Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.
стр. 8261
٥٩٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ فَلَمَّا دَنَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ؟) . قَالَ: وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: (هَذِهِ السَّلَمَةُ) فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَهُوَ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَأَقْبَلَتْ تَخُدُّ الْأَرْضَ حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاسْتَشْهِدْهَا ثَلَاثًا، فَشَهِدَتْ ثَلَاثًا. أَنَّهُ كَمَا قَالَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْبِتِهَا» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٩٢٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) ، أَيْ: فِي غَزْوَةٍ أَوْ عُمْرَةٍ (فَأَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ) ، أَيْ بَدَوِيٍّ (فَلَمَّا دَنَا) ، أَيْ: قَرُبَ (قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: تَشْهَدُ) ، أَيْ: أَتَشْهَدُ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟ قَالَ: وَمَنْ يَشْهَدُ) ، أَيْ: عَلَى وَجْهِ خَرْقِ الْعَادَةِ وَظُهُورِ الْمُعْجِزَةِ (عَلَى مَا تَقُولُ) ؟ أَيْ: مِنْ دَعْوَى الرِّسَالَةِ (قَالَ: هَذِهِ السَّلَمَةُ) : بِفَتَحَاتٍ شَجَرَةٌ مِنَ الْبَادِيَةِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَفِي النِّهَايَةِ: السَّلَمُ شَجَرٌ مِنَ الْعِضَاهِ، وَاحِدُهَا سَلَمَةٌ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَوَرَقُهَا الْقَرَظُ الَّذِي يُدْبَغُ بِهِ، وَبِهَا سُمِّيَ الرَّجُلُ سَلَمَةَ. (فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
стр. 8262
وَهُوَ) ، أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (بِشَاطِئِ الْوَادِي) ، أَيْ كَانَ وَاقِفًا بِطَرَفِهِ (فَأَقْبَلَتْ) ، أَيِ: الشَّجَرَةُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (تَخُدُّ الْأَرْضَ) : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: تَشُقُّهَا أُخْدُودًا، وَقَوْلُهُ: (خَدًّا) : عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ) ، أَيْ مُسَلِّمَةً عَلَيْهِ وَمُسْلِمَةً لَدَيْهِ (فَاسْتَشْهَدَهَا) ، أَيْ: طَلَبَ الشَّهَادَةَ مِنَ الشَّجَرَةِ (ثَلَاثًا) ، أَيْ: مُرَتَّبًا لَا مُتَوَالِيًا (فَشَهِدَتْ ثَلَاثًا. أَنَّهُ كَمَا قَالَ) ، أَيْ: أَنَّ الشَّأْنَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كَوْنِهِ رَسُولَ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْبِتِهَا) . بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: مَوْضِعُ نَبَاتِهَا وَمَوْطِنِ أَصْلِهَا. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 8263
٥٩٢٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بِمَا أَعْرِفُ أَنَّكَ نَبِيٌّ؟ قَالَ: (إِنْ دَعَوْتَ هَذَا الْعِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ يَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَنْزِلُ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: (ارْجِعْ) فَعَادَ، فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
ــ
٥٩٢٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بِمَ أَعْرِفُ) ، أَيْ: مِنْ مُعْجِزَاتِكَ (أَنَّكَ نَبِيٌّ) ؟ أَيْ: صَادِقٌ (قَالَ: إِنْ دَعَوْتُ) : بِكَسْرٍ إِنْ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ، وَفِي بَعْضِهَا بِفَتْحِ إِنْ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَيْ: بِأَنْ دَعَوْتُ (هَذَا الْعِذْقَ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهُوَ الْعُرْجُونُ بِمَا فِيهِ مِنَ الشَّمَارِيخِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعُنْقُودِ مِنَ الْعِنَبِ، وَبِالْفَتْحِ النَّخْلَةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ: (مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ يَشْهَدُ) ، أَيْ: حَالَ كَوْنِ الْعِذْقِ يَشْهَدُ (أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) : وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ دَعَوْتُ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ بِمَا أَعْرِفُ أَيْ: يَأْتِي إِنْ دَعَوْتُهُ يَشْهَدْ. اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ يَشْهَدْ مَجْزُومًا بِصِيغَةِ الْغَائِبِ، وَالْمَعْنَى فَأَعْرِفُ بِأَنِّي إِنْ دَعَوْتُهُ يَشْهَدْ. وَقَالَ شَارِحٌ: إِنْ لِلشَّرْطِ، وَيَشْهَدْ جَزَاؤُهُ، أَوْ لِلْمَصْدَرِيَّةِ وَيَشْهَدُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ يَشْهَدْ عَلَى الْأَوَّلِ مُخَاطَبًا مَجْزُومًا كَمَا فِي نُسْخَةٍ لِيَكُونَ جَوَابَ الْأَعْرَابِيِّ بِنَعَمْ مُقَدَّرًا، أَوِ النُّبِيُّ ﷺ لَمْ يَنْتَظِرْ جَوَابَهُ إِذْ لَيْسَ لَهُ جَوَابٌ صَوَابٌ غَيْرُهُ (فَدَعَاهُ) ، أَيِ: الْعِذْقَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ) ، أَيْ: فَشَرَعَ الْعِذْقُ (يَنْزِلُ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ) ، أَيْ: وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) ، أَيْ: مُنْتَهِيًا إِلَيْهِ وَمُسْتَسْلِمًا لَدَيْهِ (ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ فَعَادَ) ، أَيْ: إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ (فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَصَحَّحَهُ.
стр. 8264
٥٩٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «جَاءَ ذِئْبٌ إِلَى رَاعِي غَنَمٍ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى انْتَزَعَهَا مِنْهُ، قَالَ: فَصَعِدَ الذِّئْبُ عَلَى تَلٍّ فَأَقْعَى وَاسْتَثْفَرَ، وَقَالَ: قَدْ عَمَدْتُ إِلَى رِزْقٍ رَزَقَنِيهِ اللَّهُ أَخَذْتُهُ، ثُمَّ انْتَزَعَهُ مِنِّي؟ ! فَقَالَ الرَّجُلُ:
تَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ! فَقَالَ الذِّئْبُ: أَعْجَبُ مِنْ هَذَا رَجُلٌ فِي النَّخَلَاتِ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ يُخْبِرُكُمْ بِمَا مَضَى وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ. قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ يَهُودِيًّا، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، وَأَسْلَمَ، فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّهَا أَمَارَاتٌ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، قَدْ أَوْشَكَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يُحَدِّثَهُ نَعْلَاهُ وَسَوْطُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ» ) . رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
ــ
٥٩٢٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ ذِئْبٌ) : بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَيُبْدَلُ (إِلَى رَاعِي غَنَمٍ) ، أَيْ: إِلَى قِطْعَةِ غَنَمٍ رَاعِيهَا مَعَهَا (فَأَخَذَ) ، أَيِ: الذِّئْبُ (مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي) ، أَيْ: تَبِعَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ (حَتَّى انْتَزَعَهَا مِنْهُ) ، أَيْ: خَلَّصَهَا مِنْ فَمِهِ (قَالَ) ، أَيِ: الرَّاعِي فَإِنَّهُ هُوَ الرَّائِي، وَالرَّاوِي ذَكَرَهُ شَارِحٌ (فَصَعِدَ الذِّئْبُ عَلَى تَلٍّ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، أَيْ: مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ (فَأَقْعَى) ، أَيْ: جَلَسَ مُقْعِيًا بِأَنْ قَعَدَ عَلَى وَرِكَيْهِ وَنَصَبَ يَدَيْهِ (وَاسْتَثْفَرَ) ، بِالْمُثَلَّثَةِ فَالْفَاءِ، أَيْ: أَدْخَلَ ذَنَبَهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وَقِيلَ: بَيْنَ أَلْيَيْهِ (وَقَالَ: قَدْ عَمَدْتُ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ إِخْبَارًا عَلَى سَبِيلِ الشِّكَايَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ، عَلَى أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ، وَالْمَعْنَى قَصَدْتُ (إِلَى رِزْقٍ رَزَقَنِيهِ اللَّهُ) ، أَيْ: أَبَاحَهُ لِي (أَخَذْتُهُ، ثُمَّ انْتَزَعَهُ مِنِّي) ؟ أَيْ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ تَخْلِيصِهِ عَلَيْكَ، فَالْكُلُّ مُنْقَادُونَ تَحْتَ أَمْرِهِ مُطِيعُونَ لِحُكْمِهِ، مُسْتَسْلِمُونَ لِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ (فَقَالَ الرَّجُلُ) ، أَيِ: الرَّاعِي: قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ: اسْمُهُ هَبَّارُ بْنُ أَوْسٍ
стр. 8265
الْخُزَاعِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ مُكَلِّمُ الذِّئْبِ (تَاللَّهِ) : قَسَمٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ (إِنْ رَأَيْتُ) ، أَيْ: مَا رَأَيْتُ (كَالْيَوْمِ) ، أَيْ: مَا رَأَيْتُ ذِئْبًا يَتَكَلَّمُ كَالْيَوْمِ، ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَفِي الْفَائِقِ، أَيْ: مَا رَأَيْتُ أُعْجُوبَةً كَأُعْجُوبَةِ الْيَوْمِ، فَحُذِفَ الْمَوْصُوفُ، وَأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقَامَهُ، وَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ (ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. كَأَنَّهُ قِيلَ، أَيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَقَالَ: ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ، (فَقَالَ الذِّئْبُ: أَعْجَبُ مِنْ هَذَا) ، أَيْ: مِنْ تَكَلُّمِ الذِّئْبِ (رَجُلٌ فِي النَّخَلَاتِ) : بِالْفَتَحَاتِ أَيْ: نَخِيلُ الْمَدِينَةِ الْوَاقِعَةِ (بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ تَثْنِيَةُ حَرَّةٍ، وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنْ جِبَالِ الْمَدِينَةِ (يُخْبِرُكُمْ بِمَا مَضَى) ، أَيْ: بِمَا سَبَقَ مِنْ خَبَرِ الْأَوَّلِينَ مِمَّنْ قَبْلَكُمْ (وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ) أَيْ مِنْ نَبَأِ الْآخِرِينَ فِي الدُّنْيَا وَمِنْ أَحْوَالِ الْأَجْمَعِينَ فِي الْعُقْبَى.
(قَالَ) - أَيِ: الرَّاوِي وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ -: (فَكَانَ الرَّجُلُ) ، أَيِ: الرَّاعِي (يَهُودِيًّا) : فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ خُزَاعِيٌّ، فَإِنَّ خُزَاعَةَ لَيْسَتْ بِيَهُودَ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا (فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ) ، أَيْ: بِخَبَرِ الذِّئْبِ (وَأَسْلَمَ فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: فِيمَا رَوَاهُ (ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهَا أَمَارَاتٌ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، وَأَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَعْنَى مَا تَكَلَّمَ بِهِ الذِّئْبُ بِاعْتِبَارِ الْحَالَةِ وَالْقِصَّةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي رَآهَا وَأَمْثَالَهَا عَلَامَاتٌ (بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ) ، أَيْ: قُدَّامَهَا (قَدْ أَوْشَكَ الرَّجُلُ) ، أَيْ: قَرُبَ (أَنْ يَخْرُجَ) ، أَيْ: مِنْ بَيْتِهِ (فَلَا يَرْجِعُ) : ظَاهِرُهُ النَّصْبُ، لَكِنِ اتَّفَقَ النُّسَخُ عَلَى رَفْعِهِ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ فَهُوَ لَا يَرْجِعُ (حَتَّى يُحَدِّثَهُ نَعْلَاهُ) ، أَيْ: فِي رِجْلِهِ (وَسَوْطُهُ) ، أَيْ فِي يَدِهِ (بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ) ، أَيْ: مِنْ أَفْعَالِ السُّوءِ أَوِ الْحُسْنِ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمُفَارَقَتِهِ إِيَّاهُمْ. (رَوَاهُ) ، أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) . أَيْ بِإِسْنَادِهِ.
стр. 8266
٥٩٢٨ - وَعَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَتَدَاوَلُ مِنْ قَصْعَةٍ، مِنْ غُدْوَةٍ حَتَّى اللَّيْلِ، يَقُومُ عَشَرَةٌ وَيَقْعُدُ عَشَرَةٌ قُلْنَا: فَمِمَّا كَانَتْ تُمَدُّ؟ قَالَ: مِنْ أَيْ شَيْءٍ تَعْجَبُ؟ مَا كَانَتْ تُمَدُّ إِلَّا مِنْ هَاهُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٩٢٨ - (وَعَنْ أَبِي الْعَلَاءِ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ، فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ) : تَقَدَّمَ ضَبْطُهُمَا وَسَبَقَ ذِكْرُهُمَا (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَتَدَاوَلُ) : يُقَالُ: تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي، أَيْ: تَنَاوَلَتْهُ، يَعْنِي أَخَذَتْهُ هَذِهِ مَرَّةً، وَهَذِهِ مَرَّةً ذَكَرَهُ شَارِحٌ، فَالْمَعْنَى نَتَنَاوَبُ أَخْذَ الطَّعَامِ وَأَكْلَهُ (مِنْ قَصْعَةٍ) ، بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ مِنْ صَحْفَةٍ كَبِيرَةٍ (مِنْ غُدْوَةٍ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَيَجُوزُ بِفَتْحَتَيْنِ فَأَلِفٍ أَيْ: مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ (حَتَّى اللَّيْلِ) ، أَيْ: إِلَى دُخُولِ الْعَشِيَّةِ (يَقُومُ عَشَرَةٌ) ، أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنَ الْأَكْلِ مِنْهَا (وَيَقْعُدُ عَشَرَةٌ) ، أَيْ: لِلتَّنَاوُلِ مِنْهَا (قُلْنَا) ، أَيْ: لِسَمُرَةَ (فَمِمَّا كَانَتْ تُمَدُّ) ؟ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِمْدَادِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمِنَ الْمَدَدِ مِنْ قَوْلِهِ: مَدَّ السِّرَاجَ بِالزَّيْتِ، وَالْمَعْنَى فَأَيُّ شَيْءٍ كَانَتِ الْقَصْعَةُ تُمَدُّ مِنْهُ وَتُزَادُ فِيهِ، وَمِنْ أَيْنَ يَكْثُرُ الطَّعَامُ فِيهَا طُولَ النَّهَارِ؟ وَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا السُّؤَالِ نَوْعٌ مِنَ التَّعَجُّبِ. (قَالَ) ، أَيْ: سَمُرَةُ (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَعْجَبُ) ؟ وَالْخِطَابُ لِأَبِي الْعَلَاءِ مِنْ جُمْلَةِ الْقَائِلِينَ، فَإِنَّهُ مِنْ رُؤَسَاءِ التَّابِعِينَ، أَوِ الْمُرَادُ خِطَابُ الْعَامِّ، وَالْمَعْنَى لَا تَعْجَبْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ (مَا كَانَتْ تُمَدُّ إِلَّا مِنْ هَاهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ) : وَالْمَعْنَى لَا تَكُونُ كَثْرَةُ الطَّعَامِ فِيهَا إِلَّا مِنْ عَالَمِ الْعَلَاءِ بِنُزُولِ الْبَرَكَةِ فِيهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] وَهَذَا ظَاهِرُ شَرْحِ الْكَلَامِ عَلَى وَفْقِ الْمَرَامِ، وَقَالَ شَارِحٌ: ضَمِيرُ قَالَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُظْهِرُ، وَمَنْ تَبِعَهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلَ سَمُرَةُ، وَالسَّائِلَ أَبُو الْعَلَاءِ وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ.
стр. 8267
وَوَجْهُ ظُهُورِهِ لَا يَخْفَى، إِذْ مِثْلُ هَذَا السُّؤَالِ مِنَ الْأَصْحَابِ الْمُشَاهِدِينَ لِلْمُعْجِزَةِ فِي غَايَةٍ مِنَ الْغَرَابَةِ، وَأَمَّا سُؤَالُ التَّابِعِينَ مِنَ الصَّحَابِيِّ، فَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الطَّعَامُ وَيُوضَعُ فِي الْقَصْعَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بَعْدَ فَرَاغِ عَشَرَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، كَمَا يَقَعُ فِي الْعُرْفِ عَلَى طَرِيقِ الْعَادَةِ، فَأَجَابَ الصَّحَابِيُّ بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَقَعْ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ خَرْقِ الْعَادَةِ، فَالْمَدَدُ مِنْ رَبِّ السَّمَاءِ لَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 8268
٥٩٢٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ. قَالَ: (اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ) فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُ، فَانْقَلَبُوا وَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أَوْ جَمَلَيْنِ وَاكْتَسَوْا، وَشَبِعُوا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٩٢٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ) : بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْإِضَافَةِ (وَخَمْسَةَ عَشَرَ) . بِفَتْحِ الْجُزْأَيْنِ عَلَى التَّرْكِيبِ (قَالَ) : اسْتِثْنَاءُ بَيَانٍ أَوْ حَالٌ (اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ) ، أَيْ: غَالِبَهُمْ (حُفَاةٌ) : بِضَمِّ الْحَاءِ جَمْعُ حَافٍ وَهُوَ مَنْ لَا نَعْلَ لَهُ (فَاحْمِلْهُمْ) ، بِهَمْزِ وَصْلٍ وَكَسْرِ مِيمٍ أَيْ: أَعِنْهُمْ عَلَى الْحَمْلِ، وَالْمَعْنَى أَعْطِ كُلًّا مِنْهُمُ الْمَرْكُوبَ (اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ) : بِالضَّمِّ جَمْعُ عَارٍ أَيْ: عُرْيَانٌ فِيمَا بَعْدَ الْإِزَارِ (فَاكْسُهُمْ) : بِضَمِّ السِّينِ أَيْ: أَعْطِهِمُ الْكُسْوَةَ وَأَلْبِسْهُمْ لِبَاسَ الزِّينَةِ (اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ) . أَيْ: بَاطِنًا وَظَاهِرًا لِيَتَقَوَّوْا عَلَى الطَّاعَةِ (فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُ) ، أَيْ: لِلنَّبِيِّ ﷺ وَنَصَرَهُ عَلَى مُشْرِكِي مَكَّةَ وَصَنَادِيدِ قُرَيْشٍ وَأَكَابِرِهِمْ، حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ وَأُسِرَ سَبْعُونَ، (فَانْقَلَبُوا) ، أَيْ: فَرَجَعَ أَصْحَابُهُ (وَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أَوْ جَمَلَيْنِ، وَاكْتَسَوْا، وَشَبِعُوا) . أَيْ: مِنْ غَنَائِمِ أَعْدَائِهِمْ فَصَدَقَ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥] وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ «الصَّبْرَ عَلَى مَا تَكْرَهُ فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ» ، ثُمَّ هَذَا نَتِيجَتُهُ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 8269
٥٩٣٠ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٩٣٠ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ) أَيْ: عَلَى الْأَعْدَاءِ (وَمُصِيبُونَ) أَيْ: لِلْغَنَائِمِ (وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ) ، أَيِ: الْبِلَادُ الْكَثِيرَةُ (فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ) ، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْكُمْ (فَلْيَتَّقِ اللَّهَ) ، أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ لِيَكُونَ كَامِلًا (وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) . لِيَكُونَ مُكْمَلًا لَا سِيَّمَا فِي أَيَّامِ إِمَارَتِهِ، وَتَحْصِيلِ عَدَالَتِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُنْكَرِ الْغُلُولُ وَهُوَ الْخِيَانَةُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 8270
٥٩٣١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ يَهُودِيَّةً مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ سَمَّتْ شَاةً مَصْلِيَّةً، ثُمَّ أَهْدَتْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الذِّرَاعَ، فَأَكَلَ مِنْهَا وَأَكَلَ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ) وَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَدَعَاهَا.
فَقَالَ: أَسَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ؟) فَقَالَتْ: مَنْ أَخْبَرَكَ؟ قَالَ: (أَخْبَرَتْنِي هَذِهِ فِي يَدِي) لِلذِّرَاعِ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَنْ تَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ فَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُعَاقِبْهَا، وَتُوَفِّي أَصْحَابُهُ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَاحْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كَاهِلِهِ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَكَلَ مِنَ الشَّاةِ، حَجَمَهُ أَبُو هِنْدٍ بِالْقَرْنِ وَالشَّفْرَةِ، وَهُوَ مَوْلًى لِبَنِي بَيَاضَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٩٣١ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ يَهُودِيَّةً مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ) : قِيلَ: إِنَّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَهِيَ بِنْتُ أَخِي مَرْحَبِ بْنِ أَبِي مَرْحَبٍ (سَمَّتْ شَاةً) ، أَيْ: جَعَلَتْهَا مَسْمُومَةً (مَصْلِيَّةً) ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ مَشْوِيَّةً. قِيلَ: وَأَكْثَرَتِ السُّمَّ فِي الْكَتِفِ وَالذِّرَاعِ لَمَّا بَلَغَهَا أَنَّهُمَا أَحَبُّ أَعْضَاءِ الشَّاةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (ثُمَّ أَهْدَتْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ) ، أَيْ: إِلَيْهِ ﷺ (فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الذِّرَاعَ، فَأَكَلَ مِنْهَا وَأَكَلَ رَهْطٌ) أَيْ: جَمَاعَةٌ (مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَهُ) ، أَيْ: مِنْ لَحْمِ تِلْكَ الشَّاةِ (فَقَالَ ﷺ : ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ) أَيْ: كُفُّوهَا وَامْنَعُوهَا عَنِ الْأَكْلِ (وَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَدَعَاهَا) ، أَيْ
стр. 8271
طَلَبَهَا فَحَضَرَتْ (فَقَالَ: سَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ) ؟ لَا بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ، بَلْ بِالْجَزْمِ فِي إِخْبَارِ الْكَلَامِ، وَلِذَا لَمْ تَقُلْ: لَا أَوْ نَعَمْ (قَالَتْ: مَنْ أَخْبَرَكَ؟) أَيِ: اللَّهُ أَوْ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي هَذِهِ) أَيْ: هَذِهِ «الذِّرَاعُ بِإِنْطَاقِ اللَّهِ إِيَّاهَا» . وَقَوْلُهُ: (وَفِي يَدِي) : حَالٌ مِنْ هَذِهِ، أَيْ: مُسْتَقِرَّةً فِيهَا (لِلذِّرَاعِ) . وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى (عَنْ) نَحْوَ قَالَ لِزَيْدٍ: إِنَّهُ لَمْ يَفْعَلِ الشَّرَّ أَيْ: قَالَ عَنْهُ، وَالْمَعْنَى قَالَ عَنِ الذِّرَاعِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْنِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى (إِلَى) أَيْ: قَالَ ذَلِكَ مُشِيرًا إِلَيْهَا (قَالَتْ: نَعَمْ. قُلْتُ) : جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ (إِنْ كَانَ) أَيْ: مُحَمَّدٌ (نَبِيًّا فَلَنْ تَضُرَّهُ) ، أَيِ: الشَّاةُ الْمَسْمُومَةُ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ فَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ اخْتِلَافٌ إِذِ الرِّوَايَةُ وَرَدَتْ بِأَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهَا فَقُتِلَتْ، وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ عَفَا عَنْهَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَلَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ مِنَ الْأَكْلَةِ الَّتِي ابْتَلَعَهَا أَمَرَ بِهَا فَقُتِلَتْ مَكَانَهُ اهـ. وَفِي الْمَوَاهِبِ، وَقِيلَ: أَسْلَمَتْ وَلَمْ تُقْتَلْ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ قَوْلُهُ: فَعَفَا عَنْهَا أَيْ: تَرَكَهَا أَوَّلًا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ أَمَرَ بِقَتْلِهَا قِصَاصًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا لِكَوْنِهَا أَسْلَمَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِقَتْلِهَا قِصَاصًا لِقَتْلٍ بِشْرٍ، وَلَمْ يَنْفَرِدِ الزُّهْرِيُّ بِدَعْوَاهُ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ، فَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فِي مَغَازِيهِ. وَلَفْظُهُ بَعْدَ قَوْلِهَا: وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ، وَقَدِ اسْتَبَانَ لِي أَنَّكَ صَادِقٌ، وَأَنَا أُشْهِدُكَ وَمَنْ حَضَرَ عَلَى دِينِكَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. (وَتُوَفِّيَ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ) ، أَيْ: بَعْضُهُمْ وَهُوَ بِشْرٌ ( «وَاحْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كَاهِلِهِ» ) : بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ: بَيْنَ كَتِفَيْهِ (مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَكَلَ مِنَ الشَّاةِ) أَيِ: الْمَسْمُومَةِ (حَجَمَهُ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (أَبُو هِنْدٍ) : قِيلَ اسْمُهُ يَسَارٌ الْحَجَّامُ (بِالْقَرْنِ وَالشَّفْرَةِ) ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: كَانَتِ الْمِحْجَمَةُ قَرْنًا (وَالْمِبْضَعَةُ) السِّكِّينُ الْعَرِيضُ (وَهُوَ) ، أَيْ: أَبُو هِنْدٍ (مَوْلًى لِبَنِي بَيَاضَةَ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ قَبِيلَةٌ (مِنَ الْأَنْصَارِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 8272
٥٩٣٢ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ، «أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عَشِيَّةً، فَجَاءَ فَارِسٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. إِنِّي طَلِعْتُ عَلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِمْ.
بِظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمُ اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: (تِلْكَ غَنِيمَةٌ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) قَالَ: (مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ) قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: (ارْكَبْ) فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ. قَالَ: (اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ) فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُصَلَّاهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: (هَلْ حَسِسْتُمْ فَارِسَكُمْ) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا حَسِسْنَا، فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: (أَبْشِرُوا، فَقَدْ جَاءَ فَارِسُكُمْ) فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلَالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ، حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ طَلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ) قَالَ: لَا إِلَّا مُصَلِّيَا أَوْ قَاضِيَ حَاجَةٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا) » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٩٣٢ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ أُمُّ جَدِّهِ، وَقِيلَ أُمُّهُ، وَإِلَيْهَا يُنْسَبُ، وَبِهَا يُعْرَفُ، وَاسْمُ أَبِيهِ الرَّبِيعُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ سَهْلٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَكَانَ فَاضِلًا مُعْتَزِلًا عَنِ النَّاسِ، كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَكَانَ عَقِيمًا لَا يُولَدُ لَهُ، سَكَنَ الشَّامَ وَمَاتَ بِدِمَشْقَ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ (أَنَّهُمْ) أَيِ: الصَّحَابَةَ (سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ) ، أَيْ: وَقْتَ تَوَجُّهِهِ إِلَيْهِ (فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ) أَيْ: أَطَالُوا وَبَالَغُوا فِيهِ (حَتَّى كَانَ عَشِيَّةً) ، أَيِ: السَّيْرُ مُمْتَدٌّ إِلَى وَقْتِ الْعَشِيَّةِ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: حَتَّى كَانَ الْوَقْتُ عَشِيَّةً (فَجَاءَ فَارِسٌ) ، أَيْ: رَاكِبُ فَرَسٍ (مُسْرِعًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي طَلِعْتُ) : بِكَسْرِ اللَّامِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفَتْحِهَا أَيْ: عَلَوْتُ (عَلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا) ، فَفِي الْقَامُوسِ: طَلَعَ الْجَبَلَ عَلَاهُ كَطَلِعَ بِالْكَسْرِ، وَاقْتَصَرَ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى الْكَسْرِ، وَصَاحِبُ الْمِفْتَاحِ عَلَى الْفَتْحِ، وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ ضُبِطَ بِالْكَسْرِ، وَوُضِعَ عَلَيْهِ صَحٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ (عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِمْ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: كُلُّهُمْ مُجْتَمِعِينَ، فَقِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَحْمِلُ جَمِيعَ أَوْلَادِهِ عَلَى بَكْرَةٍ، وَالْبَكْرُ بِالْفَتْحِ الْفَتِيُّ مِنَ الْإِبِلِ بِمَنْزِلَةِ الْغُلَامِ مِنَ النَّاسِ، وَالْأُنْثَى بَكْرَةٌ، وَجَاءُوا عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِمْ كَلِمَةٌ لِلْعَرَبِ، وَيُرِيدُونَ بِهَا الْكَثْرَةَ. وَقَالَ الْقَاضِي يُقَالُ: جَاءَ الْقَوْمُ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِمْ أَيْ جَاءُوا بِأَجْمَعِهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَعَلَى هَاهُنَا بِمَعْنَى (مَعَ) وَهُوَ مَثَلٌ يَضْرِبُهُ الْعَرَبُ، وَكَانَ السَّبَبُ أَنَّ فِيهِ جَمْعًا مِنَ الْعَرَبِ عَرَضَ لَهُمُ انْزِعَاجٌ، فَارْتَحَلُوا جَمِيعًا، وَلَمْ يُخَلِّفُوا.
стр. 8273
شَيْئًا حَتَّى أَنَّ بَكْرَةً كَانَتْ لِأَبِيهِمْ أَخَذُوهَا مَعَهُمْ، فَقَالَ مَنْ وَرَاءَهُمْ جَاءُوا عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، فَصَارَ ذَلِكَ مَثَلًا فِي قَوْمٍ جَاءُوا بِأَجْمَعِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ بَكْرَةٌ، وَهِيَ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا الْمَاءُ، فَاسْتُعِيرَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ (بِظُعُنِهِمْ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي جَمَاعَةُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الَّذِينَ يَظْعُنُونَ أَيْ: يَرْتَحِلُونَ. كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ. وَقَالَ الْجَزَرِيُّ، أَيْ: بِنِسَائِهِمْ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عَلَى أَنَّهَا جَمْعُ الظَّعِينَةِ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ مَا دَامَتْ فِي الْهَوْدَجِ وَقِيلَ: هِيَ الْهَوْدَجُ كَانَتْ فِيهَا امْرَأَةٌ أَوْ لَا. وَهُوَ مَرْكَبٌ مِنْ مَرَاكِبِ النِّسَاءِ مُقَبَّبٌ وَغَيْرُ مُقَبَّبٍ (وَنَعَمِهِمْ) ، بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ وَبِأَمْوَالِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ (اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ) ، أَيْ: مُتَوَجِّهِينَ إِلَيْهِ (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: مُتَعَجِّبًا مِنْ حُسْنِ صَنِيعِهِ سُبْحَانَهُ (وَقَالَ: تِلْكَ) أَيْ: تِلْكَ الْجَمَاعَةُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَمْوَالِ (غَنِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ) : لِلتَّبَرُّكِ أَوْ لِلتَّقْيِيدِ احْتِيَاطًا (ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَحْرُسُنَا) ؟ بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: يَحْفَظُ عَسْكَرَنَا مِنَ الْبَيَاتِ (اللَّيْلَةَ) ؟ أَيِ الْآتِيَةَ. (قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ (الْغَنَوِيُّ) : بِفَتْحَتَيْنِ (أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) . قَالَ الْمُؤَلِّفُ: شَهِدَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ فَتْحَ مَكَّةَ وَحُنَيْنًا، وَمَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَلَهُ وَلِأَبِيهِ وَجَدِّهِ وَأَخِيهِ صُحْبَةٌ، وَاسْمُ أَبِي مَرْثَدٍ كَنَازٌ بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَبِالزَّايِ، وَقِيلَ: إِنَّ اسْمَهُ أُنَيْسٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ أَكْثَرُ، يُقَالُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) . وَقِيلَ: غَيْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ: ارْكَبْ فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ فَقَالَ: اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ (حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُصَلَّاهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: سُنَّةَ الصُّبْحِ (ثُمَّ قَالَ: هَلْ حَسِسْتُمْ) : بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ: أَدْرَكْتُمْ بِالْحِسِّ (فَارِسَكُمْ) ؟ بِأَنْ رَأَيْتُمُوهُ أَوْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ؟ (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَسِسْنَا) ، أَيْ مَا عَرَفْنَا لَهُ خَبَرًا، وَلَا رَأْيَنَا لَهُ أَثَرًا (فَثُوِّبَ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ أُقِيمَ (بِالصَّلَاةِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَصْلُ فِي التَّثْوِيبِ أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مُسْتَصْرِخًا، فَيُلَوِّحُ بِثَوْبِهِ لِيُرَى وَيُشْتَهَرَ فَسُمِّيَ الدُّعَاءُ تَثْوِيبًا لِذَلِكَ وَكُلُّ دَاعٍ مُثَوِّبٌ، (فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وَالْمَعْنَى فَشَرَعَ حَالَ الصَّلَاةِ (يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ) ، أَيْ: يَمِيلُ بِطَرْفِ عَيْنِهِ إِلَى جِهَةِ الطَّرِيقِ فِي الْجَبَلِ (حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ) ، أَيْ: أَدَّاهَا وَفَرَغَ مِنْهَا (قَالَ: أَبْشِرُوا، فَقَدْ جَاءَ فَارِسُكُمْ) . الْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ (فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلَالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ) ، بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ الْخَلَلِ بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ الْفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ (فَإِذَا هُوَ) أَيِ: الْفَارِسُ (قَدْ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: رَاكِبًا أَوْ نَازِلًا (قَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ، حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) لَا يَخْفَى حُسْنُ الْعُدُولِ عَنْ قَوْلِهِ حَيْثُ أُمِرْتُ (فَلَمَّا أَصْبَحْتُ طَلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا) ، أَيْ: أَتَيْتُ طَرِيقَيِ الْجَبَلِ وَجَوَانِبِهِمَا مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَحَدٌ مَخْفِيًّا (فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ نَزَلْتَ) ، أَيْ: عَنِ الدَّابَّةِ (اللَّيْلَةَ) ؟ أَيِ الْبَارِحَةَ وَهِيَ الْمَاضِيَةُ (قَالَ: لَا إِلَّا مُصَلِّيَا أَوْ قَاضِيَ حَاجَةٍ) . أَيْ: مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلَا عَلَيْكَ) ، أَيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ (فِي أَنْ لَا تَعْمَلَ) أَيْ: مِنَ النَّوَافِلِ وَالْفَضَائِلِ (بَعْدَهَا) . أَيْ: بَعْدَ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الَّتِي فَعَلْتَهَا، فَإِنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَكَ فَضِيلَةٌ كَافِيَةٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ. وَفِيهِ بِشَارَةٌ مِنْهُ ﷺ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ النَّظَرِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ بِأَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنَ الْمِيرَاثِ وَالْخَيْرَاتِ، فَإِنَّ عَمَلَكَ اللَّيْلَةَ كَافِيَةٌ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ مَثُوبَةً وَفَضِيلَةً، وَأَرَادَ النَّوَافِلَ وَالتَّبَرُّعَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ لَا الْفَرَائِضَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْقُطُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى مَا عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْجِهَادِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ جُبْرَانًا لِقَلْبِهِ وَتَسْلِيَةً لَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 8274
٥٩٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِتَمَرَاتٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ، فَضَمَّهُنَّ، ثُمَّ دَعَا لِي فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ، قَالَ: (خُذْهُنَّ فَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدِكَ، كُلَّمَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَدْخِلْ فِيهِ يَدَكَ فَخُذْهُ وَلَا تَنْثُرْهُ نَثْرًا) . فَقَدْ حَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ وَسْقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكُنَّا نَأْكُلُ مِنْهُ وَنُطْعِمُ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُ حَقْوِي حَتَّى كَانَ يَوْمُ قَتْلِ عُثْمَانَ فَإِنَّهُ انْقَطَعَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٩٣٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِتَمَرَاتٍ) ، بِفَتَحَاتٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ: كَانَتِ التَّمَرَاتُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، كَذَا فِي الْأَذْكَارِ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ادْعُ اللَّهَ فِيهِنَّ الْبَرَكَةَ) ، أَيِ: اسْأَلِ اللَّهَ الْبَرَكَةَ فِيهِنَّ أَوْ لِأَجْلِهِنَّ (فَضَمَّهُنَّ) ؟ أَيْ: فَأَخَذَهُنَّ بِيَدِهِ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِنَّ (ثُمَّ دَعَا لِي) ، أَيْ: لِأَجْلِي خُصُوصًا (فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ) ، أَيْ: بِالْبَرَكَةِ فِيهِنَّ، وَكَثْرَةِ الْخَيْرِ فِي أَكْلِهِنَّ مَعَ بَقَائِهِنَّ (قَالَ) ، أَيْ: بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ (خُذْهُنَّ فَاجْعَلْهُنَّ) ، أَيْ: أَدْخِلْهُنَّ (فِي مِزْوَدِكَ) ، بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَهُوَ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الزَّادُ مِنَ الْجِرَابِ وَغَيْرِهِ، (كُلَّمَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنَ التَّمْرِ أَوْ مِنَ الْمِزْوَدِ (شَيْئًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ جَعَلَ مِنْهُ صِلَةً لِتَأْخُذَ، وَشَيْئًا: مَفْعُولٌ لَهُ، فَيَكُونُ نَكِرَةً شَائِعَةً، فَلَا يَخْتَصُّ بِالتَّمْرِ، جَعَلَ وَإِنْ حَالًا مِنْ شَيْئًا اخْتَصَّ بِهِ، (فَأَدْخِلْ فِيهِ) ، أَيْ: فِي الْمِزْوَدِ (يَدَكَ فَخُذْهُ) ، أَيِ: التَّمْرَ مِنْهُ (وَلَا تَنْثُرْهُ) ؟ بِضَمٍّ الْمُثَلَّثَةِ وَتُكْسَرُ (نَثْرًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، فَفِي الْمِصْبَاحِ نَثَرْتُهُ نَثْرًا مِنْ بَابَيْ نَصَرَ وَضَرَبَ رَمَيْتُ بِهِ مُتَفَرِّقًا (فَقَدْ حَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ وَسْقٍ) ، أَيْ: سِتِّينَ صَاعًا عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَصَرَّحَ بِهِ شَارِحٌ أَوْ حِمْلَ بَعِيرٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْقَامُوسِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ حَمَلْتُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَعْنَى الْأَخْذِ أَيْ: أَخَذْتُهُ مِقْدَارَ كَذَا بِدُفَعَاتٍ انْتَهَى. وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمُدَّعَى، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ) ، أَيْ: أَنَا وَأَصْحَابِي (نَأْكُلُ مِنْهُ وَنُطْعِمُ) ، أَيْ: غَيْرَنَا (وَكَانَ) ، أَيِ: الْمِزْوَدُ (لَا يُفَارِقُ حَقْوِي) ، أَيْ: وَسَطِي. قَالَ شَارِحٌ: الْحَقْوُ الْإِزَارُ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَوْضِعُ شَدِّ الْإِزَارِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَقْوُ مَعْقِدُ الْإِزَارِ، وَسُمِّيَ الْإِزَارُ بِهِ لِلْمُجَاوِرَةِ (حَتَّى كَانَ يَوْمُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَجُوِّزَ نَصْبُهُ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ حَتَّى كَانَ الزَّمَانُ يَوْمَ (قَتْلِ عُثْمَانَ) : بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ مُضَافًا إِلَى مَفْعُولِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَعُثْمَانُ نَائِبُ الْفَاعِلِ. قَالَ الْخَلْخَالِيُّ: يَجُوزُ فَتْحُ يَوْمَ مُضَافًا إِلَى قَتْلِ، وَهُوَ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ كَانَ التَّامَّةِ. (فَإِنَّهُ) ، أَيِ: الْمِزْوَدُ (انْقَطَعَ) . أَيْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَسَقَطَ مِنِّي وَضَاعَ، فَحَزِنْتُ عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْفَسَادَ إِذَا شَاعَ ارْتَفَعَتِ الْبَرَكَةُ، وَكَانَ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ:
لِلنَّاسِ هَمٌّ وَلِي هَمَّانِ بَيْنَهُمُ هَمُّ الْجَوَابِ وَهَمُّ الشَّيْخِ عُثْمَانَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8275
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٩٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوِثَاقِ يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ اقْتُلُوهُ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ أَخْرِجُوهُ.
فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، فَبَاتَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ. وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسَبُونَهُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوْا عَلِيًّا رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهُمْ فَقَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا، قَالَ: لَا أَدْرِي. فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُ فَلَمَّا بَلَغُوا الْجَبَلَ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا الْجَبَلَ، فَمَرُّوا بِالْغَارِ، فَرَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ فَقَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٩٣٤ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ) ، أَيْ فِي دَارِ النَّدْوَةِ وَحَضَرَ مَعَهُمُ الشَّيْطَانُ عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ) : بِفَتْحِ هَمْزٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ، أَيْ: فَارْبُطُوهُ (بِالْوَثَاقِ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ (يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ ) ، أَيْ: يَعْنُونَهُ بِالضَّمِيرَيْنِ الْمُسْتَتِرِ وَالْبَارِزِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِثْبَاتِهِ بِهِ حَبْسُهُ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ اقْتُلُوهُ) ، وَحَصِّلُوا لَكُمْ مِنْهُ الرَّاحَةَ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَخْرِجُوهُ) ، أَيْ عَلَى وَجْهِ
стр. 8276
الْإِهَانَةِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا بِإِسْلَامِ الْأَنْصَارِ وَمُتَابَعَتِهِمْ خَافُوا وَاجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ مُتَشَاوِرِينَ فِي أَمْرِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ فَقَالَ: أَنَا مِنْ نَجْدٍ سَمِعْتُ اجْتِمَاعَكُمْ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَحْضُرَكُمْ، وَلَنْ تَعْدَمُوا مِنِّي رَأْيًا وَنُصْحًا، فَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: رَأْيِي أَنْ تَحْبِسُوهُ فِي بَيْتٍ وَتَسُدُّوا مَنَافِذَهُ غَيْرَ كُوَّةٍ تُلْقُونَ إِلَيْهِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْهَا حَتَّى يَمُوتَ. وَقَالَ الشَّيْخُ: بِئْسَ الرَّأْيُ يَأْتِيكُمْ مَنْ يُقَاتِلُكُمْ مِنْ قَوْمِهِ، وَيُخَلِّصُهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ. فَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو: رَأْيِي أَنْ تَحْمِلُوهُ عَلَى جَمَلٍ فَتُخْرِجُوهُ مِنْ أَرْضِكُمْ، فَلَا يَضُرُّكُمْ مَا صَنَعَ. فَقَالَ: بِئْسَ الرَّأْيُ يُفْسِدُ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَيُقَاتِلُكُمْ بِهِمْ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَنَا أَرَى أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ كُلِّ بَطْنٍ غُلَامًا وَتُعْطُوهُ سَيْفًا فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَيَتَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ، فَلَا تَقْوَى بَنُو هَاشِمٍ عَلَى حَرْبِ قُرَيْشٍ كُلِّهِمْ، فَإِذَا طَلَبُوا الْعَقْلَ عَقَلْنَاهُ، فَقَالَ: صَدَقَ هَذَا الْفَتَى، فَتَفَرَّقُوا عَلَى رَأْيِهِ. (فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ بِأَنْ جَاءَهُ جِبْرِيلُ وَأَخْبَرَهُ بِالْخَبَرِ وَأَمَرَهُ بِالْهِجْرَةِ فَبَيَّتَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - عَلَى مَضْجَعِهِ وَخَرَجَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ إِلَى الْغَارِ (فَبَاتَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ ﷺ ) ، أَيْ: لِلتَّعْمِيَةِ عَنْهُ فِي التَّخْلِيَةِ إِذْ كَانَ رَأْيُ الْكُفَّارِ تَقَرَّرَ عَلَى أَنَّهُمْ يَحْرُسُونَهُ فِي اللَّيْلِ، ثُمَّ فِي الصُّبْحِ يَقْتُلُونَهُ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: تِلْكَ اللَّيْلَةَ، (وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ، وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسَبُونَهُ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا، أَيْ: يَظُنُّونَ عَلِيًّا (النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا) :. بِمُثَلَّثَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ أَيْ وَثَبُوا (عَلَيْهِ) ، أَيْ عَلَى مَنْ عَلَى الْمَرْقَدِ ظَنًّا أَنَّهُ النَّبِيُّ ﵇ (فَلَمَّا رَأَوْا عَلِيًّا) ، أَيْ: مَكَانَهُ (رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهُمْ) ، أَيْ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] (فَقَالُوا) أَيْ لِعَلِيٍّ (أَيْنَ) ، أَيْ: ذَهَبَ (صَاحِبُكَ هَذَا) ؟ أَيِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ ﷺ (قَالَ) ، أَيْ: عَلِيٌّ مِنْ كَمَالِ عَقْلِهِ (لَا أَدْرِي) : وَهُوَ إِمَّا حَقِيقَةٌ أَوْ تَوْرِيَةٌ (فَاقْتَصُّوا) : بِتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَتَبَّعُوا (أَثَرَهُ) ، أَيْ آثَارَ قَدَمِهِ (فَلَمَّا بَلَغُوا الْجَبَلَ) ، أَيْ: جَبَلَ ثَوْرٍ (اخْتَلَطَ) ، أَيِ: اشْتَبَهَ أَمْرُ الْأَثَرِ (عَلَيْهِمْ فَصَعِدُوا الْجَبَلَ) ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ فَفِي الْقَامُوسِ: صَعِدَ فِي السُّلَّمِ كَسَمِعَ انْتَهَى، فَصَعِدُوا الْجَبَلَ مِنْ بَابِ دَخَلْتُ الدَّارَ أَيْ: فَطَلَعُوا عَلَيْهِ (فَمَرُّوا بِالْغَارِ) ، أَيْ بِالْكَهْفِ الَّذِي فَوْقَ ذَلِكَ الْجَبَلِ فَظَنُّوا أَنَّهُ فِيهِ (فَرَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ) ، أَيْ: مَنْسُوجَةً (فَقَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ) ، وَقِيلَ: لَمَّا دَخَلَ الْغَارَ بَعَثَ اللَّهُ حَمَامَتَيْنِ فَبَاضَتَا فِي أَسْفَلِهِ، وَالْعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ طَلَعُوا فَوْقَ الْغَارِ بِحَيْثُ لَوْ نَظَرُوا إِلَى أَقْدَامِهِمْ لَرَأَوْهُمَا، فَأَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ﵇: (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) فَأَعْمَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الْغَارِ، فَجَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ حَوْلَهُ، فَلَمْ يَرَوْهُ، وَلَا مَنْعَ مِنْ جَمْعِ الْجَمْعِ. (فَمَكَثَ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهِ أَيْ: لَبِثَ (فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ) أَيْ ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 8277
٥٩٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنَ الْيَهُودِ) . فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
(إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عَنْهُ؟) . قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ أَبُوكُمْ؟) قَالُوا: فُلَانٌ. قَالَ: (كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ) قَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ. قَالَ: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟) . قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا فَقَالَ لَهُمْ: (مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟) قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا) . ثُمَّ قَالَ: (هَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟) . فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. قَالَ: (هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟) قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: (فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟) ، قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَنْ نَسْتَرِيحَ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَمْ يَضُرَّكَ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٩٣٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ» ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا وَتُكْسَرُ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اجْمَعُوا لِي) ، أَيْ: لِأَجْلِي، وَفِي نُسْخَةٍ إِلَيَّ أَيْ مُنْتَهِينَ إِلَيَّ، أَوِ اجْعَلُوا مُجْتَمِعِينَ عِنْدِي (مَنْ كَانَ هَاهُنَا) ، أَيْ: فِي هَذَا الْمَكَانِ (مِنَ الْيَهُودِ) فَجُمِعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
стр. 8278
(إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ) ، أَيْ أَوَّلًا (فَهَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ) ، بِتَشْدِيدِ الدَّالِ وَالْيَاءِ أَيْ: مُصَدِّقُونِي فِي الْإِخْبَارِ (عَنْهُ) ، أَيْ ثَانِيًا. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ فِي أَصْلِ الْمَالِكِيِّ: صَادِقُونِي بِالتَّحْقِيقِ. قَالَ: كَذَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ دُخُولُ نُونِ الْوِقَايَةِ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُعْرَبَةِ الْمُضَافَةِ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ لِتَقِيَهَا عَنْ خَفَاءِ الْإِعْرَابِ، فَلَمَّا مَنَعُوهَا ذَلِكَ صَارَ الْأَصْلُ مَتْرُوكًا فَنَبَّهُوا عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَسْمَاءِ الْمُعْرَبَةِ الْمُشَابِهَةِ لِلْفِعْلِ، (قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَبُوكُمْ) ؟ أَيْ جَدُّكُمْ (قَالُوا: فُلَانٌ) ، أَيْ: بِطَرِيقِ الْكَذِبِ عَلَى وَجْهِ الِامْتِحَانِ (قَالَ: كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ. قَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: أَحْسَنْتَ (قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ) أَيْ: ثُمَّ أَخْبَرَتْكُمْ بِهِ (قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَذَبْنَاكَ) ، أَيْ: فِي قَوْلِنَا هَذَا (عَرَفْتَ كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا. فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا) ، أَيْ: زَمَانًا قَلِيلًا، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] (ثُمَّ تَخْلُفُونَا) : بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَتُخَفَّفُ أَيْ: تَعْقُبُونَنَا (فِيهَا) . وَهَذَا عَلَى زَعْمِهِمُ الْفَاسِدِ، وَاعْتِقَادِهِمُ الْكَاسِدِ أَنَّهُ قَوْلُ صِدْقٍ وَخَبَرُ حَقٍّ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اخْسَئُوا فِيهَا) : إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وَهُوَ الْأَصْلُ زَجْرُ الْكَلْبِ، فَالْمَعْنَى اسْكُتُوا فِي سُكُوتِ هَوَانٍ، فَإِنَّكُمْ كَاذِبُونَ فِي أَخْبَارِكُمْ (وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا) . ثُمَّ قَالَ: (هَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ فِي شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ: هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا) ، أَيْ: فِي دَعْوَى رِسَالَتِكَ (أَنْ نَسْتَرِيحَ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَمْ يَضُرَّكَ) . بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، وَلَوْ رُوِيَ بِكَسْرِ الضَّادِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ لَجَازَ، كَمَا قُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] فِي آلِ عِمْرَانَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي قَوْلِهِ: أَنْ نَسْتَرِيحَ مَفْعُولٌ لَأَرَدْنَا وَجَزَاءُ الشَّرْطِ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ مَحْذُوفٌ لِوُجُودِ الْقَرِينَةِ أَيْ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَنَسْتَرِيحُ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَمْ يَضُرَّكَ، فَنَنْتَفِعُ بِهِدَايَتِكَ، وَحَاصِلُهُ أَرَدْنَا الِامْتِحَانَ، يَعْنِي فَإِمَّا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّكَ كَاذِبٌ فَنَسْتَرِيحَ مِنْكَ، وَإِمَّا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّكَ نَبِيٌّ فَنَتَّبِعَكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْ فَحْوَاهُمْ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِي دَعْوَاهُمْ، فَثَبَتَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ بِظُهُورِ الْمُعْجِزَةِ السَّابِغَةِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 8279
٥٩٣٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا وَصَعِدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَخَطَبَنَا، حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا، حَتَّى الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَعْلَمُنَا أَحَفْظُنَا» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٩٣٦ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ الْأَنْصَارِيِّ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَبِي زَيْدٍ، غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزَوَاتٍ، وَمَسَحَ رَأَسَهُ وَدَعَا لَهُ بِالْجَمَالِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ بَلَغَ مِائَةَ سَنَةٍ، وَنَيِّفًا، وَمَا فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ إِلَّا نُبْذَةٌ مِنْ شَعْرٍ أَبْيَضَ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا الْفَجْرَ) ، أَيْ: صَلَاةَ الصُّبْحِ (وَصَعِدَ) بِالْكَسْرِ، أَيْ: طَلَعَ (عَلَى الْمِنْبَرِ فَخَطَبَنَا) ، أَيْ خَطَبَ لَنَا أَوْ وَعَظَنَا (حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ) ، أَيْ صَلَاةُ الظُّهْرِ بِدُخُولِ وَقْتِهَا (فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ) : فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ (فَخَطَبَنَا، حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، حَتَّى غَرَبَتِ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ أَوْ غَابَتِ (الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ، أَيْ: مُجْمَلًا أَوْ مُفَصَّلًا فَفِيهِ الْإِعْجَازُ أَكْثَرُ (قَالَ) ، أَيْ: عَمْرٌو (فَأَعْلَمُنَا) أَيِ الْآنَ (احْفَظُنَا) ، أَيْ: يَوْمَئِذٍ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: أَحْفَظُنَا الْآنَ لِتِلْكَ الْقِصَّةِ أَعْمَلُنَا أَيِ الْآنَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8280
٥٩٣٧ - «وَعَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا: مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ - يَعْنِي - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - أَنَّهُ قَالَ: آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٩٣٧ - (وَعَنْ مَعْنٍ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، مَعْدُودٌ فِي التَّابِعِينَ (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ، أَيِ: ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيِّ (قَالَ) ، أَيْ مَعْنٌ (سَمِعْتُ أَبِي) ، أَيْ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا) : وَهُوَ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ (مَنْ آذَنَ) : بِذَلِكَ، أَيْ: مَنْ أَعْلَمَ (النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ) أَيْ: بِحُضُورِهِمْ (لَيْلَةَ) : بِالتَّنْوِينِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا بِنَاءً عَلَى إِضَافَتِهَا إِلَى قَوْلِهِ: (اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ) ؟ بَلْ قِيلَ: هُوَ أَفْصَحُ فِي قَوْلِهِ: لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، وَكَذَا فِي: يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٩] عِنْدَ جُمْهُورِ الْقُرَّاءِ. (فَقَالَ) ، أَيْ: مَسْرُوقٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ (حَدَّثَنِي أَبُوكَ - يُعْنَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ -) : تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ الْمُتَأَخِّرِينَ (أَنَّهُ) ، أَيِ: ابْنَ مَسْعُودٍ، وَلَا يَبْعُدُ رَجْعُ الضَّمِيرِ إِلَيْهِ ﷺ (قَالَ: آذَنَتْ) : بِالْمَدِّ أَيْ: أَعْلَمَتْ (بِهِمْ شَجَرَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8281
٥٩٣٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَتَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ، وَكُنْتُ رَجُلًا حَدِيدَ الْبَصَرِ، فَرَأَيْتُهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهُ غَيْرِي، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِعُمَرَ: أَمَا تَرَاهُ؟ فَجَعَلَ لَا يَرَاهُ، قَالَ: يَقُولُ عُمَرُ: سَأَرَاهُ وَأَنَا مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالْأَمْسِ، يَقُولُ: (هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ) . قَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَأُوا الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَجُعِلُوا فِي بِئْرٍ، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، قَالَ: (يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ وَيَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ! هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا) . فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ قَالَ: (مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيْئًا» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٩٣٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَتَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ) ، أَيْ: فَطَلَبْنَا رُؤْيَتَهُ (وَكُنْتُ رَجُلًا حَدِيدَ الْبَصَرِ، فَرَأَيْتُهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهُ) ، أَيِ: الْهِلَالَ (غَيْرِي، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِعُمَرَ: أَمَّا تَرَاهُ؟ فَجَعَلَ لَا يَرَاهُ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ اتِّبَاعٌ لِقَوْلِهِ: فَجَعَلْتُ أَيْ: طَفِقْتُ أُرِيهِ الْهِلَالَ، فَهُوَ لَا يَرَاهُ، فَأَقْحَمَ جَعَلَ مُشَاكَلَةً، كَمَا أُقْحِمَ ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨] انْتَهَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ فَجَعَلَ عُمَرُ يُطَالِعُ فِي السَّمَاءِ حَالَ كَوْنِهِ لَا يَرَاهُ. (قَالَ: يَقُولُ عُمَرُ) ، أَيْ: بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْ رُؤْيَتِهِ (سَأَرَاهُ وَأَنَا مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِي) ، الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ وَالْمَعْنَى سَأَرَاهُ بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَيْسَ لِي إِلَى رُؤْيَتِهِ الْآنَ حَاجَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: لَا يُهِمُّنِي الْآنَ رُؤْيَتَهُ بِتَعَبٍ سَأَرَاهُ بَعْدُ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ (ثُمَّ أَنْشَأَ) ، أَيِ: ابْتَدَأَ (عُمَرُ يُحَدِّثُنَا عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ. قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُرِينَا) : بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: يُعْلِمُنَا (مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ) ، أَيْ: مَوَاضِعَ طَرْحِهِمْ وَصَرْعِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ (بِالْأَمْسِ) ، أَيْ بِأَمْسِ الْقَضِيَّةِ لَا الْحِكَايَةِ (يَقُولُ: هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ) ، أَيْ: غَدًا كَمَا فِي نُسْخَةٍ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) . يَعْنِي وَهَكَذَا إِلَى أَنْ بَيَّنَ مَصَارِعَ سَبْعِينَ مِنْهُمْ. (قَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي بَعَثَهُ) ، أَيِ: النَّبِيَّ ﷺ (بِالْحَقِّ) ، أَيْ: بِالصِّدْقِ (مَا أَخْطَأُوا) ، أَيْ: مَا تَجَاوَزُوا الْمَذْكُورَ (الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّهَا) ، أَيِ: الْمَوَاضِعَ الَّتِي بَيَّنَهَا وَعَيَّنَهَا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ: مَا أَخْطَأُ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ، فَالْمَعْنَى مَا أَغْلَطُهَا، بَلْ أَحْفَظُهَا وَأَعْرِفُهَا، لَكِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى سُقُوطِ الْوَاوِ عَنْ رَسْمِ الْكِتَابَةِ، وَحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بِنَاءِ الْغَائِبِ الْمُذَكَّرِ الْمُفْرَدِ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ) ، أَيْ: عُمَرُ (فَجُعِلُوا) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ فَأُلْقُوا (فِي بِئْرٍ) ، أَيْ مَهْجُورَةٍ. (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ) : بِفَتْحِ النُّونَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَهُمَا كِنَايَتَانِ عَنِ الْعَلَمَيْنِ (وَيَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، وَهَكَذَا) : إِلَى أَنْ نَادَى كُلَّهُمْ أَوْ بَعْضَهُمْ أَكْثَرَهُمْ أَوْ أَقَلَّهُمْ (هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا) . وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] فَهَؤُلَاءِ أَيْضًا لَا بُدَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: نَعَمْ، إِمَّا بِلِسَانِ الْقَالِ أَوْ بِبَيَانِ الْحَالِ. (فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا) ؟ أَيْ: بِظَاهِرِهَا أَوْ بِكَمَالِهَا (فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ) ، مُتَعَلِّقٌ بِأَسْمَعَ، وَالْمَعْنَى لَسْتُمْ بِأَقْوَى أَوْ أَكْثَرَ سَمَاعًا مِنْهُمْ لِمَا أَقُولُهُ لَهُمْ (غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيْئًا) . أَيْ مِنَ الْجَوَابِ مُطْلَقًا، أَوْ بِحَيْثُ أَنَّكُمْ تَسْمَعُونَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8282
٥٩٣٩ - وَعَنْ أُنَيْسَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عَنْ أَبِيهَا ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى زَيْدٍ يَعُودُهُ مِنْ مَرَضٍ كَانَ بِهِ، قَالَ: (لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ مَرَضِكَ بَأْسٌ، وَلَكِنْ كَيْفَ لَكَ إِذَا عُمِّرْتَ بَعْدِي فَعَمِيتَ؟) . قَالَ: أَحْتَسِبُ وَأَصْبِرُ. قَالَ: (إِذًا تَدْخُلِ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ) . قَالَ: فَعَمِيَ بَعْدَمَا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ ثُمَّ مَاتَ» .
ــ
٥٩٣٩ - (وَعَنْ أُنَيْسَةَ) : تَصْغِيرُ أَنِيسَةٍ كَجَلِيسَةٍ (بِنْتِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) ، لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (عَنْ أَبِيهَا) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ، يُعَدُّ فِي الْكُوفِيِّينَ، سَكَنَهَا وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، رَوَى عَنْهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ، (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى زَيْدٍ) : يَعْنِي نَفْسَهُ إِمَّا عَلَى التَّجْرِيدِ أَوْ بِنَوْعِ الِالْتِفَاتِ أَوْ بِتَصَرُّفِ الرُّوَاةِ (يَعُودُهُ مِنْ مَرَضٍ كَانَ بِهِ قَالَ: (لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ مَرَضِكَ بَأْسٌ، وَلَكِنْ كَيْفَ لَكَ) ، أَيْ: حَالًا وَمَالًا (إِذَا عُمِّرْتَ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ: طَالَ عُمُرُكَ (بَعْدِي فَعَمِيتَ؟) بِكَسْرِ الْمِيمِ، أَيْ: فَصِرْتَ أَعْمَى (قَالَ: أَحْتَسِبُ) ، أَيْ: أَطْلُبُ الثَّوَابَ (وَأَصْبِرُ. أَيْ عَلِمَ حُكْمَ رَبِّ الْأَرْبَابِ (قَالَ: (إِذًا) : بِالتَّنْوِينِ وَفِي نُسْخَةٍ إِذَا (تَدْخُلِ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ) . وَفِي نُسْخَةِ الْجَزَرِيِّ بِالرَّفْعِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ تَدْخُلُ بِمَعْنَى: تَسْتَحِقُّ دُخُولًا بِغَيْرِ مُحَاسَبَةٍ (قَالَ) ، أَيِ: الشَّخْصُ الرَّاوِي سَوَاءً كَانَ أُنَيْسَةُ أَوْ غَيْرُهَا (فَعَمِيَ بَعْدَ مَا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ ثُمَّ مَاتَ) . وَلَعَلَّهُ ﷺ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ رَدَّ بَصَرِهِ لِيَكُونَ مَشَقَّةُ صَبْرِهِ أَكْثَرَ، وَأَجْرُهُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ أَكْبَرَ، ثُمَّ حَصَلَ لَهُ النَّصْرُ مَعَ الصَّبْرِ.
стр. 8283
٥٩٤٠ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) . وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعَثَ رَجُلًا، فَكَذَبَ عَلَيْهِ، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوُجِدَ مَيِّتًا، وَقَدِ انْشَقَّ بَطْنُهُ، وَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ» . رَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
ــ
٥٩٤٠ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ، صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ تَقَوَّلَ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ: مَنْ كَذَبَ وَافْتَرَى (عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ) ، أَيْ: مُتَعَمِّدًا كَمَا فِي رِوَايَةٍ (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) . وَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ الْحَدِيثِ كَادَ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا فِي الْمَعْنَى كَمَا بَيَّنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ (وَذَلِكَ) ، أَيْ: وَسَبَبُ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ (أَنَّهُ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ (بَعَثَ رَجُلًا) ، أَيْ إِلَى قَوْمٍ أَوْ إِلَى أَحَدٍ (فَكَذَبَ عَلَيْهِ) ، أَيْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَانْكَشَفَ لَهُ بِنُورِ النُّبُوَّةِ أَوْ بَلَغَهُ خَبَرُهُ (فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوُجِدَ مَيِّتًا، وَقَدِ انْشَقَّ بَطْنُهُ، وَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ) . وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ الْجُوَيْنِيِّ: أَنَّ الْمُفْتَرِي عَلَى النَّبِيِّ ﵇ عَمْدًا كَافِرٌ. (رَوَاهُمَا) ، أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
стр. 8284
٥٩٤١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسَقِ شَعِيرٍ فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ فَفَنِيَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: (لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ وَلَقَامَ لَكُمْ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٩٤١ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسَقِ شَعِيرٍ) ، أَيْ: نِصْفَ وَسَقٍ وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا أَوْ حِمْلُ بَعِيرٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالشَّطْرِ الْبَعْضُ، فَإِنَّهُ بَعْضُ مَعَانِيهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] وَهُوَ أَنْسَبُ بِالْمَقَامِ لِدَلَالَتِهِ بِالْأَغْلَبِيَّةِ عَلَى الْمَرَامِ، وَقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ فِي حَدِيثِ: (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ) (فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ) : بِالرَّفْعِ أَيْ: وَتَأْكُلُ هِيَ أَيْضًا مِنْهُ (وَضَيْفُهُمَا) ، أَيْ: مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَذَلِكَ، وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ (حَتَّى كَالَهُ) ، أَيِ: الرَّجُلُ بَقِيَّةَ الْمَأْكُولِ (فَفَنِيَ) ، أَيْ نَفَذَ سَرِيعًا (فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ) ، أَيْ: فَذَكَرَ لَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ قَالَ: (لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَأَكَلْتُمْ) ، أَيْ: أَنْتَ وَامْرَأَتُكَ وَأَضْيَافُكُمَا (وَلَقَامَ لَكُمْ) . أَيْ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8285
٥٩٤٢ - وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْقَبْرِ يُوصِي الْحَافِرَ يَقُولُ: (أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ) فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِيَ امْرَأَتِهِ، فَأَجَابَ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَجِيءَ بِالطَّعَامِ، فَوَضَعَ يَدَهُ، ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ، فَأَكَلُوا، فَنَظَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا) . فَأَرْسَلَتِ الْمَرْأَةُ تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى النَّقِيعِ - وَهُوَ مَوْضِعٌ يُبَاعُ فِيهِ الْغَنَمُ - لِيُشْتَرَى لِي شَاةٌ، فَلَمْ تُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدِ اشْتَرَى شَاةً أَنْ يُرْسِلَ بِهَا إِلَيَّ بِثَمَنِهَا، فَلَمْ يُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَطْعِمِي هَذَا الطَّعَامَ الْأَسْرَى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.
ــ
٥٩٤٢ - (وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ) ، بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَضْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ الْجَرْمِيُّ الْكُوفِيُّ سَمِعَ أَبَاهُ وَغَيْرَهُ، وَمِنْهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ، وَحَدِيثُهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ انْتَهَى. وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: وَفِي الْمُعْجِزَاتِ (عَنْ أَبِيهِ) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةٍ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا (فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْقَبْرِ) ، أَيْ: طَرَفِهِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ (يُوصِي الْحَافِرَ) : بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَتَشْدِيدٍ حَالٌ أُخْرَى (يَقُولُ) : بَيَانٌ أَوْ بَدَلٌ (أَوْسِعْ) : أَمْرُ مُخَاطَبٍ لِلْحَافِرِ (مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ) ، بِكَسْرِ الْقَافِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ: مِنْ جَانِبِهِمَا (أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ) فَلَمَّا رَجَعَ) ، أَيْ: عَنِ الْمَقْبَرَةِ (اسْتَقْبَلَهُ دَاعِيَ امْرَأَتِهِ) ، أَيْ: زَوْجَةِ الْمُتَوَفَّى (فَأَجَابَ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَجِيءَ بِالطَّعَامِ، فَوَضَعَ يَدَهُ) ، أَيْ فِيهِ (ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ) ، أَيْ أَيْدِيَهُمْ (فَأَكَلُوا) ، هَذَا الْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ يَرُدُّ عَلَى مَا قَرَّرَهُ أَصْحَابُ مَذْهَبِنَا مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الطَّعَامِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّالِثِ، أَوْ بَعْدَ الْأُسْبُوعِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ، وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ: أَنَّهُ لَا يُبَاحُ اتِّخَاذُ الضِّيَافَةِ عِنْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَلَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ لِلْمُصِيبَةِ إِلَى ثَلَاثٍ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابٍ مَحْظُورٍ مِنْ فَرْشِ الْبُسُطِ وَالْأَطْعِمَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتَ. وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الضِّيَافَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَالْكُلُّ عَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ شَرْعٌ فِي السُّرُورِ، لَا فِي الشُّرُورِ. قَالَ: وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَقْبَحَةٌ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنِيعَهُمُ الطَّعَامَ مِنَ النِّيَاحَةِ انْتَهَى. فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُهُمْ بِنَوْعٍ خَاصٍّ مِنِ اجْتِمَاعٍ يُوجِبُ اسْتِحْيَاءَ أَهْلِ بَيْتِ الْمَيِّتِ، فَيُطْعِمُونَهُمْ كُرْهًا، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى كَوْنِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ صَغِيرًا أَوْ غَائِبًا، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ رِضَاهُ، أَوْ لَمْ يَكُنِ الطَّعَامُ مِنْ عِنْدِ أَحَدٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ قَبْلَ قِسْمَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَعَلَيْهِ مُجْمَلُ قَوْلِ قَاضِي خَانْ: يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الضِّيَافَةِ فِي أَيَّامِ الْمُصِيبَةِ ; لِأَنَّهَا أَيَّامُ تَأَسُّفٍ، فَلَا يَلِيقُ بِهَا مَا يَكُونُ لِلسُّرُورِ، وَإِنِ اتَّخَذَ طَعَامًا لِلْفُقَرَاءِ كَانَ حَسَنًا، وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِاتِّخَاذِ الطَّعَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِيُطْعِمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَبَاطِلَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
(فَنَظَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فِيهِ) ، أَيْ: يُلْقِيهَا مِنْ فَمِهِ إِلَى جَانِبٍ آخَرَ، فَفِي النِّهَايَةِ: اللَّوْكُ إِدَارَةُ الشَّيْءِ فِي الْفَمِ (ثُمَّ قَالَ: (أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ) : وَفِي نُسْخَةٍ اتُّخِذَتْ (بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا) فَأَرْسَلَتِ الْمَرْأَةُ تَقُولُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى النَّقِيعِ) ، بِالنُّونِ - وَهُوَ مَوْضِعٌ يُبَاعُ فِيهِ الْغَنَمُ - أَيْ: تَفْسِيرٌ مُدْرَجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَفِي الْمُقَدِّمَةِ النَّقِيعُ مَوْضِعٌ بِشَرْقِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ فِي التَّهْذِيبِ: هُوَ فِي صَدْرِ وَادِي الْعَقِيقِ عَلَى نَحْوِ عِشْرِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَخْطَأَ مَنْ قَالَ بِالْمُوَحَّدَةِ، وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْفِعْلِ، وَهُوَ قَوْلُهَا: أَرْسَلَتْ وَبَيْنَ مُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ قَوْلُهَا: (لِيُشْتَرَى لِي شَاةٌ) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَلَمْ تُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدِ اشْتَرَى شَاةً أَنْ يُرْسِلَ) ، أَيْ: بِأَنْ يُرْسِلَ الْجَارُ (بِهَا) ، أَيْ: بِالشَّاةِ الْمُشْتَرَاةِ لِنَفْسِهِ (إِلَيَّ بِثَمَنِهَا) ، أَيِ: الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ (فَلَمْ يُوجَدْ) ، أَيِ الْجَارُ (فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَأَرْسَلَتْ) ، أَيِ: الْمَرْأَةُ (إِلَيَّ بِهَا) . أَيْ بِالشَّاةِ، فَظَهَرَ أَنَّ شِرَاءَهَا غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ إِذْنَ جَارِهَا وَرِضَاهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَهُوَ يُقَارِبُ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ الْمُتَوَقِّفِ عَلَى إِجَازَةِ صَاحِبِهِ، وَعَلَى كُلٍّ فَالشُّبْهَةُ قَوِيَّةٌ وَالْمُبَاشَرَةُ غَيْرُ مَرَضِيَّةٍ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَطْعِمِي هَذَا الطَّعَامَ الْأَسْرَى) : جَمْعُ أَسِيرٍ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ فَقِيرٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُمْ كُفَّارٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ الشَّاةِ لِيَسْتَحِلُّوا مِنْهُ، وَكَانَ الطَّعَامُ فِي صَدَدِ الْفَسَادِ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ فَأَمَرَ بِإِطْعَامِهِمُ انْتَهَى. وَقَدْ لَزِمَهَا قِيمَةُ الشَّاةِ بِإِتْلَافِهَا، وَوَقَعَ هَذَا تَصَدُّقًا عَنْهَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) . مُتَعَلِّقٌ بِرَوَى الْمُقَدَّرِ فَتَدَبَّرْ.
стр. 8286
٥٩٤٣ - وَعَنْ حِزَامِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ حُبَيْشِ بْنِ خَالِدٍ - وَهُوَ أَخُو أُمِّ مَعْبَدٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُخْرِجَ مِنْ مَكَّةَ خَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ، هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَمَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَدَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ اللَّيْثِي ُّ، مَرُّوا عَلَى خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ، فَسَأَلُوهَا لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَرُوا مِنْهَا، فَلَمْ يُصِيبُوا عِنْدَهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، كَانَ الْقَوْمُ مُرْمِلِينَ مُسْنِتِينَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَاةٍ فِي كِسْرِ الْخَيْمَةِ، فَقَالَ: (مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ عَبْدٍ؟) قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الْغَنَمِ. قَالَ: (هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟) قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: (أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا؟) قَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْبًا فَاحْلِبْهَا. فَدَعَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا. وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى، وَدَعَا لَهَا فِي شَاتِهَا، فَتَفَاجَّتْ عَلَيْهِ، وَدَرَّتْ وَاجْتَرَّتْ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ يُرْبِضُ الرَّهْطَ، فَحَلَبَ فِيهِ ثَجًّا، حَتَّى عَلَاهَا الْبَهَاءُ ثُمَّ سَقَاهَا حَتَّى رَوِيَتْ، وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوُوا، ثُمَّ شَرِبَ آخِرَهُمْ، ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ ثَانِيًا بَعْدَ بَدْءٍ، حَتَّى مَلَأَ الْإِنَاءَ، ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا، وَبَايَعَهَا، وَارْتَحَلُوا عَنْهَا» . رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي (الِاسْتِيعَابِ) وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ (الْوَفَاءِ) وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ.
ــ
٥٩٤٣ - (وَعَنْ حِزَامٍ) : بِكَسْرِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَزَايٌ (ابْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ) ، أَيْ هِشَامٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (عَنْ جَدِّهِ حُبَيْشٍ) : بِضَمِّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَنُونٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عَلَى مَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ (ابْنُ خَالِدٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: حُبَيْشُ بْنُ خَالِدٍ الْخُزَاعِيُّ، قُتِلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ هِشَامٌ (وَهُوَ) ، أَيْ: حُبَيْشٌ (أَخُو أُمِّ مَعْبَدٍ) ، أَيِ: الْخُزَاعِيَّةِ، وَهِيَ عَاتِكَةُ بِنْتُ خَالِدٍ يُقَالُ: إِنَّهَا أَسْلَمَتْ لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مُهَاجَرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهَا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ فَأَسْلَمَتْ، وَالْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ بِحَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ مَشْهُورٌ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُخْرِجَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ أُمِرَ بِالْخُرُوجِ (مِنْ مَكَّةَ) : أَوْ صَارَ أَهْلُ مَكَّةَ سَبَبَ خُرُوجِهِ إِذْ لَمْ يَقَعْ إِخْرَاجُ إِهَانَةٍ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: (خَرَجَ) ، أَيْ: بِاخْتِيَارِهِ (مُهَاجِرًا) ، أَيْ: مِنْ مَكَّةَ لِكُفْرِ أَهْلِهَا (إِلَى الْمَدِينَةِ) ، أَيْ: وَأَهْلِهَا مِنَ الْأَنْصَارِ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْكِبَارِ (هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَمَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ) : بِضَمِّ فَاءٍ وَفَتَحِ هَاءٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ (وَدَلِيلُهُمَا) ، أَيْ: مُرْشِدُ النَّبِيِّ وَالصَّدِيقِ فِي الطَّرِيقِ (عَبْدُ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ) : هُوَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، هَاجَرَ مَعَهُمَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ (مَرُّوا عَلَى خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ) ، بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ مُضَافًا (فَسَأَلُوهَا لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَرُوا مِنْهَا، فَلَمْ يُصِيبُوا) ، أَيْ: لَمْ يُصَادِفُوا (عِنْدَهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) ، أَيْ: مِمَّا ذُكِرَ مِنَ اللَّحْمِ وَالتَّمْرِ أَوْ مِنْ جِنْسِ الْمَأْكُولِ (وَكَانَ الْقَوْمُ مُرْمِلِينَ) ، أَيْ: فَاقِدِينَ الزَّادَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْمُرْمِلُ مَنْ نَفِدَ زَادُهُ، يُقَالُ: أَرْمَلَ الرَّجُلُ إِذَا ذَهَبَ طَعَامُهُ (مُسْنِتِينَ) ، أَيْ أَصَابَهُمُ الْقَحْطُ يُقَالُ: أَسْنَتَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُسْنِتٌ (فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَاةٍ فِي كِسْرِ الْخَيْمَةِ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ السِّينِ وَبِكَسْرِ أَوَّلِهِ، أَيْ: جَانِبِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: كِسْرُ الْخَيْمَةِ بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا جَانِبُ الْخَيْمَةِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْكِسْرُ جَانِبُ الْبَيْتِ وَالشَّقَّةِ السُّفْلَى مِنَ الْخِبَاءِ، أَوْ مَا يُكْسَرُ، وَيُثْنَى عَلَى الْأَرْضِ مِنْهَا، وَالنَّاحِيَةُ وَيُكْسَرُ (فَقَالَ: (مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟) قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ تَرَكَهَا (الْجُهْدُ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ أَيِ الْهُزَالُ (عَنِ الْغَنَمِ) ، أَيْ: مُتَخَلِّفَةٌ عَنْهَا (قَالَ: (هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ) ؟ أَيْ بَعْضِهِ (قَالَتْ: (هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ) . وَالْمَعْنَى لَيْسَ فِيهَا لَبَنٌ أَصْلًا (قَالَ: (أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا) : مِنْ بَابِ نَصَرَ عَلَى مَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْحَلْبُ وَيُحَرَّكُ اسْتِخْرَاجُ مَا فِي الضَّرْعِ مِنَ اللَّبَنِ يَحْلِبُ وَيَحْلُبُ، وَفِي النِّهَايَةِ: حَلَبْتُ الشَّاةَ وَالنَّاقَةَ أَحْلِبُهَا حَلَبًا بِفَتْحِ اللَّامِ. (قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلَبًا) : بِفَتْحَتَيْنِ وَيُسَكَّنُ اللَّامُ، أَيْ: لَبَنًا مَحْلُوبًا (فَاحْلِبْهَا) . قَالَ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ: الْحَلَبُ مُحَرَّكَةً يُطْلَبُ عَلَى الْمَصْدَرِ وَعَلَى اللَّبَنِ الْمَحْلُوبِ (فَدَعَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: طَلَبَهَا (فَمَسَحَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا، وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى، وَدَعَا لَهَا) ، أَيْ: لِأُمِّ مَعْبَدٍ (فِي شَاتِهَا) ، أَيْ: فِي شَأْنِهَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ أَيْ: فِي حَقِّهَا (فَتَفَاجَّتْ عَلَيْهِ) ، بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ: فَتَحَتْ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهَا لِلْحَلَبِ (وَدَرَّتْ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَيْ: أَرْسَلَتِ الدَّرَّ بِالْفَتْحِ وَهُوَ اللَّبَنُ (وَاجْتَرَّتْ) ، بِالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ. قَالَ. الطِّيبِيُّ: الْجَرَّةُ مَا يُخْرِجُهُ الْبَعِيرُ مِنْ بَطْنِهِ لِيَمْضُغَهُ ثُمَّ يَبْلَعَهُ (فَدَعَا بِإِنَاءٍ يُرْبِضُ الرَّهْطَ) ، بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: يَرْوِيهِمْ وَيُثْقِلُهُمْ حَتَّى يَنَامُوا وَيَمْتَدُّوا عَلَى الْأَرْضِ، مِنْ رَبَضَ فِي الْمَكَانِ إِذَا لَصَقَ بِهِ وَأَقَامَ مُلَازِمًا لَهُ (فَحَلَبَ فِيهِ) ، أَيْ: فِي الْإِنَاءِ (ثَجًّا) ، أَيْ: حَلَبًا ذَا سَيَلَانٍ (حَتَّى عَلَاهُ) ، أَيْ: ظَهَرَ عَلَى الْإِنَاءِ (الْبَهَاءُ) ، أَيْ بَهَاءُ اللَّبَنِ،
стр. 8287
وَهُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ رَغْوَتُهُ وَهِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا، وَحُكِيَ كَسْرُهَا الزَّبَدُ يَعْلُو الشَّيْءَ عِنْدَ غَلَيَانِهِ، (ثُمَّ سَقَاهَا) ، أَيْ: أُمَّ مَعْبَدٍ (حَتَّى رَوِيَتْ) ، وَلَعَلَّ الِابْتِدَاءَ بِهَا كَرَامَةٌ لَهَا، وَلِكَوْنِهَا صَاحِبَةَ الشَّاةِ وَتَرْغِيبًا إِلَى إِسْلَامِهَا (وَسَقَى أَصْحَابَهُ) ، أَيْ: بَعْدَهَا (حَتَّى رَوُوا) ، بِضَمِّ الْوَاوِ (ثُمَّ شَرِبَ آخِرَهُمْ) ، أَيْ فِي آخِرِهِمْ لِقَوْلِهِ: (سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا) (ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ ثَانِيًا بَعْدَ بَدْءٍ) ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: بَعْدَ ابْتِدَاءٍ بِلَا مُكْثٍ (حَتَّى مَلَأَ الْإِنَاءَ، ثُمَّ غَادَرَهُ) ، أَيْ: تَرَكَهُ (عِنْدَهَا) ، أَيْ مُعْجِزَةً تُرِيهَا زَوْجَهَا (وَبَايَعَهَا) ، أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (عَلَى الْإِسْلَامِ وَارْتَحَلُوا عَنْهَا. رَوَاهُ) ، أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) . أَيْ بِإِسْنَادِهِ (وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ، وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ) . أَيْ طَوِيلَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ لَمَّا ارْتَحَلَ النَّبِيُّ ﷺ جَاءَ أَبُو مَعْبَدٍ يَسُوقُ أَعْنُزًا عِجَافًا، وَرَأَى فِي الْبَيْتِ لَبَنًا، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ فَقَالَتْ: مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ، وَذَكَرَتْ مِنْ وَصْفِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَعْتِهِ بِعِبَارَةٍ فَصِيحَةٍ، فَقَالَ أَبُو مَعْبَدٍ: هَذَا وَاللَّهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي ذُكِرَ لَنَا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذُكِرَ. بِمَكَّةَ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ وَلَأَفْعَلَنَّ إِنْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، وَأَصْبَحَ صَوْتٌ بِمَكَّةَ عَالِيًا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ، وَلَا يَدْرُونَ مَنْ صَاحِبُهُ وَهُوَ يَقُولُ:
جَزَى اللَّهُ رَبَّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلَا بِالْهُدَى وَاهْتَدَيْتُ بِهِ ... فَقَدْ فَازَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ
فَيَا لَقُصَيٍّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ بِهِ ... مِنْ فِعَالٍ لَا تُجَارَى وَسُؤْدُدِ
لِيُهِنْ بَنِي كَعْبٍ مَقَامَ فَتَاتِهِمُ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ
سَأَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَاثِهَا ... فَإِنَّكُمْ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدُ
فَغَادَرَهَا رَهْنًا لَدَيْهَا لِحَالِبِ ... تُرَدِّدُهَا فِي مَصْدَرٍ ثُمَّ مَوْرِدِ
قَالَ مُحْيِ السُّنَّةِ: الصَّوْتُ الَّذِي سَمِعُوا بِمَكَّةَ صَوْتُ بَعْضِ مُسْلِمِي الْجِنِّ أَقْبَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، وَالنَّاسُ يُتْبِعُونَهُ وَيُسْمِعُونَ الصَّوْتَ وَمَا يَرَوْنَهُ حَتَّى صَرَّخَ بِأَعْلَى مَكَّةَ قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَلَمَّا سَمِعْنَا عَرَفْنَا حَيْثُ وَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ وَجْهَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فَلَمَّا بَلَغَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ذَلِكَ جَعَلَ يُجَاوِبُ الْهَاتِفَ وَهُوَ يَقُولُ:
لَقَدْ خَابَ قَوْمٌ غَابَ عَنْهُمْ نَبِيُّهُمُ ... وَقُدِّسَ مَنْ يَسْرِي إِلَيْهِمْ وَيَغْتَدِي
تَرَحَّلَ عَنْ قَوْمٍ فَضَلَّتْ عُقُولُهُمُ ... وَحَلَّ عَلَى قَوْمٍ بِنُورٍ مُجَدِّدِ
هَدَاهُمْ بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ رَبُّهُمُ ... وَأَرْشَدَهُمْ مَنْ يَتْبَعِ الْحَقَّ يَرْشُدُ
وَهَلْ يَسْتَوِي ضُلَّالُ قَوْمٍ تَسَفَّهُوا ... عَمَّا يُتَّهَمُ وَهَادِيَةُ كُلِّ مُهْتَدِ
لَقَدْ نَزَلَتْ مِنْهُ عَلَى أَهْلِ يَثْرِبَ ... رِكَابُ هُدًى حَلَّتْ عَلَيْهِمْ بِأَسْعَدِ
نَبِيٍّ يَرَى مَا لَا يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ ... وَيَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَسْجِدِ
وَإِنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مَقَالَةَ غَائِبٍ ... فَتَصْدِيقُهُ فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ
لِيُهِنْ أَبَا بَكْرٍ سَعَادَةَ جَدِّهِ ... بِصُحْبَتِهِ مَنْ يُسْعِدِ اللَّهُ يَسْعَدِ
لِيُهِنْ بَنِي كَعْبٍ مَقَامَ فَتَاتِهَا ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ.
стр. 8288
[بَابُ الْكَرَامَاتِ]
стр. 8289
بَابُ الْكَرَامَاتِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٩٤٤ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَعَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ تَحَدَّثَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَاجَةٍ لَهُمَا، حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ، فِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الظُّلْمَةِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْقَلِبَانِ، وَبِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُصَيَّةٌ، فَأَضَاءَتْ عَصَا أَحَدِهِمَا لَهُمَا حَتَّى مَشَيَا فِي ضَوْئِهَا، حَتَّى إِذَا افْتَرَقَتْ بِهِمَا الطَّرِيقُ أَضَاءَتْ لِلْآخَرِ عَصَاهُ، فَمَشَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ضَوْءِ عَصَاهُ حَتَّى بَلَغَ أَهْلَهُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[٨]
بَابُ الْكَرَامَاتِ
الْكَرَامَاتُ، جَمْعُ كَرَامَةٍ وَهِيَ اسْمٌ مِنَ الْإِكْرَامِ وَالتَّكْرِيمِ، وَهِيَ فِعْلٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ غَيْرُ مَقْرُونٍ بِالتَّحَدِّي، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ، وَأَنْكَرَهَا الْمُعْتَزِلَةُ، وَاحْتَجَّ أَهْلُ السُّنَّةِ بِحُدُوثِ الْحَبَلِ لِمَرْيَمَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ، وَحُصُولِ الرِّزْقِ عِنْدَهَا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ، وَأَيْضًا فَفِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ فِي الْغَارِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَأَزْيَدَ فِي النَّوْمِ أَحْيَاءً مِنْ غَيْرِ آفَةٍ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ، وَكَذَا فِي إِحْضَارِ آصِفِ بْنِ بَرْخِيَا عَرْشَ بِلْقِيسَ قَبْلَ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَتَعَلَّقُوا بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ظُهُورُ الْخَارِقِ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ لَخَرَجَ الْخَارِقُ عَنْ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى النُّبُوَّةِ، وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ تَمْتَازُ الْمُعْجِزَةُ عَنِ الْكَرَامَةِ بِاشْتِرَاطِ الدَّعْوَى فِي الْمُعْجِزَةِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا فِي الْكَرَامَةِ، بَلْ فِي الْحَقِيقَةِ كَرَامَةُ كُلِّ وَلِيٍّ مُعْجِزَةٌ لِنَبِيِّهِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى حَقِيقَةٍ مَتْبُوعَةٍ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ وَبِقُدْرَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهَا مَتَى أَرَادُوهَا لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ تَمْهِيدُ الْأَدْيَانِ وَالشَّرَائِعِ، فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٩٤٤ - (عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنْ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ: بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَنْصَارِيٌّ أَوْسِيٌّ، كَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، (وَعَبَّادَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (ابْنَ بِشْرٍ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَنْصَارِيٌّ أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ إِسْلَامِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَكَانَ فِيمَنْ قَتَلَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيَّ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءَ الصَّحَابَةِ، رَوَى عَنْهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتٍ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةَ وَلَهُ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. (تَحَدَّثَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَاجَةٍ لَهُمَا، حَتَّى ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ) ، أَيْ طَوِيلَةٌ (فِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الظُّلْمَةِ، ثُمَّ خَرَجَا) ، أَيِ: انْصَرَفَا (مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْقَلِبَانِ) ، أَيْ حَالَ كَوْنِهِمَا يَرْجِعَانِ (إِلَى بَيْتِهِمَا، وَبِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُصَيَّةٌ) ، تَصْغِيرُ عَصَاةٍ (فَأَضَاءَتْ عَصَاةُ أَحَدِهِمَا لَهُمَا) : وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَسْبَقَهُمَا إِسْلَامًا وَهُوَ الْمُقَدَّمُ ذِكْرًا (حَتَّى مَشَيَا فِي ضَوْئِهَا، حَتَّى إِذَا افْتَرَقَتْ بِهِمَا الطَّرِيقُ أَضَاءَتْ لِلْآخَرِ عَصَاهُ، فَمَشَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ضَوْءِ عَصَاهُ حَتَّى بَلَغَ) ، أَيْ: وَصَلَ كُلُّ وَاحِدٍ (أَهْلَهُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ مِيرَكُ: لَيْسَ الْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ بِهَذَا اللَّفْظِ، بَلْ فِيهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيئَانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ فِي آخِرِ بَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ.
وَأَخْرَجَ فِي كِتَابِ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ فِي بَابِ مَنَاقِبِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَعُبَادَةَ بْنِ بِشْرٍ بِلَفْظِ: إِنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَإِذَا نُورٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا حَتَّى افْتَرَقَا، فَافْتَرَقَ النُّورُ مَعَهُمَا. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: إِنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ. وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعُبَادَةُ بْنُ بِشْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ مُحْيِى السُّنَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ فَتَأَمَّلْ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمَصَابِيحُ وَالْمِشْكَاةُ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ مِنْ طَرِيقِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بِنَحْوِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 8290
٥٩٤٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ فِيكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا. فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدَفَنْتُهُ مَعَ آخَرَ فِي قَبْرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٩٤٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ) ، أَيْ: حَرْبُهُ (دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ) ، أَيْ فِي بَعْضٍ مِنَ اللَّيْلِ (فَقَالَ: مَا أُرَانِي) : بِضَمِّ الْهَمْزِ أَيْ مَا أَحْسَبُنِي (إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ) ، أَيْ: فِي أَوَّلِ جَمْعٍ يُقْتَلُونَ (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: فَإِنَّهُ أَعَزُّ عَلَيَّ حَتَّى مِنْ نَفْسِي (وَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا) ، أَيْ: كَثِيرًا (فَاقْضِ) ، أَيْ سَرِيعًا (وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ) ، أَيِ: اقْبَلْ وَصِيَّتِي فِيهِنَّ، وَهُنَّ كُنَّ تِسْعًا، ثُمَّ انْتِصَابُ قَوْلِهِ: (خَيْرًا) : عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيِ: اسْتِيصَاءٌ خَيْرًا، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ اقْبَلْ وَصِيَّتِي بِالْخَيْرِ فِي شَأْنِهِنَّ (فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ) ، أَيْ: أَبِي (أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ وَدَفَنْتُهُ مَعَ آخَرَ) : وَهُوَ عَمْرُو بْنُ الْجُمُوحِ، وَكَانَ صَدِيقَ، وَالِدِ جَابِرٍ وَزَوْجَ أُخْتِهِ (فِي قَبْرٍ) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ دَفْنِ الِاثْنَيْنِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُ إِذَا كَانَ ضَرُورَةً، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 8291
٥٩٤٦ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فَقُرَاءَ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ» ) . وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عَنَدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ قَالَ: أَوَ مَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، فَحَلَفَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ لَا تَطْعَمَهُ، وَحَلَفَ الْأَضْيَافُ أَنْ لَا يَطْعَمُوهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، فَدَعَا بِالطَّعَامِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لَا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلَّا رَبَتْ مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا. فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا! ؟ قَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِي إِنَّهَا الْآنَ لَأَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ، فَأَكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذُكِرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَذُكِرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ فِي (الْمُعْجِزَاتِ) .
ــ
٥٩٤٦ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) : ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ وَقَالَ: رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَسْلَمَ تَمَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ أَسَنَّ أَوْلَادِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدُ الْكَعْبَةِ، فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ انْتَهَى. وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا) ، أَيْ: جَمَاعَةً فُقَرَاءَ) ، أَيْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ مَشَاهِيرُهُمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ، أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، صُهَيْبٌ، بِلَالٌ، أَبُو هُرَيْرَةَ، خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ، حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، بِشْرُ بْنُ الْخَصَاصِيَةِ، أَبُو مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَغَيْرُهُمْ. وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] وَكَانَتِ الصُّفَّةُ فِي الْمَسْجِدِ مُسَقَّفَةً بِجَرِيدِ النَّخْلِ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءُ يَسْتَوْطِنُونَ تِلْكَ السَّقِيفَةَ وَيَبِيتُونَ فِيهَا، فَنَسَبُوا إِلَيْهَا، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ لَهُ بِهَا عَرِيفٌ. يَنْزِلُ عَلَى عَرِيفِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهَا عَرِيفٌ يَنْزِلُ الصُّفَّةَ. (وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) ، أَيْ: يَوْمًا (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ) ، أَيْ: مِنْ عِيَالِهِ (فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) ، أَيْ: مِنْ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءِ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: بِثَلَاثَةٍ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ رِوَايَةً وَمَعْنًى، ( «وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ» ) أَيْ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (أَوْ سَادِسٍ) أَيْ: إِنِ اقْتَضَاهُ فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلتَّخَيُّرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّكِّ، أَوْ بِمَعْنَى بَلْ لِلْمُبَالَغَةِ فِي بَابِ الضِّيَافَةِ، عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ أَنْ يَذْهَبَ بِثَالِثٍ أَنَّ مَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ أَنْ يَذْهَبَ بِاثْنَيْنِ، بَلْ رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: ( «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» ) .
(وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ) ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عَبَّرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بِلَفْظِ الْمَجِيءِ لِبُعْدِ مَنْزِلِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعَبَّرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِالِانْطِلَاقِ لِقُرْبِهِ انْتَهَى. وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ، بَلْ مُقْتَضَاهُ الْعَكْسُ، كَمَا لَا يَخْفَى. فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَجِيءِ لِأَنَّ الرَّاوِي هُوَ ابْنُهُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: جَاءَنَا بِثَلَاثَةٍ، وَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ، ( «وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ» ) ﷺ أَيْ: أَكَلَ الْعَشَاءَ بِالْفَتْحِ وَهُوَ طَعَامُ اللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ ﷺ مَعَهُ، أَوْ مَعَ أَضْيَافِهِ أَوْ بِانْفِرَادِهِ عِنْدَ بِنْتِهِ (ثُمَّ لَبِثَ) ، أَيْ: مَكَثَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ تَعَشِّيهِ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ (حَتَّى
стр. 8292
صُلِّيَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: أُدِّيَتُ مَعَهُ ﵇ (الْعِشَاءُ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ (ثُمَّ رَجَعَ) ، أَيْ: إِلَى بَيْتِهِ ﵇ (فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ ، أَيْ وَحْدَهُ، أَوْ مَعَ أَضْيَافِهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا رَجَعَ مَعَهُ اغْتِنَامًا لِرُؤْيَتِهِ وَاهْتِمَامًا لِصُحْبَتِهِ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ أَعَادَ الْأَكْلَ فِي حَضْرَتِهِ (فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ) ، وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ رَكَعَ بَدَلَ رَجَعَ أَيْ صَلَّى النَّافِلَةَ، وَفِي أُخْرَى: حَتَّى نَعَسَ أَيْ تَأَخَّرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى نَعَسَ النَّبِيُّ ﷺ قَامَ لِيَنَامَ فَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِنْ قُلْتَ: هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّعَشِّي عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَمَا تَقَدَّمَ أَشْعَرَ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ بَيَانُ حَالِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَى طَعَامٍ عِنْدَ أَهْلِهِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ سَوْقُ الْقِصَّةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ، أَوِ الْأَوَّلُ كَانَ تَعَشِّي أَبِي بَكْرٍ، وَالثَّانِي تَعَشِّي النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا أَبْطَأَ فِي رُجُوعِهِ إِلَى بَيْتِهِ (قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ) ، أَيْ: مَنَعَكَ (عَنْ أَضْيَافِكَ) ؟ أَيْ عَنِ الْحُضُورِ مَعَهُمْ (قَالَ: أَبُو بَكْرٍ مَا عَشَّيْتِيهِمْ) ؟ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ وَإِشْبَاعِ كَسْرَةِ التَّاءِ إِلَى تَوَلُّدِ الْيَاءِ، وَهُوَ مِنَ التَّعْشِيَةِ، وَهِيَ إِعْطَاءُ الْعَشَاءِ، وَالْمَعْنَى أَقَصَّرْتِي فِي خِدْمَتِهِمْ، وَمَا أَطْعَمْتِيهِمْ عَشَاءَهُمْ (قَالَتْ: أَبَوْا) ، أَيِ: امْتَنَعُوا مِنَ الْأَكْلِ (حَتَّى تَجِيءَ) ، أَيْ تَحْضُرَ مَعَهُمْ وَتُشَارِكَهُمْ فِي أَكْلِهِمْ (فَغَضِبَ) ، أَيْ: عَلَى أَهْلِهِ لِظَنِّ أَنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي الْإِلْحَاحِ وَالْمُبَالَغَةِ، أَوْ عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ غَفَلَ عَنْ هَذَا الْمَبْنَى، وَذَهَلَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. (وَقَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ (وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ) : بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالْعَيْنِ أَيْ: لَا آكُلُ الطَّعَامَ أَبَدًا، فَحَلَفَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ لَا تَطْعَمَهُ) ، أَيْ أَبَدًا كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَحَلَفَ الْأَضْيَافُ أَنْ لَا يَطْعَمُوهُ) ، أَيْ: لَا يَأْكُلُوهُ مُنْفَرِدِينَ أَوْ مُطْلَقًا.
(قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ هَذَا) ، أَيِ: الْحَلِفُ (مِنَ الشَّيْطَانِ) ، أَيْ: مِنْ إِغْوَائِهِ (فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا) ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِنْ قُلْتَ: كَيْفَ جَازَ الْيَمِينُ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ إِتْيَانٌ بِالْأَفْضَلِ لِخَبَرِ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ كَانَ مُرَادُهُ: لَا أَطْعَمُهُ مَعَكُمْ، أَوْ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، أَوْ عِنْدَ الْغَضَبِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يُقْبَلُ التَّقْيِيدُ إِذَا كَانَتِ الْأَلْفَاظُ عَامَّةً، وَعَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْأَخِيرَةِ، لَا سِيَّمَا مَعَ لَفْظِ التَّأْبِيدِ، (فَجَعَلُوا) ، أَيْ: أَبُو بَكْرٍ وَأَضْيَافُهُ (لَا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً) ، أَيْ: مِنَ الصَّحْفَةِ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ. (إِلَّا رَبَتْ) ، أَيْ: زَادَتِ اللُّقْمَةُ وَارْتَفَعَتْ (مِنْ أَسْفَلِهَا) ، أَيْ: مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ (أَكْثَرَ مِنْهَا) ، أَيْ مِنْ تِلْكَ اللُّقْمَةِ، وَضُبِطَ أَكْثَرُ بِالنَّصْبِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيِ: ارْتَفَعَ الطَّعَامُ مِنْ أَسْفَلِ الْقَصْعَةِ ارْتِفَاعًا أَكْثَرَ انْتَهَى.
وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَفْعُولٍ مُطْلَقٍ مَحْذُوفٍ، فَوَجْهُ الرَّفْعِ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِلَّا رَبَتْ لُقْمَةٌ هِيَ أَكْثَرُ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: إِسْنَادُ رَبَتْ إِلَى الْقَصْعَةِ مَجَازِيُّ: أَقُولُ: وَكَوْنُهُ مَجَازًا لِأَنَّ الِارْتِفَاعَ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فِي الْقَصْعَةِ مِنْ طَعَامِهَا لَا إِلَى الْقَصْعَةِ ذَاتِهَا، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْإِسْنَادَ إِلَى اللُّقْمَةِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِيَّةِ.
(فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ) : وَهِيَ أُمُّ رُومَانَ أُمُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأُمُّ عَائِشَةَ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ ابْنِ كِنَانَةَ، وَالْمُنْتَمُونَ إِلَى النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ كُلُّهُمْ قُرَيْشٌ، ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ. (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ!) : بِكَسْرِ الْفَاءِ (مَا هَذَا) ؟ أَيِ: الْأَمْرُ الْعَجِيبُ، وَالشَّأْنُ الْغَرِيبُ (قَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِي) : بِالْجَرِّ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ، وَلَعَلَّهَا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِالْجَرِّ وَالْوَاوُ لِلْقَسَمِ وَبِالنَّصْبِ مُنَادَى حُذِفَ حَرْفُ نِدَائِهِ انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ كَمَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: قُرَّةُ الْعَيْنِ يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنِ الْمَسَرَّةِ رُؤْيَةَ مَا يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ لِأَنَّ عَيْنَهُ قَرَّتْ وَسَكَنَتْ لِحُصُولِ غَرَضِهَا، فَلَا تَسْتَشْرِفُ لِشَيْءٍ آخَرَ، وَقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَرِّ أَيِ الْبَرْدِ، وَلِذَا قِيلَ: دَمْعَةُ السُّرُورِ بَارِدَةٌ، وَإِنَّمَا حَلَفَتْ أُمُّ رُومَانَ بِذَلِكَ لِمَا وَقَعَ عِنْدَهَا مِنَ السُّرُورِ بِالْكَرَامَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُمْ بِبَرَكَةِ الصِّدِّيقِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقُرَّةِ عَيْنِهَا النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّهَا) ، أَيِ: الْقَصْعَةُ وَالْمُرَادُ مَا فِيهَا (الْآنَ لَأَكْثَرُ مِنْهَا فِي ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ) ، بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ مَرَّاتٍ (فَأَكَلُوا، وَبَعَثَ) ، أَيِ: الصِّدِّيقُ (بِهَا) ، أَيْ: بِالْقَصْعَةِ أَوْ بِبَعْضِ مَا فِيهَا (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذُكِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: فَرُوِيَ (أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8293
وَذُكِرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ فِي (الْمُعْجِزَاتِ) . قُلْتُ: الْأَظْهَرُ إِبْقَاؤُهُ فِي بَابِ الْكَرَامَاتِ.
стр. 8294
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٩٤٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٩٤٧ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ) : سَبَقَ ضَبْطُهُ وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (كُنَّا نَتَحَدَّثُ) ، أَيْ: يَذْكُرُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ (أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ) ، أَيْ: فِي الْحَبَشَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَنَا، وَمَذْكُورٌ عَمَّنْ رَأَى نُورَ قَبْرِهِ مِنَّا، وَلَا يُتَصَوَّرُ اتِّفَاقُنَا عَلَى الْكَذِبِ ; فَهُوَ كَادَ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 8295
٥٩٤٨ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «لَمَّا أَرَادُوا غُسْلَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: لَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ ; فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ، حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقَنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ؟ : اغْسِلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَامُوا، فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
ــ
٥٩٤٨ - (وَعَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: لَمَّا أَرَادُوا) ، أَيِ: الصَّحَابَةُ أَوْ أَهْلُ الْبَيْتِ (غُسْلَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: لَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثِيَابِهِ) ، أَيْ: وَنُغَطِّي عَوْرَتَهُ مِنْ غَيْرِهَا (كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَوْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ) ؟ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى فَاخْتَارَ بَعْضُهُمُ التَّجْرِيدَ قِيَاسًا، وَبَعْضُهُمْ عَدَمَهُ اخْتِصَاصًا (فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ) ، أَيْ: سَلَّطَ (عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقَنُهُ) : بِفَتْحَتَيْنِ (فِي صَدْرِهِ) : فِي الْقَامُوسِ: الذَّقَنُ بِالتَّحْرِيكِ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ مِنْ أَسْفَلِهِمَا وَيُكْسَرُ (ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ) ؟ صِفَةُ مُكَلِّمٍ، قِيلَ هُوَ الْخِضْرُ ﵇ ( «اغْسِلُوا النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ» ) ، بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: كَلَّمَهُمْ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ مُسْتَحَبٌّ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى جَوَازِهِ أَوِ اخْتِصَاصِهِ بِهِ، إِذْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، ( «فَقَامُوا فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ» ) ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ ﷺ غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَكَيْفَ يُلْبِسُونَهُ الْأَكْفَانَ فَوْقَهُ وَفِيهِ بَلَلٌ؟ قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ أَلْبَسُوهُ الْكَفَنَ فَوْقَ الْقَمِيصِ مَبْلُولًا إِذْ يُحْتَمَلُ سَتْرُ عَوْرَتِهِ، ثُمَّ قَلْعُ قَمِيصِهِ ثُمَّ إِلْبَاسُ كَفَنِهِ بِقَمِيصٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
стр. 8296
٥٩٤٩ - وَعَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، «أَنَّ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْطَأَ الْجَيْشَ بِأَرْضِ الرُّومِ أَوْ أُسِرَ، فَانْطَلَقَ هَارِبًا يَلْتَمِسُ الْجَيْشَ، فَإِذَا هُوَ بِالْأَسَدِ. فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَارِثِ! أَنَا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنْ أَمْرِي كَيْتَ وَكَيْتَ، فَأَقْبَلَ الْأَسَدُ، لَهُ بَصْبَصَةٌ حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ صَوْتًا أَهْوَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَمْشِي إِلَى جَنْبِهِ حَتَّى بَلَغَ الْجَيْشَ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَسَدُ» . رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
ــ
٥٩٤٩ - (وَعَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ التَّيْمِيُّ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ، وَعَمَّهُ رَبِيعَةَ. رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: الثَّوْرِيُّ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةَ، وَلَهُ نَيِّفٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَهُوَ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَأَجَلِّهِمْ، جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالْعِبَادَةِ وَالدِّينِ الْمَتِينِ وَالصِّدْقِ فِي الْفِقْهِ. (أَنَّ سَفِينَةَ مَوْلَى، رَسُولِ اللَّهِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَقِيلَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَعْتَقَتْهُ وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ خِدْمَةَ النَّبِيِّ ﷺ مَا عَاشَ، وَيُقَالُ: اسْمُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَسَفِينَةُ لَقَبٌ لَهُ، وَيُقَالُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ مَعَهُ، فَأَعْيَا رَجُلٌ فَأَلْقَى عَلَيْهِ سَيْفَهُ وَتُرْسَهُ وَرُمْحَهُ، فَحَمَلَ شَيْئًا كَثِيرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَنْتَ سَفِينَةُ) رَوَى عَنْهُ بَنُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
стр. 8297
وَمُحَمَّدٌ وَزِيَادٌ وَكَثِيرٌ. (أَخْطَأَ الْجَيْشَ) ، أَيْ: أَضَلَّ طَرِيقَهُ بِحَيْثُ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِمْ سَبِيلًا (بِأَرْضِ الرُّومِ أَوْ أُسِرَ) ، أَيْ: فِيهَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (فَانْطَلَقَ هَارِبًا يَلْتَمِسُ الْجَيْشَ، فَإِذَا هُوَ) ، أَيْ: سَفِينَةُ (بِالْأَسَدِ) . أَيْ: بِفَرْدٍ عَظِيمٍ مِنْ جِنْسِ الْأَسَدِ (فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَارِثِ) ! وَهُوَ كُنْيَةُ الْأَسَدِ (أَنَا مَوْلَى - رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنْ أَمْرِي كَيْتَ وَكَيْتَ) ، اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِحَالِهِ فِي إِغْوَاءِ الطَّرِيقِ، أَوْ لِكَمَالِهِ فِي خِدْمَتِهِ نِعْمَ الرَّفِيقُ (فَأَقْبَلَ الْأَسَدُ، لَهُ بَصْبَصَةٌ) ، أَيْ: تَحْرِيكُ ذَنَبٍ كَفِعْلِ الْكَلْبِ تَمَلُّقًا إِلَى مَالِكِهِ، وَتَذَلُّلًا لِصَاحِبِهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ. وَفِي النِّهَايَةِ: بَصْبَصَ الْكَلْبُ بِذَنَبِهِ إِذَا حَرَّكَهُ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِطَمَعٍ أَوْ خَوْفٍ (حَتَّى قَامَ) ، أَيِ: الْأَسَدُ (إِلَى جَنْبِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ) ، أَيِ: الْأَسَدُ (صَوْتًا أَهْوَى إِلَيْهِ) ، أَيْ: قَصَدَهُ لِيَدْفَعَهُ إِنْ كَانَ صَوْتَ أَذًى (ثُمَّ أَقْبَلَ! يَمْشِي إِلَى جَنْبِهِ) ، أَيْ: إِلَى جَانِبِ سَفِينَةَ (حَتَّى بَلَغَ الْجَيْشَ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَسَدُ) : فَكَأَنَّهُ كَانَ دَلِيلًا وَلِإِيصَالِهِ كَفِيلًا، وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ الْبُرْدَةِ إِلَى هَذِهِ الزُّبَدَةِ بِقَوْلِهِ:
وَمَنْ تَكُنْ بِرَسُولِ اللَّهِ نُصْرَتُهُ ... إِنْ تَلَقَّهُ الْأَسَدُ فِي آجَامِهَا تَجِمُ
(رَوَاهُ) ، أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) ، أَيْ: بِإِسْنَادِهِ.
стр. 8298
٥٩٥٠ - وَعَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، قَالَ: قُحِطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَحْطًا شَدِيدًا، فَشَكَوْا إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَاجْعَلُوا مِنْهُ كُوًى إِلَى السَّمَاءِ، حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سَقْفٌ. فَفَعَلُوا، فَمُطِرُوا مَطَرًا حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ، وَسَمِنَتِ الْإِبِلُ، حَتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ، فَسُمِّيَ عَامَ الْفَتْقِ، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٩٥٠ - (وَعَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَهُوَ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، تَابِعِيٌّ مَشْهُورُ الْحَدِيثِ، سَمِعَ عَائِشَةَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ عُمَرَ، وَرَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُ، قُتِلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ (قَالَ: قُحِطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (قَحْطًا شَدِيدًا، فَشَكَوْا) ، أَيِ: النَّاسُ (إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِيِّ) : بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ (فَاجْعَلُوا مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ قَبْرِهِ (كَوًى) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَيُضَمُّ، فَفِي الْمَغْرِبِ الْكُوَّةُ نَقْبُ الْبَيْتِ وَالْجَمْعُ كَوًى، وَقَدْ يُضَمُّ الْكَافُ فِي الْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ اه. وَقِيلَ: يُجْمَعُ عَلَى كِوًى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ وَالْمَدِّ أَيْضًا، وَالْكُوَّةُ بِالضَّمِّ، وَيُجْمَعُ عَلَى كُوًى بِالضَّمِّ، وَالْمَعْنَى اجْعَلُوا مِنْ مُقَابَلَةِ قَبْرِهِ فِي سَقْفِ حُجْرَتِهِ مَنَافِذَ مُتَعَدِّدَةً (حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ) ، أَيْ: بَيْنَ قَبْرِهِ (وَبَيْنَ السَّمَاءِ سَقْفٌ) ، أَيْ: حِجَابٌ ظَاهِرِيٌّ (فَفَعَلُوا فَمُطِرُوا) : بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (مَطَرًا) ، أَيْ: شَدِيدًا (حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ) ، بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيِ: الْعَلَفُ مِنْ مَنَابِتِهِ (وَسَمِنَتْ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ (الْإِبِلُ) : وَكَذَا سَائِرُ الْمَوَاشِي بِالْأَوْلَى (حَتَّى تَفَتَّقَتْ) ، أَيِ: انْتَفَخَتْ خَوَاصِرُهَا مِنَ الرَّعْيِ، وَقِيلَ: انْشَقَّتْ، وَقِيلَ: اتَّسَعَتْ (مِنَ الشَّحْمِ) ، أَيْ: مِنْ كَثْرَتِهِ (فَسُمِّيَ عَامَ الْفَتْقَ) ، أَيْ: سَنَةَ الْخَصْبِ الَّذِي أَفْضَى إِلَى الْفَتْقِ، هَذَا وَقَدْ قِيلَ فِي سَبَبِ كَشْفِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ السَّمَاءَ لَمَّا رَأَتْ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلَ الْوَادِي مِنْ بُكَائِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] حِكَايَةً عَنْ حَالِ الْكُفَّارِ، فَيَكُونُ أَمْرُهَا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَبْرَارِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ ﷺ كَانَ يَسْتَشْفِعُ بِهِ عِنْدَ الْجَدْبِ فَتَمْطُرُ السَّمَاءُ، فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ بِكَشْفِ قَبْرِهِ مُبَالَغَةً فِي الِاسْتِشْفَاعِ بِهِ، فَلَا يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ حِجَابٌ. أَقُولُ: وَكَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ عَرْضِ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ بِتَوَجُّهِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَهِيَ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ وَمَحَلُّ رِزْقِ الضُّعَفَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 8299
٥٩٥١ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ أَيَّامُ الْحَرَّةِ لَمْ يُؤَذَّنْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثًا وَلَمْ يُقَمْ، وَلَمْ يَبْرَحْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْمَسْجِدَ، وَكَانَ لَا يَعْرِفُ وَقْتَ الصَّلَاةِ إِلَّا بِهَمْهَمَةٍ يَسْمَعُهَا مِنْ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٩٥١ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: تَنُوخِيٌّ دِمَشْقِيٌّ، كَانَ فَقِيهَ أَهْلِ الشَّامِ فِي زَمَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بَعْدَهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ بِالشَّامِ أَصَحَّ حَدِيثًا مِنْهُ وَمِنَ الْأَوْزَاعِيِّ، وَهُوَ وَالْأَوْزَاعِيُّ عِنْدِي سَوَاءٌ، وَكَانَ سَعِيدٌ بَكَّاءً، فَسُئِلَ فَقَالَ: مَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا مُثِّلَتْ لِي جَهَنَّمُ. (قَالَ: لَمَّا كَانَ) ، أَيْ: وَقَعَ (أَيَّامَ الْحَرَّةِ) : بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ يَوْمٌ مَشْهُورٌ فِي الْإِسْلَامِ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَمَّا نَهَبَ الْمَدِينَةَ عَسْكَرٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ نَدَبَهُمْ لِقِتَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَمَرَ مُسْلِمُ بْنُ عُيَيْنَةَ الْمُرِّيُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَعَقِيبَهَا هَلَكَ يَزِيدُ، وَالْحَرَّةُ هَذِهِ أَرْضٌ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ بِهَا حِجَارَةٌ سُودٌ كَثِيرَةٌ وَقَعَتْ فِيهَا هَذِهِ الْوَقْعَةُ (لَمْ يُؤَذَّنْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. أَيْ: لَمْ يُؤَذِّنْ أَحَدٌ فِيهِ لِأَجْلِ الْفِتْنَةِ (ثَلَاثًا) ، أَيْ: ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا (وَلَمْ يُقَمْ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ مِنَ الْإِقَامَةِ أَيْ: وَلَمْ يُقِمْ أَحَدٌ لِلصَّلَاةِ أَيْضًا (وَلَمْ يَبْرَحْ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ لَمْ يُفَارِقْ (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْمَسْجِدَ) : وَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ فِي حَقِّهِ: إِنَّهُ شَيْخٌ مَجْنُونٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: كَانَ سَيِّدَ التَّابِعِينَ جَمَعَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالْعِبَادَةِ لَقِيَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْهُمْ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَثِيرٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، حَجَّ أَرْبَعِينَ حَجَّةً مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. (وَكَانَ) ، أَيْ: سَعِيدٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الشَّدِيدِ (لَا يَعْرِفُ وَقْتَ الصَّلَاةِ إِلَّا بِهَمْهَمَةٍ) ، أَيْ: بِصَوْتٍ خَفِيٍّ لَا يُفْهَمُ (يَسْمَعُهَا مِنْ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 8300
٥٩٥٢ - وَعَنْ أَبِي خَلْدَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْعَالِيَةِ: سَمِعَ أَنَسٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي كُلِّ سَنَةٍ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّ فِيهَا رَيْحَانٌ يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٩٥٢ - (وَعَنْ أَبِي خَلْدَةَ) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ التَّمِيمِيُّ السَّعْدِيُّ الْبَصْرِيُّ الْخَيَّاطُ مِنَ الْخِيَاطَةِ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْهُ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ. (قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْعَالِيَةِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: اسْمُهُ رَفِيعُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّبَاحِيُّ مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ، رَأَى الصِّدِّيقَ، وَرَوَى عَنْ عُمَرَ، وَأُبَيٍّ، وَعَنْهُ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ وَغَيْرُهُ. قَالَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ، كَانَ يَقُولُ: قَرَأْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ وَفَاتِهِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعِينَ (سَمِعَ أَنَسٌ) : بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ: أَسَمِعَ أَحَادِيثَ (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَيْ: بِلَا وَاسِطَةٍ يَرْوِيهَا أَوَّلُهُ مَرَاسِيلُ مِنَ الصَّحَابَةِ، مَعَ أَنَّهَا حُجَّةٌ اتِّفَاقًا، وَكَأَنَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ تَرَدَّدَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ (قَالَ) ، أَيْ: أَبُو الْعَالِيَةِ (خَدَمَهُ) ، أَيْ: خَدَمَ أَنَسٌ النَّبِيَّ ﷺ (عَشْرَ سِنِينَ) ، أَيْ: وَعُمُرُهُ عَشْرُ سِنِينَ (وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، أَيْ: بِالْبَرَكَةِ (فِي عُمُرِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ) : فَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَثَلَاثُ سِنِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُلِدَ لَهُ مِائَةُ وَلَدٍ. (وَإِنَّ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ) ، أَيْ: يُثْمِرُ (فِي كُلِّ سَنَةٍ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ فِيهَا) ، أَيْ: فِي الْحَدِيقَةِ وَهِيَ فِي مَعْنَى الْبُسْتَانِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فِيهِ أَيْ: فِي ذَلِكَ الْبُسْتَانِ (رَيْحَانٌ) : وَهُوَ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ لَهُ رِيحٌ طَيِّبٌ (يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ) . وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ وَالصُّحْبَةُ وَطُولُ مُلَازِمَةِ الْخِدْمَةِ كَيْفَ لَا يُسْمَعُ وَلَا يُرْوَى عَنْهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
следующие страницы →