Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.
стр. 8366
٦٠٠٠ - وَعَنْ أُمِّ الْحَرِيرِ، مَوْلَاةِ طَلْحَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَتْ: سَمِعْتُ مَوْلَايَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ هَلَاكُ الْعَرَبِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦٠٠٠ - (وَعَنْ أُمِّ الْحَرِيرِ) ، بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى، كَذَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، وَكَذَا ضَبَطَهُ صَاحِبُ (الْمُغْنِي) ، وَكَذَا فِي (جَامِعِ الْأُصُولِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي التَّقْرِيبِ حَيْثُ قَالَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا، وَيُقَالُ بِفَتْحِ أَوَّلِهَا لَا يُعْرَفُ حَالُهَا مِنَ الرَّابِعَةِ (مَوْلَاةِ طَلْحَةَ بْنِ مَالِكٍ) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ (قَالَتْ: سَمِعْتُ مَوْلَايَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ) أَيْ: مِنْ عَلَامَاتِ قُرْبِ الْقِيَامَةِ (هَلَاكُ الْعَرَبِ) أَيْ: مُسْلِمِهِمْ أَوْ جِنْسِهِمْ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ غَيْرَهُمْ تَابِعٌ لَهُمْ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ، بَلْ وَلَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ: اللَّهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8367
٦٠٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْمُلْكُ فِي قُرَيْشٍ وَالْقَضَاءُ فِي الْأَنْصَارِ، وَالْأَذَانُ فِي الْحَبَشَةِ، وَالْأَمَانَةُ فِي الْأَزْدِ» ) يَعْنِي الْيَمَنَ. وَفِي رِوَايَةٍ مَوْقُوفًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ.
ــ
٦٠٠١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْمُلْكُ) : بِالضَّمِّ أَيِ الْخِلَافَةُ (فِي قُرَيْشٍ) أَيْ: غَالِبًا، أَوْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ الْمُطَابِقُ لِبَقِيَّةِ الْقَرَائِنِ الْآتِيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: (وَالْقَضَاءُ فِي الْأَنْصَارِ) أَيِ: الْحُكْمُ الْجُزْئِيُّ قَالَهُ تَطَيُّبًا لِقُلُوبِهِمْ، لِأَنَّهُمْ آوَوْا وَنَصَرُوا، وَبِهِمْ قَامَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَفِي بَلَدِهِمْ تَمَّ أَمْرُهُ وَاسْتَقَامَ، وَبُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ وَجُمِعَتِ الْجَمَاعَاتُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ فِي (الْأَزْهَارِ) : قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ النِّقَابَةُ لِأَنَّ النُّقَبَاءَ كَانُوا مِنْهُمْ، وَقِيلَ: الْقَضَاءُ الْجُزْئِيُّ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: ( «أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ» ) . وَقِيلَ: الْقَضَاءُ الْمَعْرُوفُ لِبَعْثِهِ ﷺ مُعَاذًا قَاضِيًا إِلَى الْيَمَنِ انْتَهَى. وَالْأَخِيرُ هُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: (وَالْأَذَانُ فِي الْحَبَشَةِ) ، أَيْ: لِأَنَّ رَئِيسَ مُؤَذِّنِيهِ ﷺ كَانَ بِلَالًا وَهُوَ حَبَشِيٌّ (وَالْأَمَانَةُ فِي الْأَزْدِ) أَيْ: أَزْدُ شَنُوءَةَ، وَهُمْ حَيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَلَا يُنَافِي قَوْلَ بَعْضِ الرُّوَاةِ (يَعْنِي الْيَمَنَ) لَكِنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادَرَ مِنْ كَلَامِهِ إِرَادَةُ عُمُومِ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَإِنَّهُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَهْلُ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَفِي رِوَايَةٍ مَوْقُوفًا) أَيْ: جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا، وَلَوْ قَالَ مَوْقُوفٌ بِالرَّفْعِ لَكَانَ أَظْهَرُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ وَقَّفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا يَكُونُ حُكْمُهُ مَرْفُوعًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا) أَيْ: سَنَدُهُ مَوْقُوفًا (أَصَحُّ) أَيْ: مِنْ إِسْنَادِهِ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مَرْفُوعًا، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْأَزْدِيِّ: الْأَمَانَةُ فِي الْأَزْدِ وَالْحَيَاءُ فِي قُرَيْشٍ.
стр. 8368
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٠٠٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ( «لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٠٠٢ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِيهِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: قُرَشِيٌّ عَدَوِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُقَالُ: وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ بِهِ أَبُوهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ اسْمُ أَبِيهِ الْعَاصَ، فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ مُطِيعًا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، وَهُوَ الَّذِي أَمَّرَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِمْ حِينَ خَلَعُوا يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، سَمِعَ أَبَاهُ، وَرَوَى عَنْهُ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقُتِلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْكُوفَةِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: (لَا يُقْتَلُ) : بِصِيغَةِ النَّفْيِ مَجْهُولًا (قُرَشِيٌّ) ، أَيْ: مَنْسُوبٌ إِلَى قُرَيْشٍ بِحَذْفِ الزَّائِدِ، وَفِي (الْقَامُوسِ) : النِّسْبَةُ قُرَشِيٌّ وَقُرَيْشِيٌّ (صَبْرًا) أَيْ: لَا فِي الْمَعْرَكَةِ كَمَا فِي (الْأَزْهَارِ) (بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ) أَيْ: يَوْمِ الْفَتْحِ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) . قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: مَعْنَاهُ لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ صَبْرًا، وَهُوَ مُرْتَدٌّ عَنِ الْإِسْلَامِ ثَابِتٌ عَلَى الْكُفْرِ، إِذْ قَدْ وُجِدَ مِنْ قُرَيْشٍ مَنْ قُتِلَ صَبْرًا فِيمَا سَبَقَ وَمَضَى مِنَ الزَّمَانِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ صَبْرًا وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى الْكُفْرِ انْتَهَى. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُوجَدُ قُرَشِيٌّ مُرْتَدًّا فَيُقْتَلُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ النَّهْيِ، كَمَا أَنَّ رَحِمَكَ اللَّهُ وَيَرْحَمُكَ أَبْلَغُ. وَنَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] فِي وَجْهٍ. قُلْتُ: هَذَا وَجْهٌ غَيْرُ وَجِيهٍ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى كُلِّ نَبِيهٍ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْرَبُ إِلَى مَدْحِ قُرَيْشٍ وَتَعْظِيمِهِمْ، وَيَبْقَى الْكَلَامُ عَلَى إِطْلَاقِهِ. قُلْتُ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّهْيُ عَلَى إِطْلَاقِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ الْقَتْلُ عَلَى قُرَشِيٍّ قِصَاصًا أَوْحَدًّا، وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا صَبْرًا، فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ غَيْرِهِ، فَلَا يَحْصُلُ لِقُرَيْشٍ مَزِيَّةٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى مَدْحِهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8369
٦٠٠٣ - وَعَنْ أَبِي نَوْفَلٍ، مُعَاوِيَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ، حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ! السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ! السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ. أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ أَنْتَ شَرُّهَا لَأُمَّةُ سَوْءٍ - وَفِي رِوَايَةٍ لَأُمَّةُ خَيْرٍ - ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ، فَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ، قَالَ: فَأَبَتْ وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقَرُونِي وَقَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتِيَّ، فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ! أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا: ( «إِنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا» ) ، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا فَلَمْ يُرَاجِعْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٦٠٠٣ - (وَعَنْ أَبِي نَوْفَلٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُسْلِمٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ، وَرَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ. (قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ) : يُرِيدُ عَلَى عَقَبَةِ مَكَّةَ وَاقِعَةٌ فِي طَرِيقِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حِينَ يَنْزِلُونَ مَكَّةَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَصْلُوبًا هُنَاكَ. وَلِذَا جُعِلَ لَهُ قَبْرٌ فِي الْحَجُونِ قَرِيبَ الْعَقَبَةِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَكَذَا سَائِرُ قُبُورِ الصَّحَابَةِ فِي مَقْبَرَةِ مَكَّةَ لَيْسَ لَهَا مَحَلٌّ مُعَيَّنٌ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ حَتَّى تُرْبَةِ خَدِيجَةَ ﵂ أَيْضًا، وَإِنَّمَا بَنَى عَلَيْهَا اعْتِمَادًا عَلَى رُؤْيَا بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو نَوْفَلٍ (فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ (وَالنَّاسُ) أَيْ: وَسَائِرُ النَّاسِ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ أَيْضًا (حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ) ، بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، كُنْيَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ كُنِّيَ بِابْنِهِ خُبَيْبٍ أَكْبَرِ أَوْلَادِهِ، (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ) ، فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَثْلِيثِ السَّلَامِ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَوْ قَبْلَ الدَّفْنِ. (لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا) . الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِهَذَا صَلْبُهُ، وَالْمَعْنَى كُنْتُ أَنْهَاكَ عَمَّا يُؤَدِّي إِلَى مَا أَرَاكَ فِيهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنْ وَادِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] يَعْنِي مِنْ جِهَةِ مَجَازِ الْأَوَّلِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] (أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ) : إِنْ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الْمُثْقَّلَةِ وَضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ وَقَوْلُهُ (مَا) : زَائِدَةٌ (عَلِمْتُ) أَيْ: عَلِمْتُكَ (صَوَّامًا) أَيْ: كَثِيرَ الصِّيَامِ فِي النَّهَارِ (قَوَّامًا) : كَثِيرَ الْقِيَامِ فِي اللَّيْلِ (وَصُولًا) : بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: مُبَالِغًا فِي الصِّلَةِ (لِلرَّحِمِ) أَيْ: لِلْقَرَابَةِ وَفِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْأَخْبَارِيِّينَ وَوَصْفِهِ بِالْإِمْسَاكِ، وَقَدْ عَدَّهُ صَاحِبُ كِتَابِ (الْأَجْوَادِ) فِيهِمْ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَحْوَالِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ بِهَذَا الْقَوْلِ بَرَاءَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِمَّا نَسَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ مِنْ قَوْلِ عَدُوِّ اللَّهِ وَظَالِمٍ وَنَحْوِهِ، وَإِعْلَامَ النَّاسِ بِمَحَاسِنِهِ، وَأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ مَظْلُومًا وَمَرْجُومًا وَعَاشَ سَعِيدًا وَمَاتَ شَهِيدًا أَمَا كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا، (وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ) أَيْ: لَجَمَاعَةٌ (أَنْتَ شَرُّهَا) أَيْ: بِزَعْمِهِمْ (لَأُمَّةُ سَوْءٍ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَتُضَمُّ أَيْ: لِفَسَادِ فَهْمِهِمْ وَسُوءِ اعْتِقَادِهِمْ. قَوْلُهُ: لَأُمَّةُ مُبْتَدَأٌ. وَأَنْتَ شَرُّهَا صِفَتُهَا أَيْ: وَلَأُمَّةٌ أَنْتَ أَكْثَرُ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ شَرُّ النَّاسِ لَأُمَّةُ سَوْءٍ، فَالْحُكْمُ فَرْضِيُّ وَتَقْدِيرِيُّ، أَوَزَعْمِيٌّ وَادِّعَائِيٌّ عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِيِّ.
(وَفِي رِوَايَةٍ: لَأُمَّةُ خَيْرٍ) . فَهُوَ سَبِيلٌ تَهَكُّمِيٌّ وَاسْتِهْزَائِيٌّ وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ حِينَ إِخْرَاجِ أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ مِنْ بَلَدِهِ بَلَدُ أَبُو يَزِيدَ شَرُّ أَهْلِهَا نِعْمَ الْبَلَدُ. وَفِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ) لِلنَّوَوِيِّ: هَكَذَا هُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَشْيَخَتِنَا، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جُمْهُورِ رُوَاةِ (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رُوَاةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ: لَأُمَّةُ سَوْءٍ. قَالَ: وَهُوَ خَطَأٌ وَتَصْحِيفٌ أَيْ: سَهْوٌ وَتَحْرِيفٌ، لَكِنْ حَيْثُ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ وَطَابَقَتِ الدِّرَايَةَ فَلَا مَعْنَى لِلتَّخْطِيَةِ. (ثُمَّ نَفَذَ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: ذَهَبَ (وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ) أَيِ: الظَّالِمَ (مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ) أَيْ: خَبَرُ وُقُوفِهِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ فِي حَقِّهِ لَدَيْهِ (فَأَرْسَلَ) أَيِ: الْحَجَّاجُ (إِلَى) أَيْ: إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ (فَأُنْزِلَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَنْ جِذْعِهِ) أَيِ: الْمَصْلُوبِ عَلَيْهِ (فَأُلْقِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: فَطُرِحَ (فِي قُبُورِ الْيَهُودِ) أَيْ: فِي مَوْضِعِ قُبُورِهِمْ مِنْ سُكَّانِ مَكَّةَ، أَوْ مِنْ وَادِيهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ مَدْفُونٌ فِي أَعْلَى الْمُعَلَّى ; لِأَنَّهُ حُمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْأَدْنَى وَدُفِنَ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ. (ثُمَّ أَرْسَلَ أَيِ: الْحَجَّاجُ (إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ: يَطْلُبُهَا (فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ) أَيْ: فَامْتَنَعَتْ مِنَ الْإِتْيَانِ إِلَيْهِ، وَالْوُقُوفِ لَدَيْهِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، (فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ) أَيْ: قَائِدًا عَلَى لِسَانِهِ (لَتَأْتِيَنِّي) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى صِيغَةِ الْخِطَابِ لِقَوْلِهِ: (أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ) ، أَيْ: لَأُرْسِلَنَّ إِلَى إِتْيَانِكِ إِلَيَّ (مَنْ يَسْحَبُكِ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ: يَجُرُّكِ (بِقُرُونِكِ) أَيْ: بِضَفَائِرِ شَعْرِكِ.
(قَالَ) أَيْ: أَبُو نَوْفَلٍ (فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا آتِيكَ) :. بِمَدِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: لَا أَجِيئُكَ (حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي. قَالَ) ، أَيْ: أَبُو نَوْفَلٍ (فَقَالَ) أَيِ: الْحَجَّاجُ (أَرُونِي سِبْتَيَّ) : بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ.
стр. 8370
وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ: نَعْلَيَّ وَكَذَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: هِيَ النَّعْلُ الَّتِي لَا شَعَرَ عَلَيْهَا. وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ سِبْتِيَّتَيَّ بِكَسْرٍ فَسُكُونِ فَكَسْرِ فَوْقِيَّةٍ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةِ فَفَتَحِ فَوْقِيَّةٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ، فَفِي النِّهَايَةِ: السِّبْتُ بِالْكَسْرِ الْجُلُودُ الْمَدْبُوغَةُ بِالْقَرْظِ، وَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ وَرَقُ السِّلْمِ يُتَّخَذُ مِنْهَا النِّعَالُ أَيِ: السِّبْتِيَّةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ شَعَرَهَا قَدْ سُبِتَ عَنْهَا أَيْ: حُلِقَ وَأُزِيلَ. وَقِيلَ: لِأَنَّهَا انْسَبَتَتْ بِالدِّبَاغِ أَيْ: لَانَتْ، وَيُقَالُ لِلنَّعْلِ الْمُتَّخَذِ مِنْهَا سِبْتٌ اتِّسَاعًا، وَمِنْهُ: يَا صَاحِبَ السِّبْتَيْنِ، وَيُرْوَى السِّبْتِيَّتَيْنِ عَلَى النَّسَبِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: مَنْسُوبٌ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: سُوقُ السَّبْتِ، وَفِي الْمَشَارِقِ قَوْلُهُ: أَرُونِي سِبْتِيَّتَيَّ، وَيَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ بِيَائَيْنِ، وَذَكَرَ الْهَرَوِيُّ بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ مُخَفَّفَةٍ تَثْنِيَةُ سِبْتٍ انْتَهَى.
وَالْمَعْنَى ائْتُونِي بِهِمَا أَوْ قَدِّمُوهُمَا لِي (فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ) أَيْ: فَلَبَسَهُمَا (ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ) : بِالْوَاوِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ يُسْرِعُ، وَقِيلَ: يَتَبَخْتَرُ (حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى أَسْمَاءَ (فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي) : بِكَسْرِ التَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِإِشْبَاعِ كَسْرَتِهَا يَاءٌ أَيْ: كَيْفَ وَجَدْتِنِي (صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ) ؟ أَرَادَ بِهِ ابْنَهَا عَلَى زَعْمِهِ الْفَاسِدِ، وَاعْتِقَادِهِ الْكَاسِدِ (قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ) . وَالْإِسْنَادُ سَبَبِيٌّ فِيهِمَا (ثُمَّ قَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ) أَيْ: فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَمَاتِهِ (يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ) : بِكَسْرِ النُّونِ وَهُوَ مَا تَشُدُّ بِهِ الْمَرْأَةُ وَسَطَهَا عِنْدَ مُعَانَاةِ الْأَشْغَالِ، لِتَرْفَعَ بِهِ ثَوْبَهَا، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا قَطَعَتْ نِطَاقَهَا نِصْفَيْنِ عِنْدَ مُهَاجَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَدَّتْ بِأَحَدِهِمَا قِرْبَتَهُ، وَبِالْآخَرِ سُفْرَتَهُ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ، وَقِيلَ: شَدَّتْ بِأَحَدِهِمَا سُفْرَتَهُ، وَبِالْآخَرِ وَسَطَهَا لِلشُّغْلِ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ مِنْ خُبْثِهِ حَمَلَ قَوْلَهُ ﷺ فِي حَقِّهَا ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ عَلَى الذَّمِّ، وَأَنَّهَا خَدَّامَةٌ وَخَرَّاجَةٌ وَلَاجَّةٌ تَشُدُّ نِطَاقَهَا لِلْخِدْمَةِ، فَكَأَنَّهَا سَلَّمَتْ أَنَّهَا ذَاتُ نِطَاقَيْنِ، وَلَكِنْ نِطَاقٌ لَيْسَ هَذَا شَأْنُهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهَا: (أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ: أَمَّا أَحَدُهُمَا، فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَرْفَعَ أَيْ: أَرْبُطُ بِهِ سُفْرَةَ طَعَامِهِمَا، وَأُعَلِّقُهَا مَرْفُوعَةً خَشْيَةً مِنَ الدَّوَابِّ كَالْفَأْرَةِ وَالذَّرَّةِ وَنَحْوِهِمَا. (وَأَمَّا الْآخَرُ، فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ) . إِمَّا لِخِدْمَتِهَا الْمُتَعَارَفَةِ فِي بَيْتِهَا الْمَمْدُوحَةِ فِي حَقِّهَا، وَإِمَّا لِرَبْطِهَا فِي وَسَطِهَا إِبْقَاءً لِحَالِهَا خَشْيَةَ أَنْ تَصِيرَ بَطُونِيَّةً، كَمَا هُوَ الْآنَ عَادَةُ الْعَرَبِ مِنَ الْحِزَامِ، الْمَصْنُوعِ مِنَ الْجِلْدِ لِلْفُقَرَاءِ، وَأَلْحَقُوا بِهِ الْمَصْنُوعَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلْأَغْنِيَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] كَأَنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ هُوَ أُذُنٌ كَمَا قُلْتُمْ إِلَّا أَنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ لَا أُذُنُ شَرٍّ، فَسَلَّمَ لَهُمْ قَوْلَهُمْ فِيهِ: إِلَّا أَنَّهُ فَسَّرَ. بِمَا هُوَ مَدْحٌ وَإِنْ كَانُوا قَصَدُوا بِذَلِكَ الْمَذَمَّةَ. (أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا أَنَّ) : بِالْفَتْحِ وَجُوِّزَ الْكَسْرُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحَدِّثِ ( «فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا» ) ، أَيْ: مُفْسِدًا (فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ) . تَعْنِي الْمُخْتَارَ (وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ) : بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَتُفْتَحُ أَيْ: فَلَا أَظُنُّكَ (إِلَّا إِيَّاهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْمُبِيرَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: لَا إِخَالُهُ إِلَّا إِيَّاكَ فَقَدَّمَ ثَانِي مَفْعُولَيْهِ اهْتِمَامًا، وَأَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحُكْمِ هُوَ لَا أَنَّ الْمُبِيرَ مَنْ هُوَ فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] قَدَّمَ شُرَكَاءَ وَهُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْجِنُّ، وَقَدَّمَ أَيْضًا لِلَّهِ عَلَيْهِمَا اهْتِمَامًا وَمَزِيدًا لِلْإِنْكَارِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي سَلَامِ ابْنِ عُمَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَصْلُوبٌ اسْتِحْبَابُ السَّلَامِ عَلَى الْمَيِّتِ وَتَكْرِيرِهِ، وَفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى الْمَوْتَى بِجَمِيلِ صِفَاتِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِابْنِ عُمَرَ لِقَوْلِهِ الْحَقَّ فِي الْمَلَأِ وَعَدَمِ اكْتِرَاثِهِ بِالْحَجَّاجِ ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ مَقَامَهُ وَثَنَاءَهُ عَلَيْهِ يَبْلُغُهُ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ، وَيَشْهَدَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَا يَعْلَمُهُ فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَبُطْلَانِ مَا أَشَاعَ عَنْهُ الْحَجَّاجُ مِنْ قَوْلِهِ: عَدُوُّ اللَّهِ وَظَالِمٌ وَنَحْوُهُ، فَأَرَادَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ بَرَاءَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِنَ الَّذِي نَسَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ، وَإِعْلَامَ النَّاسِ بِمَحَاسِنِهِ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ مَظْلُومًا انْتَهَى.
وَلَا أَظُنُّ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا فِي مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ إِلَّا عِنْدَ الْخَوَارِجِ (قَالَ) أَيْ: أَبُو نَوْفَلٍ (فَقَامَ عَنْهَا) أَيِ: الْحَجَّاجُ (فَلَمْ يُرَاجِعْهَا) أَيْ: فَلَمْ يَرُدَّهَا فِي الْكَلَامِ، ثُمَّ إِنَّهَا مَاتَتْ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِهَا بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَلَهَا مِائَةُ سَنَةٍ وَلَمْ يَقَعْ لَهَا سِنٌّ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 8371
٦٠٠٤ - وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا مَا تَرَى، وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ، وَصَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيَّ دَمَ أَخِي الْمُسْلِمِ. قَالَا: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٦٠٠٤ - (وَعَنْ نَافِعٍ) أَيْ: مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، أَيْ: قَبْلَ قَتْلِهِ (فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا مَا تَرَى) أَيْ: مِنْ الِاخْتِلَافِ (وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ) أَيْ: وَقَدْ كَانَ خَلِيفَةً (وَصَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : يَعْنِي وَمِنْ أَصْحَابِهِ أَيْضًا، فَلَا نَشُكُّ أَنَّكَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ أَوْلَى بِالْخِلَافَةِ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الَّذِي مِنْ جُمْلَةِ امْرَأَتِهِ الْحَجَّاجُ (فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ) أَيْ: عَلَيْهِ لِظُهُورِ كَمَالِ ظُلْمِهِ (فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيَّ دَمَ أَخِي الْمُسْلِمِ قَالَا) ، أَيِ: الرَّجُلَانِ (أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] أَيْ: لَا تُوجَدَ وَتَمَامُهُ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ) أَيْ: شِرْكٌ (وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ) أَيْ: وَصَارَ دِينُ الْإِسْلَامِ خَالِصًا لِلَّهِ (وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ) أَيْ: تَقَعَ فِتْنَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ) . أَيْ: لِتَزَلْزُلِ دِينِهِ وَعَدَمِ ثَبَاتِ أَمْرِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّائِلَ يَرَى قِتَالَ مَنْ خَالَفَ الْإِمَامَ الَّذِي يَعْتَقِدُ هُوَ طَاعَتَهُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى تَرْكَ الْقِتَالِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُلْكِ فِي حَقِّهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ مِثْلِ هَذَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 8372
٦٠٠٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ هَلَكَتْ، عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ) » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٠٠٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : ﵁ (قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : وَيُقَالُ لَهُ ذُو النُّورِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: اجْعَلْ لِي آيَةً. فَقَالَ: (اللَّهُمَّ نَوِّرْ لَهُ) فَسَطَعَ لَهُ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخَافُ أَنْ يَقُولُوا إِنَّهُ مِثْلُهُ، فَتَحَوَّلَ إِلَى طَرَفِ سَوْطِهِ، فَكَانَ يُضِيءُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ، فَدَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ أَبُوهُ وَلَمْ تُسْلِمْ أُمُّهُ، وَأَجَابَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِهِ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ قَدِمَ بِخَيْبَرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَأَنَّهُ قَدْمَتُهُ الثَّانِيَةُ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَسْلَمَ وَصَدَّقَ النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَادِ قَوْمِهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِمَنْ تَبِعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا عِنْدَهُ إِلَى أَنْ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَقِيلَ: قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، رَوَى عَنْهُ جَابِرٌ وَأَبُو عُدَادَهْ فِي الْحِجَازِ (فَقَالَ) أَيِ: الطُّفَيْلُ (إِنَّ دَوْسًا قَدْ هَلَكَتْ) أَيِ: اسْتَحَقَّتِ الْهَلَاكَ (عَصَتْ) : بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ (وَأَبَتْ) أَيِ: امْتَنَعَتْ عَنِ الطَّاعَةِ (فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ) ، أَيْ: بِوُقُوعِ الْعَذَابِ (فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ فَقَالَ:) ، أَيْ: لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَهُدًى لِلنَّاسِ (اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسَا وَائْتِ بِهِمْ) أَيْ: إِلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرِينَ، أَوْ قَرِّبْهُمْ إِلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَقْبِلْ بِقُلُوبِهِمْ إِلَى قَبُولِ الدِّينِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8373
٦٠٠٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلَاثٍ: لِأَنِّي عَرَبِيٌّ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَكَلَامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ» ) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
٦٠٠٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلَاثٍ) أَيْ: خِصَالٍ أَوْ أَسْبَابٍ (لِأَنِّي عَرَبِيٌّ) : وَكُلُّ مَا يُنْسَبُ إِلَى الْحَبِيبِ مَحْبُوبٌ (وَالْقُرْآنَ) أَيْ: بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ (عَرَبِيٌّ) أَيْ: لِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وَبِلُغَتِهِمْ تُعْرَفُ بَلَاغَتُهُ وَفَصَاحَتُهُ، وَلِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوا الشَّرِيعَةَ وَنَقَلُوهَا إِلَيْنَا، وَضَبَطُوا أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ، وَنَقَلُوا إِلَيْنَا مُعْجِزَاتِهِ، وَلِأَنَّهُمْ مَادَّةُ الْإِسْلَامِ وَبِهِمْ فُتِحَتِ الْبِلَادُ وَانْتَشَرَ الْإِسْلَامُ فِي أَقْطَارِ الْعَالَمِ، وَلِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ إِسْمَاعِيلَ ﵇ وَلِأَنَّ سُؤَالَ الْقَبْرِ بِلِسَانِهِمْ، وَلِذَا قِيلَ: مَنْ أَسْلَمَ فَهُوَ عَرَبِيٌّ. (وَكَلَامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ) : وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ كَلَامَ أَهْلِ النَّارِ غَيْرُ عَرَبِيٍّ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَالْعُقَيْلِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ.
стр. 8374
[بَابُ مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ]
стр. 8375
[٢] بَابُ مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٠٠٧ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٢] بَابُ مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمَنْقَبَةُ بِمَعْنَى الْفَضِيلَةِ وَهِيَ الْخَصْلَةُ الَّتِي يَحْصُلُ بِسَبَبِهَا شَرَفٌ وَعُلُوٌّ إِمَّا عِنْدَ اللَّهِ وَإِمَّا عِنْدَ الْخَلْقِ، وَالثَّانِي لَا عِبْرَةَ بِهِ إِلَّا أَنْ أُوصِلَ إِلَى الْأَوَّلِ، فَإِذَا قِيلَ: فُلَانٌ فَاضِلٌ ; فَمَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالنَّقْلِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الصَّحَابِيُّ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الْأُصُولِ كُلُّ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ يُعْرَفُ كَوْنُهُ صَحَابِيًّا بِالتَّوَاتُرِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ أَوْ بِالِاسْتِفَاضَةِ، أَوْ يَقُولُ صَحَابِيٌّ غَيْرُهُ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ، أَوْ يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ إِذَا كَانَ عَدْلًا، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ مُطْلَقًا لِظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ.
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ: أَصْحَابُنَا يُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ تَمَامُ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ، ثُمَّ أُحُدٌ، ثُمَّ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ، وَمَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَتَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَذَلِكَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ، وَهُمْ مَنْ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ، وَقِيلَ: أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي عَائِشَةَ وَخَدِيجَةَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ وَفِي عَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ؟ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ ; فَهُوَ مِنَ الْعُدُولِ الْفُضَلَاءِ، وَالصَّحَابَةِ الْأَخْيَارِ، وَالْحُرُوبُ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمْ كَانَتْ لِكُلِّ طَائِفَةٍ شُبْهَةٌ اعْتَقَدَتْ تَصْوِيبَ أَنْفُسِهَا بِسَبَبِهَا، وَكُلُّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ فِي حُرُوبِهَا، وَلَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنَ الْعَدَالَةِ ; لِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ، كَمَا اخْتَلَفَ الْمُجْتَهِدُونَ بَعْدَهُمْ فِي مَسَائِلَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَقْصُ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٠٠٧ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) : وَفِي نُسْخَةٍ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي» ) : الْخِطَابُ بِذَلِكَ لِلصَّحَابَةِ لِمَا وَرَدَ: أَنَّ سَبَبَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ، فَسَبَّهُ خَالِدٌ، فَالْمُرَادُ بِأَصْحَابِي أَصْحَابٌ مَخْصُوصُونَ، وَهُمُ السَّابِقُونَ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: نَزَّلَ السَّابَّ مِنْهُمْ لِتَعَاطِيهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ السَّبِّ مَنْزِلَةَ غَيْرِهِمْ، فَخَاطَبَهُ خِطَابَ غَيْرِ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلْأُمَّةِ الْأَعَمِّ مِنَ الصَّحَابَةِ حَيْثُ عُلِمَ بِنُورِ النُّبُوَّةِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَقَعُ فِي أَهْلِ الْبِدْعَةِ، فَنَهَاهُمْ بِهَذِهِ السُّنَّةِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: اعْلَمْ أَنَّ سَبَّ الصَّحَابَةِ حَرَامٌ مِنْ أَكْبَرِ الْفَوَاحِشِ، وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يُعَزَّرُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: يُقْتَلُ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: سَبُّ أَحَدِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ انْتَهَى.
وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا بِأَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ، فَفِي (كِتَابِ السِّيَرِ) مِنْ كِتَابِ (الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ) لِلزَّيْنِ بْنِ نُجَيْمٍ: كُلُّ كَافِرٍ تَابَ، فَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا جَمَاعَةُ الْكَافِرِ بِسَبِّ النَّبِيِّ وَسَبِّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، أَوْ بِالسِّحْرِ، أَوْ بِالزَّنْدَقَةِ، وَلَوِ امْرَأَةٌ إِذَا أُخِذَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، وَقَالَ: سَبُّ الشَّيْخَيْنِ وَلَعْنُهُمَا كُفْرٌ، وَإِنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَيْهِمَا فَمُبْتَدِعٌ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَفِي مَنَاقِبِ الْكُرْدِيِّ: يُكَفَّرُ إِذَا أَنْكَرَ خِلَافَتَهُمَا، أَوْ بَعْضَهُمَا لِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ لَهُمَا، وَإِذَا أَحَبَّ عَلِيًّا أَكْثَرُ مِنْهُمَا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ انْتَهَى. وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهِمَا لِمَا وَرَدَ فِي فَضِيلَتِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ فِي حَقِّهِمَا خَاصَّةً عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ لَهُمَا، أَوْ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَحَقِّيَّتِهِمَا خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ فِي حَقِّ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَأَمْثَالِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا) : زَادَ الْبَرْقَانِيُّ كُلَّ يَوْمٍ (مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) . أَيْ: وَلَا بَلَغَ نِصْفَهُ أَيْ: مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ لِحُصُولِ بَرَكَتِهِ وَمُصَادَمَتِهِ لِإِعْلَاءِ الدِّينِ وَكَلِمَتِهِ مَعَ مَا كَانُوا مِنَ الْقِلَّةِ وَكَثْرَةِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، وَلِذَا وَرَدَ: سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِيمَا بَعْدَهُمْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ طَاعَاتِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ وَغَزَوَاتِهِمْ وَخِدْمَاتِهِمْ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُدَّ بِضَمِّ الْمِيمِ رُبْعُ الصَّاعِ، وَالنَّصِيفُ بِمَعْنَى النِّصْفِ كَالشَّعِيرِ بِمَعْنَى الْعُشْرِ، وَعَلَى هَذَا الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُدِّ، وَقِيلَ: النَّصِيفُ مِكْيَالٌ يَسَعُ نِصْفَ مُدٍّ، فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْأَحَدِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: النَّصِيفُ النِّصْفُ أَيْ نِصْفُ مُدِّهِ، وَقِيلَ: هُوَ مِكْيَالٌ دُونَ الْمُدِّ، وَالْمَعْنَى لَا يَنَالُ أَحَدُكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِنَ الْأَجْرِ وَالْفَضْلِ مَا يَنَالُ أَحَدُهُمْ بِإِنْفَاقِ مُدِّ طَعَامٍ أَوْ نِصْفٍ، لِمَا يُقَارِنُهُ مِنْ مَزِيدِ الْإِخْلَاصِ وَصِدْقِ النِّيَّةِ، وَكَمَالِ النَّفْسِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فَضِيلَتَهُمْ بِحَسَبِ فَضِيلَةِ إِنْفَاقِهِمْ وَعِظَمِ مَوْقِعِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] وَقَوْلُهُ: مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ أَيْ: قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ يَعْنِي: قَبْلَ عِزِّ الْإِسْلَامِ وَقُوَّةِ أَهْلِهِ، وَدُخُولِ النَّاسِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَقِلَّةِ الْحَاجَةِ إِلَى الْقِتَالِ وَالنَّفَقَةِ فِيهِ، وَهَذَا فِي.
стр. 8376
الْإِنْفَاقِ، فَكَيْفَ بِمُجَاهَدَتِهِمْ وَبَذْلِ أَرْوَاحِهِمْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ سَبَبِ الْحَدِيثِ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ تَخْصِيصُ الصَّحَابَةِ الْكِبَارِ، لَكِنْ يُعْلَمُ نَهْيُ سَبِّ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ لِلصَّحَابِيِّ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الزَّجْرُ عَنْ سَبِّ أَحَدٍ مِمَّنْ سَبَقَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْفَضْلِ، إِذِ الْوَاجِبُ تَعْظِيمُهُمْ وَتَكْرِيمُهُمْ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَكَذَا مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَأَخْرَجَ عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ، وَخَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ( «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، فَلَمَنَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ» ) . وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي الْجَامِعِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ ﷺ : ( «إِذَا ظَهَرَتِ الْفِتَنُ - أَوْ قَالَ الْبِدَعُ - وَسُبَّ أَصْحَابِي فَلْيُظْهِرِ الْعَالِمُ عِلْمَهُ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» ) . وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ( «مَا ظَهَرَ أَهْلُ بِدْعَةٍ إِلَّا أَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِمْ حُجَّةً عَلَى لِسَانِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ» ) . وَأَخْرَجَ الْمَحَامِلِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ مَرْفُوعًا ( «إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا وَجَعَلَ لِي فِيهِمْ وُزَرَاءَ وَأَنْصَارًا وَأَصْهَارًا، فَمِنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» ) . وَرَوَى الْعُقَيْلِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ عَنْ أَنَسٍ: ( «إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا وَأَنْصَارًا وَسَيَأْتِي قَوْمٌ يَسُبُّونَهُمْ وَيَسْتَنْقِصُونَهُمْ، فَلَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تُشَارِبُوهُمْ وَلَا تَوَاكِلُوهُمْ وَلَا تُنَاكِحُوهُمْ» ) . وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ ( «دَعُوا لِي أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقْتُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغْتُمْ أَعْمَالَهُمْ» ) . وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» ) .
стр. 8377
٦٠٠٨ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: رَفَعَ - يَعْنِي النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ. فَقَالَ: ( «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومَ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ؟ وَأَنَا أَمَنَةُ أَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَنَا أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٦٠٠٨ - (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ) : وَهُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ (قَالَ) أَيْ: أَبُوهُ (رَفَعَ يَعْنِي النَّبِيَّ، ﷺ ،) : هَذَا قَوْلُ أَبِي بُرْدَةَ وَضَمِيرُ يَعْنِي إِلَى أَبِيهِ أَيْ: يُرِيدُ أَبُو مُوسَى بِالضَّمِيرِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ: رَفَعَ النَّبِيُّ وَتَرَكَ اسْمَهُ لِظُهُورِهِ، وَالْمَعْنَى رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ ( «رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ» ) أَيِ: انْتِظَارًا لِلْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ بِالنُّزُولِ الْمَلَكِيِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ بَيَانٌ لِكَثِيرًا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ زَائِدَةً، وَهُوَ خَبَرٌ كَانَ أَيْ: كَانَ كَثِيرًا رَفْعُ رَأْسِهِ، وَمَا: مَصْدَرِيَّةٌ انْتَهَى. وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ حَالِيَّةٌ. (فَقَالَ: النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ) : بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَالْمِيمِ أَيْ: أَمْنٌ، وَقِيلَ: أَمَانٌ وَمَرْحَمَةٌ. وَقِيلَ: حَفَظَةٌ جَمْعُ أَمِينٍ وَهُوَ الْحَافِظُ ذَكَرَهُ شَارِحٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ أَمِنْتُهُ وَأَمَّنْتُهُ غَيْرِي، وَهُوَ فِي أَمْنٍ مِنْهُ وَأَمَنَةٍ وَفُلَانٌ أَمَنَةٌ وَأَمْنَةٌ بِسُكُونِ الْمِيمِ كَأَنَّهَا الْمَرَّةُ مِنَ الْأَمْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ أَمْنٍ كِبَارٌ وَبَرَرَةٌ، (إِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ) أَيِ: الشَّامِلَةُ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ) أَيْ: مَا وُعِدَ لَهُ مِنْ الِانْشِقَاقِ وَالطَّيِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْمُرَادُ بِذَهَابِ النُّجُومِ تَكْوِيرُهَا وَانْكِدَارُهَا وَانْعِدَامُهَا عَلَى مَا فِي (النِّهَايَةِ) وَغَيْرِهِ. (وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا نُسِبَ أَمَنَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُبَالَغَةً نَحْوَ: رَجُلٌ مُعْجِزَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَدْلٌ أَوْ جَمْعًا فَيَكُونُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] أَيْ: رَاصِدِينَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] فَجُعِلَ ﷺ أَمْنًا لِأَصْحَابِهِ بِمَنْزِلَةِ الْجَمَاعَةِ، (فَإِذَا ذَهَبْتُ أَنَا أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ) . أَيْ: مِنَ الْفِتَنِ وَالْمُخَالَفَاتِ وَالْمِحَنِ (وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي) أَيْ: جَمِيعُهُمْ (أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ) أَيْ: مِنْ ذَهَابِ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَمَجِيءِ أَهْلِ الشَّرِّ وَقِيَامِ السَّاعَةِ عَلَيْهِمْ. قَالَ فِي (النِّهَايَةِ) : وَالْإِشَارَةُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى مَجِيءِ الشَّرِّ عِنْدَ ذَهَابِ أَهْلِ الْخَيْرِ، فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا كَانَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ كَانَ يُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَجَالَتِ الْآرَاءُ، وَاخْتَلَفَتِ الْأَهْوَاءُ كَانَ أَصْحَابُهُ يُسْنِدُونَ الْأَمْرَ إِلَيْهِ ﷺ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ دَلَالَةِ حَالٍ، فَلَمَّا فُقِدُوا قَلَّتِ الْأَنْوَارُ وَقَوِيَتِ الظُّلَمُ، وَكَذَلِكَ حَالُ السَّمَاءِ عِنْدَ ذَهَابِ النُّجُومِ. قَلَّتْ: وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : ( «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهُمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ) . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي (مُسْنَدِهِ) .
стр. 8378
٦٠٠٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، يُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: ( «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّانِي فَيَقُولُونَ: هَلْ فِيهِمْ مَنْ رَأَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ فَيُقَالُ: انْظُرُوا، هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ; ثُمَّ يَكُونُ الْبَعْثُ الرَّابِعُ فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًا رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ» ) .
ــ
٦٠٠٩ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو) : بِالتَّذْكِيرِ وَيُؤَنَّثُ أَيْ: يَقْتُلُ (فِئَامٌ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ فَهَمْزٍ يَجُوزُ إِبْدَالُهَا بِالْيَاءِ، أَيْ: جَمَاعَةٌ (مِنَ النَّاسِ) : فِي (الْقَامُوسِ) لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَالْجَمْعُ فُؤُمٌ كَكُتُبٍ، وَفِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ) هُوَ بِفَاءٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ أَيْ: جَمَاعَةٌ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ بِالْيَاءِ مُخَفَّفَةً بِلَا هَمْزَةٍ، وَلُغَةٌ أُخْرَى بِفَتْحِ الْفَاءِ عَنِ الْخَلِيلِ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. (فَيَقُولُونَ) أَيِ الَّذِينَ يَغْزُونَ الْفِئَامَ لَهُمْ وَفِي نُسْخَةٍ فَيُقَالُ ( «هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ » ؟) بِمَنِ الْمَوْصُولَةِ صِلَتُهُ صَاحَبَ فِعْلٌ مَاضٍ، وَنَصْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِمَنِ الزَّائِدَةِ عَلَى أَنَّ صَاحَبَ اسْمُ فَاعِلٍ مُضَافٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (فَيَقُولُونَ: (نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ) ، عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ ( «ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ» ) : كَذَا هُنَا بِالِاتِّفَاقِ ( «هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » -) ؟ بِمَنِ الْمَوْصُولَةِ بِلَا خِلَافٍ ( «فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » -) ؟ بِالْمَوْصُولَتَيْنِ (فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ) : فِي الْحَدِيثِ فَضْلٌ لِأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذِهِ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثِ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُبْعَثُ) ، أَيْ: فِيهِ (مِنْهُمُ الْبَعْثُ) أَيِ: الْمَبْعُوثُ وَهُوَ الْجَيْشُ (فَيَقُولُونَ) أَيِ: الْمَبْعُوثُ إِلَيْهِمْ ( «انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ» ) أَيِ: الْوَاحِدُ فِيهِمْ (فَيُفْتَحُ لَهُمْ) أَيْ: بِبَرَكَتِهِ (ثُمَّ يُبْعَثُ الثَّانِي) أَيْ: مِنَ النَّاسِ إِلَى جَمْعٍ آخَرَ (فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا هَلْ فِيهِمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: هَلْ فِيهِمْ (مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ : وَفِي نُسْخَةٍ رَسُولِ اللَّهِ، أَيْ: أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ (فَيُوجَدُ) أَيْ: مَنْ رَأَى الصَّحَابَةَ وَهُوَ يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ( «فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ فَيُقَالُ انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى» ) أَيْ: بِالْوَاسِطَةِ (أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَكُونُ بَعْثُ الرَّابِعِ: بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ مَصْدَرٌ وَالْمَوْصُوفُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: بَعْثُ الْبَعْثِ الرَّابِعِ، وَفِي نُسْخَةٍ الْبَعْثُ الرَّابِعُ عَلَى الْوَصْفِ، فَالْمُرَادُ بِالْبَعْثِ الْجَيْشُ الْمَبْعُوثُ ( «انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًا رَأَى» ) أَيْ: ذَلِكَ الْأَحَدُ (أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيَكُونُ وَاسِطَتَيْنِ (فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفْتَحُ لَهُ) ، أَيْ: لِأَجْلِ ذَلِكَ التَّابِعِ لِأَتْبَاعٍ لِلتَّابِعِينَ وَفِي نُسْخَةٍ: لَهُمْ أَيْ لِأَجْلِهِمْ بِبَرَكَتِهِ، وَلَمَّا كَانَ أَهْلُ الْخَيْرِ نَادِرًا فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ اقْتَصَرَ عَلَى الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ لِكَثْرَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ فِيهِمْ، وَقِلَّةِ السَّفَهِ وَالْفَسَادِ مِنْهُمْ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: ( «خَيْرُ النَّاسِ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ» ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: ( «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ» ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ: ( «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنَيِ الَّذِينَ أَنَا فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَالْآخِرُونَ أَرْذَالٌ» ) . وَرَوَى الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: ( «خَيْرُ أُمَّتِي أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا أَوَّلُهُمْ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَآخِرُهُمْ فِيهِمْ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَبَيْنَ ذَلِكَ هَمَجٌ أَعْوَجُ وَلَيْسُوا مِنِّي وَلَا أَنَا مِنْهُمْ» ) .
стр. 8379
٦٠١٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ، وَلَا يُوفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ ( «وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٠١٠ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي» ) ، أَيِ الَّذِينَ أَدْرَكُونِي وَآمَنُوا بِي وَهُمْ أَصْحَابِي، ( «ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ) ، أَيْ يَقْرُبُونَهُمْ فِي الرُّتْبَةِ أَوْ يَتْبَعُونَهُمْ فِي الْإِيمَانِ وَالْإِيقَانِ وَهُمُ التَّابِعُونَ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) ، وَهُمْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَتَبَعَهُمْ هَؤُلَاءِ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ الْمَرْتَبَةُ فِي الْفَضِيلَةِ، فَفِي النِّهَايَةِ: الْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ وَهُوَ مِقْدَارُ التَّوَسُّطِ فِي أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ، مَأْخُوذٌ مِنْ الِاقْتِرَانِ، فَكَأَنَّهُ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَقْتَرِنُ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي أَعْمَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ. وَقِيلَ: الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ، وَقِيلَ: مِائَةٌ، وَقِيلَ: هُوَ مُطْلَقٌ مِنَ الزَّمَانِ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَرَنَ يَقْرِنُ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِمُدَّةٍ فَقَرْنُهُ ﷺ هُمُ الصَّحَابَةُ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُمْ مِنَ الْمَبْعَثِ إِلَى آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَرْنُ التَّابِعِينَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ إِلَى نَحْوِ سَبْعِينَ، وَقَرْنُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِنْ ثَمَّ إِلَى نَحْوِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَفِي هَذَا الْوَقْتِ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًا، وَأَطْلَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا، وَرَفَعَتِ الْفَلَاسِفَةُ رُءُوسَهَا، وَامْتُحِنَ أَهْلُ الْعِلْمِ لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَتَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ تَغَيُّرًا شَدِيدًا، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ فِي نَقْصٍ إِلَى الْآنَ وَظَهَرَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ : (ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَثُمَّ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ الْأَفْضَلَ، فَالْأَفْضَلُ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ فِي النُّزُولِ وَالْخَيْرِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، أُطْلِقَ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ مَعْنَى التَّفْضِيلِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حَدٍّ يَرْتَفِعُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ، فَيَخْتَصُّ بِالْمَوْصُوفِ، فَلَا يَدْخُلُ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: (ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ) : فَهُوَ حِينَئِذٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] وَقَوْلُكُ: الصَّيْفُ أَحَرُّ مِنَ الشِّتَاءِ. قَالَ شَارِحٌ، فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ وَالصَّوَابُ، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ. (وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) ، بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُمُ الشَّهَادَةُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ عَاطِفَةً كَبَقِيَّةِ مَا يَأْتِي، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُمُ الشَّهَادَةُ فَهُوَ ذَمٌّ عَلَى الشَّهَادَةِ قَبْلَ الِاسْتِشْهَادِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا مُخَالِفٌ فِي الظَّاهِرِ لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ: خَيْرُ الشُّهُودِ مَنْ يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ قَالُوا: وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الذَّمَّ فِي ذَلِكَ لِمَنْ بَادَرَ بِالشَّهَادَةِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ عَالِمٌ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهَا لَهُ صَاحِبُهُ، وَأَمَّا الْمَدْحُ فَهُوَ لِمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِأَحَدٍ لَا يَعْلَمُ بِهَا، فَيُخْبِرُهُ بِهَا لِيَسْتَشْهِدَهُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَيُلْحَقُ بِهِ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فِي حُدُودٍ أَيِ الْمَصْلَحَةِ فِي السَّتْرِ، هَذَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ انْتَهَى.
وَقِيلَ: الْمَدْحُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ وَالذَّمُّ فِي حُقُوقِ النَّاسِ (وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) ، جُمِعَ بَيْنَهُمْ تَأْكِيدًا أَوْ يَخُونُونَ النَّاسَ عِنْدَ ائْتِمَانِهِمْ إِيَّاهُمْ، وَلَا يُجْعَلُونَ أُمَنَاءَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لِظُهُورِ خِيَانَتِهِمْ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَى الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ أَنَّهُمْ يَخُونُونَ خِيَانَةً ظَاهِرَةً بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مَعَهَا ثِقَةٌ، بِخِلَافِ مَنْ خَانَ حَقِيرًا مَرَّةً، فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُؤْتَمَنًا فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ (وَيَنْذُرُونَ) ، بِضَمِّ الذَّالِ وَيُكْسَرُ عَلَى مَا فِي (الْقَامُوسِ) ، أَيْ: يُوجِبُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَشْيَاءَ، (وَلَا يُوفُونَ) ، مِنَ الْوَفَاءِ أَيْ: وَلَا يَقُومُونَ بِالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا، وَلَا يُبَالُونَ بِتَرْكِهَا بِخِلَافِ الْأَبْرَارِ عَلَى مَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي حَقِّهِمْ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] أَيْ بِالْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالْعُهُودِ (وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) . بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مَصْدَرُ سَمِنَ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ سَمَانَتَهُ بِالْفَتْحِ وَسِمَنًا كَعِنَبٍ فَهُوَ سَامِنٌ وَسَمِينٌ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: فِي الْحَدِيثِ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ أَيْ يَتَكَبَّرُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، وَيَدَّعُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الشَّرَفِ، وَقِيلَ: أَرَادَ جَمْعَهُمُ الْأَمْوَالَ، وَقِيلَ: يُحِبُّونَ التَّوَسُّعَ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ، وَهِيَ أَسْبَابُ السِّمَنِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَنَّى بِهِ عَنِ الْغَفْلَةِ وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى ذَوِي السِّمَانَةِ أَنْ لَا يَهْتَمُّوا بِارْتِيَاضِ النُّفُوسِ، بَلْ مُعْظَمُ هِمَّتِهِمْ تَنَاوُلُ الْحُظُوظِ وَالتَّفَرُّغُ لِلدَّعَةِ وَالنَّوْمِ، وَفِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ) قَالُوا: وَالْمَذْمُومُ مِنَ السِّمَنِ مَا يُسْتَكْسَبُ، وَأَمَّا مَا هُوَ خُلُقُهُ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا انْتَهَى. وَبِهِ يَظْهَرُ مَعْنَى مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ. (وَفِي رِوَايَةٍ: (وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ) . أَيْ: يَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إِلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بَاعِثَةٍ عَلَيْهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8380
٦٠١١ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السِّمَانَةَ» .
ــ
٦٠١١ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: (ثُمَّ يَخْلُفُ) : بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ ثُمَّ يَعْقُبُهُمْ وَيَظْهَرُ وَرَاءَهُمْ ( «قَوْمٌ يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ» ) . بِضَمِّ السِّينِ وَرَوَى أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَفْظُهُ: ( «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينَهُ شَهَادَتَهُ» ) . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ بِلَفْظِ: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّونَ السَّمِنَ يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا) .
стр. 8381
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٠١٢ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَكْرِمُوا أَصْحَابِي، فَإِنَّهُمْ خِيَارُكُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ الْكَذِبُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَحْلِفُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا مَنْ سَرَّهُ بُحْبُوحَةُ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْفَذِّ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، وَلَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمْ، وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ» ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ الْخَثْعَمِيَّ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ لَهُ الشَّيْخَانِ وَهُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٠١٢ - (عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَكْرِمُوا أَصْحَابِي) أَيِ: السَّابِقِينَ وَاللَّاحِقِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (فَإِنَّهُمْ خِيَارُكُمْ) ، وَالْخِطَابُ لِلْأُمَّةِ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ الْكَذِبُ) أَيْ: يَفْشُو كَمَا فِي رِوَايَةٍ (حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ) : بِكَسْرِ إِنَّ وَيُفْتَحُ (لَيَحْلِفُ) : بِلَامِ التَّأْكِيدِ (وَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدُ) : عَطْفٌ عَلَى يَحْلِفُ أَوْ لَيَحْلِفُ (وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ (مَنْ سَرَّهُ) أَيْ: مَنْ أَحَبَّ (بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَتَيْنِ أَيْ: وَسَطُهَا وَخِيَارُهَا (فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ) ، أَيِ: السَّوَادَ الْأَعْظَمَ وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ حُبُّهُمْ وَإِكْرَامُهُمْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْفَذِّ) ، بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مُقَارِنٍ لِلْفَرْدِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِرَأْيِهِ (وَهُوَ) أَيِ: الشَّيْطَانُ (مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ) ، أَيْ بَعِيدٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَفْعَلُ هُنَا لِمُجَرَّدِ الزِّيَادَةِ وَلَوْ كَانَ مَعَ الثَّلَاثَةِ لَكَانَ بِمَعْنَى التَّفْضِيلِ إِذِ الْبُعْدُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالِاثْنَيْنِ دُونَ الِاثْنَيْنِ، وَالْفَذِّ عَلَى مَا لَا يَخْفَى. (وَلَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ) : نَهْيُ تَأْكِيدٍ وَتَشْدِيدٍ (بِامْرَأَةٍ) أَيْ: أَجْنَبِيَّةٍ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمْ) ، أَيْ: فَلَابُدَّ أَنْ يُغْوِيَهُمَا (وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ) أَيْ: إِذَا وَقَعَتْ مِنْهُ (وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ) أَيْ: أَحْزَنَتْهُ إِذَا صَدَرَتْ عَنْهُ (فَهُوَ مُؤْمِنٌ) ، أَيْ كَامِلٌ ; لِأَنَّ الْمُنَافِقَ حَيْثُ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] ؟ (رَوَاهُ) . هُنَا بَيَاضٌ فِي أَصْلِ الْمُصَنَّفِ، وَأُلْحِقَ بِهِ: النَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْحَسَنِ الْخَثْعَمِيَّ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ لَهُ الشَّيْخَانِ وَهُوَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ، فَالْحَدِيثُ بِكَمَالِهِ إِمَّا صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ) وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: ( «إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ» ) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: ( «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ» ) .
стр. 8382
٦٠١٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: ( «لَا تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِمًا رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦٠١٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «لَا تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِمًا رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا الضِّيَاءُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ وَاثِلَةَ: ( «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي، وَلِمَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي، وَلِمَنْ رَأَى مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي» ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ: ( «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، وَطُوبَى لِمَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي، وَلِمَنْ رَأَى مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ» ) . وَأَنْشَدَ:
وَاسْتَنْشَقَ الْأَرْيَاحَ مِنْ نَحْوِ أَرْضِكُمُ ... لَعَلِّي أَرَاكُمْ أَوْ أَرَى مَنْ يَرَاكُمُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
سَعِدَتْ أَعْيُنٌ رَأَتْكَ وَقَرَّتْ ... وَالْعُيُونُ الَّتِي رَأَتْ مَنْ رَآكَا.
وَكَأَنَّهُ ﷺ لَمَّا تَذَكَّرَ الْمَحْرُومِينَ مِنْ ذَلِكَ الْجَنَابِ وَعَنْ رُؤْيَةِ الْأَصْحَابِ وَعَنْ خِدْمَةِ الْأَتْبَاعِ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ قَالَ تَسْلِيَةً: ( «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ، وَطُوبَى لِمَنْ لَمْ يَرَنِي وَآمَنَ بِي» ) . ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ أَيْضًا: ( «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، وَطُوبَى ثُمَّ طُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وَقَالَ أَيْضًا: ( «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي مَرَّةً، وَطُوبَى لِمَنْ لَمْ يَرَنِي وَآمَنَ بِي سَبْعَ مَرَّاتٍ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ فِي الْمَفْضُولِ مَا لَا يُوجَدُ فِي الْفَضَائِلِ كَمَا هُنَا مِنَ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي قَارَبَ مَنْ رَآهَا أَنْ يَكُونَ إِيمَانُهُ بِالْعِيَانِ.
стр. 8383
٦٠١٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا مِنْ بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦٠١٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اللَّهَ اللَّهَ) : بِالنَّصْبِ فِيهِمَا، أَيْ: أَتَّقُوا اللَّهَ ثُمَّ اتَّقُوا اللَّهَ (فِي أَصْحَابِي) ، أَيْ: فِي حَقِّهِمْ، وَالْمَعْنَى لَا تَنْقُصُوا مِنْ حَقِّهِمْ وَلَا تَسُبُّوهُمْ، أَوِ التَّقْدِيرُ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ ثُمَّ أُنْشِدُكُمُ اللَّهَ فِي حَقِّ أَصْحَابِي وَتَعْظِيمِهِمْ وَتَوْقِيرِهِمْ، كَمَا يَقُولُ الْأَبُ الْمُشْفِقُ: اللَّهَ اللَّهَ فِي حَقِّ أَوْلَادِي ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، أَوِ التَّقْدِيرُ: اتَّقُوا مُخَالَفَتَهُ اتَّقُوا عِقَابَهُ فِي عَدَاوَةِ أَصْحَابِي الْمُقَرَّبِينَ بِبَابِي الْمُلْتَجِئِينَ إِلَى جَنَابِي ( «لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا مِنْ بَعْدِي» ) ، بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ أَيْ: هَدَفًا لِكَلَامِكُمُ الْقَبِيحَ لَهُمْ فِي الْمُحَاوَرَاتِ وَرَمْيِهِمْ فِي غَيْبَتِهِمْ بِالْوَقَائِعِ وَالْمَكْرُوهَاتِ (فَمْنَ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي) أَيْ: بِسَبَبِ حُبِّي إِيَّاهُمْ (أَحَبَّهُمْ) ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: بِسَبَبِ حُبِّهِ إِيَّايَ أَحَبَّهُمْ وَهُوَ أَنْسَبُ بِقَوْلِهِ: ( «وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ» ) ، وَالْمَعْنَى إِنَّمَا أَحَبَّهُمْ لِأَنَّهُ يُحِبُّنِي، وَإِنَّمَا أَبْغَضَهُمْ لِأَنَّهُ يُبْغِضُنِي، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، تَعَالَى، فَحَقَّ لِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ سَبَّهُمْ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ الْقَتْلَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ (وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي) ، أَيْ حُكْمًا (وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ) ، وَنَظِيرُهُ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ. (وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ) ، أَيْ: يُعَاقِبُهُ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْأُخْرَى، وَلَعَلَّهُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا - وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 8384
٦٠١٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَثَلُ أَصْحَابِي فِي أُمَّتِي كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إِلَّا بِالْمِلْحِ» (قَالَ الْحَسَنُ: فَقَدْ ذَهَبَ مِلْحُنَا فَكَيْفَ نَصْلُحُ؟ رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) .
ــ
٦٠١٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَثَلُ أَصْحَابِي فِي أُمَّتِي كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ) لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إِلَّا بِالْمِلْحِ» ) اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّشْبِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ حَتَّى يُقَالَ كَثْرَةُ الْمِلْحِ تُفْسِدُ الطَّعَامَ كَمَا قِيلَ فِي حَقِّ النَّحْوِ أَنَّهُ فِي الْكَلَامِ كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ الطَّعَامَ بِدُونِهِ لَيْسَ لَهُ كَمَالُ الْمَرَامِ. (قَالَ الْحَسَنُ) أَيِ الْبَصْرِيُّ (فَقَدْ ذَهَبَ مِلْحُنَا فَكَيْفَ نَصْلُحُ) ؟ أَيْ فِي حَالِنَا. قُلْتُ: نَصْلُحُ بِكَلَامِهِمْ وَرِوَايَاتِهِمْ وَمَعْرِفَةِ مَقَامَاتِهِمْ وَحَالَاتِهِمْ وَبِالِاقْتِدَاءِ بِأَخْلَاقِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ دُونَ صُوَرِهِمْ وَذَوَاتِهِمْ. (رَوَاهُ) . أَيِ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. أَيْ بِإِسْنَادِهِ وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.
стр. 8385
٦٠١٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنِ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي يَمُوتُ بِأَرْضٍ إِلَّا بُعِثَ قَائِدًا وَنُورًا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ (لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ) فِي بَابِ (حِفْظِ اللِّسَانِ) .
ــ
٦٠١٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَبِيهِ) : يَعْنِي أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي) : مِنَ الْأُولَى زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الِاسْتِغْرَاقِ، وَالثَّانِيَةُ بَيَانِيَّةٌ (يَمُوتُ بِأَرْضٍ إِلَّا بُعِثَ) أَيْ: إِلَّا حُشِرَ ذَلِكَ الْأَحَدُ مِنْ أَصْحَابِي (قَائِدًا) أَيْ: لِأَهْلِ تِلْكَ الْأَرْضِ (وَنُورًا) أَيْ: هَادِيًا (لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَكَذَا رَوَاهُ الضِّيَاءُ.
(وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ: (لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ) أَيْ: مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ، وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ أَيْ: مَعَ كُلِّكُمْ، فَلَوْ سَمِعْتُ شَيْئًا مِنْكُمْ رُبَّمَا تَغَيَّرَ خَاطِرِي بِمُقْتَضَى الْبَشَرِيَّةِ، فَالْأَوْلَى سَدُّ بَابِ الذَّرِيعَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْأَذِيَّةِ. (فِي بَابِ حِفْظِ اللِّسَانِ) . أَيْ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ أَوْلَى بِذَلِكَ الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 8386
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٠١٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِي يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَقُولُوا: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى شَرِّكُمْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٠١٧ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا رَأَيْتُمْ) أَيْ: أَبْصَرْتُمْ أَوْ عَرَفْتُمْ ( «الَّذِينَ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَقُولُوا: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى شَرِّكُمْ» ) ، فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ لَعْنَهُمْ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلرِّضَا وَالرَّحْمَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُنْصِفِ الَّذِي كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ مُوَالٍ أَوْ مُنَافٍ قَالَ: لِمَنْ خُوطِبَ بِهِ قَدْ أَنْصَفَكَ صَاحِبُكَ، وَمِنْهُ بَيْتُ حَسَّانٍ فِي حَقِّ مَنْ هَجَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شِعْرٌ:
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا فِدَاءُ.
وَالتَّعْوِيضُ وَالتَّوْرِيَةُ أَوْصَلُ بِالْمُجَادِلِ إِلَى الْغَرَضِ، وَأَهْجَمُ بِهِ عَلَى الْغَلَبَةِ مَعَ قِلَّةِ شَغَبِ الْخَصْمِ وَقِلَّةِ سُكُوتِهِ بِالْهُوَيْنَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا الْخَطِيبُ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: ( «إِنَّ شِرَارَ أُمَّتِي أَجْرَؤُهُمْ عَلَى أَصْحَابِي» ) . وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: ( «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يُسَمَّوْنَ الرَّافِضَةَ يَرْفُضُونَ الْإِسْلَامَ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ مُشْرِكُونَ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ ( «يَنْتَحِلُونَ حُبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَلَيْسُوا كَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَسُبُّونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ» ) . كَذَا فِي الصَّوَاعِقِ، وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي سَبِّ الرَّوَافِضِ بَعْضَ الصَّحَابَةِ، وَالْخَوَارِجِ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ أَنَّهُمْ لَمَّا انْقَطَعَ عَنْهُمْ أَعْمَالُهُمْ بِانْتِهَاءِ آجَالِهِمْ، أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ لَهُمُ الثَّوَابُ لِمَزِيدِ حُسْنِ الْمَآبِ، وَأَنْ يَرْجِعَ أَعْدَاؤُهُمْ إِلَى سُوءِ الْحِسَابِ وَشِدَّةِ الْعَذَابِ.
стр. 8387
٦٠١٨ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ( «سَأَلْتُ رَبِّي عَنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِي مِنْ بَعْدِي، فَأَوْحَى إِلَيَّ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ أَصْحَابَكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، وَلِكُلٍّ نُورٌ، فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فَهُوَ عِنْدِي عَلَى هُدًى» ) قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ) . رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
٦٠١٨ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: (سَأَلْتُ رَبِّي عَنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِي) أَيْ: عَنْ حِكْمَةِ تَخَالُفِهِمْ فِي فُرُوعِ الشَّرَائِعِ (مِنْ بَعْدِي، فَأَوْحَى) أَيِ: اللَّهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (إِلَيَّ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ أَصْحَابَكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ) أَيْ: فِي إِظْهَارِ الْهِدَايَةِ وَإِبْطَالِ الْغَوَايَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] (بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ) ، أَيْ: بِحَسَبِ مَرَاتِبِ أَنْوَارِهَا الْمُقَدَّرَةِ لَهَا (وَلِكُلٍّ نُورٌ) ، أَيْ: وَكَذَلِكَ لِكُلٍّ مِنَ الْأَصْحَابِ نُورٌ بِقَدْرِ اسْتِعْدَادِهِ (فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ) : بَيَانُ شَيْءٍ (مِنِ اخْتِلَافِهِمْ) : بَيَانُ مَا (فَهُوَ عِنْدِي عَلَى هُدًى) ، وَفِيهِ أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَئِمَّةِ رَحْمَةٌ لِلْأُمَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ الِاخْتِلَافُ فِي الْفُرُوعِ لَا فِي الْأُصُولِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَهُوَ عِنْدِي عَلَى هُدًى. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ ﷺ الِاخْتِلَافُ الَّذِي فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ لِلْغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، فَلَا يُشْكِلُ بِاخْتِلَافِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي الْخِلَافَةِ وَالْإِمَارَةِ. قُلْتُ إِنَّ اخْتِلَافَ الْخِلَافَةِ أَيْضًا مِنْ بَابِ اخْتِلَافِ فُرُوعِ الدِّينِ النَّاشِئِ عَنِ اجْتِهَادِ كُلٍّ، لَا مِنَ الْغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ الصَّادِرِ عَنِ الْحَظِّ النَّفْسِيِّ، فَلَا يُقَاسِ الْمُلُوكُ بِالْحَدَّادِينَ (قَالَ) أَيْ: عُمَرُ (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» ) أَيْ: فَاقْتَدُوا بِهِمْ جَمِيعِهِمْ، أَوْ بِأَكْثَرِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ. (فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ) . وَكَأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ هَذَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: مَنْ تَبِعَ عَالِمًا لَقِيَ اللَّهَ سَالِمًا. (رَوَاهُ رَزِينٌ) .
قَالَ ابْنُ الرَّبِيعِ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ: ( «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ - كَذَا ذَكَرَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الشِّفَاءِ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ - بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَاهٍ، بَلْ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ بَاطِلٌ، لَكِنْ ذُكِرَ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ يُؤَدِّي بَعْضُ مَعْنَاهُ يَعْنِي قَوْلَهُ ﷺ : ( «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ» ) الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: صَدَقَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ يُؤَدِّي صِحَّةَ التَّشْبِيهِ لِلصَّحَابَةِ بِالنُّجُومِ) أَمَّا فِي الِاقْتِدَاءِ فَلَا يَظْهَرُ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُتَلَمَّحَ ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الِاهْتِدَاءِ بِالنُّجُومِ، قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الِاهْتِدَاءَ فَرْعُ الِاقْتِدَاءِ. قَالَ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْفِتَنِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ انْقِرَاضِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَمْسِ السُّنَنِ، وَظُهُورِ الْبِدَعِ، وَنَشْرِ الْجَوْرِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ اه.
وَتَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ ابْنُ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْأَصْلِيِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْزِهِ لِابْنِ مَاجَهْ، وَذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَلَفْظُهُ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَرْفُوعًا (سَأَلْتُ رَبِّي) الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: (اهْتَدَيْتُمْ) وَكَتَبَ بَعْدَهُ أَخْرَجَهُ، فَهُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا رَزِينٌ فِي تَجْرِيدِ الْأُصُولِ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ وَقَالَ: أَخْرَجَهُ رَزِينٌ.
стр. 8388
[بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ ﵁]
стр. 8389
[٣]- بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٠١٩ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ - وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَبَا بَكْرٍ - وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَا تَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ» ) .
وَفِي رِوَايَةٍ: ( «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٣]- بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٠١٩ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَمِيمٍ وَتَشْدِيدِ نُونٍ أَيْ: أَنْعَمِهِمْ (عَلَيَّ) : أَوْ أَبْذَلِهِمْ لِأَجْلِي (فِي صُحْبَتِهِ) أَيْ: دَوَامِ مُلَازَمَتِهِ بِبَذْلِ نَفْسِهِ فِي خِدْمَتِي (وَمَالِهِ) أَيْ: وَبَذْلِ مَالِهِ بَلْ وَجَمِيعُ مَالِهِ فِي طَرِيقِي (أَبُو بَكْرٍ) : كَذَا فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ (وَفِي الْبُخَارِيِّ: (أَبَا بَكْرٍ) أَيْ: بِالنَّصْبِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ اسْمَ (إِنَّ) وَالرَّفْعُ مُشْكِلٌ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ قَالَ الْمُظْهِرُ: وَفِيهِ أَوْجُهٌ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ زَائِدَةً عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، وَقِيلَ: إِنَّ هَاهُنَا بِمَعْنَى (نَعَمْ) كَمَا فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: لَعَنَ اللَّهُ نَاقَةً حَمَلَتْنِي إِلَيْكَ إِنَّ وَصَاحِبَهَا فَقَوْلُهُ: أَبُو بَكْرٍ مُبْتَدَأٌ، وَمِنْ أَمَنِّ النَّاسِ خَبَرُهُ، وَقِيلَ: اسْمُ إِنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ اه. فَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا مَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: أَبُو بَكْرٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، هُوَ هُوَ عَلَى أَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ كَأَنَّهُ قِيلَ مَنْ أَمَنُّ النَّاسِ، فَقِيلَ أَبُو بَكْرٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِبَقَاءِ إِنَّ حِينَئِذٍ بِلَا خَبَرٍ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ مِنْ أَبْذَلِهِمْ وَأَسْمَعِهُمْ مَنْ مَنَّ عَلَيْهِ مَنًّا لَا مَنْ مَنَّ عَلَيْهِ مِنَّةً إِذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْتَنَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَنَّهُ وَرَدَ مُوَرِدَ الْإِحْمَادِ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى مَعْنَى الِامْتِنَانِ عَادَ ذَمًّا عَلَى صَاحِبِهِ ; لِأَنَّ الْمِنَّةَ تَهْدِمُ الصَّنِيعَةَ (وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا) .
قَالَ الْقَاضِي: الْخَلِيلُ الصَّاحِبُ الْوَادُّ الَّذِي يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ، وَيُعْتَمَدُ فِي الْأُمُورِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أَصْلَ التَّرْكِيبِ مِنَ الْخَلَّةِ بِالْفَتْحِ وَهِيَ الْحَاجَةُ، وَالْمَعْنَى لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ الْخَلْقِ خَلِيلًا أَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي الْحَاجَاتِ وَأَعْتَمِدُ إِلَيْهِ فِي الْمُهِمَّاتِ (لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا) ، وَلَكِنَّ الَّذِي أَلْجَأُ إِلَيْهِ وَأَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي جُمْلَةِ الْأُمُورِ وَمَجَامِعِ الْأَحْوَالِ، هُوَ اللَّهُ، تَعَالَى، وَإِنَّمَا سُمِّيَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ خَلِيلًا مِنَ الْخَلَّةِ بِالْفَتْحِ الَّتِي هِيَ الْخَصْلَةُ، فَإِنَّهُ تَخَلَّقَ بِخِلَالٍ حَسَنَةٍ اخْتَصَّتْ بِهِ أَوْ مِنَ التَّخَلُّلِ، فَإِنَّ الْحُبَّ تَخَلَّلَ شِغَافَ قَلْبِهِ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ، أَوْ مِنَ الْخَلَّةِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ ﵇ مَا كَانَ يَفْتَقِرُ حَالَ الِافْتِقَارِ إِلَّا إِلَيْهِ، وَمَا كَانَ يَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَفِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ (وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ) : اسْتِدْرَاكٌ عَنْ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ - الشَّرْطِيَّةِ وَفَحْوَاهَا، كَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَلَّةٌ، وَلَكِنْ بَيْنَنَا فِي الْإِسْلَامِ أُخُوَّةٌ، فَنَفَى الْخَلَّةَ الْمُنْبِئَةَ عَنِ الْحَاجَةِ وَأَثْبَتَ الْإِخَاءَ الْمُقْتَضِي لِلْمُسَاوَاةِ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ وَلِذَا قَالَ: (وَمَوَدَّتُهُ) ، أَيْ: وَمَوَدَّةُ الْإِسْلَامِ النَّاشِئَةُ عَنِ الْمَحَبَّةِ الدِّينِيَّةِ لَا لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ (الدُّنْيَوِيَّةِ أَوِ النَّفْسِيَّةِ الدَّنِيَّةِ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، أَيْ: لَكِنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، أَوْ لَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ حَاصِلَةٌ، أَوْ لَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ، كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، فَإِنْ أُرِيدَ أَفْضَلِيَّةُ أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ عَنِ الْخَلَّةِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنَ السَّوْقِ يُشْكِلُ، فَيَجِبُ أَنْ يُرَادَ أَفْضَلِيَّتُهَا مِنْ غَيْرِ الْخَلَّةِ، أَوْ يُقَالُ: أَفْضَلُ بِمَعْنَى فَاضِلٍ، أَوْ يُقَالُ: أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَ أَبُو بَكْرٍ أَفْضَلُ مِنْ أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَ غَيْرِهِ، أَوْ مِنْ أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِي، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ تَأَمَّلْ.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَحْمُولًا عَلَى مَا كَانَ تَعَاهَدَ الْعَرَبُ مِنْ عُهْدَةِ الْأُخُوَّةِ وَعَقْدِ الْخَلَّةِ وَالْمَحَبَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنَ الْخَلْقِ لِفَقْدِ الْخَلَّةِ وَعَهْدِ الْمُحِبَّةِ لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ الشَّامِلَةُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ كَافِيَةٌ، أَوْ أَفْضَلُ حَيْثُ إِنَّهُ خَالِصٌ لِلَّهِ وَعَلَى وَفْقِ رِضَاهُ وَمِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةٍ مِنْ سِوَاهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ لِلْعَهْدِ أَيْ: وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ الَّذِي سَبَقَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّ اتِّخَاذَهُ خَلِيلًا بِفِعْلِهِ وَأُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ بِفِعْلِ اللَّهِ، تَعَالَى، فَمَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَكُونُ أَفْضَلَ مِمَّا اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ (لَا تُبْقَيَنَّ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ نَهْيًا مُؤَكَّدًا مُشَدَّدًا وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، وَالْمَعْنَى لَا تُتْرَكَنَّ بَاقِيَةً (فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ: مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ (خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ) . الْخَوْخَةُ بِفَتْحِ الْخَاءَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَسُكُونِ الْوَاوِ كُوَّةٌ فِي الْجِدَارِ تُؤَدِّي الضَّوْءَ إِلَى الْبَيْتِ، وَقِيلَ: بَابٌ صَغِيرٌ يُنْصَبُ بَيْنَ بَيْتَيْنِ أَوْ دَارَيْنِ، لِيَدْخُلَ مِنْ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ.
стр. 8390
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَهَذَا الْكَلَامُ كَانَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوفِّيَ فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا، وَلَا خَفَاءَ بِأَنَّ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الْمُسْتَخْلَفُ بَعْدَهُ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ إِنْ أُرِيدَ بِهَا الْحَقِيقَةُ، فَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْمَنَازِلِ اللَّاصِقَةِ بِالْمَسْجِدِ قَدْ جَعَلُوا مِنْ بُيُوتِهِمْ مُخْتَرَقًا يَمُرُّونَ فِيهِ إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ كُوَّةً يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا مِنْهُ، فَأَمَرَ بِسَدِّ جُمْلَتِهَا سِوَى خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ تَكْرِيمًا لَهُ بِذَلِكَ أَوَّلًا، ثُمَّ تَنْبِيهًا لِلنَّاسِ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ عَلَى أَمْرِ الْخِلَافَةِ حَيْثُ جَعَلَهُ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ دُونَ النَّاسِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَجَازُ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْخِلَافَةِ، وَسَدُّ أَبْوَابِ الْمَقَالَةِ دُونَ التَّفَوُّقِ إِلَيْهَا وَالتَّطَوُّعِ عَلَيْهَا، وَأَرَى الْمَجَازَ فِيهِ أَقْوَى، إِذْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ لَهُ مَنْزِلٌ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَنْزِلُهُ بِالسُّنْحِ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَنَّهُ مَهَّدَ الْمَعْنَى الْمُشَارَ إِلَيْهِ، وَقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ( «وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» ) لِيُعْلَمَ أَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِالنِّيَابَةِ عَنْهُ، وَكَفَانَا حُجَّةً عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَقْدِيمُهُ إِيَّاهُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِبَاؤُهُ كُلَّ الْإِبَاءِ أَنْ يَقِفَ غَيْرُهُ ذَلِكَ الْمَوْقِفَ اه.
وَقِيلَ: أَرَادَ ﷺ بِخَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ خَوْخَةَ بِنْتِهِ عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِسَدِّ خَوْخَاتِ الْأَزْوَاجِ إِلَّا خَوْخَةَ عَائِشَةَ، وَوَجْهُ الْإِضَافَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ظَاهِرٌ لِإِمَامَتِهِ فِيهِ بِإِذْنِهِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ لَفْظُ الْمَسْجِدِ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَفِي الرِّيَاضِ: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِسَدِّ أَبْوَابِ الشَّوَارِعِ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ ( «فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ رَجُلًا كَانَ أَفْضَلَ فِي الصُّحْبَةِ يَدًا مِنْهُ» ) . وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ: أَنَّ أَبْوَابًا كَانَتْ مُفَتَّحَةً فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهَا فَسُدَّتْ، غَيْرَ بَابِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: سَدَّ أَبْوَابَنَا غَيْرَ بَابِ خَلِيلِهِ، وَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: (أَتَقُولُونَ سَدَّ أَبْوَابَنَا وَتَرَكَ بَابَ خَلِيلِهِ، فَلَوْ كَانَ مِنْكُمْ خَلِيلٌ كَانَ هُوَ خَلِيلِي، وَلَكِنِّي خَلِيلُ اللَّهِ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي فَقَدْ وَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَقَالَ لِي: صَدَقَ وَقُلْتُمْ كَذَبَ) .
(وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: مُسْتَقِلَّةٍ (لَوْ كُنْتُ) : وَفِي رِوَايَةٍ بَدَلًا مِمَّا قَبِلَهُ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ كُنْتُ (مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي) ، أَيْ بِإِفَادَةِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ (لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا) . أَيْ: لَكِنْ لَا يَجُوزُ لِي أَنْ آخُذَ غَيْرَ اللَّهِ خَلِيلًا لِأَكُونَ لَهُ خَلِيلًا، سَوَاءً يَكُونُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَفِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ( «أَبُو بَكْرٍ صَاحِبِي وَمُؤْنِسِي فِي الْغَارِ، سِدُّوا خَوْخَةً فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ» ) . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ، فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ( «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنِ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُهُ، وَلَكِنْ خَلَّةُ الْإِسْلَامِ، سِدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ» ) . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ، وَفِي قَوْلِهِ: سِدُّوا إِلَخْ دَلِيلٌ عَلَى حَسْمِ أَطْمَاعِ النَّاسِ كُلِّهِمْ مِنَ الْخِلَافَةِ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ.
стр. 8391
٦٠٢٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٦٠٢٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنَّهُ أَخِي» ) : زَادَ أَحْمَدُ فِي الدِّينِ (وَصَاحِبِي) ، زَادَ أَحْمَدُ فِي الْغَارِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ ( «وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ صْاحِبَكُمْ خَلِيلًا» ) : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ جَعَلَ غَيْرَ رَبِّهِ خَلِيلًا يَكُونُ مَجْنُونًا بِخَلَلِ عَقْلِهِ، وَيَصِيرُ مَخْذُولًا ذَلِيلًا. قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ ; اتَّخَذَ اللَّهُ مُبَالَغَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَخْرَجَ الْكَلَامَ عَلَى التَّجْرِيدِ حَيْثُ قَالَ: صَاحِبُكُمْ وَلَمْ يَقُلِ اتَّخَذَنِي، وَثَانِيهِمَا: اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُمْ بِالنَّصْبِ عَكْسَ مَا لَمَّحَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ السَّابِقُ مِنْ قَوْلِهِ: غَيْرَ رَبِّي، فَدَلَّ الْحَدِيثَانِ عَلَى حُصُولِ الَمُخَالَلَةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: ( «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا دُونَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي» ) . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ( «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ» ) . وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ
стр. 8392
لَيَالٍ وَهُوَ يَقُولُ: ( «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا» ) . وَأَخْرَجَ الْوَاحِدِي فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا لَهُ فِي أُمَّتِهِ خَلِيلٌ أَلَا وَإِنَّ خَلِيلِي أَبُو بَكْرٍ» ) . وَأَخْرَجَ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَرْبِيُّ السُّكَّرِيُّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَحْدَثَ عَهْدِي بِنَبِيِّكُمْ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِخَمْسِ لَيَالٍ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُقَلِّبُ يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: ( «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا وَقَدِ اتَّخَذَ مِنْ أُمَّتِهِ خَلِيلًا وَإِنَّ خَلِيلِي مِنْ أُمَّتِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ، تَعَالَى، قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» ) . وَالْأَحَادِيثُ النَّافِيَةُ لِلِاتِّخَاذِ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ، وَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، فَيَكُونُ قَدْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ تَبَرُّئِهِ مِنْ خَلَّةِ غَيْرِ اللَّهِ مَعَ تَشَوُّقِهِ لِخَلَّةِ أَبِي بَكْرٍ، لَوْلَا خَلَّةُ اللَّهِ فِي اتِّخَاذِهِ خَلِيلًا مُرَاعَاةً لِجُنُوحِهِ إِلَيْهِ، وَتَعْظِيمًا لِشَأْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ انْصِرَافًا عَنْ خَلَّةِ اللَّهِ بَلِ الْخَلَّتَانِ ثَابِتَتَانِ كَمَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ، إِحْدَاهَا تَشْرِيفٌ لِلْمُصْطَفَى ﷺ وَالْأُخْرَى تَشْرِيفٌ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ.
стр. 8393
٦٠٢١ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: (ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا ; فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا، وَلَا ; وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ) » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي (كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) : (أَنَا أَوْلَى) بَدَلَ: (أَنَا وَلَا) .
ــ
٦٠٢١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ) أَيِ: الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ (ادْعِي لِي) : بِضَمِّ هَمْزِ وَصْلٍ وَكَسْرِ عَيْنٍ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ ادْعُوِي فَاعِلٌ بِالنَّقْلِ وَالْحَذْفِ، وَهُوَ أَمْرُ مُخَاطَبَةٍ أَيْ نَادِي (أَبَا بَكْرٍ أَبَاكَ) : بَدَلٌ (وَأَخَاكِ) ، عَطْفٌ عَلَى: أَبَا بَكْرٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَفِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ) : إِنْ طَلَبَهُ لِأَخِيهَا لِيَكْتُبَ الْكِتَابَ فَقَوْلُهُ: (حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا) ، أَيْ أَمَرَ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا ( «فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ» ) أَيْ: لِلْخِلَافَةِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْكِتَابَةِ (وَيَقُولَ قَائِلٌ) أَيْ: وَأَخَافُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مِمَّنْ يَتَمَنَّى الْإِمَارَةَ (أَنَا، وَلَا) أَيْ: أَنَا مُسْتَحِقٌّ لِلْخِلَافَةِ وَلَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لَهَا، مَعَ وُجُودِ أَبِي بَكْرٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) ، أَيْ: خِلَافًا لِلْمُنَافِقِينَ وَالرَّافِضَةِ فِي أَمْرِ الْخِلَافَةِ، (إِلَّا أَبَا بَكْرٍ) . قَالَ شَارِحٌ: أَبَى يَأْبَيَانِ خِلَافَةَ كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ اه. وَمَعْنَى (يَأْبَى اللَّهُ) يَمْتَنِعُ لِعَدَمِ رِضَاهُ أَوْ لِعَدَمِ قَدَرِهِ وَقَضَاهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) : وَهُوَ (الْجَامِعُ) بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَقَعَ فِي نُسْخَتِهِ (أَنَا أَوْلَى، بَدَلَ (أَنَا وَلَا) . فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ: (أَنَا وَلَا) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ أَيْ يَقُولُ أَنَا أَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ وَلَا يَسْتَحِقُّهَا غَيْرِي، وَفِي بَعْضِهَا. أَنَا أَوْلَى، أَيْ: أَنَا أَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَجْوَدُ اه. فَالْجَزْمُ مِنَ الْمُصَنَّفِ أَنَّهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ خِلَافًا لِلْحُمَيْدِيِّ لَيْسَ مِنَ الْجَزْمِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ لَيْسَتْ بِنَصٍّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ صَرِيحًا بَلْ أَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى عَقْدِ الْخِلَافَةِ لَهُ، وَتَقْدِيمِهِ لِفَضْلِهِ، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ تَقَعِ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ أَوَّلًا، وَلَذَكَرَ حَافِظُ النَّصِّ مَا مَعَهُ وَرَجَعُوا إِلَيْهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا يَدَّعِيهِ الشِّيعَةُ مِنَ النَّصِّ عَلَى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - وَالْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ، فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَوَّلُ مَنْ يُكَذِّبُهُمْ عَلِيٌّ حِينَ سُئِلَ هَلْ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا مَا فِي الصَّحِيفَةِ الْحَدِيثَ. وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ نَصٌّ لَذَكَرَهُ.
стр. 8394
٦٠٢٢ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: «أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ) » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٠٢٢ - (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: «أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ» ) أَيْ: مِنْ أَمْرِهَا (فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَرَّةً أُخْرَى حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا ذَكَرَهُ شَارِحٌ. (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ) أَيْ: أَخْبَرْنِي (إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ) ؟ وَلَعَلَّ مَسْكَنَهَا كَانَ بَعِيدًا مِنَ الْمَدِينَةِ (كَأَنَّهَا) ، أَيْ: قَالَ جُبَيْرٌ: كَأَنَّ الْمَرْأَةَ تُرِيدُ) أَيْ: تَعْنِي بِعَدَمِ الْوِجْدَانِ (الْمَوْتَ) . أَيْ: مَوْتَهُ ﷺ (قَالَ: (فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ) . أَيْ فَإِنَّهُ خَلِيفَتِي مُطْلَقًا أَوْ وَصِيِّي فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى خِلَافَتِهِ، بَلْ هُوَ إِخْبَارٌ بِالْغَيْبِ الَّذِي أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَسْأَلُهُ شَيْئًا فَقَالَ: (تَعُودِينَ) . فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ عُدْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ تُعَرِّضُ بِالْمَوْتِ قَالَ: (إِنْ جِئْتِ فَلَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهُ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي) » . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8395
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: «بَايَعَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ بِقَلَائِصَ إِلَى أَجَلٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْأَعْرَابِيِّ: ائْتِ النَّبِيَّ ﷺ فَسَلْهُ إِنْ أَتْى عَلَيْهِ أَجَلُهُ مَنْ يَقْضِيهِ؟ قَالَ: يَقْضِيكَ أَبُو بَكْرٍ، فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: ارْجِعْ فَسَلْهُ، إِنْ أَتَى عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَجَلُهُ مَنْ يَقْضِيهِ، فَأَتَى الْأَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ: (يَقْضِيكَ عُمَرُ) فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْأَعْرَابِيِّ سَلْهُ مَنْ بَعْدَ عُمَرَ فَقَالَ: (يَقْضِيكَ عُثْمَانُ) فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْأَعْرَابِيِّ: ائْتِ النَّبِيَّ ﷺ فَاسْأَلْهُ إِنْ أَتَى عَلَى عُثْمَانَ أَجَلُهُ مَنْ يَقْضِيهِ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِذَا أَتَى عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَجَلُهُ وَعَلَى عُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَمُوتَ فَمُتْ) » . أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُعْجَمِهِ.
стр. 8396
٦٠٢٣ - «وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ، أَيُّ: النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: (عَائِشَةُ) . قُلْتُ: مِنِ الرِّجَالِ؟ قَالَ: (أَبُوهَا) . قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (عُمَرُ) فَعَدَّ رِجَالًا، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٠٢٣ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ) أَيْ: أَرْسَلَهُ أَمِيرًا (عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ) : بِإِضَافَةِ الْجَيْشِ. قَالَ الْقَاضِي: السَّلَاسِلُ رَمْلٌ يَنْعَقِدُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَسُمِّي الْجَيْشُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَبْعُوثِينَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا رَمْلٌ، كَذَلِكَ (قَالَ: فَأَتَيْتُهُ) ، أَيْ قَبْلَ السَّفَرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ (فَقُلْتُ أَيُّ: النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ) ؟ أَيِ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِكَ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الْجَيْشِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَ سُؤَالِهِ لَمَّا أَمَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْجَيْشِ، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ لِمَصْلَحَةٍ كَانَتْ تَقْتَضِيهِ وَقَعَ فِي نَفْسِ عُمَرَ، وَأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عِنْدَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ عَلَيْهِمَا، فَسَأَلَهُ لِذَلِكَ، لَكِنْ يُؤَيَّدُ الْأَوَّلُ وَهُوَ إِرَادَةُ الْعُمُومِ الَّذِي هُوَ أَفْيَدُ لِلْمَفْهُومِ جَوَابُهُ: (قَالَ: (عَائِشَةُ) ، أَيْ: هِيَ أَحَبُّهُمْ إِلَيَّ مِنَ النِّسَاءِ (قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ) ؟ أَيْ سُؤَالِي عَنْهُمْ أَوِ التَّقْدِيرُ مَنْ أَحَبُّ (قَالَ: أَبُوهَا) . قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (عُمَرُ) فَعَدَّ رِجَالًا) أَيْ: فَعَدَّ النَّبِيُّ ﷺ رِجَالًا آخَرِينَ بَعْدَ أَسْئِلَةٍ أُخْرَى. (لِي، فَسَكَتُّ) أَيْ: عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ (مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ) . أَيْ؟ آخِرِ النَّاسِ مُطْلَقًا أَوْ آخِرِ مَنْ أَسْأَلُ عَنْهُمْ لَوْ سَأَلْتُهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 8397
٦٠٢٤ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ:) أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ. وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ: عُثْمَانُ قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قَالَ: مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٦٠٢٤ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ) : سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ ابْنُ عَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ فَاطِمَةَ ﵃. (قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي) ، أَيْ: لَعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ -: (أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ) أَيْ: عَلِيٌّ (أَبُو بَكْرٍ) أَيْ: هُوَ أَبُو بَكْرٍ أَوْ أَبُو بَكْرٍ هُوَ الْخَيْرُ (قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ. وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ: عُثْمَانُ) أَيْ: لَوْ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ؟ فَعَدَلْتُ عَنْ مِنْوَالِ السُّؤَالِ لِهَذَا، فَحِينَئِذٍ (قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قَالَ: مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) . وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ مِنْهُ مَعَ الْعُلُوِّ بِأَنَّهُ حِينَ الْمَسْأَلَةِ خَيْرُ النَّاسِ بِلَا نِزَاعٍ، لِأَنَّهُ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ ﵃. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ.
стр. 8398
٦٠٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، قَالَ: كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ﵃.
ــ
٦٠٢٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا) أَيْ: مَعْشَرَ الصَّحَابَةِ (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَعْدِلُ) ، أَيْ: لَا نُسَاوِي (بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا) ، أَيْ مِنَ الصَّحَابَةِ بَلْ نُفَضِّلُهُ عَلَى غَيْرِهِ (ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ) ، أَيْ ثُمَّ لَا نَعْدِلُ بِهِمْ أَحَدًا أَوْ ثُمَّ نُفَضِّلُهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا. ( «ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نُفَاضِلُ» ) أَيْ: لَا نُوقِعُ الْمُفَاضَلَةَ (بَيْنَهُمْ) . وَالْمَعْنَى لَا نُفَضِّلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَالْمُرَادُ مُفَاضَلَةُ مِثْلِهِمْ، وَإِلَّا فَأَهْلُ بَدْرٍ وَاحِدٌ، وَأَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ أَفْضَلُ، وَلَعَلَّ هَذَا التَّفَاضُلَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْبَيْتِ؟ فَهُمْ أَخَصُّ مِنْهُمْ وَحُكْمُهُمْ يُغَايِرُهُمْ فَلَا يَرُدُّ عَدَمَ ذِكْرِ عَلِيٍّ وَالْحُسْنَيْنِ وَالْعَمَّيْنِ ﵃ أَجْمَعِينَ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الشُّيُوخَ وَذَوِي الْأَسْنَانِ مِنْهُمُ الَّذِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَزَّبَهُ أَمْرٌ شَاوَرَهُمْ فِيهِ، وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَ السِّنِّ، وَفَضْلُهُ لَا يُنْكِرُهُ ابْنُ عُمَرَ وَلَا غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَأَيْضًا قَدْ عُرِفَ أَنَّ أَهْلَ بَدْرٍ، وَأَهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَأَصْحَابَ الْعَقَبَتَيْنِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ يَفْضُلُونَ غَيْرَهُمْ، وَكَذَلِكَ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ وَذَوُو الْفَهْمِ مِنْهُمْ وَالْمُتَبَتِّلُونَ عَنِ الدُّنْيَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 8399
(وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، قَالَ: «كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ » ) ، أَيِ: الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ بَعْدَ وُجُودِهِ. (أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ ﵃) . لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُتَقَدِّمَةَ لَهَا الْمُنَاسَبَةُ التَّامَّةُ بِبَابِ مَنَاقِبِ الثَّلَاثَةِ.
стр. 8400
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٠٢٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا وَقَدْ كَافَيْنَاهُ، مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِيهِ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ: مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٠٢٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ) أَيْ: عَطَاءٌ وَإِنْعَامٌ (إِلَّا وَقَدْ كَافَأْنَاهُ) ، بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْفَاءِ وَيَجُوزُ إِبْدَالُهَا أَلِفًا، فَفِي الْقَامُوسِ: كَافَأَهُ مُكَافَأَةً جَازَاهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَهْمُوزِ، وَكَفَاهُ مُؤْنَتَهُ كِفَايَةً ذَكَرَهُ فِي الْمُعْتَلِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِلْمَقَامِ هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِالْيَاءِ، وَلَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ، وَالْمَعْنَى جَازَيْنَاهُ مِثْلًا بِمِثْلٍ أَوْ أَكْثَرَ. (مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ) ، أَيْ مَا عَدَاهُ أَيْ إِلَّا إِيَّاهُ (فَإِنَّهُ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا) : قِيلَ: أَرَادَ بِالْيَدِ النِّعْمَةَ وَقَدْ بَذَلَهَا كُلَّهَا إِيَّاهُ ﷺ ، وَهِيَ الْمَالُ وَالنَّفْسُ وَالْأَهْلُ وَالْوَلَدُ ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِتَرْكِ الْيَدِ إِعْتَاقُ بِلَالٍ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى - إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٧ - ٢١] وَفُسِّرَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَإِلَيْهِ يَنْظُرُ قَوْلُهُ: (يُكَافِيهِ اللَّهُ) أَيْ: يُجَازِيهِ (بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، أَيْ: جَزَاءً كَامِلًا، وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ (الرِّيَاضِ) عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ مِنَ الْحَدِيثِ، وَقَالَ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. (وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي) : مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَمِثْلُ مُقَدَّرٌ أَيْ مِثْلُ مَا نَفَعَنِي (مَالُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا) أَيْ: مِنْ أُمَّتِي (خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ (وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَوْ مَفْعُولٍ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَتَدَبَّرْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
وَفِي الْجَامِعِ: (مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبُو بَكْرٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي الرِّيَاضِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « (مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ) . فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: مَا أَنَا وَمَالِي إِلَّا لَكَ.) » أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو حَاتِمٍ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَافِظُ الدِّمَشْقِيُّ فِي (الْمُوَافَقَاتِ) . وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: « (مَا مَالُ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْفَعُ لِي مِنْ مَالِ أَبِي بَكْرٍ) . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي فِي مَالِ أَبِي بَكْرٍ كَمَا يَقْضِي فِي مَالِ نَفْسِهِ» . أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي (جَامِعِهِ) .
قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَنْفَقَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعِينَ أَلْفًا. أَخْرَجَهُ أَبُو حَاتِمٍ. وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ وَلَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفًا أَنْفَقَهَا كُلَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو عُمَرَ. وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: أَعْتَقَ أَبُو بَكْرٍ سَبْعَةً كَانُوا يُعَذَّبُونَ فِي اللَّهِ مِنْهُمْ: بِلَالٌ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ عُمَرَ. وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ قَيْسٍ قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا وَهُوَ مَدْقُوقٌ بِالْحِجَارَةِ بِخَمْسِينَ أَوَاقٍ ذَهَبًا فَقَالُوا: لَوْ أَبَيْتَ الْأُوقِيَّةَ لَبِعْنَاكَهُ. فَقَالَ: لَوْ أَبَيْتُمْ إِلَّا مِائَةَ أُوقِيَّةٍ لَأَخَذْتُهُ أَخْرَجَهُ فِي (الصَّفْوَةِ) .
стр. 8401
٦٠٢٧ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦٠٢٧ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁) أَيْ: مَوْقُوفًا (قَالَ) أَيْ: عُمَرُ (أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا) أَيْ: نَسَبًا وَحَسَبًا (وَخَيْرُنَا) أَيْ: أَفْضَلُنَا مَعْرِفَةً وَكَسْبًا (وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: حُضُورًا وَغَيْبًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8402
٦٠٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: (أَنْتَ صَاحِبِي فِي الْغَارِ، وَصَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦٠٢٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: ( «أَنْتَ صَاحِبِي فِي الْغَارِ) » ، أَيْ فِي غَارِ ثَوْرٍ بِمَكَّةَ حَالَةَ الْهِجْرَةِ مِنْ دِيَارِ الْكُفَّارِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] فَالْمَعْنَى: أَنْتَ صَاحِبِي الْمَخْصُوصُ حِينَئِذٍ، أَوْ أَنْتَ صَاحِبِي بِشَهَادَةِ اللَّهِ، إِذْ أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِصَاحِبِهِ فِي الْآيَةِ هُوَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَدْ قَالُوا: مَنْ أَنْكَرَ صُحْبَةَ أَبِي بَكْرٍ كَفَرَ ; لِأَنَّهُ أَنْكَرَ النَّصَّ الْجَلِيَّ، بِخِلَافِ إِنْكَارِ صُحْبَةِ غَيْرِهِ مِنْ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ أَوْ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. (وَصَاحِبِي) أَيِ: الْمَخْصُوصُ (عَلَى الْحَوْضِ) . وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ صَاحِبُهُ فِي الدَّارَيْنِ، كَمَا أَنَّهُ صَاحِبُهُ الْآنَ فِي الْبَرْزَخِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَفِي مُسْنَدِ (الْفِرْدَوْسِ) لِلدَّيْلَمِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ: ( «أَبُو بَكْرٍ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَأَبُو بَكْرٍ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ) .
стр. 8403
٦٠٢٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦٠٢٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ» ) . وَفِي مَعْنَاهُ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ الْقَوْمِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدَ ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُ الْخِلَافَةِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ الْمَفْضُولُ خَلِيفَةً مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 8404
٦٠٣٠ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَصَدَّقَ، وَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا. قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟) فَقُلْتُ: مِثْلَهُ. وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ. فَقَالَ: (يَا أَبَا بَكْرٍ؟ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟) . فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قُلْتُ: لَا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٦٠٣٠ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَصَدَّقَ) ، أَيْ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ (وَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا) ، أَيْ: صَادَفَ أَمْرَهُ بِالتَّصْدِيقِ حُصُولَ مَالٍ عِنْدِي فَعِنْدِي حَالٌ مِنْ مَالٍ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِمَّا قَبْلَهُ يَعْنِي: وَالْحَالُ أَنَّهُ كَانَ لِي مَالٌ كَثِيرٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. (فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ) أَيْ: بِالْمُبَارَزَةِ أَوْ بِالْمُغَالَبَةِ (إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ) ، وَإِنْ شَرْطِيَّةٌ دَلَّ عَلَى جَوَابِهَا مَا قَبْلَهَا، أَوِ التَّقْدِيرُ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا فَهَذَا يَوْمُهُ وَقِيلَ: إِنْ نَافِيَةٌ أَيْ مَا سَبَقْتُهُ يَوْمًا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ. (قَالَ) أَيْ: عُمَرُ (فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟) فَقُلْتُ: مِثْلَهُ) . أَيْ: أَبْقَيْتُ مِثْلَهُ يَعْنِي نِصْفَ مَالِهِ (وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ) . وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ كُلِّ مَالِهِ بِكَسْرِ اللَّامِ وَأَصْرَحُ مِنْ كُلِّ مَالَهُ بِالْفَتْحِ (فَقَالَ: (يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟) فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) . أَيْ رِضَاهُمَا: رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُمَا: (مَا بَيْنَكُمَا كَمَا بَيْنَ كَلِمَتَيْكُمَا) (قُلْتُ) أَيْ: فِي بَاطِنِي وَاعْتَقَدْتُ (لَا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ) ، أَيْ: مِنَ الْفَضَائِلِ (أَبَدًا) : لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُغَالَبَتِهِ حِينَ كَثْرَةِ مَالِهِ وَقِلَّةِ مَالِ أَبِي بَكْرٍ، فَفِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ أَوْلَى أَنْ لَا يَسْبِقَهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
стр. 8405
وَمِمَّا يُنَاسِبُهُ، مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَأَنَا أَحْمَدُ اللَّهَ وَأُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (سَلْ تُعْطَ) وَلَمْ أَسْمَعْهُ فَأَدْلَجَ أَبُو بَكْرٍ فَسَرَّنِي بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ أَتَانِي عُمَرُ فَأَخْبَرَنِي بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ. قَالَ عُمَرُ: مَا اسْتَبَقْنَا بِخَيْرٍ إِلَّا قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ إِنَّهُ كَانَ سَبَّاقًا لِلْخَيْرَاتِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا صَلَّيْتُ فَرِيضَةً وَلَا تَطَوُّعًا إِلَّا دَعَوْتُ اللَّهَ فِي دُبُرِ صَلَاتِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ وَنَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَعْلَى جَنَّاتِ الْخُلْدِ، وَأَنَا أَرْجُو، أَنْ أَكُونَ دَعَوْتُ بِهِنَّ الْبَارِحَةَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ شَاهِينَ. وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ جَمَعَ قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْلًا: « (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَطْبًا فَلْيَقْرَأْهُ كَمَا يَقْرَأُهُ ابْنُ أُمِّ عَبْدِ) فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَيْهِ لِأُبَشِّرَهُ فَقَالَ: قَدْ سَبَقَ أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: مَا سَابَقْتُهُ إِلَى خَيْرٍ قَطُّ إِلَّا سَبَقَنِي» : أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمَعْنَاهُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) .
следующие страницы →