← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، إِنَّ فِي اللَّهِ) ، أَيْ: فِي كِتَابِهِ (عَزَاءً) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ تَسْلِيَةً (مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ) : إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ - الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٦] أَوْ فِي ثَوَابِهِ عِوَضًا مِنْ كُلِّ مِحْنَةٍ وَبَلِيَّةٍ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ. قِيلَ: أَرَادَ بِالتَّعَزِّي فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّسَلِّيَ وَالتَّصَبُّرَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَأَنْ يَقُولَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ فِي قَوْلِهِ: فِي اللَّهِ أَيْ إِنَّ فِي لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى تَسَلِّيًا وَتَصَبُّرًا مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَأَنْ يُرَادَ إِنَّ فِي اللَّهِ تَسْلِيَةً عَلَى التَّجْرِيدِ أَيِ اللَّهُ مُعِزٌّ وَمُسَلٍّ نَحْوَ قَوْلِهِ: وَفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافٍ، وَيُؤَيِّدُهُ الْقَرِينَتَانِ يَعْنِي قَوْلَهُ: (وَخَلَفًا) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: عِوَضًا (مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، وَدَرَكًا) : بِفَتْحِ الدَّالِ وَالرَّاءِ أَيْ: تَدَارُكًا (مِنْ كُلِّ فَائِتٍ) ، وَمَا أَحْسَنَ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْحَالِ، شِعْرٌ: لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا فَارَقْتَهُ خَلَفٌ ... وَلَيْسَ لِلَّهِ إِنْ فَارَقْتَ مِنْ عِوَضِ (فَبِاللَّهِ) ، أَيْ: فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَبِعَوْنِهِ وَحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ (فَاتَّقُوا) ، أَيِ: الْجَزَعَ وَالْفَزَعَ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُوَافِقًا لِمَا فِي الْحِصْنِ الْحَصِينِ: فَثِقُوا بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ الْمَضْمُومَةِ أَيْ: فَاعْتَمِدُوا بِهِ إِيمَاءً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] . (وَإِيَّاهُ فَارْجُوا) ، أَيْ لَا تَرْجُوا سِوَاهُ فَإِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ مِنْ عِنْدِهِ فَارْجُوا الثَّوَابَ. (فَإِنَّمَا الْمُصَابُ) ، أَيْ: فِي الْحَقِيقَةِ (مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ) . بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: مَنْ مُنِعَ الْمَثُوبَةَ بِسَبَبِ قِلَّةِ الصَّبْرِ فِي قَضِيَّةِ الْمُصِيبَةِ، وَالصَّبْرُ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْمَوْلَى هُوَ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَبِاللَّهِ جَوَابٌ لِلشَّرْطِ، وَبِاللَّهِ حَالٌ قُدِّمَتْ عَلَى عَامِلِهَا اخْتِصَاصًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] أَيْ إِذَا كَانَ اللَّهُ مُعَزِّيًا وَخَلَفًا وَدَرَكًا، فَخُصُّوهُ بِالتَّقْوَى مُسْتَعِينِينَ بِهِ، وَالْفَاءُ فِي فَاتَّقُوا وَرَدَتْ لِتَأْكِيدِ الرَّبْطِ، كَذَا فِي قَوْلِهِ: فَارْجِعُوا، وَتَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ لَيْسَ لِإِرَادَةِ التَّخْصِيصِ، بَلْ لِتَتَعَادَلَ بِهِ الْقَرِينَةُ فِي اقْتِرَانِ الْفَاءِ. قُلْتُ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ إِرَادَةِ الِاخْتِصَاصِ الْمُفِيدِ لِلْإِخْلَاصِ، وَحُصُولِ التَّعَادُلِ بَيْنَ اقْتِرَانِ التَّمَاثُلِ. (فَقَالَ عَلِيٌّ) ، أَيْ: زَيْنُ الْعَابِدِينَ، أَوْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا) ؟ أَيْ صَاحِبُ الصَّوْتِ (هَذَا هُوَ الْخَضِرُ ﵇) . بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ، وَقِيلَ بِكَسْرٍ وَسُكُونٍ، وَفِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ: يَجُوزُ إِسْكَانُ الضَّادِ مَعَ فَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ الْخَضِرَ ﵇ حَيٌّ مَوْجُودٌ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ) . أَيِ الْحَدِيثَ بِكَامِلِهِ (فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) . وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ صَدْرَ الْحَدِيثِ إِلَى قَوْلِهِ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ (الْوَفَاءِ) وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ، فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي الْحِصْنِ وَلَفْظُهُ: وَلَمَّا تُوُفِّيَ ﷺ عَزَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، إِنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ مُلْكٍ فَائِتٍ، فَبِاللَّهِ فَثِقُوا وَإِيَّاهُ فَارْجُوا فَإِنَّمَا الْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ جَابِرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَدَخَلَ رَجُلٌ أَشْهَبُ اللِّحْيَةِ جَسِيمٌ صَبِيحٌ، فَتَخَطَّى رِقَابَهُمْ فَبَكَى، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الصَّحَابَةِ فَقَالَ: إِنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَعِوَضًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ، فَإِلَى اللَّهِ فَأَنِيبُوا وَإِلَيْهِ فَارْغَبُوا، وَنَظَرُهُ إِلَيْكُمْ فِي الْبَلَاءِ فَانْظُرُوا، فَإِنَّمَا الْمُصَابُ مَنْ لَمْ يُجْبَرْ وَانْصَرَفَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ: هَذَا الْخَضِرُ ﵇ رَوَاهُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. قَالَ مِيرَكُ: وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَاهِي الْإِسْنَادِ أَيْ ضَعِيفٌ بِخُصُوصِ هَذَا السَّنَدِ، لَكِنْ إِذَا انْضَمَّ إِلَى غَيْرِهِ يَتَقَوَّى وَيَتَرَقَّى إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ، فَانْدَفَعَ مَا قَالَ الْخُضَرِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمِشْكَاةِ مِنْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْضُوعٌ، رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحْرِزٍ، عَنْ يَزِيدَ الْأَصَمِّ، عَنْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَابْنُ مُحْرِزٍ مَتْرُوكٌ كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ اه. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مِنْ كَوْنِ أَحَدِ الرُّوَاةِ مَتْرُوكًا كَوْنَ الْحَدِيثِ مَوْضُوعًا، لَا سِيَّمَا إِذَا جَاءَ

стр. 8332

[١٠] الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، بَلْ وَتَعَدُّدُ طُرُقِهِ، فَلَا يُشَكُّ فِي كَوْنِهِ ثَابِتًا، وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ كَوْنِهِ صَحِيحًا إِذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ إِنَّمَا ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ الْحِسَانِ لِقِلَّةِ الصِّحَاحِ حَيْثُ لَا مُعَارِضَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 8333

[بَابٌ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٩٧٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا، وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ [١٠] بَابٌ بِالرَّفْعِ وَالْإِسْكَانِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٩٧٣ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا، وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ» ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَانَ وَصِيًّا. فَقَالَتْ: مَتَى أُوصِيَ إِلَيْهِ، وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ حَتَّى مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى؟ وَمَعْنَى: وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ أَيْ لَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَا غَيْرِهِ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، وَلَا أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ، خِلَافَ مَا يَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي وَصِيَّتِهِ ﷺ بِكِتَابِ اللَّهِ وَوَصِيَّتِهِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَإِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَإِجَازَةِ الْوَفْدِ، فَلَيْسَتْ مُرَادَةً بِقَوْلِهَا: وَلَا أَوْصَى، وَأَمَّا الْأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ لَهُ ﷺ بِخَيْبَرَ وَفَدَكٍ، فَقَدْ سَبَّلَهَا ﷺ فِي حَيَاتِهِ، وَجَعَلَهَا صَدَقَةً لِلْمُسْلِمِينَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ إِلَّا قَوْلَهَا: وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ. ثُمَّ قَالَ رَزِينٌ الْحَبَشِيُّ الرَّاوِي، عَنْ عَائِشَةَ: وَأَشُكُّ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، وَسَيَأْتِي نَفْيُهُمَا أَيْضًا، وَأَمَّا مَا حَكَى بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ لَهُ عِشْرُونَ نَاقَةً يَحْفَظُونَهَا فِي نَوَاحِي الْمَدِينَةِ، وَيَأْتُونَ بِأَلْبَانِهَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، وَكَانَ لَهُ سَبْعُ شِيَاهٍ يَشْرَبُونَ أَلْبَانَهَا، وَكَانَ لَهُ سَبْعُ مَعِزٍ يَشْرَبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا، فَلَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ الْفُقَرَاءُ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَغَيْرُهُمْ يَشْرَبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا.

стр. 8334

٥٩٧٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ ﵁ قَالَ: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٩٧٤ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) ، أَيِ: الْخُزَاعِيِّ لَهُ صُحْبَةٌ عَلَى مَا فِي الشَّمَائِلِ (أَخِي جُوَيْرِيَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً) ، أَيْ: فِي الرِّقِّ، فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ رَقِيقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَمِيعِ الْأَخْبَارِ كَانَ إِمَّا مَاتَ وَإِمَّا أَعْتَقَهُ (وَلَا شَيْئًا) : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ) ، أَيِ الَّتِي كَانَ يَخْتَصُّ بِرُكُوبِهَا (وَسِلَاحَهُ) ، أَيِ الَّذِي كَانَ يَخْتَصُّ بِلُبْسِهِ مِنْ نَحْوِ: سَيْفٍ وَرُمْحٍ وَدِرْعٍ وَمِغْفَرٍ وَحَرْبَةٍ، وَلَعَلَّ هَذَا الْحَصْرَ إِضَافِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِثْلَ الْأَثْوَابِ، وَأَمْتِعَةِ الْبَيْتِ، وَإِلَّا فَقَدَ ثَبَتَ أَنَّهُ تَرَكَ أَثْوَابًا وَغَيْرَهَا قَدْ بُيِّنَتْ فِي مَوْضِعِهَا، وَلَعَلَّ حَجْمَةَ سُكُوتِ الرَّاوِي عَنْ ذِكْرِهَا كَوْنُهَا مُحَقَّرَةً بِالنِّسْبَةِ لِلْمَذْكُورَاتِ. (وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً) . قَالَ شَارِحٌ: الضَّمِيرُ الْمَفْعُولُ لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْبَغْلَةِ وَالسِّلَاحِ وَالْأَرْضِ، وَالظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ أَنَّهُ لِلْأَرْضِ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ، أَيْ: تَصَدَّقَ بِمَنْفَعَةِ الْأَرْضِ، فَصَارَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْوَقْفِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَعَلَهَا فِي حَيَاتِهِ صَدَقَةً جَارِيَةً بَاقِيَةً إِلَى قِيَامِهَا فَيَدُومُ ثَوَابُ الصَّدَقَةِ بِدَوَامِهَا، فَلَا يُنَافِي أَنَّ مَا عَدَاهَا مِنْ أَمْلَاكِهِ بِنَفْسِ الْمَوْتِ تَصِيرُ صَدَقَةً، كَمَا لَا يَخْفَى. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: هِيَ نِصْفُ أَرْضِ فَدَكٍ، وَثُلُثُ أَرْضِ وَادِي الْقُرَى، وَسَهْمُهُ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ، وَحِصَّةٌ مِنْ أَرْضِ بَنِي النَّضِيرِ، وَضَمِيرُ جَعَلَهَا رَاجِعٌ إِلَى كُلِّ الثَّلَاثَةِ لَا إِلَى الْأَرْضِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ: ( «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» ) اه. وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8335

٥٩٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٩٧٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «لَا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا» ) ، بِتَأْنِيثِ الْفِعْلِ وَرَفْعِهِ، فَهُوَ إِخْبَارُ حَقِيقَةٍ، وَمَعْنَاهُ لَيْسَ تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي بَعْدَ مَوْتِي دِينَارًا إِذْ لَسْتُ أَخْلُفُ بَعْدَ مَوْتِي دِينَارًا أَمْلِكُهُ، فَيَقْتَسِمُونَ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا فِي الصُّورَةِ وَنَهْيًا فِي الْمَعْنَى، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى النَّهْيِ فَهُوَ عَلَى مِنْوَالِ قَوْلِهِ: عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ أَيْ لَا دِينَارَ هُنَاكَ فَيُقَسَّمُ اه. وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّذْكِيرِ، وَفِي أُخْرَى بِالْجَزْمِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: لَا تَقْتَسِمُ مِنْ الِاقْتِسَامِ مَرْفُوعًا وَمَجْزُومًا. قَالَ مِيرَكُ: هُوَ بِإِسْكَانِ الْمِيمِ عَلَى النَّهْيِ، وَبِضَمِّهَا عَلَى النَّفْيِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَبِهِ يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى حَتَّى لَا يُعَارِضَ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا يُورَثُ عَنْهُ، وَتَوْجِيهُ رِوَايَةِ النَّهْيِ أَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُفُ شَيْئًا، بَلْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا. فَنَهَاهُمْ عَنْ قِسْمَةِ مَا يَخْلُفُ إِنِ اتَّفَقَ أَنَّهُ خَلَفَهُ، ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: رِوَايَةُ مُسْلِمٍ لَا يَقْتَسِمُ وَهُوَ نَفْيٌ لَا نَهْيٌ ; لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ شَرْطُهُ الْإِمْكَانُ وَإِرْثُ النَّبِيِّ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَتَمْحَضَ لِلْإِخْبَارِ بِأَنَّهُمْ لَا يَقْتَسِمُونَ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَا يُورَثُ اه. وَفِيهِ أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْإِمْكَانُ الْعَقْلِيُّ، وَهُوَ مُتَصَوَّرٌ لَا الْإِمْكَانُ الشَّرْعِيُّ لِئَلَّا يَتَعَارَضَا، ثُمَّ قَوْلُهُ: (وَرَثَتِي) أَيْ بِالْقُوَّةِ، وَإِلَّا فَحَيْثُ لَا قِسْمَةَ فَلَا وَرَثَةَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: مَنْ يَصْلُحُ وَرَثَتِي لَوْ أَمْكَنَتْ. وَقَالَ مِيرَكُ: هُمْ وَرَثَتُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ بِالْقُوَّةِ، لَكِنْ مُنِعُوا مِنَ الْمِيرَاثِ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا نُورَثُ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَهُ وَعِلَّتَهُ مُسْتَأْنِفًا (مَا تَرَكْتُ) : مَا: مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، وَتَرَكْتُ صِلَتُهُ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيِ الَّذِي تَرَكْتُهُ ( «بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» ) . وَالْفَاءُ لِتَضْمِينِ الْمُبْتَدَأِ مَعْنَى الشَّرْطِ كَقَوْلِهِمْ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وَهُوَ ضَمِيرُ الْفَصْلِ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ وَالتَّأْبِيدَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَعْنَى الْمُعْتَدَّاتِ، إِذْ كُنَّ لَا يَجُوزُ لَهُنَّ أَنْ يُنْكَحْنَ أَبَدًا فَجَرَتْ لَهُنَّ النَّفَقَةُ. وَقَوْلُهُ: (وَمُؤْنَةِ عَامِلِي) أَرَادَ بِالْعَامِلِ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ مِنَ الصَّفَايَا الَّتِي كَانَتْ لَهُ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ وَفَدَكٍ، وَيَصْرِفُ الْبَاقِي فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ وَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ كَذَلِكَ، فَلَمَّا صَارَتْ إِلَى عُثْمَانَ اسْتَغْنَى عَنْهَا بِمَالِهِ، فَأَقْطَعَهَا مَرْوَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَقَارِبِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي أَيْدِيهِمْ حَتَّى رَدَّهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَالَ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا: يُرِيدُ بِمَا تَرَكَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْفَيْءِ الَّتِي كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِهِ لِأَنَّ نَفَقَةَ نِسَائِهِ بَعْدَهُ كَانَتْ تَتَعَلَّقُ بِحَيَاةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لِكَوْنِهِنَّ مَحْبُوسَاتٍ عَنِ النِّكَاحِ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ، وَبَقِيَ حُكْمُ نِكَاحِ النَّبِيِّ ﷺ بَاقِيًا مُدَّةَ بَقَائِهِنَّ، فَوَجَبَ لَهُنَّ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ وُجُوبَ نَفَقَةِ النِّسَاءِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى نَفَقَةِ نِسَائِهِ إِرْثَهُنَّ مِنْهُ، بَلْ لِكَوْنِهِنَّ مَحْبُوسَاتٍ وَمَمْنُوعَاتٍ عَنِ الْأَزْوَاجِ بِسَبَبِهِ فَهُنَّ فِي حُكْمِ الْمُعْتَدَّاتِ مَا دَامَتْ حَيَاتُهُنَّ، وَقِيلَ: لَا عِدَّةَ عَلَيْهِنَّ لِأَنَّهُ ﷺ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ، فَعَلَى هَذَا لَا إِشْكَالَ فِي نَفَقَةِ النِّسَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِعِظَمِ حُقُوقِهِنَّ وَقِدَمِ هِجْرَتِهِنَّ وَكَوْنِهِنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِذَلِكَ اخْتُصِصْنَ بِمَسَاكِنِهِنَّ وَلَمْ يَرِثْهَا وَرَثَتُهُنَّ. قَالَ الشَّارِحُ: وَأَمَّا نَفَقَةُ عَامِلِهِ فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَامِلِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْعَامِلُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَالِ الْفَيْءِ فَاسْتَحَقَّ الْعِمَالَةَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَأْخُذُهَا فَاسْتَثْنَاهَا مِنْ مَالِ الْفَيْءِ اه. وَلَفْظُ الْحَدِيثِ: (وَمُؤْنَةِ عَامِلِي) فَفِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ الْمُؤْنَةُ فَعُولَةٌ مِنْ مَأَنْتُ الْقَوْمَ، أَيِ: احْتَمَلْتُ مُؤْنَتَهُمْ، وَفِي الصِّحَاحِ: الْمُؤْنَةُ يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مُفْعَلَةٌ مِنَ الْأَبْنِ وَهُوَ التَّعَبُ وَالشِّدَّةُ وَقِيلَ: هِيَ مُفْعَلَةٌ مِنَ الْأَوْنِ وَهُوَ الْحَرَجُ وَالْعَدْلُ لِأَنَّهَا ثِقَلٌ عَلَى الْإِنْسَانِ اه. وَفِي الْحَدِيثِ: الْمَعُونَةُ تَأْتِي عَلَى قَدْرِ الْمُؤْنَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: (مُؤْنَةِ عَامِلِي) فَقِيلَ: الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ: يُرِيدُ بِذَلِكَ الْعَامِلَ عَلَى النَّخْلِ وَالْقَيِّمَ عَلَى الْأَرْضِ، وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ بَطَّالٍ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِعَامِلِهِ حَافِرُ قَبْرِهِ ﵊. وَقَالَ ابْنُ دِحْيَةَ فِي الْخَصَائِصِ: الْمُرَادُ بِعَامِلِهِ خَادِمُهُ الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِيهَا كَالْأَجِيرِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أُجْرَةِ الْقَسَّامِ، وَقِيلَ: كُلُّ عَامِلٍ لِلْمُسْلِمِينَ إِذْ هُوَ عَامِلٌ لَهُ وَنَائِبٌ عَنْهُ فِي أُمَّتِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ بِزِيَادَةِ (وَلَا دِرْهَمًا) فَقِيلَ: فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِهِمَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا فَوْقَهُمَا بِذَلِكَ أَوْلَى، وَهَذَا الْحُكْمُ عَامٌّ فِي الْأَنْبِيَاءِ لِوُرُودِ الْحَدِيثِ الْآتِي: ( «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» ) يَعْنِي لَا نُورَثُ نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّا مِنْ جُمْلَةِ الْفُقَرَاءِ، وَمِنْ شَرْطِ الْفَقِيرِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ فَمَا فِي يَدِهِ إِمَّا أَمَانَةٌ أَوْ وَقْفٌ أَوْ صَدَقَةٌ، وَحَاصِلُ الْحَدِيثِ: مَا مِيرَاثُنَا إِلَّا وَاقِعٌ وَمُنْحَصِرٌ فِي صَرْفِ أَحْوَالِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُورَثُ إِنَّمَا مِيرَاثُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْمَسَاكِينِ. وَقِيلَ لِئَلَّا يَفْرَحَ أَحَدٌ بِمَوْتِهِ مِنْ وَرَثَتِهِ مِنْ حَيْثِيَّةِ أَخْذِ تَرِكَتِهِ، وَخَالَفَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعَامَّةِ، وَقَالَ: هَذَا.

стр. 8336

] الْحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِنَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] وَقَالَ: وَهِيَ وِرَاثَةُ مَالٍ لَا نُبُوَّةَ، وَإِلَّا لَمْ يَقُلْ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥] إِذْ لَا يَخَافُهُمْ عَلَى النُّبُوَّةِ، وَصَوَّبَ الْجُمْهُورَ خِلَافَ قَوْلِهِ لِخَبَرِ النَّسَائِيِّ: (إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ) . وَالْمُرَادُ فِي الْآيَةِ: وِرَاثَةُ النُّبُوَّةِ دُونَ حَقِيقَةِ الْإِرْثِ، بَلْ قِيَامُهُ مَقَامَهُ وَحُلُولُهُ مَكَانَهُ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّمَا خَافَ مِنِ اسْتِيلَاءِ الْمَوَالِي عَلَى مَرْتَبَتِهِ الظَّاهِرَةِ بِالْقَهْرِ وَالْقُوَّةِ وَالْغَلَبَةِ، هَذَا وَقَالَ الْبَاجِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ هَذَا حُكْمُ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: إِنَّ ذَلِكَ لِنَبِيِّنَا ﵊ وَقَالَتِ الْإِمَامِيَّةُ: إِنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ يُوَرَّثُونَ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ.

стр. 8337

٥٩٧٦ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٩٧٦ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا نُورَثُ) ، بِسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: لَا يُورَثُ مِنَّا، فَحُذِفَ الْجَارُّ فَاسْتَمَرَّ ضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي الْفِعْلِ، فَانْقَلَبَ الْفِعْلُ عَنْ لَفْظِ الْغَائِبِ إِلَى لَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ اه. وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ، فَلَا خِلَافَ وَلَا تَحْوِيلَ عَنِ الْإِسْنَادِ، وَكَذَا حَقَّقَهُ الْأُسْتَاذُ مَوْلَانَا عَبْدُ اللَّهِ السِّنْدِيُّ ﵀ وَقَدْ جَاءَ اللُّغَتَانِ فِي التَّنْزِيلِ: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] . وَفِي الْقَامُوسِ: وَرِثَ أَبَاهُ وَمِنْهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ يَرِثُهُ كَيَعِدُهُ وَأَوْرَثَهُ جَعَلَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَحَكَى نُورِثُ عَلَى صِيغَةِ الْمَعْلُومِ، وَكَذَا ضُبِطَ فِي نُسْخَةٍ أَيْ لَا نَتْرُكُ مَالًا مِيرَاثًا لِأَحَدٍ. قَالَ الْمُغْرِبُ: وَرَّثَ أَبَاهُ مَالًا يَرِثُ وَارِثَهُ فَهُوَ وَارِثٌ وَالْأَبُ وَالْمَالُ كِلَاهُمَا مَوْرُوثٌ، وَمِنْهُ: إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ وَكَسْرُ الرَّاءِ خَطَأُ دِرَايَةٍ اه. وَبِهِ انْدَفَعَ زَعْمُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِخَطَأِ دِرَايَةٍ لَوْ صَحَّتْ رِوَايَةً لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمَعْنَى الْمُسْتَفَادِ مِنْ (الْقَامُوسِ) . (مَا تَرَكْنَاهُ) : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَا: الْمَوْصُولَةِ (صَدَقَةٌ) : بِالرَّفْعِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، لِمَا قِيلَ: لَا نُورَثُ، فَقِيلَ: مَا تَفْعَلُونَ بِتَرِكَتِكُمْ؟ فَأُجِيبَ: مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُرْوَى صَدَقَةً بِالنَّصْبِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي نُسْخَةٍ أَيْ: مَا تَرَكْنَاهُ مَبْذُولٌ صَدَقَةً، فَحُذِفَ الْخَبَرُ وَبَقِيَ الْحَالُ كَالْعِوَضِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨] بِالنَّصْبِ فِي قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ،: وَأَمَّا قَوْلُ الشِّيعَةِ: إِنَّ (مَا) نَافِيَةٌ. وَصَدَقَةٌ: مَفْعُولُ تَرَكْنَا فَبُهْتَانٌ وَزُورٌ، وَيَرُدُّهُ وُجُودُ الضَّمِيرِ فِي تَرَكْنَا. فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَوُجُودُ فَهُوَ صَدَقَةٌ فِي بَعْضِهَا وَصَرَائِحُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ كَقَوْلِهِ: ( «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» ) . لِمَا يَلْزَمُ مِنَ التَّنَاقُضِ بَيْنَ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّادِقِ. وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ (مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) مِنْ غَيْرِ ضَمِيرٍ، فَهُوَ كَمَا قَالَ الْمَالِكِيُّ: إِنَّ (مَا) فِي مَا تَرَكْنَا مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، وَتَرَكْنَا صِلَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ وَصَدَقَةٌ خَبَرٌ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ رِوَايَةً وَدِرَايَةً. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8338

٥٩٧٧ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَيْهِ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٩٧٧ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا» ) : بِفَتْحَتَيْنِ فِيهِمَا تَفْسِيرٌ لِأَوَّلِهِمَا أَيْ: سَابِقًا وَمُقَدَّمًا وَشَفِيعًا (بَيْنَ يَدَيْهَا) ، أَيْ قُدَّامَهَا حِينَ مَاتَ رَاضِيًا عَنْهَا (وَإِذَا أَرَادَ) أَيِ: اللَّهُ (هَلَكَةَ أُمَّةٍ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ هَلَاكَهَا (عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ) ، أَيْ: إِلَيْهَا أَوْ إِلَى قُدْرَةِ خَالِقِهَا (فَأَقَرَّ) ، أَيِ: اللَّهُ (عَيْنَيْهِ) : بِالتَّثْنِيَةِ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ: أَسَرَّهُمَا بِمَا تَرَيَاهُ مِمَّا يَشْفِي غَيْظَهُ (بِهَلَكَتِهَا) أَيْ: بِسَبَبِ هَلَاكِهَا (حِينَ كَذَّبُوهُ) ، أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ (وَعَصَوْا أَمْرَهُ) . أَيْ مِنَ الْفُجَّارِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8339

٥٩٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ ــ ٥٩٧٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ) : يَشْمَلُ الصَّحَابَةَ وَغَيْرَهُمْ (يَوْمٌ) أَيْ زَمَانٌ (وَلَا يَرَانِي) ، أَيْ أَحَدُكُمْ حِينَئِذٍ (ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي) أَيْ: لِرُؤْيَتِهِ إِيَّايَ (أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ) . أَيْ مَعَ أَهْلِهِ، وَهُوَ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى (أَوْ) أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْأَهْلِ تَارَةً وَعَلَى الْمَالِ أُخْرَى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَفِي الْحَدِيثِ إِيمَاءٌ إِلَى مَعْنَى مَا وَرَدَ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: ( «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي» ) . [وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ]

стр. 8340

[كِتَابُ الْمَنَاقِبِ وَالْفَضَائِلِ] [ بَابُ مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ وَذِكْرِ الْقَبَائِلِ]

стр. 8341

[كِتَابُ الْمَنَاقِبِ وَالْفَضَائِلِ] [١] بَابُ مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ وَذِكْرِ الْقَبَائِلِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٩٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [كِتَابُ الْمَنَاقِبِ وَالْفَضَائِلِ] [١] بَابُ مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ وَذِكْرِ الْقَبَائِلِ الْمَنَاقِبُ جَمْعُ الْمَنْقَبَةِ، وَهِيَ الشَّرَفُ وَالْفَضِيلَةُ، وَذِكْرُ الْقَبَائِلِ عَطْفٌ عَلَى الْمَنَاقِبِ، وَالْمُرَادُ بِذِكْرِهِمْ أَعْلَمُ مِنْ مَدْحِهِمْ وَذَمِّهِمْ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٥٩٧٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (النَّاسُ تَبَعٌ) : بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ تَابِعٍ كَخَدَمٍ جَمْعُ خَادِمٍ أَيِ: النَّاسُ كُلُّهُمْ تَابِعُونَ (لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ) أَيْ: فِي الدِّينِ وَالطَّاعَةِ أَوْ فِي الْخِلَافَةِ وَيُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ قَوْلُهُ (مُسْلِمُهُمْ) أَيْ: مُسْلِمُ عَامَّةِ النَّاسِ (تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ) أَيْ مُسْلِمِ قُرَيْشٍ (وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ) ، قَالَ شَارِحٌ: وَإِذَا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ قُرَيْشٍ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ عَلَى الْكُفْرِ عَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَنْقُصْهُمْ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الشَّرَفِ فَهُمْ سَادَةٌ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا كَانُوا قَادَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ اه. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنْ كَانُوا خِيَارًا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَخْيَارًا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَشْرَارًا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَشْرَارًا مِنْهُمْ كَمَا قِيلَ: أَعْمَالُكُمْ عُمَّالُكُمْ، وَكَمَا رُوِيَ: «كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ» . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَعْنَاهُ تَفْضِيلُ قُرَيْشٍ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَتَقْدِيمُهَا فِي الْإِمَامَةِ وَالْإِمَارَةِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: كَانَتِ الْعَرَبُ تُقَدِّمُ قُرَيْشًا وَتُعَظِّمُهَا إِذْ كَانَتْ دَارُهُمْ مَوْسِمًا وَالْبَيْتُ الَّذِي هُمْ سَدَنَتُهُ مَنْسَكًا، وَكَانَتْ لَهُمُ السِّقَايَةُ وَالرِّفَادَةُ يُعَظِّمُونَ الْحَجِيجَ وَيَسْقُونَهُمْ، فَحَازُوا بِهِ الشَّرَفَ وَالرِّيَاسَةَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِهَذَا الشَّأْنِ الدِّينُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مُسْلِمِي قُرَيْشٍ قُدْوَةُ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُمُ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي التَّصْدِيقِ السَّابِقُونَ فِي الْإِيمَانِ وَكَافِرُهُمْ قُدْوَةُ غَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، فَإِنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ رَدَّ الدَّعْوَةَ وَكَفَرَ بِالرَّسُولِ وَأَعْرَضَ عَنِ الْآيَاتِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: فَلَا يَكُونُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ: وَكَافِرُهُمْ إِلَى آخِرِهِ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ. قُلْتُ: فَلَا مَحْذُورَ حِينَئِذٍ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: لَيْسَ مَدْحًا شَرْعًا، لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَدْحًا عُرْفِيًّا، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ مَتْبُوعُونَ فِي الْجُمْلَةِ لَا تَابِعُونَ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمَّا بُعِثَ ﷺ قَالَ عَامَّةُ الْعَرَبِ: يَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ قَوْمُهُ، فَلَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ وَأَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ تَبِعَهُمُ الْعَرَبُ وَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَلِهَذَا اسْتَمَرَّتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ فِي قُرَيْشٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ الطِّيبِيَّ قَالَ: وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ الْقَاضِي الْحَدِيثُ الَّذِي يَتْلُوهُ كَأَنَّهُ قِيلَ مَتْبُوعُونَ فِي كُلِّ أَمْرٍ وَالنَّاسُ يَقْتَفُونَ آثَارَهُمْ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ كُلَّ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ خَيْرٌ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَنَحْنُ التَّارِكُونَ لِمَا سَخِطْنَا ... وَنَحْنُ الْآخِذُونَ لَمَّا رَضِينَا. أَقُولُ: وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْخَلْقَ لَا يَأْنَفُونَ عَنْ مُتَابَعَتِهِمْ، وَأَنَّ قَابِلِيَّةَ الْمَتْبُوعِيَّةِ مَجْبُولَةٌ فِي جُبَاتِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهُمْ أَمْرُ الْخِلَافَةِ لِئَلَّا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْمُخَالَفَةُ وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ صَالِحُهُمْ تَابِعٌ لِصَالِحِهِمْ وَشِرَارُهُمْ تَبَعٌ لِشِرَارِهِمْ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي (الْمَنَاقِبِ) .

стр. 8342

٥٩٨٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٥٩٨٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ) : وَجْهُ تَسْمِيَتِهِمْ بِقُرَيْشٍ مَبْسُوطٌ فِي (الْقَامُوسِ) (فِي الْخَيْرِ) ، أَيِ: الْإِسْلَامِ (وَالشَّرِّ) . أَيِ الْكُفْرِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَفِي (الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) : (قُرَيْشٌ صَلَاحُ النَّاسِ وَلَا يَصْلُحُ النَّاسُ إِلَّا بِهِمْ، كَمَا أَنَّ الطَّعَامَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِالْمِلْحِ) . رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي (الْكَامِلِ) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا: ( «قُرَيْشٌ خَالِصَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - فَمَنْ نَصَبَ لَهَا حَرْبًا سُلِبَ، وَمَنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ خُزِيَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ) . وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا:

стр. 8343

(قُرَيْشٌ عَلَى مُقَدِّمَةِ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَوْلَا أَنْ تَبَطَّرَ قُرَيْشٌ لَأَخْبَرْتُهَا بِمَا لِمُحْسِنِهَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوَابِ) . وَرَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا (قُرَيْشٌ وُلَاةُ النَّاسِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَسَعْدٍ مَرْفُوعًا (قُرَيْشٌ وُلَاةُ هَذَا الْأَمْرِ فَبَرُّ النَّاسِ تَبَعٌ لِبَرِّهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ تَبَعٌ لِفَاجِرِهِمْ) . وَعَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «شِرَارُ قُرَيْشٍ خَيْرُ شِرَارِ النَّاسِ» ) . أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي (مُسْنَدِهِ) ، وَعَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «قُوَّةُ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَعْدِلُ قُوَّةَ رَجُلَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَأَمَانَةُ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ تَعْدِلُ أَمَانَةَ رَجُلَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمْ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «يَا مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَوْ أَخَذْتُ بِحَلَقَةِ الْجَنَّةِ مَا بَدَأْتُ إِلَّا بِكُمْ» ) . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ.

стр. 8344

٥٩٨١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرُ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٩٨١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ) أَيْ: أَمْرُ الْخِلَافَةِ (فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ) ، أَيْ مِنَ النَّاسِ (اثْنَانِ) أَيْ: فَيَكُونُ وَاحِدٌ خَلِيفَةٌ وَوَاحِدٌ تَابِعٌ لَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَمَا أَشْبَهَهَا فِيهَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ مُخْتَصَّةٌ بِقُرَيْشٍ، لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا لِغَيْرِهِمْ، وَعَلَى هَذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَمَنْ خَالَفَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَهُوَ مَحْجُوبٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُسْتَمِرٌّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ، وَقَدْ ظَهَرَ مَا قَالَهُ ﷺ إِلَى الْآنِ اه. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ: مَنْ كَانَ مُسْلِمًا فَلْيَتَّبِعْهُمْ وَلَا يَخْرُجْ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَقَدَ خَرَجَ هَذَا الْأَمْرُ عَنْ قُرَيْشٍ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ مِنْ مُدَّةٍ أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي: «مَا أَقَامُوا الدِّينَ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ إِلَّا وَقَدِ انْتَهَكُوا حُرُمَاتِهِ» ، كَذَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ بَعْضُ النَّاسِ أَيْ: سَائِرُ الْعَرَبِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَتَدَبَّرْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي ذَخَائِرِ الْعَقَبِيِّ نِسْبَةٌ إِلَى الْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

стр. 8345

٥٩٨٢ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ» ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٥٩٨٢ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ) أَيِ: ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ) أَيْ: أَمْرَ الْإِمَارَةِ (فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ) ، أَيْ: لَا يُخَالِفُهُمْ (إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ) أَيْ: أَسْقَطَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ (عَلَى وَجْهِهِ) : وَالْمَعْنَى أَذَلَّهُ وَأَهَانَهُ (مَا أَقَامُوا) ، أَيْ: قُرَيْشٌ (الدِّينَ) ، أَيْ: أَحْكَامَ دِينِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَا: مَصْدَرِيَّةٌ وَالْوَقْتُ مُقَدَّرٌ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: كَبَّهُ اللَّهُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ؟ مُدَّةَ مُحَافَظَتِهِمْ عَلَى الدِّينِ وَأَهْلِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الصَّلَاةُ لِرِوَايَةِ: مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ، لَكِنْ عَلَى هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى إِذَا عُلِّقَ قَوْلُهُ: مَا أَقَامُوا بِكَبِّهِ إِلَّا بِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ ; لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقِمِ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُصْرَفْ عَنْهُ الْأَمْرُ، كَذَا قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِصَاصِ الْإِمَامَةِ بِقُرَيْشٍ، وَهُمْ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَجَمِيعُ بُطُونِهَا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ ﷺ أَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِمْ مَنْ هُوَ جَامِعٌ لِأَوَامِرِ الْمُلْكِ وَالدِّينِ وَصَالِحٌ لِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ، قَالَ الْمُظْهِرِيُّ: الْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ وَلَا يُخَالِفُهُمْ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَذَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، مَا دَامُوا يُحَافِظُونَ الدِّينَ اه كَلَامُهُ. وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ: مَا أَقَامُوا الدِّينَ إِذَا عُلِّقَ بِكَبِّهِ يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى إِذَا حُمِلَ الدِّينُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَأَمَّا إِذَا حُمِلَ عَلَى الدِّينِ بِأُصُولِهِ وَتَوَابِعِهَا. فَلَا، لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ غَيَّرَ وَبَدَّلَ وَلَمْ يُصْرَفْ عَنْهُ الْأَمْرُ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا يُخَالِفُ قُرَيْشًا أَحَدٌ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ فِي الدِّينِ بِأَنْ أَرَادُوا نَقْضَهُ وَبُطْلَانَهُ، وَقُرَيْشٌ تُرِيدُ إِقَامَتَهُ وَإِمْضَاءَهُ إِلَّا أَذَلَّهُ اللَّهُ وَقَهَرَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاللَّفْظُ لَا يُسَاعِدُ إِلَّا مَا عَلَيْهِ لِيَظْهَرَ وَهُوَ أَظْهَرُ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ الدِّينُ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِهَا لِأَنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ، وَلِكَوْنِهَا أُمُّ الْعِبَادَاتِ، وَأَنَّهَا تَنْهَى عَنِ السَّيِّئَاتِ أَوْ ذَكَرَهَا عَلَى مِنْوَالِ الْمِثَالِ أَيِ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَعَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ حَنْطَبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةَ فَقَالَ: ( «أَيُّهَا النَّاسُ قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا، وَتَعَلَّمُوا مِنْهَا وَلَا تُعَلِّمُوهَا» ) . أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي (مُسْنَدِهِ) ، وَأَحْمَدُ فِي (الْمَنَاقِبِ) .

стр. 8346

٥٩٨٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «لَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ: ( «لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ: ( «لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، يَكُونُ عَلَيْهِمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٩٨٣ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ عَزِيزًا) أَيْ: قَوِيًّا شَدِيدًا أَوْ مُسْتَقِيمًا سَدِيدًا إِلَى اثْنَي عَشَرَ خَلِيفَةً، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِلَى هَا هُنَا نَحْوَ حَتَّى فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً فِي أَنَّ مَا بَعْدَهَا دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهَا. الْكَشَّافُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] إِلَى تُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ مُطْلَقًا. فَأَمَّا دُخُولُهَا فِي الْحُكْمِ وَخُرُوجُهَا، فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ، فَمِمَّا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْخُرُوجِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ اللَّيْلُ لَوَجَبَ الْوِصَالُ، وَمِمَّا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الدُّخُولِ قَوْلُكُ: حَفِظْتُ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ لِحِفْظِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ. (كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ) : قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: قَدْ مَضَى مِنْهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ هَذَا الْعَدَدِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ يَكُونُوا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ يَفْتَرِقُ النَّاسُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: السَّبِيلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا يَعْتَقِبُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُقْسِطِينَ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الْمُسْتَحِقُّونَ لِاسْمِ الْخَلِيفَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا عَلَى الْوَلَاءِ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ عَلَى الْوَلَاءِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْمُسَمَّوْنَ بِهَا عَلَى الْمَجَازِ. وَفِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ) لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: تَوَجَّهَ هُنَا سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ: الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِثَلَاثِينَ سَنَةً خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ بَعْدِي ثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ هَذَا فِي الْإِثْنَيْ عَشَرَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَنْ يَكُونُوا مُسْتَحِقِّي الْخِلَافَةِ مِنَ الْعَادِلِينَ، وَقَدْ مَضَى مِنْهُمْ مَنْ عُلِمَ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ هَذَا الْعَدَدِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ. قُلْتُ: وَقَدْ حَمَلَ الشِّيعَةُ الْإِثْنَيْ عَشَرَ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ مُتَوَالِيَةً أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ خِلَافَةٌ حَقِيقَةً أَوِ اسْتِحْقَاقًا، فَأَوَّلُهُمْ عَلِيٌّ، فَالْحَسَنُ، فَالْحُسَيْنُ، فَزَيْنُ الْعَابِدِينَ، فَمُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ، فَجَعْفَرٌ الصَّادِقُ، فَمُوسَى الْكَاظِمُ، فَعَلِيُّ الرِّضَا، فَمُحَمَّدٌ التَّقِيُّ، فَعَلِيٌّ التَّقِيُّ، فَحَسَنٌ الْعَسْكَرِيُّ، فَمُحَمَّدٌ الْمَهْدِيُّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - عَلَى مَا ذَكَرَهُ زُبْدَةُ الْأَوْلِيَاءِ خَوَاجَهْ مُحَمَّدُ يَارْسَا فِي كِتَابِ (فَصْلِ الْخِطَابِ) مُفَصَّلَةً، وَتَبِعَهُ مَوْلَانَا نُورُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْجَامِيُّ فِي أَوَاخِرِ شَوَاهِدِ النُّبُوَّةِ، وَذِكْرِ فَضَائِلِهِمْ وَمَنَاقِبِهِمْ وَكَرَامَاتِهِمْ وَمَقَامَاتِهِمْ مُجْمَلَةً، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الرَّوَافِضِ حَيْثُ يَظُنُّونَ بِأَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ يُبْغِضُونَ أَهْلَ الْبَيْتِ لِاعْتِقَادِهِمُ الْفَاسِدِ وَوَهْمِهُمُ الْكَاسِدِ، وَإِلَّا فَأَهْلُ الْحَقِّ يَحْمُونَ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ، وَكُلَّ أَهْلِ الْبَيْتِ لَا كَالْخَوَارِجِ الْأَعْدَاءِ لِأَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَلَا كَالرَّوَافِضِ الْمُعَادِينَ لِجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِ الْأُمَّةِ. وَفِي رِوَايَةٍ (لَا يَزَالُ النَّاسُ) أَيْ: أَمْرُ دِينِهِمْ (مَاضِيًا) أَيْ: جَارِيًا مُسْتَمِرًّا عَلَى الصَّوَابِ وَالْحَقِّ (مَا وَلِيَهُمْ) أَيْ: مُدَّةَ مَا تَوَلَّى أَمْرَهُمْ (اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا كُلُّهُمْ فِي قُرَيْشٍ) وَفِي رِوَايَةٍ: (لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ) : أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ أَيْ وَ (حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى النَّاسِ مُتَوَلِّيًا (اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 8347

٥٩٨٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا) وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٩٨٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (غِفَارُ) : بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَبِالرَّاءِ عَلَمُ قَبِيلَةٍ، وَفِي (الْقَامُوسِ) بَنُو غِفَارٍ كَكِتَابٍ رَهْطُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (غَفَرَ اللَّهُ لَهَا) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ أَقُولُ فِي حَقِّهِمْ. أَقُولُ: وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ مِثْلُ هَذَا فِي نَحْوِ: زَيْدًا ضَرَبَ حَيْثُ.

стр. 8348

لَا يَصِحُّ حَمْلُ الْجُمْلَةِ الْإِنْشَائِيَةِ عَلَى الِاسْمِ الْمَرْفُوعِ بِالِابْتِدَائِيَّةِ. (وَأَسْلَمُ) : قَبِيلَةٌ أُخْرَى (سَالَمَهَا اللَّهُ) ، أَيْ صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ مَا يُرَافِقُهُمْ مِنْ أَمْرِ السَّلَامَةِ عَنِ الْمَكْرُوهِ (وَعُصَيَّةُ) : بِالتَّصْغِيرِ بَطْنٌ عَلَى مَا فِي (الْقَامُوسِ) ، وَالْمُرَادُ بِهِ قَبِيلَةٌ أَوْ جَمَاعَةٌ (عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) . وَفِي الْحَدِيثِ: إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْأَسْمَاءَ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمْلَتَيْنِ الْأُولَيَانِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا خَبَرِيَّتَيْنِ، وَأَنْ يُحْمَلَا عَلَى الدُّعَاءِ لَهُمَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ، فَهُوَ إِخْبَارٌ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الدُّعَاءِ، لَكِنَّ فِيهِ إِظْهَارَ شِكَايَةٍ مِنْهُمْ يَسْتَلْزِمُ الدُّعَاءَ عَلَيْهِمْ بِالْخِذْلَانِ لَا بِالْعِصْيَانِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قِيلَ: إِنَّمَا دَعَا لِغِفَارَ وَأَسْلَمَ لِأَنَّ دُخُولَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ كَانَ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ، وَكَانَتْ غِفَارُ مُتَّهَمَةً بِسَرِقَةِ الْحُجَّاجِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يَمْحُوَ عَنْهُمْ تِلْكَ السَّيِّئَةَ وَيَغْفِرَهَا لَهُمْ، وَأَمَّا عُصَيَّةُ فَهُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا الْقُرَّاءَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْنُتُ عَلَيْهِمْ. وَفِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ) لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مِنْ حُسْنِ الْكَلَامِ وَالْمُجَانَسَةِ فِي الْأَلْفَاظِ مَأْخُوذٌ مِنْ سَالَمْتُهُ إِذَا لَمْ تَرَ فِيهِ مَكْرُوهًا، فَكَأَنَّهُ دَعَا لَهُمْ بِأَنْ يَضَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ التَّعَبَ الَّذِي كَانُوا فِيهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ، وَالْحَاكِمِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ( «أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ وَغِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، أَمَا وَاللَّهِ مَا أَنَا قُلْتُهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَالَهُ» ) . وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَنْدَرَ بِلَفْظِ: ( «أَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ وَغِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَتُجِيبُ أَجَابُوا اللَّهَ» ) . فَفِي الْقَامُوسِ: تُجِيبُ ابْنُ كِنْدَةَ بَطْنٌ.

стр. 8349

٥٩٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ وَجُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَغِفَارُ وَأَشْجَعُ مَوَالِيَّ، لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٩٨٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قُرَيْشٌ) ، أَيْ: مُسْلِمُوهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ (وَالْأَنْصَارُ) أَيْ: قَبِيلَتُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَفِي (الْقَامُوسِ) : إِنَّ أَنْصَارَ النَّبِيِّ ﷺ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفَةُ (وَجُهَيْنَةُ) : بِالتَّصْغِيرِ قَبِيلَةٌ (وَمُزَيْنَةُ) : كَذَلِكَ (وَأَسْلَمُ وَغِفَارُ وَأَشْجَعُ) أَبُو قَبِيلَةٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَوْلَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ (مَوَالِيَّ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعُ مَوْلَى مُضَافًا إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ. وَقَالَ شَارِحٌ: يُرْوَى عَلَى الْإِضَافَةِ أَيْ أَحِبَّائِي وَأَنْصَارِي، وَيُرْوَى مَوَالٍ بِالتَّنْوِينِ أَيْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَحِبَّاءُ وَأَنْصَارٌ، لَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ: هُمْ نَاصِرُوهُ وَالْمُخْتَصُّونَ بِهِ وَهُوَ أَيْضًا وَلِيُّهُمْ وَنَاصِرُهُمْ. وَالْمُتَكَفِّلُ بِهِمْ وَبِمَصَالِحِهِمْ لِقَوْلِهِ: (لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، أَيْ: غَيْرُهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى عَلَى الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، وَفِي تَمْهِيدِ ذِكْرِ اللَّهِ لِذِكْرِ رَسُولِهِ، وَتَخْصِيصِ ذِكْرِ الرَّسُولِ إِيذَانٌ بِمَكَانَتِهِ وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِشْعَارٌ بِأَنَّ تَوَلِّيهِ إِيَّاهُمْ بَلَغَ مَبْلَغًا لَا يُقَادِرُ قَدْرَهُ وَلَا يَكْتَنِهُ كُنْهَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8350

٥٩٨٦ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ، خَيْرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَمِنْ بَنِي عَامِرٍ وَالْحَلِيفَيْنِ بَنِي أَسْدٍ وَغَطَفَانَ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٩٨٦ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) : بِالتَّاءِ وَهُوَ الثَّقَفِيُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ خَيْرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) ، فِي (الْقَامُوسِ) تَمِيمٌ كَأَمِيرٍ أَبُو قَبِيلَةٍ وَيُصْرَفُ (وَمِنْ بَنِي عَامِرٍ) ، عَطْفٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ (وَالْحَلِيفَيْنِ) أَيْ: وَمِنَ الْحَلِيفَيْنِ يَعْنِي الْمُتَحَالِفَيْنِ عَلَى التَّنَاصُرِ (بَنِي أَسْدٍ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (وَغَطَفَانَ) . بِفَتْحَتَيْنِ وَهَمَا بَدَلٌ مِنَ الْحَلِيفَيْنِ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَتَفْضِيلُ تِلْكَ الْقَبَائِلِ لِسَبْقِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَحُسْنِ آثَارِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرِ الْحَلِيفَيْنِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

стр. 8351

٥٩٨٧ - «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ ثَلَاثٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِيهِمْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ) قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا) وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَ: (اعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٥٩٨٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: مَا زِلْتُ) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ: مَا بَرِحْتُ (أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ ثَلَاثٍ) أَيْ: خِصَالٍ أَوْ كَلِمَاتٍ وَقَوْلُهُ: (سَمِعْتُ) : صِفَةٌ لِثَلَاثٍ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ: سَمِعْتُهَا (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِيهِمْ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ: قَائِلًا إِيَّاهَا فِي حَقِّهِمْ، وَالْمَعْنَى أَنِّي دَائِمًا أُحِبُّهُمْ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَقِّهِمْ ثَلَاثَ خِصَالٍ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ ثَلَاثٌ صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، وَكَذَا سَمِعْتُ اه. وَالْأَظْهَرُ مَا سَمِعْتُ ثُمَّ.

стр. 8352

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُهُ يَقُولُ) : بَيَانٌ أَوْ بَدَلٌ لِقَوْلِهِ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ تَفْصِيلٌ لِلْخِصَالِ الثَّلَاثِ وَالْخِصَالُ الثَّلَاثُ أَحَدُهَا قَوْلُهُ: (هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ) . أَيْ: حِينَ ظُهُورِهِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِوُجُودِهِمْ إِلَى زَمَانِهِ بِكَثْرَةٍ (قَالَ) أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ (وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا) ، شَرَّفَهُمْ بِإِضَافَتِهِمْ إِلَى نَفْسِهِ ﷺ وَهَذِهِ ثَانِيَتُهَا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ أَيْ: أَسِيرَةٌ (مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِرْقَاقِ الْعَرَبِ اه. وَفِي اسْتِدْلَالِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى. (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵊ (أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وُلُدِ إِسْمَاعِيلَ) : بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونٍ جَمْعُ وَلَدٍ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا، فَفِي (الصِّحَاحِ) : الْوَلَدُ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا، وَكَذَلِكَ الْوُلُدُ بِالضَّمِّ، وَقَدْ يَكُونُ الْوَلَدُ جَمْعَ الْوَلَدِ كَالْأَسَدِ وَالْأُسْدِ، وَهَذِهِ ثَالِثَتُهَا، فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ فَضِيلَتَهُمْ لِكَوْنِهِمْ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . الْفَصْلُ الثَّانِي

стр. 8353

الْفَصْلُ الثَّانِي ٥٩٨٨ - عَنْ سَعْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «مَنْ يُرِدْ هَوَانَ قُرَيْشٍ أَهَانَهُ اللَّهُ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٩٨٨ - (عَنْ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ يُرِدْ) مِنَ الْإِدَارَةِ أَيْ: مَنْ يَقْصِدْ (هَوَانَ قُرَيْشٍ) أَيْ: ذُلَّهُمْ وَإِهَانَتَهُمْ (أَهَانَهُ اللَّهُ) . أَيْ: أَذَلَّهُ وَأَخْزَاهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي (مُسْنَدِهِ) ، وَالْحَاكِمُ فِي (مُسْتَدْرَكِهِ) .

стр. 8354

٥٩٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «اللَّهُمَّ أَذَقْتَ أَوَّلَ قُرَيْشٍ نَكَالًا، فَأَذِقْ آخِرَهُمْ نَوَالًا» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٩٨٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «اللَّهُمَّ أَذَقْتَ أَوَّلَ قُرَيْشٍ» ) أَيْ: يَوْمَ بَدْرِ وَالْأَحْزَابِ (نَكَالًا) : بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ: بَلَاءً وَوَبَالًا. وَقَالَ شَارِحٌ: فُسِّرَ هَذَا بِالْقَحْطِ وَالْغَلَاءِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: النَّكَالُ الْعِبْرَةُ، وَقِيلَ الْعُقُوبَةُ (فَأَذِقْ آخِرَهُمْ نَوَالًا) ، أَيْ: إِنْعَامًا وَعَطَاءً ثِقَالًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 8355

٥٩٩٠ - وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «نَعْمَ الْحَيُّ الْأَسْدُ وَالْأَشْعَرُونَ لَا يَفِرُّونَ فِي الْقِتَالِ وَلَا يَغُلُّونَ، هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٩٩٠ - (وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (نِعْمَ الْحَيُّ) أَيِ: الْقَبِيلَةُ (الْأَسْدُ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ بِسُكُونِ السِّينِ، أَبُو حَيٍّ مِنَ الْيَمَنِ، وَيُقَالُ لَهُمُ الْأَزْدُ، وَهُوَ بِالسِّينِ أَفْصَحُ وَهُمَا أَزْدَانَ: أَزْدُ شَنُوءَةَ وَأَزْدُ عُمَانَ اه. وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا أَزْدُ شَنُوءَةَ (وَالْأَشْعَرُونُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَالْأَشْعَرِيُّونَ بِإِثْبَاتِ يَاءِ النِّسْبَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ بِسُقُوطِ الْيَاءِ فِي (جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ) ، وَ (جَامِعِ الْأُصُولِ) ، وَبِإِثْبَاتِهِ فِي (الْمَصَابِيحِ) . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ، تَقُولُ الْعَرَبُ: جَاءَتْكَ الْأَشْعَرُونَ بِحَذْفِ الْيَاءِ (لَا يَفِرُّونَ فِي الْقِتَالِ) أَيْ: فِي حَالِ قِتَالِهِمْ مَعَ الْكُفَّارِ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الْقَبِيلَتَيْنِ عَلَى حَدِّ (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا (وَلَا يَغُلُّونَ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ أَيْ: وَلَا يَخُونُونَ (فِي الْمَغْنَمِ هُمْ مِنِّي) أَيْ: مِنْ أَتْبَاعِي فِي سُنَنِي وَطَرِيقَتِي أَوْ مِنْ أَوْلِيَائِي (وَأَنَا مِنْهُمْ) . مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ مُتَّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . وَرَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا. الْأَشْعَرُونَ فِي النَّاسِ كَصُرَّةٍ فِيهَا مِسْكٌ.

стр. 8356

٥٩٩١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْأَزْدُ أَزْدُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، يُرِيدُ النَّاسُ أَنْ يَضَعُوهُمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَرْفَعَهُمْ، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقُولُ الرَّجُلُ: يَا لَيْتَ أَبِي كَانَ أَزْدِيًا، وَيَا لَيْتَ أُمِّي كَانَتْ أَزْدِيَّةً» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٩٩١ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْأَزْدُ) أَيْ: أَزْدُ شَنُوءَةَ. وَفِي (الْقَامُوسِ) : أَزْدُ بْنُ الْغَوْثِ وَهُوَ بِالسِّينِ أَفْصَحُ، أَبُو حَيٍّ مِنَ الْيَمَنِ وَمِنْ أَوْلَادِهِ الْأَنْصَارِ كُلِّهِمْ. (أَزْدُ اللَّهِ) أَيْ: جُنْدُهُ وَأَنْصَارُ دِينِهِ (فِي الْأَرْضِ) : قَدْ كَرَّمَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَهُمْ يُضَافُونَ إِلَيْهِ (يُرِيدُ النَّاسُ أَنْ يَضَعُوهُمْ) أَيْ: يُخَفِّرُوهُمْ وَيُذِلُّوهُمْ (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَرْفَعَهُمْ) أَيْ: يَنْصُرَهُمْ وَيُعِزَّهُمْ وَيُعَلِّيَهُمْ عَلَى أَعْدَاءِ دِينِهِمْ. قَالَ الْقَاضِي: يُرِيدُ بِالْأَزْدِ أَزْدَ شَنُوءَةَ، وَهُوَ حَيٌّ مِنَ الْيَمَنِ أَوْلَادُ أَزْدِ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ لَيْثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَأَضَافَهُمْ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ حَيْثُ أَنَّهُمْ حِزْبُهُ، وَأَهْلُ نُصْرَةِ رَسُولِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: أَزْدُ اللَّهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا. أَحَدُهَا: اشْتِهَارُهُمْ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّهُمْ ثَابِتُونَ فِي الْحَرْبِ لَا يَفِرُّونَ، عَلَى مَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي. وَثَانِيهَا: أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ لِلِاخْتِصَاصِ وَالتَّشْرِيفِ، كَبَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ، عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يُرِيدُ النَّاسُ أَنْ يَضَعُوهُمْ إِلَخْ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يُرَادَ بِهَا الشَّجَاعَةُ وَالْكَلَامُ عَلَى التَّشْبِيهِ أَيِ: الْأَسْدُ أَسْدُ اللَّهِ، فَجَاءَ بِهِ إِمَّا مُشَاكَلَةً أَوْ قَلَبَ السِّينَ زَايًا اه. وَتَبِعَهُ صَاحِبُ (الْأَزْهَارِ) مِنْ شُرَّاحِ (الْمَصَابِيحِ) ، لَكِنْ إِنَّمَا يَتِمُّ هَذَا لَوْ كَانَ الْأَسْدُ بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ لُغَةً فِي الْأَسَدِ بِفَتْحَتَيْنِ، كَمَا لَا يَخْفَى، وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ (الْقَامُوسِ) . ( «وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقُولُ الرَّجُلُ» ) ، أَيْ: فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ( «يَا لَيْتَ أَبِي كَانَ أَزْدِيًّا. وَيَا لَيْتَ أُمِّي كَانَتْ أَزْدِيَّةً» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا: عَلَى أَنَسٍ، وَهُوَ عِنْدَنَا أَصَحُّ اه. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ وَلَوْ كَانَ مَوْقُوفًا، فَهُوَ فِي الْحُكْمِ يَكُونُ مَرْفُوعًا، لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 8357

٥٩٩٢ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَكْرَهُ ثَلَاثَةَ أَحْيَاءٍ: ثَقِيفٌ، وَبَنِي حَنِيفَةَ، وَبَنِي أُمَيَّةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٩٩٢ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) : أَسْلَمِيٌّ خُزَاعِيٌّ، أَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ (قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَكْرَهُ ثَلَاثَةَ أَحْيَاءٍ) : جَمْعُ حَيٍّ بِمَعْنَى قَبِيلَةٍ (ثَقِيفَ) ، كَأَمِيرٍ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنْ هَوَازِنَ، وَاسْمُهُ قَسِيُّ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ كَمَا فِي (الْقَامُوسِ) (وَبَنِي حَنِيفَةَ) ، كَسَفِينَةَ لَقَبُ أَثَالِ بْنِ لُجَيْمٍ أَبُو حَيٍّ مِنْهُمْ خَوْلَةُ بِنْتُ جَعْفَرٍ الْحَنَفِيَّةُ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (وَبَنِي أُمَيَّةَ) ، بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ قَبِيلَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا كَرِهَ ثَقِيفًا لِلْحَجَّاجِ، وَبَنِي حَنِيفَةَ لِمُسَيْلِمَةَ، وَبَنِي أُمَيَّةَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: أَتَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَجَعَلَهُ فِي طَسْتٍ وَجَعَلَ يَنْكُتُهُ بِقَضِيبٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ: قَالَ عِمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ: لَمَّا جِيءَ بِرَأْسِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ وَأَصْحَابِهِ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: قَدْ جَاءَتْ فَإِذَا حَيَّةٌ قَدْ جَاءَتْ حَتَّى دَخَلَتْ فِي مَنْخَرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَمَكَثَتْ سَاعَةً ثُمَّ خَرَجَتْ، فَذَهَبَتْ حَتَّى تَغَيَّبَتْ، ثُمَّ قَالُوا: قَدْ جَاءَتْ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَذَا فِي (الْأَزْهَارِ) . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 8358

٥٩٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ» ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ: يُقَالُ: الْكَذَّابُ هُوَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَالْمُبِيرُ هُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: أَحْصَوْا مَا قَتَلَ الْحَجَّاجُ صَبْرًا فَبَلَغَ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٩٩٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ) أَيْ: مُبَالِغٌ فِي الْكَذِبِ (وَمُبِيرٌ) : بِضَمِّ مِيمٍ. وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ أَيْ: مُفْسِدٌ وَمُهْلِكٌ مِنَ الْبَوَارِ، وَهُوَ الْهَلَاكُ وَالْفَسَادُ وَتَنْوِينُهُمَا لِلتَّعْظِيمِ. (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ كُوفِيٌّ حَنَفِيٌّ، رَوَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَنْهُ إِسْرَائِيلُ

стр. 8359

وَشَرِيكٌ. (يُقَالُ: الْكَذَّابُ هُوَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ، وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، قَامَ بَعْدَ وَقْعَةِ الْحُسَيْنِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى طَلَبِ ثَأْرِهِ، وَكَانَ غَرَضُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَصْرِفَ إِلَى نَفْسِهِ وُجُوهَ النَّاسِ، وَيَتَوَسَّلَ بِهِ إِلَى الْإِمَارَةِ، وَكَانَ طَالِبًا لِلدُّنْيَا مُدَلِّسًا فِي تَحْصِيلِهَا، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: كَانَ يُبْغِضُ عَلِيًّا، وَقِيلَ: كَانَ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ بِكُوفَةَ، فَسُمِّيَ كَذَّابًا، وَمِنْ جُمْلَةِ كَذِبِهِ دَعْوَاهُ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ يَأْتِيهِ بِالْوَحْيِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَانَ أَبُوهُ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ، وُلِدَ الْمُخْتَارُ عَامَ الْهِجْرَةِ وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ وَلَا رِوَايَةٌ وَلَا رُؤْيَةٌ، وَأَخْبَارُهُ غَيْرُ مَرْضِيَّةٍ، وَذَلِكَ مُذْ طَلَبَ الْإِمَارَةَ إِلَى أَنْ قَتَلَهُ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْدُودًا فِي أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ، يَظْهَرُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَا يَكْتُمُ الْفِسْقَ، فَظَهَرَ مِنْهُ مَا كَانَ يَكْتُمُهُ إِلَى أَنْ فَارَقَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَطَلَبَ الْإِمَارَةِ. وَكَانَ الْمُخْتَارُ يُزَيِّفُ لِطَلَبِ دَمِ الْحُسَيْنِ، وَيَسْتُرُ طَلَبَ الدُّنْيَا وَالْإِمَارَةِ، فَيَأْتِي مِنْهُ الْكَذِبُ وَالْجُنُونُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ إِمَارَتُهُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَيُقَالُ: كَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ خَارِجِيًّا، ثُمَّ صَارَ زُبَيْرِيًّا ثُمَّ صَارَ رَافِضِيًّا، وَكَانَ يُضْمِرُ بُغْضَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - وَيَظْهَرُ مِنْهُ لِضَعْفِ عَقْلِهِ أَحْيَانًا. كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ. (وَالْمُبِيرُ هُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ) ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ مُبَالَغَةُ الْحَاجِّ بِمَعْنَى الْآتِي بِالْحُجَّةِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَامِلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، وَبَعْدَهُ لِابْنِهِ الْوَلِيدِ، مَاتَ بِوَاسِطَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَعُمُرُهُ أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً. (وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) : بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ وَقَدْ يَنْصَرِفُ (أَحْصَوْا) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالصَّادِ أَيِ: اضْبُطُوا وَعِدُّوا (مَا قَتَلَ الْحَجَّاجُ صَبْرًا) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: مَصْبُورًا يَعْنِي مَحْبُوسًا مَأْسُورًا لَا فِي مَعْرَكَةٍ وَلَا خِلْسَةٍ (فَبَلَغَ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 8360

٥٩٩٤ - وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي (الصَّحِيحِ) حِينَ قَتَلَ الْحَجَّاجُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَتْ أَسْمَاءُ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا (أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا) فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ» ، وَسَيَجِيءُ تَمَامُ الْحَدِيثِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ. ــ ٥٩٩٤ - (وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ) أَيْ: صَحِيحِهِ لَا فِي كِتَابٍ آخَرَ مِنْ تَصَانِيفِهِ (حِينَ قَتَلَ الْحَجَّاجُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَتْ أَسْمَاءُ) أَيْ: أُمُّهُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ) أَيْ: أَبْصَرْنَاهُ أَوْ عَلِمْنَاهُ، وَتَعْنِي بِهِ الْمُخْتَارَ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ (وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَفْتَحُ قَالَ شَارِحٌ: أَخَالُ بِالْفَتْحِ هُوَ الْقِيَاسُ وَبِالْكَسْرِ هُوَ الْأَفْصَحُ، وَفِي (الْأَزْهَارِ) وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ أَيْ: لَا أَظُنُّكَ (إِلَّا إِيَّاهُ) . قِيلَ: وَالظَّاهِرُ فَلَا أَخَالُهُ إِلَّا إِيَّاكَ فَقَدَّمَتِ الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ لِلِاهْتِمَامِ. (وَسَيَجِيءُ تَمَامُ الْحَدِيثِ) أَيْ: بَسْطُهُ (فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ) .

стр. 8361

٥٩٩٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ قَالَ: (اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٩٩٥ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالُوا) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ) . بِكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ نِبْلٍ أَيْ: سِهَامُهُمْ، وَلَعَلَّهُ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ وَمُحَاصَرَتِهِمْ، (فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: (اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا) أَيْ: إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ غَالِبَهُمْ إِلَى إِطَاعَةِ الْأَحْكَامِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 8362

٥٩٩٦ - عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ أَحْسَبُهُ مِنْ قَيْسٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْعَنْ حِمْيَرًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (رَحِمَ اللَّهُ حِمْيَرًا، أَفْوَاهُهُمْ سَلَامٌ، وَأَيْدِيهِمْ طَعَامٌ، وَهُمْ أَهْلُ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ) » رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَيُرْوَى عَنْ مِينَاءَ هَذَا أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ. ــ ٥٩٩٦ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ ابْنُ هَمَّامٍ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ أَحَدُ الْأَعْلَامِ، رَوَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ وَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَصَنَّفَ الْكُتُبَ وَمَاتَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ وَلَهُ خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً. (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ النَّخَعِيِّ، تَابِعِيٌّ، سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ (عَنْ مِينَاءَ) : بِمِيمٍ مَكْسُورَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَأَلْفٍ مَمْدُودَةٍ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَالَ (صَاحِبُ الْمَطَالِعِ) : بِمَدٍّ وَقَصْرٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: رَوَى عَنْ مَوْلَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَوْفٍ وَعُثْمَانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْهُ وَالِدُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ضَعَّفُوهُ. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ أَحْسَبُهُ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا أَيْ: أَظُنُّهُ (مِنْ قَيْسٍ) : فِي الْقَامُوسِ: قَيْسُ غَيْلَانَ بِالْفَتْحِ، أَبُو قَبِيلَةٍ وَاسْمُهُ إِلْيَاسُ بْنُ مُضَرَ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْعَنْ حِمْيَرًا) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ أَيِ: ادْعُ عَلَيْهِمْ بِالْبُعْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَفِي (الْقَامُوسِ) حِمْيَرٌ كَدِرْهَمٍ مَوْضِعٌ غَرْبِيَّ صَنْعَاءِ الْيَمَنِ، وَابْنُ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ أَبُو قَبِيلَةٍ (فَأَعْرَضَ عَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ الرَّجُلِ بِإِدْبَارِ وَجْهِهِ عَنْهُ (ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ، فَأَعْرَضِ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ) ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْهُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (رَحِمَ اللَّهُ حِمْيَرًا أَفْوَاهُهُمْ سَلَامٌ) ، أَيْ: ذَاتُ سَلَامٍ أَوْ مَحَلُّ سَلَامٍ (وَأَيْدِيهِمْ طَعَامٌ) أَيْ: ذَاتُ طَعَامٍ قَالَهُ شَارِحٌ. فَالْمُضَافُ مِقْدَارٌ لِصِحَّةِ الْحَمْلِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: جَعَلَ أَفْوَاهَهُمْ نَفْسَ السَّلَامِ وَأَيْدِيَهُمْ نَفْسَ الطَّعَامِ مُبَالَغَةً انْتَهَى. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَفْشُونَ السَّلَامَ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الْإِحْسَانِ وَحَلَاوَةِ اللِّسَانِ. (وَهُمْ أَهْلُ أَمْنٍ) ، أَيْ: مِنَ الْمَضَرَّةِ (وَإِيمَانٍ) : وَتَصْدِيقٍ كَامِلٍ بَلَّغَهُمْ إِلَى مَرْتَبَةِ الْإِيقَانِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ) . أَيْ: مِنْ طَرِيقِهِ إِلَى مِينَاءَ. (وَيُرْوَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَنْ مِينَاءَ هَذَا) أَيِ: الْمُشَارُ إِلَيْهِ (أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ) : قَالَ مِيرَكُ: قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مِينَاءُ يَكْذِبُ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِثِقَةٍ انْتَهَى. وَقَالَ شَارِحٌ (لِلْمَصَابِيحِ) قَوْلُهُ: مُنْكَرٌ هَذَا إِلْحَاقٌ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ، لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ ﵀ يَعْنِي مُحْيِي السُّنَّةِ: لَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُنْكَرٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ: لِأَنَّهُ قَدِ الْتَزَمَ الِاعْتِرَاضَ عَنْ ذِكْرِ الْمُنْكَرِ فِي عُنْوَانِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 8363

٥٩٩٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : (مِمَّنْ أَنْتَ؟) قُلْتُ: مِنْ دَوْسٍ. قَالَ: (مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ فِي دَوْسٍ أَحَدًا فِيهِ خَيْرٌ) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٥٩٩٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : (مِمَّنْ أَنْتَ) ؟ أَيْ: مِنْ أَيْ: قَبِيلَةٍ (قُلْتُ: مِنْ دَوْسٍ) . بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَمَنِ مِنَ الْأَزْدِ، كَذَا فِي (الْأَزْهَارِ) . وَفِي (الْقَامُوسِ) : هُوَ دَوْسُ بْنُ عَدْنَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو قَبِيلَةٍ، (قَالَ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ (مَا كُنْتُ أُرَى) : بِضَمِّ الْهَمْزِ عَلَى الْمَجْهُولِ أَيْ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ قَبْلَ ذَلِكَ (أَنَّ فِي دَوْسٍ أَحَدًا فِيهِ خَيْرٌ) : قَالَ فِي (الْأَزْهَارِ) : فِيهِ مَنْقَبَةٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَذَمَّةٌ لِدَوْسٍ لَوْلَا أَبُو هُرَيْرَةَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 8364

٥٩٩٨ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ ﵁ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تُبْغِضُنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ أُبْغِضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ؟ قَالَ: (تُبْغِضُ الْعَرَبَ فَتُبْغِضُنِي) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٥٩٩٨ - (وَعَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: قَالَ لِي) أَيْ: خَاصَّةً فِي الْخِطَابِ أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ بِلَا حِجَابٍ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا تُبْغِضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ» ) . بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ زَيْنُ الْعَرَبِ ( «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُبْغِضُكَ» ) أَيْ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنِّي أَنِّي أُبْغِضُكَ وَأَنْتَ حَبِيبُ اللَّهِ وَمَحْبُوبُ أُمَّتِكَ (وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ. . .) ؟ أَيْ: إِلَى الْإِسْلَامِ، وَسَائِرِ مَكَارِمِ الْأَحْكَامِ (قَالَ: ( «تُبْغِضُ الْعَرَبَ فَتُبْغِضُنِي» ) أَيْ: حِينَ تُبْغِضُ الْعَرَبَ عُمُومًا فَتُبْغِضُنِي فِي ضِمْنِهِمْ خُصُوصًا، أَوْ إِذَا أَبْغَضْتَ جِنْسَ الْعَرَبِ، فَرُبَّمَا يَجُرُّ ذَلِكَ إِلَى بُغْضِكَ إِيَّايَ نَعُوذُ بِاللَّهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ بُغْضَ الْعَرَبِ قَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِبُغْضِ سَيِّدِ الْخَلْقِ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ كَيْلَا يَقَعَ فِي الْخَطَرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَرَبُ مَا يُقَابِلُ الْعَجَمَ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْعَرَبُ اسْمٌ لِهَذَا الْجَبَلِ الْمَعْرُوفِ مِنَ النَّاسِ، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَسَوَاءً أَقَامَ بِالْبَادِيَةِ أَوِ الْمُدُنِ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِمَا أَعْرَابِيٌّ وَعَرَبٌ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْعَرَبُ بِالضَّمِّ وَبِالتَّحْرِيكِ خِلَافُ الْعَجَمِ مُؤَنَّثٌ، وَهُمْ سُكَّانُ الْأَمْصَارِ أَوْ عَامٌّ، وَالْأَعْرَابُ مِنْهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ لَا وَاحِدَ لَهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .

стр. 8365

٥٩٩٩ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ غَشَّ الْعَرَبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَفَاعَتِي، وَلَمْ تَنَلْهُ مَوَدَّتِي» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُصَيْنِ بْنِ عُمَرَ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِذَاكَ الْقَوِيِّ. ــ ٥٩٩٩ - (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) : بِغَيْرِ صَرْفٍ وَقَدْ يُصْرَفُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ غَشَّ الْعَرَبَ) أَيْ: خَانَهُمْ وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ: أَبْغَضَهُمْ (لَمْ يَدْخُلْ فِي شَفَاعَتِي) ، أَيِ: الصُّغْرَى لِعُمُومِ الْكُبْرَى، (وَلَمْ تَنَلْهُ مَوَدَّتِي) . أَيْ: لَمْ تُصِبْهُ مَحَبَّتِي إِيَّاهُ، أَوْ لَمْ تَصِلْ وَلَمْ تَحْصُلْ لَهُ مَحَبَّتُهُ إِيَّايَ، وَالْمَقْصُودُ نَفْيُ الْكَمَالِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُصَيْنِ بْنِ عُمَرَ وَلَيْسَ هُوَ) أَيْ: حُصَيْنُ الْمَذْكُورُ (عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِذَاكَ الْقَوِيِّ) . قُلْتُ: فَلْيَكُنِ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا مِنْ طَرِيقِهِ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْفَضَائِلِ، وَكَيْفَ وَهُوَ مُؤَيَّدٌ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ تَكَادُ تَصِلُ إِلَى التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ، كَقَوْلِهِ ﷺ : ( «حُبُّ الْعَرَبِ إِيمَانٌ وَبُغْضُهُمْ نِفَاقٌ» ) . رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ. وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْهُ: ( «حُبُّ قُرَيْشٍ إِيمَانٌ وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ، وَحُبُّ الْعَرَبِ إِيمَانٌ بُغْضُهُمْ كُفْرٌ، فَمَنْ أَحَبَّ الْعَرَبَ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَ الْعَرَبَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي» ) . وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَهْدٍ: ( «أَحِبُّوا قُرَيْشًا فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ» ) . وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ( «أَحِبُّوا الْفُقَرَاءَ وَجَالِسُوهُمْ، وَأَحِبَّ مِنْ قَلْبِكَ، وَلْيَرُدُّكَ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْلَمُ مِنْ نَفْسِكَ» ) . هَذَا وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَتْنِ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَيْضًا، وَأَقَلُّ مَرْتَبَةِ أَسَانِيدِهِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا، فَالْحَدِيثُ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

стр. 8366

٦٠٠٠ - وَعَنْ أُمِّ الْحَرِيرِ، مَوْلَاةِ طَلْحَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَتْ: سَمِعْتُ مَوْلَايَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ هَلَاكُ الْعَرَبِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦٠٠٠ - (وَعَنْ أُمِّ الْحَرِيرِ) ، بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى، كَذَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، وَكَذَا ضَبَطَهُ صَاحِبُ (الْمُغْنِي) ، وَكَذَا فِي (جَامِعِ الْأُصُولِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي التَّقْرِيبِ حَيْثُ قَالَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا، وَيُقَالُ بِفَتْحِ أَوَّلِهَا لَا يُعْرَفُ حَالُهَا مِنَ الرَّابِعَةِ (مَوْلَاةِ طَلْحَةَ بْنِ مَالِكٍ) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ (قَالَتْ: سَمِعْتُ مَوْلَايَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ) أَيْ: مِنْ عَلَامَاتِ قُرْبِ الْقِيَامَةِ (هَلَاكُ الْعَرَبِ) أَيْ: مُسْلِمِهِمْ أَوْ جِنْسِهِمْ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ غَيْرَهُمْ تَابِعٌ لَهُمْ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ، بَلْ وَلَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ: اللَّهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 8367

٦٠٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْمُلْكُ فِي قُرَيْشٍ وَالْقَضَاءُ فِي الْأَنْصَارِ، وَالْأَذَانُ فِي الْحَبَشَةِ، وَالْأَمَانَةُ فِي الْأَزْدِ» ) يَعْنِي الْيَمَنَ. وَفِي رِوَايَةٍ مَوْقُوفًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ. ــ ٦٠٠١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْمُلْكُ) : بِالضَّمِّ أَيِ الْخِلَافَةُ (فِي قُرَيْشٍ) أَيْ: غَالِبًا، أَوْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ الْمُطَابِقُ لِبَقِيَّةِ الْقَرَائِنِ الْآتِيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: (وَالْقَضَاءُ فِي الْأَنْصَارِ) أَيِ: الْحُكْمُ الْجُزْئِيُّ قَالَهُ تَطَيُّبًا لِقُلُوبِهِمْ، لِأَنَّهُمْ آوَوْا وَنَصَرُوا، وَبِهِمْ قَامَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَفِي بَلَدِهِمْ تَمَّ أَمْرُهُ وَاسْتَقَامَ، وَبُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ وَجُمِعَتِ الْجَمَاعَاتُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ فِي (الْأَزْهَارِ) : قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ النِّقَابَةُ لِأَنَّ النُّقَبَاءَ كَانُوا مِنْهُمْ، وَقِيلَ: الْقَضَاءُ الْجُزْئِيُّ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: ( «أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ» ) . وَقِيلَ: الْقَضَاءُ الْمَعْرُوفُ لِبَعْثِهِ ﷺ مُعَاذًا قَاضِيًا إِلَى الْيَمَنِ انْتَهَى. وَالْأَخِيرُ هُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: (وَالْأَذَانُ فِي الْحَبَشَةِ) ، أَيْ: لِأَنَّ رَئِيسَ مُؤَذِّنِيهِ ﷺ كَانَ بِلَالًا وَهُوَ حَبَشِيٌّ (وَالْأَمَانَةُ فِي الْأَزْدِ) أَيْ: أَزْدُ شَنُوءَةَ، وَهُمْ حَيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَلَا يُنَافِي قَوْلَ بَعْضِ الرُّوَاةِ (يَعْنِي الْيَمَنَ) لَكِنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادَرَ مِنْ كَلَامِهِ إِرَادَةُ عُمُومِ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَإِنَّهُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَهْلُ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَفِي رِوَايَةٍ مَوْقُوفًا) أَيْ: جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا، وَلَوْ قَالَ مَوْقُوفٌ بِالرَّفْعِ لَكَانَ أَظْهَرُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ وَقَّفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا يَكُونُ حُكْمُهُ مَرْفُوعًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا) أَيْ: سَنَدُهُ مَوْقُوفًا (أَصَحُّ) أَيْ: مِنْ إِسْنَادِهِ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مَرْفُوعًا، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْأَزْدِيِّ: الْأَمَانَةُ فِي الْأَزْدِ وَالْحَيَاءُ فِي قُرَيْشٍ.

стр. 8368

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦٠٠٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ( «لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦٠٠٢ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِيهِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: قُرَشِيٌّ عَدَوِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُقَالُ: وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ بِهِ أَبُوهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ اسْمُ أَبِيهِ الْعَاصَ، فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ مُطِيعًا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ الَّذِي أَمَّرَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِمْ حِينَ خَلَعُوا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، سَمِعَ أَبَاهُ، وَرَوَى عَنْهُ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقُتِلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْكُوفَةِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: (لَا يُقْتَلُ) : بِصِيغَةِ النَّفْيِ مَجْهُولًا (قُرَشِيٌّ) ، أَيْ: مَنْسُوبٌ إِلَى قُرَيْشٍ بِحَذْفِ الزَّائِدِ، وَفِي (الْقَامُوسِ) : النِّسْبَةُ قُرَشِيٌّ وَقُرَيْشِيٌّ (صَبْرًا) أَيْ: لَا فِي الْمَعْرَكَةِ كَمَا فِي (الْأَزْهَارِ) (بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ) أَيْ: يَوْمِ الْفَتْحِ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: مَعْنَاهُ لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ صَبْرًا، وَهُوَ مُرْتَدٌّ عَنِ الْإِسْلَامِ ثَابِتٌ عَلَى الْكُفْرِ، إِذْ قَدْ وُجِدَ مِنْ قُرَيْشٍ مَنْ قُتِلَ صَبْرًا فِيمَا سَبَقَ وَمَضَى مِنَ الزَّمَانِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ صَبْرًا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى الْكُفْرِ انْتَهَى. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُوجَدُ قُرَشِيٌّ مُرْتَدًّا فَيُقْتَلُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ النَّهْيِ، كَمَا أَنَّ رَحِمَكَ اللَّهُ وَيَرْحَمُكَ أَبْلَغُ. وَنَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] فِي وَجْهٍ. قُلْتُ: هَذَا وَجْهٌ غَيْرُ وَجِيهٍ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى كُلِّ نَبِيهٍ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْرَبُ إِلَى مَدْحِ قُرَيْشٍ وَتَعْظِيمِهِمْ، وَيَبْقَى الْكَلَامُ عَلَى إِطْلَاقِهِ. قُلْتُ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّهْيُ عَلَى إِطْلَاقِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ الْقَتْلُ عَلَى قُرَشِيٍّ قِصَاصًا أَوْحَدًّا، وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا صَبْرًا، فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ غَيْرِهِ، فَلَا يَحْصُلُ لِقُرَيْشٍ مَزِيَّةٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى مَدْحِهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 8369

٦٠٠٣ - وَعَنْ أَبِي نَوْفَلٍ، مُعَاوِيَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ، حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ! السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ! السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ. أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ أَنْتَ شَرُّهَا لَأُمَّةُ سَوْءٍ - وَفِي رِوَايَةٍ لَأُمَّةُ خَيْرٍ - ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ، فَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ، قَالَ: فَأَبَتْ وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقَرُونِي وَقَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتِيَّ، فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ! أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا: ( «إِنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا» ) ، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا فَلَمْ يُرَاجِعْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦٠٠٣ - (وَعَنْ أَبِي نَوْفَلٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُسْلِمٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ، وَرَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ. (قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ) : يُرِيدُ عَلَى عَقَبَةِ مَكَّةَ وَاقِعَةٌ فِي طَرِيقِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حِينَ يَنْزِلُونَ مَكَّةَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَصْلُوبًا هُنَاكَ. وَلِذَا جُعِلَ لَهُ قَبْرٌ فِي الْحَجُونِ قَرِيبَ الْعَقَبَةِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَكَذَا سَائِرُ قُبُورِ الصَّحَابَةِ فِي مَقْبَرَةِ مَكَّةَ لَيْسَ لَهَا مَحَلٌّ مُعَيَّنٌ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ حَتَّى تُرْبَةِ خَدِيجَةَ ﵂ أَيْضًا، وَإِنَّمَا بَنَى عَلَيْهَا اعْتِمَادًا عَلَى رُؤْيَا بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو نَوْفَلٍ (فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ (وَالنَّاسُ) أَيْ: وَسَائِرُ النَّاسِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ أَيْضًا (حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ) ، بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، كُنْيَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ كُنِّيَ بِابْنِهِ خُبَيْبٍ أَكْبَرِ أَوْلَادِهِ، (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ) ، فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَثْلِيثِ السَّلَامِ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَوْ قَبْلَ الدَّفْنِ. (لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا) . الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِهَذَا صَلْبُهُ، وَالْمَعْنَى كُنْتُ أَنْهَاكَ عَمَّا يُؤَدِّي إِلَى مَا أَرَاكَ فِيهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنْ وَادِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] يَعْنِي مِنْ جِهَةِ مَجَازِ الْأَوَّلِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] (أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ) : إِنْ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الْمُثْقَّلَةِ وَضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ وَقَوْلُهُ (مَا) : زَائِدَةٌ (عَلِمْتُ) أَيْ: عَلِمْتُكَ (صَوَّامًا) أَيْ: كَثِيرَ الصِّيَامِ فِي النَّهَارِ (قَوَّامًا) : كَثِيرَ الْقِيَامِ فِي اللَّيْلِ (وَصُولًا) : بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: مُبَالِغًا فِي الصِّلَةِ (لِلرَّحِمِ) أَيْ: لِلْقَرَابَةِ وَفِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْأَخْبَارِيِّينَ وَوَصْفِهِ بِالْإِمْسَاكِ، وَقَدْ عَدَّهُ صَاحِبُ كِتَابِ (الْأَجْوَادِ) فِيهِمْ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَحْوَالِهِ انْتَهَى. وَقَدْ أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ بِهَذَا الْقَوْلِ بَرَاءَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِمَّا نَسَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ مِنْ قَوْلِ عَدُوِّ اللَّهِ وَظَالِمٍ وَنَحْوِهِ، وَإِعْلَامَ النَّاسِ بِمَحَاسِنِهِ، وَأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ مَظْلُومًا وَمَرْجُومًا وَعَاشَ سَعِيدًا وَمَاتَ شَهِيدًا أَمَا كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا، (وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ) أَيْ: لَجَمَاعَةٌ (أَنْتَ شَرُّهَا) أَيْ: بِزَعْمِهِمْ (لَأُمَّةُ سَوْءٍ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَتُضَمُّ أَيْ: لِفَسَادِ فَهْمِهِمْ وَسُوءِ اعْتِقَادِهِمْ. قَوْلُهُ: لَأُمَّةُ مُبْتَدَأٌ. وَأَنْتَ شَرُّهَا صِفَتُهَا أَيْ: وَلَأُمَّةٌ أَنْتَ أَكْثَرُ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ شَرُّ النَّاسِ لَأُمَّةُ سَوْءٍ، فَالْحُكْمُ فَرْضِيُّ وَتَقْدِيرِيُّ، أَوَزَعْمِيٌّ وَادِّعَائِيٌّ عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِيِّ. (وَفِي رِوَايَةٍ: لَأُمَّةُ خَيْرٍ) . فَهُوَ سَبِيلٌ تَهَكُّمِيٌّ وَاسْتِهْزَائِيٌّ وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ حِينَ إِخْرَاجِ أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ مِنْ بَلَدِهِ بَلَدُ أَبُو يَزِيدَ شَرُّ أَهْلِهَا نِعْمَ الْبَلَدُ. وَفِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ) لِلنَّوَوِيِّ: هَكَذَا هُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَشْيَخَتِنَا، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جُمْهُورِ رُوَاةِ (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رُوَاةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ: لَأُمَّةُ سَوْءٍ. قَالَ: وَهُوَ خَطَأٌ وَتَصْحِيفٌ أَيْ: سَهْوٌ وَتَحْرِيفٌ، لَكِنْ حَيْثُ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ وَطَابَقَتِ الدِّرَايَةَ فَلَا مَعْنَى لِلتَّخْطِيَةِ. (ثُمَّ نَفَذَ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: ذَهَبَ (وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ) أَيِ: الظَّالِمَ (مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ) أَيْ: خَبَرُ وُقُوفِهِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ فِي حَقِّهِ لَدَيْهِ (فَأَرْسَلَ) أَيِ: الْحَجَّاجُ (إِلَى) أَيْ: إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ (فَأُنْزِلَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَنْ جِذْعِهِ) أَيِ: الْمَصْلُوبِ عَلَيْهِ (فَأُلْقِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: فَطُرِحَ (فِي قُبُورِ الْيَهُودِ) أَيْ: فِي مَوْضِعِ قُبُورِهِمْ مِنْ سُكَّانِ مَكَّةَ، أَوْ مِنْ وَادِيهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ مَدْفُونٌ فِي أَعْلَى الْمُعَلَّى ; لِأَنَّهُ حُمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْأَدْنَى وَدُفِنَ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ. (ثُمَّ أَرْسَلَ أَيِ: الْحَجَّاجُ (إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ: يَطْلُبُهَا (فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ) أَيْ: فَامْتَنَعَتْ مِنَ الْإِتْيَانِ إِلَيْهِ، وَالْوُقُوفِ لَدَيْهِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، (فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ) أَيْ: قَائِدًا عَلَى لِسَانِهِ (لَتَأْتِيَنِّي) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى صِيغَةِ الْخِطَابِ لِقَوْلِهِ: (أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ) ، أَيْ: لَأُرْسِلَنَّ إِلَى إِتْيَانِكِ إِلَيَّ (مَنْ يَسْحَبُكِ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ: يَجُرُّكِ (بِقُرُونِكِ) أَيْ: بِضَفَائِرِ شَعْرِكِ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو نَوْفَلٍ (فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا آتِيكَ) :. بِمَدِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: لَا أَجِيئُكَ (حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي. قَالَ) ، أَيْ: أَبُو نَوْفَلٍ (فَقَالَ) أَيِ: الْحَجَّاجُ (أَرُونِي سِبْتَيَّ) : بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ.

стр. 8370

وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ: نَعْلَيَّ وَكَذَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: هِيَ النَّعْلُ الَّتِي لَا شَعَرَ عَلَيْهَا. وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ سِبْتِيَّتَيَّ بِكَسْرٍ فَسُكُونِ فَكَسْرِ فَوْقِيَّةٍ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةِ فَفَتَحِ فَوْقِيَّةٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ، فَفِي النِّهَايَةِ: السِّبْتُ بِالْكَسْرِ الْجُلُودُ الْمَدْبُوغَةُ بِالْقَرْظِ، وَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ وَرَقُ السِّلْمِ يُتَّخَذُ مِنْهَا النِّعَالُ أَيِ: السِّبْتِيَّةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ شَعَرَهَا قَدْ سُبِتَ عَنْهَا أَيْ: حُلِقَ وَأُزِيلَ. وَقِيلَ: لِأَنَّهَا انْسَبَتَتْ بِالدِّبَاغِ أَيْ: لَانَتْ، وَيُقَالُ لِلنَّعْلِ الْمُتَّخَذِ مِنْهَا سِبْتٌ اتِّسَاعًا، وَمِنْهُ: يَا صَاحِبَ السِّبْتَيْنِ، وَيُرْوَى السِّبْتِيَّتَيْنِ عَلَى النَّسَبِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: مَنْسُوبٌ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: سُوقُ السَّبْتِ، وَفِي الْمَشَارِقِ قَوْلُهُ: أَرُونِي سِبْتِيَّتَيَّ، وَيَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ بِيَائَيْنِ، وَذَكَرَ الْهَرَوِيُّ بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ مُخَفَّفَةٍ تَثْنِيَةُ سِبْتٍ انْتَهَى. وَالْمَعْنَى ائْتُونِي بِهِمَا أَوْ قَدِّمُوهُمَا لِي (فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ) أَيْ: فَلَبَسَهُمَا (ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ) : بِالْوَاوِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ يُسْرِعُ، وَقِيلَ: يَتَبَخْتَرُ (حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى أَسْمَاءَ (فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي) : بِكَسْرِ التَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِإِشْبَاعِ كَسْرَتِهَا يَاءٌ أَيْ: كَيْفَ وَجَدْتِنِي (صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ) ؟ أَرَادَ بِهِ ابْنَهَا عَلَى زَعْمِهِ الْفَاسِدِ، وَاعْتِقَادِهِ الْكَاسِدِ (قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ) . وَالْإِسْنَادُ سَبَبِيٌّ فِيهِمَا (ثُمَّ قَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ) أَيْ: فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَمَاتِهِ (يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ) : بِكَسْرِ النُّونِ وَهُوَ مَا تَشُدُّ بِهِ الْمَرْأَةُ وَسَطَهَا عِنْدَ مُعَانَاةِ الْأَشْغَالِ، لِتَرْفَعَ بِهِ ثَوْبَهَا، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا قَطَعَتْ نِطَاقَهَا نِصْفَيْنِ عِنْدَ مُهَاجَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَدَّتْ بِأَحَدِهِمَا قِرْبَتَهُ، وَبِالْآخَرِ سُفْرَتَهُ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ، وَقِيلَ: شَدَّتْ بِأَحَدِهِمَا سُفْرَتَهُ، وَبِالْآخَرِ وَسَطَهَا لِلشُّغْلِ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ مِنْ خُبْثِهِ حَمَلَ قَوْلَهُ ﷺ فِي حَقِّهَا ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ عَلَى الذَّمِّ، وَأَنَّهَا خَدَّامَةٌ وَخَرَّاجَةٌ وَلَاجَّةٌ تَشُدُّ نِطَاقَهَا لِلْخِدْمَةِ، فَكَأَنَّهَا سَلَّمَتْ أَنَّهَا ذَاتُ نِطَاقَيْنِ، وَلَكِنْ نِطَاقٌ لَيْسَ هَذَا شَأْنُهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهَا: (أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ: أَمَّا أَحَدُهُمَا، فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَرْفَعَ أَيْ: أَرْبُطُ بِهِ سُفْرَةَ طَعَامِهِمَا، وَأُعَلِّقُهَا مَرْفُوعَةً خَشْيَةً مِنَ الدَّوَابِّ كَالْفَأْرَةِ وَالذَّرَّةِ وَنَحْوِهِمَا. (وَأَمَّا الْآخَرُ، فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ) . إِمَّا لِخِدْمَتِهَا الْمُتَعَارَفَةِ فِي بَيْتِهَا الْمَمْدُوحَةِ فِي حَقِّهَا، وَإِمَّا لِرَبْطِهَا فِي وَسَطِهَا إِبْقَاءً لِحَالِهَا خَشْيَةَ أَنْ تَصِيرَ بَطُونِيَّةً، كَمَا هُوَ الْآنَ عَادَةُ الْعَرَبِ مِنَ الْحِزَامِ، الْمَصْنُوعِ مِنَ الْجِلْدِ لِلْفُقَرَاءِ، وَأَلْحَقُوا بِهِ الْمَصْنُوعَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلْأَغْنِيَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] كَأَنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هُوَ أُذُنٌ كَمَا قُلْتُمْ إِلَّا أَنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ لَا أُذُنُ شَرٍّ، فَسَلَّمَ لَهُمْ قَوْلَهُمْ فِيهِ: إِلَّا أَنَّهُ فَسَّرَ. بِمَا هُوَ مَدْحٌ وَإِنْ كَانُوا قَصَدُوا بِذَلِكَ الْمَذَمَّةَ. (أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا أَنَّ) : بِالْفَتْحِ وَجُوِّزَ الْكَسْرُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحَدِّثِ ( «فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا» ) ، أَيْ: مُفْسِدًا (فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ) . تَعْنِي الْمُخْتَارَ (وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ) : بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَتُفْتَحُ أَيْ: فَلَا أَظُنُّكَ (إِلَّا إِيَّاهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْمُبِيرَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: لَا إِخَالُهُ إِلَّا إِيَّاكَ فَقَدَّمَ ثَانِي مَفْعُولَيْهِ اهْتِمَامًا، وَأَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحُكْمِ هُوَ لَا أَنَّ الْمُبِيرَ مَنْ هُوَ فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] قَدَّمَ شُرَكَاءَ وَهُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْجِنُّ، وَقَدَّمَ أَيْضًا لِلَّهِ عَلَيْهِمَا اهْتِمَامًا وَمَزِيدًا لِلْإِنْكَارِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي سَلَامِ ابْنِ عُمَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَصْلُوبٌ اسْتِحْبَابُ السَّلَامِ عَلَى الْمَيِّتِ وَتَكْرِيرِهِ، وَفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى الْمَوْتَى بِجَمِيلِ صِفَاتِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِابْنِ عُمَرَ لِقَوْلِهِ الْحَقَّ فِي الْمَلَأِ وَعَدَمِ اكْتِرَاثِهِ بِالْحَجَّاجِ ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مَقَامَهُ وَثَنَاءَهُ عَلَيْهِ يَبْلُغُهُ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ، وَيَشْهَدَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَا يَعْلَمُهُ فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَبُطْلَانِ مَا أَشَاعَ عَنْهُ الْحَجَّاجُ مِنْ قَوْلِهِ: عَدُوُّ اللَّهِ وَظَالِمٌ وَنَحْوُهُ، فَأَرَادَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ بَرَاءَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِنَ الَّذِي نَسَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ، وَإِعْلَامَ النَّاسِ بِمَحَاسِنِهِ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ مَظْلُومًا انْتَهَى. وَلَا أَظُنُّ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا فِي مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ إِلَّا عِنْدَ الْخَوَارِجِ (قَالَ) أَيْ: أَبُو نَوْفَلٍ (فَقَامَ عَنْهَا) أَيِ: الْحَجَّاجُ (فَلَمْ يُرَاجِعْهَا) أَيْ: فَلَمْ يَرُدَّهَا فِي الْكَلَامِ، ثُمَّ إِنَّهَا مَاتَتْ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِهَا بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَلَهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَلَمْ يَقَعْ لَهَا سِنٌّ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
следующие страницы →