Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.
стр. 8051
٥٨٠٢ - وَعَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي قَالَ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقَالَ: يَا أُنَيْسُ ذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ. قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٨٠٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ ﵁ (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا» ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيَسْكُنُ اللَّامُ أَيْ عِشْرَةً (فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا، لِحَاجَةٍ، قُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ) ، أَيْ بِلِسَانٍ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْوَقْتَ الْآتِيَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَفِي نَفْسِي) أَيْ: وَفِي قَلْبِي وَجَنَانِي (أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ لِأَجْلِ أَمْرِهِ إِيَّايَ بِهِ (فَخَرَجْتُ) أَيْ عَلَى قَصْدِ الذَّهَابِ إِلَيْهِ (حَتَّى أَمَرَ) : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ حِكَايَةُ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَتَّى نَاصِبَةً بِمَعْنَى " كَيْ " قُلْتُ: لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ الْمَعْنَى إِذِ الْمُرَادُ أَنِّي خَرَجْتُ أَذْهَبُ إِلَى أَنْ مَرَرْتُ فِي طَرِيقِي (عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ) ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَقَفَ عِنْدَهُمْ إِمَّا لِلَّعِبِ أَوْ لِلتَّفَرُّجِ، وَلِذَا قَالَ: (فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَبَضَ) أَيْ أَخَذَ (بِقَفَايَ) : وَالْقَفَا بِالْقَصْرِ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ فَقَوْلُهُ: (مِنْ وَرَائِي) ، لِلتَّأْكِيدِ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِقَبَضَ (قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ (فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، وَقَالَ: " يَا أُنَيْسُ ") تَصْغِيرُ أَنَسٍ لِلشَّفَقَةِ وَالْمَرْحَمَةِ (" ذَهَبْتَ ") أَيْ: أَذَهَبْتَ (" حَيْثُ أَمَرْتُكَ "؟ قُلْتُ: نَعَمْ) . بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرَعَ فِي الذَّهَابِ فَقَوْلُهُ: (أَنَا أَذْهَبُ) أَيِ: الْآنَ أُكْمِلُ الذَّهَابَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ) ! قَالَ شَارِحٌ: إِنَّمَا قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ كَالْمَوْجُودِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ جَزَمَ الْعَزْمَ عَلَى الذَّهَابِ، أَوْ لِأَنَّ ذَهَبْتَ فِي السُّؤَالِ فِي مَعْنَى أَتَذْهَبُ لِعِلْمِهِ ﷺ بِأَنَّهُ مَا ذَهَبَ أَنَسٌ إِلَى تِلْكَ الْحَاجَةِ، وَاقْتَصَرَ الطِّيبِيُّ عَلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ وَأَمْثَالُهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا غَيْرَ مُكَلَّفٍ قَالَ الْجَزَرِيُّ: وَلِذَا مَا أَدَّبَهُ بَلْ دَاعَبَهُ، وَأَخَذَ بِقَفَاهُ وَهُوَ يَضْحَكُ رِفْقًا بِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8052
٥٨٠٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً وَرَجَعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي نَحْرِ الْأَعْرَابِيِّ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ ﷺ ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٨٠٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ) أَيْ: ثَوْبٌ مُخَطَّطٌ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (نَجْرَانِيٌّ) : بِفَتْحِ نُونٍ وَسُكُونِ جِيمٍ مَنْسُوبٌ إِلَى نَجْرَانَ بَلَدٍ بِالْيَمَنِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَفِي النِّهَايَةِ: هُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْيَمَنِ، (غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ) ، أَيِ الطَّرْفِ (فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ) ، أَيْ لَحِقَهُ (مِنْ وَرَائِهِ فَجَبَذَهُ) أَيْ: فَجَذَبَ الْأَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ ﷺ بِرِدَائِهِ (جَبْذَةً شَدِيدَةً) ، وَالْجَبْذُ: لُغَةٌ فِي الْجَذْبِ، وَقِيلَ: هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْهُ (وَرَجَعَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي نَحْرِ الْأَعْرَابِيِّ) أَيْ: فِي صَدْرِهِ وَمُقَابِلِهِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ أَيِ: اسْتَقْبَلَ ﷺ نَحْرَهُ اسْتِقْبَالًا تَامًّا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ يَتَأَثَّرْ مِنْ سُوءِ أَدَبِهِ. (حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَهُوَ مَوْضِعُ أَدَاءٍ مِنَ الْمَنْكِبِ (قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا) أَيْ: فِي صَفْحَتِهِ. (حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبِهِ) ، قُلْتُ: وَصَدَقَ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] . (ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ) ! وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ، فَلِذَلِكَ فَعَلَ مَا فَعَلَهُ، ثُمَّ خَاطَبَهُ بِاسْمِهِ قَائِلًا عَلَى وَجْهِ الْعُنْفِ مُقَابِلًا لِبَحْرِ اللُّطْفِ (مُرْ لِي) أَيْ: مُرْ وُكَلَاءَكَ بِأَنْ يُعْطُوا لِي أَوْ مُرْ بِالْعَطَاءِ لِأَجْلِي (مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ) ، أَيْ مِنْ غَيْرِ صَنِيعٍ لَكَ فِي إِعْطَائِكَ، كَمَا صَرَّحَ فِي رِوَايَةٍ حَيْثُ قَالَ: لَا مِنْ مَالِكَ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ مَالُ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصْرَفُ بَعْضُهُ إِلَى الْمُؤَلَّفَةِ، (فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ فَنَظَرَ إِلَيْهِ تَعَجُّبًا (ثُمَّ ضَحِكَ) ، أَيْ تَلَطُّفًا (ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ) . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ احْتِمَالِ الْوَالِي مِنْ أَذَى قَوْمِهِ، وَفِيهِ دَفْعُ الْمَالِ حِفْظًا عَلَى عِرْضِ الرِّجَالِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8053
٥٨٠٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ وَفِي عُنُقِهِ سَيْفٌ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٨٠٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ ﵁ (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ» ) ، أَيْ خَلْقًا وَخُلُقًا، وَصُورَةً وَسِيرَةً، وَنَسَبًا وَحَسَبًا، وَمُعَاشَرَةً وَمُصَاحَبَةً، (وَأَجْوَدَ النَّاسِ) ، أَيْ أَكْثَرَهُمْ كَرَمًا وَسَخَاوَةً (وَأَشْجَعَ النَّاسِ) أَيْ: قُوَّةً وَقَلْبًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤] عَلَى الْقِتَالِ، وَلِذَا كَانَ يَرْكَبُ الْبَغْلَ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَهُ الْكَرُّ. (وَلَقَدْ فَزِعَ) : بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ خَافَ (أَهْلُ الْمَدِينَةِ) : وَفِي الْمَصَابِيحِ: فَزِعَ النَّاسُ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَيِ: اسْتَغَاثُوا. يُقَالُ: فَزِعَ مِنْهُ بِالْكَسْرِ أَيْ خَافَ، وَفَزِعَ إِلَيْهِ أَيِ اسْتَغَاثَ كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ لَهُ. (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أَيْ: حَيْثُ سَمِعُوا أَصْوَاتًا أَنْكَرُوهَا، (فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ) ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: إِلَى جَانِبِهِ (فَاسْتَقْبَلَهُمْ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ رَاجِعًا إِلَيْهِمْ حَالَ كَوْنِهِ (قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ) أَيْ: إِلَى نَحْوِهِ وَتَحَقَّقَ عَدَمُ الْفَزَعِ عِنْدَهُ، وَأَبْعَدَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: الضَّمِيرُ فِي (فَاسْتَقْبَلَهُمْ) رَاجِعٌ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الصَّوْتُ الَّذِي فَزِعَ مِنْهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، يَعْنِي الْقَوْمَ. قَالَ مِيرَكُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّاسِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ﷺ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ، فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ الَّذِينَ خَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ. قُلْتُ: بَلْ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيِّنُ لِقَوْلِهِ: (وَهُوَ يَقُولُ: " لَمْ تُرَاعُوا ") ، بِضَمِّ التَّاءِ وَالْعَيْنِ مَجْهُولٌ مِنَ الرَّوْعِ بِمَعْنَى الْفَزَعِ وَالْخَوْفِ، أَيْ: تَخَافُوا وَلَمْ تَفْزَعُوا، وَأَتَى بِصِيغَةِ الْجَحْدِ مُبَالَغَةً فِي النَّفْيِ، وَكَأَنَّهُ مَا وَقَعَ الرَّوْعُ وَالْفَزَعُ قَطُّ (" لَمْ تُرَاعُوا ") : كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا أَوْ كُلٌّ لِخِطَابِ قَوْمٍ مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَيُرْوَى لَنْ تُرَاعُوا، وَالْعَرَبُ تَضَعُ لَمْ وَلَنْ مَوْضِعَ " لَا " انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ خَبَرًا فِي مَعْنَى النَّهْيِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ.
стр. 8054
يَكُونُ خَبَرًا فِي مَعْنَى النَّهْيِ " وَأَمَّا عَلَى هَذَا فَيَكُونُ نَهْيًا عَلَى الْحَقِيقَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ فِي أَوْثَقِ الرِّوَايَاتِ
لَنْ تُرَاعُوا أَيْ: لَا خَوْفَ وَلَا فَزَعَ فَاسْكُنُوا يُقَالُ: رِيعَ فُلَانٌ إِذَا فَزِعَ. (وَهُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، أَيْ: لَيْسَ عَلَيْهِ سَرْجٌ، نَقُولُ: (مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ) : بَيَانٌ وَتَأْكِيدٌ أَوِ احْتِرَازٌ مِنْ نَحْوِ: جُلٍّ أَوْ لِجَامٍ، (وَفِي عُنُقِهِ) أَيِ: النَّبِيِّ ﷺ (سَيْفٌ) . أَيْ مُتَقَلِّدٌ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ السَّيْفِ أَيْ فِي جِيدِ الْفَرَسِ حَبْلٌ مِنْ لِيفِ السَّعَفِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ شَارِحٌ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا فِي الْمَبْنَى (فَقَالَ: " لَقَدْ وَجَدْتُهُ ") أَيِ: الْفَرَسَ (" بَحْرًا ") . أَيْ جَوَادًا وَسَرِيعَ الْجَرْيِ، وَكَانَ يُسَمَّى ذَلِكَ الْفَرَسُ الْمَنْدُوبَ بِمَعْنَى الْمَطْلُوبِ، وَكَانَ بَطِيئًا ضَيِّقَ الْجَرْيِ، فَانْقَلَبَ حَالُهُ بِبَرَكَةِ رُكُوبِهِ ﷺ وَيُشَبَّهُ الْفَرَسُ إِذَا كَانَ جَوَادًا بِالْبَحْرِ لِاسْتِرَاحَةِ رَاكِبِهِ بِهِ كَرَاكِبِ الْمَاءِ إِذَا كَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ بَيَانُ مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ جَلِيلِ الصِّفَاتِ، وَفِيهِ مُعْجِزَةُ انْقِلَابِ الْفَرَسِ سَرِيعًا بَعْدَ أَنْ كَانَ بَطِيئًا، وَفِيهِ جَوَازُ سَبْقِ الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ فِي كَشْفِ أَخْبَارِ الْعَدُوِّ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ بِالْهَلَاكِ، وَجَوَازُ الْعَارِيَةِ، وَجَوَازُ الْغَزْوِ عَلَى فَرَسِ الْمُسْتَعَارِ، وَاسْتِحْبَابُ تَقَلُّدِ السَّيْفِ فِي الْعُنُقِ، وَتَبْشِيرُ النَّاسِ بَعْدَ الْخَوْفِ إِذَا ذَهَبَ.
стр. 8055
٥٨٠٥ - وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٨٠٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: مَا سُئِلَ) أَيْ: مَا طُلِبَ مِنْ (رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا) . أَيْ لَا أُعْطِيهِ، بَلْ إِمَّا أَعْطَى أَوِ اعْتَذَرَ وَدَعَا أَوْ وَعَدَ لَهُ فِيمَا تَمَنَّى عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ ﷺ كَانَ رَحِيمًا، فَكَانَ لَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ إِلَّا وَعَدَهُ وَأَنْجَزَ لَهُ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، هَذَا وَكَانَ يَقُولُ ﷺ : ( «أَنْفِقْ يَا بِلَالُ " وَقِيلَ: " بِلَالًا وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا» ) . كَمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ بِلَالٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَا أَبْلَغَ قَوْلَ الْفَرَزْدَقِ فِي زَيْنِ الْعَابِدِينَ:
حَمَّالُ أَثْقَالِ أَقْوَامٍ إِذَا مَدَحُوا ... حُلْوُ الشَّمَائِلِ يَحْلُو عِنْدَهُ نَعَمُ
مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ ... لَوْلَا التَّشَهُّدُ لَمْ يَنْطِقْ بِذَاكَ فَمُ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: «كَانَ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ أَوْ سَكَتَ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ.
стр. 8056
٥٨٠٦ - وَعَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ أَسْلِمُوا فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٨٠٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ) : ﵁ (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ) ، أَيْ قِطْعَةَ غَنَمٍ تَمْلَأُ مَا بَيْنَهُمَا (أَعْطَاهُ اللَّهُ) ، أَيْ مَطْلُوبَهُ عَلَى وَجْهٍ تَمَنَّاهُ (فَأَتَى قَوْمَهُ) ، أَيْ مُتَعَجِّبًا مِنْ كَرَمِهِ الدَّالِّ عَلَى كَمَالِ تَوَكُّلِهِ وَزُهْدِهِ (فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ) أَيْ يَا قَوْمِ (أَسْلِمُوا) أَيْ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِي إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ (فَوَاللَّهِ، إِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً) أَيْ: عَظِيمًا (مَا يَخَافُ الْفَقْرَ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ يُعْطِي، وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِعَطَاءِ اللَّهِ عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ مَعَهُ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ دَلَّ هَذَا الْوَصْفُ عَلَى وُجُوبِ الْإِسْلَامِ؟ قُلْتُ: مَقَامَ ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ مَعَ إِعْطَاءِ الْجَزِيلِ يَدُلُّ عَلَى وُثُوقِهِ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَى دَعْوَةِ الْخَلْقِ، فَإِنَّ مِنْ جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ خَوْفَ الْفَقْرِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8057
٥٨٠٧ - «وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ فَعَلِقَتِ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أَعْطُونِي رِدَائِي لَوْ كَانَ لِي عَدَدَ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمٌ لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٨٠٧ - (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، بَيْنَمَا هُوَ) أَيْ: جُبَيْرٌ (يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْفَلَهُ) : مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَوِ اسْمُ زَمَانٍ مِنْ قَفَلَ كَنَصَرَ وَرَجَعَ قُفُولًا رَجَعَ أَيْ: عِنْدَ رُجُوعِهِ أَوْ وَقْتَ رُجُوعِهِ (مِنْ حُنَيْنٍ) ، بِالتَّصْغِيرِ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ (فَعَلِقَتْ) : بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ نَشِبَتِ (الْأَعْرَابُ) : أَوْ طَفِقَتْ (يَسْأَلُونَهُ) أَيْ: يَطْلُبُونَهُ مِنَ الْعَطَايَا
стр. 8058
وَالْمَطَايَا (وَهُوَ يُعْطِيهِمْ) : أَوْ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ (حَتَّى اضْطَرُّوهُ) أَيْ: أَلْجَئُوهُ (إِلَى سَمُرَةٍ) : بِفَتْحٍ فَضَمٍّ أَيْ: شَجَرَةِ طَلْحٍ (فَخَطَفَتْ) : بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ أَخَذَتِ السُّمْرَةُ بِسُرْعَةٍ (رِدَاءَهُ) : حَيْثُ تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ: سَلَبَتِ انْتَهَى. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْأَعْرَابِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " أَعْطُونِي رِدَائِي) ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: أَيْ عَلَّقَ رِدَاءَهُ بِهَا فَاسْتُعِيرَ لَهَا الْخَطْفُ، (" لَوْ كَانَ لِي عَدَدَ هَذِهِ الْعِضَاهِ ") : بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمِلَةِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْهَاءِ فِي الْآخِرِ أُمُّ غَيْلَانَ، وَقِيلَ: كُلُّ شَجَرٍ يَعْظُمُ وَلَهُ شَوْكٌ وَاحِدَةٌ عِضَاهَةٌ وَعِضَةٌ بِحَذْفِ الْهَاءِ الْأَصْلِيَّةِ، كَمَا حُذِفَ مِنَ الشَّفَهِ، وَعَدَدَ: نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ يَعُدُ عَدَدَهَا، أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ بِعَدَدِهَا أَوْ كَعَدَدِهَا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ (" نَعَمْ ") : بِفَتْحَتَيْنِ، وَفِي الْقَامُوسِ: النَّعَمُ وَقَدْ تُكْسَرُ عَيْنُهُ الْإِبِلُ وَالشَّاءُ أَوْ خَاصٌّ بِالْإِبِلِ وَجَمْعُهُ أَنْعَامٌ. قُلْتُ: وَيَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] حَيْثُ يُرَادُ بِهَا أَصْنَافُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ مِنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ (" لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ") ، أَيْ لِزُهْدِي فِي النَّعَمِ وَتَرْكِي لِلنِّعَمِ وَطَلَبِي قُرْبَ الْمُنْعِمِ (" ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا ") : ثُمَّ هُنَا بِمَعْنَى الْفَاءِ، أَوْ لِلتَّرَاخِي فِي الزَّمَانِ أَيْ: بَعْدَمَا جَرَّبْتُمُونِي فِي الْعَطَاءِ، وَعَرَفْتُمْ طَبْعِي فِي الْوَعْدِ بِالْوَفَاءِ، وَاعْتِمَادِي عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، فَلَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، (" وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا ") ، وَقَالَ الْمَظْهَرُ أَيْ: إِذَا جَرَّبْتُمُونِي فِي الْوَقَائِعِ لَا تَجِدُونِي مُتَّصِفًا بِالْأَوْصَافِ الرَّذِيلَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْرِيفِ نَفْسِهِ بِالْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ لِمَنْ لَا يَعْرِفُهُ لِيَعْتَمِدَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ثُمَّ هُنَا لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ يَعْنِي أَنَا فِي ذَلِكَ الْعَطَاءِ لَسْتُ بِمُضْطَرٍّ إِلَيْهِ، بَلْ أُعْطِيهِ مَعَ أَرْيَحِيَّةِ نَفْسٍ وَوُفُورِ نَشَاطٍ، وَلَا بِكَذُوبٍ أَدْفَعُكُمْ عَنْ نَفْسِي، ثُمَّ أَمْنَعُكُمْ عَنْهُ، وَلَا بِجَبَانٍ أَخَافُ أَحَدًا، فَهُوَ كَالتَّتْمِيمِ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 8059
٥٨٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ فَمَا يَأْتُونَ إِنَاءً إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا فَرُبَّمَا جَاءُوهُ بِالْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِيهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٨٠٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ) أَيِ: الْفَجْرَ (جَاءَ) : وَفِي الْجَامِعِ جَاءَهُ (خَدَمُ الْمَدِينَةِ) : جَمْعُ خَادِمٍ مِنْ غُلَامٍ أَوْ جَارِيَةٍ (بِآنِيَتِهَا) : جَمْعُ إِنَاءٍ (فِيهَا الْمَاءُ) ، أَيْ فَيَطْلُبُونَ الْبَرَكَةَ وَالنَّمَاءَ وَالْعَافِيَةَ وَالشِّفَاءَ (فَمَا يَأْتُونَ) : وَفِي الْجَامِعِ فَمَا يُؤْتَى (بِإِنَاءٍ إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا) ، أَيْ تَطْيِيبًا لِخَوَاطِرِهِمْ وَتَحْصِيلًا لِمَقَاصِدِهِمْ (فَرُبَّمَا جَاءُوهُ بِالْغَدَاةِ) أَيْ: فِي الْغَدْوَةِ (الْبَارِدَةِ فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِيهَا) . قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ تُكَلُّفُ الْمَشَاقِّ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ النَّاسِ، لَا سِيَّمَا مَعَ الْخَدَمِ وَالضُّعَفَاءِ، وَلِيَتَبَرَّكُوا بِإِدْخَالِ يَدِهِ الْكَرِيمَةِ فِي أَوَانِيهِمْ، وَبَيَانُ تَوَاضُعِهِ مَعَ الضُّعَفَاءِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَحْمَدُ إِلَّا أَنَّهُ فِي الْجَامِعِ عَنْهُمَا بِدُونِ قَوْلِهِ: فَرُبَّمَا إِلَى آخِرِهِ، وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ ﷺ «كَانَ أَرْحَمَ النَّاسِ بِالصِّبْيَانِ وَالْعِيَالِ» . وَفِي الْجَامِعِ: كَانَ مِمَّا يَقُولُ لِلْخَادِمِ " أَلَكَ حَاجَةٌ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ.
стр. 8060
٥٨٠٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: «كَانَتْ أَمَةٌ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٨٠٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ ﵁ (قَالَ: كَانَتْ أَمَةٌ) أَيْ: جَارِيَةٌ (مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) أَيْ: فَرْضًا وَتَقْدِيرًا تَأْخُذُ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْأَخْذِ بِالْيَدِ لَازِمُهُ وَهُوَ الرِّفْقُ (فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ) . أَيْ: وَلَوْ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ تَوَاضُعِهِ مَعَ الْخَلْقِ وَنِهَايَةِ تَسْلِيمِهِ مَعَ الْحَقِّ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 8061
٥٨١٠ - وَعَنْهُ، «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَّةً فَقَالَ يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٨١٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ) أَيْ مِنَ الْخِفَّةِ أَوِ الْجَذْبَةِ (فَقَالَتْ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً) ، أَيْ خَفِيَّةً عَنِ النَّاسِ (فَقَالَ: " يَا أُمَّ فُلَانٍ! انْظُرِي) أَيْ: تَفَكَّرِي أَوْ أَبْصِرِي (" أَيَّ السِّكَكِ ") : بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ جَمْعُ السِّكَّةِ وَهِيَ الزُّقَاقُ (" شِئْتِ ") أَيْ: أَرَدْتِ إِحْضَارِي فِيهِ (" حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ) .
стр. 8062
أَيْ كَيْ أُحَصِّلَ لَكِ مَقْصُودَكِ وَمُرَادَكِ (فَخَلَا) أَيْ: مَضَى (مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ) ، أَيْ وَوَقَفَ مَعَهَا وَسَمِعَ كَلَامَهَا وَرَدَّ جَوَابَهَا (حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا) . وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ مَعَ الْمَرْأَةِ فِي زُقَاقٍ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْخَلْوَةِ مَعَهَا فِي بَيْتٍ عَلَى احْتِمَالِ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ كَانُوا وَاقِفِينَ بَعِيدًا عَنْهُمَا مُرَاعَاةً لِحُسْنِ الْأَدَبِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8063
٥٨١١ - وَعَنْهُ، قَالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا سَبَّابًا كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٨١١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا) أَيْ: آتِيًا بِالْفُحْشِ مِنَ الْفِعْلِ (وَلَا لَعَّانًا وَلَا سَبَّابًا) ، الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا نَفْيُ اللَّعْنِ وَالسَّبِّ، وَكُلِّ مَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْفُحْشِ الْقَوْلِيِّ، لَا نَفْيُ الْمُبَالَغَةِ فِيهِمَا، وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَادَ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا، فَنَفَاهُمَا عَلَى صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْمَقْصُودُ نَفْيُهُمَا مُطْلَقًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ كَلَامِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: بِنَاءُ فَعَّالٍ لِلتَّكْثِيرِ أَوْ لِلْمُبَالَغَةِ، وَنَفْيُهُ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ اللَّعْنِ وَالسَّبِّ مُطْلَقًا. قُلْتُ: الْمَفْهُومُ هَا هُنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لِأَنَّهُ وَارِدٌ فِي مَدْحِهِ ﷺ فَإِنْ أُرِيدَ التَّكْثِيرُ فَيُعْتَبَرُ الْكَثْرَةُ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، أَيْ: لَيْسَ بِلَاعِنٍ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ أُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّعْنَ بَلَغَ فِي الْعِظَمِ بِحَيْثُ لَوْلَا الِاسْتِحْقَاقُ لَكَانَ اللَّاعِنُ بِمِثْلِهِ لَعَّانًا بَلِيغَ اللَّعْنِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] قُلْتُ: الْأَظْهَرُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ أَنْ يُقَالَ: فَعَّالٌ لِلنِّسْبَةِ كَتَمَّارٍ وَلَبَّانٍ أَيْ: لَيْسَ اللَّهُ بِذِي ظُلْمٍ مُطْلَقًا وَلَا رَسُولُهُ بِصَاحِبِ لَعْنٍ وَلَا سَبٍّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا مِنَ الْكُفَّارِ أَوِ الْفُجَّارِ، لِكَوْنِهِ فِي الرَّحْمَةِ، وَلِذَا اسْتَأْنَفَ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ: (كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ) : بِفَتْحِ التَّاءِ، وَقِيلَ بِكَسْرِهَا أَيْضًا بِمَعْنَى الْمَلَامَةِ وَالْعِتَابِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَبِمَعْنَى الْغَضَبِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَاخْتَارَهُ شَارِحٌ وَالْمَعْنَى غَايَةُ مَا يَقُولُهُ عِنْدَ الْمُعَاتَبَةِ، أَوِ الْمُخَاصَمَةِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مُعْرِضًا عَنْهُ غَيْرُ مُخَاطِبٍ لَهُ (" مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ) ؟ وَهِيَ أَيْضًا ذَاتُ وَجْهَيْنِ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً عَلَى الْمَقُولِ لَهُ بِمَعْنَى رَغِمَ أَنْفُكَ، وَأَنْ يَكُونَ دُعَاءً لَهُ بِمَعْنَى سَجَدَ لِلَّهِ وَجْهُكَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 8064
٥٨١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٨١٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : ﵁ (قَالَ: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: " إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا» ") ، أَيْ وَلَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الْكَافِرِينَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (" وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ") أَيْ لِلنَّاسِ عَامَّةً وَلِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً، مُتَخَلِّقًا بِوَصْفِي الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَمَّا لِلْمُؤْمِنِينَ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا لِلْكَافِرِينَ فَلِأَنَّ الْعَذَابَ رُفِعَ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا بِسَبَبِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] أَقُولُ: بَلْ عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ مُرْتَفِعٌ عَنْهُمْ بِبَرَكَةِ وَجُودِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُقَرِّبَ النَّاسَ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَحْمَتِهِ، وَمَا بُعِثْتُ لِأُبْعِدَهُمْ عَنْهَا، فَاللَّعْنُ مُنَافٍ لِحَالِي فَكَيْفَ أَلْعَنُ؟ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ كَرِيزِ بْنِ شَامَةَ قَوْلَهُ: " «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا» ". وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «إِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً وَلَمْ أُبْعَثْ عَذَابًا» ".
стр. 8065
٥٨١٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا فَإِذَا رَأَى شَيْئًا - يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٨١٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ» ) أَيِ: الْبِكْرِ فِي خِدْرِهَا) ، بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ فِي سِتْرِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ تَتْمِيمٌ فَإِنَّ الْعَذْرَاءَ إِذَا كَانَتْ فِي خِدْرِهَا أَشَدُّ حَيَاءً مِمَّا إِذَا كَانَتْ خَارِجَةً عَنْهُ (فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ) أَيْ: مِنْ جِهَةِ الطَّبْعِ أَوْ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ (عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ) . أَيْ مِنْ أَثَرِ التَّغَيُّرِ فَأَزَلْنَاهُ، فَإِنَّهُ مَا كَانَ يُعَايِنُ أَحَدًا بِخُصُوصِهِ فِي أَمْرِ الْكَرَاهَةِ دُونَ الْحُرْمَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُكْرَهُ لِحَيَائِهِ بَلْ يَتَغَيَّرُ وَجْهُهُ، فَنَفْهَمُ كَرَاهِيَتَهُ، وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْحَيَاءِ وَأَنَّهُ مَحْثُوثٌ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الضَّعْفِ وَالْخَوْرِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8066
٥٨١٤ - «وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٨١٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَجْمِعًا) : بِكَسْرِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ (قَطُّ ضَاحِكًا) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ ضَاحِكًا كُلَّ الضَّحِكِ، يُقَالُ: اسْتَجْمَعَ الْفَرَسُ جَرْيًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا ضَاحِكًا وُضِعَ مَوْضِعَ ضَحِكًا عَلَى أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: اسْتَجْمَعَ السَّيْلُ اجْتَمَعَ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ، وَاسْتَجْمَعَتْ لِلْمَرْءِ أُمُورُهُ وَهُوَ لَازِمٌ، وَقَوْلُهُمُ: اسْتَجْمَعَ الْفَرَسُ جَرْيًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: مُسْتَجْمِعًا شَرَائِطَ الْجُمُعَةِ، فَلَيْسَ بِثَبْتٍ انْتَهَى. وَالْمَعْنَى مَا رَأَيْتُهُ ضَاحِكًا كُلَّ الضَّحِكِ بِجَمِيعِ الْفَمِ. (حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ) ، بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ لَهَاةٍ وَهِيَ لَحْمَةٌ مُشْرِفَةٌ عَلَى أَقْصَى الْفَمِ مِنْ سَقْفِهِ، (وَإِنَّمَا كَانَ) أَيْ: غَالِبًا (يَتَبَسَّمُ. وَرُبَّمَا يَضْحَكُ) : لَكِنْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَبِهَذَا مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ.
стр. 8067
٥٨١٥ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٨١٥ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ) : بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: لَمْ يَكُنْ يُتَابِعُ (الْحَدِيثَ) أَيِ: الْكَلَامَ (كَسَرْدِكُمْ) ، أَيِ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَكُمْ مِنْ كَمَالِ اتِّصَالِ أَلْفَاظِكُمْ، بَلْ كَانَ كَلَامُهُ فَصْلًا بَيِّنًا وَاضِحًا لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِالْبَلَاغِ الْمُبِينِ كَمَا بَيَّنَتْهُ بِقَوْلِهَا: (كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ) أَيْ: لَوْ أَرَادَ عَدَّهُ مُرِيدُ الْعَدِّ لَأَحْصَاهُ أَيْ بِعَدِّهِ وَاسْتَقْصَاهُ، وَفِي وَضْعٍ أَحْصَاهُ مَوْضِعَ عَدَّهُ مُبَالَغَةً لَا تَخْفَى، فَإِنَّ أَصْلَ الْإِحْصَاءِ هُوَ الْعَدُّ بِالْحَصَى، وَلَا شَكَّ فِي حُصُولِ الْمُهْلَةِ عِنْدَ عَدِّهِ مِنْ رَفْعِهِ وَحَطِّهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ يُقَالُ: فُلَانٌ سَرَدَ الْحَدِيثَ إِذَا تَابَعَ الْحَدِيثَ بِالْحَدِيثِ اسْتِعْجَالًا، وَسَرْدُ الصَّوْمِ تَوَالِيهِ، يَعْنِي لَمْ يَكُنْ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ مُتَتَابِعًا بِحَيْثُ يَأْتِي بَعْضُهُ إِثْرَ بَعْضٍ، فَيَلْتَبِسُ عَلَى الْمُسْتَمِعِ، بَلْ كَانَ يَفْصِلُ كَلَامَهُ لَوْ أَرَادَ الْمُسْتَمِعُ عِنْدَهُ أَمْكَنَهُ، فَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ وَاضِحٍ مَفْهُومٍ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ وَالْبَيَانِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: «كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا: «كَانَ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُعْقَلَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ.
стр. 8068
٥٨١٦ - وَعَنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مَهْنَةِ أَهْلِهِ بِمَعْنَى خِدْمَةِ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٨١٦ - (وَعَنِ الْأَسْوَدِ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ابْنُ هِلَالٍ الْمُحَارِبِيُّ، رَوَى عَنْ عُمَرَ وَمُعَاذٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ) ؟ مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ (قَالَتْ: كَانَ) ، أَيْ مِنْ عَادَتِهِ (يَكُونُ) أَيْ: يَسْتَمِرُّ مُشْتَغِلًا (فِي مَهْنَةِ أَهْلِهِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتُكْسَرُ وَبِسُكُونِ الْهَاءِ أَيْ: مَصَالِحِ عِيَالِهِ، وَالْمَهْنَةُ الْخِدْمَةُ وَالِابْتِذَالُ فَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الرِّجَالِ، وَلِهَذَا قَالَ الرَّاوِي: (تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ) أَيْ: أَهْلِ بَيْتِهِ مِمَّنْ يَكُونُ أَهْلًا لِخِدْمَتِهِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الْمَهْنَةُ الْخِدْمَةُ وَالرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَقَدْ تُكْسَرُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهُوَ عِنْدَ الْإِثْبَاتِ خَطَأٌ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْمِهْنَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَلَا يُقَالُ مِهْنَةٌ بِالْكَسْرِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ لَوْ قِيلَ مِثْلُ جِلْسَةٍ وَخِدْمَةٍ إِلَّا أَنَّهُ حَلَّ عَلَى فِعْلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْمِهْنَةُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ وَالتَّحْرِيكِ وَكَكَلِمَةِ الْحَزْقِ بِالْخِدْمَةِ وَالْعَمَلِ مَهَنَهُ كَمَنَعَهُ وَنَصَرَهُ مَهْنًا وَمَهْنَةً وَيُكْسَرُ خَدَمَهُ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْمَهْنَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا، وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ الْكَسْرَ وَفَسَّرَهَا بِخِدْمَةِ أَهْلِهِ، وَثَبَتَ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي عَنْ شُعْبَةَ، وَأَنَّ جَمَاعَةً رَوَوْهُ بِدُونِهِ، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي رِوَايَةٍ بِدُونِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي آخِرِهِ تَعْنِي بِالْمِهْنَةِ خِدْمَةَ أَهْلِهِ. (فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ) أَيْ: وَتَرَكَ جَمِيعَ عَمَلِهِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ.
стр. 8069
٥٨١٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ. قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ بِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٨١٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا خُيِّرَ) أَيْ: مَا جُعِلَ مُخَيَّرًا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ) أَيِ: اخْتَارَ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ (أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ) أَيِ: الْأَمْرُ الْأَيْسَرُ (إِثْمًا) أَيْ: ذَا إِثْمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ.
стр. 8070
التِّرْمِذِيِّ مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا أَيْ إِثْمًا أَوْ مَوْضِعَ إِثْمٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أَوِ اسْمُ مَكَانٍ، وَإِلَى هُنَا انْتَهَتْ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ. (فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ) ، أَيْ: وَكَانَ حِينَئِذٍ يَأْخُذُ أَرْشَدَهُمَا وَلَوْ أَعْسَرَهُمَا وَأَشَدَّهُمَا. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أُبْهِمَ فَاعِلُ خَيْرٍ لِيَكُونَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِ الْمَخْلُوقِينَ، أَوْ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنَّ التَّخْيِيرَ يُبَيِّنُ مَا فِيهِ إِثْمٌ وَيُبَيِّنُ مَا لَا إِثْمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ مُشْكِلٌ، لِأَنَّ التَّخْيِيرَ بِمَا يَكُونُ بَيْنَ جَائِزٍ إِلَّا إِذَا حَمَلْنَا عَلَى مَا يُفْضِي إِلَى الْإِثْمِ، فَذَلِكَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُخَيَّرَ بَيْنَ أَنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِ مِنْ كُنُوزِ الْأَرْضِ مَا يَخْشَى مِنَ الِاشْتِغَالِ بِهِ أَنْ لَا يَتَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يُؤْتِيَهِ لَا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا الْكَفَافَ، وَإِنْ كَانَ السَّعَةُ أَسْهَلَ فَالْإِثْمُ عَلَى هَذَا أَمْرٌ نِسْبِيٌّ لَا مَا يُرَادُ بِهِ الْخَطِيئَةُ لِثُبُوتِ الْعِصْمَةِ. (وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: مَا غَاضَبَ أَحَدًا لِنَفْسِهِ) أَيْ: لِأَجْلِ حَظِّهَا (فِي شَيْءٍ) أَيْ: يَتَخَلَّقُ بِنَفْسِهِ) ، أَيْ أَبَدًا (إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُرْتَكَبُ (فَيَنْتَقِمُ) : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ أَيْ: فَيُعَاقِبُ حِينَئِذٍ (اللَّهُ) أَيْ: لَا لِغَرَضٍ آخَرَ (بِهِمْ) . أَيْ بِسَبَبِ تِلْكَ الْحُرْمَةِ ثُمَّ انْتِهَاكُ الْحُرْمَةِ تَنَاوُلُهَا بِمَا لَا يَحِلُّ. يُقَالُ: فُلَانٌ انْتَهَكَ مَحَارِمَ اللَّهِ أَيْ: فَعَلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِعْلَهُ عَلَيْهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ: مَا عَاقَبَ أَحَدًا لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ بِجِنَايَةٍ جَنَى عَلَيْهِ، بَلْ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] . قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْمَعْنَى مَا انْتَقَمَ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، فَلَا يُرَدُّ أَمْرُهُ ﷺ بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَنْتَهِكُونَ حُرُمَاتِ اللَّهِ. وَقِيلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ السَّبِّ الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْمَالِ، وَأَمَّا الْعِرْضُ فَقَدِ اقْتَصَّ مِمَّنْ نَالَ مِنْهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
стр. 8071
٥٨١٨ - وَعَنْهَا، قَالَتْ «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمُ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٨١٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا أَيْ: آدَمِيًّا لِأَنَّهُ رُبَّمَا ضَرَبَ مَرْكُوبَهُ (قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، خُصَّا بِالذِّكْرِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمَا، وَلِكَثْرَةِ وُقُوعِ ضَرْبِ هَذَيْنِ وَالِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، وَضَرْبُهُمَا وَإِنْ جَازَ بِشَرْطِهِ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ. قَالُوا بِخِلَافِ الْوَلَدِ، فَإِنَّ الْأَوْلَى تَأْدِيبُهُ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ ضَرْبَهُ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُنْدَبِ الْعَفْوُ بِخِلَافِ ضَرْبِ هَذَيْنِ، فَإِنَّهُ لِحَظِّ النَّفْسِ غَالِبًا فَنُدِبَ الْعَفْوُ عَنْهُمَا مُخَالَفَةً لِهَوَاهَا وَكَظْمًا لِغَيْظِهَا. (إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، فَإِنَّهُ ﷺ قَتَلَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ بِأُحُدٍ، ثُمَّ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْغَزْوُ مَعَ الْكُفَّارِ فَقَطْ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الْحُدُودُ وَالتَّعَاوُزُ وَغَيْرُ ذَلِكَ. (وَمَا نِيلَ) : بِكَسْرِ النُّونِ مَجْهُولٌ قَالَ: يُقَالُ: نَالَ مِنْهُ نَيْلًا إِذَا أَصَابَ. وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ يَنَالُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَيْ: يَقَعُ فِيهِمْ وَيُصِيبُ مِنْهُمْ، فَالْمَعْنَى مَا أُصِيبَ مِنْهُ. (شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمُ مِنْ صَاحِبِهِ) ، أَيْ: مِنْ صَاحِبِ ذَلِكَ: (إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ بِلَفْظِ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا ضَرَبَ خَادِمًا وَلَا امْرَأَةً» ، وَالْفَصْلُ الثَّانِي بِلَفْظِ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلَمَةٍ ظُلِمَهَا قَطُّ مَا لَمْ يُنْتَهَكْ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ، فَإِذَا انْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ غَضَبًا» .
стр. 8072
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٨١٩ - «عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا لَامَنِي عَلَى شَيْءٍ قَطُّ أَتَى فِيهِ عَلَى يَدَيَّ، فَإِنْ لَامَنِي لَائِمٌ مِنْ أَهْلِهِ قَالَ دَعُوهُ فَإِنَّهُ لَوْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ» . هَذَا لَفْظَ الْمَصَابِيحِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٨١٩ - ( «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ» ) بِحَذْفِ الْيَاءِ مِنْ ثَمَانِي مُضَافًا، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ قَالَ عَلَى قَوْلِ الْخِدْمَةِ، وَلِذَا أَطْلَقَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ مُقَيَّدًا بِقَوْلِهِ: (خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا لَامَنِي عَلَى شَيْءٍ قَطُّ أُتِيَ فِيهِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أُهْلِكَ وَأُتْلِفَ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَتَى عَلَيْهِمُ الدَّهْرُ أَيْ أَهْلَكَهُمْ وَأَفْنَاهُمْ، وَضَمِيرُ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى شَيْءٍ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ أُقِيمَ مَقَامَ الْفِعْلِ أَيْ: مَا لَامَنِي عَلَى شَيْءٍ أُتْلِفَ (عَلَى يَدَيَّ) ، بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِفْرَادِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أُتِيَ صِفَةُ شَيْءٍ وَضُمِّنَ فِي مَعْنَى عَيْبٍ أَوْ طَعْنٍ، وَعَلَى يَدَيَّ: حَالٌ فِي (فَإِنْ لَامَنِي لَائِمٌ مِنْ أَهْلِهِ قَالَ: " دَعُوهُ ") أَيِ: اتْرُكُوهُ (" فَإِنَّهُ ") أَيِ: الشَّأْنُ (" لَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكَانَ ") . أَيْ لَوْ قُدِّرَ أَمْرٌ لَوَقَعَ (هُنَا لَفْظُ الْمَصَابِيحِ) وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مَعَ تَغْيِيرٍ) أَيْ: (يَسِيرٍ) . يُسَامَحُ فِي مَثَلِهِ.
стр. 8073
٥٨٢٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا سَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٨٢٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا» ) أَيْ: ذَا فُحْشٍ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ (وَلَا مُتَفَحِّشًا) أَيْ: مُتَكَلِّفًا فِيهِ وَمُتَعَمِّدًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ. قَالَ الْقَاضِي: نَفَتْ عَنْهُ تَوَلِّيَ الْفُحْشِ وَالتَّفَوُّهَ بِهِ طَبْعًا وَتَكَلُّفًا (وَلَا سَخَّابًا) أَيْ: صَيَّاحًا (فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ) ، أَيْ بَلْ بِالْحَسَنَةِ لِقَوْلِهِ: (وَلَكِنْ يَعْفُو) أَيْ: فِي الْبَاطِنِ (يَصْفَحُ) . أَيْ يُعْرِضُ فِي الظَّاهِرِ عَنْ صَاحِبِ السَّيِّئَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣] . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8074
٥٨٢١ - وَعَنْ أَنَسٍ يُحَدِّثُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَتَّبِعُ الْجِنَازَةَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ خَيْبَرَ عَلَى حِمَارٍ خِطَامُهُ لِيفٌ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
٥٨٢١ - (وَعَنْ أَنَسٍ) : ﵁ (يُحَدِّثُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَتْبَعُ» ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ أَيْ يَعْقُبُ وَيُشَيِّعُ (الْجَنَازَةَ) ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا (وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ) ، أَيِ الْمَأْذُونِ أَوِ الْمَعْتُوقِ أَوْ إِلَى بَيْتِ مَالِكِهِ (وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ) ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ التَّوَاضُعِ لِلْحَقِّ وَحُسْنِ الْخُلُقِ فِي مُعَاشَرَةِ الْخَلْقِ، (لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ خَيْبَرَ عَلَى حِمَارٍ خِطَامُهُ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ زِمَامُهُ (لِيفٌ) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رُكُوبَ الْحِمَارِ سُنَّةٌ. قُلْتُ: فَمَنِ اسْتَنْكَفَ مِنْ رُكُوبِهِ كَبَعْضِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ جَهَلَةِ الْهِنْدِ، فَهُوَ أَخَسُّ مِنَ الْحِمَارِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَفِي الْجَامِعِ: كَانَ يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَعْتَقِلُ الشَّاةَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ عَلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ أَنَسٍ: «كَانَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ، وَيَضَعُ طَعَامَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ» . وَفِي رِوَايَةٍ: عُرْيًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَيَخْصِفُ النَّعْلَ، وَيُرَقِّعُ الْقَمِيصَ، وَيَلْبَسُ الصُّوفَ وَيَقُولُ: " «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» "،
стр. 8075
٥٨٢٢ - «وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ وَقَالَتْ كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ يَفْلِي ثَوْبَهُ وَيَحْلُبُ شَاتَهُ وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٨٢٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْصِفُ) : بِكَسْرِ الصَّادِ أَيْ: يَخْرُزُ وَيُرَقِّعُ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَيْ: يُطْبِقُ طَاقَةً عَلَى طَاقَةٍ، وَأَصْلُ الْخَصْفِ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] أَيْ يُطْبِقَانِ وَرَقَةً وَرَقَةً عَلَى بَدَنِهِمَا. (وَيَخِيطُ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ ثَوْبَهُ، (وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ) ، تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. وَفِي الْجَامِعِ بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ. (وَقَالَتْ: كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ) ، بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ: يَنْظُرُ فِي الثَّوْبِ هَلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْقَمْلِ؟ وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ: مِنْ أَنَّ الْقَمْلَ لَمْ يَكُنْ يُؤْذِيهِ. وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ: يَلْتَقِطُ الْقَمْلَ (وَيَحْلِبُ شَاتَهُ) ، بِضَمِّ اللَّامِ (وَيَخْدِمُ نَفْسَهُ) . بِضَمِّ الدَّالِ وَيُكْسَرُ وَهُوَ تَعْمِيمٌ وَتَتْمِيمٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهَا: كَانَ بَشَرًا تَمْهِيدًا لِمَا بَعْدَهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا رَأَتْ مِنِ اعْتِقَادِ الْكَفَّارِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ غَيْرُهُ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ وَجَعَلُوهُ كَالْمُلُوكِ؟ فَإِنَّهُمْ يَتَرَفَّعُونَ عَنِ الْأَفْعَالِ الْعَادِيَّةِ الدَّنِيَّةِ تَكَبُّرًا، كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] فَقَالَتْ: إِنَّهُ ﷺ كَانَ خَلْقًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَوَاحِدًا مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ، شَرَّفَهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ، وَكَرَّمَهُ بِالرِّسَالَةِ، وَكَانَ يَعِيشُ مَعَ الْخَلْقِ بِالْخُلُقِ، وَمَعَ الْحَقِّ بِالصِّدْقِ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوا، وَيُعِينُهُمْ فِي أَفْعَالِهِمْ تَوَاضُعًا وَإِرْشَادًا لَهُمْ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَرَفْعِ التَّرَفُّعِ، وَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْخَلْقِ، كَمَا أَمَرَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ. وَفِي الْجَامِعِ: كَانَ يَأْتِي ضُعَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَزُورُهُمْ، وَيَعُودُ مَرْضَاهُمْ، وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ. رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ.
стр. 8076
٥٨٢٣ - وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: دَخَلَ نَفَرٌ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَقَالُوا لَهُ حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُنْتُ جَارَهُ فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بَعَثَ إِلَيَّ فَكَتَبْتُهُ لَهُ فَكَانَ إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الْآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا فَكُلُّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٨٢٣ - (وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: تَابِعِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ، أَدْرَكَ زَمَنَ عُثْمَانَ، وَسَمِعَ أَبَاهُ وَغَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ. (قَالَ: دَخَلَ نَفَرٌ) أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَقِيلَ: النَّفَرُ عِدَّةُ رِجَالٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ (عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) : وَهُوَ أَبُو خَارِجَةَ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، أَفْرَضُ الصَّحَابَةِ، وَأَجَلُّ كَتَبَةِ الْوَحْيِ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْقُرَّاءِ، قَرَأَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (فَقَالُوا لَهُ: حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا مَا يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ الْخُلُقِ، وَجَمِيلِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الْخَلْقِ. (قَالَ: كُنْتُ جَارَهُ) ، فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قُرْبِهِ إِلَيْهِ حِسًّا وَمَعْنًى، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ لَهُ خِبْرَةً بِهِ أَتَمَّ مِنْ غَيْرِهِ (فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بَعَثَ إِلَيَّ) أَيْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَحَدًا يَطْلُبُنِي (فَجِئْتُهُ فَكَتَبْتُهُ) ؟ أَيِ الْوَحْيَ (لَهُ) ، أَيْ لِأَجْلِ أَمْرِهِ (فَكَانَ) أَيْ: مِنْ عَادَتِهِ فِي مُجَامَلَتِهِ وَمُرَاعَاةِ مُصَاحَبَتِهِ (إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا) أَيْ: ذَمًّا أَوْ مَدْحًا لِكَوْنِهَا مَزْرَعَةَ الْآخِرَةِ (ذَكَرَهَا مَعَنَا) أَيْ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِبَارِ، وَفِيمَا يَكُونُ مِنْهَا مُعِينًا عَلَى زَادِ طَرِيقِ دَارِ الْقَرَارِ (وَإِذَا ذَكَرْنَا الْآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا) ، زِيَادَةً عَلَى الْخَيْرِ وَمُعَاوَنَةً عَلَى التَّقْوَى، (وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا) ، وَيُشِيرُ إِلَى فَوَائِدِهِ وَحِكَمِهِ وَلَطَائِفِهِ وَآدَابِ أَكْلِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَانَ يُلَاطِفُهُمْ فِي الْكَلَامِ لِئَلَّا يَحْصُلُ لَهُمُ التَّبَرُّمُ وَالسَّأَمُ، وَيَسُوقُهُمْ فِيمَا يَشْرَعُونَ فِيهِ إِلَى مَا شَرَعَ إِلَيْهِ مِنْ تَبْلِيغِ الْمَوَاعِظِ وَالْأَحْكَامِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا وَرَدَ مِنْ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ، وَأَنَّ مَجْلِسَهُ مَجْلِسُ عِلْمٍ» لِأَنَّ ذِكْرَ الدُّنْيَا وَالطَّعَامِ قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ فَوَائِدُ عِلْمِيَّةٌ، أَوْ حُكْمِيَّةٌ، أَوْ أَدَبِيَّةٌ، وَبِتَقْدِيرِ خُلُوِّهِ عَنْهَا فَفِيهِ جَوَازُ تَحَدُّثِ الْكَبِيرِ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَمِثْلُ هَذَا الْبَيَانُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَكُلُّ هَذَا) : بِالرَّفْعِ وَيُنْصَبُ أَيْ: جَمِيعُ مَا ذَكَرَ (أُحَدِّثُكُمْ) : فَقِيلَ: الرِّوَايَةُ بِالرَّفْعِ، وَفِي خَبَرِهِ الرَّابِطُ مَحْذُوفٌ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ أُحَدِّثُكُمْ إِيَّاهُ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ تَأْكِيدُ صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَإِظْهَارُ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8077
٥٨٢٤ - وَعَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَافَحَ الرَّجُلَ لَمْ يَنْزِعْ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ يَدَهُ، وَلَا يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ وَلَمْ يُرَ مُقَدِّمًا رُكْبَتَهُ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٨٢٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَافَحَ الرَّجُلَ لَمْ يَنْزِعْ) : بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ لَمْ يُخَلِّصْ وَلَمْ يَفُكَّ (يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ) أَيِ: الرَّجُلُ ( «هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ يَدَهُ، وَلَا يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَلَمْ يُرَ» ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُبْصَرِ (النَّبِيُّ ﷺ مُقَدِّمًا) : بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ (رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ) أَيْ: مُجَالِسٍ لَهُ) . قِيلَ أَيْ: مَا كَانَ يَجْلِسُ فِي مَجْلِسٍ تَكُونُ رُكْبَتَاهُ مُتَقَدِّمَتَيْنِ، عَلَى رُكْبَتَيْ صَاحِبِهِ، كَمَا يَفْعَلُ الْجَبَابِرَةُ فِي مَجَالِسِهِمْ وَقِيلَ: مَا كَانَ يَرْفَعُ رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ مَنْ يُجَالِسُهُ، بَلْ كَانَ يَخْفِضُهُمَا تَعْظِيمًا لِجَلِيسِهِ، وَقَالُوا: أَرَادَ بِالرُّكْبَتَيْنِ الرِّجْلَيْنِ وَتَقْدِيمُهُمَا مَدُّهُمَا وَبَسْطُهُمَا، كَمَا يُقَالُ: قَدَّمَ رِجْلًا وَأَخَّرَ أُخْرَى، وَمَعْنَاهُ كَانَ ﷺ لَا يَمُدُّ رِجْلَهُ عِنْدَ جَلِيسِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ فِيهِ: وَفِي قَوْلِهِ: كَانَ لَا يَنْزِعُ يَدَهُ قَبْلَ نَزْعِ صَاحِبِهِ تَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ فِي إِكْرَامِ صَاحِبِهِ وَتَعْظِيمِهِ، فَلَا يَبْدَأُ بِالْمُفَارَقَةِ عَنْهُ، وَلَا يُهِينُهُ بِمَدِّ الرِّجْلَيْنِ إِلَيْهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8078
٥٨٢٥ - وَعَنْهُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٨٢٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَدَّخِرُ) أَيْ: لَا يُبْقِي (شَيْئًا لِغَدٍ) . تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ، وَاعْتِمَادًا عَلَى خَزَائِنِهِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفْسِهِ النَّفِيسَةِ خَاصَّةً، فَأَمَّا لِأَجْلِ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، فَرُبَّمَا كَانَ يُدَّخِرُ لَهُمْ قُوتَ سَنَتِهِمْ لِضَعْفِ حَالِهِمْ وَعَدَمِ قُوَّةِ احْتِمَالِهِمْ وَقِلَّةِ كَمَالِهِمْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8079
٥٨٢٦ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَوِيلَ الصَّمْتِ. رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٥٨٢٦ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَوِيلَ الصَّمْتِ» ) ؟ أَيْ كَثِيرَ السُّكُوتِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا لِحَاجَةٍ، وَقَدْ قَالَ عَلَى مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَغَيْرُهُمَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ» ". وَقَدْ قَالَ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ: لَيْتَنِي كَنْتُ أَخْرَسَ إِلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. (رَوَاهُ) أَيِ الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) . أَيْ بِإِسْنَادِهِ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَيْضًا وَلَفْظُهُ: «كَانَ طَوِيلَ الصَّمْتِ قَلِيلَ الضَّحِكِ» ، فَكَانَ حَقُّ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ أَنْ يُسْنِدَ إِلَيْهِ، فَإِنَّ حَدِيثَ مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِمَّا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ.
стр. 8080
٥٨٢٧ - وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كَانَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْتِيلٌ وَتَرْسِيلٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٨٢٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ) أَيِ: ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ: وَعَنْهُ، لِأَنَّهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِهِ (قَالَ: «كَانَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْتِيلٌ» ) أَيْ: تَبْيِينٌ فِي قِرَاءَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] (وَتَرْسِيلٌ) . أَيْ تَمْهِيلٌ فِي حَدِيثِهِ أَيْ: قِيَاسًا عَلَيْهِ أَوْ مُرَاعَاةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس: ١٧] . وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُمَا بِمَعْنًى وَهُوَ التَّبْيِينُ وَالْإِيضَاحُ فِي الْحُرُوفِ انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّأْسِيسَ بِالتَّقْيِيدِ أَوْلَى مِنَ الْحَمْلِ عَلَى التَّأْكِيدِ، وَإِنْ كَانَ مَآلُهُمَا وَاحِدًا، وَأَصْلُ مَعْنَيَيْهِمَا مُتَّحِدًا، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْجَلُ فِي إِرْسَالِ الْحُرُوفِ، بَلْ يَلْبَثُ فِيهَا وَيُبَيِّنُهَا تَبْيِينًا لِذَاتِهَا مِنْ مَخَارِجِهَا وَصِفَاتِهَا، وَتَمْيِيزًا لِحَرَكَاتِهَا وَسَكَنَاتِهَا، وَخُلَاصَةُ الْكَلَامِ نَفْيُ الْعَجَلَةِ وَإِثْبَاتُ التُّؤَدَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ: التَّرْتِيلُ فِي الْقِرَاءَةِ التَّأَنِّي فِيهَا، وَالتَّمَهُّلُ، وَتَبْيِينُ الْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ تَشْبِيهًا بِالشِّعْرِ الْمُرَتَّلِ، وَهُوَ الْمُشَبَّهُ بِنُورِ الْأُقْحُوَانِ يُقَالُ: رَتَّلَ الْقِرَاءَةَ وَتَرَتَّلَ فِيهَا، وَالتَّرْسِيلُ: التَّرْتِيلُ يُقَالُ: تَرَسَّلَ الرَّجُلُ فِي كَلَامِهِ وَمَشْيِهِ إِذَا لَمْ يَعْجَلْ، وَهُوَ وَالتَّرْتِيلُ سَوَاءٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 8081
٥٨٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيْنَهُ فَصْلٌ يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٨٢٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْرُدُ) أَيْ: فِي كَلَامِهِ (سَرْدَكُمْ هَذَا) ، أَيْ كَسَرْدِكُمْ مِنَ الْعَجَلَةِ وَالْمُتَابَعَةِ (وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيْنَهُ) أَيْ: بَيْنَ أَجْزَائِهِ (فَصْلٌ) ، أَيْ فَرْقٌ أَوْ فَاصِلٌ (يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ) . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8082
٥٨٢٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٨٢٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ) : بِفَتْحِ جِيمٍ وَسُكُونِ زَايٍ فَهَمْزٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ فِي أَسْمَائِهِ، وَقِيلَ: هُوَ بِكَسْرِ زَايٍ وَبِيَاءٍ، وَقِيلَ: جَزٍّ بِشِدَّةِ زَايٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي، وَهُوَ أَبُو الْحَارِثِ السَّهْمِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا، وَسَكَنَ مِصْرَ وَمَاتَ بِهَا. (قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8083
٥٨٣٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يُكْثِرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٨٣٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يُكْثِرُ» ) : مِنَ الْإِكْثَارِ أَيْ: يَتَحَقَّقُ مِنْهُ كَثِيرًا (أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ) ": بِسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ نَظَرَهُ (إِلَى السَّمَاءِ) أَيْ: كَانَ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ حَالَ التَّكَلُّمِ تَرَقُّبًا لِجِبْرِيلَ، وَانْتِظَارًا لِوَحْيِ الْمَوْلَى، وَشَوْقًا إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 8084
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٨٣١ - عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُهُ مُسْتَرْضَعًا فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ. قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكْمِلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٨٣١ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ) : كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُعْتَبَرَةِ وَالْأُصُولِ الْمُشْتَهِرَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْكَاشِفِ. وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْ أَنَسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَهْوُ قَلَمٍ، وَزَلَّةُ قَدَمٍ، وَقَلْبُ كَلَامٍ لِمَا فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِلْمُؤَلِّفِ: هُوَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ مَوْلَى ثَقِيفٍ بَصْرِيٌّ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ ابْنُ عَوْنٍ وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَعِدَّةٌ. (قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَيُرْوَى بِالْعِبَادِ. قُلْتُ: وَيُلَائِمُ الْأَوَّلَ اسْتِئْنَافُهُ الْبَيَانِيُّ بِقَوْلِهِ: (كَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُهُ مُسْتَرْضَعًا) : بِفَتْحِ الضَّادِ وَقِيلَ بِكَسْرِهَا (فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ) ، أَيِ الْقُرَى الَّتِي عِنْدَ الْمَدِينَةِ (فَكَانَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ) أَيِ: الَّذِي فِيهِ إِبْرَاهِيمُ (فَإِنَّهُ لِيُدَّخَنُ) . بِضَمِّ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْخَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِ الدَّالِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَكَسْرِ الْخَاءِ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَهُ بِقَوْلِهِ: (وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا) : وَهُوَ أَبُو سَمِينٍ الْقَيْنُ، "، وَاسْمُهُ الْبَرَاءُ بْنُ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِكُنْيَتِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الظِّئْرُ بِكَسْرِ الظَّاءِ مَهْمُوزَةً الْمُرْضِعَةُ وَلَدَ غَيْرِهَا وَزَوْجُهَا ظِئْرٌ لِذَلِكَ الْمُرْضَعِ، وَالظِّئْرُ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْقَيْنُ: بِالْفَتْحِ الْحَدَّادُ، ثُمَّ الْجُمْلَتَانِ حَالِيَّتَانِ مُعْتَرِضَتَانِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ) : وَالْمَعْطُوفُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (فَيَأْخُذُهُ) أَيِ: ابْنَهُ (فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ. قَالَ عَمْرٌو) أَيْ: نَاقِلًا عَنْ أَنَسٍ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ الرَّاوِي، فَإِنَّهُ مِنَ التَّابِعَيْنِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَقُولُهُ الْآتِي مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَمُنْقَطِعًا عَمَّا قَبْلَهُ، (فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي ") مَحَطُّ فَائِدَةٍ فَائِدَتُهُ التَّقْرِيرُ لَأَنَّ أُمَّهُ جَارِيَةٌ، وَهِيَ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ، أَهْدَاهَا الْمُقَوْقِسُ الْقِبْطِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَوَلَدَتْ إِبْرَاهِيمَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ (" وَأَنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ ") وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الرَّضَاعِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ اللَّبَنُ، وَزَوْجَتُهُ الَّتِي أَرْضَعَتْ إِبْرَاهِيمَ أَمُّ بُرْدَةَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ بِذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: فِي سِنِّ رَضَاعِ الثَّدْيِ، أَوْ فِي حَالَةِ تَغَذِّيهِ بِلَبَنِ الثَّدْيِ، (" وَإِنَّ لَهُ لِظِئْرَيْنِ ") أَيْ: لِمُرْضِعَتَيْنِ بَدَلَ وَاحِدَةٍ فِي الدُّنْيَا (" تُكْمِلَانِ ") : مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ أَيْ: تُوَفِّيَانِ وَتُتَمِّمَانِ (" رَضَاعَهُ ") : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتُكْسَرُ أَيْ: مُدَّةَ رَضَاعِهِ وَهِيَ الْحَوْلَانِ، فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ وَلَهُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ: وَلَهُ سَبْعُونَ يَوْمًا فَتُرْضِعَانِهِ بَقِيَّةَ السَّنَتَيْنِ (" فِي الْجَنَّةِ ") . قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ: وَهَذَا الْإِتْمَامُ، رَضَاعُ إِبْرَاهِيمَ، يَكُونُ عَقِيبَ مَوْتِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُتَّصِلًا بِمَوْتِهِ، فَيَتِمُّ فِيهَا رَضَاعَهُ كَرَامَةً لَهُ وَلِأَبِيهِ ﷺ . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وَأَمَّا حَدِيثُ: لَوْ عَاشَ إِبْرَاهِيمُ لَكَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، فَأَخْرَجَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى. وَرَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا: لَوْ عَاشَ إِبْرَاهِيمُ مَا رَقَّ لَهُ خَالٌ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا لَوْ عَاشَ إِبْرَاهِيمُ لَوُضِعَتِ الْجِزْيَةُ عَنْ كُلِّ قِبْطِيٍّ، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
стр. 8085
وَقَالَ ابْنُ الرَّبِيعِ فِي كِتَابِهِ: (تَمْيِيزِ الطَّيِّبِ مِنَ الْخَبِيثِ) : أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ، وَلَوْ عَاشَ لَكَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، وَلَوْ عَاشَ أُعْتِقَتْ أَخْوَالُهُ مِنَ الْقِبْطِ، وَمَا اسْتَرَقَّ قِبْطِيٌّ» . وَفِي سَنَدِهِ أَبُو شَيْبَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ: وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ حَدِيثُ لَوْ عَاشَ إِبْرَاهِيمُ لَكَانَ نَبِيًّا فَبَاطِلٌ، وَجَسَارَةٌ عَلَى الْكَلَامِ بِالْمُغَيَّبَاتِ وَمُجَازَفَةٌ وَهُجُومٌ عَلَى عَظِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَمْهِيدِهِ: لَا أَدْرِي مَا هَذَا، فَقَدْ وَلَدَ نُوحٌ غَيْرَ نَبِيٍّ، وَلَوْ لَمْ يَلِدْ إِلَّا نَبِيًّا لَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ نَبِيًّا لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ نُوحٍ انْتَهَى. وَهُوَ تَعْلِيلٌ عَلِيلٌ إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَلَدَ النَّبِيِّ نَبِيٌّ بِطَرِيقِ الْكُلِّيَّةِ، وَلَا ضَرَرَ فِي تَخْصِيصِ التَّقْدِيرِ وَالْفَوْضِيَّةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ الْمُقَدَّمِ فِي الْقَضِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ، فَلَا يُنَافِيِ كَوْنَهُ ﷺ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، فَيَقْرُبُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» " وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَبِمَا لَا يَكُونُ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ. هَذَا وَقَدْ قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةُ الرَّبَّانِيُّ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي الْإِصَابَةِ: وَهَذَا عَجِيبٌ مِنَ النَّوَوِيِّ، مَعَ وُرُودِهِ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُظَنُّ بِالصَّحَابِيِّ أَنْ يَهْجُمَ عَلَى مِثْلِ هَذَا بِظَنِّهِ. قُلْتُ: مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوهُ مَوْقُوفًا، بَلْ أَسْنَدُوهُ مَرْفُوعًا، كَمَا بَيَّنَهُ خَاتِمَةُ الْحُفَّاظِ السُّيُوطِيُّ بِأَسَانِيدِهِ فِي رِسَالَةٍ عَلَى حِدَةٍ، مَعَ أَنَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الْأُصُولِ أَنَّ مَوْقُوفَ الصَّحَابِيِّ إِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَأْيٍ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، فَإِنْكَارُ النَّوَوِيِّ كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لِذَلِكَ، إِمَّا لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمَا أَوْ لِعَدَمِ ظُهُورِ التَّأْوِيلِ عِنْدَهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 8086
٥٨٣٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ، «أَنَّ يَهُودِيًّا كَانَ يُقَالُ لَهُ فُلَانٌ حَبْرٌ كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَنَانِيرُ فَتَقَاضَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا يَهُودِيُّ مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ قَالَ: فَإِنِّي لَا أُفَارِقُكَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى تُعْطِيَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذًا أَجْلِسُ مَعَكَ، فَجَلَسَ مَعَهُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَالْغَدَاةَ وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَدَّدُونَهُ وَيَتَوَعَّدُونَهُ فَفَطِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا الَّذِي يَصْنَعُونَ بِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَهُودِيٌّ يَحْبِسُكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنَعَنِي رَبِّي أَنْ أَظْلِمَ مُعَاهِدًا وَغَيْرَهُ فَلَمَّا تَرَجَّلَ النَّهَارُ قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَشَطْرُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَا وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ بِكَ الَّذِي فَعَلْتُ لَكَ إِلَّا لِأَنْظُرَ إِلَى نَعْتِكَ فِي التَّوْرَاةِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ وَمُهَاجَرُهُ بِطَيْبَةَ وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا مُتَزَيٍّ بِالْفُحْشِ وَلَا قَوْلِ الْخَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَذَا مَالِي فَاحْكُمْ فِيهِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَكَانَ الْيَهُودِيُّ كَثِيرَ الْمَالِ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.
ــ
٥٨٣٢ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّ يَهُودِيًّا كَانَ يُقَالُ لَهُ: فُلَانٌ) كِنَايَةً عَنِ اسْمِهِ (حَبْرٌ) ، أَيْ: عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ (كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَنَانِيرُ) أَيْ: مَعْدُودَةٌ مَعْلُومَةٌ (فَتَقَاضَى النَّبِيَّ ﷺ أَيْ: فَطَالَبَهُ إِيَّاهَا (فَقَالَ لَهُ: " يَا يَهُودِيُّ مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ ") مَا: الْأُولَى نَافِيَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَوْصُوفَةٌ أَيْ: شَيْئًا أُعْطِيكَ إِيَّاهُ عِوَضًا عَنِ الدَّنَانِيرِ. (قَالَ: فَإِنِّي لَا أُفَارِقُكَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى تُعْطِيَنِي) . أَيْ كَيْ تُعْطِيَنِي أَوْ إِلَّا أَنْ تُعْطِيَنِي. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذًا ") : بِالتَّنْوِينِ (أَجْلِسُ مَعَكَ) : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ. (فَجَلَسَ مَعَهُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَالْغَدَاةَ) أَيِ: الْفَجْرَ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ كَوْنَهَا فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ فِي أَحَدِ بُيُوتِ أَهْلِهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: (وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَهَدَّدُونَهُ) أَيْ: بِالضَّرْبِ مَثَلًا (وَيَتَوَعَّدُونَهُ) ، أَيْ: بِالْإِخْرَاجِ أَوِ الْقَتْلِ (فَفَطِنَ) : بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ: فَعَلِمَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا الَّذِي يَمْنَعُونَ بِهِ) أَيْ: مِنَ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وَمَا: مَوْصُوفَةٌ بِالْمَوْصُولَةِ، وَكَأَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ، أَوْ بِالْغَضَبِ نَظَرَ إِلَيْهِمْ أَوْ لَمَّا فَطِنَ صَنِيعَهُمْ أَرَادُوا الِاعْتِذَارَ (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَهُودِيٌّ يَحْبِسُكَ؟) ، قَالَ الطِّيبِيُّ هَمْزَةُ الْإِنْكَارِ مُقَدَّرَةٌ وَالتَّنْكِيرُ فِيهِ لِلتَّحْقِيرِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنَعَنِي رَبِّي أَنْ أَظْلِمَ مُعَاهِدًا ") : بِكَسْرِ الْهَاءِ وَهُوَ الذِّمِّيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ (" وَغَيْرُهُ ") . تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ وَوَجْهُ تَقَدُّمِ الْمُعَاهِدِ لِمَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ، أَوْ لِأَنَّ مُخَاصَمَتَهُ أَقْوَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ بِأَخْذِ حَسَنَةِ مُسْلِمٍ لَهُ، أَوْ وَضْعِ سَيِّئَةٍ لَهُ عَلَى مُسْلِمٍ، كَمَا فِي مَظَالِمِ الدَّوَابِّ، وَلَعَلَّ الْأَصْحَابَ ﵃ لَمْ يَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ، أَوْ مَا كَانَ يَرْضَى بِأَدَائِهِمْ مُرَاعَاةً لِأَمْرِ دِينِهِ، وَهُوَ أَظْهَرُ. وَلِذَا لَمْ يَكُنْ يُقْرَضُ إِلَّا مِنْ غَيْرِهِمْ لِحِكْمَةٍ، وَلَعَلَّهَا تَبْرِئَةٌ مِنْ نَوْعِ طَمَعٍ أَوْ صِنْفِ نَفْعٍ يُؤَدِّي إِلَى نُقْصَانِ أَجْرٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] وَتَطَابَقَتْ سُنَّةُ الرُّسُلِ عَلَى قَوْلِهِمْ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] ، وَلِيَكُونَ حُجَّةً عَلَى الْيَهُودِ لِكَوْنِهِ ﷺ مَنْعُوتًا فِي كُتُبِهِمْ بِأَنَّهُ يَخْتَارُ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى، وَتَبْكِيتًا عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ
стр. 8087
تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] عَلَى مَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وَمِنْ جُمْلَةِ الْحُكْمِ مَا ظَهَرَ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ ". (فَلَمَّا تَرَجَّلَ النَّهَارُ) أَيِ: ارْتَفَعَ الْخَفَاءُ وَتَعَيَّنَ الظُّهُورُ وَتَبَدَّلَ الظُّلْمَةُ بِالنُّورِ وَتَغَيَّرَ الشِّدَّةُ بِالسُّرُورِ (قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَشَطْرُ مَالِي) أَيْ: نِصْفُهُ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، أَيْ: فِي مَرْضَاتِهِ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْإِسْلَامِ وَطَلَبًا لِمَزِيدِ الْإِنْعَامِ (أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ بِكَ الَّذِي فَعَلْتُ بِكَ) أَيْ: مِنْ غِلَظِ الْقَوْلِ وَخُشُونَةِ الْفِعْلِ (إِلَّا لِأَنْظُرَ إِلَى نَعْتِكَ) أَيْ: إِلَى مُوَافَقَةِ وَصْفِكَ (فِي التَّوْرَاةِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: مَوْضِعُ هِجْرَتِهِ (بِطَيْبَةَ) أَيِ: الْمَدِينَةِ (وَمُلْكُهُ) أَيْ: مُعْظَمُهُ (بِالشَّامِ) أَيْ: وَنَوَاحِيهِ (لَيْسَ بِفَظٍّ) أَيْ: سَيِّئِ اللِّسَانِ (وَلَا غَلِيظٍ) ، أَيْ: جَافِي الْجَنَانِ (وَلَا سَخَّابٍ) أَيْ: صَيَّاحٍ (فِي الْأَسْوَاقِ) ، أَيْ: عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الزَّمَانِ (وَلَا مُتَزَيٍّ) أَيْ: مُتَّصِفٍ (بِالْفُحْشِ) أَيْ: فِي الْفِعْلِ لِقَوْلِهِ: (وَلَا قَوْلِ الْخَنَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَقْصُورًا أَيِ: الْفُحْشِ وَالْخُشُونَةِ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَهَذَا مَالِي) أَيْ: كُلُّهُ فَكَأَنَّهُ سَمَّاهُ أَوْ أَشَارَ إِلَى مَكَانِهِ (فَاحْكُمْ فِيهِ) أَيْ: فِي جَمِيعِهِ أَوْ شَطْرِهِ (بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) ، أَيْ: أَعْلَمَكَ بِأَنَّهُ مَحِلُّهُ اللَّائِقُ بِهِ (وَكَانَ الْيَهُودِيُّ كَثِيرَ الْمَالِ) . أَيْ: وَمَعَ هَذَا حَسُنَ لَهُ الْحَالُ وَالْمَنَالُ فِي الْمَآلِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
стр. 8088
٥٨٣٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ وَيُقِلُّ اللَّغْوَ وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ وَيُقْصِرُ الْخُطْبَةَ وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٨٣٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ» ) ، أَيْ: ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لِمَا فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ عَائِشَةَ: مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ (وَيُقِلُّ اللَّغْوَ) أَيْ: غَيْرَ الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ مِنْ ذِكْرِ الدُّنْيَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، فَإِنَّهُ وَلَوْ كَانَ مَا يَخْلُو عَنْ مَصْلَحَةٍ وَحِكْمَةٍ، لَكِنَّهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الذِّكْرِ الْحَقِيقِيِّ لَغْوٌ، وَلِذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: ضَيَّعْتُ قِطْعَةً مِنَ الْعُمْرِ الْعَزِيزِ فِي تَأْلِيفِ: (الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ) فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اللَّغْوَ نَظَرًا إِلَى الصُّورَةِ وَالْمَبْنَى، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْمَعْنَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَإِلَّا فَقَدَ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ كُمَّلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] وَقَالَ : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَلْغُو أَصْلًا فَإِنَّ الْقِلَّةَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي النَّفْيِ مُطْلَقًا نَحْوَ: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] فَيَأْبَاهُ حُسْنُ الْمُقَابَلَةِ بِقَوْلِهِ: وَيُكْثِرُ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّغْوِ الدُّعَابَةُ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ قَلِيلًا فَمَرْدُودٌ، إِذْ عَدُّ مِزَاحِهِ ﷺ مِنَ اللَّغْوِ هُوَ اللَّغْوُ، فَإِنَّهُ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا. قَالَ: " إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» " فَلِلَّهِ دَرُّ مُزَاحٍ هُوَ الْحَقُّ، فَكَيْفَ بِجِدِّهِ الَّذِي هُوَ الصِّدْقُ الْمُطْلَقُ، وَقَدْ صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ الْمُزَاحَ بِشَرْطِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحَبَّاتِ، فَكَيْفَ يُعَدُّ مِنَ اللَّغْوِيَّاتِ؟ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْأَمْرِ النِّسْبِيِّ وَاللُّغَوِيِّ الْإِضَافِيِّ. (وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ) ، أَيْ: خُصُوصًا فِي الْجُمُعَةِ لِقَوْلِهِ: (وَيُقْصِرُ الْخُطْبَةَ) ، مِنَ التَّقْصِيرِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنَ الْقَصْرِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الصَّلَاةَ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ وَمَحَلُّ مُنَاجَاةِ الْمُهَيْمِنِ، فَيُنَاسِبُهَا الْإِطَالَةُ بِلَا مَلَالَةٍ، وَالْخُطْبَةُ مَحَلُّ التَّوَجُّهِ.
стр. 8089
إِلَى الْخَلْقِ، وَدُعَائِهِمْ إِلَى الْحَقِّ، وَفِيهَا زِيَادَةُ مَظِنَّةِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ لِطَلَاقَةِ اللِّسَانِ لَا الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ، وَلِذَا وَرَدَ: «مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ طُولُ صَلَاتِهِ وَقِصَرُ خُطْبَتِهِ» . (وَلَا يَأْنَفُ) : بِفَتْحِ النُّونِ مِنَ الْأَنَفَةِ، وَزَادَ فِي الْجَامِعِ: وَلَا يَسْتَنْكِفُ أَيْ: لَا يَسْتَكْبِرُ (أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ) : فِي النِّهَايَةِ: " الْأَرَامِلُ: الْمَسَاكِينُ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَهُوَ بِالنِّسَاءِ أَخَصُّ وَأَكْثَرُ، وَالْوَاحِدُ أَرْمَلٌ وَأَرْمَلَةٌ. وَفِي الْقَامُوسِ: امْرَأَةٌ أَرْمَلَةٌ مُحْتَاجَةٌ أَوْ مِسْكِينَةٌ، وَالْأَرْمَلُ الْعَزَبُ وَهِيَ بِهَاءٍ إِذْ لَا يُقَالُ لِلْعَزَبَةِ الْمُوسِرَةِ أَرْمَلَةٌ انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْنَى الْأَخِيرَ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا لِقَوْلِهِ: (وَالْمِسْكِينِ) ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ) . حَيْثُ أَتَى بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ، أَوِ الْمُرَادُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ لِمَا ذُكِرَ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ بِزِيَادَةٍ: (وَالْعَبْدِ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَالْمِسْكِينِ) . وَقَالَ: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
стр. 8090
٥٨٣٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ، «أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِذًا لَا نُكَذِّبُكَ وَلَا نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ لَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٨٣٤ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّا) أَيْ: مَعْشَرُ قُرَيْشٍ (لَا نُكَذِّبُكَ) : بِتَشْدِيدِ الذَّالِ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا أَيْ: لَا نَنْسُبُكَ إِلَى الْكَذِبِ فَإِنَّكَ عِنْدَنَا مَشْهُورٌ بِالصِّدْقِ (وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ) أَيْ: نُكَذِّبُكَ بِسَبَبِ مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ التَّوْحِيدِ، وَالْمَعْنَى نُنْكِرُهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] فَفِي الْقَامُوسِ: كَذَّبَ بِالْأَمْرِ تَكْذِيبًا أَنْكَرَهُ، وَفُلَانًا جَعَلَهُ كَاذِبًا قُلْتُ: فَاسْتَعْمَلَ الْمَعْنَيَانِ فِي الْحَدِيثِ. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ) أَيْ: فِي أَبِي جَهْلٍ وَأَضْرَابِهِ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] : أَوَّلُهُ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وَالْجُمْهُورُ عَلَى التَّشْدِيدِ وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِالتَّخْفِيفِ ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] يُقَالُ: جَحَدَهُ حَقَّهُ وَبِحَقِّهِ كَمَنَعَهُ أَنْكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ كَذَا فِي الْقَامُوسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: رُوِيَ أَنَّ الْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ قَالَ لِأَبِي جَهْلٍ: يَا أَبَا الْحَكَمِ أَخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنَا غَيْرُنَا؟ فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ وَمَا كَذَبَ قَطُّ، وَلَكِنْ إِذَا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّوَاءِ وَالسِّقَايَةِ وَالْحِجَابَةِ وَالنُّبُوَّةِ، فَمَاذَا يَكُونُ لِسَائِرِ قُرَيْشٍ فَقَوْلُهُ: وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وُضِعَ مَوْضِعَ (وَلَكِنْ نَحْسُدُكَ) وَضْعًا لِلْمُسَبِّبِ مَوْضِعَ السَّبَبِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
следующие страницы →