← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

٥٨٦٣ - وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَقَعُ حَافِرُهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي تَرْبُطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ) . قَالَ: (ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرَئِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرَئِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ) وَسَاقَ مِثْلَ مَعْنَاهُ قَالَ: (فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ) . وَقَالَ فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ: فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ) . وَلَمْ يَذْكُرْ بُكَاءَ مُوسَى، وَقَالَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: (فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، إِذَا بِهَا كَالْقِلَالِ، فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشَّى تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، وَأَوْحَى إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ ; فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ قَالَ: (فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ) . قَالَ: (فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى، حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ لَهُ شَيْئًا، فَإِنَّ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) . قَالَ: (فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَقُلْتُ قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٨٦٣ - (وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ قَبْلَ النُّونِ الْأُولَى، تَابِعِيٌّ مِنْ أَعْلَامِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَثِقَاتِهِمْ، اشْتُهِرَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَصَحِبَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرَوَى عَنْهُ نَفَرٌ. (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَتَيْتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ) ، أَيْ وَسُلْطَانِيٌّ لِقَوْلِهِ: (فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَقَعُ حَافِرُهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ) ، أَيْ نَظَرِهِ (فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ) ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ، وَيُرْوَى بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمَفْتُوحَةِ (فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ) : بِسُكُونِ اللَّامِ وَيُفْتَحُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا (الَّتِي يَرْبُطُ) : بِالتَّذْكِيرِ وَيَجُوزُ تَأْنِيثُهُ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُضَمُّ، فَفِي الْقَامُوسِ: رَبَطَهُ يَرْبِطُهُ وَيَرْبُطُهُ شَدَّهُ، وَفِي الصِّحَاحِ: رَبَطْتُ الشَّيْءَ أَرْبِطُهُ وَأَرْبُطُهُ أَيْضًا عَنِ الْأَخْفَشِ انْتَهَى. فَعُلِمَ أَنَّ الضَّمَّ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَلِهَذَا أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى الْكَسْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنفال: ١١] ثُمَّ قَوْلُهُ: (بِهَا) : بِضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْحَلْقَةُ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ، كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ بِضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ أَعَادَهُ عَلَى مَعْنَى الْحَلْقَةِ، وَهُوَ الشَّيْءُ أَيِ الَّذِي يَرْبِطُ بِهِ، وَالْمَعْنَى بِالشَّيْءِ الَّذِي يَرْبِطُ بِهِ (الْأَنْبِيَاءُ) . أَيْ بُرَاقَهُمْ، أَوْ هَذَا الْبُرَاقَ عَلَى خِلَافٍ تَقَدَّمَ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمَرْوِيُّ يَرْبُطُ الْأَنْبِيَاءُ بِهَا لَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى اتِّحَادِ الْبُرَاقِ. (قَالَ: (ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أَيِ: الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، وَهَذَا الْمِقْدَارُ مِنَ الْإِسْرَاءِ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، وَإِنَّمَا خِلَافُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْإِسْرَاءِ إِلَى السَّمَاءِ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ الْخَرْقِ وَالِالْتِئَامِ تَبَعًا لِكَلَامِ الْحُكَمَاءِ اللِّئَامِ، (فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ: تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي اقْتَدَى بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَصَارَ فِيهَا إِمَامَ الْأَصْفِيَاءِ (ثُمَّ خَرَجْتُ) أَيْ: مِنَ الْمَسْجِدِ (فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ) وَلَعَلَّ تَرْكَ الْعَسَلِ مِنِ اقْتِصَارِ الرَّاوِي (فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ) ، أَيْ لِمَا سَبَقَ (فَقَالَ جِبْرِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ) ، أَيِ الَّتِي فُطِرَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَهُوَ: ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] كَمَا قَالَ تَعَالَى. وَأَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ( «كُلُّ مَوْلُودٍ يُوَلَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ) انْتِقَالًا مِمَّا يُفْطَرُ بِهِ الْمَوْلُودُ، وَيُغَذَّى مِنَ اللَّبَنِ الْمَعْهُودِ. (ثُمَّ عَرَجَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، وَتَبِعَهُ السُّيُوطِيُّ فَالْفَاعِلُ جِبْرِيلُ أَوِ الرَّبُّ الْجَلِيلُ لِقَوْلِهِ: (بِنَا) أَيْ: بِي وَبِجِبْرِيلَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (بِنَا) بِنَاءً عَلَى التَّعْظِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: صَعِدَ بِنَا (إِلَى السَّمَاءِ وَسَاقَ) أَيْ: وَذَكَرَ ثَابِتٌ الْحَدِيثَ عَنْ أَنَسٍ (مِثْلَ مَعْنَاهُ) . أَيْ نَحْوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ بِرِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ أَوْ ثَابِتٌ أَوْ أَنَسٌ مَرْفُوعًا (فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ فَرَحَّبَ بِي) أَيْ: قَالَ لِي بَعْدَ رَدِّ سَلَامِي: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. (وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ) . يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ: فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ غَيْرَ مُبَيَّنٍ، (وَقَالَ فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ: (فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ إِذَا هُوَ) : بَدَلٌ مِنَ الْأَوَّلِ فِي مَعْنَى بَدَلِ

стр. 8157

الِاشْتِمَالِ (قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ) ، قَالَ الْمُظْهِرُ أَيْ: نِصْفَ الْحُسْنِ. أَقُولُ: وَهُوَ مُحْتَمِلٌ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى نِصْفَ جِنْسِ الْحُسْنِ مُطْلَقًا، أَوْ نِصْفَ حُسْنِ جَمِيعِ أَهْلِ زَمَانِهِ. وَقِيلَ بَعْضُهُ لِأَنَّ الشَّطْرَ كَمَا يُرَادُ بِهِ نِصْفُ الشَّيْءِ قَدْ يُرَادُ بِهِ بَعْضُهُ مُطْلَقًا. أَقُولُ: لَكِنَّهُ لَا يُلَائِمُهُ مَقَامُ الْمَدْحِ وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضٌ زَائِدٌ عَلَى حُسْنِ غَيْرِهِ، وَهُوَ إِمَّا مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَى زِيَادَةِ الْحُسْنِ الصُّورِيِّ دُونَ الْمَلَاحَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ لِئَلَّا يَشْكَلَ نَبِيَّنَا ﷺ وَإِمَّا مُقَيَّدٌ بِنِسْبَةِ أَهْلِ زَمَانِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَكَانَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى، لَكِنَّهُ أَغْرَبَ فِي الْمَبْنَى حَيْثُ عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْجِهَةُ أَيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أَيْ إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْحُسْنِ وَمَسْحَةٍ مِنْهُ، كَمَا قَالَ: عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ مُلْكٍ وَمَسْحَةُ جَمَالٍ. أَيْ: أَثَرٌ ظَاهِرٌ، وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْمَدْحِ اهـ. وَغَرَابَتُهُ مِمَّا لَا تَخْفَى عَلَى ذَوِي النُّهَى، هَذَا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِنَا الْمُعْتَبَرِينَ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَحْسَنَ مِنْ يُوسُفَ ﵇ إِذْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ صُورَتَهُ كَانَ يَقَعُ مِنْ ضَوْئِهَا عَلَى جُدْرَانِ مَا يَصِيرُ كَالْمِرْآةِ يَحْكِي مَا يُقَابِلُهُ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ صُورَةِ نَبِيِّنَا ﷺ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَتَرَ عَنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ الْجَمَالِ الْبَاهِرِ، فَإِنَّهُ لَوْ بَرَزَ لَهُمْ لَمْ يُطِيقُوا النَّظَرَ إِلَيْهِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَأَمَّا جَمَالُ يُوسُفَ ﵇ فَلَمْ يُسْتَرْ مِنْهُ شَيْءٌ اهـ. وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ زِيَادَةَ الْحُسْنِ الصُّورِيِّ لِيُوسُفَ ﵊، كَمَا أَنَّ زِيَادَةَ الْحُسْنِ الْمَعْنَوِيِّ لِنَبِيِّنَا ﷺ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي أَصْلِ الْحُسْنِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: الْمَعْنَى أُعْطِيَ شَطْرَ حُسْنِي (فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ) . وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيْ: ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (بُكَاءَ مُوسَى، وَقَالَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ) أَيْ: زِيَادَةٌ عَلَى مَا سَبَقَ (فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا) : بِكَسْرِ النُّونِ مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ مُطَابِقًا لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِهِ وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ مَرْفُوعٌ عَلَى حَذْفِ الْمُبْتَدَأِ وَقَوْلُهُ: (ظَهْرَهُ) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ لِكِلْتَا النُّسْخَتَيْنِ وَقَوْلُهُ: (إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) ، مُتَعَلِّقٌ بِالْمُسْنَدِ (وَإِذَا هُوَ) أَيِ: الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ (يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ) ، أَيْ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ فِيهِ عَائِدٌ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ أَيْ: يَدْخُلُونَ فِيهِ ذَاهِبِينَ غَيْرَ عَائِدِينَ إِلَيْهِ أَبَدًا لِكَثْرَتِهِمْ (ثُمَّ ذَهَبَ بِي) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ لِلْمَفْعُولِ أَيِ انْطَلَقَ بِي (إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى) ، هَكَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ السِّدْرَةُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَفِي الرِّوَايَاتِ بَعْدَ هَذَا سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، (فَإِذَا أَوْرَاقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ، فَلَمَّا غَشِيَهَا) أَيِ: السِّدْرَةَ، وَهُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ: جَاءَهَا وَنَزَلَ عَلَيْهَا (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) : بَيَانِيَّةٌ مُقَدَّمَةٌ أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ (مَا غَشَّى) أَيْ: غَشِيَهَا إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٤] فَقِيلَ: أَنْوَارُ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ فَرَاشُ الذَّهَبِ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَعَلَّهُ مِثْلَ مَا يَغْشَى الْأَنْوَارَ الَّتِي تَنْبَعِثُ مِنْهَا، وَيَتَسَاقَطُ عَلَى مَوَاقِعِهَا بِالْفَرَاشِ، وَجَعَلَهَا مِنَ الذَّهَبِ لِصِفَاتِهَا وَإِضَاءَتِهَا فِي نَفْسِهَا، أَوْ أَلْوَانٌ لَا يَدْرِي مَا هِيَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (تَغَيَّرَتْ) أَيِ: السِّدْرَةُ عَنْ حَالَتِهَا الْأُولَى إِلَى مَرْتَبَتِهَا الْأَعْلَى وَهُوَ جَوَابُ لَمَّا. (فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ) أَيْ: مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ.

стр. 8158

وَسُكَّانِ أَرْضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ (يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ يَصِفُهَا (مِنْ حُسْنِهَا) : تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ: مِنْ كَمَالِ جَمَالِهَا وَعَظَمَةِ جَلَالِهَا (وَأَوْحَى إِلَيَّ مَا أَوْحَى) : فِي إِبْهَامِ الْمُوصَلَةِ أَوِ الْمَوْصُوفَةِ إِيمَاءً إِلَى تَعْظِيمِ الْمُوحِي، وَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يُحْكَى وَلَا يُرْوَى، (فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى) أَيْ: مُنْتَهِيًا إِلَيْهِ (فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً) : وَزِيدَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَإِنِّي بَلَوْتُ) أَيْ: جَرَّبْتُ (بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ) أَيْ: أَخْبَرْتُهُمْ وَامْتَحَنَتْهُمْ. (قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ! خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي) أَيْ: عَنْهُمْ وَعَدَلَ إِلَى عَلَى لِتَضْمِينِ التَّهْوِينِ (فَحَطَّ عَنِّي) أَيْ: فَوَضَعَ عَنْ جِهَتِي وَلِأَجْلِي عَنْ أُمَّتِي (خَمْسًا) أَيْ: خَمْسَ صَلَوَاتٍ، وَلَعَلَّ التَّقْدِيرَ خَمْسًا فَخَمْسًا، فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ عَشْرًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ رِوَايَةَ عَشْرًا اقْتِصَارٌ مِنْ رِوَايَةِ خَمْسًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ) أَيِ: الْمِقْدَارُ الْبَاقِي أَيْضًا (فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ) . قَالَ: (فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى) : قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ بَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي نَاجَيْتُهُ أَوَّلًا فَنَاجَيْتُهُ ثَانِيًا، وَبَيْنَ مَوْضِعِ مُلَاقَاةِ مُوسَى أَوَّلًا (حَتَّى قَالَ) أَيْ: : (يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ) أَيْ: مُحَتَّمَةٌ (كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِيهِ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ الْخَبَرُ كَقَوْلِهِ: هِيَ النَّفْسُ مَا حَمَّلْتَهَا تَتَحَمَّلُ (لِكُلِّ صَلَاةٍ) أَيْ: حَقِيقَةً وَاخْتِيَارًا (عَشْرًا) أَيْ: ثَوَابُ صَلَوَاتِ أَيْ: حُكْمًا وَاعْتِبَارًا (فَذَلِكَ) أَيْ فَمَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ (خَمْسُونَ صَلَاةً) ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِبَيَانِ قَضِيَّةٍ أُخْرَى وَعَطِيَّةٍ أُخْرَى مُتَضَمِّنَةٍ لِهَذِهِ الْجُزْئِيَّةِ الْمُنْدَرِجَةِ فِي الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ حَيْثُ قَالَ: (مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ) أَيْ: عَزَمَ عَلَى فِعْلِهَا (فَلَمْ يَعْمَلْهَا) : لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ أَوْ عُذْرٍ عُرْفِيٍّ (كُتِبَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: كُتِبَ لَهُ هَمُّ الْحَسَنَةِ وَالتَّأْنِيثُ مِنْ إِضَافَتِهِ إِلَى الْحَسَنَةِ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ (لَهُ) أَيْ: لِعَامِلِهَا (حَسَنَةً) ، النَّصْبُ أَيْ ثَوَابُ حَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كُتِبَتْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَفْعُولِ وَالضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: بِحَسَنَةٍ. وَحَسَنَةً: وُضِعَتْ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ أَيْ: كُتِبَتِ الْحَسَنَةُ كِتَابَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا عَشْرًا وَكَذَا شَيْئًا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْمَصْدَرِ عَلَى مَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: حَسَنَةٌ وَعَشْرٌ مَرْفُوعَانِ وَهُوَ غَلَطٌ مِنَ النَّاسِخِ. أَقُولُ: لَعَلَّهُ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الدِّرَايَةِ فَلَهُ وَجْهٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: كُتِبَتْ لَهُ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُجْمَلَةٌ، وَقَوْلُهُ: حَسَنَةٌ بِتَقْدِيرِ هِيَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ

стр. 8159

مُفَصِّلَةٌ (فَإِنْ عَمِلَهَا) أَيْ: بَعْدَمَا هَمَّ بِهَا وَاهْتَمَّ بِشَأْنِهَا (كُتِبَتْ) أَيْ: تِلْكَ الْحَسَنَةُ الْمَهْمُومَةُ وَالْمَعْمُولَةُ (لَهُ عَشْرًا) أَيْ: ثَوَابُ عَشْرِ حَسَنَاتٍ لِانْضِمَامِ قَصْدِ الْقَلْبِ إِلَى مُبَاشَرَةِ عَمَلِ الْقَالَبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَهَذَا أَقَلُّ التَّضَاعُفِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ الْمُحْتَرَمِ (وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ) أَيْ: وَلَمْ يُصَمِّمْ عَلَى فِعْلِهَا (فَلَمْ يَعْمَلْهَا) أَيْ: فَتَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ بَاعِثٍ أَوْ لِسَبَبٍ مُبَاحٍ بِخِلَافِ مَا إِذَا تَرَكَهَا لِلَّهِ (لَمْ تُكْتَبْ) أَيْ: تِلْكَ السَّيِّئَةُ الْمَوْصُوفَةُ (لَهُ شَيْئًا) . أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا وَقَدْ عَزَمَ عَلَى عَمَلِهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا لِلَّهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهَا تُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةً، وَإِنْ تَرَكَهَا لِغَرَضٍ فَاسِدٍ، فَتُكْتَبُ لَهُ سَيِّئَةً عَلَى مَا بَيَّنَهُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي الْإِحْيَاءِ، وَصَرَّحَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، (فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ) أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (سَيِّئَةً وَاحِدَةً) . لِأَنَّ السَّيِّئَةَ لَا تَتَضَاعَفُ بِحَسَبِ الْكَمِّيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مَثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا عَدْلٌ كَمَا أَنَّ التَّضَاعُفَ فَضْلٌ. (قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَقُلْتُ قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي) أَيْ: وَرَاجَعَتْهُ فِي أَمْرِ أُمَّتِي (حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8160

٥٨٦٤ - وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (فُرِجَ عَنِّي سَقْفُ بَيْتِي، وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٌ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي. فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مُحَمَّدٌ ﷺ . فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، إِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ، عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شَمَالِهِ بَكَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينَيْهِ ضَحِكَ. وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُ) قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ» . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ» ) وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسٌ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرْضُ اللَّهِ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ فَرَجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطُلِقَ بِي حَتَّى انْتُهِيَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٦٤ - (وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) ، أَيِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي فُنُونِ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ، سَمِعَ نَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: قَتَادَةُ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، (عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ) أَيِ: الْغِفَارِيِّ مِنْ أَعْلَامِ الصَّحَابَةِ وَزُهَّادِهِمْ وَالْمُهَاجِرِينَ، أَسْلَمْ قَدِيمًا بِمَكَّةَ، وَيُقَالُ: كَانَ خَامِسًا فِي الْإِسْلَامِ، وَكَانَ يَتَعَبَّدُ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ. (يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فُرِجَ) : بِضَمِّ فَاءٍ وَتَخْفِيفِ رَاءٍ وَتَشْدِيدٍ مِنَ الْفَرَجِ وَالتَّفْرِيجُ بِمَعْنَى الشَّقِّ وَالْكَشْفِ أَيْ: أُزِيلَ (عَنِّي سَقْفُ بَيْتِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَى أَنَسٌ فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ، أَوْ فِي الْحِجْرِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فُرِجَ عَنِّي سَقْفُ بَيْتِي؟ قُلْنَا: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِعْرَاجَانِ: أَحَدُهُمَا حَالَ الْيَقَظَةِ عَلَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالثَّانِي فِي النَّوْمِ، وَلَعَلَّهُ ﷺ أَرَادَ بِبَيْتِي بَيْتِ أَمِّ هَانِئٍ إِذْ رُوِيَ أَيْضًا الْإِسْرَاءُ مِنْهُ، فَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَارَةً لِأَنَّهُ سَاكِنُهُ، وَإِلَيْهَا أُخْرَى لِأَنَّهَا صَاحِبَتُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ ﷺ نَامَ عِنْدَ بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ، وَبَيْتُهَا عِنْدَ شِعْبَ أَبِي طَالِبٍ، فَفُرِجَ سَقْفُ بَيْتِهَا، وَأَضَافَ الْبَيْتَ إِلَى نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ يَسْكُنُهُ، فَنَزَلَ فِيهِ الْمَلَكُ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مُضْطَجِعًا وَبِهِ أَثَرُ النُّعَاسِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الْحَطِيمِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْكَبَهُ الْبُرَاقَ ثُمَّ قَوْلُهُ: (وَأَنَا بِمَكَّةَ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ الْقَضِيَّةَ مَكِّيَّةٌ لَا مَدَنِيَّةٌ (فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي) ، أَيْ شَقَّهُ (ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ.

стр. 8161

بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٌ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ) أَيْ: صَبَّ مَا فِي الطَّسْتِ (فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ) ، أَيْ غَطَّى صَدْرِي وَلَأَمَ شَقَّهُ، (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جِئْتُ) أَيْ: وَصَلْتُ (إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مُحَمَّدٌ! فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) ، أَيْ طَلَعْنَاهَا (إِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ) : جَمْعُ سَوَادٍ كَأَزْمِنَةٍ جَمْعُ زَمَانٍ بِمَعْنَى الشَّخْصِ، لِأَنَّهُ يُرَى أَنَّهُ أَسْوَدٌ مِنْ بَعِيدٍ أَيْ: أَشْخَاصٌ مِنْ أَوْلَادِهِ (وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ إِذَا) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ. فَإِذَا (نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ جَانِبَ أَيَمْنِهِ (ضَحِكَ) ، أَيْ لِمَا يَرَى مِمَّا يَدُلُّ عَلَى سُرُورِهِ وَيُمْنِهِ (وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى) أَيْ: لِمَا يُشَاهِدُ مِمَّا يُشْعِرُ بِشُرُورِهِ وَشُؤْمِهِ (فَقَالَ) أَيْ: بَعْدَ السَّلَامِ وَرَدِّهِ (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟) قِيلَ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ مَرْحَبًا، وَرِوَايَةُ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وَهِيَ الْمُعْتَمَدَةُ، فَتُحْمَلُ هَذِهِ عَلَيْهَا إِذْ لَيْسَ فِي هَذِهِ أَدَاةُ تَمْثِيلٍ. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ كَذَا فِي السُّؤَالِ إِنَّمَا هُوَ الْأَسْوِدَةُ، وَأُعِيدَ ذِكْرُ آدَمَ فِي الْجَوَابِ لِيَعْطِفَ عَلَيْهِ مَقْصُودَ الْخِطَابِ، فَصَحَّ كَلَامُ الرَّاوِي (قَالَ) أَيْ: جِبْرِيلُ (هَذَا آدَمُ وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَعَنْ شِمَالِهِ (نَسَمُ بَنِيهِ) ، بِفَتْحِ النُّونِ وَالسِّينِ جَمْعُ نَسَمَةٍ، وَهِيَ الرُّوحُ أَوِ النَّفْسُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّسَمِ وَهُوَ النَّفْسُ، وَمِنْهُ نَسِيمُ الصِّبَا أَيْ: أَرْوَاحُ أَوْلَادِهِ السَّابِقِينَ، أَوْ مَعَ شُمُولِ اللَّاحِقِينَ، وَذَكَرَ الْبَنِينَ لِلتَّغْلِيبِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] (فَأَهْلُ الْيَمِينِ) أَيِ: الْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ يَمِينِهِ، (مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ جَمِيعِ الْأَسْوِدَةُ (أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فِإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ. وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، وَإِذَا نَظَرَ عَنْ شِمَالِهِ (بَكَى) . قَالَ الْقَاضِي: قَدْ جَاءَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ مَحْبُوسَةٌ فِي سِجِّينٍ وَأَرْوَاحَ الْأَبْرَارِ مُنَعَّمَةٌ فِي عِلِّيِّينَ، فَكَيْفَ تَكُونُ مُجْتَمِعَةً فِي السَّمَاءِ؟ وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى آدَمَ أَوْقَاتًا، فَصَادَفَ وَقْتُ عَرْضِهَا مُرُورَ النَّبِيِّ ﷺ وَبِأَنَّ الْجَنَّةَ كَانَتْ فِي جِهَةِ يَمِينِ آدَمَ، وَالنَّارَ فِي جِهَةِ شِمَالِهِ، وَكَانَ يُكْشَفُ لَهُ عَنْهُمَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّسَمَ الْمَرْئِيَّةَ هِيَ الَّتِي لَمْ تَدْخُلِ الْأَجْسَادَ بَعْدُ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ الْأَجْسَادِ، وَمُسْتَقَرُّهَا عَنْ يَمِينِ آدَمَ وَشِمَالِهِ، وَقَدْ أُعْلِمَ بِمَا سَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ فَقَوْلُهُ: نَسَمُ بَنِيهِ عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (حَتَّى عَرَجَ بِي) : ضَبْطٌ لِلْفَاعِلِ، وَقِيلَ لِلْمَفْعُولِ، وَالْمَعْنَى عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ (إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ) : وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ هَكَذَا ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ (فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ. فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُ) . أَيْ مِثْلَ مَقُولِ الْخَازِنِ السَّابِقِ.

стр. 8162

(قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ أَوْ أَبُو ذَرٍّ مَرْفُوعًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ (أَنَّهُ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵊ (وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ) ، وَالظَّاهِرُ وُجُودُ هَارُونَ، وَيَحْيَى، وَيُوسُفَ، وَيُحْتَمَلُ إِسْقَاطُهُمْ مِنَ الرِّوَايَةِ. (وَلَمْ يُثْبِتْ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ الْإِثْبَاتِ أَيْ: لَمْ يُبَيِّنْ أَبُو ذَرٍّ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ (كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا) ، هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ (وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) . هَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ، وَالثَّابِتُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ غَيْرُهَا، وَهُوَ أَنَّهُ فِي السَّابِعَةِ. فَإِنْ قُلْنَا: بِتَعَدُّدِ الْمِعْرَاجِ، فَلَا إِشْكَالَ، وَإِلَّا فَالْأَرْجَحُ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا: إِنَّهُ رَآهُ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَهُوَ فِي السَّابِعَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَلِأَنَّهُ قَالَ هُنَا: إِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، فَرِوَايَةُ مَنْ أَثْبَتَ أَرْجَحُ. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) أَيِ: الزُّهْرِيُّ (فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هَذَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، رَوَى عَنْ أَبِي حَبَّةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ، ثُمَّ أَبُوهُ أَيْضًا مِنَ الصَّحَابَةِ حَيْثُ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَبُوهُ أَنْصَارِيٌّ، وُلِدَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ بِنَجْرَانَ، وَكَانَ أَبُوهُ عَامِلَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى نَجْرَانَ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ فَقِيهًا، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ. قُتِلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَفِي الْمَصَابِيحِ بِالْيَاءِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ هُنَا، وَفِي ضَبْطِهِ وَاسْمِهِ اخْتِلَافٌ. قِيلَ: حَيَّةُ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَقِيلَ بِالنُّونِ، وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ، فَقِيلَ: عَامِرٌ، وَقِيلَ مَالِكٌ، وَقِيلَ ثَابِتٌ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ثَابِتُ بْنُ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ، وَفِي كُنْيَتِهِ وَاسْمِهِ خِلَافٌ كَثِيرٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَذَكَرَهُ بِكُنْيَتِهِ وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَحَبَّةُ بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ الْأَكْثَرُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ. (كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ) أَيْ: عَلَوْتُ (لِمُسْتَوًى) : بِفَتْحِ الْوَاوِ مُنَوَّنًا وَهُوَ الْمُسْتَقَرُّ وَمَوْضِعُ الِاسْتِعْلَاءِ، مِنِ اسْتَوَى الشَّيْءَ اسْتَعْلَاهُ، وَثُبُوتُ الْيَاءِ بَعْدَ الْوَاوِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صِيغَةُ اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعِلَّةِ أَيْ: عَلَوْتُ لِاسْتِعْلَاءِ مُسْتَوًى، أَوْ لِرُؤْيَتِهِ أَوْ لِمُطَالَعَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَصْدَرِ، أَيْ: ظَهَرْتُ ظُهُورَ الْمُسْتَوِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى إِلَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أَيْ إِلَيْهَا. وَقِيلَ بِمَعْنَى (عَلَى) (أَسْمَعُ فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَوْ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ (صَرِيفَ الْأَقْلَامِ) . أَيْ صَوْتَهَا عِنْدَ الْكِتَابَةِ، قِيلَ: هُوَ هَاهُنَا عِبَارَةٌ عَنِ الِاطِّلَاعِ عَلَى جَرَيَانِهَا بِالْمَقَادِيرِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْبَكْرَةُ عِنْدَ الِاسْتِعْلَاءِ يُقَالُ: صَرَفَتِ الْبَكْرَةُ تَصْرِفُ صَرِيفًا، وَالْمَعْنَى أَنِّي أَقَمْتُ مَقَامًا بَلَغْتُ فِيهِ مِنْ رِفْعَةِ الْمَحَلِّ إِلَى حَيْثُ اطَّلَعْتُ عَلَى الْكَوَائِنِ، وَظَهَرَ لِي مَا يُرَادُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَتَدْبِيرِهِ فِي خَلْقِهِ، وَهَذَا وَاللَّهِ هُوَ الْمُنْتَهَى الَّذِي لَا تَقَدُّمَ فِيهِ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، كَذَا حَقَّقَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُسْتَوَى بِفَتْحِ الْوَاوِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ الْمِصْعَدُ، وَقِيلَ الْمَكَانُ الْمُسْتَوِي، وَصَرِيفُ الْأَقْلَامِ بِالصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ صَوْتُ مَا يَكْتُبُهُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ أَقْضِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْيِهِ، وَمَا يَنْسَخُونَهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُكْتَبَ وَيُرْفَعَ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِهِ وَتَدْبِيرِهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذَا حُجَّةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْإِيمَانِ بِصِحَّةِ كِتَابَةِ الْوَحْيِ، وَالْمَقَادِيرِ فِي كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بِالْأَقْلَامِ الَّتِي هُوَ تَعَالَى يَعْلَمُ كَيْفِيَّتَهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْآيَاتُ، لَكِنَّ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ، وَصُورَتَهُ هُنَا لَا يَعْلَمُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا يَتَأَوَّلُ هَذَا وَيُحِيلُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَّا ضَعِيفُ النَّظَرِ وَالْإِيمَانِ، إِذْ جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ وَدَلَائِلُ الْعُقُولِ لَا تُحِيلُهُ.

стр. 8163

(وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسٌ) : عَطَفَ عَلَى فَأَخْبَرَنِي، فَهُوَ مِنْ مَقُولِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي) : وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ فَفَرَضَ عَلَيَّ (خَمْسِينَ صَلَاةً فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ) ، أَيْ آخِذًا بِهِ وَقَاصِدًا لِعَمَلِهِ (حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَقَوْلُهُ: (لَكَ) أَيْ: لِأَجْلِكَ (عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) أَيْ: فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ) أَيْ: هَذَا الْحِمْلَ الثَّقِيلَ (فَرَاجَعَنِي) : بِمَعْنَى رَجَّعَنِي أَيْ رَدَّنِي مُوسَى يَعْنِي صَارَ سَبَبًا لِرُجُوعِي إِلَى رَبِّي (فَوَضَعَ) أَيِ: اللَّهُ (شَطْرَهَا) ، أَيْ بَعْضَ الْخَمْسِينَ، وَهُوَ الْخُمْسُ الَّذِي هُوَ الْعُشْرُ، أَوِ الْعُشْرُ الَّذِي هُوَ الْخُمْسُ عَلَى خِلَافِ تَقَدَّمَ (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا. فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ) أَيِ: ارْجِعْ إِلَيْهِ لِلْمُرَاجَعَةِ (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ) أَيْ: ذَلِكَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (فَرَجَعْتُ) أَيْ: إِلَى مَكَانِي الْأَوَّلِ (فَرَاجَعْتُ) ، أَيْ فَرَادَدْتُ الْكَلَامَ، وَطَالَبْتُ الْمَرَامَ مُبَالِغًا فِي الْمَقَامِ، فَإِنَّ الْمُفَاعَلَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُبَالَغَةِ فَهِيَ لِلْمُبَالَغَةِ، (فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى مُوسَى (فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ) أَيْ: مَا قُدِّرَ هُنَالِكَ (فَرَاجَعْتُهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ فَرَاجَعْتُ أَيْ رَبِّي (فَقَالَ) أَيْ: فِي الْآخِرَةِ عَلَى مَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَالْمَعْنَى فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ الْمُرَاجَعَاتِ (هِيَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: هُنَّ (خَمْسٌ) أَيْ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْأَدَاءِ (وَهِيَ خَمْسُونَ) ، أَيْ صَلَاةً فِي الثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ (لَا يُبَدِّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ أَنِّي سَاوَيْتُ بَيْنَ الْخَمْسِ وَالْخَمْسِينَ فِي الثَّوَابِ، وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ مُبَدَّلٍ، أَوْ جَعَلْتُ الْخَمْسِينَ خَمْسًا، وَلَا تَبْدِيلَ فِيهِ قَالَ الطِّيبِيُّ، وَقَوْلُهُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي لَا يُنَاسِبُ هَذَا الْمَعْنَى. قُلْتُ لَا يُنَافِيهِ، بَلْ يُنَاسِبُهُ إِذَا حُمِلَ عَلَى مَا قَبْلَ وُجُودِ الْعِلْمِ بِعَدَمِ التَّبْدِيلِ. (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي) أَيْ: حِينَ قَالَ لِي لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ. مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الْمَانِعِ، (ثُمَّ انْطُلِقَ بِي حَتَّى انْتُهِيَ بِي) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِيهِمَا، وَالْمَعْنَى ثُمَّ ذَهَبَ بِي حَتَّى وَصَلَ بِي (إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا) : بِالتَّخْفِيفِ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ غَشِيَهَا (أَلْوَانٌ) أَيْ: مِنَ الْأَنْوَارِ أَوْ أَصْنَافٍ مِنْ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ غَيْرِهَا (لَا أَدْرِي) أَيِ: الْآنَ أَوْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لِتَوَجُّهِ نَظَرِهِ إِلَى الْمُكَوَّنِ دُونَ الْمَكَانِ (مَا هِيَ) أَيْ: حَقِيقَةُ مَا هِيَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ (ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا) : لِلْمُفَاجَأَةِ (فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ جُنْبُذَةٍ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْبَاءِ، وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الشَّيْءِ وَاسْتَدَارَ كَالْقُبَّةِ، وَقَوْلُ الْعَامَّةِ إِنَّ الْجُنْبَذَةَ بِفَتْحِ الْبَاءِ مُعَرَّبٌ كُنْبَذَةٍ (وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ) . وَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ وَفِي الْخَبَرِ: أَنَّهُ يَفُوحُ رِيحُ الْجَنَّةِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8164

٥٨٦٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] . قَالَ: فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَّا يُشْرِكُ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٨٦٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ ( «قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ» ) ، قَالَ شَارِحٌ: وَهِمَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي السَّادِسَةِ، وَالصَّوَابُ فِي السَّابِعَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْجُمْهُورِ مِنَ الرُّوَاةِ اهـ. وَالْمَعْنَى أَنَّ إِضَافَةَ السَّهْوِ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّ عِلْمَ الْخَلَائِقِ يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي السَّادِسَةِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ. قَالَ الْقَاضِي: كَوْنُهَا فِي السَّابِعَةِ هُوَ الْأَصَحُّ، وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهُ الْمَعْنَى وَتَسْمِيَتُهَا بِالْمُنْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، أَنْ يَكُونَ أَصْلُهَا فِي السَّادِسَةِ وَمُعْظَمُهَا فِي السَّابِعَةِ، فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهَا فِي نِهَايَةٍ مِنَ الْعِظَمِ، وَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ: السِّدْرَةُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ قَدْ أَظَلَّتِ السَّمَاوَاتِ وَالْجَنَّةَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ مُقْتَضَى خُرُوجِ النَّهْرَيْنِ الظَّاهِرَيْنِ النِّيلِ وَالْفُرَاتِ مِنْ أَصِلِ الْمُنْتَهَى أَنْ يَكُونَ أَصْلُهَا فِي الْأَرْضِ، فَإِنْ سَلِمَ لَهُ هَذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. (إِلَيْهَا) أَيْ: إِلَى السِّدْرَةِ (يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ) أَيْ: مَا يُصْعَدُ بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَرْوَاحِ الْكَائِنَةِ فِي الْجُمَّةِ السُّفْلَى (فَيُقْبَضُ مِنْهَا) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقَابِضِ وَاتِّحَادُهُ فِيهِمَا (وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ مِنْ فَوْقِهَا) أَيْ: مِنَ الْوَحْيِ وَالْأَحْكَامِ النَّازِلَةِ مِنَ الْجِهَةِ الْعُلْيَا (فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ) أَيْ: قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَوْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] قَالَ) أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: مَا يَغْشَى (فَرَاشٌ) أَيْ: هُوَ فَرَاشٌ (مِنْ ذَهَبٍ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أَوْ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ: فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ غَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ فِي مَوْقِعِ قَوْلِهِ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] فِي إِرَادَةِ الْإِبْهَامِ وَالتَّهْوِيلِ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] فِي حَقِّ فِرْعَوْنَ، قَوْلُهُ هُنَا: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، بَيَانٌ لَهُ. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّ مَا يُغْشَى أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى، وَمِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَاطَ بِهَا وَيُسْتَقْصَى، لِأَنَّ نَفْسَ السِّدْرَةِ إِذَا كَانَتْ هِيَ الْمُنْتَهَى، فَكَيْفَ يَكُونُ إِحَاطَةُ الْعِلْمِ بِمَا فَوْقَهَا مِمَّا يُغْشَى، وَهُوَ لَا يُنَافِي ذِكْرَ بَعْضِ مَا رَأَى وَرُؤِيَ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ سَائِرِ الرِّوَايَاتِ وَالْأَقْوَالِ. فَقِيلَ: يَغْشَاهَا جَمٌّ غَفِيرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: (رَأَيْتُ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مَلَكًا قَائِمًا يُسَبِّحُ) وَقِيلَ: فِرَقٌ مِنَ الطَّيْرِ الْخُضْرِ وَهِيَ أَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فِي قَوْلِهِ: لَا أَدْرِي إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا لَا تُشْبِهُ الْأَعْيَانَ الْمَشْهُودَةَ الْمُسْتَحْقَرَةَ فِي النُّفُوسِ الْمَوْجُودَةِ، فَيُنْعَتُ لَهُمْ بِذِكْرِ نَظَائِرِهَا. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْفَرَاشَ بِالْفَتْحِ طَيْرٌ مَعْرُوفٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] وَقَدْ قَالَ شَارِحٌ: الْفَرَاشُ مَا تَرَاهُ كَصِغَارِ الْبَقِّ يَتَهَافَتُ وَيَتَسَاقَطُ فِي النَّارِ، وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفَرَاشِ أَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ: فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَيْضًا مِمَّا غَشِيَهَا اهـ وَتَبَيَّنَ الْبَوْنُ الْبَيِّنُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] حَيْثُ إِنَّهُ وَقَعَ الْإِبْهَامُ هُنَا لِتَعْظِيمَهُ، وَالْعَجْزِ عَنْ إِحَاطَتِهِ، وَفِي قَضِيَّةِ فِرْعَوْنَ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْلُومِيَّتِهِ وَحَقَارَتِهِ. (قَالَ) أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَوْ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ وَالْحَالِ (ثَلَاثًا) أَيْ: لَهَا عَلَى مَا عَدَاهَا مَزِيَّةٌ كَامِلَةٌ (أُعْطِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ) أَيْ: فَرْضِيَّتَهَا (وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) ، أَيْ إِجَابَةَ دَعَوَاتِهَا، فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا بِظَاهِرِهِ يُنَافِي مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «بَيْنَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ أَيْ صَوْتًا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ. قُلْتُ: لَا.»

стр. 8165

مُنَافَاةَ، فَإِنَّ الْإِعْطَاءَ كَانَ فِي السَّمَاءِ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ بِقَرِينَةِ إِعْطَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْمَقَامِ الْأَعْلَى، وَنُزُولِ الْمَلَكِ الْمُعَظَّمِ لِتَعْظِيمِ مَا أَعْطَى، وَبِشَارَةِ مَا خُصَّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، نَعَمْ يُشْكِلُ هَذَا بِكَوْنِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةً، وَقَضِيَّةُ الْمِعْرَاجِ بِالِاتِّفَاقِ مَكِّيَّةٌ، فَيُدْفَعُ بِاسْتِثْنَاءِ الْخَوَاتِيمِ مِنَ السُّورَةِ، فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِاعْتِبَارِ أَكْثَرِهَا، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمَلَكِ عَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَمُجَاهِدٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى إِيجَاءَهَا بِلَا وَاسِطَةِ جِبْرِيلَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، فَهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَهُمْ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ السُّورَةَ بِكَامِلِهَا مَدَنِيَّةٌ، فَقَدْ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ أُعْطِيَ أَنَّهَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُ اسْتُجِيبَ لَهُ فِيمَا لُقِّنَ فِي الْآيَتَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَلِمَنْ يَقُومُ بِحَقِّهَا مِنَ السَّائِلَيْنَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي كَلَامِهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْإِعْطَاءَ بَعْدَ الْإِنْزَالِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الِاسْتِجَابَةُ وَهِيَ مَسْبُوقَةٌ بِالطَّلَبِ، وَالسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ وَالْمِعْرَاجُ فِي مَكَّةَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا مِنْ قَبِيلِ: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] وَالنُّزُولُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ قَبِيلِ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى - عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٣ - ٥] اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ وَقَعَ تَكْرَارُ الْوَحْيِ فِيهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَاهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ، فَأَوْحَى إِلَيْهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِلَا وَاسِطَةٍ، ثُمَّ أَوْحَى إِلَيْهِ فِي الْمَدِينَةِ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ، وَبِهَذَا يَتِمُّ أَنَّ جَمِيعَ الْقُرْآنِ نَزَلَ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْإِعْطَاءِ اسْتِجَابَةُ الدُّعَاءِ مِمَّا اشْتَمَلَ الْإِتْيَانُ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي نُزُولَهَا بَعْدَ الْإِسْرَاءِ إِلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا أُوثِرَ الْإِعْطَاءُ لِمَا عَبَّرَ عَنْهَا بِكَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: ( «أُعْطِيتُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي» ) وَكَانَ لِنَبِيِّنَا ﷺ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى مَقَامَاتٌ يَغْبِطُهُمَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ. أَحَدُهُمَا فِي الدُّنْيَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَثَانِيهِمَا فِي الْعُقْبَى وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، وَلَا اهْتَمَّ فِيهِمَا إِلَّا بِشَأْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ. (وَغُفِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ) . بِالرَّفْعِ عَلَى نِيَابَةِ الْفَاعِلِ أَوْ هُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيِ الْكَبَائِرُ الْمُهْلِكَاتُ الَّتِي تُقْحِمُ صَاحِبَهَا النَّارَ إِنْ لَّمْ يَتَجَاوَزْ عَنْهُ الْمَلِكُ الْغَفَّارُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ﷺ وُعِدَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الْكَامِلَةَ هَذِهِ الْمَغْفِرَةَ الشَّامِلَةَ، وَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرَ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ، وَلَعَلَّ ذِكْرَ الْمَشِيئَةِ فِي الْحَدِيثِ لِظُهُورِ الْقَضِيَّةِ فِي حُكْمِ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، هَذَا وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْمُرَادُ بِغُفْرَانِهِ أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا تُعَذَّبُ أُمَّتُهُ أَصْلًا، إِذْ قَدْ عُلِمَ مِنْ نُصُوصِ الشَّرْعِ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ إِثْبَاتُ عَذَابِ الْعُصَاةِ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَبْقَى خُصُوصِيَّةٌ لِأُمَّتِهِ، وَلَا مَزِيَّةٌ لِمِلَّتِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ غَالِبُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّهَا أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8166

٥٨٦٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كَرْبًا مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي. فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ - فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ. فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ لِي قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ) » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي ــ ٥٨٦٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَقَدْ رَأَيْتُنِي) أَيْ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَبْصَرْتُ نَفْسِيَ الْأَنْفَسَ أَوْ عَلِمْتُ ذَاتِيَ الْأَقْدَسَ (فِي الْحِجْرِ) أَيْ: قَائِمًا (وَقُرَيْشٌ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ قُرَيْشٍ (تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَيْ عَنْ سَيْرِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالضَّبْطَيْنِ (فَسَأَلَتْنِي) أَيْ: قُرَيْشٌ (عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا) ، مِنَ الْإِثْبَاتِ أَيْ لَمْ أَحْفَظْهَا، وَلَمْ أَضْبُطْهَا لِاشْتِغَالِي بِأُمُورٍ أَهَمَّ مِنْهَا (فَكُرِبْتُ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ أُحْزِنْتُ (كَرْبًا) : كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وَالْمَعْنَى حُزْنًا شَدِيدًا، وَيُنَاسِبُهُ قَوْلُهُ: (مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ) أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الْكَرْبِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْكَرْبُ الْحُزْنُ يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ كَالْكُرْبَةِ وَكَرَبَهُ الْغَمُّ فَهُوَ مَكْرُوبٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ. كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَفِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: كُرْبَةٌ قَالَ النَّوَوِيُّ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مِثْلَهُ يَعُودُ عَلَى مَعْنَى الْكُرْبَةِ وَهُوَ الْغَمُّ أَوِ الْهَمُّ أَوِ الشَّيْءُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْكُرْبَةُ بِالضَّمِّ الْغَمُّ الَّذِي يَأْخُذُ النَّفْسَ لِشِدَّتِهِ (فَرَفَعَهُ اللَّهُ) أَيْ: بَيْتَ الْمَقْدِسِ (لِي) أَيْ: لِأَجْلِي (أَنْظُرُ إِلَيْهِ) ، حَالٌ، وَالْمَعْنَى.

стр. 8167

رُفِعَ الْحِجَابُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَأُخْبِرَ النَّاسَ بِمَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ مُسْتَأْنِفًا مُبَيِّنًا. (مَا يَسْأَلُونِي) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَتُخَفَّفُ (عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ) ، أَيْ أَخْبَرْتُهُمْ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ الْمُسْتَحْضِرَةِ، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ مَا سَأَلُونِي بِصِيغَةِ الْمَاضِيَةِ (وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) أَيْ: مَعَ جَمْعٍ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَالسِّبَاقُ وَاللَّحَاقُ، وَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ غَيْرُ رُؤْيَةِ السَّمَاءِ بِالِاتِّفَاقِ، ثُمَّ قِيلَ: رُؤْيَتُهُ إِيَّاهُمْ فِي السَّمَاءِ مَحْمُولَةٌ عَلَى رُؤْيَةِ أَرْوَاحِهِمْ إِلَّا عِيسَى، لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ رُفِعَ بِجَسَدِهِ، وَقَدْ قِيلَ فِي إِدْرِيسَ ذَلِكَ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيُحْتَمَلُ الْأَرْوَاحُ، وَيُحْتَمَلُ الْأَجْسَادُ بِأَرْوَاحِهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ صَلَاتَهُ لَهُمْ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ قَبْلَ الْعُرُوجِ. قُلْتُ قَدْ سَبَقَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَهُمْ، ثُمَّ أَجْسَادُهُمْ كَأَرْوَاحِهِمْ لَطِيفَةٌ غَيْرَ كَثِيفَةٍ، فَلَا مَانِعَ لِظُهُورِهِمْ فِي عَالَمِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ بِقُدْرَةِ ذِي الْجَلَالِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ تَشَكُّلَ الْأَنْبِيَاءِ وَتَصَوُّرَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَ أَجْسَادِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ قَوْلُهُ: (فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي) : فَإِنَّ حَقِيقَةَ الصَّلَاةِ وَهِيَ الْإِتِيَانُ بِالْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ إِنَّمَا تَكُونُ لِلْأَشْبَاحِ لَا لِلْأَرْوَاحِ، لَا سِيَّمَا وَكَالتَّصْرِيحِ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ) أَيْ: نَوْعٌ وَسَطٌ مِنَ الرِّجَالِ أَوْ خَفِيفُ اللَّحْمِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (جَعْدٌ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وَفِيهِ مَعْنَيَانِ. أَحَدُهُمَا: جُعُودَةُ الْجِسْمِ، وَهُوَ اجْتِمَاعُهُ. وَالثَّانِي: جُعُودَةُ الشَّعْرِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ هَاهُنَا لِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ رَجِلُ الشَّعْرِ كَذَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الثَّانِي أَيْضًا لِأَنَّهُ يُقَالُ: شَعْرٌ رَجِلٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ شَدِيدَ الْجُعُودَةِ، (كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ (وَإِذَا عِيسَى قَائِمٌ يُصَلِّي) : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهَا حَالَةُ حُضُورِ الرَّبِّ، وَكَمَالِ الْقُرْبِ فِي الْحَالَاتِ، وَأَنْوَاعِ الِانْتِقَالَاتِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ اللَّذَّاتِ عِنْدَ عُشَّاقِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، (أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ) ، نِسْبَةً إِلَى ثَقِيفٍ قَبِيلَةٍ، وَلَيْسَ هَذَا أَخًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، كَمَا فِي بَعْضِ حَوَاشِي الْمَصَابِيحِ، فَإِنَّهُ هُذَلِيٌّ (وَإِذَا بِإِبْرَاهِيمَ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ) : أَخْبَارٌ مُتَعَاقِبَةٌ لِإِبْرَاهِيمَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمَعْنَى أَكْثَرُ النَّاسِ شَبَهًا بِإِبْرَاهِيمَ (صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي نَفْسَهُ) : هَذَا مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ مَنْ بَعْدَهُ أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: صَاحِبُكُمْ نَفْسَهُ وَذَاتَهُ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] ثُمَّ رُؤْيَتُهُ إِيَّاهُمْ يُصَلُّونَ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي أَثْنَاءِ الْإِسْرَاءِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ فِي نَفْسِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَهُوَ الْمَعْبَدُ الْأَعْلَى، وَيُؤَيِّدُهُ الْفَاءُ التَّعْقِيبِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: (فَحَانَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ: دَخَلَ وَقْتَهَا، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا صَلَاةُ التَّحِيَّةِ، أَوْ يُرَادُ بِهَا صَلَاةُ الْمِعْرَاجِ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ (فَأَمَمْتُهُمْ) ، أَيْ صِرْتُ لَهُمْ إِمَامًا وَكُنْتُ لَهُمْ إِمَامًا. فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ رَأَى مُوسَى ﵇ يُصَلِّي وَأَمَّ ﷺ الْأَنْبِيَاءَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَوَجَدَهُمْ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ فِي السَّمَاوَاتِ؟ فَالْجَوَابُ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﷺ رَآهُمْ وَصَلَّى بِهِمْ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ صَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَوَجَدَهُمْ فِيهَا، وَأَنْ يَكُونَ اجْتِمَاعُهُمْ وَصَلَاتُهُ مَعَهُمْ بَعْدَ انْصِرَافِهِ وَرُجُوعِهِ عَنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ حَيْثُ لَا يُخَالِفُهُ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ، مَعَ أَنَّ الْأُمُورَ الْخَارِقَةَ لِلْعَادَةِ عَنِ الْكَيْفِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ خَارِجَةٌ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِلسَّيِّدِ عَبْدِ الْقَادِرِ ﵀: إِنَّ قَضِيبَ الْبَانِ مَا يُصَلِّي، فَقَالَ: لَا تَقُولُوا فَإِنَّ رَأْسَهُ دَائِمًا عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ سَاجِدٌ، وَتَشَكُّلَهُ بِصُوَرِهِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُخْتَلِفَةِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ طَبَقَةِ الصُّوفِيَّةِ، فَكَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي قُبُورِهِمْ، وَيَسْتَزِيدُونَ فِي سُرُورِهِمْ بِنُورِهِمْ وَظُهُورِهِمْ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ إِسْرَاءُ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى جِهَةِ السَّمَاءِ اسْتَقْبَلُوهُ، وَاجْتَمَعُوا مَعَهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ الَّذِي هُوَ مَقَرُّ الْأَصْفِيَاءِ، وَاقْتَدَوْا بِالْإِمَامِ الْحَيِّ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ رِجَالِ الطَّيِّ، ثُمَّ تَقَدَّمُوا بِطَرِيقِ الْمُشَايَعَةِ وَآدَابِ الْمُتَابَعَةِ إِلَى السَّمَاوَاتِ، وَتَوَقَّفَ كُلٌّ فِيمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمَقَامَاتِ، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ وَخَصَّ كُلًّا بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَهُمْ أَظْهَرُ، وَالتَّرْحِيبُ وَالتَّعْظِيمُ لَدَيْهِ مَعَ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَحَمَلَةِ الْعَرْشِ وَالْكُرُوبِيِّينَ إِلَى أَنْ تَجَاوَزَ عَنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَانْتَهَى إِلَى مَقَامِ ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى - فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى - مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ٩ - ١١] .

стр. 8168

وَهَذَا غَايَةُ الْقُرْبِ وَنِهَايَةُ الْحُبِّ، ثُمَّ بِمُقْتَضَى الْبَقَاءِ بَعْدَ الْفَنَاءِ، وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجَمْعِ، وَالتَّدَلِّي بَعْدَ التَّرَقِّي، وَالرُّجُوعِ إِلَى الْبِدَايَةِ بَعْدَ الْعُرُوجِ إِلَى النِّهَايَةِ لِلْحِكَمِ الصَّمَدَانِيَّةِ، وَلِلْقِسَمِ الْفَرْدَانِيَّةِ رَجَعَ عَنْ حَالِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالدَّوْلَةِ الْخَاتَمِيَّةِ، وَاجْتَمَعَ بِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ثَانِيًا، وَنَزَلُوا مَعَهُ مُتَقَدِّمِينَ أَوْ مُتَأَخِّرِينَ، وَتَبَايُنًا إِلَى أَنِ اجْتَمَعُوا إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى آخِرًا، وَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ فَآخَرُ. ثُمَّ قَوْلُهُ: (فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ صُعُودِهِ وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَ شُهُودِهِ (قَالَ لِي قَائِلٌ) : هُوَ جِبْرِيلُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ مَلَكٍ جَلِيلٍ (يَا مُحَمَّدُ! هَذَا خَازِنُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ) ، أَيْ تَعْظِيمًا لِجَلَالِ الْمَلِكِ الْقَهَّارِ أَوْ تَوَاضُعًا كَمَا هُوَ دَأْبُ الْأَبْرَارِ، (فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ) ، أَيْ عَلَى قَصْدِ السَّلَامِ عَلَيْهِ (فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ) . أَيْ لِمَا عَرَفَ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَقَامِ وَآدَابِ الْكِرَامِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا بَدَأَ بِالسَّلَامِ لِيُزِيلَ مَا اسْتَشْعَرَهُ مِنَ الْخَوْفِ مِنْهُ، بِخِلَافِ سَلَامِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ابْتِدَاءً كَمَا سَبَقَ. قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ ابْتَدَأَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ تَوَاضُعًا لَهُ وَتَكْرِيمًا لَهُمْ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ قَائِمًا وَهُمْ قُعُودٌ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي آدَمَ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مَارًّا وَهُمْ وُقُوفٌ، وَهُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ، أَوْ لِأَنَّهُ حَيٌّ وَإِنَّهُمْ فِي صُورَةِ الْأَمْوَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالَاتِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . (وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي) أَيْ: فَلَا تَسْتَغْرِبْ مِنْ قَوْلِهِ.

стр. 8169

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٨٦٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَمَّا كَذَّبَنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَّى اللَّهُ لِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٥٨٦٧ - (عَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَمَّا كَذَّبَنِي) أَيْ: نَسَبَنِي إِلَى الْكَذِبِ (قُرَيْشٌ) أَيْ: فِيمَا ذَكَرْتُ مِنْ قَضِيَّةِ الْإِسْرَاءِ، وَطَلَبُوا مِنْ عَلَامَاتِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَا فِي طَرِيقِهِ مِنَ الْإِنْسِ (قُمْتُ فِي الْحِجْرِ) أَيْ: فِي مَوْضِعِ بُدِئَ بِيَ الصُّعُودُ أَوَّلًا لِيَنْجَلِيَ لِيَ الشُّهُودُ ثَانِيًا (فَجَلَّى اللَّهُ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنَ التَّجْلِيَةِ أَيْ: فَأَظْهَرَ (لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ) ، أَيْ: وَطَرِيقَهُ الْأَقْدَسَ (فَطَفِقْتُ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ قَبْلَ الْقَافِ أَيْ: فَشَرَعْتُ (أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ) أَيْ: عَلَامَاتِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَدَلَالَاتِهِ مِمَّا يَكُونُ مِنْ شَوَاهِدِ حَالَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَدَلَائِلِ مُعْجِزَاتِهِ (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ) أَيْ: كَأَنَّ نَظَرِي وَاقِعٌ عَلَيْهِ، وَجَسَدِي حَاضِرٌ لَدَيْهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8170

[بَابٌ فِي الْمُعْجِزَاتِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٨٦٨ - «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ ﵁، قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمِهِ أَبْصَرَنَا، فَقَالَ: (يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟) » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٧] بَابٌ فِي الْمُعْجِزَاتِ الْمُعْجِزَةُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَجْزِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْقُدْرَةِ، وَفِي التَّحْقِيقِ: الْمُعْجِزُ فَاعِلُ الْعَجْزِ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَسُمِّيَتْ دَلَالَاتُ صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَعْلَامِ الرُّسُلِ مُعْجِزَةَ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِمْ بِمِثْلِهَا، وَالْهَاءُ فِيهَا إِمَّا لِلْمُبَالَغَةِ كَعَلَّامَةٍ وَنَسَّابَةٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ كَآيَةٍ وَعَلَامَةٍ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٨٦٨ - (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِّيقَ ﵁ ، بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ فِي أَصَحِّ النُّسَخِ بِنَاءً عَلَى نِهَايَةِ خُصُوصِيَّتِهِ، وَغَايَةِ مَزِيَّتِهِ، لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنَسٍ كَالسَّيِّدِ وَالْغُلَامِ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ الْأُسْتَاذُ، وَإِلَيْهِ الْإِسْنَادُ، مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ التَّرْضِيَةَ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ. وَفِي نُسْخَةٍ ﵄ جَمْعًا بَيْنَهُمَا لِأَدَاءِ حُقُوقِهِمَا،

стр. 8171

وَأَصْلِ اسْتِحْقَاقِهِمَا، (قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا) أَيْ: كَأَنَّهَا فَوْقَ رُءُوسِنَا (وَنَحْنُ) أَيْ: أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فِي الْغَارِ) ، اللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] أَيْ غَارُ ثَوْرٍ لِلِاخْتِفَاءِ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى قَصْدِ الْهِجْرَةِ إِلَى الدَّارِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْغَارُ نَقْبٌ فِي أَعْلَى ثَوْرٍ، وَهُوَ جَبَلٌ بِمِنَى مَكَّةَ عَلَى مَسِيرَةِ سَاعَةٍ أَيْ: سَاعَةٍ نُجُومِيَّةٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِهَا مُدَّةٌ قَلِيلَةٌ. قِيلَ: طَلَعَ الْمُشْرِكُونَ فَوْقَ الْغَارِ فِي طَلَبِ سَيِّدِ الْأَبْرَارِ، فَأَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: إِنْ تُصَبِ الْيَوْمَ ذَهَبَ دِينُ اللَّهِ. وَقَالَ أَيْضًا مِنْ كَمَالِ الِاضْطِرَابِ خَوْفًا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَابِ مَا رَوَاهُ أَنَسٌ عَنْهُ، (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمِهِ) أَيْ: مَوْضِعِهَا (أَبْصَرَنَا) ، أَيْ لِتَقَابُلِنَا (قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] وَنِسْبَةُ الْإِخْرَاجِ إِلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ سَبَبًا لِخُرُوجِهِ بِأَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُ لِحِكْمَةٍ أَرَادَهَا اللَّهُ. رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (اللَّهُمَّ اعْمِ أَبْصَارَهُمْ) فَجَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ حَوْلَ الْغَارِ وَلَا يَفْطُنُونَ قَدْ أَخَذَ اللَّهُ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْهُ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقِصَّةَ بِانْضِمَامِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ قَضِيَّةُ الْحَمَامَةِ وَالْعَنْكَبُوتِ حَيْثُ أَظْهَرَهَا اللَّهُ فِي عُيُونِهِمْ عَلَى بَابِ الْغَارِ تَصِيرُ مُعْجِزَةً، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: اللَّهُ ثَالِثُهُمَا جَاعِلُهُمَا ثَلَاثَةً بِضَمِّ نَفْسِهِ تَعَالَى إِلَيْهِمَا فِي الْمَعِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] ؟ قُلْتُ: بَيْنَهُمَا بَوْنٌ بَعِيدٌ، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: (مَعَكُمَا) نَاصِرُكُمَا وَحَافِظُكُمَا مِنْ مَضَرَّةِ فِرْعَوْنَ وَمَعْنَى قَوْلِ: اللَّهُ ثَالِثُهُمَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَاعِلُهُمَا ثَلَاثَةً، فَيَكُونُ سُبْحَانَهُ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ، وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُشْتَرِكٌ فِيمَا لَهُ، وَعَلَيْهِ مِنَ النُّصْرَةِ وَالْخِذْلَانِ. فَإِنْ قُلْتَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِ: اللَّهُ ثَالِثُهُمَا. وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ثَالِثُهُمَا اللَّهُ؟ قُلْتُ: يُفِيدُ الْأَوَّلُ أَنَّهُمَا مُخْتَصَّانِ بِأَنَّ اللَّهَ ثَالِثُهُمَا، وَلَيْسَ بِثَالِثِ غَيْرِهِمَا، وَفِي عَكْسِهِ يُفِيدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ثَالِثُهُمَا لَا غَيْرُهُ، وَكَمْ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ؟ وَقَالَ أَكْمَلُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: اسْتُشْكِلَ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: ثَالِثُهُمَا إِطْلَاقُ الثَّالِثِ عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ كَلَامٌ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ زَيْغٌ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] إِطْلَاقُ الثَّالِثِ عَلَيْهِ كُفْرٌ، وَكَفَرَ الْقَائِلُونَ بِهِ فَمَا سَبَبُ ذَلِكَ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ إِضَافَةُ الثَّالِثِ إِلَى عَدَدٍ أَنْقَصَ مِنْهُ بِوَاحِدٍ، وَذَلِكَ بِمَعْنَى التَّصْيِيرِ وَهُوَ مَصِيرُ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِي الْآيَةِ إِضَافَتُهُ إِلَى عَدَدٍ مِثْلِهِ وَذَلِكَ بِمَعْنَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ. قُلْتُ: وَكَذَا زَالَ الْإِشْكَالُ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] حَيْثُ لَمْ يَقُلْ ثَالِثُهُمْ وَخَامِسُهُمْ، ثُمَّ رَفَعَ وَهْمُ الْمَعِيَّةِ الْكَائِنَةِ بِالْحُجَّةِ السِّيحَانِيَّةِ وَالْبَيِّنَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ، حَيْثُ عَمَّمَ الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] الْآيَةَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8172

٥٨٦٩ - «وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ! حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَمِنَ الْغَدِ، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ. وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ، فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ، لَهَا ظِلٌّ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهَا الشَّمْسُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا، وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَكَانًا بِيَدَيَّ يَنَامُ عَلَيْهِ، وَبَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً، وَقُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَنْفُضُ مَا حَوْلَكَ، فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ، قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: أَفَتَحْلِبُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَمَعِي إِدَاوَةٌ حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ يَرْتَوَى فِيهَا، يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ، فَأَتَيْتُ الْنَبِيَّ ﷺ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ فَوَافَقْتُهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ مِنَ الْمَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟) قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا مَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [الفاتحة: ٤٠ - ٢٩٦٧٦] فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا فِي جَلَدٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكُمَا دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَجَا، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: كُفِيتُمْ، مَا هَاهُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.» ــ ٥٨٦٩ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ، صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ (عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ! حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ) : مِنْ سَرَى لُغَةٌ فِي أَسْرَى بِمَعْنَى السَّيْرِ فِي اللَّيْلِ أَيْ: حِينَ سَافَرْتَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْغَارِ ( [مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ: أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا) أَيْ: جَمِيعَهَا (وَمِنَ الْغَدِ) ، أَيْ: وَبَعْضِهِ وَهُوَ نِصْفُهُ كَمَا يُفِيدُ قَوْلُهُ: (حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ) ، أَيْ: بَلَغَتِ الشَّمْسُ وَسْطَ السَّمَاءِ، فَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: قَامَتِ الشَّمْسُ وَقْتَ الزَّوَالِ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَامَتْ بِهِ دَابَّتُهُ، أَيْ: وَقَفَتْ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا بَلَغَتْ وَسْطَ السَّمَاءِ أَبْطَأَتْ حَرَكَةَ الظِّلِّ.

стр. 8173

إِلَى أَنْ تَزُولَ، فَيَحْسَبُ النَّاظِرُ أَنَّهَا قَدْ وَقَفَتْ وَهِيَ سَائِرَةٌ، لَكِنْ سَيْرًا لَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ سَرِيعٌ كَمَا يَظْهَرُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ، فَيُقَالُ لِذَلِكَ الْوُقُوفِ الْمُشَاهَدِ: قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ (وَخَلَا الطَّرِيقُ) أَيْ: صَارَ خَالِيًا عَنْ مُرُورِ الْفَرِيقِ (لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ) ، تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ أَوْ بَيَانٌ (فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ) ، أَيْ أُظْهِرَتْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمِنْهُ رَفْعُ الْحَدِيثِ، وَهُوَ إِذَاعَتُهُ وَإِظْهَارُهُ، وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ خَاصٌّ بِمَا أُسْنِدَ إِلَيْهِ ﷺ وَسُمِّيَ الْحَدِيثُ بِهِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ كَمَالُ الرِّفْعَةِ بِسَبَبِهِ أَيْ: لِتِلْكَ الصَّخْرَةِ (ظِلٌّ) أَيْ: عَظِيمٌ مِنْ صِفَتِهِ (إِنَّهُ لَمْ تَأْتِ) : بِالتَّأْنِيثِ وَيُذَكَّرُ أَيْ: لَمْ تَحْكُمْ عَلَيْهِ (الشَّمْسُ) ، أَيْ بِشُعَاعِهَا حِينَئِذٍ (فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا) ، أَيْ عِنْدَ الصَّخْرَةِ (وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَكَانًا بِيَدَيَّ) : بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ إِشْعَارًا بِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ فِي الْخِدْمَةِ (يَنَامُ عَلَيْهِ) ، اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ أَوْ صِفَةٌ لِمَكَانًا (وَبَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً) ، أَيْ: وَفَرَشْتُ عَلَى الْمَكَانِ جِلْدًا بِشَعْرِهِ (وَقُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَنَا أَنْفُضُ مَا حَوْلَكَ) ، بِضَمِّ الْفَاءِ أَيْ: أَتَجَسَّسُ الْأَخْبَارَ، وَأَتَفَحَّصُ عَنِ الْعَدُوِّ، وَأَرَى هَلْ هُنَاكَ مُؤْذٍ مِنْ عَدُوٍّ وَغَيْرِهِ؟ مِنَ النَّفْضِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ النَّظَافَةِ مِنْ نَحْوِ الْغُبَارِ. وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ: أَحْرُسُكَ وَأَطُوفُ هَلْ أَرَى طَلَبًا؟ يُقَالُ: نَفَّضْتُ الْمَكَانَ إِذَا نَظَرْتُ جَمِيعَ مَا فِيهِ، وَالنَّفْضَةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِهَا وَالنَّفِيضَةُ قَوْمٌ يُبْعَثُونَ مُتَجَسِّسِينَ هَلْ يَرَوْنَ عَدُوًّا أَوْ خَوْفًا؟ (فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ) ، بِالْجَرِّ صِفَةُ رَاعٍ، وَمَعْنَاهُ جَاءَ مِنْ قِبَلِنَا وَمِنْ جِهَةِ قُدَّامِنَا. (قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ) ؟ بِضَمِّ اللَّامِ وَيَجُوزُ كَسْرُهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْمَعْنَى أَفَتَحْلُبُهَا لِي؟ (قَالَ: نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ) ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ أَيْ: فِي قَدَحٍ مِنْ خَشَبٍ مُقَعَّرٍ (كُثْبَةً) : بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ فَمُوَحَّدَةٍ أَيْ: قَدْرَ حَلْبَتِهِ (مِنْ لَبَنٍ) ، وَقِيلَ: مِلْءُ الْقَدَحِ مِنَ اللَّبَنِ، فَقَوْلُهُ: مِنْ لَبَنٍ عَلَى قَصْدِ التَّجْرِيدِ أَوْ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ (وَمَعِي إِدَاوَةٌ) : بِكَسْرِ الْهَمْزِ أَيْ: ظَرْفُ مَاءٍ مُطَهِّرَةٍ أَوْ سِقَايَةٍ (حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ: خَاصَّةً أَوْ خَالِصَةً فِي النِّيَّةِ وَقَصْدَ الطَّوِيَّةِ (يَرْتَوِي فِيهَا) ، قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ: رَوِيتُ مِنَ الْمَاءِ بِالْكَسْرِ وَارْتَوَيْتُ وَتَرَوَّيْتُ كُلُّهَا بِمَعْنًى. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: يَرْتَوِي مِنْهَا لَا فِيهَا. قُلْتُ: فِي الْقَامُوسِ: إِنَّ فِي تَأْتِي بِمَعْنَى (مِنْ) ، أَوِ التَّقْدِيرُ يَرْتَوِي مِنَ الْمَاءِ فِيهَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى يَرْتَوِي فِيهَا جَعَلَ الْقَدَحَ آلَةً لِلرِّيِّ وَالسَّقْيِ، وَمِنْهُ الرِّوَايَةُ الْإِبِلُ الَّتِي يَسْتَقِي عَلَيْهَا الْمَاءَ اهـ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي بِمَعْنَى الْبَاءِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ) ، مُسْتَأْنَفَانِ لِلْبَيَانِ، وَالْجُمْلَةُ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَمَعِي إِلَخْ، حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: فَحَلَبَ، وَقَوْلِهِ: (فَأَتَيْتُ الْنَبِيَّ ﷺ ) ، أَيْ بِاللَّبَنِ (فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ) ، أَيْ أُنَبِّهُهُ مِنَ النَّوْمِ لِاسْتِغْرَاقِهِ فِيهِ (فَوَافَقْتُهُ) : بِتَقَدُّمِ الْفَاءِ عَلَى الْقَافِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحِّحَةِ أَيْ: تَأْنِيثٌ بِهِ (حَتَّى اسْتَيْقَظَ) : وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ أَيْ: فَوَافَقْتُهُ فِي النَّوْمِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمَعْنَى فَوَافَقْتُهُ فِي اخْتِيَارِهِ النَّوْمَ، لِأَنَّ الْإِيقَاظَ نَوْعُ مُخَالَفَةٍ لَهُ. قَالَ صَاحِبُ الْخُلَاصَةِ: وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ حِينَ اسْتَيْقَظَ أَيْ: وَافَقَ إِتْيَانِي وَقْتَ اسْتِيقَاظِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، فَوَافَقْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ. وَقَالَ شَارِحٌ: رُوِيَ بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عَلَى الْفَاءِ مِنَ الْوُقُوفِ، وَالْمَعْنَى صَبَرْتُ عَلَيْهِ، وَتَوَقَّفْتُ فِي الْمَجِيءِ إِلَيْهِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ (فَصَبَبْتُ مِنَ الْمَاءِ) أَيْ: بَعْضِهِ (عَلَى اللَّبَنِ) أَيْ: تَبْرِيدًا (حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ) : كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَتِهِ (فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ) أَيْ: طَابَ خَاطِرِي (ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ) ؟ مِنْ أَنَى يَأْنِي إِذَا دَخَلَ وَقْتُ الشَّيْءِ، وَالْمَعْنَى أَلَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الرَّحِيلِ؟ كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ، وَالْأَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى أَلَمْ يَأْتِ وَقْتَ التَّحْوِيلِ لِلرَّحِيلِ؟ وَهُوَ السَّيْرُ الْجَمِيلُ إِلَى مَوْضِعِ النَّخِيلِ، فَيُطَابِقُ قَوْلَهُ

стр. 8174

تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] (قُلْتُ: بَلَى. قَالَ) أَيْ: أَبُو بَكْرٍ (فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا مَالَتِ الشَّمْسُ) أَيْ: مِنْ وَسَطِ السَّمَاءِ، وَحَصَلَ بَرْدُ الْهَوَاءِ (وَاتَّبَعَنَا) : بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَسُكُونِ فَوْقِيَّةٍ أَيْ: وَقَدْ لَحِقَنَا (سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ) : بِضَمِّ السِّينِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ الْكِنَانِيُّ، كَانَ يَنْزِلُ قُدَيْدًا، وَيُعَدُّ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَكَانَ شَاعِرًا مُجِيدًا (فَقُلْتُ: أُتِينَا) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أَتَانَا الْعَدُوُّ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ) أَيْ: سَاخَتْ قَوَائِمُهَا كَمَا تَسُوخُ فِي الرَّمْلِ (إِلَى بَطْنِهَا فِي جَلَدٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: صُلْبٌ مِنَ الْأَرْضِ (فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكُمَا) : بِفَتْحِ الْهَمْزِ مِنَ الرَّأْيِ (دَعَوْتُمَا عَلَيَّ) ، أَيْ بِالْمَضَرَّةِ (فَادْعُوَا لِي) ؟ أَيْ بِالْمَنْفَعَةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الْمَشَقَّةِ (فَاللَّهُ لَكُمَا) : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ. قَالَ شَارِحٌ: هُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ أَيْ: فَاللَّهُ كَفِيلٌ عَلَيَّ لَكُمَا أَنْ لَا أَهُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِغَدْرِكُمَا، أَوْ فَاللَّهُ مُسْتَجِيبٌ وَالْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: (أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ) ، مُتَعَلِّقٌ بِادْعُوَا أَيْ: لِأَنْ أَرُدَّ أَوْ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ: أَسْأَلُ اللَّهَ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّالِبَ أَيْ: طَلَبَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ طَلَبُوكُمَا. وَقَالَ الْأَشْرَفُ: الْجَارُّ مَحْذُوفٌ. وَتَقْدِيرُهُ: بِأَنْ أَرُدَّ. وَقَوْلُهُ: فَاللَّهُ لَكُمَا حَشْوٌ بَيْنَهُمَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: فَاللَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَلَكُمَا خَبَرُهُ، وَقَوْلُهُ: أَنْ أَرُدَّ خَبَرٌ ثَانٍ لِلْمُبْتَدَأِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَاهُ فَادْعُوَا لِي كَيْ لَا يَرْتَطِمَ فَرَسِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ طَلَبَكُمَا وَلَا أَتْبَعْكُمَا بَعْدُ، ثُمَّ دَعَا لَهُمَا بِقَوْلِهِ: فَاللَّهُ لَكُمَا أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى حَافِظُكُمَا وَنَاصِرُكُمَا حَتَّى تَبْلُغَا بِالسَّلَامَةِ إِلَى مَقْصِدِكُمَا، أَيْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ادْعُوَا لِي حَتَّى أَنْصَرِفَ عَنْكُمَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِكُمَا عَنِّي وَحَبَسَنِي عَنِ الْبُلُوغِ إِلَيْكُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي (فَاللَّهُ) تَقْتَضِي مَا يَتَرَتَّبُ بَعْدَهَا عَلَيْهِ، فَالتَّقْدِيرُ ادْعُوَا لِي بِأَنْ أَتَخَلَّصَ مِمَّا أَنَا فِيهِ، فَإِنَّكُمَا إِنْ فَعَلْتُمَا فَاللَّهُ أَشْهَدُ لِأَجْلِكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّقْدِيرَ مَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَاللَّهِ عَلَى الْقَسَمِ أَيْ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَكُمَا عَلَى أَنْ أَرُدَّ الطَّلَبَ عَنْكُمَا. (فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَجَا) ، أَيْ: فَتَخَلَّصَ مِنَ الْعَنَاءِ كَمَا رَجَا (فَجَعَلَ) أَيْ: فَشَرَعَ فِي الْوَفَاءِ بِمَا وَعَدَ (لَا يَلْقَى أَحَدًا) أَيْ: مِنْ وَرَائِهِمَا (إِلَّا قَالَ: كُفِيتُمْ) ، بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ: لَقَدْ كُفِيتُمْ أَيْ، اسْتَغْنَيْتُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْجَانِبِ، لِأَنِّي كَفَيْتُكُمْ ذَلِكَ (مَا هَاهُنَا) أَيْ: لَيْسَ هَاهُنَا (أَحَدٌ) : فَمَا: نَافِيَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، مَا هَاهُنَا بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ كُفِيتُمُ الَّذِي هَاهُنَا اهـ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَهُوَ أَوْلَى لِمَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ التَّأْكِيدُ كَمَا لَا يَخْفَى، كَقَوْلِهِ: (فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ) . أَيْ بِهَذَا الْمَعْنَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَوَائِدُ: مِنْهَا هَذِهِ الْمُعْجِزَةُ الظَّاهِرَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْفَضِيلَةُ الْبَاهِرَةُ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ مِنْ وُجُوهٍ، وَفِيهِ خِدْمَةُ التَّابِعِ لِلْمَتْبُوعِ، وَاسْتِصْحَابُ الرِّكْوَةِ وَنَحْوِهَا فِي السَّفَرِ لِلطَّهَارَةِ وَالشُّرْبِ، وَفِيهِ فَضْلُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحُسْنُ عَاقِبَتِهِ.

стр. 8175

٥٨٧٠ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدَ، إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: (أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ آنِفًا ; أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزْعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ) . قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا إِسْلَامِي مِنْ قَبْلِ أَنْ تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونَنِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَالَ: (أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ؟) قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا فَقَالَ: (أَرَأَيْتَ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟) قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، فَانْتَقَصُوهُ، قَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ!» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٨٧٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) : بِتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَهُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، وَمِنْ أَوْلَادِ يُوسُفَ ﵇، وَكَانَ أَوَّلًا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَأَعْلَمِهِمْ بِالتَّوْرَاةِ، (فَعَلِمَ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالدَّالِ أَيْ: بِقُدُومِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ (وَهُوَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ ابْنَ سَلَامٍ (فِي أَرْضٍ) أَيْ: فِي بُسْتَانٍ (يَخْتَرِفُ) أَيْ: يَجْتَنِي مِنَ الْفَوَاكِهِ (فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ) أَيْ: فَجَاءَهُ (فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ) أَيْ: ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ) أَيْ: أَوْ مَنْ يَأْخُذُ مِنْهُ أَوْ مِنْ كِتَابِهِ لِئَلَّا يُشْكِلَ بِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَعْلَمُهَا إِمَّا مُجْمَلًا أَوْ مُفَصَّلًا، وَلِهَذَا صَارَ جَوَابُهَا مُعْجِزَةً لَهُ، وَعِلْمَ يَقِينٍ بِنُبُوَّتِهِ عِنْدَهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إِيرَادِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَحَقَّقَ عِنْدَهُ.

стр. 8176

مُعْجِزَاتٌ أُخَرُ مُنْضَمَّةٌ إِلَى هَذَا الْجَوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ) ، أَيْ عَلَامَاتِهَا (وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ) : بِكَسْرِ الزَّايِ يُقَالُ: نَزَعَ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ إِذَا أَشْبَهَهُ ذِكْرُهُ. فِي الْغَرِيبَيْنِ: فَالْمَعْنَى وَمَا يُشْبِهُهُ (الْوَلَدَ) : بِالنَّصْبِ (إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ) ؟ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ قَوْمُهَا، أَوْ أَصْلُ الشَّبَهِ، أَوِ الْحُكْمُ غَالِبِيٌّ عَادِيٌّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِ الْوَلَدِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ مَا قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَا سَبَبُ نُزُوعِ الْوَلَدِ وَمَيْلِهِ إِلَى أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ ; فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَنِ الْمَصْدَرِيَّةَ مِنَ الْمُضَارِعِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: أَحْضَرَ الْوَغَى اهـ. وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَ شَارِحٌ مَعْنَاهُ أَيُّ شَيْءٍ يَجْذِبُ الْوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ فِي الشَّبَهِ؟ (قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ) : قَالَهُ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ (آنِفًا) ، بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ أَيْ: هَذِهِ السَّاعَةُ (أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ) أَيْ: تَجْمَعُهُمْ (مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ) أَيِ: الْمُسَمَّى بِنُزُلًا الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَا حَضَرَ وَهُوَ مُقَدِّمَةُ بَقِيَّةِ النَّعْمَةِ (فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ) أَيْ: طَرَفُهَا، وَهِيَ أَطْيَبُ مَا يَكُونُ مِنَ الْكَبِدِ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ الْحُوتُ الَّذِي عَلَى ظَهْرِهِ الْأَرْضُ، وَإِذَا جَعَلَ الْأَرْضَ طُعْمَةً لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، فَالْحُوتُ كَالْإِدَامِ لَهُمْ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ هَذِهِ الطُّعْمَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ (وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ) أَيْ: عَلَا وَغَلَبَ (مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ) ، بِالنَّصْبِ أَيْ جَذَبَ الرَّجُلُ مَاؤُهُ الْوَلَدَ إِلَى شَبَهِهِ وَيُرْفَعُ، (وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ) ، أَيْ جَذَبَتِ الْمَرْأَةُ (الْوَلَدَ) . وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِ الْوَلَدِ وَإِلَيْهِ يُنْظَرُ مَا قَالَهُ الْمُظْهِرُ، يَعْنِي: إِذَا غَلَبَ مَاءُ الرَّجُلِ أَشْبَهَهُ الْوَلَدُ، وَإِذَا غَلَبَ مَاءُ الْمَرْأَةِ أَشْبَهَهَا الْوَلَدُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا التَّأْنِيثِ فِي نَزَعَتْ بِتَأْوِيلِ السِّمَةِ. وَقَالَ شَارِحٌ قَوْلُهُ: نَزَعَتْ أَيْ: جَذَبَتِ الْمَرْأَةُ بِالْوَلَدِ إِلَى مُشَابَهَتِهَا بِسَبَبِ غَلَبَةِ مَائِهَا، أَوْ جَذَبَتْ مَاءَهَا فَأُكْسِبَ التَّأْنِيثُ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ اهـ. وَأَمَّا نِسْبَةُ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ فَبِاعْتِبَارِ مُسَابَقَةِ مَاءِ الرَّجُلِ وَعَكْسِهِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ. (قَالَ) أَيِ: ابْنُ سَلَامٍ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ) . ثُمَّ اسْتَأْنَفَ (وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ) ، بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ جَمْعُ بَهُوتٍ مِنْ بِنَاءِ الْمُبَالِغَةِ فِي الْبُهْتَانِ كَصَبُورٍ وَصُبُرٍ ثُمَّ سُكِّنَ تَخْفِيفًا (وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي مِنْ قَبْلِ أَنْ تَسْأَلَهُمْ) أَيْ: عَنِّي (يَبْهَتُونِّي) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيُخَفَّفُ أَيْ: يَبْهَتُونَنِي كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ أَيْ: يَنْسِبُونِي إِلَى الْبُهْتَانِ، وَيَجْعَلُونِي مَبْهُوتًا حَيْرَانَ وَلَمْ يَكُنْ إِسْلَامِي عَلَيْهِمْ حُجَّةً وَاضِحَةَ الْبُرْهَانِ، (فَجَاءَتِ الْيَهُودُ) أَيْ: بِإِحْضَارِهِمْ أَوِ اتِّفَاقًا فِي مَأْتَاهُمْ، وَابْنُ سَلَامٍ فِي اخْتِفَاءٍ عَنْهُمْ. (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ : (أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ) ؟ أَيْ فِيمَا بَيْنَكُمْ أَوْ فِي زَعْمِكُمْ وَمُعْتَقَدِكُمْ، (قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا) ، أَيْ فِي الْحَسَبِ مِنَ الْحِلْمِ وَالصَّلَاحِ (وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا) ، أَيْ فِي النَّسَبِ، أَوْ فِي سَائِرِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. (قَالَ: أَرَأَيْتُمْ) أَيْ: أَخْبَرُونِي (إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ) ؟ أَيْ: فَهَلْ تُسْلِمُونَ (قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ) . أَيْ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُتَصَوَّرَ هَذَا مِنْهُ. (فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: شَرُّنَا) أَيْ: هُوَ شَرُّنَا (وَابْنُ شَرِّنَا، فَانْتَقَصُوهُ) ، مِنَ النَّقْصِ وَهُوَ الْعَيْبُ (قَالَ: هَذَا) أَيْ: هَذَا الِانْتِقَاصُ (هُوَ الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ) أَيْ: أَحْذَرُهُ وَحَمَلْتُكَ عَلَى سُؤَالِهِمْ تَصْدِيقًا لِحَالِهِمْ، وَشَهَادَةً عَلَى مَقَالِهِمْ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8177

٥٨٧١ - وَعَنْهُ، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَنَا إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا. قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ) وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٨٧١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ ﵁ (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَاوَرَ) أَيْ: أَهْلَ الْمَدِينَةِ لِلِامْتِحَانِ (حِينَ بَلَغَنَا إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ) ، أَيْ بِالْعِيرِ مِنَ الشَّامِ إِلَى مَكَّةَ (وَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) ، أَيْ: وَقَدْ قَامَ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ رَئِيسُ الْأَنْصَارِ وَقَالَ مَا قَالَ مِمَّا سَيَأْتِي وَإِنَّمَا خُصَّ بِالْقِيَامِ، لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِشَارَةِ اخْتِبَارُ الْأَنْصَارِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَايَعَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ لِلْقِتَالِ وَطَلَبِ الْعَدُوِّ، وَإِنَّمَا بَايَعَهُمْ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ قَصْدِهِ، فَلَمَّا عَرَضَ لَهُ الْخُرُوجُ لِعِيرِ أَبِي سُفْيَانَ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَهُ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا. فَأَجَابُوا أَحْسَنَ جَوَابٍ بِالْمُوَافَقَةِ التَّامَّةِ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ، وَفِي غَيْرِهَا، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى اسْتِشَارَةِ الْأَصْحَابِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ وَالْخِبْرَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّامِ فِيهَا تِجَارَاتٌ عَظِيمَةٌ، وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ رَاكِبًا مِنْهُمْ أَبُو سُفْيَانَ، فَأَعْجَبَ الْمُسْلِمِينَ تَلَقِّي الْعِيرِ لِكَثْرَةِ الْخَيْرِ وَقِلَّةِ الْقَوْمِ، فَلَمَّا خَرَجُوا بَلَغَ مَكَّةَ خَبَرُ خُرُوجِهِمْ، فَنَادَى أَبُو جَهْلٍ فَوْقَ الْكَعْبَةِ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ النَّجَاءَ، فَخَرَجَ أَبُو جَهْلٍ بِجَمِيعِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْعِيرَ أَخَذَتْ طَرِيقَ السَّاحِلِ وَنَجَتْ، فَارْجِعْ إِلَى مَكَّةَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ! فَمَضَى بِهِمْ إِلَى بَدْرٍ، وَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْعِيرَ قَدْ مَضَتْ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، وَهَذَا أَبُو جَهْلٍ قَدْ أَقْبَلَ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا) : بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ نُدْخِلَ الدَّوَابَّ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، وَدَلَالَةِ الْمَرَامِ (الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا) ، قَالَ الْقَاضِي: الْإِخَاضَةُ الْإِدْخَالُ فِي الْمَاءِ، وَالْكِنَايَةُ لِلْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهَا بِقَرِينَةِ الْحَالِ، (وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا) : قَالَ الْقَاضِي: ضَرْبُ الْأَكْبَادِ عِبَارَةٌ عَنْ تَكْلِيفِ الدَّابَّةِ لِلسَّيْرِ بِأَبْلَغِ مِمَّا يُمْكِنُ، فَالْمَعْنَى لَوْ أَمَرْتَنَا بِالسَّيْرِ الْبَلِيغِ وَالسَّفَرِ السَّرِيعِ (إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ) أَيْ: مَثَلًا مِنَ الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَيُكْسَرَانِ. قَالَ شَارِحٌ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ كَسْرَ الْغَيْنِ وَكَسْرَ الْبَاءِ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَرِوَايَاتِ الْمُحَدِّثِينَ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ: صَوَابُهُ كَسْرُ الْبَاءِ، وَكَذَا قَيَّدَ شُيُوخُ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي الْبُخَارِيِّ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّاءَ سَاكِنَةٌ إِلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنِ الْأَصِيلِيِّ بِإِسْكَانِهَا وَفَتْحِهَا، وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، وَالْغِمَادِ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى ضَمِّهَا وَاللُّغَةُ عَلَى كَسْرِهَا. قُلْتُ: رِوَايَةُ الْمُحَدِّثِينَ أَرْجَحُ وَلِلِاعْتِمَادِ أَصَحُّ. قَالَ: وَهُوَ مَوْضِعٌ بِأَقْصَى هَجَرَ، وَاخْتَارَ غَيْرُهُ أَنَّهُ مَوْضِعٌ مِنْ وَرَاءِ مَكَّةَ بِخَمْسِ لَيَالٍ بِنَاحِيَةِ السَّاحِلِ، وَقِيلَ: بَلَدٌ مِنَ الْيَمَنِ ثُمَّ قَوْلُهُ: (لَفَعَلْنَا) . جَوَابُ (لَوْ) وَلَعَلَّ وَجْهَ الْعُدُولِ عَنْ (ضَرَبْنَا أَكْبَادَهَا إِلَيْهِ) لِلْإِيجَازِ أَوْ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ صَعْبٍ كَالسَّيْرِ فِي بَحْرٍ، وَالسَّفَرِ فِي بَرٍّ لَوْ أَمَرْتَنَا بِفِعْلِهِ لَفَعَلْنَا. (قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ (فَنَدَبَ) أَيْ: فَدَعَا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ) ، أَيِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا هُمُ النَّاسُ (فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا) ، وَهُوَ مَشْهَدٌ مَعْرُوفٌ وَيَأْتِي بَيَانُهُ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: لِأَصْحَابِهِ (هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٌ) . أَيْ مَقْتَلُ فُلَانٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَهَذَا مَهْلِكُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَطْرَحُ فُلَانٍ، حَتَّى عَدَّ سَبْعِينَ مِنْهُمْ، (وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ هَاهُنَا وَهَاهُنَا) . إِشَارَةً إِلَى خُصُوصِ تِلْكَ الْقِطَعِ مِنَ الْأَرْضِ لِزِيَادَةِ تَوْضِيحِ الْمُعْجِزَةِ (قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ (فَمَا مَاطَ) أَيْ: مَا زَالَ وَبَعُدَ وَتَجَاوَزَ (أَحَدُهُمْ) أَيْ: مِنَ الْكُفَّارِ (عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8178

٥٨٧٢ - «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ الْنَبِيَّ ﷺ قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ: (اللَّهُمَّ أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ) فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٨٧٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ (فِي قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ) : الْحَدِيثُ مِنْ جُمْلَةِ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مَا حَضَرَ بَدْرًا، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَمَقُولِهِ.

стр. 8179

وَهُوَ قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ أَنْشُدُكَ) : بِضَمِّ الشِّينِ أَيْ أَطْلُبُكَ وَأَسْأَلُكَ (عَهْدَكَ) أَيْ: أَمَانَتَكَ (وَوَعْدَكَ) ، أَيْ: إِنْجَازَهُ (اللَّهُمَّ إِنْ تَشَأْ) أَيْ: عَدَمَ الْعِبَادَةِ، أَوْ عَدَمَ الْإِسْلَامِ، أَوْ هَلَاكَ الْمُؤْمِنِينَ (لَا تُعْبَدْ) : بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ (بَعْدَ الْيَوْمِ) : لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، مَعَ أَنَّهُ لَا خُلْفَ فِي وَعْدِهِ، بَلْ وَلَا فِي وَعِيدِهِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْخُلْفُ! فِي خَبَرِهِ، فَالْخَوْفُ إِنَّمَا هُوَ لِاحْتِمَالِ اسْتِثْنَاءٍ مُقَدَّرٍ، أَوْ قَيْدٍ مُقَرَّرٍ، أَوْ وَقْتٍ مُحَرَّرٍ، وَهَذَا مُجْمَلُ الْمَرَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. وَأَمَّا تَفْصِيلُ الْكَلَامِ؟ فَقَدْ قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ، يُقَالُ: نَشَدْتُ فُلَانًا أَنْشُدُهُ نَشْدًا إِذَا قُلْتَ لَهُ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ، أَيْ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعِ السُّؤَالِ، وَالْعَهْدُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْأَمَانِ، يُرِيدُ أَسْأَلُكَ أَمَانَكَ وَإِنْجَازَ وَعْدِكَ الَّذِي وَعَدْتَنِيهِ بِالنَّصْرِ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْلَمَ النَّاسِ بِاللَّهِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَكُنْ لِيَعِدَهُ وَعْدًا فَيُخْلِفَهُ، فَمَا وَجْهُ هَذَا السُّؤَالِ؟ قُلْنَا: الْأَصْلُ الَّذِي لَا يُفَارِقُ هَذَا الْحُكْمَ، هُوَ أَنَّ الدُّعَاءَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ عَلِمَ الدَّاعِي حُصُولَ الْمَطْلُوبِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. ثُمَّ إِنَّ الْعِلْمَ بِاللَّهِ يَقْتَضِي الْخَشْيَةَ مِنْهُ، وَلَا تُرْفَعُ الْخَشْيَةُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ بِمَا أُوتُوا وَوُعِدُوا مِنْ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ ; فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَوْفُهُ مِنْ مَانِعٍ يَنْشَأُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أُمَّتِهِ، فَيُحْبَسُ عَنْهُمُ النَّصْرُ الْمَوْعُودُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ وُعِدَ بِالنَّصْرِ وَلَمْ يُعَيَّنْ لَهُ الْوَقْتُ، وَكَانَ عَلَى وَجَلٍ مِنْ تَأَخُّرِ الْوَقْتِ فَتَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِيُنْجِزَ لَهُ الْوَعْدَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا أَظْهَرَ مِنَ الضَّرَاعَةِ فَقِيلَ: الْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ مُبَالَغَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي السُّؤَالِ مَعَ عَظِيمِ ثِقَتِهِ بِرَبِّهِ وَكَمَالِ عِلْمِهِ، كَانَ بِهِ تَشْجِيعٌ لِلصَّحَابَةِ وَتَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ دُعَاءَهُ لَا مَحَالَةَ مُسْتَجَابٌ، لَا سِيَّمَا إِذَا بَالَغَ فِيهِ. قُلْتُ: وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمُحَارَبَةِ، أَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمُقَاتَلَةِ ; فَيَنْبَغِي لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَدْعُوَ بِالنُّصْرَةِ لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ الْمُشَارِكَةِ، فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا رَأَى أَصْحَابَهُ أَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا إِلَى الْخَلْقِ رَجَعَ بِنَفْسِهِ إِلَى الذَّاتِ الْمُطْلَقِ وَرَاجَعَ رَبَّهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْوَعْدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] وَلَعَلَّهُ ﷺ اسْتَحْضَرَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ (فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: حَسْبُكَ) أَيْ: يَكْفِيكَ مَا دَعَوْتَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ) ، أَيْ بَالَغْتَ فِي السُّؤَالِ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِلْحَالِ (فَخَرَجَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (مِنْ قُبَّتِهِ وَهُوَ يَثِبُ) : بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ الْمُخَفَّفَةِ قَبْلَ الْمُوَحَّدَةِ مِنَ الْوُثُوبِ أَيْ: يُسْرِعُ فَرَحًا وَنَشَاطًا (فِي الدِّرْعِ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ فِي دِرْعِهِ لِلْمُحَافَظَةِ وَعَلَى نِيَّةِ الْمُقَاتَلَةِ (وَهُوَ يَقُولُ) أَيْ: يَقْرَأُ مَا نَزَلْ عَلَيْهِ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥] أَيْ: جَمْعُ الْكُفَّارِ (وَيُوَلُّونَ) أَيْ: وَيُدْبِرُونَ (الدُّبُرَ) : بِضَمَّتَيْنِ أَيِ: الظَّهْرُ. وَقَالَ شَارِحٌ: بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِهَا، ثُمَّ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ تَأْكِيدٌ لِلْأُولَى، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْهَزِيمَةُ كِنَايَةً عَنِ الْمَغْلُوبِيَّةِ، وَالْمَعْنَى: سَيُغْلَبُ الْجَمْعُ بَلِ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى مُرَاعَاةً لِلتَّأْسِيسِ كَمَا لَا يَخْفَى. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا النَّسَائِيُّ.

стр. 8180

٥٨٧٣ - وَعَنْهُ، «أَنَّ الْنَبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: (هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٨٧٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ الْنَبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: بَدْرٌ مَاءٌ مَعْرُوفٌ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هُوَ بِئْرٌ كَانَتْ لِرَجُلٍ يُسَمَّى بَدْرًا، وَكَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ. (هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى جِبْرِيلَ (أَدَاةُ الْحَرْبِ) . أَيْ آلَتُهُ، وَلَعَلَّهُ ﷺ أَظْهَرَهُ لِأَنَسٍ حَتَّى أَبْصَرَهُ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ هَذَا، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَوْضُوعٌ لِلْمَحْسُوسِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ وَجْهُ إِيرَادِ الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْمُعْجِزَاتِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8181

٥٨٧٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي إِثْرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتُ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ. إِذْ نَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ خَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ) فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٨٧٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ (قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ) أَيْ: أَنْصَارِيٌّ (مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ) أَيْ: يُسْرِعُ وَيَعْدُو (فِي إِثْرِ رَجُلٍ) : بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا أَيْ: فِي عَقِبِ رَجُلٍ (مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ) ، أَيْ: وَاقِعٌ قُدَّامَهُ (إِذْ سَمِعَ) أَيِ: الْمُسْلِمُ، فَالْحَدِيثُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُهُ (ضَرْبَةً) أَيْ: صَوْتَ ضَرْبَةٍ (بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ) ، أَيْ فَوْقَ الْمُشْرِكِ (وَصَوْتُ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ بِمَعْنَى أَعْزِمْ (حَيْزُومُ) . أَيْ: يَا حَيْزُومُ، وَهُوَ اسْمُ فَرَسِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهِمَا بِمَعْنَى تَقَدَّمَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ وَبِكَسْرِ الدَّالِ مِنَ الْإِقْدَامِ. قَالُوا: هِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ لِلْفَرَسِ. أَقُولُ: فَكَأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْإِقْدَامِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَهْمُ الْكَلَامِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَرَسِ الْمَلَكِ، فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَوْ عَلَى خَرْقِ الْعَادَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ النِّدَاءُ بِاسْمِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ بِضَمِّ الدَّالِ وَبِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَضْمُومَةٍ مِنَ التَّقَدُّمِ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُهَا. وَحَيْزُومُ: اسْمُ فَرَسِ الْمَلَكِ، وَهُوَ مُنَادَى بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ وَقَالَ شَارِحٌ: سُمِّيَ بِأَقْوَى مَا يَكُونُ مِنَ الْأَعْضَاءِ مِنْهُ، وَشَدَّ مَا يَسْتَظْهِرُ بِهِ الْفَارِسُ فِي رُكُوبِهِ مِنْهُ، وَهُوَ وَسَطُ الصَّدْرِ، وَمَا يُضَمُّ عَلَيْهِ الْحِزَامُ. قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فَيْعُولُ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ مَادَّةِ الْحَزْمِ وَهُوَ شِدَّةُ الِاحْتِيَاطِ فِي الْأَمْرِ. (إِذْ نَظَرَ) أَيِ: الْمُسْلِمُ (إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ خَرَّ مُسْتَلْقِيًا) ، أَيْ سَقَطَ عَلَى قَفَاهُ (فَإِذَا هُوَ) أَيِ: الْمُشْرِكُ (قَدْ خُطِمَ) : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْخَطْمِ، وَهُوَ الْأَثَرُ عَلَى الْأَنْفِ، فَقَوْلُهُ: (أَنْفُهُ) ، لِلتَّأْكِيدِ أَوْ إِيمَاءً إِلَى التَّجْرِيدِ، وَقَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ أَيْ: كُسِرَ فَهُوَ أَثَرُهُ اهـ. وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ رِوَايَةَ الْمَصَابِيحِ بِالْحَاءِ بِالْمُهْمَلَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ جُرِحَ أَنْفُهُ (وَشُقَّ وَجْهُهُ) أَيْ: قُطِعَ، طُولًا (كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ) ، بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: صَارَ مَوْضِعُ الضَّرْبِ كُلُّهُ أَخْضَرَ أَوْ أَسْوَدَ، فَإِنَّ الْخُضْرَةَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى السَّوَادِ كَعَكْسِهِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَمِنْ قَبِيلِ الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] (فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: صَدَقْتَ) ، فِيهِ أَنَّ هَذَا الْكَشْفَ كَرَامَةٌ لِلصَّحَابِيِّ، وَكَرَامَةُ الِاتِّبَاعِ بِمَنْزِلَةِ مُعْجِزَةِ الْمَتْبُوعِ، لَا سِيَّمَا وَوُقُوعُهُ فِي حَضْرَتِهِ وَحُصُولِهِ لِأَجْلِ بَرَكَتِهِ، أَوْ يُقَالُ: أَخْبَرَ الصَّحَابِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ بِنَقْلٍ صَحِيحٍ عَمَّا يَدُلُّ عَلَى نُزُولِ الْمَلَكِ لِلْمُعَاوَنَةِ، وَقَدْ صَدَّقَهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ فَيُصْبِحُ عَدُّهُ مِنَ الْمُعْجِزَةِ ثُمَّ فِي قَوْلِهِ: (ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ) . تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمَدَدَ كَانَ مِنَ السَّمَاوَاتِ كُلِّهَا، وَهَذَا مِنَ الثَّالِثَةِ خَاصَّةً، فَالْإِشَارَةُ إِلَى الْمَلَكِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَا بَعْدَهُ. وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ أَعْرَبَ وَقَالَ: ذَلِكَ مَفْعُولُ صَدَقْتَ. وَقَالَ: إِشَارَةٌ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنْ قَوْلِهِ: جَمْعُ ضَرْبَةٍ إِلَخْ. (فَقَتَلُوا) أَيِ: الْمُسْلِمُونَ (يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ) ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ فِيهِمَا فَضَمِيرُهُمَا رَاجِعٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8182

٥٨٧٥ - «وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، يُقَاتِلَانِ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ يَعْنِي جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٧٥ - ( «وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ» ) ، الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى جَانِبٍ مِنْهُ، وَإِلَّا لَكَانُوا أَرْبَعَةً (عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، يُقَاتِلَانِ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ) : الْكَافُ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ كَوْنِهِ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ قِتَالًا مِثْلَ أَشَدِّ قِتَالِ رِجَالِ الْإِنْسِ (مَا رَأَيْتُهُمَا قَبِلُ وَلَا بَعْدُ) ، أَيْ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُمَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَقَوْلُهُ: (يَعْنِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ) . مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي أَدْرَجَهُ بَيَانًا، وَلَعَلَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ دَلِيلٍ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8183

٥٨٧٦ - وَعَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ رَهْطًا إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا وَهُوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ: فَوَضَعْتُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ، حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي فَوَقَعْتُ، فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَانْكَسَرَتْ سَاقِي، فَعَصَبَتُهَا بِعِمَامَةٍ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: (ابْسُطْ رِجْلَكَ) . فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا، فَكَأَنَّمَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٨٧٦ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا) : قَالَ شَارِحٌ: الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشْرَةِ مِنَ الرِّجَالِ لَيْسَتْ فِيهِمُ امْرَأَةٌ. وَفِي الْقَامُوسِ: الرَّهْطُ وَيُحَرَّكُ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ إِلَى عِشْرَةٍ، أَوْ مَا دُونَ الْعَشْرَةِ، أَوْ مَا فِيهِمُ امْرَأَةٌ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ. (إِلَى أَبِي رَافِعٍ) ، قَالَ الْقَاضِي: كُنْيَتُهُ أَبُو الْحُقَيْقِ الْيَهُودِيُّ أَعْدَى عَدُوِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبَذَ عَهْدَهُ وَتَعَرَّضَ لَهُ بِالْهِجَاءِ، وَتَحَصَّنَ عَنْهُ بِحِصْنٍ كَانَ لَهُ، فَبَعَثَهُمْ إِلَيْهِمْ لِيَقْتُلُوهُ، (فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (بَيْتَهُ لَيْلًا وَهُوَ نَائِمٌ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ) أَيْ: فِي صِفَةِ قَتْلِهِ (فَوَضَعْتُ السَّيْفُ فِي بَطْنِهِ، حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: عَدَّاهُ بِفِي لِيَدُلَّ عَلَى شِدَّةِ التَّمَكُّنِ، وَأَخَذَ مِنْهُ كُلَّ مَأْخَذٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ (فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ) ، وَلَعَلَّهُ بَعْدَ فَتْحِهَا أَوَّلًا رَدَّهَا حِفْظًا لِمَا رَوَاهُ، أَوْ طَلَعَ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، (حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي) أَيْ: عَلَى ظَنِّ أَنِّي وَصَلْتُ الْأَرْضَ (فَوَقَعْتُ) ، أَيْ سَقَطْتُ مِنَ الدَّرَجَةِ (فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ) ، بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ أَيْ: مُضِيئَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي كَانَ سَبَبَ وُقُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ أَنَّ ضَوْءَ الْقَمَرِ وَقَعَ فِي الدَّرَجِ، وَدَخَلَ فِيهِ فَحَسِبَ أَنَّ الدَّرَجَ مُسَاوٍ لِلْأَرْضِ فَوَقَعَ مِنْهُ عَلَى الْأَرْضِ (فَانْكَسَرَتْ سَاقِي، فَعَصَبْتُهَا) : بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَيُشَدَّدُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ أَيْ: شَدَدْتُهَا (بِعِمَامَةٍ) ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ (فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي) ، أَيْ مِنَ الرَّهْطِ الْوَاقِفِينَ أَسْفَلَ الْقَلْعَةِ (فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ: مَعَ أَصْحَابِي (فَحَدَّثْتُهُ) ، أَيْ بِمَا جَرَى لِي وَعَلَيَّ (فَقَالَ ابْسُطْ رِجْلَكَ) ، أَيْ مُدَّهَا (فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا، فَكَأَنَّمَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ) . أَيْ كَأَنَّهَا لَمْ تَتَوَجَّعْ أَبَدًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8184

٥٨٧٧ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاءُوا الْنَبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ. فَقَالَ: (أَنَا نَازِلٌ) . ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ. وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِعْوَلَ، فَضَرَبَ فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ، فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ خَمْصًا. شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ، حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَارَرْتُهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ، فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنْ جَابِرًا صَنَعَ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ) . وَجَاءَ، فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينًا. فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: (ادْعُ خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهَا) . وَهُمْ أَلْفٌ، فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٧٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: إِنَّا) أَيْ: نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَصْحَابِ (كُنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ) ، أَيِ: الْأَرْضَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْأَعْدَاءِ (فَعَرَضَتْ) أَيْ: ظَهَرَتْ فِي عَرْضِ الْأَرْضِ مُعَارِضًا لِمَقْصَدِنَا (كُدْيَةٌ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ أَيْ: قِطْعَةٌ (شَدِيدَةٌ) ، أَيْ صُلْبَةٌ لَا يَعْمَلُ فِيهَا الْفَأْسُ (فَجَاءُوا الْنَبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ فَقَالَ: أَنَا نَازِلٌ) . أَيْ فِي الْخَنْدَقِ (ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ) أَيْ: مَرْبُوطٌ (بِحَجَرٍ) أَيْ: مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ (وَلَبِثَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا) ، بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ مَأْكُولًا وَمَشْرُوبًا، وَهُوَ فَعَالٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنَ الذَّوْقِ يَقَعُ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَالِاسْمُ وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِبَيَانِ سَبَبِ رَبْطِ الْحَجَرِ، (فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِعْوَلَ) ، بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ بِالْفَارِسِيِّ كَلْنَدْ قَالَهُ شَارِحٌ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْمِعْوَلُ كَمِنْبَرٍ الْحَدِيدَةُ يُنْقَرُ بِهَا الْجِبَالُ (فَضَرَبَ فَعَادَ) أَيِ: انْقَلَبَ الْحَجَرُ وَصَارَ (كَثِيبًا) أَيْ: رَمْلًا (أَهْيَلَ) ، أَيْ سَائِلًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] قَالَ الْقَاضِي: وَالْمَعْنَى أَنَّ الْكُدْيَةَ الَّتِي عَجَزُوا عَنْ رَضِّهَا صَارَتْ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ ضَرَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُتَلٌ مِنَ الرَّمْلِ مَصْبُوبٍ سَيَّالٍ، (فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي) أَيِ: انْقَلَبْتُ وَانْصَرَفْتُ إِلَى بَيْتِهَا (فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ) ؟ أَيْ مِنَ الْمَأْكُولِ (فَإِنِّي رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ خَمْصًا) : بِفَتْحَتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي، وَسَكَتَ عَنْهُ الطِّيبِيُّ أَيْ: جُوعًا، وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْبَطْنَ يَضْمُرُ بِهِ، وَفِي الْمَشَارِقِ لِعِيَاضٍ: رَأَيْتُ بِهِ خَمَصًا بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ ضُمُورًا فِي بَطْنِهِ مِنَ الْجُوعِ، وَيُعَبَّرُ بِالْخَمْصِ عَنِ الْجُوعِ أَيْضًا. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ قَوْلُهُ: خَمَصَا بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ وَقَدْ يُسَكَّنُ وَمُهْمَلَةٍ اهـ.

стр. 8185

الْمُرَادُ بِهِ أَثَرُ الْجُوعِ وَعَلَامَتُهُ مِنْ ضُمُورِ الْبَطْنِ أَوْ صَفَارِ الْوَجْهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ طُولِ مُكْثِهِمْ، وَشِدَّةِ كَدِّهِمْ عَلَى غَيْرِ ذَوْقٍ مِنْ غَايَةِ ذَوْقِهِمْ وَنِهَايَةِ شَوْقِهِمْ (شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ) أَيِ: الْمَرْأَةُ (جِرَابًا) : بِكَسْرِ الْجِيمِ (فِيهِ صَاعٌ) أَيْ: قَدْرُ صَاعٍ (مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بَهْمَةٌ) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ الصَّغِيرَةُ مِنْ أَوْلَادِ الضَّأْنِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَالشَّاةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بُهَيْمَةٌ، وَهِيَ أَصْلُ الْمَصَابِيحِ. قَالَ شَارِحٌ لَهُ: هِيَ تَصْغِيرُ بَهْمَةٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَلَدُ الضَّأْنِ، وَقِيلَ: وَلَدُ الشَّاةِ أَوَّلَ مَا تَضَعُهُ أُمُّهُ، وَقِيلَ: السَّخْلَةُ وَهِيَ وَلَدُ الْمَعَزِ (دَاجِنٌ) أَيْ: سَمِينَةٌ قَالَهُ صَاحِبُ الْمَوَاهِبِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَا أَلِفَ الْبَيْتَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْقَامُوسِ: دَجَنَ بِالْمَكَانِ دُجُونًا أَقَامَ وَالْحَمَامُ وَالشَّاةُ وَغَيْرُهُمَا أَلِفَتْ وَهِيَ دَاجِنٌ (فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنَتْ) أَيِ: الْمَرْأَةُ (الشَّعِيرَ) ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَالْأَوَّلُ أَوْفَقُ لِقِيَامِ كُلٍّ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِخِدْمَةٍ تَلِيقُ بِهِ مَعَ تَحْقِيقِ الْمُسَارَعَةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ وَيُقَالُ: مَعْنَاهُ أَمَرْتُهَا أَوْ غَيْرَهَا بِالطَّحْنِ، (حَتَّى جَعَلْنَا) أَيْ: بِالِاتِّفَاقِ (اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ) ، أَيِ: الْقِدْرُ مِنَ الْحَجَرِ، وَقِيلَ هِيَ الْقِدْرُ مُطْلَقًا، وَأَصْلُهَا الْمُتَّخَذُ مِنَ الْحَجَرِ، (ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَارَرْتُهُ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ الْمُسَارَّةِ بِالْحَاجَةِ فِي حَضْرَةِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنَّمَا الْمَنْهِيُّ أَنْ يُنَاجِيَ اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا مَحَلُّ النَّهْيِ تَوَهُّمُ ضَرَرٍ لِلْجَمَاعَةِ. (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا) : بِالتَّصْغِيرِ هُنَا لِلتَّحْقِيرِ فِي جَنْبِ عَظَمَةِ الضَّيْفِ الْكَبِيرِ (وَطَحَنَتْ) : بِالْوَجْهَيْنِ (صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا قَدْرٌ يَسِيرٌ وَأَصْحَابُكَ كَثِيرٌ (فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ) ، وَهُوَ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ مِنَ الرِّجَالِ، وَيُطْلَقُ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَكَأَنَّهُ ﷺ نَظَرَ إِلَى الْمَعْنَى الثَّانِي لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ (فَصَاحَ النَّبِيُّ ﷺ يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا صَنَعَ سُورًا) : بِضَمٍّ فَسُكُونِ وَاوٍ أَيْ طَعَامًا. وَفِي الْقَامُوسِ: السُّورُ الضِّيَافَةُ فَارِسِيَّةٌ شَرَّفَهَا النَّبِيُّ ﷺ (فَحَيَّ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ (هَلًا) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَاللَّامُ مُنَوَّنَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَالْبَاءُ فِي (بِكُمْ) . لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: أَسْرِعُوا بِأَنْفُسِكُمْ إِلَيْهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: السُّورُ بِضَمِّ السِّينِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ هُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُدْعَى إِلَيْهِ، وَقِيلَ الطَّعَامُ مُطْلَقًا، وَهِيَ لَفْظَةٌ فَارِسِيَّةٌ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَحَادِيثٌ صَحِيحَةٌ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَكَلَّمَ بِالْأَلْفَاظِ الْفَارِسِيَّةِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وَأَمَّا (حَيَّ هَلًا) فَهُوَ بِتَنْوِينِ هَلًا، وَقِيلَ بِلَا تَنْوِينٍ عَلَى وَزْنِ عَلَا، وَيُقَالُ: حَيَّ هَلَا، وَمَعْنَاهُ عَلَيْكُمْ بِكَذَا وَأَدْعُوكُمْ بِكَذَا. وَفِي الْقَامُوسِ بَسْطٌ لِهَذَا الْمَبْنَى وَالْمَعْنَى، وَلَكِنِ اقْتَصَرْنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجُوعَ مَعَنَا وَالتَّعَطُّشَ لِمَا هُنَا. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تُنْزِلُنَّ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَاللَّامِ (بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّ الزَّايِ (عَجِينَتُكُمْ حَتَّى أَجِيءَ) أَيْ: إِلَى بَيْتِكُمْ (وَجَاءَ فَأَخْرَجْتُ لَهُ) أَيْ: أَنَا وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْوَاحِدَةِ (عَجِينًا) . أَيْ: قِطْعَةً مِنَ الْعَجِينِ (فَبَصَقَ فِيهِ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِالصَّادِّ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالسِّينِ وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ اهـ. وَالْمَعْنَى رَمَى بِالْبُزَاقِ فِيهِ (وَبَارَكَ) ، أَيْ: دَعَا بِالْبَرَكَةِ فِيهِ (ثُمَّ عَمَدَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: قَصَدَ (إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ) أَيْ: فِيهَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ادْعِي) : بِهَمْزِ وَصْلٍ مَضْمُومٍ وَكَسْرِ عَيْنٍ أَمْرُ مُخَاطَبَةٍ مِنْ دَعَا يَدْعُو أَيِ: اطْلُبِي (خَابِزَةً) : قَالَ النَّوَوِيُّ: جَاءَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ ادْعِي عَلَى خِطَابِ الْمُؤَنَّثِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الظَّاهِرُ، وَلِهَذَا قَالَ: (فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ) : يَعْنِي لِرِوَايَتِهِ كَسْرَ الْكَافِ، وَفِي بَعْضِهَا ادْعُوا بِالْوَاوِ أَيِ: اطْلُبُوا وَفِي بَعْضِهَا ادْعُ (وَاقْدَحِي) : بِفَتْحِ الدَّالِ أَيِ: اغْرِفِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ. قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ يُقَالُ: قَدَحَتِ الْمَرَقَ أَيْ: غَرَفَتْهُ، وَمِنْهُ الْمَقْدَحُ وَهُوَ الْمِغْرَفَةُ سَلَكَ بِالْخِطَابِ مَسْلَكَ التَّلْوِينِ فَخَاطَبَ بِهِ رَبَّةَ الْبَيْتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّهُ فِي نُسْخَتِهِ فَلْتَخْبِزْ مَعِي بِالْإِضَافَةِ.

стр. 8186

إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا هُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، فَحَمَلَهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ أَنَّ مَعِي لَمْ تَرِدْ فِي رِوَايَةٍ، وَإِذَا ذَهَبَ إِلَى ادْعِي فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ لَمْ يَكُنْ مِنْ تَلْوِينِ الْخِطَابِ فِي شَيْءٍ اهـ. وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْهُ إِذْ مُرَادُ الشَّيْخِ أَنَّهُ ﷺ خَاطَبَهُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: لَا تُنْزِلُنَّ وَلَا تَخْبِزُنَّ، ثُمَّ قَالَ: ادْعِي فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، ثُمَّ قَالَ: وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ ثُمَّ قَالَ: (وَلَا تُنْزِلُوهَا) : بِصِيغَةِ الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ عَلَى طَرِيقِ الْأَوَّلِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، فَأَيُّ تَلْوِينٍ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ مَعَ أَنَّ فِي الِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا بِالْأَمْرِ الْخَاصِّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا رَبَّةُ الْبَيْتِ غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنْ سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ فِي الْمَقَامِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ وَالتَّحْرِيرِ تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ أَوْ مَعِي فِي تَلْوِينِ الْكَلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْمَرَامِ. (قَالَ جَابِرٌ: وَهُمْ) أَيْ: عَدَدُ أَصْحَابِهِ ﷺ (أَلْفٌ) أَيْ: أَلْفُ رَجُلٍ أَكَّالٍ فِي جُوعِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالٍ (فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ (حَتَّى تَرَكُوهُ) أَيْ: مُنْفَصِلًا (وَانْحَرَفُوا) ، أَيْ: وَانْصَرَفُوا (وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لِتَغِطُّ) : بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: لَتَفُورَ وَتَغْلِيَ وَيُسْمَعُ غَلَيَانُهَا (كَمَا هِيَ) ، أَيْ: مُمْتَلِئَةٌ عَلَى هَيْئَةِ الْأُولَى، فَخَبَرُ هِيَ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى تَغْلِي غَلَيَانًا مِثْلَ غَلَيَانِ هِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا: كَافَّةٌ وَهِيَ مُصَحِّحَةٌ لِدُخُولِ الْكَافِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَهِيَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ: كَمَا هِيَ قَبْلَ ذَلِكَ، (وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ) . أَيْ: كَمَا هُوَ فِي الصَّحْفَةِ كَأَنَّهُ مَا نَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِمِثْلِ هَذَا مِنْ تَكْثِيرِ طَعَامِ الْقَلِيلِ، وَنَبْعِ الْمَاءِ وَتَكْثِيرِهِ، وَتَسْبِيحِ الطَّعَامِ، وَحَنِينِ الْجِذْعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ حَتَّى صَارَ مَجْمُوعُهَا بِمَنْزِلَةِ التَّوَاتُرِ، وَحَصَلَ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ بِهِ، وَقَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءُ أَعْلَامًا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ فِي كُتُبِهِمْ كَالْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ، وَصَاحِبِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ وَأَحْسَنُهَا كِتَابُ الْبَيْهَقِيِّ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ وَعَلَيْنَا بِإِكْرَامِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8187

٥٨٧٨ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَمَّارٍ حِينَ يَحْفِرُ الْخَنْدَقَ فَجَعَلَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: (بُؤْسَ ابْنِ سُمَيَّةَ! تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ) » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٨٧٨ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ) : صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَمَّارٍ) أَيِ: ابْنِ يَاسِرٍ (حِينَ يَحْفِرُ الْخَنْدَقَ) : حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ (فَجَعَلَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ) أَيْ: رَأْسَ عَمَّارٍ عَنِ الْغُبَارِ تَرَحُّمًا عَلَيْهِ مِنَ الْأَغْيَارِ (وَيَقُولُ: بُؤْسَ) : بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ هَمْزٍ، وَقَالَ وَبِفَتْحِ السِّينِ مُضَافًا إِلَى (ابْنِ سُمَيَّةَ) وَهِيَ بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أُمُّ عَمَّارٍ، وَهِيَ قَدْ أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ، وَعُذِّبَتْ لِتَرْجِعَ عَنْ دِينِهَا، فَلَمْ تَرْجِعْ، وَطَعَنَهَا أَبُو جَهْلٍ فَمَاتَتْ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَتْ أُمُّهُ ابْنَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ الْمَخْزُومِيِّ، زَوَّجَهَا يَاسِرًا، وَكَانَ حَلِيفَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ عَمَّارًا، فَأَعْتَقَهُ أَبُو حُذَيْفَةَ. أَيْ: يَا شِدَّةَ عَمَّارٍ احْضَرِي، فَهَذَا أَوَانُكِ، وَاتَّسَعَ فِي حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، وَإِنَّمَا يُحْذَفُ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ. وَرُوِيَ: بُؤْسُ بِالرَّفْعِ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ: عَلَيْكَ بُؤْسٌ أَوْ يُصِيبُكَ بُؤْسٌ، وَعَلَى هَذَا ابْنُ سُمَيَّةَ مُنَادًى مُضَافٌ أَيْ: يَا ابْنَ سُمَيَّةَ. وَقَالَ شَارِحٌ: الْمَعْنَى: يَا شِدَّةَ مَا يَلْقَاهُ ابْنُ سُمَيَّةَ مِنَ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ نَادَى بُؤْسَهُ وَأَرَادَ نِدَاءَهُ، وَلِذَا خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ: (تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ) . أَيِ: الْجَمَاعَةُ الْخَارِجَةُ عَلَى إِمَامِ الْوَقْتِ وَخَلِيفَةِ الزَّمَانِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: تَرَحَّمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الشِّدَّةِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا عَمَّارٌ مِنْ قِبَلِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ يُرِيدُ بِهِ مُعَاوِيَةَ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ صِفِّينَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اعْلَمْ أَنَّ عَمَّارًا قَتَلَهُ مُعَاوِيَةُ وَفِئَتَهُ، فَكَانُوا طَاغِينَ بَاغِينَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، لِأَنَّ عَمَّارًا كَانَ فِي عَسْكَرِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْإِمَامَةِ، فَامْتَنَعُوا عَنْ بَيْعَتِهِ. وَحُكِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُؤَوِّلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَيَقُولُ: نَحْنُ فِئَةٌ بَاغِيَةٌ طَالِبَةٌ لِدَمِ عُثْمَانَ، وَهَذَا كَمَا تَرَى تَحْرِيفٌ، إِذْ مَعْنَى طَلَبِ الدَّمِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا لِأَنَّهُ ﷺ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي إِظْهَارِ فَضِيلَةِ عَمَّارٍ وَذَمِّ قَاتِلِهِ، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي طَرِيقِ وَيْحَ. قُلْتُ: وَيْحَ كَلِمَةٌ تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا فَيُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وَيُرْثَى لَهُ، بِخِلَافِ وَيْلَ، فَإِنَّهَا كَلِمَةُ عُقُوبَةٍ تُقَالُ لِلَّذِي يَسْتَحِقُّهَا وَلَا يُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، هَذَا وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا ( «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» ) وَهَذَا كَالنَّصِّ الصَّرِيحِ فِي الْمَعْنَى الصَّحِيحِ الْمُتَبَادَرِ مِنَ الْبَغْيِ الْمُطْلَقِ فِي الْكِتَابِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ [الحجرات: ٩] فَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ عَلَى إِرَادَةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ عُدُولٌ عَنِ الْعَدْلِ، وَمَيْلٌ إِلَى الظُّلْمِ الَّذِي هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

стр. 8188

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَغْيَ بِحَسَبِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَالْإِطْلَاقِ الْعُرْفِيِّ، خَصَّ عُمُومَ مَعْنَى الطَّلَبِ اللُّغَوِيِّ إِلَى طَلَبِ الشَّرِّ الْخَاصِّ بِالْخُرُوجِ الْمَنْهِيِّ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ طَلَبُ دَمِ خَلِيفَةِ الزَّمَانِ، وَهُوَ عُثْمَانُ ﵁، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ تَأْوِيلٌ أَقْبَحُ مِنْ هَذَا حَيْثُ قَالَ: إِنَّمَا قَتَلَهُ عَلِيٌّ وَفِئَتُهُ حَيْثُ حَمَلَهُ عَلَى الْقِتَالِ، وَصَارَ سَبَبًا لِقَتْلِهِ فِي الْمَآلِ، فَقِيلَ لَهُ فِي الْجَوَابِ: فَإِذَنْ قَاتِلُ حَمْزَةَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ كَانَ بَاعِثًا لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ حَيْثُ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ مُعْجِزَاتٌ ثَلَاثٌ: إِحْدَاهَا: أَنَّهُ سَيُقْتَلُ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ مَظْلُومٌ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَاتِلَهُ بَاغٍ مِنَ الْبُغَاةِ، وَالْكُلُّ صِدْقٌ وَحَقٌّ، ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّيْخَ أَكْمَلَ الدِّينِ قَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا أَيِ: التَّأْوِيلَ السَّابِقَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَمَا حُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ قَتَلَهُ مَنْ أَخْرَجَهُ لِلْقَتْلِ وَحَرَّضَهُ عَلَيْهِ كُلٌّ مِنْهُمَا افْتِرَاءٌ عَلَيْهِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَحْرِيفٌ لِلْحَدِيثِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحَدٌ، بَلْ هُوَ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاصِدًا لِإِقَامَةِ الْغَرَضِ، وَإِنَّمَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا افْتِرَاءٌ عَلَى مُعَاوِيَةَ لِأَنَّهُ ﵁ أَعْقَلُ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي شَيْءٍ ظَاهِرِ الْفَسَادِ عَلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ. قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ بَغْيِهِ بِإِطَاعَتِهِ الْخَلِيفَةَ، وَيَتْرُكَ الْمُخَالَفَةَ وَطَلَبَ الْخِلَافَةِ الْمُنِيفَةِ، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَاطِنِ بَاغِيًا، وَفِي الظَّاهِرِ مُتَسَتِّرًا بِدَمِ عُثْمَانَ مُرَاعِيًا مُرَائِيًا، فَجَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَيْهِ نَاعِيًا، وَعَنْ عَمَلِهِ نَاهِيًا، لَكِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا، فَصَارَ عِنْدَهُ كُلٌّ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مَهْجُورًا، فَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَنْصَفَ وَلَمْ يَتَعَصَّبْ وَلَمْ يَتَعَسَّفْ، وَتَوَلَّى الِاقْتِصَادَ فِي الِاعْتِقَادِ، لِئَلَّا يَقَعَ فِي جَانِبَيْ سَبِيلِ الرَّشَادِ مِنَ الرَّفْضِ وَالنَّصْبِ بِأَنْ يُحِبَّ جَمِيعَ الْآلِ وَالصَّحْبِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8189

٥٨٧٩ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ﵁، قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ أَجْلَى الْأَحْزَابَ عَنْهُ: (الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ) » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٨٧٩ - (وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ) ، بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مَصْرُوفًا: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ أَجْلَى) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَفْعُولِ أَيْ: تَفَرَّقَ وَانْكَشَفَ (الْأَحْزَابُ عَنْهُ) : وَهُمْ طَوَائِفٌ مِنَ الْكُفَّارِ تَحَزَّبُوا وَاجْتَمَعُوا لِحَرْبِ سَيِّدِ الْأَبْرَارِ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ مِنْهُمْ: قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وَأَهْلُ تُهَامَةَ وَقَائِدُهُمْ أَبُو سُفْيَانَ، وَخَرَجَ غَطَفَانَ فِي أَلْفٍ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، وَقَائِدُهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَعَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فِي هَوَازِنَ، وَضَامَّتُهُمُ الْيَهُودُ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، وَمَضَى عَلَى الْفَرِيقَيْنِ قَرِيبٌ مِنْ شَهْرٍ لَا حَرْبَ بَيْنَهُمْ إِلَّا التَّرَامِي بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى النَّصْرَ بِأَنْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحَ الصَّبَا وَجُنُودًا لَمْ يَرَوْهَا، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ: النَّجَاءُ النَّجَاءُ! فَانْهَزَمُوا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَهُنَا مَعْنَى الْإِجْلَاءِ. (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ: حِينَئِذٍ (الْآنَ) أَيْ: فِيمَا بَعْدَ هَذَا الزَّمَانِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْآنَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْبَيَانِ (نَغْزُوهُمْ) أَيِ: ابْتِدَاءً (وَلَا يَغْزُونَّا) ، بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيُخَفَّفُ أَيْ: وَلَا يَغْزُونَنَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ وَالْمَعْنَى لَا يُحَارِبُونَنَا، فَفِيهِ مُشَاكَلَةٌ لِلْمُقَابَلَةِ، (نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ) . أَيْ: وَهُمْ لَا يَسِيرُونَ إِلَيْنَا، وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ فَغَزَاهُمْ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَفَتْحِ مَكَّةَ، وَحَصَلَتْ لَهُ الْعَلِيَّةُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ الْآنَ نَغْزُوهُمْ إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ قَلَّ شَوْكَةُ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْيَوْمِ، فَلَا يَقْصِدُونَنَا الْبَتَّةَ بَعْدُ، بَلْ نَحْنُ نَغْزُوهُمْ وَنَقْتُلُهُمْ، وَيَكُونُ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ، وَكَانَ كَمَا قَالَ فَكَانَ مُعْجِزَةً. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8190

٥٨٨٠ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: " لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ، فَقَالَ: (قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ) . فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (فَأَيْنَ) فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٨٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ) أَيْ: عَنْ نَفْسِهِ (وَاغْتَسَلَ) أَيْ: أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ (أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ أَوْ جِبْرِيلُ وَهُوَ فِي اللَّفْظِ أَقْرَبُ، وَفِي مَعْنَى الْحَثِّ أَنْسَبُ (يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ فَقَالَ) أَيْ: جِبْرِيلُ (قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِمْ) . أَيْ: إِلَى الْكُفَّارِ وَأَبْهِمْهُمْ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَأَيْنَ) أَيْ: أَيْنَ أَقْصِدُ وَإِلَى مَنْ أَخْرَجُ؟ (فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ) ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَسَاعَدُوا الْأَحْزَابَ. (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ) . أَيْ: وَنَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَكَيْفِيَّةُ نُصْرَتِهِ وَبَيَانُ قِصَّتِهِ فِي كُتُبِ السِّيَرِ وَبَعْضِ التَّفَاسِيرِ مَبْسُوطَةٌ، وَمَا وَقَعَ لَهُ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ مَضْبُوطَةٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8191

٥٨٨١ - وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ ﵁، «قَالَ أَنَسٌ ﵁: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا فِي زُقَاقِ بَنِيَ غَنْمٍ مَوْكِبَ جَبْرَئِيلَ ﵇ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ» . ــ ٥٨٨١ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا) أَيْ: مُرْتَفِعًا (فِي زُقَاقِ بَنَى غَنْمٍ) : بِفَتْحِ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ نُونٍ، قَبِيلَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَالزُّقَاقِ بِضَمِّ الزَّايِ السِّكَّةُ (مَوْكِبَ جِبْرِيلَ ﵇ : بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ عَلَى مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَأَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا بِإِثْبَاتِ مِنْ، وَالْمَوْكِبُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ جَمَاعَةُ رُكَّابٍ يَسِيرُونَ بِرِفْقٍ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ) . الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ الزُّقَاقَ كَانَ مَهْجُورًا مَنْ سَيْرِ النَّاسِ فِيهِ، فَرُؤْيَةُ الْغُبَارِ السَّاطِعِ مِنْهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَثَرِ جُنْدِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ رَئِيسَهُمْ جِبْرِيلُ ﵇ وَهُوَ مَعَهُمْ أَوْ هُوَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِضَافَتُهُمْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُمْ كَالْأَتْبَاعِ لَهُ.

стр. 8192

٥٨٨٢ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ، قَالُوا: لَيْسَ عَنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ بِهِ وَنَشْرَبُ إِلَّا مَا فِي رِكْوَتِكَ، فَوَضْعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ، قَالَ: فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا. قِيلَ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٨٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ) : بِكَسْرِ الطَّاءِ (يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ) : بِالتَّخْفِيفِ أَفْصَحُ (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ) أَيْ: ظَرْفُ مَاءٍ مِنْ مُطَهِّرَةٍ أَوْ سِقَايَةٍ (فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلُ النَّاسُ نَحْوَهُ) ، أَيْ: إِلَى جَانِبِ جَنَابِهِ طَالِبِينَ فَتَحَ الْخَيْرِ مِنْ بَابِهِ (قَالُوا) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءً) : بِالْمَدِّ (نَتَوَضَّأُ بِهِ وَنَشْرَبُ) أَيْ: مِنْهُ (إِلَّا مَا فِي رِكْوَتِكَ) ، أَيْ: مِنَ الْمَاءِ فَمَا مَقْصُورَةٌ مَوْصُولَةٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَحْتَمِلُ الِاتِّصَالَ وَالِانْقِطَاعَ، ثُمَّ فِي الْقَضِيَّةِ جُمْلَةٌ مَطْوِيَّةٌ، وَهِيَ أَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ بِحَسْبِ الْعَادَةِ أَنَّ مَاءَ الرِّكْوَةِ لَمْ يَكْفِ الْجَمَاعَةَ (فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فِي الرِّكْوَةِ) ، أَيْ: فِي جَوْفِهَا أَوْ فِي فَمَهَا (فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ) ، أَيِ: الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ صُخُورِ الْجِبَالِ، أَوْ عُرُوقِ الْأَرْضِ. (قَالَ: فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا) أَيْ: جَمِيعُنَا، فَطُوبَى لَهُمْ مِنْ طَهَارَةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الْمَاءِ الْمَعِينِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَالْمُعِينُ. (قِيلَ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ) ؟ أَيْ: يَوْمَئِذٍ حَتَّى كَفَاكُمْ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا السُّؤَالُ غَيْرَ مُنَاسِبٍ فِي مَقَامِ الْمُعْجِزَةِ (قَالَ) أَيْ: أَوَّلًا فِي الْجَوَابِ (لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ) أَيْ: مَثَلًا (لَكَفَانَا) : ثُمَّ قَالَ تَتْمِيمًا لِفَصْلِ الْخِطَابِ: (كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً) . قَالَ الطِّيبِيُّ: عَدَلَ عَنِ الظَّاهِرِ لِاحْتِمَالِهِ التَّجَوُّزَ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اجْتَهَدَ فِيهِ وَغَلَبَ ظَنُّهُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ، وَقَوْلُ الْبَرَاءِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَتْلُو هَذَا الْحَدِيثَ: كُنَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، كَانَ عَنْ تَحْقِيقٍ لِمَا سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ بَابِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ: أَنَّ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعْمِائَةٍ تَحْقِيقًا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَهْمٌ، وَقَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ: الْجَمْعُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعْمِائَةٍ وَزِيَادَةً لَا تَبْلُغُ الْمِائَةَ، فَالْأَوَّلُ أَلْغَى الْكَسْرَ، وَالثَّانِي جَبَرَهُ، وَمَنْ قَالَ أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ، فَعَلَى حَسَبِ اطِّلَاعِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَأَلْفًا وَسَبْعَمِائَةٍ، وَكَأَنَّهُ عَلَى ضَمِّ الْأَتْبَاعِ وَالصِّبْيَانِ، وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَهَذَا تَحْرِيرٌ بَالِغٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8193

٥٨٨٣ - «وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً يَوْمَ حُدَيْبِيَةَ - وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ ـ فَنَزَحْنَاهَا، فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَاهَا، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: (دَعُوهَا سَاعَةً) فَأَرْوَوْا أَنْفُسَهُمْ وَرِكَابَهُمْ حَتَّى ارْتَحَلُوا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٨٨٣ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ) : بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ (فَنَزَحْنَاهَا) أَيْ: نَزَعْنَا مَاءَهَا (فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ) أَيْ: خَبَرُ نَفَادِ مَائِهَا (فَأَتَاهَا، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهِ) ، أَيْ: طَرَفُهَا (ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ) أَيْ: مَجَّهُ فِيهَا. (ثُمَّ قَالَ: دَعُوهَا) أَيِ: اتْرُكُوهَا (سَاعَةً) : لَعَلَّهُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ وَقَعَتْ تَدْرِيجِيَّةً، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا السَّاعَةُ النُّجُومِيَّةُ اللُّغَوِيَّةُ، أَوِ الْمَدَّةُ الْقَلِيلَةُ بِحَسْبِ الْإِطْلَاقَاتِ الْعُرْفِيَّةِ (فَأَرْوَوْا) أَيِ: اسْقُوا سَقْيًا كَامِلًا (أَنْفُسَهُمْ وَرِكَابَهُمْ) أَيْ: إِبِلَهُمْ أَوْ مَرْكُوبَهُمْ، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ (حَتَّى ارْتَحَلُوا) . أَيْ: سَافَرُوا عَنْهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَضِيَّةَ جَابِرٍ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَأَنَّ الْمُعْجِزَةَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ مُتَكَرِّرَةٌ، وَالْعَجَبُ مِنَ النَّاسِ عُمُومًا وَخُصُوصًا أَنَّهُمْ مَا ضَبَطُوا هَذِهِ الْبِئْرَ، وَلَا جَعَلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْبِنَاءِ الْكَبِيرِ رَجَاءً لِلْخَيْرِ الْكَثِيرِ، مَعَ أَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ مَكَّةَ عَلَى طَرَفٍ حِدَّةٍ فِي طَرِيقِ جَدَّةَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8194

٥٨٨٤ - وَعَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، «عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵃، قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَلَ، فَدَعَا فُلَانًا - كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ وَنَسِيَهُ عَوْفٌ - وَدَعَا عَلِيًّا، فَقَالَ: (اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ) . فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ. فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: اسْقُوا، فَاسْتَقَوْا قَالَ: فَشَرِبْنَا عِطَاشًا أَرْبَعِينَ رَجُلًا، حَتَّى رَوِينَا، فَمَلَأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَقْلَعَ عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٨٨٤ - (وَعَنْ عَوْفٍ) ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ وَلَعَلَّهُ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ (عَنْ أَبِي رَجَاءٍ) هُوَ عِمْرَانُ بْنُ تَمِيمٍ الْعُطَارِدِيُّ، أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، كَانَ عَالِمًا عَامِلًا مُعَمَّرًا، وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ. (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ الْعَطَشَ، فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا) أَيْ: شَخْصًا مَعْرُوفًا (كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ وَنَسِيَهُ عَوْفٌ) أَيْ: فَعَبَّرَ عَنْهُ بِفُلَانًا (وَدَعَا عَلِيًّا) ، أَيْ: أَيْضًا (فَقَالَ: اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ) أَيْ: فَاطْلُبَاهُ (فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مُزَادَتَيْنِ) : بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ: رَاكِبَةٌ بَيْنَ رَاوِيَتَيْنِ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ لِمَا يُوضَعُ فِيهِ الزَّادُ، (أَوْ سَطِيحَتَيْنِ) : قَالَ الْقَاضِي: وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ الْمَزَادَةِ يَكُونُ مِنْ جِلْدَيْنِ قُوبِلَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَسُطِحَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: هِيَ أَصْغَرُ مِنَ الْمَزَادَةِ ثُمَّ قَوْلُهُ: (مِنْ مَاءٍ) . بَيَانٌ لِمَا فِيهِمَا (فَجَاءَ أَيِ: الصَّحَابِيَّانِ (بِهَا) أَيْ: بِالْمَرْأَةِ وَمَا مَعَهَا (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ الْأَوَّلُ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَرْأَةِ أَيْ: طَلَبُوا مِنْهَا أَنْ تَنْزِلَ عَنِ الْبَعِيرِ، وَقِيلَ: رَاجِعٌ إِلَى الْمَزَادَةِ بِمَعْنَى أَنْزِلُوهَا، وَاسْتَنْزَلَ وَأَنْزَلَ بِمَعْنًى (وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ) أَيْ: طَلَبَهُ (فَفَرَّغَ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: صَبَّ (فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ) ، فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْجِيحِهَا عِنْدَ الرَّاوِي (وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: أَسْقُوا) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ وَقِيلَ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَكْسُورَةٍ أَيِ: اسْقُوا أَنْفُسَكُمْ وَغَيْرَكُمْ، وَالْمَعْنَى خُذُوا الْمَاءَ قَدَرَ حَاجَتِكُمْ (فَاسْتَقَوْا) أَيْ: فَأَخَذُوا الْمَاءَ جَمِيعُهُمْ. (قَالَ) أَيْ: عِمْرَانُ (فَشَرِبْنَا عِطَاشًا) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ عَطْشَانَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ شَرِبْنَا (أَرْبَعِينَ رَجُلًا) : بَيَانٌ لَهُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَقَالَ شَارِحٌ: حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ عِطَاشًا أَوْ شَرِبْنَا (حَتَّى رَوِينَا) ، بِكَسْرِ الْوَاوِ (فَمَلَأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ) : مَعَنَا (وَايْمُ اللَّهِ) أَيْ: وَايْمُنُ اللَّهِ قَسَمِي لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: انْكَفَتِ الْجَمَاعَةُ عَنْ تِلْكَ الْمَزَادَةِ وَرَجَعُوا عَنْهَا (وَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (لَيُخَيَّلُ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ: لَيُشَبَّهُ (إِلَيْنَا أَنَّهَا) أَيْ: تِلْكَ الْمَزَادَةُ (أَشَدُّ مِلْئَةً) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَيُفْتَحُ وَسُكُونِ اللَّامِ فِعْلَةٌ مِنَ الْمَلْءِ مَصْدَرُ مَلَأْتُ الْإِنَاءَ (مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الْمَزَادَةِ (حِينَ ابْتَدَأَ) . أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ الْآخِذُ مِنْهَا. وَفِي نُسْخَةٍ: ابْتُدِئَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: الِاسْتِقَاءُ وَالشُّرْبُ مِنْهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا حِينَئِذٍ كَانَتْ أَكْثَرَ مَاءً تِلْكَ السَّاعَةَ الَّتِي اسْتَقَوْا مِنْهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8195

٥٨٨٥ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، وَإِذَا شَجَرَتَيْنِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: (انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: (انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) . فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا قَالَ: (الْتَئِمَا عَلَيَّ، بِإِذْنِ اللَّهِ) . فَالْتَأَمَتَا، فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا، وَإِذَا الشَّجَرَتَيْنِ قَدِ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٨٨٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ) أَيْ: وَاسِعًا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، وَإِذَا شَجَرَتَيْنِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: بِالنَّصْبِ كَذَا فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ، وَأَكْثَرُ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا شَجَرَتَانِ بِالرَّفْعِ، وَهُوَ مُغَيَّرٌ، فَتَقْدِيرُ النَّصْبِ فَوَجَدَ شَجَرَتَيْنِ نَابِتَتَيْنِ (بِشَاطِئِ الْوَادِي) أَيْ: بِطَرَفِهِ. وَقَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ، وَرُوِيَ شَجَرَتَيْنِ بِإِضْمَارِ رَأَى، وَفِي نُسْخَةٍ بِشَجَرَتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، (فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ بِغُصْنَيْنِ مِنْ أَغْصَانِهِ فَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ) أَيْ: لِلتَّسَتُّرِ عَلَيَّ (بِإِذْنِ اللَّهِ) . وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: لَا تَعْصَيْ عَلَيَّ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] أَيْ: لِمَ
следующие страницы →