدْتُ فُلَانًا أَحْمَدُهُ إِذَا أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِجَلَائِلِ خِصَالِهِ، وَأَحْمَدْتُهُ إِذَا وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا، أَوْ يُقَالُ: هَذَا الرَّجُلُ مَحْمُودٌ، فَإِذَا بَلَغَ النِّهَايَةَ فِي ذَلِكَ وَتَكَامَلَتْ فِيهِ الْمَحَاسِنُ وَالْمَنَاقِبُ، فَهُوَ مُحَمَّدٌ. قَالَ الْأَعْشَى يَمْدَحُ بَعْضَ الْمُلُوكِ: إِلَى الْمَاجِدِ الْفَرْعِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ أَرَادَ الَّذِي تَكَامَلَتْ فِيهِ الْخِصَالُ الْمَحْمُودَةُ، وَهَذَا الْبِنَاءُ أَبَدًا يَدُلُّ عَلَى بُلُوغِ النِّهَايَةِ، كَمَا تَقُولُ فِي الْحَمْدِ مُحَمَّدٌ، وَفِي الذَّمِّ مُذَمَّمٌ، وَقِيلَ: هَذَا الْبِنَاءُ لِلتَّكْثِيرِ نَحْوَ: فَتَحْتُ الْبَابَ فَهُوَ مَفْتُوحٌ إِذَا فَعَلْتُ بِهِ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَمُحَمَّدٌ اسْمٌ مَنْقُولٌ عَلَى سَبِيلِ التَّفَاؤُلِ أَنَّهُ سَيَكْثُرُ حَمْدُهُ، أَقُولُ: وَقَدْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ مَا أُضْمِرَ فِي الْبَاقِي، وَسَيَحْمَدُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ تَحْتَ اللِّوَاءِ الْمَمْدُودِ (" وَأَنَا أَحْمَدُ ") أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْحَمْدِ قُطِعَ مُتَعَلِّقُهُ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ أَحْمَدُ مِنْ كُلِّ حَامِدٍ، أَوْ مَحْمُودٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لِلْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى يُلْهِمُهُ الْمَحَامِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يُلْهِمْهَا أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَالْآخِرِينَ، فَهُوَ جَامِعٌ بَيْنَ الْحَامِدِيَّةِ وَالْمَحْمُودِيَّةِ كَمَا جَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالْمَحْبُوبِيَّةِ وَالْمُرِيدِيَّةِ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى بَعْضِ النِّكَاتِ الصُّوفِيَّةِ مِمَّا هُوَ مِنَ الْمَشَارِبِ الصَّفِيَّةِ فِي رِسَالَتِي الْمُسَمَّاةِ بِالصَّلَوَاتِ الْعُلْوِيَّةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، هَذَا وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَمِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ قَبْلَهُ أَحَدٌ بِاسْمِهِ صِيَانَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِهَذَا الِاسْمِ، كَمَا فَعَلَ بِيَحْيَى إِذْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيَّا، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَبَشَّرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، فَلَوْ جُعِلَ الِاسْمُ مُشْتَرَكًا بِهِ شَاعَتِ الدَّوَاعِي، وَوَقَعَتِ الشُّبْهَةُ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَرُبَ زَمَنُهُ، وَبَشَّرَ أَهْلُ الْكِتَابِ بِقُرْبِهِ سَمُّوا أَوْلَادَهُمْ بِذَلِكَ، (" «وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ» ") ، لِأَنَّهُ ﷺ بُعِثَ وَالدُّنْيَا مُظْلِمَةٌ بِغَيَابَةِ الْكُفْرِ، فَأَتَى ﷺ بِالنُّورِ السَّاطِعِ حَتَّى مَحَا الْكُفْرَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الظُّهُورُ بِالْحُجَّةِ وَالْغَلَبَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مُفَسَّرًا بِالَّذِي مُحِيَتْ بِهِ سَيِّئَاتُ مَنْ تَبِعَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] " وَأَنَا الْحَاشِرُ ") أَيْ ذُو الْحَشْرِ (" الَّذِي يُحْشَرُ) أَيْ يُجْمَعُ (" النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ ") بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيفِ أَيْ عَلَى أَثَرِي قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطُوهُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى الْإِفْرَادِ وَتَشْدِيدِهَا عَلَى التَّثْنِيَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ. وَالظَّاهِرُ عَلَى قَدَمَيْهِ اعْتِبَارًا لِلْمَوْصُولِ إِلَّا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ لِلَفْظَةِ أَنَا، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَيْ يُحْشَرُ أَوَّلُ النَّاسِ لِقَوْلِهِ: " «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ» ". وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ عَلَى أَثَرِي وَزَمَانِ نُبُوَّتِي، وَلَيْسَ بَعْدِي نَبِيٌّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنَ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي حَشْرِ النَّاسِ، لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يُحْشَرُوا مَا لَمْ يُحْشَرْ (" وَأَنَا الْعَاقِبُ " وَالْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لِلصَّحَابِيِّ أَوْ مَنْ بَعْدَهُ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْعَاقِبُ الَّذِي يَخْلُفُ فِي الْخَيْرِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: عَقِبُ الرَّجُلِ لِوَلَدِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8022

٥٧٧٧ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً، فَقَالَ: " أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٧٧٧ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً، فَقَالَ: " أَنَا مُحَمَّدٌ أَنَا أَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي» ") ، بِكَسْرِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ أَيْ الْمُتَّبَعِ مِنْ قَفَا أَثَرِهِ إِذَا تَبِعَهُ يَعْنِي أَنَّهُ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ الْآتِي عَلَى أَثَرِهِمْ، لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: الْمُتَّبِعُ لِآثَارِهِمِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وَفِي مَعْنَاهُ الْعَاقِبُ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ بِفَتْحِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ لِأَنَّهُ قُفِّيَ بِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: هُوَ عَلَى صِيغَةِ الْفَاعِلِ وَهُوَ الْمُوَلِّي الذَّاهِبُ، يُقَالُ: قَفَّى عَلَيْهِ أَيْ ذَهَبَ بِهِ، فَكَانَ الْمَعْنَى هُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا قَفَّى فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، فَمَعْنَى الْمُقَفِّي وَالْعَاقِبِ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ تَبِعَ الْأَنْبِيَاءَ، أَوْ هُوَ الْمُقَفِّي لِأَنَّهُ الْمُتَّبِعُ لِلنَّبِيِّينَ، وَكُلُّ شَيْءٍ تَبِعَ شَيْئًا فَقَدْ قَفَّاهُ، يُقَالُ: هُوَ يَقْفُو أَثَرَ فُلَانٍ أَيْ يَتْبَعُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا﴾ [الحديد: ٢٧] هَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَفِّي بِفَتْحِ الْقَافِ، وَيَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الْقَفْيِ، وَالْقَفِيُّ الْكَرِيمُ وَالضَّيْفُ وَالْقَفَاوَةُ الْبِرُّ وَاللُّطْفُ، فَكَأَنَّهُ سُمِّيَ الْمُقَفِّيَ لِكَرَمِهِ وَجُودِهِ وَفَضْلِهِ، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَأَوْضَحُ أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ الثَّانِيَ لَا وَجْهَ لَهُ، بَلْ هُوَ تَصْحِيفٌ لِمُخَالَفَتِهِ أُصُولَ الْمِشْكَاةِ وَالشَّمَائِلِ وَالشِّفَاءِ، (" وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ ") ، لِأَنَّهُ تَوَّابٌ كَثِيرُ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ ﷺ : " «إِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً أَوْ مِائَةَ مَرَّةٍ» "، أَوْ لِأَنَّهُ قُبِلَ مِنْ أُمَّتِهِ التَّوْبَةُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِغْفَارِ بِخِلَافِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى مُخْتَصًّا بِهِ سُمِّيَ نَبِيُّ التَّوْبَةِ (" وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ ") . قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وَقَالَ ﷺ : " إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ " وَالرَّحْمَةُ الْعَطْفُ وَالرَّأْفَةُ وَالْإِشْفَاقُ، لِأَنَّهُ ﷺ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَلِذَا كَانَتْ أُمَّتُهُ أُمَّةً مَرْحُومَةً، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا يَرْحَمُ إِلَّا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ عَنْهُمَا، وَلَكِنْ بِلَفْظِ الْمَرْحَمَةِ ثُمَّ قَالَ: وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ.

стр. 8023

٥٧٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؟ يَشْتُمُونَ مُذَمَّمًا، وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٧٧٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ» ") . أَيْ: ذَمَّهُمْ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ الصَّرْفِ مُسْتَأْنِفًا بِقَوْلِهِ: (" يَشْتِمُونَ ") : بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ: يَسُبُّونَ (" مُذَمَّمًا، وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ ") أَيْ: لَا مُذَمَّمَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ أَوْصَافُ الْمُذَمَّمِ، وَأَنَا بِحَمْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ، وَقِيلَ: كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِمُذَمَّمٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ أَوْصَافُ الْمُذَمَّمِ، وَأَنَا بِحَمْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ بِذَلِكَ تَعْرِيضَهُمْ إِيَّاهُ بِمَذَمَّمٍ مَكَانَ مُحَمَّدٍ، وَكَانَتِ الْعَوْرَاءُ بِنْتُ حَرْبٍ زَوْجَةُ أَبِي لَهَبٍ تَقُولُ: مُذَمَّمًا قَلَيْنَا ... وَدِينَهُ أَبَيْنَا وَأَمْرَهُ عَصَيْنَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)

стр. 8024

٥٧٧٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَكَانَ إِذَا ادَّهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ، وَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟ قَالَ: لَا بَلْ كَانَ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيرًا، وَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ عِنْدَ كَتِفِهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ يُشْبِهُ جَسَدَهُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٧٧٩ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ شَمِطَ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: شَابَ (مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ) : فَفِي الْمُغْرِبِ شَمِطَ بِالْكَسْرِ إِذَا ابْيَضَّ شَعْرُ رَأْسِهِ يُخَالِطُ سَوَادَهُ، وَالْوَصْفُ أَشْمَطُ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ دُومُويْ، فَالْمَعْنَى ظَهَرَ الشَّيْبُ فِي شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ (وَكَانَ) أَيْ: هُوَ أَوْ شَيْبُهُ (إِذَا ادَّهَنَ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: اسْتَعْمَلَ الدُّهْنَ (لَمْ يَتَبَيَّنْ) ، أَيْ: لَمْ يَظْهَرِ الشَّيْبُ (وَإِذَا شَعِثَ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: تَفَرَّقَ (رَأْسُهُ) أَيْ: شَعْرُهُ تَبَيَّنَ) ، أَيْ: ظَهَرَ بَعْضُ الشَّيْبِ قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ الِادِّهَانِ يَجْمَعُ شَعْرَ رَأْسِهِ وَيَضُمُّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَتِ الشُّعَيْرَاتُ الْبِيضُ مِنْ قِلَّتِهَا لَا تَتَبَيَّنُ، فَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ. أَقُولُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ شَعَثَ الرَّأْسِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِادِّهَانِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ «عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَيْضًا، سُئِلَ عَنْ شَيْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: كَانَ إِذَا ادَّهِنَ رَأْسُهُ لَمْ يُرَ مِنْهُ شَيْبٌ، فَإِنْ لَمْ يَدَّهِنْ رُئِيَ مِنْهُ» ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إِنَّمَا كَانَ شَيْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ» . (وَكَانَ كَثِيرَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ) ، أَيْ: كَثِيفَهَا لَا خَفِيفَهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَوْسَجًا (فَقَالَ رَجُلٌ: وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ) ؟ يَعْنِي فِي الْبَرِيقِ وَاللَّمَعَانِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ يُوهِمُ الطُّولَ أَيْضًا (قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ (لَا بَلْ كَانَ) أَيْ: وَجْهُهُ (مِثْلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ) ، أَيْ: فِي قُوَّةِ الضِّيَاءِ وَكَثْرَةِ النُّورِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ مُقَدَّرًا، فَالتَّقْدِيرُ: وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟ فَقَالَ: لَا، إِلَخْ. ثُمَّ قَالَ تَتْمِيمًا لِلْمَبْنَى وَتَعْمِيمًا لِلْمَعْنَى (وَكَانَ) أَيْ: وَجْهُهُ (مُسْتَدِيرًا) أَيْ: مَائِلًا إِلَى التَّدْوِيرِ، إِذْ وَرَدَ فِي شَمَائِلِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُكَلْثَمَ الْوَجْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَوَاهُ الرَّاوِي رَدًّا بَلِيغًا حَيْثُ شَبَّهَهُ بِالسَّيْفِ الصَّقِيلِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الْوَجْهُ شَامِلًا لِلطَّرَفَيْنِ، قَاصِرًا عَنْ تَمَامِ الْمُرَادِ مِنْ الِاسْتِدَارَةِ وَالْإِشْرَاقِ الْكَامِلِ وَالْمَلَاحَةِ. قَالَ: لَا بَلْ كَانَ مِثْلَ الشَّمْسِ فِي نِهَايَةِ الْإِشْرَاقِ وَالْقَمَرِ فِي الْحُسْنِ وَالْمَلَاحَةِ، وَلَمَّا لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الِاسْتِدَارَةُ عُرْفًا قَالَ: وَكَانَ مُسْتَدِيرًا بَيَانًا لِلْمُرَادِ فِيهِمَا. (وَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَيُكْسَرُ؟ ، خَاتَمُ النُّبُوَّةِ (عِنْدَ كَتِفِهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ) أَيْ: مُدَوَّرًا (يُشْبِهُ) أَيْ: لَوْنُهُ (جَسَدَهُ) . أَيْ: لَوْنَ سَائِرِ أَعْضَائِهِ، وَالْمَعْنَى لَمْ يُخَالِفْ لَوْنُهُ بَشْرَتَهُ، وَفِيهِ نَفْيُ الْبَرَصِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَفِي الْجَامِعِ: مَكَانُ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ فِي ظَهْرِهِ، بَضْعَةٌ نَاشِزَةٌ أَيْ: قِطْعَةُ لَحْمٍ مُرْتَفِعَةٌ عَنِ الْجِسْمِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «كَانَ خَاتَمُهُ غُدَّةً حَمْرَاءَ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ» ، وَقَدْ جَمَعْتُ غَالِبَ طُرُقِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، وَبَيَّنْتُ مَبَانِيهِ، وَأَوْضَحْتُ مَعَانِيهِ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ.

стр. 8025

٥٧٨٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجَسَ، ﵁، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا - أَوْ قَالَ: ثَرِيدًا - ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، جُمْعًا، عَلَيْهِ خِيلَانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٧٨٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ) : بِالسِّينَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا جِيمٌ بِوَزْنِ نَرْجِسٍ، كَذَا فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِلْمُؤَلِّفِ، وَنَرْجِسٌ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ بِكَسْرِ النُّونِ، وَفَتْحُهَا مَعْرُوفٌ، ذَكَرَهُ فِي ر. ج. س، فَالنُّونُ زَائِدَةٌ فَيُفِيدُ كَوْنَهُ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي بَعْضِهَا مِنْ فَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مَصْرُوفًا، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِمَا فِي الْمَعْنَى، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَمَا رَأَيْتُ لَهُ وَجْهًا. (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا - أَوْ قَالَ ثَرِيدًا) : شَكٌّ فِي اللَّفْظِ وَاتِّحَادٌ فِي الْمَعْنَى، أَوِ اخْتِلَافٌ فِي الْمُرَادِ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ الثَّرِيدُ مِنَ الْخُبْزِ» ، وَالثَّرِيدُ مِنَ الْحَيْسِ. (ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى) ، بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ الْأُولَى أَعْلَى الْكَتِفِ، وَقِيلَ: عَظْمٌ رَقِيقٌ عَلَى طَرَفِهَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ شَارِحٌ: النَّاغِضُ الْغُضْرُوفِ هُوَ مَا لَانَ مِنَ الْعَظْمِ، وَقِيلَ: أَصْلُ الْعُنُقِ، وَقِيلَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْكَتِفِ وَهُوَ أَعْلَاهُ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ أَنَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ أَنَّهُ وَجَدَهُ كَذَلِكَ، وَالْقَوْلُ الْمَشْهُورُ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّفَاوُتِ مِنْ إِحْدَى الْجَانِبَيْنِ، أَوْ كَانَ عَلَى

стр. 8026

السَّوَاءِ، وَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ إِلَى الْيُسْرَى أَقْرَبُ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي مَنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ عِنْدَ كَتِفِهِ الْيُمْنَى (جُمْعًا) : بِضَمِّ الْجِيمِ، فَفِي النِّهَايَةِ الْجُمْعُ: هُوَ أَنْ تَجْمَعَ الْأَصَابِعَ وَتَضُمَّهَا يُقَالُ: ضَرَبَهُ بِجُمْعِ كَفِّهِ بِضَمِّ الْجِيمِ اه. وَأَمَّا ضَمُّ الْمِيمِ فَغَلَطٌ مِنَ الرَّاوِي، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَفِي الْمَصَابِيحِ جَمِيعًا أَيْ: مَجْمُوعًا. قَالَ الْإِمَامُ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنِّي لَا أُحَقِّقُهُ فِي رِوَايَةٍ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ غَلَطٌ مِنَ الْكَاتِبِ، وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ مِثْلُ الْجُمْعِ بِضَمِّ الْجِيمِ، وَهُوَ الْكَفُّ حِينَ تَقْبِضُهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ كَالْكَفِّ، وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى: جُمْعًا أَيْ: كَجُمْعٍ فَنَصْبُهُ بِنَزْعِ الْخَافِضِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْجِيمِ فَنَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ، أَيْ: نَظَرْتُ إِلَيْهِ مَجْمُوعًا أَيْ: مُجْتَمِعًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ هُنَا الْهَيْئَةُ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ: مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامِ. (عَلَيْهِ، خِلَّانٌ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ خَالٍ، وَهِيَ نُقْطَةٌ تَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ الشَّامَةُ فِي الْجَسَدِ (كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ) . بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى، جَمْعُ ثُؤْلُولٍ بِضَمِّ الثَّاءِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ خُرَّاجٌ صَلْبٌ يَخْرُجُ عَلَى الْجَسَدِ لَهُ نُتُوٌّ وَاسْتِدَارَةٌ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ هَذِهِ الْحَبَّةُ الَّتِي تَظْهَرُ فِي الْجَسَدِ مِثْلَ الْحِمَّصَةِ فَمَا دُونَهَا، وَبِالْفَارِسِيَّةِ زَخْ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8027

٥٧٨١ - وَعَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، ﵂، قَالَتْ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ، فَقَالَ: (ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ) فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَلُ، فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ، فَأَلْبَسَهَا. قَالَ: (أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي) وَكَانَ فِيهَا عَلَمٌ أَخْضَرُ أَوْ أَصْفَرُ. فَقَالَ: (يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سِنَاهْ) وَهِيَ بِالْحَبَشَةِ: حَسَنَةٌ. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (دَعْهَا» ) : رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٧٨١ - (وَعَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ) ، قِيلَ: أَسْلَمَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ فَهُوَ ثَالِثٌ أَوْ رَابِعٌ فِي الْإِسْلَامِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ابْنُ الْعَاصِ الْأُمَوِيَّةِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ بِكُنْيَتِهَا، وُلِدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقُدِمَ بِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ وَهِيَ صَغِيرَةٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، رَوَى عَنْهَا نَفَرٌ. (قَالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: جِيءَ (بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ) أَيْ: فِي جُمْلَتِهَا كِسَاءٌ أَسْوَدُ مُرَبَّعٌ لَهُ عَلَمَانِ ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ فَقَوْلُهُ: (سَوْدَاءُ) : تَأْكِيدٌ أَوْ تَجْرِيدٌ (صَغِيرَةٌ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ) أَيْ: بِأُمِّ خَالِدٍ (تُحْمَلُ) ، حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي بِهَا أَيْ: مَحْمُولَةٌ لِأَنَّهَا طِفْلٌ (فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ، فَأَلْبَسَهَا) . لَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ مِنَ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى أَوْ الِالْتِفَاتِ فِي الْمَبْنَى (قَالَ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (أَبْلِي) : أَمْرُ مُخَاطَبَةٍ لَهَا مِنَ الْإِبْلَاءِ وَهُوَ جَعْلُ الثَّوْبِ خَلَقًا (وَأَخْلِقِي) : مِنَ الْإِخْلَاقِ بِمَعْنَاهُ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْكِيدِ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الدُّعَاءُ فَقَوْلُهُ: (ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي) : زِيَادَةُ مُبَالَغَةٍ فِي الدُّعَاءِ لَهَا بِطُولِ عُمُرِهَا، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَخْلِقِي بِالْقَافِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ. وَرُوِيَ بِالْفَاءِ فَهُوَ تَأْسِيسٌ لَا تَأْكِيدٌ لَفْظًا، وَإِنْ كَانَ يَئُولُ إِلَيْهِ مَعْنًى أَيْ: وَأَخْلِفِي ثَوْبًا بَعْدَ ثَوْبٍ، فَإِنَّ الْإِخْلَافَ غَالِبًا لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْإِخْلَاقِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، أَنَّهُ ﷺ إِذَا رَأَى عَلَى صَاحِبِهِ ثَوْبًا جَدِيدًا قَالَ لَهُ: تُبْلِي وَيُخْلِفُ اللَّهُ. وَفِي الْحِصْنِ: أَبْلِ وَأَخْلِقْ ثُمَّ أَبْلِ وَأَخْلِقْ ثُمَّ أَبْلِ وَأَخْلِقْ، فَذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَعَلَّهُ نُقِلَ بِالْمَعْنَى، أَوْ وَقَعَ خِطَابُهُ ﷺ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ غَيْرِهَا بِهَذَا الدُّعَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَكَانَ فِيهَا) أَيْ: فِي الْخَمِيصَةِ (عَلَمٌ أَخْضَرُ أَوْ أَصْفَرُ فَقَالَ: " يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا ") أَيْ: الْعَلَمُ أَوْ هَذَا الثَّوْبُ ((سَنَاهْ)) أَيْ: حَسَنٌ وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَنُونٌ فَأَلِفٌ فَهَاءُ السَّكْتِ، وَفِي نُسْخَةٍ السِّينُ، وَرُوِيَ: سَنَهْ بِلَا أَلْفٍ وَنُونٍ خَفِيفَةٍ، وَرُوِيَ بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ، وَهِيَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ إِلَّا الْفَارِسِيَّ فَإِنَّهُ يَكْسِرُهَا (وَهِيَ) أَيْ: كَلِمَةُ سَنَاهْ (بِالْحَبَشِيَّةِ) أَيْ: بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ (حَسَنَةٌ) . أَنَّثَهَا بِاعْتِبَارِ تَأْنِيثِ مُبْتَدَئِهِ، وَهُوَ هِيَ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ أُمِّ خَالِدٍ أَوْ تَفْسِيرٌ مِنْ غَيْرِهَا. (قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي) ، أَيْ: صَاحَ عَلَيَّ وَزَجَرَنِي وَهَدَّدَنِي وَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعْهَا) . أَيْ: لِتَتَبَرَّكَ بِالْخَاتَمِ أَيْضًا، كَمَا تَبَرَّكَتْ بِإِلْبَاسِ الْخِلْعَةِ الشَّرِيفَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ حِلْمِهِ وَكَرَمِهِ وَحُسْنِ عِشْرَتِهِ مَعَ صَحَابَتِهِ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ الصَّمَدَانِيُّ شِهَابُ الدِّينِ السَّهْرَوَرْدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ فِي عَوَارِفِهِ إِلَى أَنَّ اسْتِنَادَ الْمَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ فِي لُبْسِ الْخِرْقَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ. أَقُولُ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِلْبَاسَ خِرْقَةِ التَّبَرُّكِ دُونَ إِلْبَاسِ خِرْقَةِ الْإِجَازَةِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ.

стр. 8028

٥٧٨٢ - وَعَنْ أَنَسٍ، ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ، وَلَا بِالْآدَمِ، وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلَا بِالسَّبْطِ، بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ» وَفِي رِوَايَةٍ يَصِفُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «كَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ» . وَقَالَ: كَانَ «شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، قَالَ «كَانَ ضَخْمَ الرَّأْسِ وَالْقَدَمَيْنِ، لَمْ أَرَ بَعْدَهُ وَلَا قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَكَانَ سَبْطَ الْكَفَّيْنِ» وَفِي أُخْرَى لَهُ، قَالَ: كَانَ شَثْنَ الْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ. ــ ٥٧٨٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ) ، أَيْ: الْبَاعِدِ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ، وَالْمُفْرِطِ طُولًا الَّذِي يُعَدُّ مِنْ قَدْرِ الرِّجَالِ الطِّوَالِ، أَوِ الظَّاهِرُ الْبَيِّنُ طُولُهُ مِنْ بَانَ إِذَا بَعُدَ أَوْ ظَهَرَ (وَلَا بِالْقَصِيرِ) ، أَيْ: الْمُتَرَدِّدِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَدِلَ الْقَامَةِ، لَكِنْ إِلَى الطُّولِ أَمْيَلُ، فَإِنَّ النَّفْيَ انْصَبَّ إِلَى قَيْدِ وَصْفِ الْبَائِنِ، فَثَبَتَ أَصْلُ الطُّولِ وَنَوْعٌ مِنْهُ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطُّولِ الْبَائِنِ قَصِيرٌ، وَلِذَا قُيِّدَ نَفْيُ الْقَصِيرِ بِالْمُتَرَدِّدِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ رَبْعَةٌ إِلَى الطُّولِ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، وَإِلَّا فَمَا مَاشَاهُ طَوِيلٌ إِلَّا غَلَبَهُ ﷺ فِي الطُّولِ، (وَلَيْسَ بِالْأَبْيَضِ الْأَمْهَقِ) ، أَيْ: الَّذِي بَيَاضُهُ خَالِصٌ لَا يَشُوبُهُ حُمْرَةٌ وَلَا غَيْرُهَا، كَلَوْنِ الثَّلْجِ وَالْبَرَصِ وَاللَّبَنِ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ نَيِّرَ الْبَيَاضِ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ بَيَاضُهُ مَشُوبًا بِالْحُمْرَةِ، وَهُوَ أَحْسَنُ أَنْوَاعِ الْأَلْوَانِ الْمُسْتَحْسَنَةِ عِنْدَ الطِّبَاعِ الْمَوْزُونَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَا بِالْآدَمِ) ، أَيْ: الشَّدِيدِ السُّمْرَةِ (وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ) ، بِفَتْحَتَيْنِ وَتُكْسَرُ الثَّانِيَةُ أَيْ: الشَّدِيدُ الْجُعُودَةِ كَشُعُورِ الْحَبَشِ (وَلَا بِالسَّبْطِ) ، بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِهَا، وَهُوَ مِنَ السُّبُوطَةِ ضِدُّ الْجُعُودَةِ وَهُوَ الشَّعْرُ الْمُنْبَسِطُ الْمُسْتَرْسِلُ كَمَا فِي غَالِبِ شُعُورِ الْأَعَاجِمِ، فَفِي الْقَامُوسِ: السَّبْطُ وَيُحَرَّكُ وَكَكَتِفٍ نَقِيضُ الْجُعُودَةِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ شَعْرَهُ ﷺ كَانَ وَسَطًا بَيْنَهُمَا (بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً) : الْمَشْهُورُ أَنَّهُ ﷺ بُعِثَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَالْمُرَادُ بِالرَّأْسِ آخِرُ السَّنَةِ كَمَا فِي قَوْلِ الْقُرَّاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّ رُءُوسَ الْآيِ أَوَاخِرُهَا سَوَاءٌ أُرِيدَ بِلَفْظِ الْأَرْبَعِينَ السَّنَةَ الَّتِي تَنْضَمُّ إِلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ، أَوْ مَجْمُوعَ السِّنِينِ مِنْ أَوَّلِ الْوِلَادَةِ إِلَى اسْتِكْمَالِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، هَذَا وَقَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ: أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَثَرِ أَنَّهُ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ". (فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ) ، أَيْ: عَلَى خِلَافٍ فِي ثَلَاثٍ، وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ أَنَّ عُمُرَهُ ﷺ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ، فَمَنْ قَالَ سِتِّينَ أَلْغَى الْكَسْرَ، وَمَنْ قَالَ خَمْسًا وَسِتِّينَ أَدْخَلَ سَنَةَ الْوِلَادَةِ وَالْوَفَاةِ، ثُمَّ الْعَشْرُ بِسُكُونِ الشِّينِ، وَأَمَّا مَا ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِفَتْحِهَا أَيْضًا فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ. (وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينٍ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً وَلَيْسَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ عِنْدَ وَفَاتِهِ (فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً) : بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَيُفْتَحُ (بَيْضَاءَ) . يَعْنِي بَلْ مَا عَدَدْتُ فِيهَا إِلَّا أَرْبَعَ عَشَرَةَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَفِي رِوَايَةٍ يَصِفُ) أَيْ: يَنْعَتُ أَنَسٌ (النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كَانَ رَبْعَةً) : بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَقَدْ تُفْتَحُ (مِنَ الْقَوْمِ) : يُقَالُ: رَجُلٌ رَبْعَةٌ وَمَرْبُوعٌ إِذَا كَانَ بَيْنَ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ فَقَوْلُهُ: (لَيْسَ بِالطَّوِيلِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ) ، تَفْسِيرٌ وَبَيَانٌ لَهُ (أَزْهَرَ اللَّوْنِ) . خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِكَانَ أَيْ نَيِّرَ اللَّوْنِ وَحَسَنَهُ، وَهُوَ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ نَقْلًا عَنِ الْقَاضِي: الْأَزْهَرُ الْأَبْيَضُ الْمُسْتَنِيرُ، وَالزَّهْرُ وَالزَّهْرَةُ الْبَيَاضُ النَّيِّرُ، وَهُوَ أَحْسَنُ الْأَلْوَانِ. (وَقَالَ) أَيْ: أَنَسٌ (كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ (إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ) . بِضَمِّ: الذَّالِ وَيُسَكَّنُ. (وَفِي رِوَايَةٍ: بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، قَالَ: كَانَ ضَخْمَ الرَّأْسِ) أَيْ: عَظِيمَهُ وَهُوَ مَمْدُوحٌ عِنْدَ الْعَرَبِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى عَظَمَةِ صَاحِبِهِ وَسَعَادَتِهِ، وَإِشَارَتِهِ، إِلَى كَمَالِ رِيَاسَتِهِ وَسِيَادَتِهِ (وَالْقَدَمَيْنِ) : لِلْإِيمَاءِ إِلَى الشَّجَاعَةِ وَالثَّبَاتِ وَالْقُوَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ (لَمْ أَرَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ شُهُودِهِ (وَلَا قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ وُجُودِهِ (مِثْلَهُ) أَيْ: مُمَاثِلًا وَمُسَاوِيًا لَهُ فِي جَمِيعِ مَرَاتِبِ الْكَمَالِ خَلْقًا فِي الْأَحْوَالِ، وَهَذَا فَذْلَكَةٌ شَاهِدَةٌ لِعَجْزِهِ عَنْ مَرَاتِبِ وَصْفِهِ وَمَنَاقِبِ نَعْتِهِ، (وَكَانَ سَبْطَ الْكَفَّيْنِ) . أَيْ: غَلِيظَهُمَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي أَنَّهُمَا إِلَى الْغِلَظِ وَالْقِصَرِ أَمْيَلُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الَّذِي فِي أَنَامِلِهِ غِلَظٌ بِلَا قِصَرٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْجُودِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ لِلْبَخِيلِ: جَعْدُ الْكَفِّ، وَفِي ضِدِّهِ سَبْطُ الْكَفِّ. (وَفِي أُخْرَى لَهُ) ، أَيْ: لِلْبُخَارِيِّ (قَالَ: كَانَ شَثْنَ الْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ) . بِسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ: غَلِيظَ الْأَطْرَافِ مِنْ شَثُنَ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ إِذَا غَلُظَ، وَيُحْمَدُ ذَلِكَ فِي الرِّجَالِ لِأَنَّهُ أَشَدُّ لِقَبْضِهِمْ، وَأَدَلُّ عَلَى قُوَّتِهِمْ، وَيُذَمُّ فِي النِّسَاءِ لِفَوَاتِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُنَّ وَهُوَ الرِّعَايَةُ، ثُمَّ الْمُرَادُ غِلَظُ الْعُضْوِ فِي الْخِلْقَةِ لَا خُشُونَةُ الْجِلْدِ، لِمَا صَحَّ عَنْ أَنَسٍ: «مَا مَسَسْتُ دِيبَاجَةً وَلَا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » .

стр. 8029

٥٧٨٣ - وَعَنِ الْبَرَّاءِ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعْرٌ بَلَغَ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَعْرُهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدٌ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ» . ــ ٥٧٨٣ - (وَعَنِ الْبَرَّاءِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرْبُوعًا) ، أَيْ: قَرِيبًا مِنْهُ، وَإِلَّا فَهُوَ أَطْوَلُ مِنْهُ (بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ) رُوِيَ مُكَبَّرًا وَمُصَغَّرًا، وَرُوِيَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ ثَانٍ لِكَانَ، وَمَرْفُوعًا عَلَى حَذْفِ الْمُبْتَدَأِ (لَهُ شَعْرٌ بَلَغَ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ) ، أَيْ: وَصَلَهَا. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: كَانَ شَعْرُهُ دُونَ الْجُمَّةِ وَفَوْقَ الْوَفْرَةِ، وَالْجُمَّةِ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ: مَا سَقَطَ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَالْوَفْرَةُ: شَعْرُ الرَّأْسِ إِذَا وَصَلَ إِلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ، وَلَعَلَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْحَالَاتِ. (رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ) ، أَيْ: فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ ثَوْبَيْنِ مِنَ الْيَمَنِ فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ وَخُضْرٌ، لَا أَنَّهُ أَحْمَرُ بَحْتٌ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هِيَ ثِيَابٌ ذَاتُ خُطُوطٍ. قَالَ مِيرَكُ: فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ بِجَوَازِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ. أَقُولُ: وَلَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَلَا دَلَالَةَ أَيْضًا إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاخْتِصَاصِ، أَوْ قَبْلَ النَّهْيِ، أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَيُفِيدُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحُمْرَةِ لِلْكَرَاهَةِ لَا لِلْحُرْمَةِ. (لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ) . وَهُوَ أَيْضًا يُفِيدُ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ عُرْفًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَكَذَا لِلثَّلَاثَةِ (قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ) : بِكَسْرٍ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ. فِي النِّهَايَةِ: اللِّمَّةُ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ دُونَ الْجُمَّةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَلَمَّتْ بِالْمَنْكِبَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ فَهِيَ الْجُمَّةُ. (أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَعْرُهُ يَضْرِبُ) أَيْ: يَصِلُ (مَنْكِبَيْهِ، بِعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ) بِالرَّفْعِ (لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ) أَيْ: الْمَعْيُوبَيْنِ.

стр. 8030

٥٧٨٤ - وَعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَلِيعَ الْفَمِ، أَشْكَلَ الْعَيْنَيْنِ، مَنْهُوشَ الْعَقِبَيْنِ. قِيلَ لَسِمَاكٍ: مَا ضَلِيعُ الْفَمِ؟ قَالَ: عَظِيمُ الْفَمِ قِيلَ: مَا أَشْكَلُ الْعَيْنَيْنِ؟ قَالَ: طَوِيلُ شَقِّ الْعَيْنِ. قِيلَ: مَا مَنْهُوشُ الْعَقِبَيْنِ؟ قَالَ: قِيلَ لَحْمُ الْعَقِبِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٧٨٤ - (وَعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ) : بِكَسْرِ السِّينِ، تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ كُوفِيٌّ، قَالَ: أَدْرَكْتُ ثَمَانِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَلِيعَ الْفَمِ) . أَيْ: وَسِيعَهُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ غَايَةِ الْفَصَاحَةِ وَنِهَايَةِ الْبَلَاغَةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ: عَظِيمَهُ هَكَذَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. قَالُوا: وَالْعَرَبُ تَمْدَحُ بِذَلِكَ وَتَذُمُّ صِغَرَ الْفَمِ. (أَشْكَلَ الْعَيْنَيْنِ) ، الْأَشْكَلُ: عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ مَا فِيهِ حُمْرَةٌ وَبَيَاضٌ مُخْتَلِطَةٌ، أَوْ مَا فِيهِ بَيَاضٌ يَضْرِبُ إِلَى حُمْرَةٍ (مَنْهُوشَ الْعَقِبَيْنِ) . بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: مُفَرَّقَهُمَا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ فِي الْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ (قِيلَ لِسِمَاكٍ: مَا ضَلِيعُ الْفَمِ؟ قَالَ: عَظِيمُ الْفَمِ) . فِي الْقَامُوسِ: رَجُلٌ ضَلِيعُ الْفَمِ أَيْ: عَظِيمُهُ أَوْ وَاسِعُهُ، أَوْ عَظِيمُ الْأَسْنَانِ مُتَرَاصِفُهَا، وَالْعَرَبُ تَحْمَدُ سَعَةَ الْفَمِ وَتَذُمُّ صِغَرَهُ. (قِيلَ: مَا أَشْكَلُ الْعَيْنَيْنِ؟ قَالَ: طَوِيلُ شَقِّ الْعَيْنِ) بِفَتْحِ الشِّينِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: تَفْسِيرُ سِمَاكٍ " أَشْكَلُ الْعَيْنَيْنِ " وَهْمٌ مِنْهُ وَغَلَطٌ ظَاهِرٌ، وَصَوَابُهُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، وَنَقَلَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَجَمِيعُ أَصْحَابِ الْغَرِيبِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّكْلَةَ حُمْرَةٌ فِي بَيَاضِ الْعَيْنِ وَهُوَ مَحْمُودٌ. (قِيلَ: مَا مَنْهُوشُ الْعَقِبَيْنِ؟ قَالَ: قَلِيلُ لَحْمِ الْعَقِبِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ.

стр. 8031

٥٧٨٥ - وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٧٨٥ - (وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ الْكِنَانِيُّ، غَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ، أَدْرَكَ مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِ سِنِينَ، وَمَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ وَاثْنَتَيْنِ بِمَكَّةَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا) : احْتِرَازًا مِنْ كَوْنِهِ أَمْهَقَ (مُقَصَّدًا) . بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: مُتَوَسِّطًا مُعْتَدِلًا. وَفِي النِّهَايَةِ هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِطَوِيلٍ وَلَا قَصِيرٍ وَلَا جَسِيمٍ، كَانَ خُلُقُهُ يَجِيءُ بِهِ الْقَصْدَ مِنَ الْأُمُورِ، وَالْمُعْتَدِلُ الَّذِي لَا يَمِيلُ إِلَى أَحَدِ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فِيهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «كَانَ أَبْيَضَ كَأَنَّمَا صِيَغَ مِنْ فِضَّةٍ» . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِذَا وَضَعَ رِدَاءَهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَكَأَنَّهُ سَبِيكَةُ فِضَّةٍ» .

стр. 8032

٥٧٨٦ - وَعَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: «سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ خِضَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَا يُخْضَبُ، لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ فِي لِحْيَتِهِ» - وَفِي رِوَايَةٍ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ فَعَلْتُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ: «إِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ فِي عَنْفَقَتِهِ، وَفِي الصُّدْغَيْنِ وَفِي الرَّأْسِ نَبْذٌ» . ــ ٥٧٨٦ - (وَعَنْ ثَابِتٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ثَابِتُ بْنُ أَسْلَمَ الْبُنَانِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ، تَابِعِيٌّ مِنْ أَعْلَامِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَثِقَاتِهِمْ، اشْتُهِرَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَصَحِبَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً " قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ خِضَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِكَسْرِ الْخَاءِ مَا يُخْتَضَبُ بِهِ مِنْ خَضَبَهُ لَوَّنَهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ (قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغَ مَا يَخْضِبُ) : بِكَسْرِ الضَّادِ. قَالَ شَارِحٌ: فَاعِلُ " يَبْلِغْ " ضَمِيرٌ عَائِدٌ إِلَى شَعْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا: مَصْدَرِيَّةٌ. وَفَاعِلُ يَخْضِبُ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: لَمْ يَبْلُغِ الْخِضَابَ، وَقِيلَ، مَا مَوْصُولَةٌ وَعَائِدُهَا مَحْذُوفٌ أَيْ: يَخْضِبُهُ، وَهُوَ مَفْعُولُ يَبْلُغُ أَيْ: لَمْ يَبْلُغْ شَعْرُهُ حَدًّا يَخْضِبُهُ، يَعْنِي كَانَ بَيَاضُهُ قَلِيلًا. قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: كَانَ قَلِيلَ الشَّيْبِ لَا يَظْهَرُ فِي بُدَاءِ النَّظَرِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى كَتْمِهِ بِالْخِضَابِ (لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ) أَيْ: أُحْصِيَ (شَمَطَاتِهِ) : بِالْحَرَكَاتِ أَيْ: شَعَرَاتِهِ الْبَيْضَ (فِي لِحْيَتِهِ) : جَوَابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ أَيْ: لَأَعُدُّهَا أَوْ لَعَدَدْتُهَا أَوْ لَفَعَلْتُ (وَفِي رِوَايَةٍ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ فَعَلْتُ) . وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قِلَّةِ الْبَيَاضِ فِيهَا، لِأَنَّ الْمَعْدُودَ مِنْ أَوْصَافِ الْقَلِيلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَ ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ) أَيْ: صَاحِبُهُ، وَهُوَ الشَّعْرُ الْأَبْيَضُ، أَوِ الْبَيَاضُ كِنَايَةٌ عَنِ الشَّيْبِ (فِي عَنْفَقَتِهِ) ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ النُّونِ فَفَاءٍ ثُمَّ قَافٍ أَيْ: شَعْرِهِ النَّابِتِ تَحْتَ شَفَتِهِ السُّفْلَى وَفَوْقَ الذَّقْنِ (وَفِي الصُّدْغَيْنِ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: الشَّعْرِ الْمُتَدَلِّي عَلَى مَا بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ (وَفِي الرَّأْسِ نَبْذٌ) . بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فَذَالٌ مُعْجَمَةٌ أَيْ: شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ شَيْبٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ أَيْ: شَعَرَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: نَبْذٌ: مُبْتَدَأُ، وَقَوْلُهُ: فِي عَنْفَقَتِهِ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ. قُلْتُ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ " إِنَّمَا كَانَ "، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْجَارَّ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ أَمْثَالِهِ، وَنَبْذٌ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُوَ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْبَيَاضِ.

стр. 8033

٥٧٨٧ - وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كَانَ عَرَقُهُ اللُّؤْلُؤُ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، وَمَا مَسَسْتُ دِيبَاجَةً وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا شَمَمْتُ مِسْكًا وَلَا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ النَّبِيِّ ﷺ » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧٨٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْهَرَ اللَّوْنِ) ، أَيْ: أَبْيَضَ نَيِّرًا (كَأَنَّ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ (عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ) ، أَيْ: فِي الْهَيْئَةِ وَالصَّفَاءِ وَالضِّيَاءِ (إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ) ، بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ فَهَمْزٍ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَأَلِفٍ قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِالْهَمْزِ، وَقَدْ يُتْرَكُ هَمْزُهُ، وَزَعَمَ كَثِيرُونَ أَنَّهُ بِلَا هَمْزَةٍ وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، وَنَقَلَ شَارِحٌ عَنِ التُّورِبِشْتِيِّ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُعْتَدَّ بِهَا فِي: تَكَفَّا بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَذَكَرَ الْهَرَوِيُّ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْهَمْزُ، ثُمَّ تُرِكَتْ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ، قِيلَ أَيْ: تَمَايَلَ إِلَى قُدَّامٍ كَمَا تَتَكَفَّأُ السَّفِينَةُ فِي جَرْيِهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: كَفَأْتُهُ وَكَفَّأْتُهُ إِذَا أَمَلْتَهُ، وَيُقَالُ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ فَكَفَأَ وَتَكَفَّأَ أَوْ أَرَادَ بِهِ التَّرَفُّعَ عَنِ الْأَرْضِ مَرَّةً وَاحِدَةً، كَمَا يَكُونُ مَشْيُ الْأَقْرِبَاءِ وَذَوِي الْجَلَادَةِ بِخِلَافِ الْمُتَمَاوِتِ الَّذِي يَجُرُّ رِجْلَهُ فِي الْأَرْضِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْوَاصِفِ: إِذَا مَشَى تَقَدَّمَ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ شِمْرٌ: مَعْنَاهُ مَالَ يَمِينًا وَشِمَالًا كَمَا تُكْفَأُ السَّفِينَةُ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ الْمُخْتَالِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَا بُعْدَ فِيمَا قَالَهُ شِمْرٌ إِذَا كَانَ خِلْقَةً وَجِبِلَّةً، وَالْمَذْمُومُ مِنْهُ مَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا مَقْصُودًا. (مَا مَسِسْتُ) : بِكَسْرِ السِّينِ الْأُولَى وَيُفْتَحُ (دِيبَاجَةً) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَيُفْتَحُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْحَرِيرِ (وَلَا حَرِيرًا) أَيْ: مُطْلَقًا (أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا شَمِمْتُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَيُفْتَحُ (مِسْكًا وَلَا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: مَسِسْتُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ الْأَوْلَى عَلَى الْأَفْصَحِ، وَكَذَا شَمِمْتُ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأَوْلَى وَفَتْحُهَا لُغَةٌ، وَيُقَالُ فِي الْمُضَارِعِ أَمَسُّهُ وَأَشَمُّهُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا عَلَى الْأَفْصَحِ، وَبِالضَّمِّ عَلَى اللُّغَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الشَّمُّ حِسُّ الْأَنْفِ شَمِمْتُهُ بِالْكَسْرِ أَشَمُّهُ وَشَمَمْتُهُ أَشُمُّهُ بِالضَّمِّ شَمًّا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، وَلَا مَسِسْتُ خَزًّا وَلَا حَرِيرًا قَطٌّ وَلَا شَيْئًا كَانَ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا شَمِمْتُ مِسْكًا قَطُّ وَلَا عِطْرًا كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » - وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ " عَرْفِ " بِالْفَاءِ.

стр. 8034

٥٧٨٨ - وَعَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْتِيهَا، فَيَقِيلُ عِنْدَهَا. فَتَبْسُطُ نِطْعًا فَيَقِيلُ عَلَيْهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعَرَقِ، فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ فَتَجْعَلُهُ فِي الطِّيبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! مَا هَذَا؟ " قَالَتْ: عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا قَالَ: " أَصَبْتِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧٨٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ) : بِالتَّصْغِيرِ كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَعَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ بِدُونِ قَوْلِهِ: وَعَنْهُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ بِنْتُ مِلْحَانَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفِي اسْمِهَا خِلَافٌ، تَزَوَّجَهَا مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ أَبُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَنَسًا، ثُمَّ قُتِلَ عَنْهَا مُشْرِكًا، وَأَسْلَمَتْ فَخَطَبَهَا أَبُو طَلْحَةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَأَبَتْ وَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَزَوَّجُكَ وَلَا آخُذُ مِنْكَ صَدَاقًا لِإِسْلَامِكَ، فَتَزَوَّجَهَا أَبُو طَلْحَةَ، رَوَى عَنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْتِيهَا) أَيْ: يَجِيءُ بَيْتَهَا (فَيَقِيلُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنَ الْقَيْلُولَةِ، وَهِيَ الِاسْتِرَاحَةُ عِنْدَ الْهَجِيرَةِ، وَقَدْ تَكُونُ مَعَ النَّوْمِ (عِنْدَهَا) أَيْ: لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعَ خَادِمِهِ وَهُوَ أَنَسٌ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْكَشْفِ أَوِ الْخَلْوَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ: أُمُّ حَرَامٍ وَأُمُّ سُلَيْمٍ كَانَتَا خَالَتَيْنِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرَّمَيْنِ إِمَّا مِنَ الرَّضَاعِ وَإِمَّا مِنَ النَّسَبِ، فَيَحِلُّ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهِمْ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمَا خَاصَّةً، وَلَا يَدْخُلُ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ النِّسَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ يَقِيلُ عِنْدَهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ مَحَارِمِهِ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعِ، وَإِلَّا لَمْ يَدْخُلِ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ عَلَيْهَا وَعَلَى أُخْتِهَا أُمِّ حَرَامٍ، وَقَدْ دَخَلَ بَعْدَهُ عَلَيْهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُنْ رَضِيعًا فِي الْمَدِينَةِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِيَقِيلَ فِي بَيْتِ أَجْنَبِيَّةٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا سَبَبٌ مُحَرِّمٌ مِنْ رَحِمٍ وَصِلَةٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعِ وَإِذَا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُحْمَلْ إِلَى الْمَدِينَةِ رَضِيعًا تَعَيَّنَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَدْ فَارَقَ أَبَاهُ هَاشِمًا، وَتَزَوَّجَ بِالْمَدِينَةِ فِي بَنِي النَّجَّارِ، وَأُمُّ حَرَامٍ وَأُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتَا مِلْحَانَ كَانَتَا مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَعَرَفْنَا مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ أَنَّ الْحُرْمَةَ بَيْنَهُمْ كَانَتْ حُرْمَةَ رَضَاعٍ وَلَقَدْ وَجَدْنَا الْجَمَّ الْغَفِيرَ مِنْ عُلَمَاءِ النَّقْلِ أَوْرَدُوا أَحَادِيثَ أُمِّ حَرَامٍ وَأُمِّ سُلَيْمٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الْعِلَّةَ إِمَّا مِنَ الْغَفْلَةِ عَنْهَا وَإِمَّا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهَا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُبَيِّنَ وَجْهَ ذَلِكَ كَيْلَا يَظُنَّ جَاهِلٌ أَنَّهُ كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَكَانِ الْعِصْمَةِ، وَلَا يَتَذَرَّعَ بِهِ مُسْتَبِيحٌ إِلَى التَّرَخُّصِ بِمَا لَا رُخْصَةَ فِيهِ، وَأَرَانِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَوَّلَ مَنْ وُفِّقْتُ لِذَلِكَ، فَوَاهًا لَهَا مِنْ دُرَّةٍ كُنْتُ مُسْتَخْرِجَهَا وَاللَّهَ أَحْمَدُ عَلَى هَذِهِ الْمَوْهِبَةِ السَّنِيَّةِ. (فَتَبْسُطُ) أَيْ: تَفْرُشُ أُمُّ سُلَيْمٍ (نِطْعًا) : بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ الطَّاءِ، وَفِي الْقَامُوسِ: وَهُوَ بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ وَبِالتَّحْرِيكِ، وَكَعِنَبٍ بِسَاطٌ مِنَ الْأَدِيمِ (فَيَقِيلُ عَلَيْهِ وَكَانَ كَثِيرَ الْعَرَقِ) ، أَيْ: لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْحَيَاءِ (فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ فَتَجْعَلُهُ فِي الطِّيبِ) . أَيْ: فِي الطِّيبِ الَّذِي مَعَهَا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! مَا هَذَا؟) أَيِ: الَّذِي تَفْعَلِينَهُ (قَالَتْ: عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبٍ) أَيْ: لِيَطِيبَ طِيبُنَا بِبَرَكَتِهِ أَوْ بِزِيَادَةِ (وَهُوَ) أَيْ: عَرَقُكَ أَوِ الطِّيبُ الْمَخْلُوطُ بِهِ (مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ) . (وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَرْجُو بَرَكَتَهُ) أَيْ: كَثْرَةَ خَيْرِهِ (لِصِبْيَانِنَا. قَالَ (أَصَبْتِ) أَيْ: فَعَلْتِ الصَّوَابَ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّبَرُّكِ وَالتَّقَرُّبِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ. قِيلَ: لَمَّا حَضَرَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ فِي حَنُوطِهِ مِنْ ذَلِكَ الطِّيبِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8035

٥٧٨٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْأُولَى، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّي، فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَوْ رِيحًا كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ: " سَمُّوا بِاسْمِي " فِي " بَابِ الْأَسَامِي ". وَحَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ: نَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ فِي " بَابِ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ ". ــ ٥٧٨٩ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْأُولَى) ، مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ وَالْمُتَبَادَرُ أَنَّهَا الصُّبْحُ. قَالَ النَّوَوِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: هِيَ صَلَاةُ الظُّهْرِ، (ثُمَّ خَرَجَ) أَيْ: مِنَ الْمَسْجِدِ (إِلَى أَهْلِهِ) أَيْ: مُتَوَجِّهًا إِلَى إِحْدَى الْحُجُرَاتِ الشَّرِيفَةِ (وَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ) ، جَمْعُ وَلِيدٍ وَهُوَ الصَّبِيُّ (فَجَعَلَ) أَيْ: شَرَعَ (يَمْسَحُ) أَيْ: بِيَدَيْهِ الْكَرِيمَتَيْنِ (خَدَّيْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا) ، حَالٌ

стр. 8036

(وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّي) . بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِفْرَادِ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ (فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا) أَيْ: رَاحَةً (أَوْ رِيحًا) أَيْ: رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَالظَّاهِرُ أَنَّ (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ أَوْ بِمَعْنَى (بَلْ) (كَأَنَّمَا أَخْرَجَهَا) أَيْ: إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الْكُمِّ فَكَأَنَّهُ أَخْرَجَهَا (مِنْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ) . بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْهَمْزِ وَيُبْدَلُ أَيْ: سَلَّتِهِ أَوْ حُقَّتِهِ. وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ الَّتِي يُعَدُّ فِيهَا الطِّيبُ وَيُحْرَزُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ طِيبِ رِيحِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، وَهُوَ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ. قَالُوا: وَكَانَتْ هَذِهِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ صِفَتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَمَسَّ طِيبًا، وَمَعَ هَذَا كَانَ يَسْتَعْمِلُ الطِّيبَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ مُبَالَغَةً فِي طِيبِ رِيحِهِ لِمُلَاقَاةِ الْمَلَائِكَةِ، وَأَخْذِ الْوَحْيِ الْكَرِيمِ، وَمُجَالَسَةِ الْمُسْلِمِينَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (وَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ: سَمُّوا بِاسْمِي) : تَمَامُهُ: (وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي) (فِي بَابِ الْأَسَامِي) . (وَحَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ: نَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ) : تَمَامُهُ: مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ (فِي بَابِ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ) .

стр. 8037

الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٧٩٠ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، ضَخْمَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، مُشْرَبًا حُمْرَةً، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ، طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ، إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٧٩٠ - (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ» ) ، أَيْ: بَلْ كَانَ مُعْتَدِلَ الْقَامَةِ (ضَخْمَ الرَّأْسِ) أَيْ: عَظِيمَهُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى عَظَمَةِ رِيَاسَتِهِ (وَاللِّحْيَةِ) ، أَيْ: كَثِيفَهَا دُونَ الْكَوْسَجِ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ حَسَنَ السَّبَلَةِ أَيِ: اللِّحْيَةِ (شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ) . أَيْ: أَنَّهُمَا يَمِيلَانِ إِلَى الْغِلَظِ وَالْقِصَرِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (مُشْرَبًا حُمْرَةً) ، أَيْ مَخْلُوطٌ لَوْنُهُ بِالْحُمْرَةِ، وَهُوَ عَلَى صِيغَةُ الْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهُ، فَفِي النِّهَايَةِ: الْإِشْرَابُ خَلْطُ لَوْنٍ بِلَوْنٍ كَأَنَّ أَحَدَ اللَّوْنَيْنِ سَقَى اللَّوْنَ الْآخَرَ، يُقَالُ: بَيَاضُ مُشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ بِالتَّخْفِيفِ، فَإِذَا شُدِّدَ كَانَ لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ (ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ) ، أَيْ: عَظِيمَ الْأَعْضَاءِ، وَهُوَ جَمْعُ الْكُرْدُوسِ، وَهُوَ كُلُّ عَظْمَيْنِ الْتَقَيَا فِي مَفْصِلٍ نَحْوَ الْمَنْكِبَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْوَرِكَيْنِ وَقِيلَ رُءُوسُ الْعِظَامِ. (طَوِيلَ الْمَسْرُبَةِ) ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ وَضَمِّ الرَّاءِ: الشَّعْرُ الْمُسْتَدَقُّ الَّذِي يَأْخُذُ مِنَ الصَّدْرِ إِلَى السُّرَّةِ (إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ بَعْدَهُ هَمْزٌ وَأَلِفٌ وَهُوَ أَنْسَبُ بِقَوْلِهِ: (تَكَفِّيَا) : بِكَسْرِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ تَكَفُّؤًا بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْهَمْزِ، فَلَمَّا خُفِّفَ مَاضِيهِ بِالْإِبْدَالِ أُلْحِقَ مَصْدَرُهُ بِالْمُعْتَلِّ، وَفِي نُسْخَةٍ تَكَفُّؤًا عَلَى الْأَصْلِ، وَقَالَ شَارِحٌ: تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا بِالْهَمْزِ، وَهُوَ الْمَيْلُ تَارَةً إِلَى الْيَمِينِ وَأُخْرَى إِلَى الشِّمَالِ فِي الْمَشْيِ وَقِيلَ: تَكَفَّأَ أَيِ: اعْتَمَدَ إِلَى الْقُدَّامِ مِنْ قَوْلِهِمْ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ إِذَا قَلَبْتَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ: يَسْقُطُ (مِنْ صَبَبٍ) أَيْ: مُنْحَدَرٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَمِنْ تَعْلِيلِيَّةٌ أَوْ بِمَعْنَى فِي الظَّرْفِيَّةِ، وَلِذَا قِيلَ أَيْ: يَسْقُطُ مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ، وَالْمَعْنَى يَمْشِي مَشْيًا قَوِيًّا سَرِيعًا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الصَّبَبُ الْحُدُورُ، وَهُوَ مَا يَنْحَدِرُ مِنَ الْأَرْضِ يُرِيدُ لَهُ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَشْيًا قَوِيًّا يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ رَفْعًا بَائِنًا لَا كَمَنْ يَمْشِي اخْتِيَالًا وَيُقَارِبُ خُطَاهُ تَنَعُّمًا، (أَرَ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ مَوْتِهِ، لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُدْرِكْ زَمَانًا قَبْلَ وُجُودِهِ (وَلَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ فَوْتِهِ (مِثْلَهُ) : ﷺ وَرُبَّمَا يَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ رُؤْيَةِ الْمُمَاثَلَةِ لَهُ مُطْلَقًا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ؟ فَهَذِهِ فَذْلَكَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى إِظْهَارِ الْعَجْزِ عَنْ غَايَةِ وَصْفِهِ وَنِهَايَةِ نَعْتِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .

стр. 8038

٥٧٩١ - وَعَنْهُ، «كَانَ إِذَا وَصَفَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الْمُمَّغِطِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ، وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ، كَانَ جَعْدًا رَجِلًا، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ وَلَا بِالْمُكَلْثَمِ، وَكَانَ فِي الْوَجْهِ تَدْوِيرٌ، أَبْيَضُ مُشْرَبٌ، أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ، أَهْدَبُ الْأَشْفَارِ، جَلِيلُ الْمَشَاشِ وَالْكَتَدِ، أَجْرَدُ، ذُو مَسْرُبَةٍ، شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، إِذَا مَشَى يَتَقَلَّعُ كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، أَجْوَدُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً، وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً، وَأَكْرَمُهُمْ عَشِيرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٧٩١ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ (كَانَ إِذَا وَصَفَ النَّبِيَّ ﷺ أَيْ: مِنْ جِهَةِ خَلْقِهِ (قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الْمُمَّغِطِ) ، بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَتَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ: الْمَمْدُودِ مِنَ الْمَغْطِ وَهُوَ الْمَدُّ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الِانْفِعَالِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَخَطَّأَ الْمُحَدِّثِينَ فِي جَعْلِهِ اسْمَ فَاعِلٍ مِنَ التَّمْغِيطِ، وَوَافَقَهُمُ الْجَوْهَرِيُّ وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ، الْمُتَنَاهِي فِي الطُّولِ مِنْ أَمْغَطَ النَّهَارُ إِذَا امْتَدَّ وَمَغَطْتُ الْحَبْلَ وَغَيْرَهُ إِذَا مَدَدْتَهُ، وَأَصْلُهُ مِنْ مَغَطَ وَالنُّونُ لِلْمُطَاوَعَةِ، فَقُلِبَتْ مِيمًا وَأُدْغِمَتْ فِي الْمِيمِ، وَيُقَالُ: بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَاهُ، (وَلَا بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ) ، أَيِ: الْمُتَنَاهِي فِي الْقِصَرِ كَأَنَّهُ تَرَدَّدَ بَعْضُ خَلْقِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَانْضَمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، وَتَدَاخَلَتْ أَجْزَاؤُهُ، (وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ) أَيْ: مُتَوَسِّطًا مِمَّا بَيْنَ أَفْرَادِهِمْ، فَهُوَ فِي الْمَعْنَى تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ (وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالْبَسْطِ) تَقَدَّمَ بَيَانُ مَبْنَاهُ وَتَبَيَّنَ مَعْنَاهُ، وَقَوْلُهُ: (كَانَ جَعْدًا رَجِلًا) ، بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ وَيُسْكَنُ أَيْ: لَمْ يَكُنْ شَدِيدَ الْجُعُودَةِ وَلَا السُّبُوطَةِ (وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ) بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ الْمَفْتُوحَةِ أَيِ: الْفَاحِشِ السَّمِينِ، وَقِيلَ النَّحِيفُ الْجِسْمِ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ. قِيلَ: هُوَ الْمُنْتَفِخُ الْوَجْهِ (وَلَا بِالْمُكَلْثَمِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيِ: الْمُدَوَّرُ وَجْهُهُ غَايَةَ التَّدْوِيرِ، بَلْ كَانَ وَجْهُهُ مَائِلًا إِلَى التَّدْوِيرِ وَلِذَا قَالَ: (وَكَانَ فِي الْوَجْهِ) أَيْ: فِي وَجْهِهِ (تَدْوِيرٌ) ، أَيْ: نَوْعُ تَدْوِيرٍ أَوْ تَدْوِيرٌ مَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْإِسَالَةِ وَالِاسْتِدَارَةِ (أَبْيَضُ) أَيْ: هُوَ أَبْيَضُ اللَّوْنِ (مُشْرَبٌ) أَيْ: مَخْلُوطٌ بِحُمْرَةٍ (أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ) ، أَيْ: أَسْوَدُ الْعَيْنَيْنِ مَعَ سِعَتِهِمَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَفِي النِّهَايَةِ: الدَّعَجُ وَالدُّعْجَةُ شِدَّةُ السَّوَادِ فِي الْعَيْنِ وَغَيْرِهَا، يُرِيدُ أَنَّ سَوَادَ عَيْنَيْهِ كَانَ شَدِيدًا وَكَأَنَّ الدَّعَجَ شِدَّةُ سَوَادِ الْعَيْنِ فِي بَيَاضِهَا. (أَهْدَبُ الْأَشْفَارِ) ، بِفَتْحِ الْهَمْزِ جَمْعُ شُفْرٍ بِالضَّمِّ أَيْ: كَثِيرُ أَطْرَافِ الْجُفُونِ كَثِيرُ الْهُدْبِ عَلَيْهَا، وَالْأَهْدَبُ الرَّجُلُ الْكَثِيرُ أَشْفَارِ الْعَيْنِ، وَأَشْفَارُهَا هِيَ أَطْرَافُ الْجُفُونِ الَّتِي يَنْبُتُ عَلَيْهَا الشَّعْرُ وَهُوَ الْهُدْبُ كَذَا حَقَّقَهُ شَارِحٌ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: طَوِيلُ شَعْرِ الْأَجْفَانِ (جَلِيلُ الْمَشَاشِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ عَظِيمُ رُءُوسِ الْعِظَامِ كَالْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَتِفَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ رُءُوسُ الْعِظَامِ الَّتِي يُمْكِنُ مَضْغُهَا. وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ عَظِيمُ رُءُوسِ الْعِظَامِ وَالْمَنَاكِبِ (وَالْكَتَدِ) ، أَيْ: وَجَلِيلُهُ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَيُكْسَرُ مَا بَيْنَ الْكَاهِلِ وَالظَّهْرِ، ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ مُجْتَمَعُ الْكَتِفَيْنِ وَهُوَ الْكَاهِلُ (أَجْرَدُ) أَيِ: الَّذِي لَيْسَ عَلَى بَدَنِهِ شَعْرٌ، وَلَمْ يَكُنْ ﷺ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّ الشَّعْرَ كَانَ فِي أَمَاكِنَ مِنْ بَدَنِهِ، كَالْمَسْرُبَةِ وَالسَّاعِدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ، فَإِنَّ ضِدَّ أَجْرَدَ هُوَ الْأَشْعَرُ الَّذِي عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ شَعْرٌ وَقَدْ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: (ذُو مَسْرُبَةٍ) ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَجْرَدَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمِنْ أَصْحَابِ التَّجَارِبِ مِنَ الْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ: مَنْ لَا يَحْمَدُ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ فِي سَائِرِ أَعْضَائِهِ أَجْرَدَ، وَلَا سِيَّمَا الصَّدْرُ. (شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ) ، أَيْ غَلِيظُهُمَا الدَّالُّ عَلَى قُوَّةِ الْبَطْشِ وَالثَّبَاتِ الْمُشِيرَيْنِ إِلَى صِفَةِ الشَّجَاعَةِ وَنَعْتِ الْعِبَادَةِ. (إِذَا مَشَى يَتَقَلَّعُ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ رَفْعًا بَائِنًا بِقُوَّةٍ مُتَدَارِكًا إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، كَمِشْيَةِ أَهْلِ الْجَلَادَةِ، لَا كَالَّذِي يُقَارِبُ الْخُطَا احْتِشَامًا وَاخْتِيَالًا، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَشْيِ النِّسَاءِ يُوصَفْنَ بِهِ. (كَأَنَّمَا يَمْشِي) أَيْ: يَنْحَطُّ (فِي صَبَبٍ) أَيْ: مُنْحَدَرٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قُوَّةِ الْمَشْيِ وَالْمَيْلِ إِلَى الْقُدَّامِ (وَإِذَا الْتَفَتَ) أَيْ: أَرَادَ الِالْتِفَاتَ إِلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ (الْتَفَتَ مَعًا) ، أَيْ: بِكُلِّيَّتِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُسَارِقُ النَّظَرَ، وَقِيلَ: أَرَادَ لَا يَلْوِي عُنُقَهُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً إِذَا نَظَرَ إِلَى الشَّيْءِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الطَّائِشُ الْخَفِيفُ، وَلَكِنْ كَانَ يُقْبِلُ جَمِيعًا أَوْ يُدْبِرُ جَمِيعًا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الشَّيْءِ تَوَجَّهَ بِكُلِّيَّتِهِ، وَلَا يُخَالِفُ بِبَعْضِ جَسَدِهِ بَعْضًا كَيْلَا يُخَالِفَ بَدَنُهُ قَلْبَهُ وَقَصْدُهُ مَقْصِدَهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّلَوُّنِ وَآثَارِ الْخِفَّةِ. (بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ) ، جُمْلَةٌ مِنْ خَبَرٍ وَمُبْتَدَأٍ (وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، أَجْوَدُ النَّاسِ صَدْرًا) ،

стр. 8039

إِمَّا مِنَ الْجَوْدَةِ بِفَتْحِ الْجِيمِ بِمَعْنَى السَّعَةِ وَالِانْفِسَاحِ أَيْ: أَوْسَعُهُمْ قَلْبًا فَلَا يَمَلُّ وَلَا يَزْجُرُ مِنْ أَذَى الْأُمَّةِ وَمِنْ جَحْفَاءِ الْأَعْرَابِ، وَإِمَّا مِنَ الْجُودِ بِالضَّمِّ بِمَعْنَى الْإِعْطَاءِ ضِدِّ الْبُخْلِ أَيْ: لَا يَبْخَلُ عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا مِنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا وَلَا مِنَ الْعُلُومِ وَالْحَقَائِقِ وَالْمَعَارِفِ الَّتِي فِي صَدْرِهِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَسْخَى النَّاسِ قَلْبًا، (وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً) ، بِسُكُونِ الْهَاءِ وَيُفْتَحُ أَيْ: لِسَانًا فَفِي الْقَامُوسِ: اللَّهْجَةُ اللِّسَانُ وَيُحَرَّكُ، وَكَذَا فِي الصِّحَاحِ. وَقَالَ فِي الدِّيوَانِ اللَّهَجَةُ: بِفَتْحَتَيْنِ اللِّسَانُ وَهِيَ الْفُصْحَى وَبِسُكُونِ الْهَاءِ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَفِي الْفَائِقِ: رُوِيَ فِي اللَّهْجَةِ فَتْحُ الْهَاءِ وَسُكُونُهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ: اللَّهْجَةُ هَاءٌ سَاكِنَةٌ وَلَمْ يُعْرَفِ اللَّهْجَةُ (وَأَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً) ، أَيْ: جَانِبًا وَطَبِيعَةً فَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: فُلَانٌ لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ إِذَا كَانَ سَلِسًا وَمُطَاوِعًا مُنْقَادًا قَلِيلَ الْخِلَافِ (وَأَكْرَمُهُمْ عَشِيرَةً) ، بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَتَحْتِيَّةٍ أَيْ: قَبِيلَةً، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ: مُعَاشَرَةً وَمُصَاحَبَةً، وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: عِشْرَةً هَكَذَا هُوَ فِي التِّرْمِذِيِّ وَالْجَامِعِ ": صُحْبَةً، وَفِي الْمَصَابِيحِ الْعَشِيرَةُ أَيِ: الصَّاحِبُ: اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ إِذِ النُّسْخَتَانِ مَوْجُودَتَانِ فِي الشَّمَائِلِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً) أَيْ: أَوَّلَ مَرَّةٍ أَوْ فَجْأَةً وَبَغْتَةً (هَابَهُ) ، أَيْ: خَافَهُ وَقَارًا وَهَيْبَةً مِنْ هَابَ الشَّيْءَ إِذَا خَافَهُ وَأَقَرَّهُ وَعَظَّمَهُ، (وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً) : تَمْيِيزٌ (أَحَبَّهُ) ، أَيْ: بِحُسْنِ خُلُقِهِ وَشَمَائِلِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ لَقِيَهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ بِهِ وَالْمَعْرِفَةِ إِلَيْهِ هَابَهُ لِوَقَارِهِ وَسُكُونِهِ، فَإِذَا جَالَسَهُ وَخَالَطَهُ بَانَ لَهُ حُسْنُ خُلُقِهِ فَأَحَبَّهُ حُبًّا بَلِيغًا (يَقُولُ نَاعِتُهُ) أَيْ: وَاصِفُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ وَصْفِهِ (لَمْ أَرَ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ وُجُودِهِ أَوْ قَبْلَ مَوْتِهِ (وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . أَيْ فِي جَامِعِهِ وَفِي الشَّمَائِلِ.

стр. 8040

٥٧٩٢ - وَعَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقًا فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ سَلَكَهُ، مِنْ طِيبِ عَرْفِهِ - أَوْ قَالَ: مِنْ رِيحِ عَرَقِهِ» - رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٥٧٩٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقًا) . أَيْ: زُقَاقًا (فَيَتْبَعُهُ) أَيْ: فَيَعْقُبُهُ (أَحَدٌ إِلَّا عَرَفَ) أَيْ: ذَلِكَ التَّابِعُ (أَنَّهُ) أَيِ النَّبِيَّ ﷺ (قَدْ سَلَكَهُ) : ذَلِكَ الطَّرِيقَ (مِنْ طِيبِ عَرْفِهِ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَاءٍ أَيْ: رَائِحَتِهِ، يَعْنِي يَتَكَيَّفُ هَوَاءُ ذَلِكَ الطَّرِيقِ بِكَيْفِيَّةِ الطِّيبِ مِنْهُ فَيُعْرَفُ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ (أَوْ قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ (مِنْ رِيحِ عَرَقِهِ) : بِفَتْحَتَيْنِ فَقَافٍ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَالْمَآلُ وَاحِدٌ، إِذِ الْمَقْصُودُ بَيَانُ طِيبِ عَرَقِهِ الْخَلْقِيِّ لَا طِيبِ عَرْفِهِ الْعَرْفِيِّ كَمَا سَبَقَ مِنْ أَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِطِيبِ الْعَرَقِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ دُونَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 8041

٥٧٩٣ - وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: «صِفِي لَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ لَوْ رَأَيْتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٥٧٩٣ - (وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ) ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: عَنَسِيٌّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالنُّونِ، تَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ، وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ (قَالَ: قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ (بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ، صَحَابِيَّةٌ جَلِيلَةٌ (صِفِي) : أَمْرُ مُخَاطَبَةٍ مِنَ الْوَصْفِ أَيِ: انْعَتِي (لَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَوِ الْمَفْتُوحَةِ تَصْغِيرُ شَفَقَةٍ وَمَرْحَمَةٍ (لَوْ رَأَيْتَهُ) أَيْ: نُورَ وَجْهِهِ وَطَالَعْتَ فِيهِ مُطَالَعَةً وَوَافَقَكَ الطَّالِعُ الْمَيْمُونُ وَالْبُخُتُ الْهَمَايُونُ (رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً) . أَيْ فِي وَجْهِهِ وَيَأْتِي مَعَ وَجْهِهِ، أَوِ التَّقْدِيرُ: فَكَأَنَّكَ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً وَهُوَ أَظْهَرُ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

стр. 8042

٥٧٩٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ إِضْحِيَانٍ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى الْقَمَرِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَإِذَا هُوَ أَحْسَنُ عِنْدِي مِنَ الْقَمَرِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٥٧٩٤ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ) أَيْ: عَظِيمَةٍ (إِضْحِيَانٍ) ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ كَمَا فِي الرِّوَايَاتِ، وَهُوَ مُنْصَرِفٌ وَإِنْ كَانَ أَلِفُهُ وَنُونُهُ زَائِدَتَيْنِ لِوُجُودِ إِضْحِيَانَةٍ، وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ الْبُرُوزُ وَالظُّهُورُ. قَالَ شَارِحٌ أَيْ: لَيْلَةٌ مُضِيئَةٌ لَا غَيْمَ فِيهَا. يُقَالُ: لَيْلَةٌ إِضْحِيَانٌ وَإِضْحِيَانَةٌ وَضَحْيَاءُ وَضَحْيَانَةٌ مِنَ الضَّحْوِ، وَفِي الْفَائِقِ أَيْ: مُقْمِرَةٍ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، وَأَفْعَلَانُ مِمَّا قَلَّ فِي كَلَامِهِمْ، (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: نَظْرَةً (وَإِلَى الْقَمَرِ) ، أَيْ: أُخْرَى لِأَنْظُرَ التَّرْجِيحَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُسْنِ الصُّورِيِّ (وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ) ، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ (فَإِذَا هُوَ أَحْسَنُ عِنْدِي) أَيْ: فِي نَظَرِي أَوْ مُعْتَقَدِي، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ: فَلَهُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ أَيْ: لِزِيَادَةِ الْحُسْنِ الْمَعْنَوِيِّ فِيهِ وَكَمَا قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْعِشْقِ مِنْ أَهْلِ الْمَجَازِ مُخَاطِبًا لِمَحْبُوبِهِ: يُشَابِهُكَ الْقَمَرُ لَكِنْ ... مِنْ أَيْنَ لَهُ الْكَلَامُ وَسَائِرُ مَرَاتِبِ النِّظَامِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 8043

٥٧٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ. وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٧٩٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ فِي الصُّورَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ السِّيرَةِ (كَأَنَّ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ رَأَيْتُهُ كَأَنَّ (الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ جَرَيَانَ الشَّمْسِ فِي فَلَكِهَا بِجَرَيَانِ الْحُسْنِ فِي وَجْهِهِ، وَفِيهِ مَعْنَى قَوْلِ الشَّاعِرِ: يَزِيدُكَ وَجْهُهُ حُسْنًا ... إِذَا مَا زِدْتَهُ نَظَرًا وَفِيهِ أَيْضًا عَكَسَ التَّشْبِيهَ لِلْمُبَالَغَةِ. (وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ مَعَ تَحَقُّقِ وَقَارِهِ وَسُكُونِهِ وَرِعَايَةِ اقْتِصَادِهِ مُمْتَثِلًا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩] (كَأَنَّمَا الْأَرْضَ تُطْوَى لَهُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ تُزْوَى وَتُجْمَعُ عَلَى طَرِيقِ خَرْقِ الْعَادَةِ تَهْوِينًا عَلَيْهِ وَتَسْهِيلًا لِأَمْرِهِ (وَإِنَّا) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَيْ نَحْنُ (لِنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا) : بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ لِفَتْحِهَا مِنَ الْإِجْهَادِ أَوِ الْجَهْدِ، وَهُمَا الْحَمْلُ عَلَى الشَّيْءِ فَوْقَ طَاقَتِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ النُّونِ وَضَمُّهَا، يُقَالُ: جَهَدَ دَابَّتَهُ وَأَجْهَدَهَا إِذَا حَمَلَ عَلَيْهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا، فَالْمَعْنَى إِنَّا لَنَحْمِلُ عَلَى أَنْفُسِنَا مِنَ الْإِسْرَاعِ عَقِبَيْهِ فَوْقَ طَاقَتِهَا، (وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ) . بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ غَيْرُ مُبَالٍ بِمَشْيِنَا، أَوْ غَيْرُ مُسْرِعٍ بِحَيْثُ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ، فَكَأَنَّهُ يَمْشِي عَلَى هِينَةٍ. يُقَالُ: مُبَالٍ بِهِ أَيْ مُتْعِبٌ نَفْسَهُ فِيهِ، وَيُقَالُ اكْتَرَثَ بِالْأَمْرِ إِذَا أَبْلَى بِهِ كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: غَيْرُ مُبَالٍ وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي النَّفْيِ، وَأَمَّا فِي الْإِثْبَاتِ فَشَاذٌّ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)

стр. 8044

٥٧٩٦ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «كَانَ فِي سَاقَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمُوشَةٌ، وَكَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا، وَكُنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ قُلْتُ: أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٧٩٦ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ فِي سَاقَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمُوشَةٌ) ، بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ أَيْ: دِقَّةٌ وَلَطَافَةٌ مُنَاسِبَةٌ لِسَائِرِ أَعْضَائِهِ (وَكَانَ لَا يَضْحَكُ) أَيْ: فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ (إِلَّا تَبَسُّمًا) ، وَهُوَ مُقَدِّمَةُ الضَّحِكِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْقَطِعًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: جُعِلَ التَّبَسُّمُ مِنَ الضَّحِكِ وَاسْتِثْنَاءً مِنْهُ، فَإِنَّ التَّبَسُّمَ مِنَ الضَّحِكِ بِمَنْزِلَةِ السِّنَةِ مِنَ النَّوْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩] أَيْ شَارِعًا فِي الضَّحِكِ، (وَكُنْتُ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَلَوْ رُوِيَ بِالْخِطَابِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ (إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ) أَيْ: رَأَيْتُهُ (قُلْتُ) أَيْ: فِي ضَمِيرِي. (أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ) ، أَيْ هُوَ مُكَحَّلُ الْعَيْنِ (وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ) . بَلْ كَانَتْ عَيْنُهُ كَحْلَاءَ مِنْ غَيْرِ اكْتِحَالٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَقَوْلُهُ: كَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ أَيْضًا.

стр. 8045

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٧٩٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ، إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٧٩٧ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنَ الشَّمَائِلِ: أَفْلَجَ الثَّنَايَا. وَفِي النِّهَايَةِ: الْفَلَجُ بِالتَّحْرِيكِ فُرْجَةٌ مَا بَيْنَ الثَّنَايَا وَالرَّبَاعِيَاتِ وَالْفَرْقُ فُرْجَةٌ بَيْنَ الثَّنِيَّتَيْنِ اهـ. كَلَامُهُ. وَفِي الْحَدِيثِ اسْتُعْمِلَ فَلَجٌ مَوْضِعَ فَرْقٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمَفْهُومُ مِنَ الْقَامُوسِ عَدَمُ الْفَرْقِ حَيْثُ قَالَ: الْفَلَجُ بِالتَّحْرِيكِ تَبَاعُدُ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ، وَتَبَاعُدُ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ وَهُوَ أَفْلَجُ الْأَسْنَانِ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْأَسْنَانِ يَعْنِي لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ (إِذَا تَكَلَّمَ) : رَوَى مَجْهُولٌ (رُئِيَ) أَيْ: أُبْصِرَ (كَالنُّورِ) أَيْ: شَيْءٌ مِثْلُ النُّورِ (يَخْرُجُ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ يَظْهَرُ (مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ) . وَهُوَ إِمَّا أَنْ يُرَادَ لَهُ كَلَامُهُ النُّورَانِيُّ، أَوْ أَمْرٌ زَائِدٌ يُدْرِكُهُ الذَّوْقُ الْوِجْدَانِيُّ، وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، مِنْ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يُحَدِّثُ حَدِيثًا إِلَّا تَبَسَّمَ» ، وَلَعَلَّ الْعَارِفَ بْنَ الْعَارِضِ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: عَلَيْكَ بِهَا صَرْفًا فَإِنْ شِئْتَ مَزْجَهَا ... فَعَدْلُكَ عَنْ ظُلْمِ الْحَبِيبِ هُوَ الظُّلْمُ قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي يَخْرُجُ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ تَكَلُّمٌ، وَأَنْ يَرْجِعَ إِلَى النُّورِ، وَالْكَافُ زَائِدَةٌ نَحْوَ قَوْلِكَ: مِثْلُكَ يَجُودُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَشْبِيهٌ وَجْهُهُ الْبَيَانُ وَالظُّهُورُ، كَمَا سُمِّيَتِ الْحُجَّةُ الظَّاهِرَةُ بِالنُّورِ، وَعَلَى الثَّانِي لَا تَشْبِيهَ فِيهِ، فَيَكُونُ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ . (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.

стр. 8046

٥٧٩٨ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٧٩٨ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ) : بِضَمِّ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: فَرِحَ وَصَارَ مَسْرُورًا (اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ (وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ) ، لَعَلَّ الْإِضَافَةَ بَيَانِيَّةٌ، أَوْ بِمَعْنَى مَنْ نَظَرَ إِلَى أَصْلِ الْقَمَرِ مِنَ الْكِبَرِ، لَا بِحَسَبِ بَادِئِ الرَّأْيِ فِي النَّظَرِ. (وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ) . أَيْ مِنْ عَادَتِهِ أَوْ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِي، بَلْ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِنَّا. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ أَيْ كَانَ ظَاهِرًا جَلِيًّا لَا يَخْفَى عَلَى كُلِّ ذِي بَصَرٍ وَبَصِيرَةٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8047

٥٧٩٩ - وَعَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ غُلَامًا يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَوَجَدَ أَبَاهُ عِنْدَ رَأْسِهِ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا يَهُودِيٌّ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَلْ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ نَعْتِي وَصِفَتِي وَمَخْرَجِي؟ ". قَالَ: لَا، قَالَ الْفَتَى: بَلَى وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَجِدُ لَكَ فِي التَّوْرَاةِ نَعْتَكَ وَوَصْفَكَ وَمَخْرَجَكَ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: " أَقِيمُوا هَذَا مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، وَلُوا أَخَاكُمْ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ". ــ ٥٧٩٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ غُلَامًا) ، أَيْ: وَلَدًا (يَهُودِيًّا) أَيْ: وَاحِدًا مِنَ الْيَهُودِ (كَانَ يَخْدُمُ) : بِضَمِّ الدَّالِ وَيُكْسَرُ (النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ) أَيِ: الْغُلَامُ (فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ) ، تَوَاضُعًا وَجَزَاءً وَرَجَاءً (فَوَجَدَ أَبَاهُ عِنْدَ رَأْسِهِ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ) ، أَيْ بَعْضًا مِنْهَا، كَمَا يُقْرَأُ سُورَةُ يس عِنْدَنَا حَالَةَ النَّزْعِ (فَقَالَ لَهُ) أَيْ: لِأَبِيهِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا يَهُودِيٌّ أَنْشُدُكَ) : بِضَمِّ الشِّينِ أَيْ: أُقْسِمُ عَلَيْكَ (بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، هَلْ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ) أَيْ: فِي بَعْضِ آيَاتِهَا (نَعْتِي) أَيْ: بِاعْتِبَارِ ذَاتِي وَخَلْقِي (وَصِفَتِي) أَيْ: بِاعْتِبَارِ أَفْعَالِي وَأَحْوَالِي (وَمَخْرَجِي) أَيْ: مَكَانَ خُرُوجِي، أَوْ زَمَانَهُ مِنْ وِلَادَةٍ أَوْ بَعْثَةٍ أَوْ هِجْرَةٍ. (قَالَ: لَا. قَالَ الْفَتَى) أَيِ: الْغُلَامُ (بَلَى، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَجِدُ لَكَ فِي التَّوْرَاةِ نَعْتَكَ وَوَصْفَكَ) : وَفِي نُسَخٍ صَحِيحَةٍ وَصِفَتَكَ (وَمَخْرَجَكَ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: (أَقِيمُوا هَذَا) أَيْ: أَبَاهُ (مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، وَلُوا أَخَاكُمْ) : الْوَاوُ لِلْعَطْفِ! عَلَى أَقِيمُوا. وَلُوا: أَمْرُ مُخَاطَبٍ مِنْ وَلِيَ الْأَمْرَ يَلِيهِ إِذَا تَوَلَّاهُ أَيْ: كُونُوا وَلِيَّ أَمْرِ أَخِيكُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَتَوَلَّوْا أَمْرَ تَجْهِيزِهِ وَتَكْفِينِهِ وَسَائِرَ الْأَحْكَامِ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ، وَبَعْضُ مُحَدِّثِي زَمَانِنَا: قَرَأَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَلَى أَنَّهَا حَرْفُ شَرْطٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَتَحْرِيفٌ رِوَايَةً وَدِرَايَةً. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .

стр. 8048

٥٨٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٥٨٠٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ» ) . بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ: مَا أَنَا إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَالِمِينَ أَهْدَاهَا اللَّهُ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ قَبِلَ هَدِيَّتَهُ أَفْلَحَ وَظَفِرَ، وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْ خَابَ وَخَسِرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَكَذَا ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مُرْسَلًا، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.

стр. 8049

[بَابٌ فِي أَخْلَاقِهِ وَشَمَائِلِهِ ﷺ ]

стр. 8050

بَابٌ فِي أَخْلَاقِهِ وَشَمَائِلِهِ ﷺ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٨٠١ - «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ وَلَا لِمَ صَنَعْتَ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ بَابٌ فِي أَخْلَاقِهِ وَشَمَائِلِهِ ﷺ فِي النِّهَايَةِ: الْخُلُقُ بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِهَا الدِّينُ وَالطَّبْعُ وَالسَّجِيَّةُ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ لِصُورَةِ الْإِنْسَانِ الْبَاطِنَةِ وَهِيَ نَفْسُهُ وَأَوْصَافُهَا الْمُخْتَصَّةُ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَفْقِ كَصُورَتِهَا الظَّاهِرَةِ وَأَوْصَافِهَا وَمَعَانِيهَا، وَلَهُمَا أَوْصَافٌ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَالشَّمَائِلُ جَمْعُ شِمَالٍ وَهُوَ الْخُلُقُ انْتَهَى. وَالشِّمَالُ بِالْكَسْرِ بِمَعْنَى الطَّبْعِ لَا بِمَعْنَى الْيَسَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] وَلَا بِالْفَتْحِ وَالْهَمْزِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الرِّيحِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلْبَابِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٨٠١ - ( «عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ» ) ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: تِسْعَ سِنِينَ (فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ) : بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَنْوِينِ الْمَكْسُورَةِ، وَهِيَ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ مُتَوَاتِرَاتٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِيهِ عَشْرُ لُغَاتٍ: أُفِّ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا بِلَا تَنْوِينٍ، وَبِالتَّنْوِينِ ثَلَاثَةٌ أُخَرُ. وَأُفْ: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ، وَإِفَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَأُفِّي، وَأُفَّهْ بِضَمِّ هَمْزَتِهِمَا. قَالَ شَارِحٌ: وَهِيَ كَلِمَةُ تَبَرُّمٍ أَيْ مَا قَالَ لِي مَا فِيهِ تَبَرُّمٌ وَمَلَالٌ. (وَلَا لِمَ صَنَعْتَ) أَيْ لِأَيِّ شَيْءٍ صَنَعْتَ هَذَا بِالْفِعْلِ (وَلَا أَلَّا) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ هَلَّا (صَنَعْتَ) ، أَيْ لِمَ لَا فَعَلْتَ هَذَا الْأَمْرَ، وَالْمَعْنَى لَمْ يَقُلْ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ، وَكُنْتُ مَأْمُورًا بِهِ لِمَ لَا صَنَعْتَهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ أُفٍّ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أَتَضَجَّرُ وَأَكْرَهُ، وَحَرْفُ التَّحْضِيضِ فِي الْمَاضِي أَفَادَ التَّنْدِيمَ كَمَا فِي الْمُضَارِعِ يُفِيدُ التَّحْرِيضَ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَرْكَ اعْتِرَاضِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَنَسٍ ﵁ فِيمَا خَالَفَ أَمْرَهُ إِنَّمَا يُفْرَضُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِدْمَةِ وَالْآدَابِ، لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الِاعْتِرَاضِ فِيهِ، وَفِيهِ أَيْضًا مَدْحُ أَنَسٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ أَمْرًا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ اعْتِرَاضٌ مَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، وَزَادَ: (قَطُّ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (أُفٍّ) ثُمَّ قَالَ: «وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ» ؟

стр. 8051

٥٨٠٢ - وَعَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي قَالَ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ: يَا أُنَيْسُ ذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ. قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٨٠٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ ﵁ (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا» ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيَسْكُنُ اللَّامُ أَيْ عِشْرَةً (فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا، لِحَاجَةٍ، قُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ) ، أَيْ بِلِسَانٍ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْوَقْتَ الْآتِيَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَفِي نَفْسِي) أَيْ: وَفِي قَلْبِي وَجَنَانِي (أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ لِأَجْلِ أَمْرِهِ إِيَّايَ بِهِ (فَخَرَجْتُ) أَيْ عَلَى قَصْدِ الذَّهَابِ إِلَيْهِ (حَتَّى أَمَرَ) : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ حِكَايَةُ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَتَّى نَاصِبَةً بِمَعْنَى " كَيْ " قُلْتُ: لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ الْمَعْنَى إِذِ الْمُرَادُ أَنِّي خَرَجْتُ أَذْهَبُ إِلَى أَنْ مَرَرْتُ فِي طَرِيقِي (عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ) ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَقَفَ عِنْدَهُمْ إِمَّا لِلَّعِبِ أَوْ لِلتَّفَرُّجِ، وَلِذَا قَالَ: (فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَبَضَ) أَيْ أَخَذَ (بِقَفَايَ) : وَالْقَفَا بِالْقَصْرِ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ فَقَوْلُهُ: (مِنْ وَرَائِي) ، لِلتَّأْكِيدِ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَبَضَ (قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ (فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، وَقَالَ: " يَا أُنَيْسُ ") تَصْغِيرُ أَنَسٍ لِلشَّفَقَةِ وَالْمَرْحَمَةِ (" ذَهَبْتَ ") أَيْ: أَذَهَبْتَ (" حَيْثُ أَمَرْتُكَ "؟ قُلْتُ: نَعَمْ) . بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرَعَ فِي الذَّهَابِ فَقَوْلُهُ: (أَنَا أَذْهَبُ) أَيِ: الْآنَ أُكْمِلُ الذَّهَابَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ) ! قَالَ شَارِحٌ: إِنَّمَا قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ كَالْمَوْجُودِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ جَزَمَ الْعَزْمَ عَلَى الذَّهَابِ، أَوْ لِأَنَّ ذَهَبْتَ فِي السُّؤَالِ فِي مَعْنَى أَتَذْهَبُ لِعِلْمِهِ ﷺ بِأَنَّهُ مَا ذَهَبَ أَنَسٌ إِلَى تِلْكَ الْحَاجَةِ، وَاقْتَصَرَ الطِّيبِيُّ عَلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ وَأَمْثَالُهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا غَيْرَ مُكَلَّفٍ قَالَ الْجَزَرِيُّ: وَلِذَا مَا أَدَّبَهُ بَلْ دَاعَبَهُ، وَأَخَذَ بِقَفَاهُ وَهُوَ يَضْحَكُ رِفْقًا بِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8052

٥٨٠٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً وَرَجَعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي نَحْرِ الْأَعْرَابِيِّ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ ﷺ ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٠٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ) أَيْ: ثَوْبٌ مُخَطَّطٌ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (نَجْرَانِيٌّ) : بِفَتْحِ نُونٍ وَسُكُونِ جِيمٍ مَنْسُوبٌ إِلَى نَجْرَانَ بَلَدٍ بِالْيَمَنِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْيَمَنِ، (غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ) ، أَيِ الطَّرْفِ (فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ) ، أَيْ لَحِقَهُ (مِنْ وَرَائِهِ فَجَبَذَهُ) أَيْ: فَجَذَبَ الْأَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ ﷺ بِرِدَائِهِ (جَبْذَةً شَدِيدَةً) ، وَالْجَبْذُ: لُغَةٌ فِي الْجَذْبِ، وَقِيلَ: هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْهُ (وَرَجَعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي نَحْرِ الْأَعْرَابِيِّ) أَيْ: فِي صَدْرِهِ وَمُقَابِلِهِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ أَيِ: اسْتَقْبَلَ ﷺ نَحْرَهُ اسْتِقْبَالًا تَامًّا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ يَتَأَثَّرْ مِنْ سُوءِ أَدَبِهِ. (حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَهُوَ مَوْضِعُ أَدَاءٍ مِنَ الْمَنْكِبِ (قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا) أَيْ: فِي صَفْحَتِهِ. (حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبِهِ) ، قُلْتُ: وَصَدَقَ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] . (ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ) ! وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ، فَلِذَلِكَ فَعَلَ مَا فَعَلَهُ، ثُمَّ خَاطَبَهُ بِاسْمِهِ قَائِلًا عَلَى وَجْهِ الْعُنْفِ مُقَابِلًا لِبَحْرِ اللُّطْفِ (مُرْ لِي) أَيْ: مُرْ وُكَلَاءَكَ بِأَنْ يُعْطُوا لِي أَوْ مُرْ بِالْعَطَاءِ لِأَجْلِي (مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ) ، أَيْ مِنْ غَيْرِ صَنِيعٍ لَكَ فِي إِعْطَائِكَ، كَمَا صَرَّحَ فِي رِوَايَةٍ حَيْثُ قَالَ: لَا مِنْ مَالِكَ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ مَالُ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصْرَفُ بَعْضُهُ إِلَى الْمُؤَلَّفَةِ، (فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ فَنَظَرَ إِلَيْهِ تَعَجُّبًا (ثُمَّ ضَحِكَ) ، أَيْ تَلَطُّفًا (ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ) . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ احْتِمَالِ الْوَالِي مِنْ أَذَى قَوْمِهِ، وَفِيهِ دَفْعُ الْمَالِ حِفْظًا عَلَى عِرْضِ الرِّجَالِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8053

٥٨٠٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ وَفِي عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٠٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ ﵁ (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ» ) ، أَيْ خَلْقًا وَخُلُقًا، وَصُورَةً وَسِيرَةً، وَنَسَبًا وَحَسَبًا، وَمُعَاشَرَةً وَمُصَاحَبَةً، (وَأَجْوَدَ النَّاسِ) ، أَيْ أَكْثَرَهُمْ كَرَمًا وَسَخَاوَةً (وَأَشْجَعَ النَّاسِ) أَيْ: قُوَّةً وَقَلْبًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤] عَلَى الْقِتَالِ، وَلِذَا كَانَ يَرْكَبُ الْبَغْلَ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَهُ الْكَرُّ. (وَلَقَدْ فَزِعَ) : بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ خَافَ (أَهْلُ الْمَدِينَةِ) : وَفِي الْمَصَابِيحِ: فَزِعَ النَّاسُ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَيِ: اسْتَغَاثُوا. يُقَالُ: فَزِعَ مِنْهُ بِالْكَسْرِ أَيْ خَافَ، وَفَزِعَ إِلَيْهِ أَيِ اسْتَغَاثَ كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ لَهُ. (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أَيْ: حَيْثُ سَمِعُوا أَصْوَاتًا أَنْكَرُوهَا، (فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ) ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: إِلَى جَانِبِهِ (فَاسْتَقْبَلَهُمْ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ رَاجِعًا إِلَيْهِمْ حَالَ كَوْنِهِ (قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ) أَيْ: إِلَى نَحْوِهِ وَتَحَقَّقَ عَدَمُ الْفَزَعِ عِنْدَهُ، وَأَبْعَدَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: الضَّمِيرُ فِي (فَاسْتَقْبَلَهُمْ) رَاجِعٌ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الصَّوْتُ الَّذِي فَزِعَ مِنْهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، يَعْنِي الْقَوْمَ. قَالَ مِيرَكُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّاسِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ﷺ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ، فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ الَّذِينَ خَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ. قُلْتُ: بَلْ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيِّنُ لِقَوْلِهِ: (وَهُوَ يَقُولُ: " لَمْ تُرَاعُوا ") ، بِضَمِّ التَّاءِ وَالْعَيْنِ مَجْهُولٌ مِنَ الرَّوْعِ بِمَعْنَى الْفَزَعِ وَالْخَوْفِ، أَيْ: تَخَافُوا وَلَمْ تَفْزَعُوا، وَأَتَى بِصِيغَةِ الْجَحْدِ مُبَالَغَةً فِي النَّفْيِ، وَكَأَنَّهُ مَا وَقَعَ الرَّوْعُ وَالْفَزَعُ قَطُّ (" لَمْ تُرَاعُوا ") : كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا أَوْ كُلٌّ لِخِطَابِ قَوْمٍ مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَيُرْوَى لَنْ تُرَاعُوا، وَالْعَرَبُ تَضَعُ لَمْ وَلَنْ مَوْضِعَ " لَا " انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ خَبَرًا فِي مَعْنَى النَّهْيِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ.

стр. 8054

يَكُونُ خَبَرًا فِي مَعْنَى النَّهْيِ " وَأَمَّا عَلَى هَذَا فَيَكُونُ نَهْيًا عَلَى الْحَقِيقَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ فِي أَوْثَقِ الرِّوَايَاتِ لَنْ تُرَاعُوا أَيْ: لَا خَوْفَ وَلَا فَزَعَ فَاسْكُنُوا يُقَالُ: رِيعَ فُلَانٌ إِذَا فَزِعَ. (وَهُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، أَيْ: لَيْسَ عَلَيْهِ سَرْجٌ، نَقُولُ: (مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ) : بَيَانٌ وَتَأْكِيدٌ أَوِ احْتِرَازٌ مِنْ نَحْوِ: جُلٍّ أَوْ لِجَامٍ، (وَفِي عُنُقِهِ) أَيِ: النَّبِيِّ ﷺ (سَيْفٌ) . أَيْ مُتَقَلِّدٌ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ السَّيْفِ أَيْ فِي جِيدِ الْفَرَسِ حَبْلٌ مِنْ لِيفِ السَّعَفِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ شَارِحٌ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا فِي الْمَبْنَى (فَقَالَ: " لَقَدْ وَجَدْتُهُ ") أَيِ: الْفَرَسَ (" بَحْرًا ") . أَيْ جَوَادًا وَسَرِيعَ الْجَرْيِ، وَكَانَ يُسَمَّى ذَلِكَ الْفَرَسُ الْمَنْدُوبَ بِمَعْنَى الْمَطْلُوبِ، وَكَانَ بَطِيئًا ضَيِّقَ الْجَرْيِ، فَانْقَلَبَ حَالُهُ بِبَرَكَةِ رُكُوبِهِ ﷺ وَيُشَبَّهُ الْفَرَسُ إِذَا كَانَ جَوَادًا بِالْبَحْرِ لِاسْتِرَاحَةِ رَاكِبِهِ بِهِ كَرَاكِبِ الْمَاءِ إِذَا كَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ بَيَانُ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ جَلِيلِ الصِّفَاتِ، وَفِيهِ مُعْجِزَةُ انْقِلَابِ الْفَرَسِ سَرِيعًا بَعْدَ أَنْ كَانَ بَطِيئًا، وَفِيهِ جَوَازُ سَبْقِ الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ فِي كَشْفِ أَخْبَارِ الْعَدُوِّ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ بِالْهَلَاكِ، وَجَوَازُ الْعَارِيَةِ، وَجَوَازُ الْغَزْوِ عَلَى فَرَسِ الْمُسْتَعَارِ، وَاسْتِحْبَابُ تَقَلُّدِ السَّيْفِ فِي الْعُنُقِ، وَتَبْشِيرُ النَّاسِ بَعْدَ الْخَوْفِ إِذَا ذَهَبَ.

стр. 8055

٥٨٠٥ - وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٠٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: مَا سُئِلَ) أَيْ: مَا طُلِبَ مِنْ (رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا) . أَيْ لَا أُعْطِيهِ، بَلْ إِمَّا أَعْطَى أَوِ اعْتَذَرَ وَدَعَا أَوْ وَعَدَ لَهُ فِيمَا تَمَنَّى عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ ﷺ كَانَ رَحِيمًا، فَكَانَ لَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ إِلَّا وَعَدَهُ وَأَنْجَزَ لَهُ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، هَذَا وَكَانَ يَقُولُ ﷺ : ( «أَنْفِقْ يَا بِلَالُ " وَقِيلَ: " بِلَالًا وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا» ) . كَمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ بِلَالٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَا أَبْلَغَ قَوْلَ الْفَرَزْدَقِ فِي زَيْنِ الْعَابِدِينَ: حَمَّالُ أَثْقَالِ أَقْوَامٍ إِذَا مَدَحُوا ... حُلْوُ الشَّمَائِلِ يَحْلُو عِنْدَهُ نَعَمُ مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ ... لَوْلَا التَّشَهُّدُ لَمْ يَنْطِقْ بِذَاكَ فَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: «كَانَ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ أَوْ سَكَتَ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ.
следующие страницы →