Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.
стр. 8226
الْأُسْطُوَانَةُ، أَوْ جِذْعُ النَّخْلَةِ وَاكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ (تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ) : بِتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ: مِثْلَ أَنِينِهِ (حَتَّى اسْتَقَرَّتْ) ، أَيْ: سَكَتَتْ وَسَكَنَتْ. (قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ فِي سَبَبِ بُكَائِهَا: (بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ) ، أَيْ: عَلَى فَوْتِهِ وَفَوْتِ قُرْبِ الذَّاكِرِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 8227
٥٩٠٤ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَمَالِهِ فَقَالَ: (كُلْ بِيَمِينِكَ) قَالَ لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: (لَا اسْتَطَعْتَ) . مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٩٠٤ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّ رَجُلًا) : قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ يُقَالُ لَهُ: بِشْرُ بْنُ رَاعِي الْعَيْرِ، وَقِيلَ بُسْرٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مِنْ أَشْجَعَ، وَضُبِطَ فِي الْأَذْكَارِ الْعَيْرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَقَالَ: هُوَ صَحَابِيٌّ أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَمَالِهِ فَقَالَ: (كُلْ بِيَمِينِكَ) .
قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ (لَا اسْتَطَعْتَ) . دُعَاءٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَذَبَ فِي اعْتِذَارِهِ (مَا مَنَعَهُ) ، أَيْ: مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ. وَقَالَ شَارِحٌ، أَيْ: مِنَ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ (إِلَّا الْكِبْرُ) ، أَيْ لَا الْعَجْزُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ قَوْلُ الرَّاوِي وَرَدَ اسْتِئْنَافًا لِبَيَانِ مُوجَبِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: لِمَ دَعَا عَلَيْهِ بِلَا اسْتَطَعْتَ وَهُوَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ؟ فَأُجِيبَ: بِأَنَّ مَا مَنَعَهُ مِنَ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ الْعَجْزُ، بَلْ مَنَعَهُ الْكِبْرُ. (قَالَ) ، أَيْ: سَلَمَةُ (فَمَا رَفَعَهَا) ، أَيِ: الرَّجُلُ يَمِينَهُ (إِلَى فِيهِ) . أَيْ فَمِهِ (بَعْدَ ذَلِكَ) . لِدُعَائِهِ ﷺ . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8228
٥٩٠٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ بَطِيئًا وَكَانَ يَقْطِفُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: (وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرًا) . فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٩٠٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا) : بِكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ: خَافُوا مِنْ مَأْتَى الْعَدُوِّ مَرَّةً (فَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا) ، أَيْ: عُرْيَانًا (لِأَبِي طَلْحَةَ بَطِيئًا) ، أَيْ: فِي الْجَرْيِ وَالْمَشْيِ (وَكَانَ) ، أَيِ: الْفَرَسُ (يَقْطِفُ) ، بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ يَمْشِي مَشْيًا ضَيِّقًا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: يَتَقَارَبُ خُطَاهُ (فَلَمَّا رَجَعَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ (قَالَ: وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرًا) . أَيْ جَلْدًا سُمِّيَ بَحْرًا لِأَنَّ جَرْيَهُ لَا يَنْفَدُ. كَمَا لَا يَنْفَدُ مَاءُ الْبَحْرِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِوَجَدْنَا، وَشُبِّهَ الْفَرَسُ بِالْبَحْرِ فِي سَعَةِ خَطْوِهِ وَسُرْعَةِ جَرْيِهِ (فَكَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَكَانَ (بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى) . بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: لَا يُقَاوَمُ فِي الْجَرْيِ وَلَا يُسْبَقُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُحَاذَى بِهِ فَرَسٌ يَجْرِي مَعَهُ.
(وَفِي رِوَايَةٍ فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا مُسْلِمٌ.
стр. 8229
٥٩٠٦ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: تُوُفِّيَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَرَضْتُ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا التَّمْرَ بِمَا عَلَيْهِ، فَأَبَوْا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ، فَقَالَ لِيَ: (اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (ادْعُ لِي أَصْحَابَكَ) . فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ عَنْ وَالِدِي أَمَانَتَهُ، وَأَنَا أَرْضَى أَنْ يُؤَدِيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا، وَحَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٩٠٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: تُوُفِّيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: قُبِضَ وَمَاتَ (أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَرَضْتُ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا التَّمْرَ) ، أَيْ: جَمِيعَ ثَمَرِنَا (بِمَا عَلَيْهِ) ، أَيْ: فِي مُقَابَلَةِ مَا عَلَى أَبِي (فَأَبَوْا) ، أَيِ: امْتَنَعُوا لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَعْيُنِهِمْ قَلِيلًا وَهُمْ يَهُودُ (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ) ، أَيْ: أَنْتَ (أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا وَإِنِّي) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ) ، أَيْ: عِنْدِي لَعَلَّهُمْ يُرَاعُونِي (فَقَالَ لِيَ: اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرَةٍ عَلَى نَاحِيَةٍ) ، أَيِ: اجْمَعْ كُلَّ نَوْعٍ صُبْرَةً عَلَى حِدَةٍ، أَمْرٌ مِنْ بَيْدَرَ الطَّعَامَ إِذَا دَاسَ فِي الْبَيْدَرِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُدَاسُ فِيهِ الطَّعَامُ، وَالْمُرَادُ هُنَا اجْعَلْ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ تَمْرِكَ بَيْدَرًا أَيْ: صُبْرَةً وَاحِدَةً، وَقِيلَ: فَرِّقْ كُلَّ نَوْعٍ فِي مَوْضِعِهِ، (فَفَعَلْتُ) .
стр. 8230
أَيْ صُبَرًا وَبَيَادِرَ (ثُمَّ دَعَوْتُهُ) ، أَيْ طَلَبْتُهُ ﷺ (فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أُغْرُوا بِي) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: لَجُّوا فِي مُطَالَبَتِي، وَأَلَحُّوا كَأَنَّ دَوَاعِيَهُمْ حَمَلَتْهُمْ عَلَى الْإِغْرَاءِ بِي مِنْ أَغْرَيْتُ الْكَلْبَ أَيْ: هَيَّجْتُهُ، وَالْمَعْنَى أَغْلَظُوا عَلَيَّ، فَكَأَنَّهُمْ هُيِّجُوا بِي، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ غَرَّى بِالشَّيْءِ إِذَا وَلِعَ بِهِ، وَالِاسْمُ الْغَرَّاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ، فَمَعْنَى أُغْرُوا بِي أَلْصَقُوا بِي (تِلْكَ السَّاعَةَ) ، أَيْ: ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ ﷺ يَأْمُرُهُمْ بِالْمُسَامَحَةِ أَوْ بِحَطِّ بَعْضِ الدَّيْنِ أَوْ بِالصَّبْرِ، فَأَظْهَرُوا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ) ، أَيْ: دَارَ (حَوْلَ أَعْظَمِ) ، أَيْ: أَكْبَرِ تِلْكَ الْبَيَادِرِ (بَيْدَرًا) : التَّمْيِيزُ لِلتَّأْكِيدِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) . ظَرْفُ طَافَ (ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى أَعْظَمِهَا (ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي أَصْحَابَكَ) ، أَيْ أَصْحَابَ دَيْنِكَ (فَحَضَرُوا فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ عَنْ وَالِدِي) ، أَيْ: قَضَى عَنْهُ (أَمَانَتَهُ) ، أَيْ دَيْنَهُ، وَسُمِّيَ أَمَانَةً لِأَنَّهُ ائْتُمِنَ عَلَى أَدَائِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] أَيْ مَا ائْتَمَنْتُكُمْ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْتُورِبِشْتِيُّ. (وَأَنَا أَرْضَى) ، أَيْ: كُنْتُ أَرْضَى حِينَئِذٍ (أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي) : وَلَا أَرْجِعَ - بِالنَّصْبِ. وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةً أَيْ: وَلَا أَنْقَلِبُ (إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا) . أَيْ جَعَلَهَا سَالِمَةً عَنِ النُّقْصَانِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، أَوْ خَلَّصَهَا عَنْ أَيْدِي الْغُرَمَاءِ بِبَرَكَتِهِ ﷺ (وَحَتَّى أَنِّي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَجُوِّزَ كَسْرُهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى هِيَ الدَّاخِلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا، وَهِيَ عَاطِفَةٌ عَلَى مُقَدَّرٍ جُمِعَ أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ: فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا ثُمَّ فَصَّلَهَا بِقَوْلِهِ: حَتَّى كَذَا وَحَتَّى كَذَا اهـ. وَمُجْمَلُهُ: أَنَّهَا عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا حَتَّى لَمْ يَنْقُصْ مِنْ تِلْكَ الْبَيَادِرِ الَّتِي لَمْ يَكِلْهَا شَيْءٌ أَصْلًا. وَحَتَّى أَنِّي (أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ: جَالِسًا (كَأَنَّهَا) ، أَيِ: الْقِصَّةُ أَوِ الْبَيْدَرُ وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الصُّبْرَةِ (لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةٌ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ النَّقْصَ لَازِمٌ أَيْ: لَمْ يَنْتَقِصْ تَمْرَةٌ مِنْهَا. وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا تَمْيِيزٌ أَوْ مَفْعُولٌ، وَالْإِسْنَادُ إِلَى الصُّبْرَةِ مَجَازِيٌّ، وَقَوْلُهُ: (وَاحِدَةٌ) : لِلتَّأْكِيدِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا النَّسَائِيُّ.
стр. 8231
٥٩٠٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: «إِنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا، فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الْأُدُمَ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ فَتَعْمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَتَجِدُ فِيهِ سَمْنًا، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدُمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: (عَصَرْتِيهَا؟) . قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: (لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا) » رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٩٠٧ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ جَابِرٍ (قَالَ: إِنَّ أُمَّ مَالِكٍ) ، أَيِ: الْبَهْزِيَّةَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ لَهَا صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، وَهِيَ حِجَازِيَّةٌ، رَوَى عَنْهَا طَاوُسٌ وَمَكْحُولٌ (كَانَتْ تُهْدِي) : مِنَ الْإِهْدَاءِ (لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي عُكَّةٍ) : بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ قِرْبَةٌ صَغِيرَةٌ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَفِي النِّهَايَةِ: هِيَ وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ مُسْتَدِيرٍ، وَيَخْتَصُّ بِالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ، وَهُوَ بِالسَّمْنِ أَخَصُّ (لَهَا) ، أَيْ: كَانَتْ لِأُمِّ مَالِكٍ (سَمْنًا) ، مَفْعُولُ تُهْدِي (فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الْأُدُمَ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي أَيِ: الْإِدَامَ (وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ) : فِيهِ تَغْلِيبٌ (شَيْءٌ) ، أَيْ: مِنَ الْإِدَامِ، أَوْ مِمَّا يُشْتَرَى بِهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ (فَتَعْمِدُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ تَقْصِدُ أُمُّهُ (إِلَى الَّذِي) ، أَيْ: إِلَى الْعُكَّةِ وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الظَّرْفِ (كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَتَجِدُ فِيهِ سَمْنًا فَمَا زَالَ) ، أَيِ: الظَّرْفُ أَوِ السَّمْنُ الَّذِي تَجِدُهُ فِيهِ (يُقِيمُ لَهَا أُدُمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ) ، أَيْ: لِزِيَادَةِ الطَّمَعِ، فَانْقَطَعَ الْإِدَامُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحِرْصَ شُؤْمٌ، وَالْحَرِيصُ مَحْرُومٌ (فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ) أَيْ: وَأَخْبَرَتْهُ بِالْخَبَرِ جَمِيعًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: فَأَتَتْ وَشَكَتِ انْقِطَاعَ إِدَامِ بَيْتِهَا مِنَ الْعُكَّةِ (فَقَالَ: عَصَرْتِيهَا) ؟ أَيِ الْعُكَّةَ وَالْبَاءُ لِلْإِشْبَاعِ، وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرَةٌ (قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: لَوْ تَرَكْتِيهَا) : بِإِشْبَاعِ الْيَاءِ أَيْضًا أَيْ: لَوْ تَرَكْتِ مَا فِيهَا مِنَ السَّمْنِ وَمَا عَصَرْتِهَا (مَا زَالَ) ، أَيْ: دَامَ بَيْتُكِ (قَائِمًا) . أَيْ ثَابِتًا دَائِمًا: فَإِنَّ الْبَرَكَةَ إِذَا نَزَلَتْ فِي شَيْءٍ وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا كَثُرَ ذَلِكَ الْقَلِيلُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8232
٥٩٠٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلَاثَتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟) . قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: (بِطَعَامٍ؟) قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: (قُومُوا) . فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ. فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! مَا عِنْدَكِ) فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا. ثُمَّ قَالَ: (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ثُمَّ لِعَشَرَةٍ) فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: ( «ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) فَدَخَلُوا فَقَالَ: (كُلُوا وَسَمُّوا اللَّهَ) فَأَكَلُوا حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَتَرَكَ سُؤْرًا» .
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: " «أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً " حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ؟» . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ فَجَمَعَهُ، ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ فَعَادَ كَمَا كَانَ. فَقَالَ: (دُونَكُمْ هَذَا) » .
ــ
٥٩٠٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ) : وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ زَوْجَةُ أَبِي طَلْحَةَ (لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ) ؟ أَيْ: وَلَوْ قَلِيلًا مِنَ الْمَأْكُولِ (فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا) : وَهُوَ مَا تَسْتُرُ الْمَرْأَةُ بِهِ رَأْسَهَا (فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ) ، أَيْ: خَبَّأَتْهُ وَأَخْفَتْهُ (تَحْتَ يَدِهِ) ، أَيْ: يَدِ أَنَسٍ، فَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: دَسَّهُ إِذَا أَدْخَلَهُ فِي الشَّيْءِ بِقَهْرٍ وَقُوَّةٍ (وَلَاثَتْنِي) : بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، أَيْ: عَمَّمَتْنِي (بِبَعْضِهِ) ، أَيْ: بِبَعْضِ الْخِمَارِ وَهُوَ الطَّرَفُ الْآخَرُ مِنْهُ. قَالَ الْقَاضِي، أَيْ: عَمَّمَتْنِي أَوْ لَفَّفَتْنِي مِنَ اللَّوْثِ وَهُوَ لَفُّ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وَإِدَارَتِهِ عَلَيْهِ اهـ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَمَالِ قِلَّةِ الْخُبْزِ. (ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبَ بِهِ) ، أَيْ بِالْخُبْزِ إِلَيْهِ (فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ) . قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي أَعَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّلَاةِ فِيهِ حِينَ مُحَاصَرَةِ الْأَحْزَابِ لِلْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَمَعَهُ النَّاسُ أَيِ: الْكَثِيرُ وَهُمْ ثَمَانُونَ رَجُلًا عَلَى مَا سَيَأْتِي. (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ) ، أَيْ: بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَقَصْدِ الْجَمِيعِ (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرْسَلَكَ) : بِهَمْزَةٍ مُقَدَّرَةٍ وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ لِلِاسْتِفْهَامِ أَيْ: أَبَعَثَكَ (إِلَيَّ أَبُو طَلْحَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ) . وَهُوَ لَا يُنَافِي إِرْسَالَ أُمِّهِ لِأَنَّ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ، وَمَآلُهُمَا مُتَّحِدٌ، وَلَعَلَّهُ ﷺ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِهَا احْتِشَامًا، أَوْ لِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ هُوَ الْبَاعِثُ الْأَوَّلُ فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ الْمُعَوَّلُ. (قَالَ: بِطَعَامٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ) . وَالتَّفْرِيقُ إِمَّا لِلتَّفْهِيمِ أَوْ بِحَسَبِ تَدْرِيجِ الْوَحْيِ وَالتَّعْلِيمِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ ﷺ فَهِمَ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ اسْتَدْعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلِذَا قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: قُومُوا، وَأَوَّلُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ، وَأَبَا طَلْحَةَ أَرْسَلَا الْخُبْزَ مَعَ أَنَسٍ، فَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمَا أَرَادَا إِرْسَالَ الْخُبْزِ مَعَ أَنَسٍ أَنْ يَأْخُذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَأْكُلَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ أَنَسٌ، وَرَأَى كَثْرَةَ النَّاسِ اسْتَحَى وَظَهَرَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ النَّبِيَّ ﷺ لِيَقُومَ مَعَهُ وَحْدَهُ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَيَحْصُلَ مَقْصُودُهُمْ مِنْ إِطْعَامِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ أَرْسَلَهُ عَهِدَ إِلَيْهِ إِذَا رَأَى كَثْرَةَ النَّاسِ دَعَا النَّبِيَّ ﷺ خَشْيَةَ أَنْ لَا يَكْفِيَهُمْ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وَقَدْ عَرَفُوا إِيثَارَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَقَدْ وَجَدْتُ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ تَقْتَضِي أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ اسْتَدْعَى النَّبِيَّ ﷺ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ.
قُلْتُ: هَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ ; لِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا عَرَفَ بِنُورِ الْوَحْيِ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ أَرْسَلَ أَنَسًا بِطَعَامٍ وَأَخْبَرَهُ بِهِ، كَيْفَ يَفْهَمُ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ اسْتَدْعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ؟ ثُمَّ قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي إِلَخْ. لَيْسَ فِي مَحِلِّهِ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ الْمَرَامِ لَا مُقْتَضَى الْكَلَامِ، ثُمَّ لَا دَلَالَةَ لِلِاسْتِحْيَاءِ وَالِاسْتِدْعَاءِ الْمَنْسُوبَيْنِ لِأَنَسٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ، وَلَا عَلَى رَأْيِ مَنْ أَرْسَلَهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِأَمْرِ أَبِي طَلْحَةَ لَمَا حَصَلَ لَهُ فَزَعٌ وَاضْطِرَابٌ بِمَأْتَى النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ ﷺ أَرَادَ إِظْهَارَ الْمُعْجِزَةِ، وَهُوَ إِشْبَاعُ جَمْعٍ كَثِيرٍ بِخُبْزٍ قَلِيلٍ، وَمُنْضَمَّةٌ إِلَى مُعْجِزَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ قَضِيَّةُ الْعُكَّةِ الْآتِيَةِ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ وَأَنَسٍ وَأُمِّهِ لِيَحْصُلَ لَهُمْ بَرَكَةٌ عَظِيمَةٌ بِحُسْنِ نِيَّتِهِمْ، وَإِخْلَاصِ طَوِيَّتِهِمْ، وَآدَابِ خِدْمَتِهِمْ، وَيَكُونُ نَظِيرَ مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ أَنَسٌ: فَانْطَلَقَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ. (وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) ، أَيْ: قُدَّامَهُمْ كَهَيْئَةِ الْخَادِمِ وَالْمُضِيفِ أَوْ مُسْرِعًا لِإِيصَالِ الْخَبَرِ لِقَوْلِهِ (حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ) ، أَيْ: بِإِتْيَانِهِمْ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، أَيْ: مَعَهُمْ (وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ) ، أَيْ: غَيْرُ مَا أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْهِ وَثَمَّ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَكَيْفَ نُقَدِّمُ لَهُمْ شَيْئًا قَلِيلًا؟ (فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) . أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ بَعْضِ الْحِكَمِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ مَنْقَبَةٌ
стр. 8233
عَظِيمَةٌ لِأُمِّ سُلَيْمٍ، وَدَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ دِينِهَا وَرُجْحَانِ عَقْلِهَا وَقُوَّةِ يَقِينِهَا، تَعْنِي أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ قَدْرَ الطَّعَامِ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمَصْلَحَةِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ الْمَصْلَحَةَ لَمَا فَعَلَهَا، (فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ) ، أَيْ: مُسَارِعًا (حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ) ، أَيْ: حَتَّى دَخَلَا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ وَالنَّاسُ وَرَاءَهُمَا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ) . أَيْ: عَجِّلِي وَأَحْضِرِي (مَا عِنْدَكِ) . أَيْ مِنَ الْخُبْزِ (فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَوْ أَبَا طَلْحَةَ أَوْ غَيْرَهُ بِالْخُبْزِ يَعْنِي بِتَفْتِيتِهِ (فَفُتَّ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمَاضِي أَيْ: جُعِلَ فَتِيتًا أَيْ قِطَعًا صِغَارًا مَفْتُوتًا قَالَ شَارِحٌ: أَوْ هُوَ أَمْرُ مُخَاطَبٍ، وَلَعَلَّ تَقْدِيرَهُ فَأَمَرَ بِهِ وَقَالَ: فَفُتَّ (وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِمَدِّهَا، أَيْ: جَعَلَتْ مَا خَرَجَ مِنَ الْعُكَّةِ وَهُوَ السَّمْنُ إِدَامًا لِذَلِكَ الْفَتِيتِ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ) : أَيْ فِي ذَلِكَ الْخُبْزِ مَعَ الْإِدَامِ أَوْ فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الْخُبْزِ وَالْإِدَامِ (مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ) ، أَيْ: مِنَ الدُّعَاءِ أَوِ الْأَسْمَاءِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ قَالَ: بَاسِمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ أَعْظِمْ فِيهِمَا الْبَرَكَةَ. ثُمَّ قَالَ) ، أَيْ: لِأَبِي طَلْحَةَ أَوْ لِأَنَسٍ أَوْ لِغَيْرِهِمَا (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) : وَإِنَّمَا أَذِنَ لِعَشَرَةٍ عَشَرَةٍ لِيَكُونَ أَرْفَقَ بِهِمْ، فَإِنَّ الْقَصْعَةَ الَّتِي فِيهَا الطَّعَامُ لَا يَتَحَلَّقُ عَلَيْهَا أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ إِلَّا بِضَرَرٍ يَلْحَقُهُمْ لِبُعْدِهَا عَنْهُمْ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَأْذَنْ لِلْكُلِّ مَرَّةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ إِذَا نَظَرُوا إِلَى طَعَامٍ قَلِيلٍ يَزْدَادُ حِرْصُهُمْ عَلَى الْأَكْلِ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ لَا يُشْبِعُهُمْ، وَالْحِرْصُ عَلَيْهِ يَمْحَقُ الْبَرَكَةَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ الْجَلِيلَ إِذَا أَبْصَرُوا الطَّعَامَ الْقَلِيلَ لَآثَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، أَوِ اسْتَحْيَوْا مِنَ الْأَكْلِ الْكَثِيرِ، وَاسْتَقَلُّوا فِي أَكْلِهِمْ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مُرَادُهُمْ مِنَ الْقُوَّةِ فِي الشَّجَاعَةِ، وَعَلَى أَدَاءِ الطَّاعَةِ، وَقِيلَ: لِضِيقِ الْمَنْزِلِ، (فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ثُمَّ لِعَشَرَةٍ) أَيْ: وَهَلُمَّ جَرًّا (فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا) .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَذَا وَقَعَ هُنَا بِالشَّكِّ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْجَزْمُ بِالثَمَانِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ بِضْعَةٍ وَثَمَانِينَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، قُلْتُ: كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: كَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَلْغَى الْكَسْرَ، لَكِنْ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ حَتَّى أَكَلَ مِنْهُ أَرْبَعُونَ وَبَقِيَتْ كَمَا هِيَ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ التَّغَايُرَ، وَأَنَّ الْقَضِيَّةَ مُتَعَدِّدَةٌ. قُلْتُ: الْقَضِيَّةُ مُتَّحِدَةٌ، وَالْجَمْعُ بِأَنَّ الْجَمْعَ الْأَوَّلَ كَانُوا أَرْبَعِينَ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ أَرْبَعُونَ أُخَرُ مِمَّنْ كَانُوا وَرَاءَهُمْ، أَوْ وَقَعَ مِنْهُ ﷺ دُعَاءَهُمْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ) : فَدَخَلُوا فَقَالَ: (كُلُوا وَسَمُّوا اللَّهَ، فَأَكَلُوا حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ) ، أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِ أَكْلِ أَصْحَابِهِ (أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَهْلُ الْبَيْتِ، وَتَرَكَ سُؤْرًا) : بِضَمِّ سِينٍ وَسُكُونِ هَمْزٍ وَيُبْدَلُ، وَجَزَمَ الْتُورِبِشْتِيُّ وَقَالَ: هُوَ بِالْهَمْزِ أَيْ بَقِيَّةٌ.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ ) . أَيْ: مِنْ غَيْرِ انْتِظَارٍ لِلْأَرْبَعِينَ الْأُخَرَ، لِيَحْصُلَ بَرَكَتُهُ لِلطَّرَفَيْنِ مِنَ الْأَرْبَعِينَ، أَوِ الْمَعْنَى ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِ الْكُلِّ أَكَلَ، (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ) ، أَيْ: أَتَفَكَّرُ وَأَتَرَدَّدُ وَأَتَأَمَّلُ (هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ) ؟ أَيْ أَمْ لَا. فَلَا يَظْهَرُ نَقْصٌ أَصْلًا.
стр. 8234
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ فَجَمَعَهُ ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ، فَعَادَ كَمَا كَانَ فَقَالَ) ، أَيْ: لِأَهْلِ الْبَيْتِ (دُونَكُمْ هَذَا) أَيْ: خُذُوهُ. قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَسْتَقِيمُ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ مِنْ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ فَفِي إِحْدَاهَا يَقُولُ: تَرَكَ سُؤْرًا، وَفِي الْأُخْرَى يَقُولُ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ، وَفِي الثَّالِثَةِ: ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ فَجَمَعَهُ الْحَدِيثَ؟ قُلْنَا: وَجْهُ التَّوْفِيقِ فِيهِنَّ هَيِّنٌ بَيِّنٌ، وَهُوَ أَنْ نَقُولَ: إِنَّمَا قَالَ وَتَرَكَ سُؤْرًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ مِنْهُ، فَمَا فَضَلَ مِنْهُ سَمَّاهُ سُؤْرًا، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَحْسَبُ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ أَرَادَ بِذَلِكَ مَا فَضَلَ عَنْهُمْ بَعْدَ أَنْ فَرَغُوا مِنْهُ. وَقِيلَ: أَخْبَرَ فِي الْأُولَى أَنَّهُ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ يَحْكِيهِ عَلَى مَا وَجَدَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ الدُّعَاءِ، وَعَوْدُهُ إِلَى الْمِقْدَارِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّنَاوُلِ، وَالثَّالِثَةُ لَا الْتِبَاسَ فِيهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
стр. 8235
٥٩٠٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ. قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَلَاثَمِائَةٍ) أَوْ زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٩٠٩ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ: جِيءَ (بِإِنَاءٍ وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ) : بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ، وَهُوَ الْبِئْرُ الْبَعِيدَةُ الْقَعْرِ. وَقِيلَ: مَوْضِعٌ قَرِيبٌ بِالْمَدِينَةِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْمُرَادُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ مَكَانٌ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ، وَفِي الْقَامُوسِ: مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ قُرْبَ الْمَسْجِدِ. (فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَجَعَلَ) ، أَيْ: شَرَعَ (الْمَاءُ يَنْبُعُ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّهَا وَجُوِّزَ كَسْرُهَا فَقِيلَ فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ، وَالْمُخْتَارُ الْفَتْحُ. وَفِي الْمِصْبَاحِ نَبَعَ كَنَصَرَ وَكَمَنَعَ لُغَةً. وَفِي الْقَامُوسِ: نَبَعَ يَنْبُعُ مُثَلَّثَةً خَرَجَ مِنَ الْعَيْنِ (مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي كَيْفِيَّةِ هَذَا النَّبْعِ قَوْلَانِ. حَكَاهُمَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ نَفْسِ أَصَابِعِهِ وَيَنْبُعُ مِنْ ذَاتِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَعْظَمُ فِي الْمُعْجِزَةِ مِنْ نَبْعِهِ مِنْ حَجَرٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ تَعَالَى أَكْثَرَ الْمَاءَ فِي ذَاتِهِ فَصَارَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، (فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ) ، أَيْ: مِنْهُ (قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ) ؟ أَيْ يَوْمَئِذٍ (قَالَ: ثَلَاثَمِائَةٍ) : بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ كُنَّا، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ نَحْنُ أَوِ الْقَوْمُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَكَذَا قَوْلُهُ: (أَوْ زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ) : بِنَصْبِ زُهَاءَ وَبِرَفْعِهِ وَهُوَ بِضَمِّ الزَّايِ وَبِالْمَدِّ أَيْ: مِقْدَارُهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: ثَلَاثَمِائَةٍ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لَكَانَ الْمَقْدُورِ زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ أَيْ قَدْرَ ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ زَهَوْتُ الْقَوْمَ إِذَا حَزَرْتُهُمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8236
٥٩١٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا.
كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ. فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ: (اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ) فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: (حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ) وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٩١٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ) ، أَيِ: الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ (بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا) ، أَيْ: إِنْذَارًا وَهَلَكَةً. قَالَ شَارِحٌ: وَسُمِّيَتْ آيَةً لِأَنَّهَا عَلَامَةُ نُبُوَّتِهِ، فَقِيلَ: أَرَادَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ بِذَلِكَ أَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ لَا يَنْفَعُ فِيهِمْ إِلَّا الْآيَاتُ الَّتِي نَزَلَتْ بِالْعَذَابِ وَالتَّخْوِيفِ، وَخَاصَّتَهُمْ يَعْنِي الصَّحَابَةَ كَانَ يَنْفَعُ فِيهِمُ الْآيَاتُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْبَرَكَةِ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ طَرِيقَ الْخَوَاصِّ مَبْنِيٌّ عَلَى غَلَبَةِ الْمَحَبَّةِ وَالرَّجَاءِ، وَسَبِيلَ الْعَوَامِّ مَبْنِيٌّ عَلَى كَثْرَةِ الْخَوْفِ وَالْعَنَاءِ، وَيُسَمَّى الْأَوَّلُونَ بِالطَّائِرِينَ الْمَجْذُوبِينَ الْمُرَادِينَ، وَالْآخِرُونَ بِالسَّائِرِينَ السَّالِكِينَ الْمُرِيدِينَ، وَتَفْصِيلُ هَذَا الْمَرَامِ مِمَّا لَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا هُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] وَالْآيَاتُ إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمُعْجِزَاتُ، أَوْ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلَةُ، وَكِلَاهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُؤْمِنِ الْمُوَافِقِ بَرَكَةٌ وَازْدِيَادٌ فِي إِيمَانِهِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُخَالِفِ الْمُعَانِدِ إِنْذَارٌ وَتَخْوِيفٌ. يَعْنِي لَا نُرْسِلُهَا إِلَّا تَخْوِيفًا مِنْ نُزُولِ الْعَذَابِ الْعَاجِلِ كَالطَّلِيعَةِ وَالْمُقَدِّمَةِ لَهُ، وَفِيهِ مَدْحٌ لِلصَّحَابَةِ الَّذِينَ اسْتَعَدُّوا بِصُحْبَةِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَلَزِمُوا طَرِيقَتَهُ، وَذَمٌّ لِمَنْ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ قُلْتُ. إِيرَادُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلْمَرَامِ، فَإِنَّ مَعْنَاهَا عَلَى مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ: وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ، أَيْ: بِالْآيَاتِ الْمُقْتَرَحَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩] .
стр. 8237
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] أَيْ: مِنْ نُزُولِ الْعَذَابِ الْمُسْتَأْصَلِ، فَإِنْ لَمْ يَخَافُوا نَزَلَ، أَوْ بِغَيْرِ الْمُقْتَرَحَةِ كَالْمُعْجِزَاتِ وَآيَاتِ الْقُرْآنِ إِلَّا تَخْوِيفًا بِعَذَابِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ أَمْرَ مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ مُؤَخَّرٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَالتَّخْوِيفُ مَطْلُوبٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ، وَأَكَّدَهُ حَيْثُ أَتَى بِصِيغَةِ الْحَصْرِ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ لِابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ فِي عَدِّهَا تَخْوِيفًا؟ قَتَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ كُنَّا نَعُدُّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ الْوَاقِعَةِ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ طَلَبٍ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْبَرَكَةُ آيَاتٍ وَمُعْجِزَاتٍ، وَأَنْتُمْ تَحْصُرُونَ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ عَلَى الْآيَاتِ الْمُقْتَرَحَةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَخَافَةُ الْعُقُوبَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ بَيَانُهُ لِقَوْلِهِ: ( «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ: اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَاءُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ» ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيِ الْمَاءِ (الْمُبَارَكِ) ، أَيِ: الْكَثِيرِ الْبِرْكَةِ، وَالْمَعْنَى هَلُمُّوا إِلَيْهِ وَأَسْرِعُوا (وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ) ، أَيْ: لَا مِنْ أَحَدٍ سِوَاهُ. (ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَقَدْ كُنَّا) ، أَيْ: أَحْيَانًا (نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ) . وَذَكَرَ صَاحِبُ الشِّفَاءِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصَى فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ حَتَّى سَمِعْنَا التَّسْبِيحَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ.
стр. 8238
٥٩١١ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِّيَتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا) فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ. قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ فَمَالَ عَنِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: (احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا) فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: (ارْكَبُوا) فَرَكِبْنَا. فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ. قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ. ثُمَّ قَالَ: (احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ) ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ، وَرَكِبَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٌ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْنَا وَعَطِشْنَا، فَقَالَ: (لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ) وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَحْسِنُوا الْمَلَأَ، كُلُّكُمْ سَيُرْوَى) قَالَ: فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ، حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَبَّ فَقَالَ لِيَ: (اشْرَبْ) فَقُلْتُ: لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: (إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ) .
قَالَ: فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ، قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ هَكَذَا فِي (صَحِيحِهِ) وَكَذَا فِي (كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) ، وَ (جَامِعِ الْأُصُولِ) . وَزَادَ فِي (الْمَصَابِيحِ) بَعْدَ قَوْلِهِ: (آخِرُهُمْ) لَفْظَةَ: (شُرْبًا) .
ــ
٥٩١١ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَطَبَنَا) ، أَيْ: خَطَبَ لَنَا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِّيَتَكُمْ) ، أَيْ: أَوَّلَ لَيْلَتِكُمْ (وَلَيْلَتَكُمْ) ، أَيْ: بَقِيَّتَهَا وَآخِرَهَا (وَتَأْتُونَ الْمَاءَ) ، أَيْ: تَحْضُرُونَهُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا) فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) ، أَيْ: لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلَا يَعْطِفُ عَلَيْهِ، بَلْ يَمْشِي كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَاعِيَ الصُّحْبَةَ لِاهْتِمَامِهِ بِطَلَبِ الْمَاءِ وَوُصُولِهِ إِلَيْهِ وَحُصُولِهِ لَدَيْهِ. (قَالَ أَبُو قَتَادَةَ، فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ) أَيْ: فِي لَيْلَةٍ (حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) : بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَمَصْدَرُهُ ابْهِيرَارًا كَاحْمَارَّ احْمِيرَارًا أَيِ: انْتَصَفَ وَتَوَسَّطَ، ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَيُقَالُ: ذَهَبَ مُعْظَمُهُ وَأَكْثَرُهُ، وَقِيلَ ابْهَارَّ اللَّيْلُ إِذَا اطَّلَعَتْ نُجُومُهُ وَاسْتَنَارَتْ، (فَمَالَ عَنِ الطَّرِيقِ) ، أَيْ: لِقَصْدِ النَّوْمِ (فَوَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ) ، أَيْ: لِبَعْضِ خَدَمِهِ (احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا) ، أَيْ: وَقْتَهَا، وَهِيَ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَكَأَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِمُ النَّوْمُ فَرَقَدُوا (فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : وَهُوَ اسْمُ كَانَ أَوْ خَبَرُهُ وَأَوَّلُ عَكْسُهُ (وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ) ، أَيْ: طَالِعَةٌ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (ثُمَّ قَالَ: ارْكَبُوا) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ؟ فِي تَأْخِيرِهِ ﷺ قَضَاءَ الصَّلَاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا ثُمَّ تَذَكَّرَهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ، وَعَلَى نَدْبِ مُفَارَقَةِ الْمَوْضِعِ الَّذِي تَرَكَ فِيهِ الْمَأْمُورَ، أَوِ ارْتَكَبَ فِيهِ الْمَنْهِيَّ يَعْنِي: وَلَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ تَأْخِيرَهُ إِنَّمَا هُوَ لِرَجَاءِ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمَاءِ أَوْ لِخُرُوجِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَرَكِبْنَا، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ) ، أَيْ: بِقَدْرِ رُمْحٍ أَوْ أَكْثَرَ (نَزَلَ ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِأَلِفٍ قَبْلَ الْهَمْزِ، وَأَصْلُهُ مِوْضَأَةٌ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِكَسْرِ الْمِيمِ عَلَى وَزْنِ مِفْعَلَةٍ مِنَ الْوُضُوءِ.
стр. 8239
وَفِي الْفَائِقِ: هِيَ عَلَى مِفْعَلَةٍ مِفْعَالَةٍ مَطْهَرَةٌ كَبِيرَةٌ يُتَوَضَّأُ مِنْهَا ذَكَرُهُ الطِّيبِيُّ. وَفِي النِّهَايَةِ بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ، وَقَدْ يُمَدُّ، وَالْمَعْنَى ثُمَّ طَلَبَ مَطْهَرَةً (كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ) ، أَيْ: قَلِيلٌ (مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ) : يَعْنِي وُضُوءًا وَسَطًا، وَذَلِكَ لِقِلَّةِ الْمَاءِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَوَافَقَهُ الطِّيبِيُّ. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ اسْتَنْجَى فِي هَذَا الْوُضُوءِ بِالْحَجَرِ لَا بِالْمَاءِ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ يُتَوَضَّأُ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ مِنَ التَّثْلِيثِ بِأَنِ اكْتَفَى بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ (قَالَ) ، أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ (احْفَظْ عَلَيْنَا) ، أَيْ: لِأَجْلِنَا (مِيضَأَتَكَ) ، أَيْ: ذَاتَهَا وَمَا فِيهَا (فَسَيَكُونُ لَنَا نَبَأٌ) ، أَيْ: خَبَرٌ عَظِيمٌ، وَشَأْنٌ جَسِيمٌ، وَفَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وَنَتِيجَةٌ جَمِيلَةٌ يُتَحَدَّثُ بِهَا وَيُرْوَى حِكَايَتُهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: مُعْجِزَةٌ كَمَا سَيَأْتِي (ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ) : فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْآذَانِ لِلْقَضَاءِ كَمَا هُوَ سُنَّةٌ لِلْأَدَاءِ (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: سُنَّةَ الصُّبْحِ لِفَوْتِهَا مَعَ فَرْضِهِ الْمُؤَدَّيَيْنِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَأَمَّا إِذَا فَاتَتْ وَحْدَهَا فَلَا قَضَاءَ لَهَا إِلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، لَكِنْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا وَبَعْدَ الزَّوَالِ لَا تُقْضَى اتِّفَاقًا (ثُمَّ صَلَّى الْغُدْوَةَ) ، أَيْ: فَرْضَ الصُّبْحِ قَضَاءً (وَرَكِبَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ، فَانْتَهَيَا إِلَى النَّاسِ) ، أَيِ: النَّازِلِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَافِلَةِ (حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ) ، أَيِ: ارْتَفَعَ (وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ) ، أَيِ: اشْتَدَّ حَرَارَتُهُ (وَهُمْ يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْنَا) ، أَيْ: مِنْ حَرَارَةِ الْهَوَاءِ (وَعَطِشْنَا) : بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ: مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ (فَقَالَ: لَا هُلْكَ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: لَا هَلَاكَ (عَلَيْكُمْ) : وَهُوَ دُعَاءٌ أَوْ خَبَرٌ (وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ يَصُبُّ) ، أَيِ: الْمَاءَ (وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ) ، بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيُضَمُّ (فَلَمْ يَعْدُ) : مُضَارِعُ عَدَا أَيْ: لَمْ يَتَجَاوَزْ (أَنْ رَأَى النَّاسُ) مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: رُؤْيَتُهُمْ (مَاءً) ، أَيْ: كَثِيرًا (مِنَ الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: تَزَاحَمُوا (عَلَيْهَا) ، أَيْ: عَلَى الْمِيضَأَةِ مُكِبًّا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يَضْبُطِ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ وَقَعَتْ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الدَّالِ وَإِثْبَاتِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَتَكَابُّوا وَلَيْسَ فِي مُسْلِمٌ، وَلَا فِي شَرْحِهِ الْفَاءُ، وَأَنْ رَأَى النَّاسُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا أَيْ: لَمْ يَتَجَاوَزْ رُؤْيَةُ النَّاسِ الْمَاءَ إِكْبَابَهُمْ فَتَكَابُّوا، وَإِنْ مَفْعُولًا أَيْ: لَمْ يَتَجَاوَزِ السَّقْيُ أَوِ الصَّبُّ رُؤْيَةَ النَّاسِ الْمَاءَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَهِيَ كَبُّهُمْ عَلَيْهِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَحْسِنُوا الْمَلَأَ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ: الْخُلُقَ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْمَلَأُ مُحَرَّكَةً الْخُلُقُ، وَمِنْهُ: أَحْسِنُوا إِمْلَاءَكُمْ أَيْ: أَخْلَاقَكُمْ. وَفِي الْفَائِقِ: الْمَلَأُ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَقِيلَ لِلْخُلُقِ الْحَسَنِ مَلَأٌ لِأَنَّهُ أَكْرَمُ مَا فِي الرَّجُلِ وَأَفْضَلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ لِكِرَامِ الْقَوْمِ وُجُوهَهُمْ مَلَأٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْكِرَامِ مَلَأٌ لِأَنَّهُمْ يَتَمَالَئُونَ أَيْ: يَتَعَاوَنُونَ. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهُمْ يَمْلَأُونَ الْمَجْلِسَ أَوْ يَمْلَأُونَ الْعُيُونَ عَظَمَةً أَوْ بِحَشَمِهِمْ وَخَدَمِهِمْ كَثْرَةً (كُلُّكُمْ سَيُرْوَى) : بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: جَمِيعُكُمْ تَرْوُونَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ فَلَا تَزْدَحِمُوا وَلَا تُسِيئُوا أَخْلَاقَكُمْ بِالتَّدَافُعِ.
(قَالَ) ، أَيِ: الرَّاوِي (فَفَعَلُوا) ، أَيِ: النَّاسُ إِحْسَانَ الْخُلُقِ وَلَمْ يَزْدَحِمُوا حَيْثُ اطْمَأَنُّوا (فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُبُّ، وَأَسْقَاهُمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي) ، أَيْ: مِنَ الصَّحَابَةِ ( «وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَبَّ فَقَالَ لِيَ: اشْرَبْ فَقُلْتُ: لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ» ) ، أَيْ: شُرْبًا: كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَلَا شَكَّ، أَنَّ السَّاقِيَ حَقِيقَةً هُوَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا يُنَافِي قَوْلَ أَبِي قَتَادَةَ: وَأَسْقِيهِمْ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى.
стр. 8240
أُنَاوِلُهُمْ (قَالَ: فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ. قَالَ) ، أَيْ: أَبُو قَتَادَةَ (فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ) ، أَيْ: وَصَلُوا إِلَى مَكَانِ الْمَاءِ (جَامِّينَ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ: مُسْتَرِيحِينَ، ذَكَرَهُ الْتُورِبِشْتِيُّ (رِوَاءً) : بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ جَمْعُ رَاوٍ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى مِنَ الْمَاءِ أَوْ جَمْعُ رَيَّانَ كَعِطَاشٍ جَمْعُ عَطْشَانٍ أَيْ: مُمْتَلِئِينَ مِنَ الْمَاءِ. وَقَالَ شَارِحٌ قَوْلُهُ: جَامِّينَ أَيْ: مُجْتَمِعِينَ مِنَ الْجَمِّ أَوْ مُسْتَرِيحِينَ مِنَ الْجَمَامِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الرَّاحَةُ وَزَوَالُ الْإِعْيَاءِ. قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ: وَاكْثُرْ مَا يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِي الْفَرَسِ يَعْنِي لِأَنَّهُ كَثِيرُ الْعَطَشِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ هَكَذَا فِي صَحِيحِهِ وَكَذَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ) ، أَيْ: سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ بِدُونِ شُرْبًا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ، وَرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى. (وَزَادَ فِي الْمَصَابِيحِ بَعْدَ قَوْلِهِ: آخِرُهُمْ لَفْظَةَ شُرْبًا) : قُلْتُ: وَهُوَ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْقُضَاعِيُّ عَنِ الْمُغِيرَةِ.
стр. 8241
٥٩١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسَ الْمَجَاعَةُ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَيْهًا بِالْبَرَكَةِ. فَقَالَ: (نَعَمْ) . فَدَعَا بِنِطَعٍ، فَبُسِطَ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ (خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ) فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَئُوهُ. قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرُ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ) » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٩١٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ غَزْوَةِ تَبُوكَ) : بِعَدَمِ الِانْصِرَافِ وَقَدْ يُصْرَفُ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مَسِيرَةُ شَهْرٍ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْمَشْهُورُ فِي تَبُوكَ عَدَمُ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ، وَمَنْ صَرَفَهَا أَرَادَ الْمَوْضِعَ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ عَلَى وِزَانِ يَزِيدَ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَكَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ فِي رَجَبٍ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ رَأَى قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِهِ يَبُوكُونَ عَيْنَ تَبُوكَ أَيْ: يُدْخِلُونَ فِيهَا الْقَدَحَ أَيِ: السَّهْمَ وَيُحَرِّكُونَهُ لِيَخْرُجَ الْمَاءُ فَقَالَ: (مَا زِلْتُمْ تَبُوكُونَهُ بَوْكًا) . (أَصَابَ النَّاسَ) : جَوَابُ لَمَّا أَيْ: حَصَلَ لَهُمْ (مَجَاعَةٌ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: جُوعٌ شَدِيدٌ (فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ) : فِي الْحَدِيثِ اخْتِصَارٌ إِذْ رُوِيَ أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ مَجَاعَةٌ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا فَأَكَلْنَا وَأَدَمْنَا. فَقَالَ: افْعَلُوا فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ فَعَلْتَ قَلَّتِ الظُّهُورُ، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، وَالْفَضْلُ مَا زَادَ عَنْ شَيْءٍ، وَالْأَزْوَادُ جَمْعُ زَادٍ وَهُوَ طَعَامٌ يُتَّخَذُ لِلسَّفَرِ، فَالْمَعْنَى مُرْهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِبَقِيَّةِ أَزْوَادِهِمْ، (ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَيْهَا) ، أَيْ: عَلَى تِلْكَ الْأَزْوَادِ (بِالْبَرَكَةِ) ، أَيْ: كَثْرَةِ الْخَيْرِ (فَقَالَ: نَعَمْ، فَدَعَا بِنِطَعٍ) : بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ شُرَّاحُ الشِّفَاءِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِي النِّطَعِ لُغَاتٌ فَتْحُ النُّونِ وَكَسْرُهَا مَعَ فَتْحِ الطَّاءِ وَإِسْكَانِهَا وَأَفْصَحُهُنَّ كَسْرُ النُّونِ وَفَتْحُ الطَّاءِ، وَفِي الْقَامُوسِ: النِّطَعُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ وَبِالتَّحْرِيكِ وَكَعِنَبٍ بِسَاطٌ مِنَ الْأَدِيمِ (فَبُسِطَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: النِّطَعُ (ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ) ، بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، فَفِي الْقَامُوسِ الذُّرَةُ: كُثْبَةُ حَبٍّ مَعْرُوفٍ أَصْلُهُ ذُرَوٌ (وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ) ، اسْمُ جِنْسٍ وَاحِدُهُ تَمْرَةٌ بِالتَّاءِ (وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ) ، أَيْ: بِقِطْعَةٍ مِنَ الْخُبْزِ (حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ شَيْءٌ يَسِيرٌ) ، أَيْ: قَلِيلٌ جِدًّا (فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَرَكَةِ) ، أَيْ: بِنُزُولِهَا عَلَيْهِ (ثُمَّ قَالَ خُذُوا) أَيْ: مَا تُرِيدُونَ مِنَ الزَّادِ الْوَاقِعِ فِي النِّطَعِ (وَاجْعَلُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ) . وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: صُبُّوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ آخِذِينَ أَوْ خُذُوا صَابِّينَ فِي أَوْعِيَتِكُمْ. اهـ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَوْعَيِ التَّضْمِينِ، لَكِنَّ التَّضْمِينَ لِلْجَعْلِ أَوْلَى مِنَ الصَّبِّ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي النُّهَى. (فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ) ، أَيْ: فِي الْمُعَسْكَرِ أَوْ فِي أَيْدِي الْعَسْكَرِ (وِعَاءً إِلَّا مَلَئُوهُ) : وَمَا أَحْلَى ذَلِكَ الْمَالَ الْحَلَالَ.
стр. 8242
(قَالَ) ، أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ (فَأَكَلُوا) ، أَيْ: جَمِيعُ الْعَسْكَرِ (حَتَّى شَبِعُوا وَفَضَلَتْ) : بِفَتْحِ الضَّادِ وَيُكْسَرُ أَيْ: زَادَتْ (فَضْلَةٌ) : بِالرَّفْعِ أَيْ زِيَادَةٌ كَثِيرَةٌ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْفَضْلُ ضِدَّ النَّقْصِ، وَقَدْ فَضَلَ كَنَصَرَ وَكَرُمَ وَالْجَمْعُ فُضُولٌ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ رُؤْيَةَ الْمُعْجِزَاتِ سَبَبُ زِيَادَةِ الْيَقِينِ فِي الْمُعْتَقَدَاتِ (لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا) ، أَيْ: بِالشَّهَادَتَيْنِ (عَبْدٌ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ فِيهِ سَبَبِيَّةً أَوِ اسْتِعَانَةً أَوْ حَالًا، وَقَدْ جِيءَ بِالْجُمْلَةِ اسْتِطْرَادًا أَوِ اسْتِبْشَارًا لِلْأُمَّةِ وَقَوْلُهُ: (غَيْرُ شَاكٍّ) : مَرْفُوعٌ صِفَةُ عَبْدٍ. قُلْتُ: وَفِي نُسْخَةٍ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ أَوِ الْحَالِ (فَيُحْجَبَ) : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: فَيُمْنَعَ (عَنِ الْجَنَّةِ) : قَالَ شَارِحٌ: فَيُحْجَبَ بِالنَّصْبِ بِإِضْمَارِ أَنْ فِي جَوَابِ النَّفْيِ وَهُوَ لَا يَلْقَى اهـ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْمَعْنَى مَنْ يَلْقَى اللَّهَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَلَا شَكٍّ فَلَا يُحْجَبُ عَنِ الْجَنَّةِ أَبَدًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فَيُحْجَبُ مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ، وَالنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَيْهِمَا مَعًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا الْبُخَارِيُّ نَحْوَهُ عَنْ سَلَمَةَ.
стр. 8243
٥٩١٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ، فَعَمَدَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَصَنَعَتْ حَيْسًا فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي، وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَهَبْتُ فَقُلْتُ، فَقَالَ: (ضَعْهُ) ثُمَّ قَالَ: (اذْهَبْ فَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا) رِجَالًا سَمَّاهُمْ (وَادْعُ مَنْ لَقِيتَ) فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى وَمَنْ لَقِيتُ، فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ.
قِيلَ لِأَنَسٍ: عَدَدُكُمْ كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَيْسَةِ، وَتَكَلَّمَ بِمَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً يَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُ لَهُمْ: (اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ) قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ، وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ، حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ. قَالَ لِي: (يَا أَنَسُ! ارْفَعْ) فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٩١٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا) : هُوَ نَعْتٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَالْمَعْنَى زَوْجًا جَدِيدًا (بِزَيْنَبَ) ، أَيْ: بِسَبَبِهَا، وَقِيلَ أَيْ: مُتَزَوِّجًا بِهَا (فَعَمَدَتْ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: قَصَدَتْ (أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ) : بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ (إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: لَبَنٍ مُجَفَّفٍ يَابِسٍ مُسْتَحْجَرٍ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْأَقِطُ مُثَلَّثَةٌ وَيُحَرَّكُ وَكَكَتِفٍ وَرَجُلٍ وَإِبِلٍ شَيْءٌ يُتَّخَذُ مِنَ الْمَخِيضِ الْغَنَمِيِّ (فَصَنَعَتْ حَيْسًا) : فَالْحَيْسُ مَجْمُوعُ الثَّلَاثَةِ، وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: الْحَيْسُ هُوَ تَمْرٌ مَعَ سَمْنٍ أَوْ أَقِطٍ، وَقِيلَ هُوَ مَجْمُوعُ ثَلَاثَةٍ نَقْلٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى تَمْرٍ مَعَ سَمْنٍ أَوْ أَقِطٍ كَمَا قَالَ، وَقَدْ يُجْعَلُ بَدَلَ الْأَقِطِ دَقِيقٌ أَوْ فَتِيتٌ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مَا فِي الْقَامُوسِ: الْحَيْسُ الْخَلْطُ وَتَمْرٌ يُخْلَطُ بِسَمْنٍ وَأَقِطٍ فَيُعْجَنُ شَدِيدًا، ثُمَّ يُنْدَرُ مِنْهُ نَوَاهُ، وَرُبَّمَا يُجْعَلُ فِيهِ سَوِيقٌ. (فَجَعَلَتْهُ) ، أَيْ: أُمُّ سُلَيْمٍ (فِي تَوْرٍ) : بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ فَرَاءٍ إِنَاءٌ كَالْقَدَحِ ( «فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ! اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي، وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ» ) ، أَيْ: زَهِيدٌ غَيْرُ لَائِقٍ بِكَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَهَبْتُ) ، أَيْ: بِهِ (إِلَيْهِ، فَقُلْتُ) ، أَيْ: مَا أَوْصَتْنِي بِهِ (فَقَالَ: ضَعْهُ) ، أَيْ: قَائِلًا بِلِسَانِ الْحَالِ إِنَّ الْيَسِيرَ عِنْدَنَا كَثِيرٌ، وَلَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ فَضْلٌ كَبِيرٌ، (ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، رِجَالًا) ، أَيْ: ثَلَاثَةً (سَمَّاهُمْ) ، أَيْ: عَيَّنَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَنِسْبَتِهِمْ فَعَبَّرْتُ عَنْهُمْ بِفُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا فَقَوْلُهُ: رِجَالًا سَمَّاهُمْ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ بَدَلٌ مِنْ فُلَانًا إِلَخْ. أَوْ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي أَوْ مَعْنِيٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ) ، أَيْ: عَلَى الْعُمُومِ (فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى وَمَنْ لَقِيتُ فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ) . بِتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: مُمْتَلِئٌ بِهِمْ.
стр. 8244
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيْتِ هُوَ الدَّارُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ وَيَكُونُ فِيهِ مُعْجِزَةٌ أُخْرَى حَيْثُ وَسِعَ خَلْقًا كَثِيرًا (قِيلَ لِأَنَسٍ: عَدَدُكُمْ كَمْ كَانُوا) ؟ جَمَعَ الضَّمِيرَ نَظَرًا إِلَى مَعْنَى الْعَدَدِ لِزِيَادَةٍ عَلَى الْوَاحِدِ (قَالَ: زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ) : بِنَصْبِ زُهَاءَ عَلَى تَقْدِيرِ كَانُوا. وَقِيلَ: بِرَفْعِهِ أَيْ: عَدَدُنَا مِقْدَارُ ثَلَاثِمِائَةٍ (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَيْسَةِ وَتَكَلَّمَ بِمَا شَاءَ اللَّهُ) ، أَيْ: مِنَ الذِّكْرِ وَالدَّعْوَةِ (ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً) ، أَيْ: عَشَرَةً بَعْدَ عَشَرَةٍ لِمَا سَبَقَ (يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَقُولُ لَهُمُ: اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلْيَأْكُلْ) : بِسُكُونِ لَامِ الْأَمْرِ وَيُكْسَرُ أَيْ يَتَنَاوَلُ (كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ) ، أَيْ: مِمَّا يُقَرِّبُهُ مِنَ الْوِعَاءِ. (قَالَ) ، أَيْ: أَنَسٌ (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ، حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ) ، أَيْ: وَشَبِعُوا جَمِيعُهُمْ (قَالَ لِي: يَا أَنَسُ ارْفَعْ) ، أَيِ: الْقَدَحَ (فَرَفَعْتُ فَمَا أَدْرِي، حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ) . أَيْ: فِي الصُّورَةِ، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ حِينَ الرَّفْعِ كَثُرَ بِبَرَكَةِ وَضْعِ يَدِهِ ﷺ وَفَضْلَةِ أَصْحَابِهِ ﵃ هَذَا وَقَدْ قِيلَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَلِيمَةَ لِزَيْنَبَ كَانَتْ مِنَ الْحَيْسِ الَّذِي أَهْدَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ، وَالْمَشْهُورُ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ أَوْلَمَ عَلَيْهَا بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقِصَّةِ تَكْثِيرُ ذَلِكَ الطَّعَامِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُضُورُ الْحَيْسِ صَادَفَ حُضُورَ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ، وَإِنْكَارُ وُقُوعِ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ فِي قِصَّةِ الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ عَجِيبٌ، فَإِنَّ أَنَسًا يَقُولُ: أَوْلَمَ عَلَيْهَا بِشَاةٍ، وَأَنَّهُ أَشْبَعَ الْمُسْلِمِينَ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ نَحْوُ الْأَلْفِ. قُلْتُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْحَيْسَ وَلِيمَةٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ إِرْسَالُهُ هَدِيَّةً ثُمَّ إِمَّا فِي آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِمَّا فِي يَوْمٍ آخَرَ أَوْلَمَ عَلَيْهَا بِشَاةٍ وَأَشْبَعَ الْأَلْفَ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَضِيَّتَيْنِ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْمُعْجِزَتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8245
٥٩١٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ قَدْ أَعْيَا، فَلَا يَكَادُ يَسِيرُ، فَتَلَاحَقَ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: (مَا لِبَعِيرِكَ؟) قُلْتُ: قَدْ عَيِيَ، فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَجَرَهُ فَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ فَقَالَ لِي: (كَيْفَ تَرَى بِعِيرَكَ؟) قُلْتُ: بَحْرٌ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ. قَالَ: (أَفَتَبِيعُنِيهِ بِوُقِيَّةٍ؟) . فَبِعْتُهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ عَلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٩١٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ) ، أَيْ: رَاكِبٌ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَقِي عَلَيْهِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (قَدْ أَعْيَا) ، أَيْ: عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ (فَلَا يَكَادُ يَسِيرُ) ، أَيْ: يَقْرُبُ السَّيْرَ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ (فَتَلَاحَقَ) ، أَيْ: لَحِقَ (بِيَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَا لِبَعِيرِكَ؟ قُلْتُ: قَدْ عَيِيَ) : بِكَسْرِ الْيَاءِ أَيْ: عَجَزَ (فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: عَنِ الْعَسْكَرِ وَعَنِ النَّاضِحِ (فَزَجَرَهُ) ، أَيْ: بِالضَّرْبِ أَوِ الصَّوْتِ (فَدَعَا لَهُ فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِبِلِ) ، أَيْ: سَائِرِهَا (قُدَّامَهَا) : بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْإِبِلِ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: فَمَا زَالَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ: (يَسِيرُ) : وَهُوَ خَبَرُ مَا زَالَ وَاسْمُهُ عَائِدٌ إِلَى نَاضِحٍ كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ (فَقَالَ لِي: كَيْفَ تَرَى بِعِيرَكَ؟) ، أَيِ: الْآنَ (قُلْتُ: بِخَيْرٍ قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ قَالَ: أَفَتَبِيعُنِيهِ بِوُقِيَّةٍ) ؟ أَيْ: بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا صَرَّحَ بِهِ.
стр. 8246
شَارِحٌ، وَهُوَ بِضَمِّ الْوَاوِ وَيُفْتَحُ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَجَرَى عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ بِالْفَتْحِ فِي الْوَقِيَّةِ وَهَى لُغَةٌ حَكَاهَا بَعْضُهُمْ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِأُوقِيَّةٍ بِضَمِّ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَقِيلَ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْوَقِيَّةُ يَسْتَعْمِلُهَا الْآنَ الْمُسْتَعْرِبُونَ، وَهِيَ بِالضَّمِّ لُغَةٌ عَامِرِيَّةٌ، وَالْأُوقِيَّةُ لِغَيْرِهِمْ، ثُمَّ قِيلَ: هِيَ فِي الْحَدِيثِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ وَمُتَعَارَفِ النَّاسِ الْآنَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْأُوقِيَّةُ بِالضَّمِّ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ كَالْوُقِيَّةِ بِالضَّمِّ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ مُشَدِّدَةً وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَقَيَدَّهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بِقَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ. (فَبِعْتُهُ عَلَى أَنْ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) ، بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ: رُكُوبَ فَقَارِ ظَهْرِهِ وَهَى عِظَامُ الظَّهْرِ، فَفِي النِّهَايَةِ فَقَارُ الظَّهْرِ حَرَزَاتُهُ الْوَاحِدَةُ فَقَارَةٌ. أَيْ: بِالْفَتْحِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ، وَاسْمُ سَيْفِهِ ﷺ ذُو الْفَقَارِ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ فِقَرٌ صِغَارٌ حِسَانٌ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ جَوَازُ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ مَنْفَعَةِ الْمَبِيعِ مُدَّةً (فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ عَلَيْهِ بِالْبَعِيرِ) ، أَيْ: أَتَيْتُهُ بِهِ غُدْوَةً (فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ إِنَّمَا وَقَعَتْ لَهُ بِوَاسِطَةِ بِلَالٍ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَرُبَتِ الْمَدِينَةُ قَالَ لِبِلَالٍ: (أَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وَزِدْ) اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّ أَمْرَهُ لِبِلَالٍ أَسْبَقُ، ثُمَّ إِعْطَاؤُهُ فِي غَدٍ تَحَقُّقٌ مَعَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْعَطَاءِ إِنَّمَا تَكُونُ لِلْأَمْرِ بِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8247
٥٩١٥ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اخْرُصُوهَا) فَخَرَصْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ وَقَالَ: (أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) وَانْطَلَقْنَا، حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ) فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ) . فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ. فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ. ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا (كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟) فَقَالَتْ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٩١٥ - (وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (السَّاعِدِيِّ) : نِسْبَةً إِلَى بَنِي سَاعِدَةَ (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ) ، أَيْ: إِلَيْهَا أَوْ فِيهَا فَنَصَبَ غَزْوَةَ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ (فَأَتَيْنَا وَادِي الْقُرَى) : بِسُكُونِ يَاءِ الْوَادِي، لَكِنَّهَا تَسْقُطُ فِي الدَّرْجِ، وَفِي بَعْضِهَا بِنَصْبِهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ التَّرْكِيبَ إِضَافِيٌّ لَا مَزْجِيٌّ وَقَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ: وَادِي الْقُرَى لَا يُعْرَبُ الْيَاءُ مِنْ وَادِي، فَإِنَّ الْكَلِمَتَيْنِ جُعِلَتَا اسْمًا وَاحَدًا اهـ. وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ أَيْ: جِئْنَاهُ مَارِّينَ (عَلَى حَدِيقَةٍ) ، أَيْ: بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ (لِامْرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اخْرُصُوهَا) : بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: قَدِّرُوا وَخَمِّنُوا ثَمَرَهَا (فَخَرَصْنَاهَا) ، أَيْ: مُخْتَلِفِينَ فِي قَدْرِهَا (وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ) : وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا (وَقَالَ) ، أَيْ: لِلْمَرْأَةِ (أَحْصِيهَا) : بِفَتْحِ الْهَمْزِ أَيِ: اضْبُطِيهَا وَاحْفَظِي عَدَدَهَا كَمْ يَبْلُغُ ثَمَرُهَا (حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ) : رَسْمُهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ هُنَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لَا غَيْرُ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَتَهُبُّ) : بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: سَتَمُرُّ (عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ) ، أَيْ: مِنْ مَكَانِهِ فَإِنَّهُ يَضُرُّهُ (فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ) ، أَيْ: فَلْيَرْبِطْ مِنَ الْآنَ (عِقَالَهُ) ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ مَا يُرْبَطُ بِهِ وَظِيفُ الْبَعِيرِ إِلَى ذِرَاعِهِ (فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ) . فَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ (فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ) ، بِيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ بَعْدَهَا هَمْزٌ عَلَى وَزْنِ سَيِّدٍ، وَهُوَ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَكَذَا فِي الْقَامُوسِ، ثُمَّ قِيلَ: الْجَبَلَانِ أَحَدُهُمَا أَجَأُ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ بِهَمْزٍ وَجِيمٍ فَهَمْزٌ عَلَى فَعَلٍ كَجَبَلٍ، وَقِيلَ كَعَصَا، وَالْآخَرُ سَلْمَى بِفَتْحِ السِّينِ وَهُمَا بِأَرْضِ نَجْدٍ، وَيُقَالُ: إِنَّهُمَا سُمَّيَا بِاسْمِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنَ الْعَمَالِيقِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا مُعْجِزَةٌ أُخْرَى.
стр. 8248
(قَالَ) الرَّاوِي: (ثُمَّ أَقْبَلْنَا) ، أَيْ: فِي الرُّجُوعِ (حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا: (كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا) . بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهُمَا وَضَمٍّ فَسُكُونٍ وَالْمُرَادُ تَمْرُهَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ (فَقَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ) . بِالنَّصْبِ أَيْ: بَلَغَ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: عَدَدَ أَوْسَاقِهَا عَشَرَةُ أَوْسُقٍ مُطَابِقًا لِقَوْلِهِ ﵊: فَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ ثَالِثَةٌ لِأَجْلِ تَحَدِّيهَا وَطَلَبِ مُعَارَضَتِهَا، فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِثْلُ هَذَا اتِّفَاقًا، وَلَعَلَّهُ ﷺ أَرَادَ بِهَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ إِظْهَارَ نُبُوَّتِهِ لِلَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَلِزِيَادَةِ إِتْقَانِ إِيمَانِ أَهْلِ الْعِرْفَانِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8249
٥٩١٦ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « (إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لَهَا ذِمَّةً وَرَحِمًا - أَوْ قَالَ: ذِمَّةً وَصِهْرًا - فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا) . قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَخَرَجْتُ مِنْهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٩١٦ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ) : وَهِيَ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ (وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى) ، أَيْ: يُذْكَرُ (فِيهَا الْقِيرَاطُ) ، وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ دِينَارٍ، وَقِيلَ: خَمْسُ شُعَيْرَاتٍ، وَأَصْلُهُ قِرَّاطٌ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أُبْدِلَتِ الرَّاءُ الْأُولَى يَاءً، وَنَظِيرُهُ دِينَارٌ. قَالَ الْقَاضِي، أَيْ: يُكْثِرُ أَهْلُهَا ذِكْرَ الْقَرَارِيطِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ لِتَشَدُّدِهِمْ فِيهَا وَقِلَّةِ مُرُوءَتِهِمْ، وَقِيلَ: الْقَرَارِيطُ كَلِمَةٌ يُذْكَرُ أَهْلُهَا فِي الْمُسَابَّةِ، وَيَقُولُونَ: أَعْطَيْتُ فُلَانًا قَرَارِيطَ أَيْ: أَسْمَعْتُهُ الْمَكْرُوهَ، وَقَدْ حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلَهْجَةِ أَهْلِ بَلَدِهِ، لِأَنَّهُ مِنْهُمْ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْقَوْمَ لَهُمْ دَنَاءَةٌ وَخِسَّةٌ، أَوْ فِي لِسَانِهِمْ بَذَاءٌ وَفُحْشٌ، (فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا) أَيْ: إِذَا اسْتَوْلَيْتُمْ عَلَى أَهْلِهَا وَتَمَكَّنْتُمْ مِنْهُمْ (فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا) أَيْ: بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَمَّا تُنْكِرُونَ وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ سُوءُ أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ عَلَى الْإِسَاءَةِ، (فَإِنَّ لَهَا) ، أَيْ: لِأَهْلِهَا (ذِمَّةً) ، أَيْ: حُرْمَةً وَأَمَانًا مِنْ جِهَةِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ ﷺ (وَرَحِمًا) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: قَرَابَةً مِنْ قِبَلِ هَاجَرَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ ﵇، فَإِنَّ هَاجَرَ وَمَارِيَةَ كَانَتَا مِنَ الْقِبْطِ (أَوْ قَالَ ذِمَّةً وَصِهْرًا) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي قَالَ شَارِحٌ: فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الصِّهْرُ يَخْتَصُّ بِمَارِيَةَ، وَالذِّمَّةُ بِهَاجَرَ، (فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ) : بِفَتْحِ لَامٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَهِيَ الْآجُرُّ قَبْلَ طَبْخِهِ (فَاخْرُجْ) ، أَيْ: يَا أَبَا ذَرٍّ (مِنْهَا) . أَيْ: مِنْ مِصْرَ، وَالظَّاهِرُ الْمُطَابِقُ لِرَأَيْتُمْ أَنْ يُقَالَ: فَاخْرُجُوا، وَلَعَلَّهُ ﷺ خَصَّ الْأَمْرَ بِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِ مِنْ وُقُوعِهِ فِي الْفِتْنَةِ لَوْ أَقَامَ بَيْنَهُمْ.
(قَالَ) ، أَيْ: أَبُو ذَرٍّ (فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلَ) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ فَسُكُونٍ بِلَا انْصِرَافٍ (ابْنِ حَسَنَةَ) : بِفَتَحَاتٍ (وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ) : لَمْ يَذْكُرْهُمَا الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَخَرَجْتُ مِنْهَا) . وَقَدْ وَقَعَ هَذَا فِي آخِرِ عَهْدِ عُثْمَانَ حِينَ عَتَبُوا عَلَيْهِ وِلَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَخِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَهَذَا مِنْ قَبِيلِ مَا كُوشِفَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْغَيْبِ أَنَّهُ سَتَحْدُثُ هَذِهِ الْحَادِثَةُ فِي مِصْرَ، وَسَيَكُونُ عَقِيبَ ذَلِكَ فِتَنٌ وَشُرُورٌ بِهَا كَخُرُوجِ الْمِصْرِيِّينَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ أَوَّلًا، وَقَتْلِهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ثَانِيًا، وَهُوَ وَالٍ عَلَيْهِمْ مِنْ قِبَلِ عَلِيٍّ فَاخْتَبَأَ حِينَ أَحَسَّ بِالشَّرِّ فِي جَوْفِ حِمَارٍ مَيِّتٍ فَرَمَوْهُ بِالنَّارِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَامَةً وَأَمَارَةً لِتِلْكَ الْفِتَنِ وَأَمَرَ أَبَا ذَرٍّ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا حَيْثُمَا رَآهُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشُّرَّاحُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَوْ عَلِمَ أَنَّ فِي طِبَاعِ سُكَّانِهَا خِسَّةً وَمُمَاكَسَةً، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ صَدْرُ الْحَدِيثِ، فَإِذَا اقْتَضَتِ الْحَالُ إِلَى أَنْ يَتَخَاصَمُوا فِي هَذَا الْمُحَقَّرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ مُخَالَطَتِهِمْ وَيَجْتَنِبَ عَنْ مُسَاكَنَتِهِمْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8250
٥٩١٧ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «فِي أَصْحَابِي - وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: فِي أُمَّتِي - اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيهِمُ الدُّبَيْلَةُ: سِرَاجٌ مِنْ نَارٍ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ حَتَّى تَنْجُمَ فِي صُدُورِهِمْ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: (لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا) فِي (بَابِ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ) ﵁.
وَحَدِيثَ جَابِرٍ (مَنْ يَصْعَدُ الثَّنِيَّةَ) فِي (بَابِ الْمَنَاقِبِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
٥٩١٧ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (فِي أَصْحَابِي - وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: فِي أُمَّتِي - اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا) : مَعَ أَنَّهُ يُشَمُّ مِنْ مَسَافَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) ، أَيْ: حَتَّى يَدْخُلَ الْبَعِيرُ فِي ثُقْبِ الْإِبْرَةِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ [الأعراف: ٤٠] قَالَ الشَّيْخُ الْتُورِبِشْتِيُّ: صُحْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ الْمُعْتَدُّ بِهَا هِيَ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْإِيمَانِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ الصَّحَابِيُّ إِلَّا عَلَى مَنْ صَدَقَ فِي إِيمَانِهِ، وَظَهَرَتْ مِنْهُ أَمَارَتُهُ دُونَ أَنْ أُغْمِضَ عَلَيْهِمْ بِالنِّفَاقِ، فَإِضَافَتُهَا إِلَيْهِمْ لَا تَجُوزُ إِلَّا عَلَى الْمَجَازِ لِتَشَبُّهِهِمْ بِالصَّحَابَةِ، وَتَسَتُّرِهِمْ بِالْكَلِمَةِ، وَإِدْخَالِهِمْ أَنْفُسَهُمْ فِي غِمَارِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: فِي أَصْحَابِي وَلَمْ يَقُلْ مِنْ أَصْحَابِي، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا إِبْلِيسُ كَانَ فِي الْمَلَائِكَةِ أَيْ: فِي زُمْرَتِهِمْ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] وَقَدْ أَسَرَّ بِهَذَا الْقَوْلِ إِلَى خَاصَّتِهِ وَذَوِي الْمَنْزِلَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَمْرَ هَذِهِ الْفِئَةِ الْمَسْمُومَةِ الْمُتَلَبِّسَةِ، لِئَلَّا يَقْبَلُوا مِنْهُمُ الْإِيمَانَ، وَلَا يَقْبَلُوا مِنْ قِبَلِهِمُ الْمَكْرَ وَالْخِدَاعَ، وَلَمْ يَكُنْ يَخْفَى عَلَى الْمَحْفُوظَيْنِ شَأْنُهُمْ لِاشْتِهَارِهِمْ بِذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يُوَاجِهُونَهُمْ بِصَرِيحِ الْمَقَالِ أُسْوَةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ حُذَيْفَةُ أَعْلَمُهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مَرْجِعَهُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَقَبَةِ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَمَّارٌ يَقُودُ بِهِ وَحُذَيْفَةُ يَسُوقُ بِهِ، وَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَادَى: أَنْ خُذُوا بَطْنَ الْوَادِي فَهُوَ أَوْسَعُ لَكُمْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخَذَ الثَّنِيَّةَ فَلَمَّا سَمِعَهُ الْمُنَافِقُونَ طَمِعُوا فِي الْمَكْرِ بِهِ، فَاتَّبَعُوهُ مُتَلَثِّمِينَ وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَشَفَةَ الْقَوْمِ مِنْ وَرَائِهِ، فَأَمَرَ حُذَيْفَةَ أَنْ يَرُدَّهُمْ، فَاسْتَقْبَلَ حُذَيْفَةُ وُجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ بِمِحْجَنٍ كَانَ مَعَهُ، فَضَرَبَهَا ضَرْبًا فَرَعَبَهُمُ اللَّهُ حِينَ أَبْصَرُوا حُذَيْفَةَ، فَانْقَلَبُوا مُسْرِعِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ حَتَّى خَالَطُوا النَّاسَ، فَأَدْرَكَ حُذَيْفَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِحُذَيْفَةَ: (هَلْ عَرَفْتَ أَحَدًا مِنْهُمْ؟) قَالَ: لَا، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُتَلَثِّمِينَ، وَلَكِنْ أَعْرِفُ رَوَاحِلَهُمْ فَقَالَ. (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَنِي بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ، وَسَأُخْبِرُكَ بِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عِنْدَ الصَّبَاحِ) فَمِنْ ثَمَّ كَانَ النَّاسُ يَرْجِعُونَ حُذَيْفَةَ فِي أَمْرِ الْمُنَافِقِينَ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَتَابَ اثْنَانِ وَبَقِيَ اثْنَا عَشَرَ عَلَى النِّفَاقِ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، وَقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى أَسْمَائِهِمْ فِي كُتُبِ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ مَرْوِيَّةً عَنْ حُذَيْفَةَ غَيْرَ أَنِّي وَجَدْتُ فِي بَعْضِهَا اخْتِلَافًا، فَلَمْ أَرَ أَنْ أُخَاطِرَ بِدِينِي فِيمَا لَا ضَرُورَةَ لِي (ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ) ، أَيْ: مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ مُنَافِقًا (تَكْفِيهِمْ) ، أَيْ: تَدْفَعُ شَرَّهُمُ (الدُّبَيْلَةُ) : قَالَ الْقَاضِي: الدُّبَيْلَةُ فِي الْأَصْلِ تَصْغِيرُ الدِّبْلِ، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ، فَأَطْلَقَتْ قُرْحَةً عَلَى رَدِيَّهٍ تَحْدُثُ فِي بَاطِنِ الْإِنْسَانِ وَيُقَالُ لَهَا الدُّبْلَةُ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، (سِرَاجٌ مِنْ نَارٍ) : تَفْسِيرٌ لِلدُّبَيْلَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ حُذَيْفَةَ (يَظْهَرُ) ، أَيْ: يَخْرُجُ السِّرَاجُ (فِي أَكْتَافِهِمْ حَتَّى تَنْجُمَ) : بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ: تَظْهَرَ وَتَطَّلِعَ النَّارُ (فِي صُدُورِهِمْ) . أَيْ: فِي بُطُونِهِمْ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: تَظْهَرُ بِصِيغَةِ
стр. 8251
التَّأْنِيثِ حَيْثُ قَالَ: وَفَسَّرَهَا فِي الْحَدِيثِ بِنَارٍ تَخْرُجُ فِي أَكْتَافِهِمْ، حَتَّى تَنْجُمَ أَيْ: تَظْهَرَ مِنْ نَجَمَ يَنْجُمُ بِالضَّمِّ إِذَا ظَهَرَ وَطَلَعَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهَا وَرَمًا حَارًّا يَحْدُثُ فِي أَكْتَافِهِمْ بِحَيْثُ يَظْهَرُ أَثَرُ تَرْكِ الْحَرَارَةِ وَشِدَّةُ لَهَبِهَا فِي صُدُورِهِمْ مُمَثَّلَةً بِسِرَاجٍ مِنْ نَارٍ، وَهُوَ شُعْلَةُ الْمِصْبَاحِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ ﷺ عَرَّفَهُ إِيَّاهُمْ وَأَنَّهُمْ هَلَكُوا، كَمَا أَخْبَرَهُ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
(وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ كَذَا) أَيْ: رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ (فِي بَابِ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ) أَيْ: فَإِنَّهُ أَوْلَى.
(وَحَدِيثَ جَابِرٍ) ، أَيْ: وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرٍ (مَنْ يَصْعَدِ الثَّنِيَّةَ) : بِكَسْرِ الدَّالِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ عَلَى أَنَّ مَنْ شَرْطِيَّةٌ، وَرُوِيَ يَصْعَدُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَتَمَامُهُ: (فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ مَا حُطَّ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) . (فِي بَابِ جَامِعِ الْمَنَاقِبِ) . أَيْ: فَإِنَّهُ الْمُنَاسِبُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) : مُتَعَلِّقٌ بِسَنَذْكُرُ.
стр. 8252
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٩١٨ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: «خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ، وَخَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا، فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ، حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا سَيِّدُ الْعَالِمِينَ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ.
فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا. وَلَا يَسْجُدَانِ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ، وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ. فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ شَجَرَةٍ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ. فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٩١٨ - (عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ، وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ) ، أَيْ: فِي جُمْلَتِهِمْ، وَالْمُرَادُ مِنْهُمْ أَكَابِرُهُمْ أَوْ لِسِنِّهِمْ (فَلَمَّا أَشْرَفُوا) ، أَيْ: طَلَعُوا (عَلَى الرَّاهِبِ) : اسْمُهُ بُحَيْرَاءُ، وَهُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ مَمْدُودًا عَلَى الْمَشْهُورِ، لَكِنْ ضَبَطَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَأَلِفٍ مَقْصُورَةٍ، وَهُوَ زَاهِدُ النَّصَارَى قَالَهُ شَارِحٌ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: وَكَانَ أَعْلَمَ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ وَالْجَمْعُ بِأَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ (هَبَطُوا) ، أَيْ: نَزَلُوا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَهُوَ بُصْرَى مِنْ بِلَادِ الشَّامِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ، (فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ) ، أَيْ: فَفَتَحُوهَا (فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ، وَكَانُوا) ، أَيِ: النَّاسُ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ (قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ) ، أَيْ: بِمَكَانِهِ (فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، قَالَ) ، أَيِ: الرَّاوِي (فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ) ، إِشْعَارٌ بِأَنَّ خُرُوجَهُ وَنُزُولَهُ عَلَيْهِمْ فِي أَوَّلِ حُلُولِهِمْ وَوُصُولِهِمْ (فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ) ، أَيْ: أَخَذَ يَمْشِي فِيمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَيَطْلُبُ فِي خِلَالِهِمْ شَخْصًا (حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ) ، أَيْ: عَلَى الْإِطْلَاقِ (هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، أَيْ: إِلَى الْعَالَمِينَ جَمِيعِهِمْ نَظَرًا إِلَى السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (يَبْعَثُهُ اللَّهُ) أَيْ: يُرْسِلُهُ أَوْ يُظْهِرُ رِسَالَتَهُ (رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) : لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ.
стр. 8253
مَبْعُوثٌ إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ. (فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ) ؟ أَيْ: مَا سَبَبُ عِلْمِكَ وَبَيَانُ كَيْفِيَّتِهِ (فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ، أَيْ: سَقَطَ (سَاجِدًا) ، أَيْ: مُتَوَاضِعًا إِلَيْهِ (وَلَا يَسْجُدُ إِلَّا لِنَبِيٍّ) ، أَيْ: عَظِيمٍ وَرَسُولٍ كَرِيمٍ (وَإِنِّي أَعْرِفُهُ) ، أَيِ: النَّبِيَّ أَيْضًا (بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَيُكْسَرُ وَالنُّبُوَّةِ بِالْإِدْغَامِ وَيُهْمَزُ (أَسْفَلَ) : بِالنَّصْبِ أَيْ: فِي مَكَانٍ أَسْفَلَ (مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ) : بِضَمَّتَيْنِ، وَهُوَ رَأْسُ لَوْحِ الْكَتِفِ (مِثْلَ التُّفَّاحَةِ) : بِالنَّصْبِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالرَّفْعِ، وَفِي أُخْرَى بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ خَاتَمٍ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: يَرْوِي بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ الْفِعْلِ، وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى الْإِبْدَالِ دُونَ الصِّفَةِ لِأَنَّ مِثْلًا وَغَيْرًا لَا يَتَعَارَفَانِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ، (ثُمَّ رَجَعَ) ، أَيِ: الرَّاهِبُ (فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ) ، أَيْ: بِالطَّعَامِ (وَكَانَ هُوَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فِي رِعْيَةِ الْإِبِلِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ أَيْ: فِي رِعَايَتِهَا (قَالَ) ، أَيِ: الرَّاهِبُ (أَرْسِلُوا إِلَيْهِ) ، أَيْ: فَإِنَّ الْمَدَارَ عَلَيْهِ (فَأَقْبَلَ) ، أَيْ: بَعْدَ الْإِرْسَالِ أَوْ قَبْلَهُ (وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ) . أَيْ: سَحَابَةٌ (تُظِلُّهُ) . أَيْ: تَجْعَلُهُ تَحْتَ ظِلِّهِ.
(فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ) ، أَيْ: قَرُبَ مِنْهُمْ (وَجَدَهُمْ) ، أَيْ: وَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ الْقَوْمَ (قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ شَجَرَةٍ) ، أَيْ: إِلَى ظِلِّهَا (فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ) ، أَيْ: زِيَادَةً عَلَى ظِلِّ السَّحَابَةِ. أَوْ زَالَتِ السَّحَابَةُ وَمَالَتِ الشَّجَرَةُ إِظْهَارًا لِلْخَارِقِينَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ أَيْ وَاقِعًا ظِلُّهُ عَلَيْهِ (قَالَ) ، أَيِ: الرَّاهِبُ لِلْقَوْمِ (انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ مَا تَنْظُرُونَ إِلَى مِظَلَّةِ السَّمَاءِ فَانْظُرُوا إِلَى مِظَلَّةِ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْمَاهُمْ عَمَاءَهُمْ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] وَأَظْهَرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] (فَقَالَ) ، أَيِ: الرَّاهِبُ (أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ) : بِنَصْبِ الْجَلَالَةِ وَبِضَمِّ الشِّينِ أَيْ أَحْلِفُ عَلَيْكُمْ بِاللَّهِ، وَقِيلَ، أَيْ: أَطْلُبُ مِنْكُمْ بِاللَّهِ جَوَابَ هَذَا السُّؤَالِ، وَبَطَلَ عَمَلُ الْفِعْلِ لِلتَّعْلِيقِ بِالِاسْتِفْهَامِ فِي قَوْلِهِ: (أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ) ؟ أَيْ قَرِيبُهُ وَالْجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ (قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ) ، أَيْ: وَلِيُّهُ (فَلَمْ يَزَلْ) ، أَيِ: الرَّاهِبُ (يُنَاشِدُهُ) ، أَيْ: يُنَاشِدُ أَبَا طَالِبٍ وَيُطَالِبُ رَدَّهُ ﵇ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الرُّومِ أَنْ يَقْتُلُوهُ فِي الشَّامِ وَيَقُولُ لِأَبِي طَالِبٍ: بِاللَّهِ عَلَيْكَ أَنْ تَرُدَّ مُحَمَّدًا إِلَى مَكَّةَ وَتَحْفَظَهُ مِنَ الْعَدُوِّ، (حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ) ، أَيْ إِلَى مَكَّةَ - شَرَّفَهَا اللَّهُ - (وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا) ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: فَرَدَدْتُهُ مَعَ رِجَالٍ، وَكَانَ فِيهِمْ بِلَالٌ أَخْرَجَهُ رَزِينٌ، (وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ) : وَهُوَ الْخُبْزُ الْغَلِيظُ عَلَى مَا فِي الْأَزْهَارِ قَالَ شَارِحٌ: هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْخُبْزِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الْخُبْزُ وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَكَذَا فِي الْقَامُوسِ (وَالزَّيْتِ) . أَيْ لَإِدَامِ ذَلِكَ الْخُبْزِ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ رَوَاهَا أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: ( «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» ) . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، أَيْ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، أَوْ أَحَدُهَا. وَذِكْرُ أَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ فِيهِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَعَدَّهُ أَئِمَّتُنَا وَهْمًا وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ سِنَّ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ ذَاكَ اثْنَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَبُو بَكْرٍ أَصْغَرُ مِنْهُ بِسَنَتَيْنِ، وَبِلَالٌ لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ وُلِدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ اهـ.
وَقَالَ فِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ، قِيلَ: مِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا، وَبِلَالٌ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ صَبِيًّا اهـ. وَضَعَّفَ الذَّهَبِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ لِقَوْلِهِ: وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذْ ذَاكَ مَا اشْتَرَى بِلَالًا. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْإِصَابَةِ: الْحَدِيثُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلَيْسَ فِيهِ سِوَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا مُدْرَجَةٌ فِيهِ مُنْقَطِعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ وَهْمًا مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ، كَذَا فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ إِيرَادَ هَذَا الْحَدِيثِ بِبَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ كَانَ أَوْفَقَ لِلتَّحْقِيقِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
стр. 8254
٥٩١٩ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ، فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ وَلَا شَجَرٌ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٩١٩ - (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ، فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ) ، أَيْ: حَجَرٌ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (وَلَا شَجَرٌ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) فَالْحَدِيثُ مُعْجِزَةٌ لِلنَّبِيِّ وَكَرَامَةٌ لِلْوَلِيِّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 8255
٥٩٢٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ قَالَ: فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ. قَالَ: فَارْفَضَّ عَرَقًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٥٩٢٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ) ، أَيْ: جِيءَ (بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) : بِإِضَافَتِهَا عَلَى الْبِنَاءِ وَجَوَازِ إِعْرَابِهَا مُنَوَّنًا، وَالتَّقْدِيرُ أُسْرِيَ فِيهَا بِهِ ﷺ (مُلْجَمًا مُسْرَجًا) ، عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ فِيهِمَا أَيْ: مَوْضُوعًا عَلَيْهِ اللِّجَامُ وَالسَّرْجُ (فَاسْتَصْعَبَ) ، أَيِ: اسْتَعْصَى الْبُرَاقُ (عَلَيْهِ) : وَلَمْ يُمَكِّنْهُ مِنَ الرُّكُوبِ، وَيُقَالُ: اسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَيْ صَعُبَ، فَالْمَعْنَى صَعُبَ عَلَيْهِ رُكُوبُهُ بِاسْتِعْصَائِهِ (فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا) ؟ وَلَمْ تَفْعَلْ بِغَيْرِهِ أَوْ وَلَوْ فَعَلْتَ بِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ (فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ) بِرَفْعِ أَكْرَمُ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ: وَجَدْنَا الرِّوَايَةَ فِي أَكْرَمَ بِالنَّصْبِ، فَلَعَلَّ التَّقْدِيرَ: فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ كَانَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ. (قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فَارْفَضَّ) : بِتَشْدِيدِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ انْصَبَّ الْبُرَاقُ (عَرَقًا) تَمْيِيزٌ، وَالْمَعْنَى سَالَ مِنْهُ الْعَرَقُ حَيَاءً لِكَوْنِ اهْتِزَازِهِ صَدَرَ عَنْهُ فَرَحًا، وَظَنَّ أَنَّهُ وَقَعَ اسْتِعْصَاءً (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
стр. 8256
٥٩٢١ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ جَبْرَئِيلُ بِأُصْبُعِهِ، فَخَرَقَ بِهَا الْحَجَرَ، فَشَدَّ بِهِ الْبُرَاقَ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٩٢١ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ أَسْلِمِيٌّ، أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا وَبَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) : قَدْ سَبَقَ ضَبْطُهُ بِالْوَجْهَيْنِ (قَالَ جِبْرِيلُ بِأُصْبُعِهِ) ، أَيْ: أَشَارَ بِهَا (فَخَرَقَ) ، أَيْ: جِبْرِيلُ (بِهَا) ، أَيْ: بِتِلْكَ الْإِشَارَةِ (الْحَجَرَ فَشَدَّ) ، أَيْ: جِبْرِيلُ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ (بِهِ) ، أَيْ: بِالْحَجَرِ (الْبُرَاقَ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي كَانَ يَرْبُطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ؟ قُلْتُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنَ الْحَلْقَةِ الْمَوْضِعُ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْحَلْقَةُ، وَقَدِ انْسَدَّ فَخَرَقَهُ جِبْرِيلُ ﵇. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ.
стр. 8257
٥٩٢٢ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ الثَّقَفِيِّ ﵁ قَالَ: «ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ رَأَيْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَهُ إِذْ مَرَرْنَا لِبَعِيرٍ يُسْنَى عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِيرُ جَرْجَرَ، فَوَضَعَ جِرَانَهُ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: (أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ؟) فَجَاءَهُ، فَقَالَ: (بِعْنِيهِ) فَقَالَ: بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَإِنَّهُ لِأَهْلِ بَيْتٍ مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ غَيْرُهُ. قَالَ: أَمَا إِذْ ذَكَرْتَ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ شَكَا كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ الْعَلَفِ، فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى نَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَنَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَجَاءَتْ شَجَرَةٌ تَشُقُّ الْأَرْضَ حَتَّى غَشِيَتْهُ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذُكِرَتْ لَهُ. فَقَالَ: (هِيَ شَجَرَةٌ اسْتَأْذَنَتْ رَبَّهَا فِي أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَذِنَ لَهَا) . قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَمَرَرْنَا بِمَاءٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا بِهِ جِنَّةٌ فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَنْخِرِهِ ثُمَّ قَالَ: (اخْرُجْ فَإِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) ثُمَّ سِرْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مَرَرْنَا بِذَلِكَ الْمَاءِ فَسَأَلَهَا عَنِ الصَّبِيِّ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْنَا فِيهِ رَيْبًا بَعْدَكَ» . رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
ــ
٥٩٢٢ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ الثَّقَفِيِّ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَخَيْبَرَ وَالْفَتْحَ وَحُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَعِدَادَهُ فِي الْكُوفِيِّينَ. (قَالَ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ) ، أَيْ: مِنَ الْمُعْجِزَاتِ (رَأَيْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ (بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَهُ، إِذْ مَرَرْنَا بِبَعِيرٍ يُسْنَى) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ: يُسْتَقَى (عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِيرُ جَرْجَرَ) ، أَيْ: صَاحَ مِنَ الْجَرْجَرَةِ، وَهِيَ صَوْتُ تَرَدُّدِ الْبَعِيرِ فِي حَلْقِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فَالْمَعْنَى رُدِّدَ الصَّوْتُ فِي حَلْقِهِ (فَوَضَعَ جِرَانَهُ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ مُقَدَّمَ عُنُقِهِ، وَقِيلَ: بَاطِنُ عُنُقِهِ (فَوَقَفَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: (أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا
стр. 8258
الْبَعِيرِ) ؟ أَيْ مَالِكُهُ (فَجَاءَهُ فَقَالَ: بِعْنِيهِ، فَقَالَ: بَلْ نَهَبُهُ لَكَ) ، أَيْ: لَا نَبِيعُهُ إِيَّاكَ بَلْ نُعْطِيكَ هِبَةً (يَا رَسُولَ اللَّهِ) ! فَإِنَّ رِسَالَتَكَ تَقْتَضِي جَلَالَتَكَ (وَإِنَّهُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَالضَّمِيرُ لِلْبَعِيرِ أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ (لِأَهْلِ بَيْتٍ) : أَرَادَ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ (مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ) أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ مَا يَعِيشُونَ بِهِ (غَيْرُهُ. قَالَ: أَمَّا) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَخْفِيفِهَا عَلَى أَنَّهَا لِلتَّنْبِيهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِقَوْلِهِ: (إِذَا ذَكَرْتَ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ) ، أَيْ: فَاعْلَمْ أَنِّي مَا طَلَبْتُ شِرَاءَهُ إِلَّا لِتَخْلِيصِهِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ بِهِ (فَإِنَّهُ شَكَا كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ الْعَلَفِ) ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ بِأَنِ امْتَنَعَ الْبَيْعُ (فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ) ، أَيْ: بِكَثْرَةِ الْعَلَفِ وَقِلَّةِ الْعَمَلِ مَعَ جَوَازِ كَثْرَتِهِمَا وَقِلَّتِهِمَا، إِذِ الظُّلْمُ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ كَثْرَةِ الْعَمَلِ وَقِلَّةِ الْعَلَفِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: جَوَابُ أَمَّا مَحْذُوفٌ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ شَكَا جَوَابُ لَا، مَا الْمُقَدَّرَةُ تَقْدِيرُهُ، أَمَّا إِذَا ذَكَرْتَ أَنَّ الْبَعِيرَ لِأَهْلِ بَيْتٍ مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ فَلَا أَلْتَمِسُ شِرَاءَهُ، وَأَمَّا الْبَعِيرُ فَتَعَاهَدُوهُ فَإِنَّهُ اشْتَكَى إِذْ لَا بَدَلًا، مَا التَّفْصِيلِيَّةُ مِنَ التَّكْرَارِ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ جَوَابَ أَمَّا الْمُقَدَّرَةِ فَتَعَاهَدُوهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِنَّهُ شَكَا فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِلْجَوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَفِي الْمُغْنِي: أَمَّا بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ هِيَ حَرْفُ شَرْطٍ وَتَفْصِيلٍ وَتَأْكِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ تَأْتِي لِغَيْرِ تَفْصِيلٍ أَصْلًا نَحْوُ: أَمَّا يَزِيدُ فَمُنْطَلِقٌ، وَأَمَّا التَّأْكِيدُ فَقَلَّ مَنْ ذَكَرَهُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ أَحْكَمَ شَرْحَهُ غَيْرَ الزَّمَخْشَرِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فَائِدَةٌ، أَمَّا فِي الْكَلَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ فَضْلَ تَأْكِيدٍ تَقُولُ: يَزِيدُ ذَاهِبٌ، فَإِذَا قَصَدْتَ تَأْكِيدَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ ذَاهِبٌ، وَأَنَّهُ بِصَدَدِ الذَّهَابِ، وَأَنَّهُ مِنْهُ عَزِيمَةٌ. قُلْتُ: أَمَّا يَزِيدُ فَذَاهِبٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَزَيْدٌ ذَاهِبٌ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَدُلُّ بِفَائِدَتَيْنِ بَيَانُ كَوْنِهِ تَأْكِيدًا وَأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ. (ثُمَّ سِرْنَا) ، أَيْ: سَافَرْنَا أَوْ تَحَوَّلْنَا مِنْ مَكَانِنَا (حَتَّى نَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَنَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَجَاءَتْ شَجَرَةٌ تَشُقُّ الْأَرْضَ) ، أَيْ: تَقْطَعُهَا (حَتَّى غَشِيَتْهُ) ، أَيْ أَتَتْهُ وَأَظَلَّتْهُ (ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرْتُ لَهُ) أَيْ أَنَا. وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: ذُكِرَتِ الْقَضِيَّةُ لَهُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ احْتِمَالَيْنِ. (فَقَالَ: هِيَ شَجَرَةٌ اسْتَأْذَنَتْ رَبَّهَا فِي أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَذِنَ لَهَا) . أَيْ فَجَاءَتْ لِلسَّلَامِ.
(قَالَ) ، أَيْ: يَعْلَى (ثُمَّ سِرْنَا فَمَرَرْنَا بِمَاءٍ) ، أَيْ: بِمَوْضِعِ مَاءٍ فِيهِ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِهِ، وَقَالَ شَارِحٌ، أَيْ: بِقَبِيلَةٍ (فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا بِهِ جِنَّةٌ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ جُنُونٍ (فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَنْخِرِهِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فِي النُّسَخِ كُلِّهَا. وَفِي الْقَامُوسِ: الْمَنْخِرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْخَاءِ وَبِكَسْرِهِمَا وَضَمِّهِمَا وَكَمَجْلِسٍ الْأَنْفُ (ثُمَّ قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ لِلْمَجْنُونِ أَوِ الشَّيْطَانِ الَّذِي فِيهِ (اخْرُجْ) ، أَيْ: مِنْهُ (فَإِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ سِرْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مَرَرْنَا بِذَلِكَ الْمَاءِ فَسَأَلَهَا) ، أَيِ: الْمَرْأَةَ (عَنِ الصَّبِيِّ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْنَا مِنْهُ) ، أَيْ: مِنَ الصَّبِيِّ (رَيْبًا) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ أَيْ شَيْئًا نَكْرَهُهُ (بَعْدَكَ) ، أَيْ: بَعْدَ مُفَارَقَتِكَ أَوْ بَعْدَ دُعَائِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] أَيْ حَوَادِثَ الدَّهْرِ، وَقِيلَ: مَا رَأَيْنَا مِنْهُ مَا أَوْقَعَنَا فِي شَكٍّ مِنْ حَالِهِ وَتَضَجُّرِنَا مِنْ أَمْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) ، أَيْ: بِإِسْنَادِهِ.
стр. 8259
٥٩٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ بِابْنٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّ ابْنِي بِهِ جُنُونٌ، وَإِنَّهُ لَيَأْخُذُهُ عِنْدَ غَدَائِنَا وَعَشَائِنَا فَيَخْبُثُ عَلَيْنَا فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ وَدَعَا، فَثَعَّ ثَعَّةً وَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ مِثْلُ الْجِرْوِ الْأَسْوَدِ يَسْعَى» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٩٢٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ بِابْنٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنِي بِهِ جُنُونٌ، وَأَنَّهُ لَيَأْخُذُهُ» ) أَيِ: الْجُنُونُ (عِنْدَ غَدَائِنَا وَعَشَائِنَا) ، أَيْ: عِنْدَ حُضُورِهِمَا، أَوْ وَقْتَ اسْتِعْمَالِهِمَا. وَقَالَ شَارِحٌ، أَيْ: صَبَاحَنَا وَمَسَاءَنَا (فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ) ، أَيْ: صَدْرَ الْوَلَدِ (وَدَعَا، فَثَعَّ) : بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْعَيْنِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ: قَاءَ (ثَعَّةً) ، أَيْ: قَيْئَةً وَاحِدَةً، فَفِي النِّهَايَةِ الثَّعُّ الْقَيْءُ، وَالثَّعَّةُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ (وَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ مِثْلُ الْجِرْوِ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ: وَلَدِ الْكَلْبِ (الْأَسْوَدِ) : صِفَةٌ لِلْجِرْوِ، وَقَوْلُهُ: (يَسْعَى) . حَالٌ أَيْ: يَمْشِي ذَلِكَ الْجِرْوُ وَيُسْرِعُ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 8260
٥٩٢٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ جَبْرَئِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ حَزِينٌ، قَدْ تَخَضَّبَ بِالدَّمِ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ تُحِبُّ أَنْ نُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: (نَعَمْ) . فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَائِهِ فَقَالَ: ادْعُ بِهَا، فَدَعَا بِهَا، فَجَاءَتْ، فَقَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ، فَأَمَرَهَا، فَرَجَعَتْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (حَسْبِي حَسْبِي) .» رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٩٢٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ) : ﵇ عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (جَالِسٌ حَزِينٌ، وَقَدْ تَخَضَّبَ بِالدَّمِ) ، أَيْ: تَلَوَّثَ بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ عِنْدَ كَسْرِ رَبَاعِيَتِهِ (مِنْ فِعْلِ أَهْلِ مَكَّةَ) ، أَيْ: مِنْ ضَرْبِ كُفَّارِهِمْ، وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: ضُرِبَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ بِالسَّيْفِ سَبْعِينَ ضَرْبَةً، وَوَقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى. ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] لَكِنْ حَصَلَ لَهُ هَذَا الْكَسْرُ لِيَكْثُرَ لَهُ الْأَجْرُ وَالْجَبْرُ فِي مُشَارَكَةِ مَشَقَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِحْنَةِ الْمُجَاهِدِينَ، وَلِذَا لَمَّا أَصَابَ حَجَرٌ أُصْبُعَهُ وَدَمِيَتْ قَالَ: هَلْ أَنْتَ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ.
(فَقَالَ) أَيْ: جِبْرِيلُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! تُحِبُّ أَنْ نُرِيَكَ آيَةً) ؟ أَيْ: عَلَامَةً مِنْكَ عَلَى نُبُوَّتِكَ تَسْلِيَةً لَكَ عَلَى مِحْنَتِكَ لِتَعْرِفَ أَنَّهَا سَبَبٌ لِمَزِيدِ مِحْنَتِكَ، وَقُرْبِ مَنْزِلَتِكَ (قَالَ: نَعَمْ، فَنَظَرَ) أَيْ جِبْرِيلُ (إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَائِهِ) ، أَيْ: مِنْ خَلْفِهِ، أَوْ مِنْ خَلْفِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (فَقَالَ) ، أَيْ: جِبْرِيلُ (ادْعُ بِهَا) ، أَيِ اطْلُبْهَا (فَدَعَا بِهَا، فَجَاءَتْ، فَقَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ) ، أَيْ: مُنَادِيَةً لَدَيْهِ وَمُنْقَادَةً إِلَيْهِ (فَقَالَ) ، أَيْ: جِبْرِيلُ (مُرْهَا) ، أَيْ: بِالرُّجُوعِ (فَلْتَرْجِعْ) أَيْ: لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ (فَأَمَرَهَا، فَرَجَعَتْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حَسْبِي) ، أَيْ: كَفَانِي (حَسْبِي) زِيدَ لِلْمُبَالَغَةِ، أَوْ إِشَارَةً إِلَى تَكْرَارِ خَرْقِ الْعَادَةِ بِالْمَجِيءِ وَالْإِعَادَةِ، وَالْمَعْنَى كَفَانِي فِي تَسْلِيَتِي عَمَّا لَقِيتُهُ مِنَ الْحُزْنِ هَذِهِ الْكَرَامَةُ مِنْ رَبِّي. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 8261
٥٩٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ فَلَمَّا دَنَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ؟) . قَالَ: وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: (هَذِهِ السَّلَمَةُ) فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَهُوَ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَأَقْبَلَتْ تَخُدُّ الْأَرْضَ حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاسْتَشْهِدْهَا ثَلَاثًا، فَشَهِدَتْ ثَلَاثًا. أَنَّهُ كَمَا قَالَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْبِتِهَا» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٥٩٢٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ) ، أَيْ: فِي غَزْوَةٍ أَوْ عُمْرَةٍ (فَأَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ) ، أَيْ بَدَوِيٍّ (فَلَمَّا دَنَا) ، أَيْ: قَرُبَ (قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: تَشْهَدُ) ، أَيْ: أَتَشْهَدُ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟ قَالَ: وَمَنْ يَشْهَدُ) ، أَيْ: عَلَى وَجْهِ خَرْقِ الْعَادَةِ وَظُهُورِ الْمُعْجِزَةِ (عَلَى مَا تَقُولُ) ؟ أَيْ: مِنْ دَعْوَى الرِّسَالَةِ (قَالَ: هَذِهِ السَّلَمَةُ) : بِفَتَحَاتٍ شَجَرَةٌ مِنَ الْبَادِيَةِ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَفِي النِّهَايَةِ: السَّلَمُ شَجَرٌ مِنَ الْعِضَاهِ، وَاحِدُهَا سَلَمَةٌ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَوَرَقُهَا الْقَرَظُ الَّذِي يُدْبَغُ بِهِ، وَبِهَا سُمِّيَ الرَّجُلُ سَلَمَةَ. (فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
стр. 8262
وَهُوَ) ، أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (بِشَاطِئِ الْوَادِي) ، أَيْ كَانَ وَاقِفًا بِطَرَفِهِ (فَأَقْبَلَتْ) ، أَيِ: الشَّجَرَةُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (تَخُدُّ الْأَرْضَ) : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ: تَشُقُّهَا أُخْدُودًا، وَقَوْلُهُ: (خَدًّا) : عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ) ، أَيْ مُسَلِّمَةً عَلَيْهِ وَمُسْلِمَةً لَدَيْهِ (فَاسْتَشْهَدَهَا) ، أَيْ: طَلَبَ الشَّهَادَةَ مِنَ الشَّجَرَةِ (ثَلَاثًا) ، أَيْ: مُرَتَّبًا لَا مُتَوَالِيًا (فَشَهِدَتْ ثَلَاثًا. أَنَّهُ كَمَا قَالَ) ، أَيْ: أَنَّ الشَّأْنَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كَوْنِهِ رَسُولَ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْبِتِهَا) . بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: مَوْضِعُ نَبَاتِهَا وَمَوْطِنِ أَصْلِهَا. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 8263
٥٩٢٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بِمَا أَعْرِفُ أَنَّكَ نَبِيٌّ؟ قَالَ: (إِنْ دَعَوْتَ هَذَا الْعِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ يَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَنْزِلُ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: (ارْجِعْ) فَعَادَ، فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
ــ
٥٩٢٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بِمَ أَعْرِفُ) ، أَيْ: مِنْ مُعْجِزَاتِكَ (أَنَّكَ نَبِيٌّ) ؟ أَيْ: صَادِقٌ (قَالَ: إِنْ دَعَوْتُ) : بِكَسْرٍ إِنْ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ، وَفِي بَعْضِهَا بِفَتْحِ إِنْ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَيْ: بِأَنْ دَعَوْتُ (هَذَا الْعِذْقَ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهُوَ الْعُرْجُونُ بِمَا فِيهِ مِنَ الشَّمَارِيخِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعُنْقُودِ مِنَ الْعِنَبِ، وَبِالْفَتْحِ النَّخْلَةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ: (مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ يَشْهَدُ) ، أَيْ: حَالَ كَوْنِ الْعِذْقِ يَشْهَدُ (أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) : وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ دَعَوْتُ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ بِمَا أَعْرِفُ أَيْ: يَأْتِي إِنْ دَعَوْتُهُ يَشْهَدْ. اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ يَشْهَدْ مَجْزُومًا بِصِيغَةِ الْغَائِبِ، وَالْمَعْنَى فَأَعْرِفُ بِأَنِّي إِنْ دَعَوْتُهُ يَشْهَدْ. وَقَالَ شَارِحٌ: إِنْ لِلشَّرْطِ، وَيَشْهَدْ جَزَاؤُهُ، أَوْ لِلْمَصْدَرِيَّةِ وَيَشْهَدُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ يَشْهَدْ عَلَى الْأَوَّلِ مُخَاطَبًا مَجْزُومًا كَمَا فِي نُسْخَةٍ لِيَكُونَ جَوَابَ الْأَعْرَابِيِّ بِنَعَمْ مُقَدَّرًا، أَوِ النُّبِيُّ ﷺ لَمْ يَنْتَظِرْ جَوَابَهُ إِذْ لَيْسَ لَهُ جَوَابٌ صَوَابٌ غَيْرُهُ (فَدَعَاهُ) ، أَيِ: الْعِذْقَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ) ، أَيْ: فَشَرَعَ الْعِذْقُ (يَنْزِلُ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ) ، أَيْ: وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) ، أَيْ: مُنْتَهِيًا إِلَيْهِ وَمُسْتَسْلِمًا لَدَيْهِ (ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ فَعَادَ) ، أَيْ: إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ (فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَصَحَّحَهُ.
стр. 8264
٥٩٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «جَاءَ ذِئْبٌ إِلَى رَاعِي غَنَمٍ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى انْتَزَعَهَا مِنْهُ، قَالَ: فَصَعِدَ الذِّئْبُ عَلَى تَلٍّ فَأَقْعَى وَاسْتَثْفَرَ، وَقَالَ: قَدْ عَمَدْتُ إِلَى رِزْقٍ رَزَقَنِيهِ اللَّهُ أَخَذْتُهُ، ثُمَّ انْتَزَعَهُ مِنِّي؟ ! فَقَالَ الرَّجُلُ:
تَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ! فَقَالَ الذِّئْبُ: أَعْجَبُ مِنْ هَذَا رَجُلٌ فِي النَّخَلَاتِ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ يُخْبِرُكُمْ بِمَا مَضَى وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ. قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ يَهُودِيًّا، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، وَأَسْلَمَ، فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّهَا أَمَارَاتٌ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، قَدْ أَوْشَكَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يُحَدِّثَهُ نَعْلَاهُ وَسَوْطُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ» ) . رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
ــ
٥٩٢٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ ذِئْبٌ) : بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَيُبْدَلُ (إِلَى رَاعِي غَنَمٍ) ، أَيْ: إِلَى قِطْعَةِ غَنَمٍ رَاعِيهَا مَعَهَا (فَأَخَذَ) ، أَيِ: الذِّئْبُ (مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي) ، أَيْ: تَبِعَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ (حَتَّى انْتَزَعَهَا مِنْهُ) ، أَيْ: خَلَّصَهَا مِنْ فَمِهِ (قَالَ) ، أَيِ: الرَّاعِي فَإِنَّهُ هُوَ الرَّائِي، وَالرَّاوِي ذَكَرَهُ شَارِحٌ (فَصَعِدَ الذِّئْبُ عَلَى تَلٍّ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ، أَيْ: مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ (فَأَقْعَى) ، أَيْ: جَلَسَ مُقْعِيًا بِأَنْ قَعَدَ عَلَى وَرِكَيْهِ وَنَصَبَ يَدَيْهِ (وَاسْتَثْفَرَ) ، بِالْمُثَلَّثَةِ فَالْفَاءِ، أَيْ: أَدْخَلَ ذَنَبَهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وَقِيلَ: بَيْنَ أَلْيَيْهِ (وَقَالَ: قَدْ عَمَدْتُ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ إِخْبَارًا عَلَى سَبِيلِ الشِّكَايَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ، عَلَى أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ، وَالْمَعْنَى قَصَدْتُ (إِلَى رِزْقٍ رَزَقَنِيهِ اللَّهُ) ، أَيْ: أَبَاحَهُ لِي (أَخَذْتُهُ، ثُمَّ انْتَزَعَهُ مِنِّي) ؟ أَيْ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ تَخْلِيصِهِ عَلَيْكَ، فَالْكُلُّ مُنْقَادُونَ تَحْتَ أَمْرِهِ مُطِيعُونَ لِحُكْمِهِ، مُسْتَسْلِمُونَ لِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ (فَقَالَ الرَّجُلُ) ، أَيِ: الرَّاعِي: قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ: اسْمُهُ هَبَّارُ بْنُ أَوْسٍ
стр. 8265
الْخُزَاعِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ مُكَلِّمُ الذِّئْبِ (تَاللَّهِ) : قَسَمٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ (إِنْ رَأَيْتُ) ، أَيْ: مَا رَأَيْتُ (كَالْيَوْمِ) ، أَيْ: مَا رَأَيْتُ ذِئْبًا يَتَكَلَّمُ كَالْيَوْمِ، ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَفِي الْفَائِقِ، أَيْ: مَا رَأَيْتُ أُعْجُوبَةً كَأُعْجُوبَةِ الْيَوْمِ، فَحُذِفَ الْمَوْصُوفُ، وَأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقَامَهُ، وَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ (ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. كَأَنَّهُ قِيلَ، أَيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَقَالَ: ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ، (فَقَالَ الذِّئْبُ: أَعْجَبُ مِنْ هَذَا) ، أَيْ: مِنْ تَكَلُّمِ الذِّئْبِ (رَجُلٌ فِي النَّخَلَاتِ) : بِالْفَتَحَاتِ أَيْ: نَخِيلُ الْمَدِينَةِ الْوَاقِعَةِ (بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ تَثْنِيَةُ حَرَّةٍ، وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنْ جِبَالِ الْمَدِينَةِ (يُخْبِرُكُمْ بِمَا مَضَى) ، أَيْ: بِمَا سَبَقَ مِنْ خَبَرِ الْأَوَّلِينَ مِمَّنْ قَبْلَكُمْ (وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ) أَيْ مِنْ نَبَأِ الْآخِرِينَ فِي الدُّنْيَا وَمِنْ أَحْوَالِ الْأَجْمَعِينَ فِي الْعُقْبَى.
(قَالَ) - أَيِ: الرَّاوِي وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ -: (فَكَانَ الرَّجُلُ) ، أَيِ: الرَّاعِي (يَهُودِيًّا) : فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ خُزَاعِيٌّ، فَإِنَّ خُزَاعَةَ لَيْسَتْ بِيَهُودَ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا (فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ) ، أَيْ: بِخَبَرِ الذِّئْبِ (وَأَسْلَمَ فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: فِيمَا رَوَاهُ (ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّهَا أَمَارَاتٌ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، وَأَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَعْنَى مَا تَكَلَّمَ بِهِ الذِّئْبُ بِاعْتِبَارِ الْحَالَةِ وَالْقِصَّةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي رَآهَا وَأَمْثَالَهَا عَلَامَاتٌ (بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ) ، أَيْ: قُدَّامَهَا (قَدْ أَوْشَكَ الرَّجُلُ) ، أَيْ: قَرُبَ (أَنْ يَخْرُجَ) ، أَيْ: مِنْ بَيْتِهِ (فَلَا يَرْجِعُ) : ظَاهِرُهُ النَّصْبُ، لَكِنِ اتَّفَقَ النُّسَخُ عَلَى رَفْعِهِ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ فَهُوَ لَا يَرْجِعُ (حَتَّى يُحَدِّثَهُ نَعْلَاهُ) ، أَيْ: فِي رِجْلِهِ (وَسَوْطُهُ) ، أَيْ فِي يَدِهِ (بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ) ، أَيْ: مِنْ أَفْعَالِ السُّوءِ أَوِ الْحُسْنِ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمُفَارَقَتِهِ إِيَّاهُمْ. (رَوَاهُ) ، أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) . أَيْ بِإِسْنَادِهِ.
следующие страницы →