Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.
стр. 8121
السَّحَابَةُ (جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ) أَيْ: قَوْلَكَ إِيَّاهُمْ (وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ) أَيْ: مِنْ إِيَّاهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي تَأْكِيدًا لِلْأَوَّلِ، وَبَيَانًا عَلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ مِنَ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ، (وَقَدْ بَعَثَ) أَيْ: أَرْسَلَ اللَّهُ (إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ) . قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ (فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ) ، أَيْ بِنَحْوِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، أَوْ يَا مُحَمَّدُ (فَسَلَّمَ عَلَيَّ) أَيْ: تَسْلِيمَ تَعْظِيمٍ وَتَكْرِيمٍ (ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ) ، أَيْ: بِشَأْنِكَ أَوْ بِمَا تُرِيدُهُ (إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ) : بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُخَفَّفَةِ مِنْ أَطْبَقَ إِذَا جَعَلَ الشَّيْءَ فَوْقَ الشَّيْءِ مُحِيطًا بِجَمِيعِ جَوَانِبِهِ كَمَا يَنْطَبِقُ الطَّبَقُ عَلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ وَالْمَعْنَى إِذَا أَرَدْتَ أَنْ أَقْلِبَ (عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ) . وَهُمَا جَبَلَانِ يُضَافَانِ إِلَى مَكَّةَ مَرَّةً، وَإِلَى مِنًى أُخْرَى، وَهُمَا وَاحِدٌ، ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَفِي الْفَائِقِ: الْأَخْشَبَانِ الْجَبَلَانِ الْمُطْبِقَانِ بِمَكَّةَ، وَهُوَ أَبُو قُبَيْسٍ وَالْأَحْمَرُ وَهُوَ جَبَلٌ مُشْرِفٌ وَجْهُهُ عَلَى قُعَيْقِعَانَ، وَالْأَخْشَبُ كُلُّ جَبَلٍ غَلِيظٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: قُعَيْقِعَانُ كَزُعَيْفِرَانَ جَبَلٌ بِمَكَّةَ وَجْهُهُ إِلَى أَبِي قُبَيْسٍ.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (بَلْ) أَيْ: لَا أُرِيدُ ذَلِكَ وَإِنِ اسْتَحَقُّوا لِكَفْرِهِمْ بَلْ (أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ) أَيْ: مِنْ أَنْسَابِ بَعْضِهِمْ (مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ) ، أَيْ: مَنْ يُوَحِّدُهُ مُنْفَرِدًا أَوْ لِيُطِيعَهُ مُخْلِصًا (لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) أَيْ: مِنْ شِرْكٍ جَلِيٍّ أَوْ خَفِيٍّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8122
٥٨٤٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: (كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا رَأْسَ نَبِيِّهِمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ؟) » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٨٤٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ عَلَى وَزْنِ الثَّمَانِيَةِ، السِّنُّ الَّذِي بَيْنَ الثَّنِيَّةِ وَالنَّابِ، وَكَانَتِ الرَّبَاعِيَةُ الْمَكْسُورَةُ هِيَ السُّفْلَى مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ (يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ) : بِضَمِّ شِينٍ وَتَشْدِيدِ جِيمٍ أَيْ: جُرِحَ رَأْسُهُ فَقَوْلُهُ (فِي رَأْسِهِ) ، إِمَّا مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ أَوْ نَوْعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ: يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي، بُولِغَ فِي الشَّجِّ حَيْثُ أَوْقَعَ الرَّأْسَ ظَرْفًا لِلشَّجِّ، يَعْنِي فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَأَوْقَعَ الشَّجَّ فِي رَأْسِهِ تَضْمِينًا (فَجَعَلَ يَسْلُتُ) : بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ: يُزِيلُ (الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ) أَيِ: اسْتِعْظَامًا وَاسْتِعْجَابًا ( «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا رَأْسَ نَبِيِّهِمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ» ) ؟ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّهُ ضُرِبَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بِالسَّيْفِ سَبْعِينَ ضَرْبَةً، وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّهَا كُلَّهَا، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ حُصُولُ الْمُشَارَكَةِ لَهُ مَعَ السَّبْعِينَ مِنَ الشُّهَدَاءِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وَبِمَا حَصَلَ لَهُ بَعْضُ الْأَثَرِ مِنَ الشَّجِّ وَالْكَسْرِ لِتَحْقِيقِ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ، وَلِإِظْهَارِ مُقْتَضَى الْأَوْصَافِ الْبَشَرِيَّةِ مِنَ الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ وَالتَّأْثِيرِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْعُبُودِيَّةِ، وَمُوجِبُ نَعْتِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ فِي الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ الْمُلَاءَمَةِ لِلرُّبُوبِيَّةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ: وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 8123
٥٨٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِنَبِيِّهِ) . يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ» . وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ: الْفَصْلِ الثَّانِي
ــ
٥٨٥٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِنَبِيِّهِ) (يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ) : حَالٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَعَامِلُهُ قَالَ: وَقَعَ مُفَسِّرًا لِمَفْعُولِ فَعَلُوا هَذَا (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . لَعَلَّ حَذْفَ الْعَاطِفِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ مُسْتَقِلَّانِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الرَّاوِي، وَيُؤَيِّدُهُ تَكْرَارُ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ، أَوْ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ مَا ذُكِرَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الِاشْتِرَاكِ، وَلَمْ يَأْتِ بِأَوْ كَيْلَا يُظَنَّ الشَّكُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ نَفْسُهُ وَضْعًا لِلظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ إِشْعَارًا بِأَنَّ مَنْ يَقْتُلُهُ مَنْ هُوَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَشْقَى النَّاسِ، وَالَّذِي قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ، وَقَوْلُهُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ احْتِرَازٌ عَمَّنْ يَقْتُلُهُ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ، لِأَنَّ مَنْ يَقْتُلُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ قَاصِدًا لَهُ ﷺ . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي) . تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ مِرَارًا.
стр. 8124
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٨٥١ - «عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ذَلِكَ. وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ الَّذِي قُلْتَ لِي. فَقَالَ لِي جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا بِمَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، فَنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] قَالَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٨٥١ - (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا النَّصْرِ الْيَمَانِيَّ، مَوْلَى لِطَيِّئٍ، أَصْلُهُ بَصْرِيٌّ صَارَ إِلَى الْيَمَامَةِ، رَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَتَادَةَ وَغَيْرَهُمَا، رَوَى عَنْهُ عِكْرِمَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمَا. (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: رَوَى عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ الْقُرَشِيِّ، أَحَدِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفِقْهِ فِي الْمَدِينَةِ فِي قَوْلٍ، وَمِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَأَعْلَامِهِمْ، وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَهُ كُنْيَتُهُ، وَهُوَ كَثِيرُ الْحَدِيثِ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَابْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُمْ. وَرَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَالشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُمْ، (عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] : فِيهِ اشْتِبَاهُ الْحَالِ عَلَى الرَّاوِي، فَإِنَّ نُزُولَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] كَانَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، كَمَا عُلِمَ مُفَصَّلًا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَأَوَّلِيَّتُهُ إِضَافِيَّةٌ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ، أَوْ أَوَّلِيَّتُهُ مَخْصُوصَةٌ بِالْإِنْذَارِ، فَيُفِيدُ أَنَّهُ أَوَّلُ الْوَحْيِ بِالرِّسَالَةِ، وَإِنَّ مَا قَبْلَهُ كَانَ نِسْبَتَهُ النُّبُوَّةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قُلْتُ: يَقُولُونَ) أَيِ: الْجُمْهُورُ أَوْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] أَيْ: هُوَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ذَلِكَ) . أَيْ: مِثْلَ سُؤَالِكَ (وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ الَّذِي قُلْتَ لِي) . أَيْ: فِي جَوَابِهِ لِلسُّؤَالِ مِمَّا يَعُودُ فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ (قَالَ لِي جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا بِمَا) أَيْ: بِمِثْلِ (مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: بِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ بِتَقْدِيرِهِ (قَالَ: (جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا) : فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَيَّامَ الْفَتْرَةِ كَانَتْ شَهْرًا (فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي) : بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: مُجَاوَرَتِي وَاعْتِكَافِي (هَبَطْتُ) أَيْ: نَزَلْتُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ ثَانِي الْحَالِ، لِأَنَّ نُزُولَ اقْرَأْ كَانَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، كَمَا سَبَقَ مِنَ الْمَقَالِ (فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا) : وَقَدْ سَبَقَ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ قَالَ: (فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ) الْحَدِيثَ. فَهُوَ صَرِيحٌ بِأَنَّ مُرَادَهُ الْأَوَّلُ الْإِضَافِيُّ (فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، قَالَتْ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا) : لَعَلَّ مَحَلَّ الصَّبِّ الْوَجْهُ لِدَفْعِ الْغَشَيَانِ، فَلَا يُنَافِي مَا قَبْلَهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْبُرُودَةِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْخَفَقَانِ، فَنَزَلَتْ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَخْ إِخْبَارٌ عَمَّا سَمِعَ وَاعْتَقَدَ مِنْ أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] وَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] اهـ.
فَالْجَمْعُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ضَعِيفٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] كَمَا صُرِّحَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَمَّا: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] فَكَانَ نُزُولُهَا بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ الْفَاتِحَةُ فَبَاطِلٌ، وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَوَّلُ سُورَةٍ بِالْمَدِينَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، أَوْ أَوَّلُ سُورَةٍ بَعْدَ: اقْرَأْ، وَالْمُدَّثِّرِ، فَيَكُونُ أَوْلَوِيَّتُهَا أَيْضًا إِضَافِيَّةً، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ) أَيْ: نُزُولُ الْمُدَّثِّرِ (قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ) أَيْ: مُطْلَقُ الصَّلَاةِ الْمُتَوَقِّفُ صِحَّتُهَا أَوْ كَمَالُهَا عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
стр. 8125
[بَابُ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ]
стр. 8126
[٥] بَابُ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٨٥٢ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ، فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَيُقَالُ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ وَأَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ، يَعْنِي ظِئْرَهُ فَقَالُوا: إِنْ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ قَالَ أَنَسٌ: فَكُنْتُ أَرَى أَثَرَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[٥]-
بَابُ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٨٥٢ - ( «عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ» ) . بِكَسْرِ الْغَيْنِ أَيِ: الصِّبْيَانِ (فَأَخَذَهُ، فَصَرَعَهُ) أَيْ: فَطَرَحَهُ وَأَلْقَاهُ عَلَى قَفَاهُ (فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ) ، أَيْ: عَنْ جَانِبِ قَلْبِهِ وَشَقَّهُ (فَاسْتَخْرَجَ) : وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ: وَاسْتَخْرَجَهُ فَاسْتَخْرَجَ (مِنْهُ عَلَقَةً) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: دَمًا غَلِيظًا، وَهُوَ أُمُّ الْمَفَاسِدِ وَالْمَعَاصِي فِي الْقَلْبِ (فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ) ، أَيْ: نَصِيبُهُ لَوْ دَامَ مَعَكَ (ثُمَّ غَسَلَهُ) أَيْ: قَلْبَهُ أَوْ جَوْفَهُ أَوْ مَحَلَّ شَقِّهِ (فِي طَسْتٍ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ وَيُكْسَرُ وَبِسِينٍ مُهْمَلَةٍ وِتَاؤُهُ بَدَلٌ مِنَ السِّينِ الْأَخِيرَةِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: الطَّسْتُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَفِيهَا لُغَاتٌ: طَسٌّ وَطِسٌّ وَطَسْتٌ وَطِسْتٌ وَطَسَّةٌ وَطِسَّةٌ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي جَمِيعِهَا وَقَوْلُهُ: (مِنْ ذَهَبٍ) : لَعَلَّهُ اخْتِيرَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الذَّهَابِ، وَلَا يُنَافِيهِ حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ، (مَا لِكَوْنِ الْمَلَائِكَةِ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ بِأَفْعَالِنَا، أَوْ لِوُقُوعِهِ قَبْلَ تَقْرِيرِ الْأَحْكَامِ (بِمَاءِ زَمْزَمَ) ، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِيَاهِ الْعَالَمِ حَتَّى مَاءِ الْكَوْثَرِ، لَكِنَّ الْمَاءَ الَّذِي نَبَعَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْمِيَاهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لِكَوْنِهِ مِنْ أَثَرِ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ، وَمَاءُ زَمْزَمَ مِنْ أَثَرِ قَدَمِ إِسْمَاعِيلَ الْمُنِيفَةِ، وَبَوْنٌ بَيِّنٌ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّ الْإِعْجَازَ الْكَائِنَ فِي يَدِهِ ﷺ أَبْلَغُ، نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: مَاءُ فَمِهِ الْمُبَارَكِ أَكْمَلُ مِنَ الْكُلِّ، وَلَوْ مُزِجَ بِمَاءِ غَيْرِهِ، وَلَعَلَّ ابْنَ الْعَارِفِ بْنِ الْفَارِضِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
عَلَيْكَ بِهَا صِرْفًا وَإِنْ شِئْتَ مَزْجَهَا فَعَدْلُكَ عَنْ ظُلْمِ الْحَبِيبِ هُوَ الظُّلْمُ (ثُمَّ لَأَمَهُ) : بِلَامٍ فَهَمْزٍ أَيْ: أَصْلَحَ مَوْضِعَ شَقِّهِ (وَأَعَادَهُ) أَيِ: الْقَلْبَ الْمُخْرَجَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْجَامِعِ السَّابِقَةُ (فِي مَكَانِهِ) : وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ الِالْتِئَامَ بَعْدَ الْإِعَادَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يَقُولُ لَأَمْتُ الْجُرْحَ وَالصَّدْعَ إِذَا شَدَدْتَهُ فَالْتَأَمَ، يُرِيدُ أَنَّهُ سَوَّاهُ وَأَصْلَحَهُ، (وَجَاءَ الْغِلْمَانُ) أَيِ: الَّذِينَ كَانُوا يَلْعَبُونَ مَعَهُ فِي الصَّحْرَاءِ (يَسْعَوْنَ) أَيْ: يُسْرِعُونَ (إِلَى أُمِّهِ) أَيِ: الرَّضَاعِيَّةِ (يَعْنِي أَيْ: يُرِيدُ أَنَسٌ بِأُمِّهِ (ظِئْرَهُ) أَيْ: مُرْضِعَتَهُ حَلِيمَةَ (فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ) ، لِأَنَّ تَصَوُّرَ حَيَاتِهِ بَعْدَ شَقِّ الْبَطْنِ وَمُعَالَجَاتِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَةِ وَعَلَامَةِ النُّبُوَّةِ، (فَاسْتَقْبَلُوهُ) أَيْ: تَوَجَّهَ جَمْعٌ مِنْ قَوْمِهَا إِلَيْهِ فَرَأَوْهُ (وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ) . بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ: مُتَغَيِّرُهُ فَفِي الْقَامُوسِ انْتُقِعَ لَوْنُهُ مَجْهُولًا إِذَا تَغَيَّرَ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُقَالُ انْتُقِعَ لَوْنُهُ إِذَا تَغَيَّرَ مِنْ حُزْنٍ أَوْ فَزَعٍ، وَكَذَلِكَ امْتُقِعَ بِالْمِيمِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ التَّسْلِيمُ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِتَأْوِيلٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَجَازِ، إِذْ لَا ضَرُورَةَ فِي ذَلِكَ، إِذْ هُوَ خَبَرٌ صَادِقٌ مَصْدُوقٌ عَنْ قُدْرَةِ الْقَادِرِ اهـ. وَزُبْدَةُ مَا قِيلَ فِيهِ صَارَ بِهَذَا مُقَدَّسَ الْقَلْبِ مُنَوَّرَهُ، لِيَسْتَعِدَّ لِقَبُولِ الْوَحْيِ، وَلَا يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ هَوَاجِسُ النَّفْسِ، وَيَقْطَعَ طَمَعَ الشَّيْطَانَ عَنْ إِغْفَالِهِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ.
(قَالَ أَنَسٌ: فَكُنْتُ أَرَى أَثَرَ الْمِخْيَطِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيِ: الْإِبْرَةِ (فِي صَدْرِهِ) . وَلَعَلَّ مُرَادَهُ كَذَا أَنَّ أَمْرَ الشَّقِّ كَانَ حِسِّيًّا لَا مَعْنَوِيًّا، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ شَقُّ الصَّدْرِ وَغَسْلُهُ مُخْتَصًّا بِهِ، أَوْ وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَيْضًا، وَقَدْ وَقَعَ الشَّقُّ لَهُ ﷺ مِرَارًا، فَعِنْدَ حَلِيمَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ، ثُمَّ عِنْدَ مُنَاجَاةِ جِبْرِيلَ ﵇ لَهُ بِغَارِ حِرَاءٍ، ثُمَّ فِي الْمِعْرَاجِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا النَّسَائِيُّ.
стр. 8127
٥٨٥٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٨٥٣ - ( «وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ» ) أَيْ: وَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ (قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ) ، قِيلَ: إِنَّهُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ كَذَا فِي بَعْضِ حَوَاشِي الشِّفَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْحَجَرُ الْمُتَكَلِّمُ الْمَعْرُوفُ بِزُقَاقِ الْحَجَرِ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَبَيْنَ بَيْتِ خَدِيجَةَ ﵂، (إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ) . تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: إِنِّي لَأَعْرِفُ وَاسْتِحْضَارٌ لَهُ كَأَنَّهُ يَسْمَعُ كَلَامَهُ الْآنَ، هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي وَجُودُهُ بِالْأَوْلَى مِنَ الْحَالَةِ الْأُولَى، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَمَّا اسْتَقْبَلَنِي جِبْرِيلُ بِالرِّسَالَةِ جَعَلْتُ لَا أَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» ) . وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ، كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ كَلَامِ شَيْخِنَا جَمَالِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ الْبَكْرِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: خَلِيفَتُكَ عَلَى كَافَّةِ خَلِيقَتِكَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ.
стр. 8128
٥٨٥٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٨٥٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ) أَيْ: كُفَّارَهُمْ (سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ) أَيْ: يُظْهِرَ لَهُمْ (آيَةً) أَيْ: عَلَامَةً دَالَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ وَرِسَالَتِهِ (فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ) : بِكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ أَيْ: قِطْعَتَيْنِ مَفْصُولَتَيْنِ (حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا) : بِأَنْ كَانَتْ شِقَّةٌ فَوْقَ الْجَبَلِ وَشِقَّةٌ دُونَهُ كَمَا سَيَأْتِي (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8129
٥٨٥٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اشْهَدُوا) » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٨٥٥ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ: فِي زَمَانِهِ ﷺ (فِرْقَتَيْنِ) أَيْ: قِطْعَتَيْنِ مُتَفَارِقَتَيْنِ (فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ) أَيْ: جَبَلِ حِرَاءٍ (وَفِرْقَةً دُونَهُ) ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمَا تَبَايَنَتَا، فَإِحْدَاهُمَا إِلَى جِهَةِ الْعُلُوِّ، وَالْأُخْرَى إِلَى السُّفْلِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اشْهَدُوا) . أَيْ: عَلَى نُبُوَّتِي أَوْ مُعْجِزَتِي مِنَ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ احْضُرُوا وَانْظُرُوا مِنَ الشُّهُودِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ الزَّجَّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ عَدَلُوا عَنِ الْقَصْدِ وَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ تَأْوِيلَهُ أَنَّ الْقَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْأَمْرُ بَيِّنٌ فِي اللَّفْظِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَقَوْلُهُ: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ أَيْ: مُطَّرِدٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْا قَبْلَهُ آيَاتٍ أُخَرَ مُتَرَادِفَةً وَمُعْجِزَاتٍ سَابِقَةً، وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: إِنَّمَا ذَهَبَ الْمُنْكِرُ إِلَى مَا ذَهَبَ، لِأَنَّ الِانْشِقَاقَ أَمْرٌ هَائِلٌ، وَلَوْ وَقَعَ لَعَمَّ وَجْهَ الْأَرْضِ، وَبَلَغَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُوَافِقَ قَدْ نَقَلَهُ وَبَلَغَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ. وَأَمَّا الْمُخَالِفُ فَرُبَّمَا ذَهَلَ أَوْ حَسِبَ نَحْوَ الْخُسُوفِ، وَالْقُرْآنُ أَوْلَى دَلِيلٍ وَأَقْوَى شَاهِدٍ، وَإِمْكَانُهُ لَا شَكَّ فِيهِ أَيْ عَقْلًا، وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ الصَّادِقُ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ وُقُوعِهِ، وَأَمَّا امْتِنَاعُ الْخَرْقِ وَالِالْتِئَامِ، فَحَدِيثُ اللِّئَامِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالُوا: إِنَّمَا هَذَا الِانْشِقَاقُ حَصَلَ فِي اللَّيْلِ، وَمُعْظَمُ النَّاسِ نِيَامٌ غَافِلُونَ، وَالْأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ وَهُمْ مُتَغَطُّونَ بِثِيَابِهِمْ، وَقَلَّ مَنْ يَتَفَكَّرُ فِي السَّمَاءِ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا شَيْءٌ طَلَبَهُ قَوْمٌ خَاصٌّ عَلَى مَا حَكَاهُ أَنَسٌ، فَأَرَاهُمْ ذَلِكَ لَيْلًا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ نِيَامٌ وَمُسْتَكِنُّونَ بِالْأَبْنِيَةِ فِي الْبَرَارِي وَالصَّحْرَاءِ وَقَدْ يَتَّفِقُ أَنْ يَكُونُوا مَشَاغِيلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقَدْ يَكْسِفُ الْقَمَرُ فَلَا يَشْعُرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. أَيْ: مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَمْتَدُّ، وَإِنَّمَا كَانَ قَدْرَ اللَّحْظَةِ الَّتِي هِيَ مُدْرَكُ الْبَصَرِ وَلَوْ دَامَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، حَتَّى يَشْتَرِكَ فِيهَا الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَاسْتَوْجَبُوا الْهَلَاكَ، فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأُمَمِ قَبْلَنَا أَنَّ نَبِيَّهُمْ كَانَ إِذَا أَتَى بِآيَةٍ عَامَّةٍ يُدْرِكُهَا الْحِسُّ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا أُهْلِكُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمَائِدَةِ: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] فَلَمْ يُظْهِرِ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ الْعَامَّةَ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قُلْتُ: وَفِي نَفْسِ الْقَضِيَّةِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ شِقٌّ مِنْهُ فَوْقَ الْجَبَلِ، وَأُخْرَى دُونَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُحْجَبُ بَعْضُ النَّاسِ مِمَّنْ يَسْكُنُ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ، فَكَيْفَ بِسَائِرِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبَقِيَّةِ النَّاسِ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ، عَلَى أَنَّ إِرَاءَةَ الْمُعْجِزَةِ لِقَوْمٍ عَلَى مَا اقْتَرَحُوا، كَنَاقَةِ صَالِحٍ لَا يَسْتَلْزِمُ ظُهُورَهَا لِغَيْرِهِمْ.
стр. 8130
٥٨٥٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي - زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ - فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا) » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٨٥٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ مِنَ التَّعْفِيرِ وَهُوَ التَّفْرِيغُ (فِي التُّرَابِ) أَيْ: هَلْ يُصَلِّي وَيَسْجُدُ عَلَى التُّرَابِ (بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ) ؟ فِيمَا بَيْنَكُمْ عَلَى أَنَّ الْأَظْهُرَ مُقْحَمَةٌ لِلْإِشَارَةِ إِلَى وُقُوعِهِ عَلَى وَجْهِ الظُّهُورِ، أَوِ الِاسْتِنَادِ إِلَى ظَهْرِ أَحَدٍ وَحِمَايَتِهِ وَرِعَايَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُرِيدُ بِهِ سُجُودَهُ عَلَى التُّرَابِ، وَإِنَّمَا أُوثِرَ التَّعْفِيرَ عَلَى السُّجُودِ تَعَنُّتًا وَعِنَادًا وَإِذْلَالًا وَتَحْقِيرًا. (فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ) أَيْ: لَأَدُوسَنَّ (عَلَى رَقَبَتِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْ: فَجَاءَهُ أَبُو جَهْلٍ (وَهُوَ يُصَلِّي) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَالْحَالُ مِنَ الْفَاعِلِ قَوْلُهُ: (وَزَعَمَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَوْ قَصَدَ أَبُو جَهْلٍ (لِيَطَأَ) أَيْ: لِيَضَعَ (رِجْلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ لَامُ تَأْكِيدٍ. قُلْتُ: فَالْفِعْلُ مَرْفُوعٌ حِينَئِذٍ، وَفِي نُسْخَةٍ زَعِمَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، فَفِي الْقَامُوسِ: زَعِمَ كَفَرِحَ طَمِعَ قَالَ الطِّيبِيُّ: زَعِمَ وَقَعَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ بَعْدَ الْحَالِ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَزَعِمَ بِمَعْنَى طَمِعَ وَأَرَادَ. قَالَ فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ: وَمِنَ الْمَجَازِ زَعِمَ فُلَانٌ فِي غَيْرِ مَزْعَمٍ طَمِعَ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ، لِأَنَّ الطَّامِعَ زَاعِمٌ مَا لَمْ يَسْتَيْقِنْ، (فَمَا فَجِئَهُمْ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ، فَفِي الْقَامُوسِ: فَجِئَهُ كَسَمِعَ وَمَنَعَ هَجَمَ عَلَيْهِ، وَأَتَاهُ بَغْتَةً أَيْ: فَمَا أَتَى قَوْمَهُ فُجَاءَةً (مِنْهُ) أَيْ: مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مِنْ إِتْيَانِهِ إِلَيْهِ (إِلَّا وَهُوَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ أَيْ: أَبُو جَهْلٍ (يَنْكِصُ) : بِكَسْرِ الْكَافِ وَيُضَمُّ أَيْ: يَرْجِعُ (عَلَى عَقِبَيْهِ) ، أَيْ: قَهْقَرَى (وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ) أَيْ: يَحْذَرُ بِهِمَا وَيَدْفَعُ شَيْئًا بِسَبَبِهِمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُسْتَثْنَى فَاعِلُ فَجِئَ أَيْ: فَمَا فَجِئَ أَصْحَابَ أَبِي جَهْلٍ مِنْ أَمْرِ أَبِي جَهْلٍ إِلَّا نُكُوصُ عَقِبَيْهِ، وَقَدْ سَدَّ الْحَالُ هُنَا مَسَدَّ الْفَاعِلِ، وَفِيهِ إِرْخَاءُ عِنَانِ الْكَلَامِ لَا لِلَّفْظِ. قِيلَ: كَمَا سَدَّتْ مَسَدَّ الْخَبَرِ فِي: ضَرْبِي زَيْدًا قَائِمًا، فَفِي الْكَلَامِ مَيْلٌ إِلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي فَجِئَ رَاجِعًا إِلَى أَبِي جَهْلٍ، وَفِي مِنْهُ إِلَى الْأَمْرِ أَيْ: فَمَا فَجِئَ أَبُو جَهْلٍ أَصْحَابَهُ كَائِنًا مِنَ الْأَمْرِ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا هَذِهِ الْحَالَ، هَذَا وَفِي الْقَامُوسِ: نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ نُكُوصًا رَجَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ خَاصٌّ بِالرُّجُوعِ عَنِ الْخَيْرِ، وَوَهِمَ الْجَوْهَرِيُّ فِي إِطْلَاقِهِ أَوْ فِي الشَّرِّ نَادِرٌ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الشَّرِّ، وَكَذَا آيَةُ ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] ثُمَّ صَنِيعُ الْقَامُوسِ يُشْعِرُ أَنَّهُ بِضَمِّ الْكَافِ فِي الْمُضَارِعِ، لَكِنِ اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى كَسْرِهِ، حَتَّى لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّوَاذِّ أَيْضًا. نَعَمْ قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ ضَمُّ الْكَافِ ذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] .
(فَقِيلَ لَهُ) أَيْ: لِأَبِي جَهْلٍ (مَا لَكَ) ؟ أَيْ: مَا حَصَلَ لَكَ مِنَ الْمَنْعِ، وَمَا وَقَعَ لَكَ مِنَ الدَّفْعِ، (فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا) ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: خَوْفًا وَأَمْرًا شَدِيدًا (وَأَجْنِحَةً) . جَمْعُ جَنَاحِ الطَّائِرِ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الرَّاوِي (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَوْ دَنَا مِنِّي) أَيْ: قَرُبَ عِنْدِي (لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ) أَيِ: اسْتَلَبَتْهُ بِسُرْعَةٍ (عُضْوًا عُضْوًا) . وَالْمَعْنَى لَأَخَذَ كُلُّ مَلَكٍ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8131
٥٨٥٧ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁، قَالَ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْآخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ. فَقَالَ: (يَا عَدِيُّ! رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ فَلَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، وَلَئِنْ طَالَتْ لَكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يَخْرُجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ فِيهِ، وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، فَلَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغُكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. يَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى؛ فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ (يَخْرُجُ مِلْءَ كَفِّهِ) » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٨٥٧ - (وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ: حَاضِرًا وَقَاعِدًا (إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا) : بِالْأَلِفِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْيَاءِ عَلَى أَنَّهُ لُغَةٌ فِي الْوَاوِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (إِلَيْهِ الْفَاقَةَ) ، أَيِ: الْفَقْرَ وَشِدَّةَ الْحَاجَّةِ (ثُمَّ أَتَاهُ الْآخَرُ) : وَفِي نُسْخَةٍ آخَرُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ) . أَيْ: بِسَبَبِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، أَوْ لِقِلَّةِ الزَّادِ وَعَدَمِ عَلَفِ الدَّوَابِّ، وَطَمَعِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَتَعَرُّضِهِمْ لِلْقَافِلَةِ (فَقَالَ: (يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ) ؟ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهُوَ الْبَلَدُ.
стр. 8132
الْقَدِيمُ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ وَمَحَلَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِنَيْسَابُورَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ شَارِحٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَغْرَبَ أَوْ أَعْذَبَ. قِيلَ: وَأَجَابَ عَدِيٌّ مَا رَأَيْتُهَا، لَكِنْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَأَيْتُ بِمَعْنَى عَلِمْتُ، وَأَنْ لَا يَتَوَقَّفَ الْكَلَامُ عَلَى جَوَابِهِ حَيْثُ قَالَ: " (فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ فَلَتَرَيَنَّ) : بِفَتَحَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ أَيْ: فَلَتُبْصِرَنَّ (الظَّعِينَةَ) أَيِ: الْمَرْأَةَ الْمُسَافِرَةَ، وَقِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَظْعَنُ مَعَ الزَّوْجِ حَيْثُمَا ظَعَنَ، أَوْ أَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ إِذَا ظَعَنَتْ، وَقِيلَ: الظَّعِينَةُ الْمَرْأَةُ فِي الْهَوْدَجِ، ثُمَّ قِيلَ لِلْهَوْدَجِ بِلَا امْرَأَةٍ وَلِلْمَرْأَةِ بِلَا هَوْدَجٍ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ شَارِحٌ: الظَّعِينَةُ الْمَرْأَةُ مَا دَامَتْ فِي الْهَوْدَجِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلَيْسَتْ بِظَعِينَةٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَرْأَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْهَوْدَجِ أَوْ لَا. أَقُولُ: كَوْنُهَا فِي الْهَوْدَجِ أَبْلَغُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ) أَيْ: وَحْدَهَا (حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) : رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ عَدِيٌّ قُلْتُ فِي نَفْسِي: فَأَيْنَ رُعَاةُ طَيِّئٍ؟ (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْفَتْحِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ يُقَالُ: افْتَتَحْتَ وَاسْتَفْتَحْتَ طَلَبْتَ الْفَتْحَ، وَالْمَعْنَى لَتُؤْخَذَنَّ (كُنُوزُ كِسْرَى) أَيْ: عَلَى وَجْهِ الْغَنِيمَةِ. قَالَ عَدِيٌّ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ قَالَ ﷺ : كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَفِي الْقَامُوسِ: كِسْرَى وَيُفْتَحُ مَلِكٌ مُعَرَّبُ خِسْرُو، أَيْ: وَاسِعُ الْمُلْكِ. (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يَخْرُجُ مِلْءَ كَفِّهِ) أَيْ: مَثَلًا (مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) أَيْ: مِنْ نَوْعَيِ النَّقْدَيْنِ، يَعْنِي تَارَةً مِنْ هَذَا وَمَرَّةً مِنْ هَذَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ أَوْ لِلشَّكِّ (يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ) أَيْ: وَاحِدًا مِنْهُمَا أَوْ مَا ذَكَرَ (فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ) ، أَيْ: لِعَدَمِ الْفُقَرَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، أَوْ لِاسْتِغْنَاءِ قُلُوبِهِمْ وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا عِنْدَهُمْ وَالْقَنَاعَةِ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ، فَقِيلَ: إِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى ﵇، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى مَا وَقَعَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِمَّا يُصَدِّقُ الْحَدِيثَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ. قِيلَ: وَلَا شَكَّ فِي رُجْحَانِ هَذَا الِاحْتِمَالِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ) قُلْتُ: لَا شَكَّ فِي رُجْحَانِ الْأَوَّلِ لِقَوْلِ عَدِيٍّ الْآتِي: وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوْنَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةِ لَا تَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ. (وَلَيَلْقَيَنَّ) : عَطْفٌ عَلَى صَدْرِ الْحَدِيثِ وَقَوْلُهُ: (اللَّهَ) : مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ قُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ وَتَعْظِيمِ الْمَقَامِ وَفَاعِلُهُ (أَحَدُهُمْ) : وَظَرْفُهُ قَوْلُهُ (يَوْمَ يَلْقَاهُ) : وَهُوَ يَحْتَمِلُ إِعْرَابَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى فِي الضَّمِيرَيْنِ، وَكَذَا الْحَالُ فِي قَوْلِهِ: (وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ) . بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَيُضَمَّانِ وَيُفْتَحَانِ كَمَا فِي نُسْخَتَيْنِ أَيْ: مُتَرْجِمٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، يَعْنِي بَلْ يَكُونُ التَّلَقِّي وَالْكَلَامُ بِلَا وَاسِطَةٍ. قَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ بِضَمِّهِمَا اهـ.
وَفِي النِّهَايَةِ: التَّرْجُمَانُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ الَّذِي يُتَرْجِمُ الْكَلَامَ أَيْ: يَنْقُلُهُ مِنْ لُغَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَالتَّاءُ وَالنُّونُ زَائِدَتَانِ. وَفِي الْقَامُوسِ: التَّرْجُمَانُ كَعُنْفُوَانٍ وَزَعْفَرَانٍ وَرَيْهُقَانٍ الْمُفَسِّرُ لِلِّسَانِ، وَقَدْ تَرْجَمَهُ وَعَنْهُ، وَالْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَى أَصْلِهِ التَّاءُ، وَفِي الْمَفَاتِيحِ هُوَ عَلَى وَزْنِ زَعْفَرَانٍ، وَيَجُوزُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَبِضَمِّهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَلَيَقُولَنَّ) أَيِ: اللَّهُ سُبْحَانَهُ (أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغُكَ) ؟ بِالنَّصْبِ مُشَدَّدًا وَيُخَفَّفُ (فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ) ؟ بِالْجَزْمِ مِنَ الْإِفْضَالِ أَيْ: أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ، وَأَلَمْ أُنْعِمْ عَلَيْكَ؟ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ يَعْنِي أَعْطَيْتُكَ الْمَالَ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْكَ بِالْكَمَالِ، وَمَكَّنْتُكَ مِنْ إِنْفَاقِهِ وَالِاسْتِمْتَاعِ مِنْهُ، وَالصَّرْفِ عَلَى أَهْلِ اسْتِحْقَاقِهِ؟ (فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ) ، لِتَرْكِهِ الطَّاعَاتِ (وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ) ، لِارْتِكَابِهِ السَّيِّئَاتِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا كِنَايَتَانِ عَنِ الْإِحَاطَةِ، وَأَنَّ الْخَلَاصَ مِنْهَا لَيْسَ إِلَّا بِالْمُرُورِ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا - ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] أَيْ: بِالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ، وَلِذَا قَالَ: ( «اتَّقُوا النَّارَ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» ) ، أَيْ: بِنِصْفِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) أَيْ: مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَهِيَ أَنْوَاعُ الْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ أَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ لِلسَّائِلِ بِقَرِينَةِ مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ الْوَعْدُ عَلَى قَصْدِ الْوَفَاءِ، أَوِ الدُّعَاءُ مَعَ حُسْنِ الرَّجَاءِ، وَهَذَا الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَوْلًا مَيْسُورًا.
стр. 8133
قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ نَظْمِ هَذَا الْحَدِيثِ؟ قُلْتُ: لَمَّا اشْتَكَى الرَّجُلُ الْفَاقَةَ وَالْخَوْفُ وَهُوَ الْعُسْرُ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] وَهُوَ مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ فَتْحِ الْبِلَادِ. أَجَابَ عَنِ السَّائِلِ فِي ضِمْنِ بِشَارَةٍ لِعَدِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْيُسْرِ وَالْأَمْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْيُسْرَ وَالْغِنَى الدُّنْيَوِيَّ عُسْرٌ فِي الْآخِرَةِ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ سَلَّطَهُ عَلَى إِنْفَاقِهِ فَيَصْرِفُهُ فِي مَصَارِفِ الْخَيْرِ، وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁: كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ وَرَاحَ فِي حُلَّةٍ، وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صْحَفَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ. وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ تَغَيُّرِ النَّاسِ.
(قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ) ، أَيْ: كَمَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ) ، بِضَمِّ الْهَاءِ وَالْمِيمِ زَادَ فِي الْمَصَابِيحِ الَّذِي فِي الْأَبْيَضِ. قَالَ شَارِحٌ لَهُ: أَرَادَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ الَّذِي كَانَ بِالْمَدَائِنِ يُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ يَغْدُكُوشَكُ (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ) أَيْ: مُؤَدَّى مَا قَالَ (النَّبِيُّ) : وَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَخْرُجُ مِلْءَ كَفِّهِ إِلَخْ فَقَوْلُهُ: (أَبُو الْقَاسِمِ) : بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ لِلنَّبِيِّ، وَقَوْلُهُ: (يَخْرُجُ مِلْءَ كَفِّهِ) . بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ مَا قَالَ، وَالْمَعْنَى يَخْرُجُ الرَّجُلُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، فَهُوَ نَقْلٌ بِالْمَعْنَى مُخْتَصَرًا أَوِ الرَّجُلُ يَخْرُجُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْأَصْلِ فَهُوَ نَقْلٌ بِاللَّفْظِ مُقْتَصِرًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 8134
٥٨٥٨ - وَعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ﵁، قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِيَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلْنَا: أَلَا تَدْعُو اللَّهَ، فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ وَقَالَ " كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِمِنْشَارٍ، فَيُوضَعُ فَوْقَ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ وَعَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ لَتَسْتَعْجِلُونِ) » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٨٥٨ - (وَعَنْ خَبَّابِ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى (بْنِ الْأَرَتِّ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّ، وَإِنَّمَا لَحِقَهُ سَبْيٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَاشْتَرَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ وَأَعْتَقَتْهُ، أَسْلَمَ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، وَهُوَ مِمَّنْ عُذِّبَ فِي اللَّهِ عَلَى إِسْلَامِهِ فَصَبَرَ، نَزَلَ الْكُوفَةَ، وَمَاتَ بِهَا، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: شَكَوْنَا) أَيِ: الْكَفَّارَ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ) أَيْ: كِسَاءً مُخَطَّطًا، وَالْمَعْنَى جَاعِلٌ الْبُرْدَةَ وِسَادَةً لَهُ مِنْ تَوَسَّدَ الشَّيْءَ جَعَلَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ (وَقَدْ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَلَقَدْ (لَقِينَا) أَيْ: رَأَيْنَا وَحَصَلَ لَنَا (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أَيْ: مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ (شِدَّةً) ، أَيْ: مِحْنَةً شَدِيدَةً (فَقُلْنَا: أَلَا تَدْعُو اللَّهَ) ، أَيْ: لَنَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ يُؤْذُونَنَا (فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ) : مِنِ احْمَرَّ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ إِذَا اشْتَدَّ حَرَارَتُهُ (وَقَالَ: (كَانَ الرَّجُلُ) : اللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ الَّذِي هُوَ فِي الْمَعْنَى نَكِرَةٌ (فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُجْعَلُ لَهُ حُفْرَةٌ (فِي الْأَرْضِ) ، قَيْدٌ وَاقِعِيٌّ اتِّفَاقًا (فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِمِنْشَارٍ) ، بِالنُّونِ وَيُرْوَى بِالْهَمْزَةِ وَإِبْدَالِهَا يَاءً، وَهُوَ آلَةٌ يُشَقُّ بِهَا الْخَشَبَةُ (فَيُوضَعُ فَوْقَ رَأْسِهِ لِيُشَقَّ بِاثْنَيْنِ) أَيْ: فَيَنْقَطِعُ نِصْفَيْنِ (فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ) أَيْ: فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ الْعَذَابُ الشَّدِيدُ (عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُخَفَّفًا وَالْمَعْنَى يُشَوَّكُ (بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ الْمُشْطِ وَهُوَ مَا يُتَمَشَّطُ بِهِ الشَّعْرُ (مَا دُونَ لَحْمِهِ) أَيْ: مَا تَحْتَ لَحْمِ ذَلِكَ الرَّجُلِ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ (مِنْ عَظْمٍ وَعَصَبٍ) بِفَتْحَتَيْنِ قَالَ الطِّيبِيُّ مِنْ بَيَانٍ لَهُ وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ بِأَنَّ الْأَمْشَاطَ لِحَدِّهَا وَقُوَّتِهَا كَانَتْ تَنْفُذُ مِنَ اللَّحْمِ إِلَى الْعَظْمِ، وَمَا يَلْتَصِقُ بِهِ مِنَ الْعَصَبِ. (وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ: لَيَكْمُلَنَّ (هَذَا الْأَمْرُ) أَيْ: أَمْرُ الدِّينِ وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي أُخْرَى بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَكَسْرِ التَّاءِ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ هُوَ اللَّهُ، وَقَوْلُهُ: هَذَا الْأَمْرَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَفِيهِ
стр. 8135
إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣] (حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ) أَيْ: رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ وَحْدَهُ (مِنْ صَنْعَاءَ) : بَلَدٍ بِالْيَمَنِ (إِلَى حَضْرَمَوْتَ) : مَوْضِعٍ بِأَقْصَى الْيَمَنِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ لِلتَّرْكِيبِ وَالْعَلَمِيَّةِ، وَقِيلَ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وَقِيلَ مَوْضِعٌ حَضَرَ فِيهِ صَالِحٌ ﵇ فَمَاتَ فِيهِ، وَحَضَرَ جِرْجِيسُ فَمَاتَ فِيهِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَفِي الْقَامُوسِ: حَضْرَمَوْتُ وَبِضَمِّ الْمِيمِ بَلَدٌ وَقَبِيلَةٌ، وَيُقَالُ هَذَا حَضْرَمَوْتُ، وَيُضَافُ فَيُقَالُ: حَضْرُمَوْتٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِنْ شِئْتَ لَا تُنَوِّنِ الثَّانِيَ (لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى أَوْ يَكُونَ (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ لِلْجَمْعِ أَوْ لِلشَّكِّ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي حُصُولِ الْأَمْنِ، وَزَوَالِ الْخَوْفِ، فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لِلْأَمْنِ مِنْ عُدْوَانِ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، كَمَا هُوَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا الْأَمْنُ مِنْ عُدْوَانِ الذِّئْبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى ﵇. (وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) . أَيْ: سَيَزُولُ عَذَابُ الْمُشْرِكِينَ فَاصْبِرُوا عَلَى أَمْرِ الدِّينِ كَمَا صَبَرَ مَنْ سَبَقَكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَشَدِّ مِنْ عَذَابِكُمْ لِقُوَّةِ الْيَقِينِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 8136
٥٨٥٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ؛ ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ) ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى. (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: (أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ) . فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٨٥٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ) ، بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ ابْنُ خَالِدٍ، وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ نَسَبًا، وَهِيَ وَأُمُّهُ أُمُّ سُلَيْمٍ مِنْ خَالَاتِ النَّبِيِّ ﷺ رَضَاعًا أَوْ نَسَبًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ ﷺ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَغَيْرُهُ: كَانَتْ إِحْدَى خَالَاتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ خَالَةً لِأَبِيهِ أَوْ لِجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ وَجْهِ الدُّخُولِ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ أُخْتِهَا أُمِّ سُلَيْمٍ مَعَ زِيَادَةِ تَحْقِيقٍ فَتَذَكَّرْ. (وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ، أَيْ: زَوْجَتُهُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ وَمَاتَتْ غَازِيَةً مَعَ زَوْجِهَا بِأَرْضِ الرُّومِ، وَقَبْرُهَا بِقُبْرُصَ، رَوَى عَنْهَا ابْنُ أُخْتِهَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَزَوْجُهَا عُبَادَةُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَقِفُ لَهَا عَلَى اسْمٍ صَحِيحٍ غَيْرَ كُنْيَتِهَا، وَكَانَ مَوْتُهَا فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، (فَدَخَلَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي) . بِكَسْرِ اللَّامِ مُخَفَّفَةً أَيْ: تُفَتِّشُ (رَأْسَهُ) أَيْ: شَعْرَ رَأْسِهِ (فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ) أَيِ: انْتَبَهَ بَعْدَ نَوْمٍ كَثِيرٍ (وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ يَبْعَثُكَ عَلَى الضَّحِكِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ) ؟ فَإِنَّ مِثْلَكَ لَا يَضْحَكُ بِلَا سَبَبٍ مِنْ أَمْرٍ عَجَبٍ. (قَالَ (نَاسٌ) أَيْ: جَمْعٌ (مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِمْ مُجَاهِدِينَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: مَعَ الْكُفَّارِ (يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ) : بِفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ فَجِيمٍ أَيْ وَسَطَهُ وَمُعْظَمَهُ (مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ) : الظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ إِمَّا حَالٌ أَوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: يَرْكَبُونَ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ رُكُوبًا مِثْلَ رُكُوبِ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ ثَبَجَ الْبَحْرِ بِظَهْرِ الْأَرْضِ، وَالسَّفِينَةَ بِالسَّرِيرِ، وَجَعَلَ الْجُلُوسَ عَلَيْهَا مُشَابِهًا لِجُلُوسِ الْمُلُوكِ عَلَى أَسِرَّتِهِمْ إِيذَانًا بِأَنَّهُمْ بَذَّالُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيَرْتَكِبُونَ هَذَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَ، مِنْ وُفُورِ نَشَاطِهِمْ وَتَمَكُّنِهِمْ مِنْ مُنَاهُمْ كَالْمُلُوكِ عَلَى أَسِرَّتِهِمْ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قِيلَ: هُوَ صِفَةٌ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ صِفَةٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا أَيْ: يَرْكَبُونَ مَرَاكِبَ الْمُلُوكِ لِسَعَةِ حَالِهِمْ، وَاسْتِقَامَةِ أَمْرِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ. اهـ. وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْحَالَ مُقَدَّرَةٌ عَلَى
стр. 8137
الْمَعْنَيَيْنِ بِخِلَافِ مَا قَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ مُحَقَّقَةٌ. (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا) : فِيهِ الْتِفَاتٌ أَوْ تَجْرِيدٌ أَوْ نَقْلٌ بِالْمَعْنَى، أَوْ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ (ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُكَ) ؟ أَيِ: الْآنَ (قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . كَمَا قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فِي الْأُولَى) . أَيْ: فِي الْمَقَالَةِ الْأُولَى، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي اخْتِصَارًا (فَقُلْتُ) أَيْ: ثَانِيًا (يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: (أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ) . فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَرْتَبَةَ الْأَوَّلِينَ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْآخِرِينَ (فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ) ، أَيْ: فِي أَيَّامِ وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ، فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَوْتَهَا فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ (فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: فَسَقَطَتْ عَنْ ظَهْرِ مَرْكَبِهَا (حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ) . أَيْ: مَاتَتْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ [غافر: ٣٤] أَيْ: مَاتَ يُوسُفُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 8138
٥٨٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: إِنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ. فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ. قَالَ: فَلَقِيَهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ) فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ وَقَوْلَ السَّحَرَةِ وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ قَامُوسَ الْبَحْرِ، هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ (الْمَصَابِيحِ) : بَلَغْنَا نَاعُوسَ الْبَحْرِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَذَكَرَ حَدِيثَا أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ (يَهْلِكُ كِسْرَى) وَالْآخَرَ (لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ) فِي بَابِ (الْمَلَاحِمِ) .
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي
ــ
٥٨٦٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ ضِمَادًا) : بِكَسْرِ الضَّادِ وَيُضَمُّ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَدَالٍ فِي آخِرِهِ، وَيُرْوَى ضِمَامٌ بِمِيمٍ فِي آخِرِهِ (قَدِمَ مَكَّةَ) ، بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ: نَزَلَ بِهَا مِنْ سَفَرٍ (وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ نُونٍ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ فَهَمْزَةٍ فَهَاءٍ، قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَالْأَزْدُ قَبِيلَةٌ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا اسْمُ رَجُلٍ كَانَ صَدِيقًا لِلنَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ضِمَادُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْأَزْدِيُّ، كَانَ يَتَطَيَّبُ وَيَطْلُبُ الْعِلْمَ أَسْلَمَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ (وَكَانَ يَرْقِي) : بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ: يُعَالِجُ الدَّاءَ بِشَيْءٍ يُقْرَأُ ثُمَّ يَنْفُثُ (مِنْ هَذَا الرِّيحِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى جِنْسِ الْعِلَّةِ لَهُ، وَذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ الْجُنُونِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْإِشَارَةُ بِهَذَا إِلَى جِنْسِ الْعِلَّةِ الَّتِي كَانُوا يَرَوْنَهَا الرِّيحَ، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْخَبَلَ الَّذِي يُصِيبُ الْإِنْسَانَ، وَالْأَدْوَاءَ الَّتِي كَانُوا يَرَوْنَهَا مِنْ مَسَّةِ الْجِنِّ نَفْحَةً مِنْ نَفَحَاتِ الْجِنِّ فَيُسَمُّونَهَا الرِّيحَ اهـ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى: الرِّيحُ هُنَا بِمَعْنَى الْجِنِّ سَمَّوْا بِهَا لِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ كَالرِّيحِ (فَسَمِعَ) أَيْ: ضِمَادٌ (سُفَهَاءَ أَهْلِ مَكَّةَ) أَيْ: جُهَّالَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ (يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ. فَقَالَ لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ) أَيْ: أَبْصَرْتُ (هَذَا الرَّجُلَ) أَيْ: بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ لَدَاوَيْتُهُ، فَجَوَابُ (لَوْ) مُقَدَّرٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَوْ هَذِهِ لِلتَّمَنِّي كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: (لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَهُ عَلَى يَدَيَّ) . أَيْ: بِسَبَبِي (قَالَ) أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ (فَلَقِيَهُ) أَيْ: مُحَمَّدًا (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَهَلْ لَكَ) ؟ أَيْ: رَغْبَةٌ فِي أَنْ أَرْقِيَكَ وَأُخَلِّصَكَ مِنَ الْجُنُونِ (فَقَالَ ﷺ (إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ) ، أَيْ: ثَابِتٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ، سَوَاءٌ حُمِدَ أَوْ لَمْ يُحْمَدْ (نَحْمَدُهُ) أَيْ: لِوُجُوبِهِ عَلَيْنَا وَلِعَوْدِ نَفْعِهِ إِلَيْنَا (وَنَسْتَعِينُهُ) أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا (مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ) أَيْ: إِلَى طَرِيقِ تَوْحِيدِهِ وَشُهُودِ تَفْرِيدِهِ بِمُقْتَضَى فَضْلِهِ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ) أَيْ: وَمَنْ يُضْلِلْهُ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ بِمُوجَبِ عَدْلِهِ (فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ) أَيْ: مُنْفَرِدًا وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ كَقَوْلِهِ: (لَا شَرِيكَ لَهُ) ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ تَوْحِيدُ الذَّاتِ، وَبِالثَّانِي تَفْرِيدُ الصِّفَاتِ (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ) أَيِ: الْمُخْتَصُّ الْمُكَرَّمُ (وَرَسُولُهُ) أَيِ: الْمَخْصُوصُ الْمُعَظَّمُ ﷺ .
стр. 8139
وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ (أَمَّا بَعْدُ) أَيْ: وَأَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ لَهُ خُطْبَةً عَظِيمَةً وَمَوْعِظَةً جَسِيمَةً تَعْجَزُ عَنْهُ الْبُلَغَاءُ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ الْفُصَحَاءُ، لِيَعْلَمَ الْعُقَلَاءُ أَنَّهُمْ بِجَنْبِهِ مِنَ الْمَجَانِينِ وَالسُّفَهَاءِ، (قَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ) ، الْمُتَقَدِّمَةَ الدَّالَّةَ عَلَى جَزَالَةِ الْخَاتِمَةِ (فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) . يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّثْلِيثُ بِالْأُولَى كَمَا كَانَ لَهُ الْعَادَةُ أَوْ بِغَيْرِهَا، كَمَا يُفِيدُ حَقِيقَةُ الْإِعَادَةِ مَعَ زِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي مَقَامِ الْإِفَادَةِ وَتَمَامِ الِاسْتِفَادَةِ (قَالَ) أَيْ: ضِمَادٌ (لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ) . بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ كَاهِنٍ وَهُوَ الْمُخْبِرُ عَنِ الْغَيْبِ بِعِبَارَاتٍ مُسَجَّعَةٍ وَإِشَارَاتٍ مُبْدِعَةٍ (وَقَوْلَ السَّحَرَةِ) جَمْعُ سَاحِرٍ وَهُوَ الْمُخَيَّلُ فِي الْعَيْنِ وَالذِّهْنِ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ أَوْ مِنْ أَجْلِ فِعْلِهِ (وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ) ، جَمْعُ شَاعِرٍ وَهُوَ الْمُحَلَّى بِاللِّسَانِ فِي كُلِّ شَأْنٍ حَتَّى شَانَ مَا زَانَ وَزَانَ مَا شَانَ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَكَ تَارَةً إِلَى الْكَهَانَةِ وَمَرَّةً إِلَى السِّحْرِ، وَأُخْرَى إِلَى الشِّعْرِ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَقَالَةَ أَصْحَابِهَا (فَمَا سَمِعْتُ) أَيْ: مِنْهُمْ (مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ) . يَعْنِي فَلَوْ كُنْتَ مِنْهُمْ لَأَشْبَهَ كَلَامُكَ كَلَامَهُمْ، فَإِذَا كَانَ كَلَامُهُ أَبْلَغَ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ، فَلَا يَعُدُّهُ مَجْنُونًا إِلَّا السُّفَهَاءُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الْكُهَّانَ وَالسَّحَرَةَ وَالشُّعَرَاءَ أَهْلَ الْبَلَاغَةِ وَالْمُتَصَرِّفِينَ فِي الْقَوْلِ عَلَى أَيِّ أُسْلُوبٍ شَاءُوا، فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ هَذَا إِلَى الْإِعْجَازِ أَيْ: جَاوَزَ كَلَامُكَ حَدَّ الْبَلَاغَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ ﷺ قَابَلَ كَلَامَ ضِمَادٍ بِمَا تَقَدَّمَ لِيُظْهِرَ لَهُ كَمَالَ عَقْلِهِ، وَيَتَبَيَّنَ جَهْلُ أَعْدَائِهِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: طَابَقَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ ﷺ قَوْلَ ضِمَادٍ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ مِنْ سُفَهَاءِ أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ اعْتَقَدَ أَنَّهُ كَذَلِكَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ رَغْبَةٌ فِي الْخَلَاصِ؛ كَأَنَّهُ ﷺ مَا الْتَفَتَ إِلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْحَقِّ الْبَحْتِ وَالصِّدْقِ الْمَحْضِ، أَيْ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ أَتَكَلَّمُ كَلَامَ الْمَجَانِينِ، بَلْ كَلَامِي نَحْوُ هَذَا وَأَمْثَالِهِ، فَتَفَكَّرْ فِيهِ هَلْ يَنْطِقُ الْمَجْنُونُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَنَحْوِهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ - وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥١ - ٥٢] أَيْ: إِنَّهُمْ جَنَّنُوهُ لِأَجْلِ الْقُرْآنِ، وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَمَوْعِظَةٌ لِلْعَالِمِينَ، وَكَيْفَ يُجَنَّنُ مَنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ. قُلْتُ بَلِ الْمَجْنُونُ مَنْ غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ الْحَقِّ وَاشْتَغَلَ بِكَلَامِ الْخَلْقِ، وَلِذَا قَالَ ﷺ (اذْكُرُوا اللَّهَ حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ) ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْعَرَبُ رُبَّمَا اسْتَعْمَلُوا هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ، وَقَدْ شَهِدَ بِهِ التَّنْزِيلُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] قَالَ الشَّاعِرُ:
ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ... وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الْأَيَّامِ
(وَلَقَدْ بَلَغْنَ) أَيْ: هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتُ الْجَامِعَاتُ الْمُحِيطَاتُ بِحُرُوفٍ كَاللَّآلِئِ الْمَنْظُومَاتِ الَّتِي يَعْجِزُ الْغَوَّاصُ عَنْ إِخْرَاجِهَا وَإِبْرَازِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الدِّلَالَاتِ الْبَيِّنَةِ عَلَى إِعْجَازِهَا مِنْ كَمَالِ إِيجَازِهَا (قَامُوسَ الْبَحْرِ) ، أَيْ: مُعْظَمَ بَحْرِ الْكَلَامِ وَوَسَطَ لُجَّةِ الْمَرَامِ، وَالْمَعْنَى بَلَغَتْ غَايَةَ الْفَصَاحَةِ وَنِهَايَةَ الْبَلَاغَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الْقَمْسُ الْغَوْصُ وَالْغَمْسُ وَالْقَوْمَسُ مُعْظَمُ مَاءِ الْبَحْرِ كَالْقَامُوسِ وَالْقَامُوسُ الْبَحْرُ أَوْ أَبْعَدُ مَوْضِعٍ فِيهِ غَوْرًا (هَاتِ) : بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ: إِلَخْ (يَدَكَ أُبَايِعْكَ) : بِالْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ (عَلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ) أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ (فَبَايَعَهُ) . أَيِ: النَّبِيُّ ﵊. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
(وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: بَلَغْنَا) أَيْ: بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ (نَاعُوسَ الْبَحْرِ) . بِالنُّونِ وَالْعَيْنِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَتَحْرِيفٌ، حَيْثُ لَمْ يُذْكَرِ النَّاعُوسُ فِي الْقَامُوسِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَفِي كِتَابِ الْمَصَابِيحِ بَلَغْنَا وَهُوَ خَطَأٌ لَا سَبِيلَ إِلَى تَقْوِيمِهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى وَالرِّوَايَةُ لَمْ تَرِدْ لَهُ، وَنَاعُوسُ الْبَحْرِ أَيْضًا خَطَأٌ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَهِمُوا فِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ الرُّوَّادِ أَخْطَأَ فِيهِ، فَرُوِيَ مَلْحُونًا وَهَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُسْمَعُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَالصَّوَابُ فِيهِ قَامُوسُ الْبَحْرِ، وَهُوَ وَسَطُهُ وَمُعْظَمُهُ مِنَ الْقَمْسِ وَهُوَ الْغَوْصُ وَالْقَمَّاسُ الْغَوَّاصُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: بَلَغْنَا خَطَأٌ إِنْ أَرَادَ بِهِ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ، فَلَا نُنْكِرُهُ لِأَنَّا مَا وَجَدْنَاهَا فِي الْأُصُولِ، وَإِنْ أَرَادَ بِحَسَبِ الْمَبْنَى فَمَعْنَاهَا صَحِيحَةٌ أَيْ: قَدْ وَصَلْنَا إِلَى لُجَّةِ الْبَحْرِ وَمَحَلِّ اللَّآلِئِ وَالدُّرِّ، فَيَجِبُ أَنْ نَقِفَ عَلَيْهِ وَنَغُوصَ فِيهِ اسْتِخْرَاجًا لِفَوَائِدِهِ وَالْتِقَاطًا لِفَرَائِدِهِ قُلْتُ: الشَّيْخُ نَفَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ الْحَقِيقِيَّ إِذْ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ الَّذِي هُوَ بِإِشَارَاتِ الصُّوفِيَّةِ أَشْبَهَ فَتَدَبَّرْ وَتَنَبَّهْ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ (نَاعُوسَ الْبَحْرِ) أَيْضًا خَطَأٌ، فَلَيْسَ بِصَوَابٍ، أَمَّا رِوَايَةُ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ
стр. 8140
فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (نَاعُوسَ الْبَحْرِ) ضَبَطَاهُ بِوَجْهَيْنِ أَشْهَرُهُمَا بِالنُّونِ وَالسِّينِ، وَهَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا، وَالثَّانِي قَامُوسُ الْبَحْرِ بِالْقَافِ وَالْمِيمِ، وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ. قُلْتُ هَذَا مَا يُنَافِي قَوْلَ الشَّيْخِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ وُجُوهَ النَّقْلِ وَالرِّوَايَةِ، بَلْ يَطْعَنُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَالدِّرَايَةُ. قَالَ: وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: رَوَى بَعْضُهُمْ (نَاعُوسَ) بِالنُّونِ وَالْعَيْنِ. وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: نَاعُوسُ الْبَحْرِ بِمَعْنَى قَامُوسِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَامُوسَ هُوَ الْأَشْهَرُ وَالْأَكْثَرُ، وَإِنَّمَا جَاءَ النَّاعُوسُ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ لِكَوْنِهِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْمَعْنَى حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى الْقَامُوسِ، وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ: وَفِي النِّهَايَةِ قَالَ أَبُو مُوسَى: (نَاعُوسَ الْبَحْرِ) كَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَفِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ (قَامُوسَ الْبَحْرِ) ، وَهُوَ وَسَطُهُ وَلُجَّتُهُ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُجَوِّدْ كَيْفِيَّتَهُ، فَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ أَصْلًا فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَرَنَهُ بِأَبِي مُوسَى وَرِوَايَتِهِ، فَلَعَلَّهَا فِيهَا قَالَ: وَإِنَّمَا أَوْرَدَ نَحْوَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا طَلَبَهُ وَلَمْ يَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ فَتَحَيَّرَ، فَإِذَا نَظَرَ فِي كِتَابِنَا عَرَفَ أَصْلَهُ وَمَعْنَاهُ قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ الشَّيْخَ فِيمَا قَرَّرَهُ، وَيُؤَكِّدُ مَا حَرَّرَهُ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ صِحَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الرِّوَايَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَمَّا دِرَايَةٌ فَقَالَ الْقَاضِي نَاصِرُ الدِّينِ: نَاعُوسُ الْبَحْرِ مُعْظَمُهُ، وَتَحْتُهُ الَّذِي يُغَاصُ فِيهَا لِإِخْرَاجٍ اللَّآلِئِ، مِنْ نَعَسَ إِذَا نَامَ لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ كَثْرَتِهِ لَا تَظْهَرُ حَرَكَتُهُ، فَكَأَنَّهُ نَائِمٌ. قُلْتُ: ثَبَتَ الْعَرْشُ ثُمَّ انْقَشَّ الْفَرْشُ، فَإِنَّ تَحْقِيقَ الرِّوَايَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى تَدْقِيقِ الدِّرَايَةِ، مَعَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ، بَلْ تَكَلُّفٌ وَتَعَسُّفٌ فِي تَصْحِيحِهِ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، فَأَنَّى يُقَاوِمُ قَوْلَ الشَّيْخِ، وَهَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَمْ تُسْمَعْ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ النَّاعُوسُ حَقِيقَةً فِي الْقَامُوسِ، وَكَانَتْ لُغَةً عَرَبِيَّةً خَفِيَ مَكَانُهَا فَلَمْ تُنْقَلْ نَقْلًا فَاشِيًا اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إِنْ فَتَحْنَا بَابَ الْإِمْكَانِ انْسَدَّ طَرِيقُ التَّحْقِيقِ فِي مَكَانٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
(وَذَكَرَ حَدِيثَا أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) : بِإِضَافَةِ الْحَدِيثَيْنِ إِلَى الرِّوَايَتَيْنِ لَفًّا وَنَشْرًا مُرَتَّبًا، وَالتَّقْدِيرُ أَحَدُهُمَا (يَهْلِكُ كِسْرَى) أَيْ: إِلَخْ. (وَالْآخَرُ (لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ) أَيِ: الْحَدِيثُ (فِي بَابِ الْمَلَاحِمِ) . مُتَعَلِّقٌ بِذَكَرَ، وَوَجْهُهُ مِرَارًا قُرِّرَ، وَكَذَا حُرِّرَ تَوْجِيهُ قَوْلِهِ: (وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي) .
стр. 8141
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٨٦١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ. قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانُ: وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُهُ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ فِي أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: وَمَنْ يَتْبَعُهُ، أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: لَا بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِينَا؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ. وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبُ فَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْنَا: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّلَةِ، وَالْعَفَافِ، قَالَ: إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمَ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ سَبَقَ تَمَامُ الْحَدِيثِ فِي (بَابِ الْكِتَابِ إِلَى الْكُفَّارِ) .
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٨٦١ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ) : بِضَمِّ السِّينِ وَجُوِّزَ تَثْلِيثُهُ، وَاسْمُهُ صَخْرٌ بِمُهْمَلَةٍ فَمُعْجَمَةٍ، وُلِدَ قَبْلَ الْفِيلِ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَأَسْلَمَ لَيْلَةَ الْفَتْحِ، وَشَهِدَ الطَّائِفَ وَحُنَيْنًا، وَفُقِئَتْ عَيْنُهُ فِي الْأَوْلَى وَالْأُخْرَى يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ ﵄ (مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ) ، مِنْ لِلِابْتِدَاءِ أَيِ: الْحَدِيثُ الَّذِي أَرْوِيهِ انْتَقَلَ مِنْ فَمِهِ إِلَى فَمِي، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَاسِطَةٌ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ حَاضِرًا غَيْرِي مَعَهُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدَّثَنِي، وَكَذَا قَوْلُهُ فِيَّ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ غَيْرُهُ لَجَازَ أَنْ يَرْوِيَهُ، فَلَا يَكُونُ التَّحْدِيثُ مُنْحَصِرًا مِنْ فَمِهِ إِلَى فَمِهِ فَقَطْ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو سُفْيَانَ (انْطَلَقْتُ) أَيْ: سَافَرْتُ (فِي الْمُدَّةِ) أَيْ: فِي مُدَّةِ الصُّلْحِ (الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَعْنِي صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، وَكَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَمُدَّتُهَا عَشْرُ سِنِينَ، لَكِنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ بِقَتْلِ بَعْضِ خُزَاعَةَ مِنْ حُلَفَائِهِ ﷺ سَنَةَ ثَمَانٍ وَفَتْحِ مَكَّةَ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو سُفْيَانَ (فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْمَقَامِ (إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ) . بِكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَالْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعُجْمَةِ.
стр. 8142
وَالْعَلَمِيَّةِ، وَهُوَ مَلِكُ الرُّومِ وَلَقَبُهُ قَيْصَرُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْبَيْعَةَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ. قَالَ) أَيْ: أَبُو سُفْيَانَ (وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَيُفْتَحُ (جَاءَ بِهِ) أَيْ: بِالْكِتَابِ (فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى) ، أَيْ: أَمِيرِهَا، وَهِيَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورَةٌ قَرْيَةٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَدِمَشْقِ الشَّامِ (فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هَاهُنَا) أَيْ: فِي أَرْضِ الشَّامِ (أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ) ؟ يَعْنِي لِكَيْ نَسْأَلَ عَنْ وَصْفِهِ لِيَتَبَيَّنَ لَنَا صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ (قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ خَدَمِهِ وَحَشَمِهِ (نَعَمْ، فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ) أَيْ: مَعَ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا ثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَقِيلَ: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مِنْهُمْ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَبَقَ إِسْلَامُهُ، لِأَنَّهُ أَسْلَمَ عَامَ الْخَنْدَقِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حَاضَرًا، وَسَكَتَ مَعَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا. قُلْتُ: وَقَدْ يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ مَا يُنَافِي سُكُوتَهُ (فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ أَيْ: أَمَرَ هِرَقْلُ بِجُلُوسِنَا (بَيْنَ يَدَيْهِ) ، أَيْ: قُدَّامَهُ لِيَسْمَعَ كَلَامَنَا وَنَسْمَعُ كَلَامَهُ (فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ) ؟ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا سَأَلَ قَرِيبَ النَّسَبِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ، وَأَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ فِي حَقِّهِ (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا) . أَيْ: أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْهُ (فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ) ، أَيْ: وَحْدِي (وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي) ، وَإِنَّمَا أَجْلَسَهُمْ خَلْفَهُ لِيَكُونَ أَعْوَنَ عَلَيْهِمْ فِي تَكْذِيبِهِ إِنْ كَذِبَ، وَلَا يَسْتَحْيُوا مِنْهُ، أَوْ لِيُمْكِنَ لَهُمْ أَنْ يُشِيرُوا إِلَيْهِ وَيَدُلُّوا عَلَيْهِ. بِمَا هُنَالِكَ إِمَّا بِإِيمَاءِ يَدٍ أَوْ بِتَحْرِيكِ رَأْسٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ قَصَدَ فِي تَقْرِيبِهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ فِي النَّسَبِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْأَدَبُ، (ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَبِضَمِّهِمَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، وَسَبَقَ أَنَّهُ يَجُوزُ فَتْحُهُمَا وَهُوَ الْمُعَبِّرُ عَنْ لُغَةٍ بِلُغَةٍ أُخْرَى ثُمَّ الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَوِ التَّقْدِيرُ دَعَا أَحَدًا بِإِحْضَارِ تَرْجُمَانِهِ فَحَضَرَ (فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ) أَيْ: لِأَصْحَابِ أَبِي سُفْيَانَ (إِنِّي سَائِلٌ هَذَا) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ، وَالْمَعْنَى أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ أَبَا سُفْيَانَ (عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ) ، أَيْ: عَنْ وَصْفِهِ (فَإِنْ كَذَبَنِي) : بِتَخْفِيفِ! الذَّالِ أَيْ: فَإِنْ تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ لِي (فَكَذِّبُوهُ) . بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: فَانْسُبُوهُ إِلَى الْكَذِبِ، وَلَا تَسْكُتُوا عَلَى الْبَاطِلِ وَأَعْلِمُونِي بِالْحَقِّ.
(قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللَّهِ) : بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَيُقْطَعُ وَبِضَمِّ مِيمٍ وَتَحْقِيقُهُ تَقَدَّمَ وَهُوَ قَسَمٌ (لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُرْوَى (عَلَيَّ الْكَذِبُ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وَالْمَعْنَى لَوْلَا خَوْفُ أَنْ يَنْقُلُوا عَنِّي الْكَذِبَ إِلَى قَوْمِي وَيَتَحَدَّثُوا بِهِ (لَكَذَبْتُهُ) ، أَيْ: لَكَذَبْتُ عَلَيْهِ لِبُغْضِي إِيَّاهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا عَدَّاهُ بِعَلَى لِتَضَمُّنِ مَعْنَى الْمَضَرَّةِ أَيْ: كَذِبٌ يَكُونُ عَلَيَّ لَا لِي، وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ الْكَذِبَ قَبِيحٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا هُوَ قَبِيحٌ فِي الْإِسْلَامِ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُكَذِّبَنِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَعِي لَكَذَبْتُهُ فِي تَكْذِيبِهِ فِي بَعْضِ كَلَامِي لِتَحْصِيلِ مَرَامِي (ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ) ؟ الْحَسَبُ مَا يَعُدُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِهِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ النَّسَبِ، وَلِذَا عَدَلَ عَنْهُ إِلَيْهِ، قِيلَ: وَفِي الْبُخَارِيِّ كَيْفَ فِيكُمْ؟ وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ كَيْفَ حَسَبُهُ؟ (قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ) أَيْ: عَظِيمٌ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ هُوَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَنَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَيْسَ فِي النَّفَرِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ غَيْرِي (قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ) أَيْ: بَعْضِ أَجْدَادِهِ وَأَسْلَافِهِ وَفِي نُسْخَةٍ: فِي آبَائِهِ أَيْ: فِي جُمْلَتِهِمْ (مِنْ مَلِكٍ) ؟ أَيْ: مِنْ سُلْطَانٍ. وَفِي نُسْخَةٍ (مَنْ) مَوْصُولَةٌ، وَمَلَكَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي أَيْ: مَنْ كَانَ مَلِكًا. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: هُوَ هَكَذَا بِحِرَفِ
стр. 8143
الْجَرِّ، وَ (مَلِكٍ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وَهُوَ رِوَايَةُ: كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ وَأَبِي الْوَقْتِ وَابْنِ عَسَاكِرَ فِي نُسْخَةٍ، وَأَبُو ذَرٍّ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَنْ مَلَكَ عَلَى أَنَّ (مَنْ) مَوْصُولَةٌ. وَمَلَكَ: فِعْلٌ مَاضٍ، وَلِأَبِي ذَرٍّ كَمَا فِي الْفَتْحِ مِنْ آبَائِهِ مَلَكَ بِإِسْقَاطِ مِنْ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ. (قَالَ: لَا قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ) : بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ أَيْ: تَنْسُبُونَهُ إِلَى التُّهْمَةِ (بِالْكَذِبِ) أَيْ: بِإِيقَاعِهِ (فِي أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ) ؟ أَيْ: مِنْ دَعْوَى النُّبُوَّةِ (قُلْتُ: لَا. قَالَ: وَمَنْ) : بِالْوَاوِ (يَتْبَعُهُ) ؟ بِسُكُونِ التَّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (أَشْرَافُ النَّاسِ) أَيْ: أَشْرَافُهُمْ (أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ) ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ: فَهَلْ يَتْبَعُهُ، وَأَمْ هَا هُنَا مُتَّصِلَةٌ. وَفِي وُقُوعِهَا قَرِينَةٌ لِحَلِّ إِشْكَالٍ لِأَنَّ هَلْ تَسْتَدْعِي السُّؤَالَ عَنْ حُصُولِ الْجُمْلَةِ، وَأَمِ الْمُتَّصِلَةُ تَسْتَدْعِي حُصُولَهَا لِأَنَّ السُّؤَالَ بِهَا عَنْ تَعْيِينِ الْمُنْتَسِبِينَ مُسْنَدًا وَمُسْنَدًا إِلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِهِ، وَالْمِشْكَاةِ، فَمَنْ تَبِعَهُ فَتَكُونُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرَةً فِي قَوْلِهِ: (أَشْرَافُ النَّاسِ) فَسَأَلَ أَوَّلًا مُجْمِلًا ثُمَّ سَأَلَ ثَانِيًا مُفَصِّلًا. (قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ) . الْمُرَادُ بِالْأَشْرَافِ أَهْلُ النَّخْوَةِ وَالتَّكَبُّرِ لَا كُلُّ شَرِيفٍ وَإِلَّا لَوَرَدَ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَبْلَ سُؤَالِ هِرَقْلَ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَتَعَقَّبَهُ الْعَيْنِيُّ بِأَنَّ الْعُمَرَيْنِ وَحَمْزَةَ كَانُوا مِنْ أَهْلِ النَّخْوَةِ، فَقَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ. (قَالَ: أَيَزِيدُونَ) أَيْ: بِزِيَادَةِ أَمْثَالِهِمْ (أَمْ يَنْقُصُونَ) ؟ أَيْ: يَرْجِعُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَدْبَارِهِمْ أَوْ بِمَوْتِ بَعْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ جَبْرِهِمْ لِكَسْرِهِمْ (قُلْتُ: لَا) . أَيْ: لَا يَنْقُصُونَ أَبَدًا (بَلْ يَزِيدُونَ) أَيْ: دَائِمًا (قَالَ: " هَلْ يَرْتَدُّ) ؟ أَيْ: يَرْجِعُ (أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ) أَيْ: بِطِيبِ نَفْسِهِ (سَخْطَةً) : بِفَتْحِ السِّينِ وَيُضَمُّ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ كَرَاهَةً وَتَعْيِينًا (لَهُ) ؟ أَيْ: لِدِينِهِ وَهِيَ مَفْعُولٌ لَهُ، وَخَرَجَ بِهِ مَنِ ارْتَدَّ مُكْرَهًا أَوْ لِحَظٍّ نَفْسَانِيٍّ. (قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: تَكُونُ) : بِالتَّأْنِيثِ وَيُذَكَّرُ (الْحَرْبُ) أَيِ: الْمُحَارَبَةُ (بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا) ، بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: مُسَاجَلَةً وَمُدَاوَلَةً (يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ) . أَيْ: هُوَ يَنَالُ مِنَّا مَرَّةً لِغَلَبَتِهِ، وَنَحْنُ نَنَالُ مِنْهُ أُخْرَى لِغَلَبَتِنَا، فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: سِجَالًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَيَوْمًا عَلَيْنَا وَيَوْمًا لَنَا ... وَيَوْمًا نُسَرُّ وَيَوْمًا نُسَاءُ
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَصْلُهُ مِنَ السَّجْلِ الَّذِي هُوَ الدَّلْوُ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَارِدِينَ دَلْوًا مِثْلَ مَا لِلْآخَرِ، أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَوْمٌ فِي الِاسْتِقَاءِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْحَرْبَ دُوَلٌ تَارَةً لَهُ وَتَارَةً عَلَيْهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: السِّجَالُ جَمْعُ سَجْلٍ وَهُوَ الدَّلْوُ الْكَبِيرُ، وَالْحَرْبُ اسْمُ جِنْسٍ، فَصَحَّ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِالْجَمْعِ، وَفِيهِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أَيِ: الْحَرْبُ نُوَبٌ نَوْبَةٌ لَنَا وَنَوْبَةٌ لَهُ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْمُقَاتَلَةُ بَيْنَهُ ﷺ وَبَيْنَهُمْ قَبْلَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي ثَلَاثِ مُوَاطِنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ، فَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي بَدْرٍ، وَعُكِسَ فِي أُحُدٍ وَأُصِيبَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ نَاسٌ قَلِيلٌ فِي الْخَنْدَقِ، فَصَدَقَ أَبُو سُفْيَانَ فِي كَلَامِهِ سِجَالًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّسَاوِي.
(قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ) ؟ بِكَسْرِ الدَّالِ مِنَ الْغَدْرِ، وَهُوَ نَقْضُ الْعَهْدِ وَخِلَافُ الْوَعْدِ. (قُلْتُ: لَا) ، أَيْ: مَا وَقَعَ مِنْهُ غَدْرٌ فِيمَا مَضَى (وَنَحْنُ مِنْهُ) أَيْ: عَلَى خَطَرٍ (فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ) ، أَيْ: مُدَّةِ الْهُدْنَةِ وَالصُّلْحِ الَّذِي جَرَى يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ (لَا نَدْرِي مَا هُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ أَوِ اللَّهُ تَعَالَى (صَانِعٌ فِيهَا) ؟ أَيْ: أَيَغْدِرُ فِي مُدَّةِ هَذَا الصُّلْحِ أَمْ لَا. (قَالَ) أَيْ: أَبُو سُفْيَانَ (وَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ) أَيْ: مَا قَدَرْتُ عَلَى كَلِمَةٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا جُمْلَةٌ مُفِيدَةٌ (أُدْخِلُ فِيهَا) أَيْ: فِي أَثْنَاءِ كَلِمَاتِي
стр. 8144
(شَيْئًا) أَيْ: مِمَّا يَطْعَنُ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ (غَيْرَ هَذِهِ) . أَيْ: غَيْرَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا يَجُوزُ احْتِمَالُ الْغَدْرَةِ فِي مُدَّةِ الْهُدْنَةِ (قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ) أَيْ: مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ وَدَعْوَى الرِّسَالَةِ (أَحَدٌ قَبْلَهُ) ؟ أَيْ: مِمَّنْ سَبَقَهُ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ الْمَعْرُوفِينَ كَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمُوسَى وَعِيسَى ﵈. (قُلْتَ: لَا، ثُمَّ قَالَ) أَيْ: بَعْدَ مَا فَرَغَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الدَّالَّةِ عَلَى النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَرَادَ أَنْ يَشْرَعَ فِي تَبْيِينِ تَوْجِيهَاتِهَا مِنْ جِهَةِ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْعَادَةِ قَالَ: (لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ) أَيْ: فَأَجَبْتَ (أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا) . أَيْ: تُوقَعُ بَعْثَتُهُمْ فِي أَحْسَابِ أَقْوَامِهُمْ، فَتَعْدِيَتُهُ بِفِي لِتَضْمِينِ مَعْنَى الْإِيقَاعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي بِمَعْنَى (مِنْ) عَلَى مَا جَوَّزَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ وَالْمُغْنِي، وَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا يَعْنِي عَمَّا تَكَلَّفَ بِهِ الطِّيبِيُّ لِقَوْلِهِ: هُوَ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ أَيْ: يُبْعَثُ وَذُو حَسَبٍ، وَهُوَ هُوَ كَقَوْلِكَ فِي الْبَيْضَةِ عِشْرُونَ رَطْلًا، وَهِيَ فِي نَفْسِهَا هَذَا الْمِقْدَارُ، قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَبْعَدُ مِنِ انْتِحَالِهِ الْبَاطِلَ، وَأَقْرَبُ إِلَى انْقِيَادِ النَّاسِ لَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنَ النَّقْلِ وَيُسَاعِدُهُ الْعَقْلُ.
(وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ) ؟ أَيْ: فِي جُمْلَتِهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُلُوكِ، وَلَوْ رُوِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ (فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ) أَيْ: فِي نَفْسِي بِمُقْتَضَى رَأْيِي (لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ) أَيْ: لَوْ كَانَ ظَهَرَ مِنْهُمْ سُلْطَانٌ (قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ) أَيْ: سُلْطَتَهُمْ وَهَذَا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ لَا يُخَالِفُهُ نَقْلٌ (وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ) أَيْ: أَفُقَرَاءُ النَّاسِ وَأَهْلُ خُمُولِهِمْ (أَمْ أَشْرَافُهُمْ) ؟ أَيْ: أَغْنِيَاؤُهُمْ وَأَهْلُ خُيُولِهِمْ (فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) . أَيِ: ابْتِدَاءٌ كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ فِي أَتْبَاعِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الضُّعَفَاءَ هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، فَلِكَوْنِ الْأَشْرَافِ يَأْنَفُونَ مِنْ تَقَدُّمِ مِثْلِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَالضُّعَفَاءُ لَا يَأْنَفُونَ، فَيُسْرِعُونَ إِلَى الِانْقِيَادِ وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ. (وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ فِي أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ) : اللَّامُ لَامُ الْجَحُودِ أَيْ: لِيَتْرُكَ (الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ يَذْهَبُ فَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ) . أَيْ: فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ أَقْبَحُ وَأَشَدُّ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ) : بِالْوَاوِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقَالُ: فَكَذَلِكَ أَيْ: لَا يَخْرُجُ وَلَا يَرْجِعُ (الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَتُهُ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: أُنْسُهُ وَفَرَحُهُ (الْقُلُوبَ) أَيْ: فَإِنَّ مَنْ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي أَمْرٍ مُحَقَّقٍ لَا يَرْجِعُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ فِي الْأَبَاطِيلِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَدْ عَبَّرَ ﷺ عَنِ الْبَشَاشَةِ تَارَةً بِالطَّعْمِ، وَأُخْرَى بِالْحَلَاوَةِ، فَإِنَّ مَنْ ذَاقَ لَذَّةَ شَيْءٍ أَحَبَّهُ لَا مَحَالَةَ، وَمَنْ لَمْ يَذُقْ لَمْ يَعْرِفْ، وَمِنْ مَشْرَبِ الْعَارِفِينَ لَمْ يَغْرِفْ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إِنَّمَا رَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ يَعْنِي فَمَنْ وَصَلَ مَعَ الْفَرِيقِ إِلَى الرَّفِيقِ، فَهُوَ كَالرَّفِيقِ فِي الْأَمْنِ الدَّاخِلِ فِي الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَقَدْ قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا أَبُو الْحَسَنِ الْبَكْرِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ السِّرِّيَّ: الْإِيمَانُ إِذَا دَخَلَ الْقَلْبَ أُمِنَ السَّلْبُ، قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْإِشَارَةَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَالدَّلَالَةَ عَلَى هَذَا الْمَبْنَى فِي قَوْلِهِ : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] أَيْ: بِمَا سِوَى اللَّهِ، ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] أَيْ: حَقَّ الْإِيمَانِ، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] أَيْ: لَا انْقِطَاعَ وَلَا انْفِصَالَ وَلَا اتِّحَادَ وَلَا اتِّصَالَ (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ) ؟ وَلَعَلَّهُ تَرَكَ الْوَاسِطَةَ
стр. 8145
وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الزِّيَادَةِ فَهُوَ فِي النُّقْصَانِ، لِأَنَّ التَّوَقُّفَ مَنْفِيٌّ فِي طَوْرِ الْإِنْسَانِ (فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ) أَيْ: يَزِيدُ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ (حَتَّى يَتِمَّ) . أَيْ: يَكْمُلُ بِالْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ وَغَيْرِهَا، وَلِذَا نَزَلَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ﷺ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] إِنْجَازًا لِمَا وَعَدَهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ إِلَى الْآنَ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَلْفِ مِنَ الزَّمَانِ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ تَحْتَ أَشِعَّةِ أَنْوَارِهِ، وَفِي بَرَكَةِ لَمَعَانِ أَسْرَارِهِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ أَخْبَارِهِ، وَالْمُسْتَفَاضَةِ مِنْ آثَارِهِ. (وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَيَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ) ، أَيْ: يُصِيبُ مِنْكُمْ وَتُصِيبُونَ مِنْهُ (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى) ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الدَّارَ ابْتِلَاءٌ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَا دُمْتَ فِي هَذِهِ الدَّارِ لَا تَسْتَغْرِبْ وُقُوعَ الْأَكْدَارِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] وَفُسِّرَ الْبَلَاءُ بِالْمِحْنَةِ وَالْمِنْحَةِ؟ فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ الْحَاصِلِ لِلْعِبَادِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الْبَلَاءَ لِأَهْلِ الْوَلَاءِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ( «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَوْلِيَاءِ» ) . (ثُمَّ يَكُونُ لَهَا) أَيْ: لِلرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهَا (الْعَاقِبَةُ) . أَيِ: الْمَحْمُودَةُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] ، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧] قَالَ النَّوَوِيُّ: يَعْنِي نَبْتَلِيهِمْ فِي ذَلِكَ لِيَعْظُمَ أَجْرُهُمْ بِكَثْرَةِ صَبْرِهِمْ وَبَذْلِ وُسْعِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ.
(وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ) أَيِ: النَّبِيَّ أَوِ الشَّأْنَ (لَا يَغْدِرُ) ، يَعْنِي: وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِصْحَابِ، وَلِذَا أَعْرَضَ عَنِ الْجُمْلَةِ الْمَدْخُولَةِ الْمَعْلُولَةِ. (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ) أَيْ: هُوَ رَجُلٌ اقْتَدَى (بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. قَالَ) أَيْ: أَبُو سُفْيَانَ (ثُمَّ قَالَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ) ؟ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ تَغْلِيبًا أَوِ الْتِفَاتًا، وَلِذَا عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ: قُلْتُ إِلَى قَوْلِهِ: (قُلْنَا: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ) ، أَيْ: بِالْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ (وَالصِّلَةِ) ، أَيْ: صِلَةِ الرَّحِمِ وَكُلِّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (وَالْعَفَافِ) ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيِ: الْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَكُلِّ مَا يُخَالِفُ الْمَكَارِمَ (قَالَ: إِنْ يَكْ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ) ، فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: قَوْلُ هِرَقْلَ: (إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ) أَخَذَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ، فَفِي التَّوْرَاةِ هَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ عَلَامَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفَهُ بِالْعَلَامَاتِ، وَأَمَّا الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى النُّبُوَّةِ؟ فَهُوَ الْمُعْجِزَةُ الظَّاهِرَةُ الْخَارِقَةُ لِلْعَادَةِ، وَهَكَذَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَكْمَلُ الدِّينِ: وَمَعَ هَذَا لَمْ يُؤْمِنْ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِتِلْكَ الْمَعْرِفَةِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي جَيَّشَ الْجُيُوشَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَاتَلَهُمْ، وَلَمْ يُمَصِّرْ فِي تَجْهِيزِ الْجَيْشِ عَلَيْهِمْ مِنَ الرُّومِ وَغَيْرِهِ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، فَيَهْزِمُهُمُ اللَّهُ وَيُهْلِكُهُمْ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ مِنْهُمْ إِلَّا أَقَلُّهُمْ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَقَدْ فُتِحَ أَكْثَرُ بِلَادِ الشَّامِ، ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ وَبِهَلَاكِهِ هَلَكَتِ الْمَمْلَكَةُ الرُّومِيَّةُ.
قُلْتُ: يَعْنِي الرُّومِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةُ، ثُمَّ انْقَلَبَتْ لَهُمُ الْمَمْلَكَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ بِالْغَلَبَةِ وَالشَّوْكَةِ الْإِيمَانِيَّةِ، حَتَّى أَقَامَهُمُ اللَّهُ لِمُقَاتَلَةِ الطَّائِفَةِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَلِمُقَابَلَةِ الرَّافِضَةِ الْكُفْرَانِيَّةِ، وَقَامُوا بِخِدْمَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مِنْ عِمَارَتِهِمَا وَخَيْرَاتِهِمَا وَمَبَرَّاتِهِمَا فِي الْبَلَدَيْنِ الْمُنِيفَيْنِ، وَإِرْسَالِ أُمَرَاءِ الْحَجِّ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لَا مِنَ الطَّرِيقِ الْوَاصِلِ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، مَعَ مَا فِيهِمْ مِنْ تَعْظِيمِ الشَّرِيعَةِ، وَتَكْرِيمِ الْعُلَمَاءِ، وَاحْتِرَامِ الْمَشَايِخِ وَالْأَوْلِيَاءِ فَجَزَاهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ، وَنَصَرَهُمْ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْدَاءِ إِلَى يَوْمِ النِّدَاءِ، هَذَا وَمَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَمَا أَعْقَلَهُ لَوْ مَعْقُولُهُ أَكْلَمَهُ، لَكِنْ مَا سَاعَدَهُ لِعَدَمِ السَّعَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ وَوُجُودِ الشَّقَاوَةِ الْأَبَدِيَّةِ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ طَمَعُ الرِّيَاسَةِ وَظُهُورُ الْكَمَالِ، وَالْمَيْلُ إِلَى وُصُولِ الْمَالِ وَحُصُولِ الْمَنَالِ وَالْغَفْلَةِ عَنِ الْمَآلِ، وَمَا يُؤَدِّي إِلَى النَّكَالِ، وَلِذَا قَالَ:
стр. 8146
(وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ) أَيْ: عَلِمًا يَقِينًا (أَنَّهُ) أَيِ: النَّبِيَّ ﵇ (خَارِجٌ. أَيْ: ظَاهِرٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ (وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ) ، أَيْ: مِنْ نَسْلِ إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ أَبُو الْعَرَبِ، بَلْ كُنْتُ أَظُنُّهُ أَنَّهُ مِنْ مَعْشَرِ بَنِي إِسْحَاقَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ مِنْهُمْ، وَهَذِهِ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ وَبَلِيَّةٌ غَامِضَةٌ، فَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا وَالْحَقُّ أَحَقَّ أَنْ يُتَّبَعَ. (وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ) : بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ: أَصِلُ (إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى خِدْمَتِهِ وَدَوْلَتِهِ وَحَضْرَةِ رُؤْيَتِهِ (لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ) أَيْ: دَوْلَةَ مُلَاقَاتِهِ وَسَعَادَةَ مُتَابَعَتِهِ، (وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ) أَيْ: وَلَوْ صِرْتُ فِي مَقَامِهِ، وَوَصَلْتُ إِلَى مَوْضِعِ قِيَامِهِ (لَغَسَلْتُ) أَيْ: وَجْهِي (عَنْ قَدَمَيْهِ) أَيْ: غَسْلًا صَادِرًا عَنْ مَاءِ أَقْدَامِهِ، لِمَا أَرَى لَهُ مِنَ الثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ وَإِقْدَامِهِ، أَوِ التَّقْدِيرُ غَسَلْتُ الْغُبَارَ وَالْوَسَخَ عَنْ قَدَمَيْهِ فَضْلًا عَنْ تَقْبِيلِ يَدَيْهِ، (وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ) . بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّثْنِيَةِ الْمُنْبِئَةِ عَنِ الْمُبَالَغَةِ وَالتَّأْكِيدِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي هَذَا لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ صِدْقَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا شَحَّ بِالْمُلْكِ وَرَغِبَ فِي الرِّيَاسَةِ، فَآثَرَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ هِدَايَتَهُ لَوَفَّقَهُ، كَمَا وَفَّقَ النَّجَاشِيَّ، وَمَا زَالَتْ عَنْهُ الرِّيَاسَةُ. وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ: اخْتُلِفَ فِي زَمَانِهِ، وَالْأَرْجَحُ بَقَاؤُهُ عَلَى الْكُفْرِ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ كَتَبَ مِنْ تَبُوكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كَذَبَ، بَلْ هُوَ عَلَى نَصْرَانِيَّتِهِ. قُلْتُ: لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى مَوْتِهِ بِالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا رُجِّحَ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ.
(ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَهُ) . أَيْ: فَعَظَّمَهُ، وَبَالَغَ فِي مُحَافَظَتِهِ فَصَارَ سَبَبًا لِبَقَاءِ الْمُلْكِ فِي ذُرِّيَّتِهِ، بِخِلَافِ كِسْرَى حَيْثُ شَقَّهُ وَمَزَّقَهُ، فَمَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ، وَفَرَّقَ وَلَدَهُ، وَأَخْرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ مُلْكَهُ. قَالَ سَيْفُ الدِّينِ: (أَرْسَلَنِي مَلِكُ الْعَرَبِ إِلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ فِي شَفَاعَةٍ، فَقَبِلَهَا وَعَرَضَ عَلَيَّ الْإِقَامَةَ فَأَبَيْتُ، فَقَالَ: لَأُتْحِفَنَّكَ بِتُحْفَةٍ سَنِيَّةٍ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُنْدُوقِهِ مِقْلَمَةً مِنْ ذَهَبٍ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا كِتَابًا قَدْ زَالَ أَكْثَرُ حُرُوفِهِ، فَقَالَ: هَذَا كِتَابُ نَبِيِّكُمْ لِجَدِّي قَيْصَرَ مَا زِلْنَا نَتَوَارَثُهُ إِلَى الْآنَ، وَقَدْ أَوْصَانَا بِأَنَّهُ مَا دَامَ عِنْدَنَا لَا يَزُولُ الْمُلْكُ مِنَّا، فَنَحْنُ نَحْفَظُهُ لِيَدُومَ الْمُلْكُ لَنَا) ذَكَرَهُ أَكْمَلُ الدِّينِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَقَدْ سَبَقَ تَمَامُ الْحَدِيثِ) : وَهُوَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ (فِي بَابِ الْكِتَابَةِ إِلَى الْكُفَّارِ) .
стр. 8147
[بَابٌ فِي الْمِعْرَاجِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٨٦٢ - (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ [عَنْ مَالِكِ] بْنِ صَعْصَعَةَ ﵁، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: (بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ فِي الْحِجْرِ - مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ) يَعْنِي مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ " فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أُعِيدَ) - وَفِي رِوَايَةٍ: " ثُمَّ غُسِلَ الْبَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً لِلَّهِ ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ، أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ، يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ: قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامِ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا لَهُ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَهَذَا عِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفَتَحَ، فَلَمَّا دَخَلْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ. ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِدْرِيسُ، فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا دَخَلْتُ، فَإِذَا هَارُونُ. قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَى، قَالَ: هَذَا مُوسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى، قِيلَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرَ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي؛ ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرَئِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا: قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا نَبِقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، قَالَ: هَذَا سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، قُلْتُ: مَا هَذَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ، ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنَى عَشْرًا. فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ. قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ، نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٦]- بَابٌ فِي الْمِعْرَاجِ
الْعُرُوجُ: هُوَ الذَّهَابُ فِي صُعُودٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [المعارج: ٤] وَالْمِعْرَاجُ بِالْكَسْرِ شِبْهُ السُّلَّمِ مِفْعَالٌ مِنَ الْعُرُوجِ بِمَعْنَى الصُّعُودِ، فَكَأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ آلَةٌ، وَفَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِسْرَاءِ، كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي رِسَالَتِي الْمُسَمَّاةِ بِالْمِدْرَاجِ لِلْمِعْرَاجِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ لِصُعُودِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي الْمَنَامِ، وَالْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَمُعْظَمُ السَّلَفِ، وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُحَدِّثِينَ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، أَنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ، فَمَنْ طَالَعَهَا وَبَحَثَ عَنْهَا، فَلَا يَعْدِلُ عَنْ ظَاهِرِهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي حَمْلِهَا عَلَيْهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، وَقِيلَ: ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ غَلَطٌ يُوَافِقُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْإِسْرَاءَ أَقَلُّ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ ﷺ بِخَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا. وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: كَانَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ، قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ ﷺ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أُسْرِيَ بِهِ ﷺ وَقَدْ فَشَا الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ، وَأَشْبَهُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَابْنِ إِسْحَاقَ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ: وَهُوَ نَائِمٌ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، فَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَجْعَلُهَا رُؤْيَا نَوْمٍ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ حَالَةَ أَوَّلِ وُصُولِ الْمَلَكِ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ نَائِمًا فِي الْقِصَّةِ كُلِّهَا وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي الْمَعَالِمِ: وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: وَمِنَ الْقَلِيلِ مَنْ قَالَ بِتَعْدَادِ الْإِسْرَاءِ نَوْمًا وَيَقَظَةً وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ.
стр. 8148
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدْ رَوَيْنَا عَنِ الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] (ثُمَّ) : قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَيْءٌ أُرِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْيَقَظَةِ رَآهُ بِعَيْنِهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ أَنْكَرَتْهُ قُرَيْشٌ وَارْتَدَّتْ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ أَسْلَمُوا حِينَ جَمَعُوهُ، وَإِنَّمَا يُنْكَرُ إِذَا كَانَتْ فِي الْيَقَظَةِ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا لَا يُنْكَرُ مِنْهَا مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ الْمِعْرَاجَ مَرَّتَانِ: مَرَّةً بِالنَّوْمِ وَأُخْرَى بِالْيَقَظَةِ. قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: رُؤْيَا أَرَاهُ اللَّهُ قَبْلَ الْوَحْيِ بِدَلِيلِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ فِي الْيَقَظَةِ بَعْدَ الْوَحْيِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ تَحْقِيقًا لِرُؤْيَاهُ، كَمَا أَنَّهُ رَأَى فَتْحَ مَكَّةَ فِي الْمَنَامِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ كَانَ تَحْقِيقُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعَنْ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ، أَنَّ الْأَرْوَاحَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَنْوَارِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ، وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَبْدَانِ بِمَنْزِلَةِ قُرْصِ الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الْعَالَمِ، وَكَمَا أَنَّ كُلَّ جِسْمٍ يَصِلُ إِلَيْهِ نُورُ الشَّمْسِ تَتَبَدَّلُ ظُلُمَاتُهُ بِالْأَضْوَاءِ، فَكَذَلِكَ كَلُّ عُضْوٍ وَصَلَ إِلَيْهِ نُورُ الرُّوحِ انْقَلَبَ حَالُهُ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ.
وَقَالُوا: الْأَرْوَاحُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ. الْأَوَّلُ: الْأَرْوَاحُ الْمُكَدَّرَةُ بِالصِّفَاتِ الْبَشَرِيَّةِ وَهِيَ أَرْوَاحُ الْعَوَامِّ غَلَبَتْهُ الْقُوَى الْحَيَوَانِيَّةُ لَا تَقْبَلُ الْعُرُوجَ، وَالثَّانِي: الْأَرْوَاحُ الَّتِي لَهَا كَمَالُ الْقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ بِاكْتِسَابِ الْعُلُومِ، وَهَذِهِ أَرْوَاحُ الْعُلَمَاءِ، وَالثَّالِثُ: الْأَرْوَاحُ الَّتِي لَهَا كَمَالُ الْقُوَّةِ الْمُدَبِّرَةِ لِلْبَدَنِ بِاكْتِسَابِ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَهَذِهِ أَرْوَاحُ الْمُرْتَاضِينَ إِذَا كَبُرَ وَأَقْوَى أَبْدَانُهُمْ بِالِارْتِيَاضِ وَالْمُجَاهَدَةِ، وَالرَّابِعُ: الْأَرْوَاحُ الْحَاصِلَةُ لَهَا كَمَالُ الْقُوَّتَيْنِ، وَهَذِهِ غَايَةُ الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ وَهِيَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ، فَلَمَّا ازْدَادَ قُوَّةُ أَرْوَاحِهِمُ ازْدَادَ ارْتِفَاعُ أَبْدَانِهِمْ عَنِ الْأَرْضِ، وَبِهَذَا لَمَّا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ ﵈ قَوِيَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْأَرْوَاحُ عُرِجَ بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، وَأَكْمَلُهُمْ قُوَّةً نَبِيُّنَا، فَعُرِجَ بِهِ إِلَى قَابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٨٦٢ - (عَنْ قَتَادَةَ) ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) أَيْ: خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ) : أَنْصَارِيٌّ مُزَنِيٌّ مَدَنِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَهُوَ قَلِيلُ الْحَدِيثِ (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ) أَيِ: الصَّحَابَةَ: وَمِنْهُمْ أَنَسٌ (عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ) : بِالْإِضَافَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ أَيْ: لَيْلَةٍ أُسْرِيَ بِهِ فِيهَا. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ: إِنَّهَا مُضَافَةٌ إِلَى الْمَاضِي، وَفِي نُسْخَةِ رِوَايَتِي مَجْرُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ بِنَاءُ لَيْلَةٍ وَإِعْرَابُهَا، وَأُسْرِيَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] وَالْإِسْرَاءُ: مِنَ السُّرَى، وَهُوَ السَّيْرُ فِي اللَّيْلِ. يُقَالُ: سَرَى وَأَسْرَى بِمَعْنًى، وَقِيلَ: أَسْرَى سَارَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَسَرَى مِنْ آخِرِهِ. قِيلَ: وَهُوَ أَقْرَبُ فَالْبَاءُ فِي بِهِ لِلتَّعْدِيَةِ، وَذِكْرُ اللَّيْلِ لِلتَّجْرِيدِ أَوْ لِلتَّأْكِيدِ. وَفِي الْآيَةِ بِالتَّنْكِيرِ لِلتَّقْلِيلِ وَالتَّعْظِيمِ. (بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ) : قَالَ الْقَاضِي، قِيلَ هُوَ الْحِجْرُ سُمِّيَ حِجْرًا لِأَنَّهُ حَجَرَ عَنْهُ بِحِيطَانِهِ، وَحَطِيمًا لِأَنَّهُ حُطِمَ جِدَارُهُ عَنْ مُسَاوَاةِ الْكَعْبَةِ، وَعَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ (وَرُبَّمَا قَالَ فِي الْحِجْرِ) : فَلَعَلَّهُ ﷺ حَكَى لَهُمْ قِصَّةَ الْمِعْرَاجِ مَرَّاتٍ، فَعَبَّرَ بِالْحَطِيمِ تَارَةً، وَبِالْحِجْرِ أُخْرَى. وَقِيلَ: الْحَطِيمُ غَيْرُ الْحِجْرِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْمَقَامِ إِلَى الْبَابِ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَزَمْزَمَ وَالْحِجْرِ، وَالرَّاوِي شَكَّ فِي أَنَّهُ جُمِعَ فِي الْحَطِيمِ أَوْ فِي الْحِجْرِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْحَطِيمُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ إِلَى الْبَابِ إِلَى الْمَقَامِ حَيْثُ يَنْحَطِمُ النَّاسُ لِلدُّعَاءِ، وَقِيلَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَحَالَفُونَ هُنَالِكَ، وَيَنْحَطِمُونَ بِالْإِيمَانِ، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ الْأَوَّلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُضْطَجِعًا) : قَيْدٌ لِلرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ النَّوْمَ وَالْيَقَظَةَ (إِذْ أَتَانِي آتٍ) أَيْ: جَاءَنِي مَلَكٌ (فَشَقَّ) أَيْ: قَطَعَ (مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى
стр. 8149
هَذِهِ) يَعْنِي) : تَفْسِيرٌ مِنْ مَالِكٍ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ هَذَا (مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ) : بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: نَقْرَةِ نَحْرِهِ الَّتِي بَيْنَ التَّرْقُوَتَيْنِ (إِلَى شِعْرَتِهِ) . بِكَسْرِ الشِّينِ أَيْ عَانَتِهِ، وَقِيلَ مَنْبِتُ شَعْرِهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي) : قَالَ شَارِحٌ: وَهَذَا الشَّقُّ غَيْرُ مَا كَانَ فِي زَمَنِ الصِّبَا إِذْ هُوَ لِإِخْرَاجِ مَادَّةِ الْهَوَى مِنْ قَلْبِهِ، وَهَذَا لِإِدْخَالِ كَمَالِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ فِي قَلْبِهِ. قُلْتُ: وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى التَّخْلِيَةِ وَالتَّحْلِيَةِ وَمَقَامِ الْفَنَاءِ وَالْبَقَاءِ وَنَفْيِ السَّوِيِّ وَإِثْبَاتِ الْمَوْلَى، كَمَا تُشِيرُ إِلَيْهِ الْكَلِمَةُ الْعُلْيَا.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا مُعْجِزَةٌ فَإِنَّ مِنَ الْمُحَالِ الْعَادِيِّ أَنْ يَعِيشَ مَنْ يَنْشَقُّ بَطْنُهُ وَيُسْتَخْرَجُ قَلْبُهُ، وَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلُوهَا عَلَى الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةِ، وَلِذَا قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ شَقِّ النَّحْرِ وَاسْتِخْرَاجِ الْقَلْبِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، فَإِنَّ السَّبِيلَ فِي ذَلِكَ التَّسْلِيمُ دُونَ التَّعَرُّضِ بِصَرْفِهِ مِنْ وَجْهٍ إِلَى وَجْهٍ بِمَنْقُولٍ مُتَكَلَّفٍ دُعَاءً لِلتَّوْفِيقِ بَيْنَ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ، هَرَبًا مِمَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مُحَالٌ، وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ لَا نَرَى الْعُدُولَ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ فِي خَبَرِ الصَّادِقِ عَنِ الْأَمْرِ لِعَدَمِ الْمُحَالِ بِهِ عَلَى الْقُدْرَةِ. (ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتُكْسَرُ وَسِينُهُ مُهْمَلَةٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَمُعْجَمَةٌ (مِنْ ذَهَبٍ) : لَعَلَّ الِاسْتِعْمَالَ كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَوِ الْقَضِيَّةُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﵊ (مَمْلُوءَةٍ) : عَلَى وَزْنِ مَفْعُولٍ بِالْهَمْزِ وَيُشَدَّدُ (إِيمَانًا) : تَمْيِيزٌ. قَالَ الْقَاضِي: لَعَلَّهُ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ إِذْ تُمَثَّلُ لَهُ الْمَعَانِي كَمَا تُمَثَّلُ لَهُ أَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ الدَّارِجَةُ بِالصُّوَرِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قَبْلَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَرْوَاحَ أَجْسَادٌ لَطِيفَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْأَقْوَالِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ مُمَثَّلٌ لَهُ الْأَرْوَاحُ بِأَجْسَادِهِمُ الْفَانِيَةِ، وَلَكِنْ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ بِبَقَاءِ أَجْسَادِهِمُ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا أَرْوَاحُهُمْ فِي عَالَمِ الْمُلْكِ وَبِتَمَثُّلِهَا فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ، لَكَانَ تَوْجِيهًا وَجِيهًا وَتَنْبِيهًا نَبِيهًا، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ، وَلَا يَبْعُدُ عَنْ قُدْرَةِ الْقَاهِرِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَعْنَى جُعِلَ الْإِيمَانُ فِي الطَّسْتِ جُعِلَ شَيْءٌ فِيهِ يَحْصُلُ بِهِ الْإِيمَانُ، فَيَكُونُ مَجَازًا، وَقَدْ قَالَ الشَّارِحُ: الْأَوَّلُ لَا مَانِعَ مِنْ إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ أَقُولُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَعَانِيَ قَدْ تَتَجَسَّمُ كَمَا حُقِّقَ فِي وَزْنِ الْأَعْمَالِ وَذَبْحِ كَبْشِ الْمَوْتِ وَنَحْوِهِمَا. (فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ) : مَاضٍ مَجْهُولٌ مِنَ الْحَشْوِ أَيْ: مُلِئَ مِنْ حُبِّ رَبِّي (ثُمَّ أُعِيدَ) . أَيِ: الْقَلْبُ إِلَى مَوْضِعِهِ الْأَوَّلِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ: (ثُمَّ غُسِلَ الْبَطْنُ) أَيِ: الْجَوْفُ مُطْلَقًا أَوْ مَحَلُّ الْقَلْبِ فَإِنَّهُ بَيْتُ الرَّبِّ (بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ مُلِئَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً) أَيْ: إِيقَانًا وَإِحْسَانًا فَهُوَ تَكْمِيلٌ وَتَذْيِيلٌ (ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ) : هِيَ تُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وَالتَّاءُ فِيهَا لِلْوَحْدَةِ، فَالْمَعْنَى بِمَرْكُوبٍ مُتَوَسِّطٍ. (دُونَ الْبَغْلِ) : أَصْغَرُ مِنْهُ (وَفَوْقَ الْحِمَارِ) أَيْ: أَكْبَرُ مِنْهُ (أَبْيَضَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ أَوِ الصِّفَةِ (يُقَالُ لَهُ الْبُرَاقُ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، سُمِّيَ بِهِ لِبَرِيقِ لَوْنِهِ، أَوْ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ كَبَرْقِ السَّحَابِ وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَ يُؤَكِّدُ الثَّانِيَ قَوْلُهُ: (يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ) ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَيْ: يَضَعُ قَدَمَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى بَصَرِهِ وَغَايَةِ نَظَرِهِ قِيلَ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ كَانَ مُعَدًّا لِرُكُوبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقِيلَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ بُرَاقٌ عَلَى حِدَةٍ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَرَاتِبَ الْأَصْفِيَاءِ، فَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالُوا: هُوَ اسْمٌ لِلدَّابَّةِ الَّتِي رَكِبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. قَالَ الزُّبَيْدِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ، وَصَاحِبُ التَّحْرِيرِ: هِيَ دَابَّةٌ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ ﵈ يَرْكَبُونَهَا، وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ مُحْتَاجٌ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّهُمْ حَسِبُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: فَرَبَطَهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي تَرْبِطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ أَيْ: رَبَطَتِ الْبُرَاقَ. قُلْتُ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ تَقْدِيرِهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبُرَاقِ الْجِنْسُ فِي الثَّانِي: قَالَ: وَأَظْهَرُ مِنْهُ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي قَوْلُ جِبْرِيلَ لِلْبُرَاقِ: فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ. قُلْتُ: هُوَ مَعَ ظُهُورِهِ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الِاحْتِمَالِ الْمَانِعِ مِنْ صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ، إِذْ مُحْتَمَلٌ أَنَّهُ رَكِبَهُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ أَوْ جِبْرِيلُ قَبْلَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ إِلَيْهِ ﷺ ، أَوِ التَّقْدِيرُ: فَمَا رَكِبَ مِثْلَكَ أَوْ جِنْسَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ فَلَا مَعْنَى لِتَنَفُّرِكَ عَنْهُ. (فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: رَكِبْتُ عَلَيْهِ بِمَعُونَةِ الْمَلَكِ أَوْ بِإِعَانَةِ الْمَلَكِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى صُعُوبَتِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَجْهُهُ، (فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى بَابَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا) ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ عَلَى الْبُرَاقِ حَتَّى عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ، وَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ.
стр. 8150
الْمِعْرَاجَ كَانَ فِي لَيْلَةٍ غَيْرَ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَمَّا الْمِعْرَاجُ فَعَلَى غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبُرَاقِ، بَلْ رُقِيَ فِي الْمِعْرَاجِ وَهُوَ السُّلَّمُ، كَمَا وَقَعَ بِهِ مُصَرَّحًا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا اقْتِصَارٌ مِنَ الرَّاوِي وَإِجْمَالٌ لِمَا سَبَقَ أَنَّهُ رَبَطَ الْبُرَاقَ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبُطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَيْرُهُ عَلَى الْبُرَاقِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ إِسْرَاؤُهُ إِلَى السَّمَاءِ بِالْمِعْرَاجِ الَّذِي هُوَ السُّلَّمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَكَأَنَّ الرَّاوِي طَوَى الرِّوَايَةَ، فَاخْتَلَّ بِهِ أَمْرُ الدِّرَايَةِ، ثُمَّ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي الْإِسْرَاءِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ الْعُرُوجِ إِلَى السَّمَاءِ إِظْهَارُ الْحَقِّ لِلْمُعَانِدِينَ، لِأَنَّهُ لَوْ عُرِجَ بِهِ عَنْ مَكَّةَ إِلَى السَّمَاءِ أَوَّلًا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إِلَى إِيضَاحِ الْحَقِّ لِلْمُعَانِدِينَ، كَمَا وَقَعَ فِي الْأَخْبَارِ بِصِفَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَمَا صَادَفَهُ فِي الطَّرِيقِ مِنَ الْعِيرِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِيَازَةِ فَضِيلَةِ الرَّحِيلِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ هِجْرَةِ غَالِبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ بَابَ السَّمَاءِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: مِصْعَدُ الْمَلَائِكَةِ يُقَابِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَأُسْرِيَ إِلَيْهِ لِيَحْصُلَ الْعُرُوجُ مُسْتَوِيًا مِنْ غَيْرِ تَعْوِيجٍ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ.
(فَاسْتَفْتَحَ) أَيْ: طَلَبَ جِبْرِيلُ فَتْحَ بَابِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا (قِيلَ: مَنْ هَذَا) ؟ أَيِ: الْمُسْتَفْتِحُ (قَالَ: جِبْرِيلُ) : بِتَقْدِيرِ هُوَ أَوْ أَنَا، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَفِيهِ أَنَّ لِلسَّمَاءِ أَبْوَابًا حَقِيقَةً وَحَفَظَةً مُوَكَّلِينَ بِهَا، وَفِيهِ إِثْبَاتُ الِاسْتِئْذَانِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ أَنَا زَيْدٌ مَثَلًا يَعْنِي: لَا يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ أَنَا، كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ إِذْ قَدْ وَرَدَ بِهِ النَّهْيُ (قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ) ؟ أَيْ: أَنْتَ نَعْرِفُكَ وَمَنْ مَعَكَ حَتَّى تَسْتَفْتِحَ (قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ) الْوَاوُ لِلْعَطْفِ وَحَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرٌ أَيْ: أَطُلِبَ وَأُرْسِلَ إِلَيْهِ بِالْعُرُوجِ أَوْ بِالْوَحْيِ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ أَيْ بُعِثَ إِلَيْهِ لِلْإِسْرَاءِ وَصُعُودِ السَّمَاءِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ الِاسْتِفْهَامَ عَنْ أَصْلِ الْبَعْثَةِ وَالرِّسَالَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَى الْمَلَائِكَةِ إِلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ أَيْ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ بِالْعُرُوجِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَبُعِثَ نَبِيًّا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ أَمْرَ نُبُوَّتِهِ كَانَ مَشْهُورًا فِي الْمَلَكُوتِ لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَى خَزَائِنِ السَّمَاوَاتِ وَحَرَسِهَا، وَأَوْفَقُ لِلِاسْتِفْتَاحِ وَالِاسْتِئْذَانِ، وَلِذَلِكَ تَكَرَّرَ مَعَهُ وَتَحْتَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَنَظَائِرِهَا أَسْرَارٌ يَتَفَطَّنُ لَهَا مَنْ فُتِحَتْ بَصِيرَتُهُ وَاشْتَعَلَتْ قَرِيحَتُهُ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ مَأْخَذَهَا وُقُوفُهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَبْوَابِ عَلَى دَأْبِ آدَابِ أَرْبَابِ الْأَلْبَابِ، ثُمَّ السُّؤَالُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، وَكَذَا الْجَوَابُ. بِمَرْحَبًا مَرْحَبًا بِذَلِكَ الْجَنَابِ، الْمُشْعِرِ بِالتَّنَزُّلِ الرَّحْمَانِيِّ، وَالِاسْتِقْبَالِ الصَّمَدَانِيِّ، وَالْإِقْبَالِ الْفَرْدَانِيِّ، الْمُشِيرِ إِلَى مَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ الْمُعَبِّرِ عَنِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ ( «مَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا» ) الْمُومِئُ إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] الْمُصَرِّحِ بِالْمَعِيَّةِ الْخَاصَّةِ فِي مَقَامِ مُرِيدِ الْمَزِيدِ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، ثُمَّ الْوَارِدُ عَلَى لِسَانِهِ بِلِسَانِ الْجَمْعِ: إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، ثُمَّ عَرَضَ عُلُوَّ مَقَامِهِ، وَحُصُولَ مَرَامِهِ عَلَى آبَائِهِ الْكِرَامِ، وَإِخْوَانِهِ الْعِظَامِ فِي تِلْكَ الْمَشَاهِدِ الْفِخَامِ، فَيَا لَهَا مِنْ سَاعَةِ سَعَادَةٍ لَا يُتَصَوَّرُ فَوْقَهَا زِيَادَةٌ! وَقِيلَ: كَانَ سُؤَالُهُمْ لِلِاسْتِعْجَابِ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، أَوْ لِلِاسْتِبْشَارِ بِعُرُوجِهِ إِلَيْهِ إِذْ كَانَ مِنَ الْبَيِّنِ عِنْدَهُمْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْبَشَرِ لَا يَتَرَقَّى إِلَى أَسْبَابِ السَّمَاوَاتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ، وَيَأْمُرَ مَلَائِكَتَهُ بِإِصْعَادِهِ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ لَمْ يَصْعَدْ بِمَنْ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِ، وَلَا يُسْتَفْتَحْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ.
(قَالَ) أَيْ: جِبْرِيلُ (نَعَمْ) أَيْ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ بِالتَّقْرِيبِ لَدَيْهِ وَالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ (قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ) أَيْ: أَتَى اللَّهُ بِالنَّبِيِّ مَرْحَبًا أَيْ: مَوْضِعًا وَاسِعًا، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَمَرْحَبًا مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْمَعْنَى جَاءَ أَهْلًا وَسَهْلًا لِقَوْلِهِ: (فَنِعْمَ الْمَجِيءُ) أَيْ: مَجِيئُهُ (جَاءَ) ، فِعْلٌ مَاضٍ وَقَعَ اسْتِئْنَافَ بَيَانٍ زَمَانًا أَوْ حَالًا وَالْمَجِيءُ فَاعِلُ نِعْمَ، وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ. قَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَحُذِفَ الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ أَيْ: جَاءَ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ مَجِيئُهُ، وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ نِعْمَ الْمَجِيءُ الَّذِي جَاءَهُ، فَحُذِفَ الْمَوْصُولُ وَاكْتُفِيَ بِالصِّلَةِ أَوْ نِعْمَ الْمَجِيءُ مَجِيءٌ جَاءَ فَحُذِفَ الْمَوْصُوفُ وَاكْتُفِيَ بِالصِّفَةِ. (فَفُتِحَ) أَيْ: بَابُ السَّمَاءِ (فَلَمَّا خَلَصْتُ) : بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ: وَصَلْتُ إِلَيْهَا وَدَخَلْتُ فِيهَا (فَإِذَا فِيهَا آدَمٌ،
стр. 8151
فَقَالَ) أَيْ: جِبْرِيلُ (هَذَا أَبُوكَ) أَيْ: جَدُّكَ أَيْ آدَمُ (فَسَلِّمْ عَلَيْهِ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَابِرًا عَلَيْهِ وَكَانَ فِي حُكْمِ الْقَائِمِ، وَكَانُوا فِي حُكْمِ الْقُعُودِ، وَالْقَائِمُ يُسَلِّمُ عَلَى الْقَاعِدِ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُمْ، وَكَيْفَ لَا، وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَعْلَى مَرْتَبَةً وَأَقْوَى حَالًا وَأَتَمَّ عُرُوجًا، (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ) ، أَيْ: رَدًّا جَمِيلًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَحْيَاءٌ حَقِيقَةً. (ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) : قِيلَ: وَبِهَا اقْتَصَرَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ، لِأَنَّ الصَّلَاحَ صِفَةٌ تَشْمَلُ جَمِيعَ خَصَائِلِ الْخَيْرِ وَشَمَائِلِ الْكَرَمِ، وَلِذَا قِيلَ: الصَّالِحُ مَنْ يَقُومُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَلِذَا وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الصَّالِحَ لِهَذَا الْمَقَامِ الْعَالِي، وَالصُّعُودِ الْمُتَعَالِي (ثُمَّ صَعِدَ بِي) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: طَلَعَ ﷺ جِبْرِيلُ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَوِ الْمُصَاحَبَةِ (حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ) : وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ مَسَافَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، (فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ) : فِي تَكْرَارِ هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ فِي كُلٍّ مِنَ الْأَبْوَابِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ بُسِطَ لَهُ الزَّمَانُ وَطُوِيَ لَهُ الْمَكَانُ، وَاتَّسَعَ لَهُ اللِّسَانُ، وَانْتَشَرَ لَهُ الشَّأْنُ فِي ذَلِكَ الْآنِ بِعَوْنِ الرَّحْمَنِ. (فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ) : جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُحْتَمِلَةٌ أَنَّ تَكُونَ مِنْ أَصْلِ الْحَدِيثِ، وَأَنْ تَكُونَ مُدْرَجَةً مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، هَذَا وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: الْمَرْئِيُّ كَأَنَّ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ مُتَشَكِّلَةٌ بِصُوَرِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، إِلَّا عِيسَى فَإِنَّهُ مَرْئِيٌّ بِشَخْصِهِ، وَسَبَقَهُ التُّورِبِشْتِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَرُؤْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ فِي السَّمَاوَاتِ، وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَيْثُ أُبْهِمَ يُحْمَلُ عَلَى رُؤْيَةِ رُوحَانِيَّتِهِمُ الْمُمَثَّلَةِ بِصُوَرِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا غَيْرَ عِيسَى فَإِنَّ رُؤْيَتَهُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأَمْرَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا. قُلْتُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَمُوتُونَ كَسَائِرِ الْأَحْيَاءِ، بَلْ يَنْتَقِلُونَ مِنْ دَارِ الْفَنَاءِ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَالْأَنْبَاءُ، وَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
(قَالَ) أَيْ: جِبْرِيلُ (هَذَا يَحْيَى) : قَدَّمَهُ لِسَبْقِهِ فِي الْوُجُودِ (وَهَذَا عِيسَى) : خَتَمَ بِهِ لِأَنَّهُ أَتَمُّ فِي الشُّهُودِ وَخَاتِمَةُ أَرْبَابِ الْفَضْلِ وَالْجُودِ. (السَّلَامُ عَلَيْهِمَا) . أَيْ: جُمْلَةً أَوْ عَلَى حِدَةٍ (فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا) ، أَيِ: السَّلَامَ عَلَيَّ بِأَحْسَنِ رَدٍّ (ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ) : لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وَلِمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ، مِنْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ. (وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ) : فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ الِاسْتِعْلَاءُ إِلَّا بِالِاسْتِئْذَانِ الْمَلَكِيِّ وَالْفَتْحِ الْإِلَهِيِّ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ كَالْمَلَائِكَةِ لَهُمْ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، وَحَالٌ مَفْهُومٌ، لَا مُقَدِّمَ لِمَا أَخَّرَ، وَلَا مُؤَخِّرَ لِمَا قَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ قَالَ: هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ) أَيْ: رَدًّا حَسَنًا (ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَاسْتَفْتَحَ. قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ) : وَهَذَا التَّكْرَارُ، وَالْبَيَانُ عَلَى وَجْهِ التَّكْثِيرِ يُعَدُّ مِنْ قَبِيلِ:
أَعِدْ ذِكْرَ نُعْمَانَ لَنَا إِنَّ ذِكْرَهُ هُوَ الْمِسْكُ مَا كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ
стр. 8152
فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِدْرِيسُ، قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) : قَالَ عِيَاضٌ هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ أَهْلِ التَّارِيخِ: إِنَّ إِدْرِيسَ كَانَ مِنْ آبَائِهِ ﷺ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ إِدْرِيسَ ذَلِكَ تَلَطُّفًا وَتَأَدُّبًا، وَهُوَ أَخٌ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ أَبًا فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِخْوَةٌ، كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. (ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفُتِحَ) : فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يُفْتَحْ بَابُ السَّمَاءِ إِلَّا لِمَنْ يَكُونُ مَسْبُوقًا بِنَعْتِ الْعَلَاءِ وَوَصْفِ الْوَلَاءِ، وَأَمَّا الْأَعْدَاءُ فَلَا تُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ. ( «فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ قَالَ: هَذَا هَارُونُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفُتِحَ» ) ، فِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَنْ مُنِحَ لَهُ بِفَتْحِ بَابٍ مَا مُنِعَ مِنْ بَابٍ آخَرَ، وَلَمْ يَقَعْ لَهُ حِجَابٌ، بَلْ يُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَمَا أَحْسَنَ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْحَالِ:
عَلَى بَابِكَ الْأَعْلَى مَدَدْتُ يَدَ الرَّجَا وَمَنْ جَاءَ هَذَا الْبَابَ لَا يَخْتَشِي الرَّدَى ( «فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا مُوسَى، قَالَ: هَذَا مُوسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ، مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ» ) أَيْ: مُوسَى أَوْ مَقَامِي (بَكَى) ، أَيْ: مُوسَى تَأَسُّفًا عَلَى أُمَّتِهِ وَشَفَقَةً عَلَى أَهْلِ مِلَّتِهِ، فَإِنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي الطَّاعَةِ، وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ حَقَّ الْمُتَابَعَةِ مَعَ طُولِ مُدَّتِهِ وَامْتِدَادِ أَيَّامِ دَعْوَتِهِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ انْتِفَاعَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ قِلَّةِ عُمُرِهِ وَقِصَرِ زَمَانِهِ، وَهَذَا يُظْهِرُ وَجْهَ قَوْلِهِ: ( «قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أَمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي» ) ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ اسْتِقْصَارَ شَأْنِهِ، فَإِنَّ الْغُلَامَ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْقَوِيُّ الطَّرِيُّ الشَّابُّ، وَهَذَا زُبْدَةُ كَلَامِ التُّورِبِشْتِيِّ، وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْغِبْطَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَهْلِ الْفِطْنَةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّمَنِّي؛ فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِي أَمْرِ الْمَحَلِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَمْ يَكُنْ بُكَاءُ مُوسَى ﵇ حَسَدًا مَعَاذَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْحَسَدَ فِي ذَلِكَ الْعَالَمِ مَنْزُوعٌ مِنْ آحَادِ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَيْفَ مِمَّنِ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ، بَلْ كَانَ أَسَفًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْأَجْرِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَفْعُ الدَّرَجَةِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْ أُمَّتِهِ مِنْ كَثْرَةِ الْمُخَالَفَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَنْقِيصِ أُجُورِهِمُ الْمَلْزُومِ لِنَقْصِ أَجْرِهِ، لِأَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِثْلَ أَجْرِ كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: غُلَامٌ فَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ التَّنْقِيصِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّنْوِيهِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَعَظِيمِ كَرَمِهِ، إِذْ أَعْطَى لِمَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ السِّنِّ مَا لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا قَبْلَهُ مِمَّنْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ مُوسَى ﵇ أَشَارَ إِلَى مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ مِنِ اسْتِمْرَارِ الْقُوَّةِ فِي الْكُهُولَةِ إِلَى أَنْ دَخَلَ فِي أَوَّلِ الشَّيْخُوخَةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى بَدَنِهِ هِرَمٌ، وَلَا اعْتَرَى قُوَّتَهُ نَقْصٌ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ تَسْمِيَتِهِ غُلَامًا أَنَّهُ حِينَ مُرُورِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كَانَ فِي مُدَّةِ عُمُرِهِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَعْمَارِهِمْ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ مُرُورُ الْأَزْمِنَةِ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ الْبَرْزَخِ، وَقَدْ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ غُلَامًا لِمَا حَصَلَ لَهُ الْمَرْتَبَةُ الْعَلِيَّةُ فِي قَلِيلٍ مِنْ مُدَّةِ الْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَإِنَّ الْمِعْرَاجَ عَلَى مَا سَبَقَ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْوَحْيِ بِزَمَانٍ قَلِيلٍ إِذْ أَقْصَى مَا قِيلَ فِيهِ: أَنَّهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ عُمُرُ الْغُلَامِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَبْلَهُ لَيْسَ مِنَ الْعُمُرِ التَّمَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْمَرَامِ.
стр. 8153
(ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ) : فِي إِطْبَاقِ كَلِمَتِهِمْ وَاتِّفَاقِ جُمْلَتِهِمْ عَلَى هَذَا الْمَدْحِ الْمُطْلَقِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَلْسِنَةَ الْخَلْقِ أَقْلَامُ الْحَقِّ، وَلَيْسَ هُنَا فِي الْأُصُولِ لَفْظُ: فَفُتِحَ، فَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ لَفْظِ الرَّاوِي، أَوِ اكْتِفَاءٌ بِمَا سَبَقَ، وَدَلَالَةٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: هَذَا أَبُوكَ) أَيْ: جَدُّكَ الْأَقْرَبُ (إِبْرَاهِيمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ) ، وَكَانَ نَبِيُّنَا ﵇ كَانَ فِي الِاسْتِغْرَاقِ التَّامِّ، وَمُشَاهَدَةِ الْمَرَامِ غَافِلًا عَنِ الْأَنَامِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] حَتَّى احْتَاجَ فِي كُلٍّ مِنَ الْمَقَامِ إِلَى تَعْلِيمِ جِبْرِيلَ بِالسَّلَامِ. (ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) .
قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ: اسْتَشْكَلَ رُؤْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ فِي السَّمَاوَاتِ مَعَ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ مُسْتَقِرَّةٌ فِي قُبُورِهِمْ، وَأُجِيبَ: بِأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ تَشَكَّلَتْ بِصُوَرِ أَجْسَادِهِمْ، أَوْ أُحْضِرَتْ أَجْسَادُهُمْ لِمُلَاقَاتِهِ أَيْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ تَشْرِيفًا لَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ اخْتِصَاصِ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِالسَّمَاءِ الَّتِي لَقِيَهُ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي الدَّرَجَاتِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: اخْتِصَاصُ آدَمَ بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَوَّلُ الْآبَاءِ، فَكَانَ فِي الْأَوْلَى أَوْلَى، وَعِيسَى بِالثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْأَنْبِيَاءِ عَهْدًا مِنْ نَبِيِّنَا ﷺ وَيَلِيهِ يُوسُفُ لِأَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ يُدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَتِهِ، وَإِدْرِيسُ فِي الرَّابِعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] وَالرَّابِعَةُ مِنَ السَّبْعِ وَسَطٌ مُعْتَدِلٌ، وَهَارُونُ فِي الْخَامِسَةِ لِقُرْبِهِ مِنْ أَخِيهِ، وَمُوسَى أَرْفَعُ مِنْهُ لِفَضْلِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِبْرَاهِيمُ فَوْقَهُ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ نَبِيِّنَا. أَقُولُ: بَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي السَّمَاوَاتِ بِمَا يُنَاسِبُهُمْ مِنَ الْمَقَامِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي كُلِّ سَمَاءٍ إِلَّا وَاحِدٌ مِنَ الْمَشَاهِيرِ الْأَعْلَامِ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِهِمْ عَنْ بَقِيَّةِ الْكِرَامِ.
(ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) : وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ، وَبَعْضِ النُّسَخِ: رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ الْآتِي: ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، وَفِي نُسْخَةٍ إِلَيَّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. قَالَ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْأَكْثَرُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّ التَّاءِ بِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، وَبَعْدَهُ حَرْفُ الْجَرِّ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: رُفِعَتْ لِي بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ التَّاءِ أَيْ: رُفِعَتِ السِّدْرَةُ لِي بِاللَّامِ، أَيْ: مِنْ أَجْلِي، وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ رَفَعُهُ إِلَيْهَا أَيِ: ارْتَقَى بِهِ وَأُظْهِرَتْ لَهُ، وَالرَّفْعُ إِلَى الشَّيْءِ يُطْلَقُ عَلَى التَّقَرُّبِ مِنْهُ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرَّفْعُ تَقْرِيبُكَ الشَّيْءَ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] أَيْ: مُقَرَّبَةٍ لَهُمْ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى اسْتُبِينَتْ لَهُ بِنَعْرَتِهَا كُلَّ الِاسْتِبَانَةِ، حَتَّى اطَّلَعَ عَلَيْهَا كُلَّ الِاطِّلَاعِ بِمَثَابَةِ الشَّيْءِ الْمُقَرَّبِ إِلَيْهِ، وَفِي مَعْنَاهُ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، وَرُفِعَ لِي بَيْتُ الْمَقْدِسِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: سُمِّيَتْ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى لِأَنَّ عِلْمَ الْمَلَائِكَةِ يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَلَمْ يُجَاوِزْهَا أَحَدٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَنْتَهِي إِلَيْهَا مَا يَهْبِطُ مِنْ فَوْقِهَا وَمَا يَصْعَدُ مِنْ تَحْتِهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﵎. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: وَإِضَافَتُهَا إِلَى الْمُنْتَهَى لِأَنَّهَا مَكَانٌ يَنْتَهِي دُونَهُ أَعْمَالُ الْعِبَادِ وَعُلُومُ الْخَلَائِقِ، وَلَا تَجَاوُزَ لِلْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ مِنْهَا إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَأَصْلُ سَاقِهَا فِي السَّادِسَةِ.
(فَإِذَا نَبِقُهَا) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُسْكَنُ أَيْ ثَمَرُهَا مِنْ كِبَرِهِ الدَّالِّ عَلَى كِبَرِهَا (مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ) ، بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ قُلَّةٍ بِالضَّمِّ وَهِيَ إِنَاءٌ لِلْعَرَبِ كَالْجَرَّةِ الْكَبِيرَةِ، وَهَجَرُ اسْمُ بَلَدٍ يَنْصَرِفُ وَلَا يَنْصَرِفُ، وَلَمَّا كَانَتِ الثَّمَرَةُ فِي قِشْرِهَا كَالْمَطْعُومِ فِي ظَرْفِهِ ضُرِبَ مَثَلُ ثَمَرَتِهَا بِأَكْبَرِ مَا كَانُوا يَتَعَارَفُونَهُ بَيْنَهُمْ مِنَ الظُّرُوفِ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَفِي الْقَامُوسِ: هَجَرٌ مُحَرَّكَةً بَلَدُ بِالْيَمَنِ مُذَكَّرٌ مَصْرُوفٌ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَيُمْنَعُ، وَقَرْيَةٌ كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهَا الْقِلَالُ وَيُنْسَبُ إِلَى هَجَرَ الْيَمَنِ. (وَإِذَا وَرَقُهَا) أَيْ: أَوْرَاقُهَا فِي الْكِبَرِ (مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ) ، بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَاللَّامِ جَمْعُ الْفِيلِ، مِثْلُ الدِّيَكَةِ جَمْعُ الدِّيكِ، وَالْآذَانُ بِالْمَدِّ جَمْعُ الْأُذُنِ.
стр. 8154
(قَالَ) أَيْ: جِبْرِيلُ (هَذَا) أَيْ: هَذَا الْمَقَامُ أَوْ هَذَا الشَّجَرُ (سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ) أَيْ: ظَاهِرَةٌ. وَقَالَ شَارِحٌ: إِذَا لِلْمُفَاجَأَةِ أَيْ: فَإِذَا أَنَا بِأَرْبَعَةِ أَنْهَارٍ (نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ قُلْتُ: مَا هَذَانِ) أَيِ: النَّوْعَانِ مِنَ الْأَرْبَعَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] (يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ) ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا الْكَوْثَرُ وَلِلْآخَرِ نَهْرُ الرَّحْمَةِ، كَمَا فِي خَبَرٍ، وَإِنَّمَا قَالَ بَاطِنَانِ لِخَفَاءِ أَمْرِهِمَا فَلَا تَهْتَدِي الْعُقُولُ إِلَى وَصْفِهِمَا، أَوْ لِأَنَّهُمَا مَخْفِيَّانِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ، فَلَا يُرَيَانِ حَتَّى يَصُبَّا فِي الْجَنَّةِ، (وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ) ، قَالَ الْقَاضِي: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فِي الْأَرْضِ لِخُرُوجِ النِّيلِ وَالْفُرَاتِ مِنْ أَصْلِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُمَا مَا عُرِفَا بَيْنَ النَّاسِ، وَيَكُونُ مَاؤُهُمَا مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ السِّدْرَةِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرَكْ كَيْفِيَّتُهُ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ فِي الِاسْمِ بِأَنْ شَبَّهَهُمَا بِنَهْرَيِ الْجَنَّةِ فِي الْهَضْمِ وَالْعُذُوبَةِ، أَوْ مِنْ بَابِ تَوَافُقِ الْأَسْمَاءِ بِأَنْ يَكُونَ نَهْرَيِ الْجَنَّةِ مُوَافِقَيْنِ لِاسْمَيْ نَهْرَيِ الدُّنْيَا. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ مُقَاتِلٌ: الْبَاطِنَانِ هُوَ السَّلْسَبِيلُ وَالْكَوْثَرُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النِّيلَ وَالْفُرَاتَ يَخْرُجَانِ مِنْ أَصْلِهَا، ثُمَّ يَسِيرَانِ حَيْثُ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ يَخْرُجَانِ مِنَ الْأَرْضِ وَيَسِيرَانِ فِيهَا، وَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ شَرْعٌ وَلَا عَقْلٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
(ثُمَّ رُفِعَ لِي) أَيْ: قُرِّبَ وَأُظْهِرَ لِأَجْلِي (الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ) ، وَهُوَ بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ حِيَالَ الْكَعْبَةِ وَحُرْمَتُهُ فِي السَّمَاءِ كَحُرْمَةِ الْكَعْبَةِ فِي الْأَرْضِ (ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ) ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اعْلَمْ أَنَّ اللَّبَنَ لَمَّا كَانَ ذَا خُلُوصٍ وَبَيَاضٍ، وَأَوَّلُ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَرْبِيَةُ الْمَوْلُودِ صُوَرٌ بِهِ فِي الْعَالَمِ الْمُقَدَّسِ مِثْلَ الْهِدَايَةِ وَالْفِطْرَةِ الَّتِي يَتِمُّ بِهِ الْقُوَّةُ الرُّوحَانِيَّةُ، وَهِيَ الِاسْتِعْدَادُ لِلسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ. أَوَّلُهَا انْقِيَادُ الشَّرْعِ، وَآخِرُهَا الْوُصُولُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. (فَقَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ) : أَنَّثَ مَرْجِعَ اللَّبَنِ مَعَ أَنَّهُ مُذَكَّرٌ مُرَاعَاةً لِلْخَبَرِ (أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ) ، أَيْ: عَلَيْهَا أَوْ كَذَلِكَ (ثُمَّ) : يَعْنِي بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَى مَقَامِ: (دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) (فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَاةُ) : وَفِي الْحَدِيثِ الْآتِي: عَلَى أُمَّتِي وَلَا مُنَافَاةَ. (خَمْسِينَ صَلَاةً) : بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَقَوْلُهُ: (كُلَّ يَوْمٍ) ، أَيْ: وَلَيْلَةٍ ظَرْفٌ (فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى) ، أَيْ: بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ» ، (فَقَالَ) أَيْ: مُوسَى (بِمَا أُمِرْتَ) : مِنَ الْعِبَادَةِ (قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً) أَيْ: أَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقِيلَ كَانَتْ كُلُّ صَلَاةٍ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ عَلَيَّ صَلَاةٌ يَلْزَمُهُ رَكْعَتَانِ (كُلَّ يَوْمٍ) . يُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُهُ بِالنَّهَارِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ لِلظُّهُورِ وَالِاسْتِغْنَاءِ.
(قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ) : قَيَّدَ بِالْأُمَّةِ لِأَنَّ قُوَّةَ الْأَنْبِيَاءِ وَعِصْمَتَهُمْ تَمْنَعُهُمْ عَنِ الْمُخَالَفَةِ، وَتُعِينُهُمْ عَلَى الْمُوَافَقَةِ فِي الطَّاعَةِ، وَلَوْ عَلَى أَقْصَى غَايَةِ الْمَشَقَّةِ وَالطَّاقَةِ، وَالْمَعْنَى لَا تَقْدِرُ أُمَّتُكَ عَادَةً أَوْ سُهُولَةً لِضَعْفِهِمْ أَوْ كَسَلِهِمْ. (خَمْسِينَ صَلَاةً) أَيْ: أَدَاءَهَا (كُلَّ يَوْمٍ) ، ثُمَّ بَيَّنَ عَدَمَ اسْتِطَاعَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: (وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ) أَيْ: زَاوَلْتُ وَمَارَسْتُ الْأَقْوِيَاءَ مِنَ النَّاسِ (قَبْلَكَ) ، يَعْنِي: وَلَقِيتُ الشِّدَّةَ فِيمَا أَدَّتْ مِنْهُمْ، (وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أَيْ: بِالْخُصُوصِ (أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ) أَيْ: وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكَيْفَ أُمَّتُكَ؟ (فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ)
стр. 8155
فَاسْأَلْهُ) : أَمْرٌ مِنْ سَأَلَ مَهْمُوزًا أَوْ مُبْدَلًا أَوْ مَنْقُولًا نُسْخَتَانِ مَقْبُولَتَانِ وَقِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَانِ أَيْ: فَاطْلُبِ (التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ) أَيْ: إِلَى رَبِّي (فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا) : وَهُوَ خُمُسُ الْأَصْلِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ وَضَعَ عَنْهُ خَمْسًا، وَكَأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا ثُمَّ صَارَ عَشْرًا، أَوْ عَبَّرَ عَنِ الْخَمْسِ بِالْعَشَرِ اقْتِصَارًا (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ) ، أَيْ: مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى (فَرَجَعْتُ) أَيْ: ثَانِيًا (فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ) أَيْ: ثَالِثًا (فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ مِثْلَهُ. فَرَجَعْتُ) أَيْ: رَابِعًا (فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ) أَيْ: خَامِسًا (فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ) أَيْ: وَلَيْلَةٍ، وَلَعَلَّ الِاكْتِفَاءَ فِيهِ لِلتَّغْلِيبِ حَيْثُ أَكْثَرُ الصَّلَوَاتِ فِيهِ، أَوْ لِأَنَّ اللَّيْلَ تَابِعٌ لِمَا قَبْلَهُ كَمَا فِي لَيْلَةِ عَرَفَةَ وَلَيَالِي أَيَّامِ النَّحْرِ، (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ) أَيْ: أَكْثَرَهُمْ (لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ) أَيْ: مُوَاظَبَتَهَا وَمُدَاوَمَتَهَا وَمُحَافَظَتَهَا (كُلَّ يَوْمٍ وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ) أَيْ: وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا مَا دُونَ ذَلِكَ (فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ) ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مُرَاجَعَةُ اللَّهِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ إِنَّمَا جَازَتْ مِنْ رَسُولِنَا مُحَمَّدٍ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَنَّهُمَا عَرَفَا أَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ غَيْرُ وَاجِبٍ قَطْعًا لِمَا صَدَرَتْ مِنْهُمَا الْمُرَاجَعَةُ، فَصُدُورُ الْمُرَاجِعَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ قَطْعًا، لِأَنَّ مَا كَانَ وَاجِبًا قَطْعًا لَا يَقْبَلُ التَّخْفِيفَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَأَقُولُ: مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى سُؤَالِ التَّحْفِيفِ قَطْعًا، فَالصَّحِيحُ مَا قِيلَ أَنَّهُ تَعَالَى فِي الْأَوَّلِ فَرَضَ خَمْسِينَ، ثُمَّ رَحِمَ عِبَادَهُ وَنَسَخَهَا بِخَمْسٍ كَآيَةِ الرَّضَاعِ عِنْدَ بَعْضٍ، وَعِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا عَلَى قَوْلٍ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عْلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، كَمَا قَالَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَجُوزُ. ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ.
(قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (سَأَلْتُ رَبِّي) أَيِ: التَّخْفِيفَ (حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ) أَيْ: مِنْ كَثْرَتِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ، فَهُمَا لُغَتَانِ، أَوِ الثَّانِيَةُ تَخْفِيفٌ لِلْأَوْلَى بِالنَّقْلِ وَالْحَذْفِ، وَالْمَعْنَى فَلَا أَرْجِعُ لِطَلَبِ التَّخْفِيفِ، وَإِنْ كَانَ الظَّنُّ فِي الْأُمَّةِ أَنْ لَا يَسْتَطِيعُوا دَوَامَ الْمُحَافِظَةِ، (وَلَكِنِّي أَرْضَى) أَيْ: بِمَا قَضَى رَبِّي وَقَسَمَ (وَأُسَلِّمُ) أَيْ: أَمْرِي وَأَمْرَهُمْ إِلَى اللَّهِ وَأَنْقَادُ بِمَا حَكَمَ. قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: حَقٌّ، لَكِنْ أَنْ يَقَعَ بَيْنَ كَلَامَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ مَعْنًى فَمَا وَجْهُهُ هَا هُنَا؟ قُلْتُ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ هُنَا حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ فَلَا أَرْجِعُ، فَإِنِّي إِذَا رَجَعْتُ كُنْتُ غَيْرَ رَاضٍ وَلَا مُسَلِّمٍ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ غَيْرُ نَافِيَةٍ لِلرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ، وَإِلَّا لَمَا رَضِيَ بِهَا مُوسَى وَنَبِيُّنَا عَلَيْهِمَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَكْمَلُ التَّسْلِيمِ، وَتَوْضِيحُهُ؛ أَنَّ سُؤَالَ الْعَافِيَةِ وَدَفْعِ الْبَلَاءِ وَطَلَبَ الرِّزْقِ وَدُعَاءَ النَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ كَمَا صَدَرَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ لَا يُنَافِي الرِّضَا بِالْقَضَاءِ أَبَدًا، وَلَا التَّسْلِيمَ لِمَا فِي الْأَزَلِ أَبَدًا.
(قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فَلَمَّا جَاوَزْتُ) ، أَيْ: مُوسَى وَتَرَكْتُ الْمُرَاجَعَةَ (نَادَى مُنَادٍ) أَيْ: حَاكِيًا كَلَامَ رَبِّي (أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي) أَيْ: أَحْكَمْتُهَا وَأَنْفَدْتُهَا أَوَّلًا. (وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي) . أَيْ: ثَانِيًا وَسَيَأْتِي لِهَذَا تَتِمَّةٌ مَعْرِفَتُهَا مُهِمَّةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
стр. 8156
٥٨٦٣ - وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَقَعُ حَافِرُهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي تَرْبُطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ) . قَالَ: (ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرَئِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرَئِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ) وَسَاقَ مِثْلَ مَعْنَاهُ قَالَ: (فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ) . وَقَالَ فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ: فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ) . وَلَمْ يَذْكُرْ بُكَاءَ مُوسَى، وَقَالَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: (فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، إِذَا بِهَا كَالْقِلَالِ، فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشَّى تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، وَأَوْحَى إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ ; فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ قَالَ: (فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ) . قَالَ: (فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى، حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ لَهُ شَيْئًا، فَإِنَّ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) . قَالَ: (فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَقُلْتُ قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٨٦٣ - (وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ قَبْلَ النُّونِ الْأُولَى، تَابِعِيٌّ مِنْ أَعْلَامِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَثِقَاتِهِمْ، اشْتُهِرَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَصَحِبَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرَوَى عَنْهُ نَفَرٌ. (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَتَيْتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ) ، أَيْ وَسُلْطَانِيٌّ لِقَوْلِهِ: (فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَقَعُ حَافِرُهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ) ، أَيْ نَظَرِهِ (فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ) ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ، وَيُرْوَى بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمَفْتُوحَةِ (فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ) : بِسُكُونِ اللَّامِ وَيُفْتَحُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا (الَّتِي يَرْبُطُ) : بِالتَّذْكِيرِ وَيَجُوزُ تَأْنِيثُهُ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُضَمُّ، فَفِي الْقَامُوسِ: رَبَطَهُ يَرْبِطُهُ وَيَرْبُطُهُ شَدَّهُ، وَفِي الصِّحَاحِ: رَبَطْتُ الشَّيْءَ أَرْبِطُهُ وَأَرْبُطُهُ أَيْضًا عَنِ الْأَخْفَشِ انْتَهَى. فَعُلِمَ أَنَّ الضَّمَّ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَلِهَذَا أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى الْكَسْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنفال: ١١] ثُمَّ قَوْلُهُ: (بِهَا) : بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْحَلْقَةُ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ، كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ بِضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ أَعَادَهُ عَلَى مَعْنَى الْحَلْقَةِ، وَهُوَ الشَّيْءُ أَيِ الَّذِي يَرْبِطُ بِهِ، وَالْمَعْنَى بِالشَّيْءِ الَّذِي يَرْبِطُ بِهِ (الْأَنْبِيَاءُ) . أَيْ بُرَاقَهُمْ، أَوْ هَذَا الْبُرَاقَ عَلَى خِلَافٍ تَقَدَّمَ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمَرْوِيُّ يَرْبُطُ الْأَنْبِيَاءُ بِهَا لَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى اتِّحَادِ الْبُرَاقِ.
(قَالَ: (ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أَيِ: الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، وَهَذَا الْمِقْدَارُ مِنَ الْإِسْرَاءِ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، وَإِنَّمَا خِلَافُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْإِسْرَاءِ إِلَى السَّمَاءِ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ الْخَرْقِ وَالِالْتِئَامِ تَبَعًا لِكَلَامِ الْحُكَمَاءِ اللِّئَامِ، (فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ: تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي اقْتَدَى بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَصَارَ فِيهَا إِمَامَ الْأَصْفِيَاءِ (ثُمَّ خَرَجْتُ) أَيْ: مِنَ الْمَسْجِدِ (فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ) وَلَعَلَّ تَرْكَ الْعَسَلِ مِنِ اقْتِصَارِ الرَّاوِي (فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ) ، أَيْ لِمَا سَبَقَ (فَقَالَ جِبْرِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ) ، أَيِ الَّتِي فُطِرَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَهُوَ: ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] كَمَا قَالَ تَعَالَى. وَأَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ( «كُلُّ مَوْلُودٍ يُوَلَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ) انْتِقَالًا مِمَّا يُفْطَرُ بِهِ الْمَوْلُودُ، وَيُغَذَّى مِنَ اللَّبَنِ الْمَعْهُودِ. (ثُمَّ عَرَجَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، وَتَبِعَهُ السُّيُوطِيُّ فَالْفَاعِلُ جِبْرِيلُ أَوِ الرَّبُّ الْجَلِيلُ لِقَوْلِهِ: (بِنَا) أَيْ: بِي وَبِجِبْرِيلَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (بِنَا) بِنَاءً عَلَى التَّعْظِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: صَعِدَ بِنَا (إِلَى السَّمَاءِ وَسَاقَ) أَيْ: وَذَكَرَ ثَابِتٌ الْحَدِيثَ عَنْ أَنَسٍ (مِثْلَ مَعْنَاهُ) . أَيْ نَحْوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ بِرِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ.
(قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ أَوْ ثَابِتٌ أَوْ أَنَسٌ مَرْفُوعًا (فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ فَرَحَّبَ بِي) أَيْ: قَالَ لِي بَعْدَ رَدِّ سَلَامِي: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. (وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ) . يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ: فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ غَيْرَ مُبَيَّنٍ، (وَقَالَ فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ: (فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ إِذَا هُوَ) : بَدَلٌ مِنَ الْأَوَّلِ فِي مَعْنَى بَدَلِ
стр. 8157
الِاشْتِمَالِ (قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ) ، قَالَ الْمُظْهِرُ أَيْ: نِصْفَ الْحُسْنِ. أَقُولُ: وَهُوَ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى نِصْفَ جِنْسِ الْحُسْنِ مُطْلَقًا، أَوْ نِصْفَ حُسْنِ جَمِيعِ أَهْلِ زَمَانِهِ. وَقِيلَ بَعْضُهُ لِأَنَّ الشَّطْرَ كَمَا يُرَادُ بِهِ نِصْفُ الشَّيْءِ قَدْ يُرَادُ بِهِ بَعْضُهُ مُطْلَقًا. أَقُولُ: لَكِنَّهُ لَا يُلَائِمُهُ مَقَامُ الْمَدْحِ وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضٌ زَائِدٌ عَلَى حُسْنِ غَيْرِهِ، وَهُوَ إِمَّا مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَى زِيَادَةِ الْحُسْنِ الصُّورِيِّ دُونَ الْمَلَاحَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ لِئَلَّا يَشْكَلَ نَبِيَّنَا ﷺ وَإِمَّا مُقَيَّدٌ بِنِسْبَةِ أَهْلِ زَمَانِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَكَانَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى، لَكِنَّهُ أَغْرَبَ فِي الْمَبْنَى حَيْثُ عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْجِهَةُ أَيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أَيْ إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْحُسْنِ وَمَسْحَةٍ مِنْهُ، كَمَا قَالَ: عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ مُلْكٍ وَمَسْحَةُ جَمَالٍ. أَيْ: أَثَرٌ ظَاهِرٌ، وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْمَدْحِ اهـ. وَغَرَابَتُهُ مِمَّا لَا تَخْفَى عَلَى ذَوِي النُّهَى، هَذَا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِنَا الْمُعْتَبَرِينَ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَحْسَنَ مِنْ يُوسُفَ ﵇ إِذْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ صُورَتَهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ ضَوْئِهَا عَلَى جُدْرَانِ مَا يَصِيرُ كَالْمِرْآةِ يَحْكِي مَا يُقَابِلُهُ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ صُورَةِ نَبِيِّنَا ﷺ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَتَرَ عَنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ الْجَمَالِ الْبَاهِرِ، فَإِنَّهُ لَوْ بَرَزَ لَهُمْ لَمْ يُطِيقُوا النَّظَرَ إِلَيْهِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَأَمَّا جَمَالُ يُوسُفَ ﵇ فَلَمْ يُسْتَرْ مِنْهُ شَيْءٌ اهـ.
وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ زِيَادَةَ الْحُسْنِ الصُّورِيِّ لِيُوسُفَ ﵊، كَمَا أَنَّ زِيَادَةَ الْحُسْنِ الْمَعْنَوِيِّ لِنَبِيِّنَا ﷺ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي أَصْلِ الْحُسْنِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: الْمَعْنَى أُعْطِيَ شَطْرَ حُسْنِي (فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ) . وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيْ: ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (بُكَاءَ مُوسَى، وَقَالَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ) أَيْ: زِيَادَةٌ عَلَى مَا سَبَقَ (فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا) : بِكَسْرِ النُّونِ مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ مُطَابِقًا لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِهِ وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ مَرْفُوعٌ عَلَى حَذْفِ الْمُبْتَدَأِ وَقَوْلُهُ: (ظَهْرَهُ) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ لِكِلْتَا النُّسْخَتَيْنِ وَقَوْلُهُ: (إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) ، مُتَعَلِّقٌ بِالْمُسْنَدِ (وَإِذَا هُوَ) أَيِ: الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ (يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ) ، أَيْ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ أَيْ: يَدْخُلُونَ فِيهِ ذَاهِبِينَ غَيْرَ عَائِدِينَ إِلَيْهِ أَبَدًا لِكَثْرَتِهِمْ (ثُمَّ ذَهَبَ بِي) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ لِلْمَفْعُولِ أَيِ انْطَلَقَ بِي (إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى) ، هَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ السِّدْرَةُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَفِي الرِّوَايَاتِ بَعْدَ هَذَا سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، (فَإِذَا أَوْرَاقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ، فَلَمَّا غَشِيَهَا) أَيِ: السِّدْرَةَ، وَهُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ: جَاءَهَا وَنَزَلَ عَلَيْهَا (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) : بَيَانِيَّةٌ مُقَدَّمَةٌ أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ (مَا غَشَّى) أَيْ: غَشِيَهَا إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٤] فَقِيلَ: أَنْوَارُ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ فَرَاشُ الذَّهَبِ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَعَلَّهُ مِثْلَ مَا يَغْشَى الْأَنْوَارَ الَّتِي تَنْبَعِثُ مِنْهَا، وَيَتَسَاقَطُ عَلَى مَوَاقِعِهَا بِالْفَرَاشِ، وَجَعَلَهَا مِنَ الذَّهَبِ لِصِفَاتِهَا وَإِضَاءَتِهَا فِي نَفْسِهَا، أَوْ أَلْوَانٌ لَا يَدْرِي مَا هِيَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (تَغَيَّرَتْ) أَيِ: السِّدْرَةُ عَنْ حَالَتِهَا الْأُولَى إِلَى مَرْتَبَتِهَا الْأَعْلَى وَهُوَ جَوَابُ لَمَّا. (فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ) أَيْ: مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ.
стр. 8158
وَسُكَّانِ أَرْضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ (يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ يَصِفُهَا (مِنْ حُسْنِهَا) : تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ: مِنْ كَمَالِ جَمَالِهَا وَعَظَمَةِ جَلَالِهَا (وَأَوْحَى إِلَيَّ مَا أَوْحَى) : فِي إِبْهَامِ الْمُوصَلَةِ أَوِ الْمَوْصُوفَةِ إِيمَاءً إِلَى تَعْظِيمِ الْمُوحِي، وَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يُحْكَى وَلَا يُرْوَى، (فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى) أَيْ: مُنْتَهِيًا إِلَيْهِ (فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً) : وَزِيدَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَإِنِّي بَلَوْتُ) أَيْ: جَرَّبْتُ (بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ) أَيْ: أَخْبَرْتُهُمْ وَامْتَحَنَتْهُمْ.
(قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ! خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي) أَيْ: عَنْهُمْ وَعَدَلَ إِلَى عَلَى لِتَضْمِينِ التَّهْوِينِ (فَحَطَّ عَنِّي) أَيْ: فَوَضَعَ عَنْ جِهَتِي وَلِأَجْلِي عَنْ أُمَّتِي (خَمْسًا) أَيْ: خَمْسَ صَلَوَاتٍ، وَلَعَلَّ التَّقْدِيرَ خَمْسًا فَخَمْسًا، فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ عَشْرًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ رِوَايَةَ عَشْرًا اقْتِصَارٌ مِنْ رِوَايَةِ خَمْسًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ) أَيِ: الْمِقْدَارُ الْبَاقِي أَيْضًا (فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ) . قَالَ: (فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى) : قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ بَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي نَاجَيْتُهُ أَوَّلًا فَنَاجَيْتُهُ ثَانِيًا، وَبَيْنَ مَوْضِعِ مُلَاقَاةِ مُوسَى أَوَّلًا (حَتَّى قَالَ) أَيْ: : (يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ) أَيْ: مُحَتَّمَةٌ (كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِيهِ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ الْخَبَرُ كَقَوْلِهِ:
هِيَ النَّفْسُ مَا حَمَّلْتَهَا تَتَحَمَّلُ (لِكُلِّ صَلَاةٍ) أَيْ: حَقِيقَةً وَاخْتِيَارًا (عَشْرًا) أَيْ: ثَوَابُ صَلَوَاتِ أَيْ: حُكْمًا وَاعْتِبَارًا (فَذَلِكَ) أَيْ فَمَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ (خَمْسُونَ صَلَاةً) ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِبَيَانِ قَضِيَّةٍ أُخْرَى وَعَطِيَّةٍ أُخْرَى مُتَضَمِّنَةٍ لِهَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ الْمُنْدَرِجَةِ فِي الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ حَيْثُ قَالَ: (مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ) أَيْ: عَزَمَ عَلَى فِعْلِهَا (فَلَمْ يَعْمَلْهَا) : لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ أَوْ عُذْرٍ عُرْفِيٍّ (كُتِبَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: كُتِبَ لَهُ هَمُّ الْحَسَنَةِ وَالتَّأْنِيثُ مِنْ إِضَافَتِهِ إِلَى الْحَسَنَةِ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ (لَهُ) أَيْ: لِعَامِلِهَا (حَسَنَةً) ، النَّصْبُ أَيْ ثَوَابُ حَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كُتِبَتْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَفْعُولِ وَالضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: بِحَسَنَةٍ. وَحَسَنَةً: وُضِعَتْ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ أَيْ: كُتِبَتِ الْحَسَنَةُ كِتَابَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا عَشْرًا وَكَذَا شَيْئًا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْمَصْدَرِ عَلَى مَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: حَسَنَةٌ وَعَشْرٌ مَرْفُوعَانِ وَهُوَ غَلَطٌ مِنَ النَّاسِخِ. أَقُولُ: لَعَلَّهُ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الدِّرَايَةِ فَلَهُ وَجْهٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: كُتِبَتْ لَهُ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُجْمَلَةٌ، وَقَوْلُهُ: حَسَنَةٌ بِتَقْدِيرِ هِيَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ
стр. 8159
مُفَصِّلَةٌ (فَإِنْ عَمِلَهَا) أَيْ: بَعْدَمَا هَمَّ بِهَا وَاهْتَمَّ بِشَأْنِهَا (كُتِبَتْ) أَيْ: تِلْكَ الْحَسَنَةُ الْمَهْمُومَةُ وَالْمَعْمُولَةُ (لَهُ عَشْرًا) أَيْ: ثَوَابُ عَشْرِ حَسَنَاتٍ لِانْضِمَامِ قَصْدِ الْقَلْبِ إِلَى مُبَاشَرَةِ عَمَلِ الْقَالَبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَهَذَا أَقَلُّ التَّضَاعُفِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ الْمُحْتَرَمِ (وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ) أَيْ: وَلَمْ يُصَمِّمْ عَلَى فِعْلِهَا (فَلَمْ يَعْمَلْهَا) أَيْ: فَتَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ بَاعِثٍ أَوْ لِسَبَبٍ مُبَاحٍ بِخِلَافِ مَا إِذَا تَرَكَهَا لِلَّهِ (لَمْ تُكْتَبْ) أَيْ: تِلْكَ السَّيِّئَةُ الْمَوْصُوفَةُ (لَهُ شَيْئًا) . أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا وَقَدْ عَزَمَ عَلَى عَمَلِهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا لِلَّهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهَا تُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةً، وَإِنْ تَرَكَهَا لِغَرَضٍ فَاسِدٍ، فَتُكْتَبُ لَهُ سَيِّئَةً عَلَى مَا بَيَّنَهُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي الْإِحْيَاءِ، وَصَرَّحَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، (فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ) أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (سَيِّئَةً وَاحِدَةً) . لِأَنَّ السَّيِّئَةَ لَا تَتَضَاعَفُ بِحَسَبِ الْكَمِّيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مَثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا عَدْلٌ كَمَا أَنَّ التَّضَاعُفَ فَضْلٌ.
(قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَقُلْتُ قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي) أَيْ: وَرَاجَعَتْهُ فِي أَمْرِ أُمَّتِي (حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8160
٥٨٦٤ - وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (فُرِجَ عَنِّي سَقْفُ بَيْتِي، وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٌ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي. فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مُحَمَّدٌ ﷺ . فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، إِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ، عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شَمَالِهِ بَكَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينَيْهِ ضَحِكَ. وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُ) قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ» . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ» ) وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسٌ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرْضُ اللَّهِ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ فَرَجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطُلِقَ بِي حَتَّى انْتُهِيَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٨٦٤ - (وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) ، أَيِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي فُنُونِ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ، سَمِعَ نَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: قَتَادَةُ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، (عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ) أَيِ: الْغِفَارِيِّ مِنْ أَعْلَامِ الصَّحَابَةِ وَزُهَّادِهِمْ وَالْمُهَاجِرِينَ، أَسْلَمْ قَدِيمًا بِمَكَّةَ، وَيُقَالُ: كَانَ خَامِسًا فِي الْإِسْلَامِ، وَكَانَ يَتَعَبَّدُ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ. (يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ) : بِضَمِّ فَاءٍ وَتَخْفِيفِ رَاءٍ وَتَشْدِيدٍ مِنَ الْفَرَجِ وَالتَّفْرِيجُ بِمَعْنَى الشَّقِّ وَالْكَشْفِ أَيْ: أُزِيلَ (عَنِّي سَقْفُ بَيْتِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَى أَنَسٌ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ، أَوْ فِي الْحِجْرِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فُرِجَ عَنِّي سَقْفُ بَيْتِي؟ قُلْنَا: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِعْرَاجَانِ: أَحَدُهُمَا حَالَ الْيَقَظَةِ عَلَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالثَّانِي فِي النَّوْمِ، وَلَعَلَّهُ ﷺ أَرَادَ بِبَيْتِي بَيْتِ أَمِّ هَانِئٍ إِذْ رُوِيَ أَيْضًا الْإِسْرَاءُ مِنْهُ، فَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَارَةً لِأَنَّهُ سَاكِنُهُ، وَإِلَيْهَا أُخْرَى لِأَنَّهَا صَاحِبَتُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ ﷺ نَامَ عِنْدَ بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ، وَبَيْتُهَا عِنْدَ شِعْبَ أَبِي طَالِبٍ، فَفُرِجَ سَقْفُ بَيْتِهَا، وَأَضَافَ الْبَيْتَ إِلَى نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ يَسْكُنُهُ، فَنَزَلَ فِيهِ الْمَلَكُ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مُضْطَجِعًا وَبِهِ أَثَرُ النُّعَاسِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الْحَطِيمِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْكَبَهُ الْبُرَاقَ ثُمَّ قَوْلُهُ: (وَأَنَا بِمَكَّةَ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ الْقَضِيَّةَ مَكِّيَّةٌ لَا مَدَنِيَّةٌ (فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي) ، أَيْ شَقَّهُ (ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ.
следующие страницы →