← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

(مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ) : ظَرْفٌ لِأَنْظُرُ حُذِفَ مِنْهُ فِي، أَيْ فِيمَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ (إِلَى رَأْسِهِ. فَقَالَ لِي) أَيْ: بَعْدَ سَاعَةٍ أَوْ فَكَانَ يَقُولُ لِي: (أَمَا شَبِعْتِ؟ أَمَا شَبِعْتِ) ؟ أَيْ مُكَرِّرًا (فَجَعَلْتُ أَقُولُ: لَا) ، أَيْ لَا لَا لَا، لِعَدَمِ الشَّبَعِ حِرْصًا عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهَا، بَلْ كَانَ قَصْدِي مِنْ قَوْلِي لَا (لِأَنْظُرَ مَنْزِلَتِي) أَيْ: نِهَايَةَ مَرْتَبَتِي وَغَايَةَ مَحَبَّتِي (عِنْدَهُ) إِذْ طَلَعَ عُمَرُ) أَيْ: ظَهَرَ (فَارْفَضَّ النَّاسُ عَنْهَا) ، بِتَشْدِيدِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: تَفَرَّقَ النَّظَّارَةُ الَّتِي كَانُوا حَوْلَ الْحَبَشِيَّةِ الرَّاقِصَةِ عَنْهَا لِمَهَابَةِ عُمَرَ وَالْخَوْفِ مِنْ إِنْكَارِهِ عَلَيْهِمْ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ» ) : وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ) . قَالَتْ: أَيْ: عَائِشَةُ (فَرَجَعْتُ) . أَيْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى بَيْتِي وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ خُلُقِهِ ﵊ وَغَلَبَةِ صِفَةِ الْجَمَالِ عَلَيْهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَى غَلَبَةِ الْجَلَالِ عَلَى عُمَرَ ﵁. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ السَّمَّانِ فِي الْمُوَافَقَةِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَيَّ فَقَالَتْ: إِنِّي أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا إِذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ لَأَنْقُرَنَّ عَلَى رَأْسِهِ بِالدُّفِّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: (قُولِي لَهَا فَلْتَفِ بِمَا حَلَفَتْ) ، فَقَامَتْ بِالدُّفِّ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ فَنَقَرَتْ نَقْرَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَاسْتَفْتَحَ عُمَرُ فَسَقَطَ الدُّفُّ مِنْ يَدِهَا، وَأَسْرَعَتْ إِلَى خِدْرِ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: مَا لَكِ؟ قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ فَهِبْتُهُ، فَقَالَ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَفِرُّ مِنْ حِسِّ عُمَرَ) » .

стр. 8437

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦٠٥٠ - عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ ﵃ قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] . وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ يَحْتَجِبْنَ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَيْرَةِ، فَقُلْتُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ، فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦٠٥٠ - (عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا أَحْسَنَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَمَا أَلْطَفَهَا حَيْثُ رَاعَى فِيهَا الْأَدَبَ الْحَسَنَ، وَلَمْ يَقُلْ: وَافَقَنِي رَبِّي مَعَ أَنَّ الْآيَاتِ إِنَّمَا نَزَلَتْ مُوَافِقَةً لِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ. أَقُولُ: وَلَعَلَّهُ ﵁ أَشَارَ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ فِعْلَهُ حَادِثٌ لَاحِقٌ، وَقَضَاءَ رَبِّهِ قَدِيمٌ سَابِقٌ. (فِي ثَلَاثٍ) : لَكِنْ فِي الرِّيَاضِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو حَاتِمٍ. قَالَ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَيْسَ فِي تَخْصِيصِ الثَّلَاثِ مَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ لِأَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ الْمُوَافَقَةُ فِي أَشْيَاءَ، مِنْ مَشْهُورِهَا قِصَّةُ أُسَارَى بَدْرٍ، وَقِصَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَهُمَا فِي الصَّحِيحِ. وَأَكْثَرُ مَا وَقَفْنَا مِنْهَا بِالتَّعْيِينِ خَمْسَةَ عَشَرَ. قَالَ صَاحِبُ الرِّيَاضِ: مِنْهَا تِسْعٌ لَفْظِيَّاتٌ، وَأَرْبَعٌ مَعْنَوِيَّاتٌ، وَاثْنَتَانِ فِي التَّوْرِيَةِ، فَإِنْ أَرَدْتَ تَفْصِيلَهَا فَرَاجِعْهَا. ( «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى» ) ؟ أَيْ لَكَانَ حَسَنًا أَوْ لَوْ لِلتَّمَنِّي، وَالْمُرَادُ أَنْ يُجْعَلَ مُصَلًّى لِصَلَاةِ الطَّوَافِ بِأَنْ يَكُونَ فِيمَا حَوْلَهُ أَفْضَلَ (فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَقِيلَ لِلْإِيجَابِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْمَدَنِيِّ وَالشَّامِيِّ مِنَ السَّبْعَةِ. قَالَ الْقَاضِي: أَيْ: وَاتَّخَذَ النَّاسُ مَقَامَهُ الْمَوْسُومَ بِهِ يَعْنِي الْكَعْبَةَ قِبْلَةً يُصَلُّونَ إِلَيْهَا اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ خَبَرٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْحُكْمِ الْمُقَرَّرِ، فَكَأَنَّهُ أُمِرَ

стр. 8438

بِهِ وَامْتَثَلَ؛ فَأَخْبَرَ، وَالْمُرَادُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَجَرُ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ قَدَمِهِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي كَانَ فِيهِ حِينَ قَامَ عَلَيْهِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْحَجِّ، أَوْ رَفَعَ بِنَاءَ الْبَيْتِ، وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ وَهُوَ مَوْضِعُهُ الْيَوْمَ، رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ أَخَذَ بِيَدِ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: هَذَا مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَقَالَ عُمَرُ: أَفَلَا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَقَالَ: لَمْ أُومَرُ بِذَلِكَ فَلَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ حَتَّى نَزَلَتْ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ بِرَكْعَتَيِ الطَّوَافِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ: أَنَّهُ ﵇ لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ عَمَدَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، وَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَلِلشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ الرَّكْعَتَيْنِ قَوْلَانِ اهـ. وَهُمَا وَاجِبَتَانِ عَقِبَ كُلِّ طَوَافٍ عِنْدَنَا. (وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِكَ الْبَرُّ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيِ الْبَارُّ وَهُوَ الصَّالِحُ (وَالْفَاجِرُ) ، أَيِ الْفَاسِقُ (فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ أَنْ يَحْتَجِبْنَ) أَيْ: عَنِ الْأَجَانِبِ مُطْلَقًا (فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ) : وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ آكُلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَيْسًا فِي قَعْبٍ، فَمَرَّ عُمَرُ فَدَعَاهُ فَأَكَلَ فَأَصَابَتْ أُصْبُعُهُ أُصْبُعِي فَقَالَ: حِسَّ أَوْ آهِ لَوْ أَطَاعَ فِيكُنَّ مَا رَأَتْكُنَّ عَيْنٌ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَقَوْلُهُ: حِسَّ بِكَسْرِ السِّينِ وَالتَّشْدِيدِ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْإِنْسَانُ إِذَا أَصَابَهُ مَا أَحْرَقَهُ كَالْجَمْرَةِ وَالضَّرْبَةِ وَنَحْوِهِمَا. ( «وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَيْرَةِ» ) ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الْعَسَلَ وَالْحَلْوَاءَ، وَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ فَغِرْتُ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لِي: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ، فَسَقَتِ النَّبِيَّ ﷺ مِنْهُ شَرْبَةً فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ، الْحَدِيثَ. فَنَزَلَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] . (فَقُلْتُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ﴾ [التحريم: ٥] : بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ أَيْ: يُعْطِيهِ بَدَلًا عَنْكُنَّ ﴿أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ» .

стр. 8439

٦٠٥١ - وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٠٥١ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ) . بَدَلُ تَفْصِيلٍ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى مُسْلِمٍ عَلَى مَا فِي الرِّيَاضِ، وَأَخْرَجَ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ، وَأَبُو الْفَرَجِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي أَرْبَعٍ؛ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ عَلَى نِسَائِكَ حِجَابًا فَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وَقُلْتُ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ : لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لَيُبْدِلَنَّهُ اللَّهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ. وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قُلْتُ: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، فَنَزَلَ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ ﷺ «تَزِيدُ فِي الْقُرْآنِ يَا عُمَرُ» ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَا وَقَالَ: إِنَّهَا تَمَامُ الْآيَةِ. أَخْرَجَهَا السَّجَاوَنْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ كَاتِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا أَمْلَى كَذَلِكَ قَالَ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ يُوحَى إِلَيْهِ فَأَنَا كَذَلِكَ، فَارْتَدَّ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ رَاجَعَ إِسْلَامَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ.

стр. 8440

٦٠٥٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: فُضِّلَ النَّاسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِأَرْبَعٍ: بِذِكْرِ الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ، أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] وَبِذِكْرِهِ الْحِجَابَ، أَمَرَ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَقَالَتْ لَهُ زَيْنَبُ: وَإِنَّكَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وَبِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ : (اللَّهُمَّ أَيِّدِ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ) . وَبِرَأْيِهِ فِي أَبِي بَكْرٍ ﵁ كَانَ أَوَّلَ نَاسٍ بَايَعَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٦٠٥٢ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) ، أَيْ: مَوْقُوفًا (قَالَ: فُضِّلَ النَّاسَ) : بِضَمِّ فَاءٍ وَتَشْدِيدِ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَنَصْبِ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ مُقَدَّمٌ عَلَى نَائِبِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁) ، أَيْ: فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِاخْتِصَاصِهِ (بِأَرْبَعٍ) ، أَيْ: مِنَ الْخِصَالِ (بِذِكْرِ الْأُسَارَى) ، أَيْ: بِذِكْرِهِ إِيَّاهُمْ أَوْ بِذِكْرِهِمْ عِنْدَهُ (يَوْمَ بَدْرٍ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ) ، اسْتِئْنَافٌ أَوْ حَالٌ (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] ، أَيْ: مَكْتُوبٌ أَوْ حُكْمٌ ﴿مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] أَيْ: إِثْبَاتُهُ فِي اللَّوْحِ، أَوْ فِي الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ الْمُخْطِئَ فِي اجْتِهَادِهِ، أَوْ أَنَّ أَهْلَ بَدْرٍ مَغْفُورٌ لَهُمْ ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] أَيْ: لَأَصَابَكُمْ ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] أَيْ: مِنَ الْفِدَاءِ عِوَضًا عَنِ الْأَعْدَاءِ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] أَيْ: فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْأُخْرَى، وَكَانَ أَخْذُهُمُ الْفِدْيَةَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْكُفَّارِ خَطَأً فِي الِاجْتِهَادِ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ أَخْذَ الْمَالِ مِنْهُمْ أَنْسَبُ لِيَتَقَوَّى الْمُؤْمِنُونَ بِهِ، وَلَعَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَرْبَابِ الْجَمَالِ، أَوْ بَلْ يَنْبَغِي قَتْلُهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَرُؤَسَاؤُهُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْجَلَالِ، وَلَمَّا كَانَ ﷺ مِنْ كَمَالِهِ مَائِلًا إِلَى الْجَمَالِ اخْتَارَ قَوْلَ الصِّدِّيقِ فِي الْحَالِ، وَكَانَ مُطَابِقًا لِمَا فِي أَزَلِ الْآزَالِ مِنْ حُسْنِ الْمَآلِ، وَتَفْصِيلُهُ عَلَى مَا فِي الرِّيَاضِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَنُو الْعَمِّ وَبَنُو الْعَشِيرَةِ وَالْإِخْوَانِ غَيْرَ أَنَّا نَأْخُذُ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ، فَيَكُونَ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَكُونُوا لَنَا عَضُدًا. قَالَ: (فَمَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهُمْ، فَنُقَرِّبُهُمْ وَنَضْرِبُ أَعْنَاقَهُمْ. قَالَ: فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَانِ يَبْكِيَانِ. قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بِكَيْتُ وَإِلَّا تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا. فَقَالَ: لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُكُمْ أَدْنَى مِنَ الشَّجَرَةِ وَالشَّجَرَةُ قَرِيبَةٌ حِينَئِذٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] » أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَعَنِ الْبُخَارِيِّ مَعْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] الْآيَةَ. وَفِي طَرِيقٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ عُمَرَ فَقَالَ: (لَقَدْ كَانَ يُصِيبُنَا بَلَاءٌ) أَخْرَجَهُ الْوَاحِدِيُّ مُسْنَدًا فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ، وَفِي بَعْضِهَا: لَقَدْ كَادَ يُصِيبُنَا بِخِلَافِكَ شَرٌّ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ نَارٌ لَمَا نَجَا مِنْهَا إِلَّا عُمَرُ» . وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ. (وَبِذِكْرِهِ الْحِجَابَ) ، وَالضَّمِيرُ لِعُمَرَ (أَمَرَ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَقَالَتْ لَهُ زَيْنَبُ) أَيْ: بِنْتُ جَحْشٍ، وَهِيَ بِنْتُ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (وَإِنَّكَ عَلَيْنَا) أَيْ: تَحْكُمُ أَوْ تَغَارُ (يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِنَا) ؟ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] بِالْهَمْزِ وَنَقْلِهِ، أَيِ اطْلُبُوهُنَّ حَالَ كَوْنِهِنَّ ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أَيْ: سِتَارَةٍ (وَبِدَعْوَةِ النَّبِيِّ) ، أَيْ: وَبِإِجَابَةِ دُعَائِهِ ﷺ فِي حَقِّهِ بِقَوْلِهِ: (اللَّهُمَّ أَيِّدِ الْإِسْلَامَ) أَيْ: أَعِزَّهُ (بِعُمَرَ. وَبِرَأْيِهِ فِي أَبِي بَكْرٍ ﵁) أَيْ وَبِاجْتِهَادِهِ فِي شَأْنِ أَبِي بَكْرٍ حَالَ خِلَافَتِهِ (كَانَ أَوَّلَ نَاسٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَوَّلَ النَّاسِ (بَايَعَهُ) . أَيْ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ غَيْرُهُ تَابَعَهُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 8441

٦٠٥٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «ذَاكَ الرَّجُلُ أَرْفَعُ أُمَّتِي دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ» ) . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَاللَّهِ مَا كُنَّا نُرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ٦٠٥٣ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ذَاكَ الرَّجُلُ أَرْفَعُ أُمَّتِي دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ) . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَاللَّهِ مَا كُنَّا نُرَى) : بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: مَا كُنَّا نَظُنُّ (ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ) . أَيْ: مَاتَ عُمَرُ وَفِيهِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ تَغَيُّرٌ فِي آخِرِ عُمْرِهِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ ﷺ : ذَاكَ الرَّجُلُ إِشَارَةٌ إِلَى مُبْهَمٍ، وَالْقَصْدُ فِيهِ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَتَحَرَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُمَّتِهِ أَنْ يَنَالَ تِلْكَ الدَّرَجَةَ، وَإِنَّمَا يُنَالُ بِتَوَخِّي الْعَمَلَ وَتَحَرِّي الْأَصْوَبَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي الدِّينِ، وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْمَبَرَّاتِ، وَلَمْ تُشَاهَدْ هَذِهِ الْخِلَالُ فِي أَحَدٍ كَمَا شُوهِدَ مِنْهُ ﵁ مِنْ أَوَّلِ حَالِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، وَبِهَذَا الْقِيَاسِ ظَنُّوا أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ لَا غَيْرُهُ، وَنَحْوُهُ إِخْفَاءُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي اللَّيَالِي، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ هُوَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَأَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْخُصُوصِ، وَيُؤَيِّدُ التَّقْرِيرَ الْأَوَّلَ الْحَدِيثُ الَّذِي يَتْلُوهُ اهـ. وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الرَّجُلِ عُمَرَ مَظْنُونٌ فِيهِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، كَمَا تَقَرَّرَ عَلَيْهِ الِانْعِقَادُ وَحَصَلَ بِهِ الِاعْتِمَادُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ أَفْضَلُ أَهْلِ زَمَانِهِ حَالَ خِلَافَتِهِ، فَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ مِنْ أَصْلِهِ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ لَيْسَ مُبْهَمًا، بَلْ هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ أَكْثَرُ خُطْبَتِهِ حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ عَنِ الدَّجَّالِ وَحَذَّرَنَا مِنْهُ، وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ ذَرَأَ اللَّهُ آدَمَ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: «وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يُسَلَّطَ عَلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَيَقْتُلَهَا فَيَنْشُرَهَا بِالْمِنْشَارِ حَتَّى يُلْقَى شِقَّتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا فَإِنَّمَا أَبْعَثُهُ الْآنَ، ثُمَّ لَمْ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرِي، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ فَيَقُولُ لَهُ الْخَبِيثُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ وَأَنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ، أَنْتَ الدَّجَّالُ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَشَدَّ بَصِيرَةً بِكَ مِنَ الْيَوْمِ» ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الطَّنَافِسِيُّ: فَحَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ حَدِيثًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيِّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ذَاكَ الرَّجُلُ أَرْفَعُ أُمَّتِي دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ) قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَاللَّهِ مَا كُنَّا نُرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ اهـ. سِيَاقُ ابْنِ مَاجَهْ فَانْظُرْ وَتَأَمَّلْ سِيَاقَ الْمُصَنِّفِ الْحَدِيثَ وَاخْتِصَارَهُ، حَتَّى لَمْ يُفْهَمِ الْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ، ذَكَرَهُ مَيْرَكُ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: وَاللَّهِ مَا كُنَّا إِلَخْ. مَعْنَاهُ أَنَّا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي يُقْتَلُ عَلَى يَدِ الدَّجَّالِ هُوَ عُمَرُ حَتَّى مَاتَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُهُ، لَكِنْ يُشْكِلُ أَفْضَلِيَّةُ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَيُدْفَعُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي زَمَانِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الْجَزَرِيِّ فِي بَابِ الْعَلَامَاتِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْمَقْتُولَ عَلَى يَدِ الدَّجَّالِ هُوَ الْخَضِرُ ﵇ فَلَا إِشْكَالَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَبِيٌّ كَمَا هُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.

стр. 8442

٦٠٥٤ - وَعَنْ أَسْلَمَ ﵁ قَالَ: سَأَلَنِي ابْنُ عُمَرَ بَعْضَ شَأْنِهِ - يَعْنِي عُمَرَ - فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حِينِ قُبِضَ كَانَ أَجَدَّ وَأَجْوَدَ حَتَّى انْتَهَى مِنْ عُمَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦٠٥٤ - (وَعَنْ أَسْلَمَ) : هُوَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كُنْيَتُهُ أَبُو خَالِدٍ كَانَ حَبَشِيًّا، وَقِيلَ: مِنْ سَبْيِ الْيَمَنِ اشْتَرَاهُ عُمَرُ بِمَكَّةَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، سَمِعَ عُمَرَ وَغَيْرَهُ، بَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ لِيُقِيمَ الْحَجَّ بِالنَّاسِ، رَوَى عَنْهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَغَيْرُهُ، مَاتَ فِي وِلَايَةِ مَرْوَانَ، وَلَهُ مِائَةٌ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. (قَالَ: سَأَلَنِي ابْنُ عُمَرَ بَعْضَ شَأْنِهِ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: عَنْ بَعْضِ شَأْنِهِ (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ بِالْمُضْمَرِ (عُمَرَ) ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بَعْضُ شَأْنِهِ الْمَخْفِيِّ عَنِ النَّاسِ مِنْ عَادَتِهِ الْكَائِنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَلَى طَرِيقِ الْإِخْلَاصِ، (فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. أَيْ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْخِلَالِ، وَتَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ حِينَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ ابْتِدَاءِ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَاتِ وَثَبَاتِهِ عَلَيْهَا (حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ) أَيْ: مَاتَ، وَضَبْطُ حِينَ بِالْفَتْحِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ (كَانَ) أَيْ: ذَلِكَ الْأَحَدُ (أَجَدَّ) أَيْ: أَجْهَدَ فِي الدِّينِ (وَأَجْوَدَ) أَيْ: أَحْسَنَ فِي طَلَبِ الْيَقِينِ (حَتَّى انْتَهَى) أَيْ: إِلَى آخِرِ عُمْرِهِ (مِنْ عُمَرَ) . تَنَازَعَ فِيهِ أَجَدَّ وَأَجْوَدَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ أَيْ: فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ لِيَخْرُجَ أَبُو بَكْرٍ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8443

٦٠٥٥ - وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ جَعَلَ يَأْلَمُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَأَنَّهُ يُجَزِّعُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا كُلُّ ذَلِكَ؟ ، لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ، فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقَكَ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقَكَ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ الْمُسْلِمِينَ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ، قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِضَاهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مَنٌّ مِنَ اللَّهِ مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَرِضَاهُ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ مَنٌّ مِنَ اللَّهِ مَنَّ بِهِ عَلَيَّ. وَأَمَّا مَا تَرَى مِنْ جَزَعِي، فَهُوَ مِنْ أَجْلِكَ وَمِنْ أَجْلِ أَصْحَابِكَ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦٠٥٥ - (وَعَنِ الْمِسْوَرِ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ (ابْنِ مَخْرَمَةَ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَفَتْحِ رَاءٍ، هُوَ ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وُلِدَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ، وَقَدِمَ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَقُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَهُ ثَمَانِي سِنِينَ وَسَمِعَ مِنْهُ وَحَفِظَ عَنْهُ، وَكَانَ فَقِيهًا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ، وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ تَرْجَمَتِهِ. (قَالَ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ طَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ (جَعَلَ) أَيْ: طَفِقَ عُمَرُ (يَأْلَمُ) أَيْ: يُظْهِرُ أَثَرَ أَلَمِهِ بِالْأَنِينِ وَنَحْوِهِ (فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَأَنَّهُ) أَيِ: ابْنَ عَبَّاسٍ (يُجَزِّعُهُ) : بِتَشْدِيدِ الزَّايِ أَيْ يَنْسِبُهُ إِلَى الْجَزَعِ وَيَلُومُهُ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ لَهُ مَا يُسَلِّيهِ بِمَا يُزِيلُ عَنْهُ الْجَزَعَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] أَيْ أُزِيلَ عَنْهُمُ الْفَزَعُ، وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْقَائِلِ وَمَقُولِهِ: (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: وَلَا كُلُّ ذَلِكَ) ؟ بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ، وَالْمَعْنَى لَا تُبَالِغُ فِيمَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الْجَزَعِ. قَالَ مَيْرَكُ وَفِي نُسْخَةٍ: لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ، وَالَّذِي فِي الْأَصْلِ رِوَايَةُ الْكُشْمِهَنِيِّ، وَلِبَعْضِهِمْ: وَلَا كَانَ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ دُعَاءٌ أَيْ لَا يَكُونُ مَا تَخَافُهُ، أَوْ لَا يَكُونُ الْمَوْتُ بِتِلْكَ الطَّعْنَةِ (لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقَكَ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ) ، أَيْ لِقَوْلِهِ: (لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ) . (ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقَكَ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، أَيْ حَيْثُ جَعَلَكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ثُمَّ صَحِبْتَ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ: أَيَّامَ خِلَافَتِكَ (فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ) ، أَيْ بِإِظْهَارِ الْعَدَالَةِ وَإِتْقَانِ السِّيَاسَةِ (وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ) أَيْ: فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ (لَتُفَارِقَنَّهُمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ لَفَارَقْتَهُمْ (وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ) ، أَيْ وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَنْكَ رَاضٍ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنْهُ فَأَنْتَ مُبَشَّرٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ - ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] وَالْمَوْتُ تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَكُونُ سَبَبًا لِلِقَاءِ الْمَوْلَى فِي الْمَقَامِ الْأَعْلَى. (قَالَ) أَيْ: عُمَرُ (أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِضَاهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مَنٌّ) : بِفَتْحِ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ نُونٍ أَيْ: مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ (مِنَ اللَّهِ مَنَّ بِهِ عَلَيَّ) أَيْ: تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِهِ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ بَلْ بِجَذْبَةٍ مِنْهُ، فَلَا أُنْكِرُ كَرَمَهُ، بَلْ أَشْكُرُهُ وَأَحْمَدُهُ. (وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَرِضَاهُ، إِنَّمَا ذَلِكَ مَنٌّ مِنَ اللَّهِ مَنَّ بِهِ عَلِيَّ) . أَيْ حَيْثُ وَفَّقَنِي عَلَى تَقْدِيمِهِ وَمُسَاعَدَتِهِ فِي تَقْوِيمِهِ، وَلَعَلَّ إِعْرَاضَهُ عَنْ رِضَا النَّاسِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى رِضَا اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وَلِلْإِيمَاءِ أَنَّ رِضَاهُمْ أَيْضًا مِنْ أَثَرِ رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ وَهَدَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ (وَأَمَّا مَا تَرَى مِنْ جَزَعِي) ، أَيْ فَزَعِي الْمُتَوَهَّمِ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ مَوْتِي (فَهُوَ مِنْ أَجْلِكَ وَمِنْ أَجْلِ أَصْحَابِكَ) : عَطْفٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ، أَيْ مِنْ جِهَةِ أَنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ وُقُوعِ الْفِتَنِ بَيْنَكُمْ لَمَّا كَانَ كَالْبَابِ يَسُدُّ الْمِحَنَ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ أَخَافُ أَيْضًا عَلَى نَفْسِي، وَلَا آمَنُ مِنْ عَذَابِ رَبِّي، لِأَنَّهُ (وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الْأَرْضِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ مَا يَمْلَؤُهَا (ذَهَبًا) : حَتَّى يَطْلُعَ وَيَسِيلَ (لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ) . أَيِ اللَّهَ أَوْ عَذَابَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِغَلَبَةِ الْخَوْفِ الَّذِي وَقَعَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ خَشْيَةِ التَّقْصِيرِ فِيمَا يَجِبُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، أَوْ مِنَ الْفِتْنَةِ بِمَدْحِهِمْ، كَذَا فِي " فَتْحِ الْبَارِي ". وَقَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ ﵁ رَجَّحَ جَانِبَ الْخَوْفِ عَلَى الرَّجَاءِ لِمَا أُشْعِرَ مِنْ فِتَنٍ تَقَعُ بَعْدَهُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَزِعَ جَزَعًا عَلَيْهِمْ وَتَرَحُّمًا لَهُمْ، وَمِنَ اسْتِغْنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْعَالَمِينَ كَمَا قَالَ عِيسَى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] وَكَانَ جَانِبُ الْخَوْفِ عَلَيْهِ غَالِبًا، فَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ هَضْمًا لِنَفْسِهِ وَانْكِسَارًا، وَلِذَلِكَ نَسَبَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْفَضِيلَةِ إِلَى مِنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِفْضَالِهِ، وَفِي " الِاسْتِيعَابِ ": إِنَّ عُمَرَ ﵁ حِينَ احْتُضِرَ قَالَ وَرَأَسُهُ فِي حِجْرِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: ظَلُومٌ لِنَفْسِي غَيْرَ أَنِّيَ مُسْلِمٌ أُصَلِّي صَلَاتِي كُلَّهَا وَأَصُومُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَدُفِنَ يَوْمَ الْأَحَدِ عَاشِرَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي عُمُرِهِ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَنِصْفًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَبَاقِي الْعَشَرَةِ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8444

وَفِي " الرِّيَاضِ ": مِنْ جُمْلَةِ كَرَامَاتِهِ وَمُكَاشَفَاتِهِ ; مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ تَرَكَ الْخُطْبَةَ وَنَادَى: يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى خُطْبَتِهِ فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ تَرَكَ خُطْبَتَهُ وَنَادَى: يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ يَنْبَسِطُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَجْعَلُ لِلنَّاسِ عَلَيْكَ مَقَالًا؛ بَيْنَمَا أَنْتَ فِي خُطْبَتِكَ إِذْ نَادَيْتَ يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ، أَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا مَلَكْتُ ذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُ سَارِيَةَ وَأَصْحَابَهُ يُقَاتِلُونَ عِنْدَ جَبَلٍ يُؤْتَوْنَ مِنْهُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، فَلَمْ أَمْلِكْ أَنْ قُلْتُ: يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ لِيَلْحَقُوا بِالْجَبَلِ، فَلَمْ يَمْضِ أَيَّامٌ حَتَّى جَاءَ رَسُولُ سَارِيَةَ بِكِتَابِهِ أَنَّ الْقَوْمَ لَقُونَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَاتَلْنَاهُمْ مِنْ حِينِ صَلَّيْنَا الصُّبْحَ إِلَى أَنْ حَضَرَتِ الْجُمُعَةُ وَدَرَّ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ مُنَادٍ يُنَادِي: الْجَبَلَ مَرَّتَيْنِ، فَلَحِقْنَا بِالْجَبَلِ فَلَمْ نَزَلْ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّنَا حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُرْوَى: أَنَّ مِصْرَ لَمَّا فُتِحَتْ أَتَى أَهْلُهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ هَذَا النِّيلَ يَحْتَاجُ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ مِنْ أَحْسَنِ الْجَوَارِي فَنُلْقِيهَا فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجْرِي وَتَخْرُبُ الْبِلَادُ وَتَقْحَطُ، فَبَعَثَ عَمْرٌو إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ يُخْبِرُهُ بِالْخَبَرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عُمَرُ: الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ بِطَاقَةً فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِلَى نِيلِ مِصْرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنْ كُنْتَ تَجْرِي بِأَمْرِ اللَّهِ فَاجْرِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُلْقِيَهَا فِي النِّيلِ، فَجَرَى فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا فَزَادَ عَلَى كُلِّ سَنَةٍ سِتَّةَ أَذْرُعٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا أُلْقِيَ كِتَابُهُ جَرَى وَلَمْ يَعُدْ يَقِفُ، خَرَّجَهَا الْمُلَّا فِي سِيرَتِهِ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ: أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَاللَّالَكَائِيُّ وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَالْخَطِيبُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَالثَّانِي: أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ بِسَنَدِهِ إِلَى قَيْسِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ جَدَّتِهِ. وَلَمَّا دَخَلَ مُسْلِمٌ الْخَوْلَانِيُّ الْمَدِينَةَ مِنَ الْيَمَنِ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي الْيَمَنِ عَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَأَبَى، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَمَرَ بِتَأْجِيجِ نَارٍ عَظِيمَةٍ وَأَلْقَى فِيهَا أَبُو مُسْلِمٍ فَلَمْ يَضُرَّهُ، فَأَمَرَ بِنَفْيِهِ مِنْ بِلَادِهِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ عُمَرُ: هَذَا صَاحِبُكُمُ الَّذِي زَعَمَ الْأَسْوَدُ الْكَذَّابُ أَنَّهُ يُحْرِقُهُ فَنَجَّاهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَلَمْ يَكُنِ الْقَوْمُ وَلَا عُمَرُ سَمِعُوا قَضِيَّتَهُ وَلَا رَأَوْهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ وَاعْتَنَقَهُ. وَقَالَ: أَلَسْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَيُّوبَ؟ قَالَ: بَلَى، فَبَكَى عُمَرُ ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ شَبِيهًا بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇. وَرُوِيَ أَنَّهُ عَسَّ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَأَتَى امْرَأَةً وَهِيَ تَقُولُ لِابْنَتِهَا: قُومِي وَامَرَئِي اللَّبَنَ. فَقَالَتْ: لَا تَفْعَلِينَ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ. قَالَتْ: وَمِنْ أَيْنَ يَدْرِي؟ فَقَالَتْ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ فَإِنَّ رَبَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَدْرِي ذَلِكَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ عُمَرُ قَالَ لِابْنِهِ عَاصِمٍ: اذْهَبْ إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ هُنَاكَ صَبِيَّةً فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْغُولَةً، فَتَزَوَّجْ بِهَا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَكَ مِنْهَا نَسَمَةً مُبَارَكَةً، فَتَزَوَّجَ عَاصِمٌ تِلْكَ الْبُنَيَّةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ أُمَّ عَاصِمٍ بِنْتَ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. خَرَّجَهُمَا فِي " الْفَضَائِلِ ". وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَبْصَرَ أَعْرَابِيًّا نَازِلًا مِنْ جَبَلٍ فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ مُصَابٌ بِوَلَدِهِ قَدْ نَظَمَ فِيهِ سَبْعَةَ أَبْيَاتٍ لَوْ أَشَاءُ لَأَسْمَعْتُكُمْ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ أَعْلَى هَذَا الْجَبَلِ. قَالَ: وَمَا صَنَعْتَ فِيهِ؟ قَالَ: أَوْدَعْتُهُ وَدِيعَةً لِي. قَالَ: وَمَا وَدِيعَتُكَ؟ قَالَ: بُنَيٌّ لِي هَلَكَ فَدَفَنْتُهُ فِيهِ. قَالَ: فَأَسْمِعْنَا مِنْ مَرْثِيَّتِكَ فِيهِ. قَالَ: مَا يُدْرِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَاللَّهِ مَا تَفَوَّهْتُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا حَدَّثْتُ بِهِ نَفْسِي ثُمَّ أَنْشَدَ: يَا غَائِبًا مَا يَؤُوبُ مِنْ سَفَرٍ ... عَاجَلَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ عَلَى صِغَرِهِ يَا قُرَّةَ الْعَيْنِ كُنْتَ لِي أُنُسًا ... فِي طُولِ لَيْلِي نَعَمْ وَفِي قِصَرِهِ مَا تَقَعُ الْعَيْنُ حَيْثُمَا وَقَعَتْ ... فِي الْحَيِّ إِلَّا مِنْ عَلَى أَثَرِهِ شَرِبْتَ كَأْسًا أَبُوكَ شَارِبُهَا ... لَا بُدَّ مِنْهُ لَهُ عَلَى كِبَرِهِ بِشُرْبِهَا وَالْأَنَامُ كُلُّهُمُ ... مَنْ كَانَ فِي بَدْوِهِ وَفِي حَضَرِهِ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا شَرِيكَ لَهُ ... فِي حُكْمِهِ كَانَ ذَا وَفِي قَدَرِهِ قَدَّرَ مَوْتًا عَلَى الْعِبَادِ فَمَا ... يَقْدِرُ خَلْقٌ يَزِيدُ فِي عُمُرِهِ قَالَ: فَبَكَى حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقْتَ يَا أَعْرَابِيُّ.

стр. 8445

وَمِنْ كَثْرَةِ اتِّبَاعِهِ لِلسُّنَّةِ، مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِلْعَبَّاسِ مِيزَابٌ عَلَى طَرِيقِ عُمَرَ، فَلَبِسَ عُمَرُ ثِيَابَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ كَانَ ذُبِحَ لِلْعَبَّاسِ فَرْخَانِ، فَلَمَّا وَافَى الْمِيزَابَ صُبَّ مَاءٌ بِدَمِ الْفَرْخَيْنِ، فَأَصَابَ عُمَرَ فَأَمَرَ عُمَرُ بِقَلْعِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَرَحَ ثِيَابَهُ وَلَبِسَ ثِيَابًا غَيْرَ ثِيَابِهِ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الْعَبَّاسُ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عُمَرُ لِلْعَبَّاسِ: وَأَنَا أَعْزِمُ عَلَيْكَ لَمَّا صَعِدْتَ عَلَى ظَهْرِي حَتَّى تَضَعَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفَعَلَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ أَخْرَجَهُ. وَهَذِهِ الِاسْتِقَامَةُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ كَرَامَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ نَفَقَتَهُ فِي حَجَّتِهِ كَانَتْ سِتَّةَ عَشَرَ دِينَارًا. وَمَعَ ذَلِكَ يَقُولُ: أَسْرَفْنَا فِي هَذَا الْمَالِ، وَلَمْ يَسْتَظِلَّ إِلَّا تَحْتَ كِسَاءٍ، أَوْ نِطَعٍ مُلْقَاةٍ عَلَى شَجَرَةٍ.

стр. 8446

[بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦٠٥٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: « (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ أَعْيَا، فَرَكِبَهَا، فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِحِرَاثَةِ الْأَرْضِ. فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ!) . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) وَمَا هُمَا ثَمَّ. وَقَالَ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمٍ لَهُ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ مِنْهَا، فَأَخَذَهَا، فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا، فَاسْتَنْقَذَهَا، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبْعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ! ، فَقَالَ أُومِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) وَمَا هُمَا ثَمَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٥] بَابُ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦٠٥٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً) أَيْ: يَدْفَعُهَا مِنْ وَرَائِهَا (إِذْ أَعْيَا) : بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: إِذْ عَيِيَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْيَاءِ الْأُولَى أَيْ تَعِبَ الرَّجُلُ مِنَ الْمَشْيِ (فَرَكِبَهَا، فَقَالَتْ: إِنَّا) أَيْ: جِنْسَ الْبَقَرِ (لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا) أَيْ: لِلرُّكُوبِ (إِنَّمَا خُلِقْنَا لِحِرَاثَةِ الْأَرْضِ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ إِثَارَتِهَا لِزِرَاعَتِهَا، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رُكُوبَ الْبَقَرِ وَالْحَمْلَ عَلَيْهَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، فَالْحَصْرُ إِضَافِيٌّ لِتَأْكِيدِ مَا قَبْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الدَّوَابَّ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِيمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى تَعْظِيمِ مَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ، وَلَمْ يَرِدِ الْحَصْرُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ اتِّفَاقًا، لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا خُلِقَتْ لَهُ أَنْ تُذْبَحَ وَتُؤْكَلَ بِالِاتِّفَاقِ. قُلْتُ: لَا شَكَّ أَنَّ الْحَدِيثَ يُفِيدُ نَفْيَ جَوَازِ رُكُوبِ الْبَقَرِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَّرَهُ ﷺ لَنَا وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي ذَبْحِهَا وَأَكْلِهَا لِأَنَّهُمَا مَعْلُومَانِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَهُمَا مُسْتَثْنَيَانِ شَرْعًا وَعُرْفًا. (فَقَالَ النَّاسُ) أَيِ: الْحَاضِرُونَ (سُبْحَانَ اللَّهِ) أَيْ: تَعَجُّبًا (بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ) بِضَمِّ الْمِيمِ مُضَارِعٌ حُذِفَ مِنْهُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيِ الْبَقَرَةُ تَتَكَلَّمُ، وَالْحَالُ أَنَّهَا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الصَّامِتَةِ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ) : جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: فَإِنْ كَانَ النَّاسُ يَسْتَغْرِبُونَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ فَإِنِّي لَا أَسْتَغْرِبُهُ وَأُومِنُ بِهِ (أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) : قَالَ شَارِحٌ: عَطْفٌ عَلَى الْمُسْتَكِنِّ فِي أُومِنُ وَأَنَا تَأْكِيدٌ لَهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فَإِنْ قُلْتَ: مَا فَائِدَةُ ذِكْرِ أَنَا وَعَطْفِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا عَطْفٌ عَلَى الْمُسْتَتِرِ فِي أُومِنُ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ؟ قُلْتُ: لَوْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَا لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ وَأَبُو بَكْرٍ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ إِنَّ وَاسْمِهَا، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ فَلَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى التَّأْكِيدِ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ وَارِدَةً عَلَى التَّبَعِيَّةِ وَلَا كَذَلِكَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَعْنِي فِي زِيَادَةِ أَنَا فَإِنَّهُ يُفِيدُ حِينَئِذٍ الِاشْتِرَاكَ. (وَمَا هُمَا ثَمَّ) . بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ: وَلَيْسَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي قَالَ ﷺ فِيهِ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا فِي الْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ تَخْصِيصَهُمَا بِالتَّصْدِيقِ الَّذِي بَلَغَ عَيْنَ الْيَقِينِ، وَكُوشِفَ صَاحِبُهُ بِالْحَقِيقَةِ الَّتِي لَيْسَ وَرَاءَهَا لِلتَّعَجُّبِ مَجَالٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، قَوْلُهُ: بِهِ أَيْ أُصَدِّقُ أَنَا بِمَا أَخْبَرَنِي بِهِ الْمَلَكُ مِنْ تَكَلُّمِ الْبَقَرَةِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ لِقُوَّةِ إِيمَانِهِمَا بِمَا أَخْبَرْتُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَخْبَرَهُمَا بِهِ فَصَدَّقَاهُ، أَوْ أَطْلَقَ ذَلِكَ لِمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُمَا يُصَدِّقَانِ بِذَلِكَ وَلَا يَتَرَدَّدَانِ فِيهِ اهـ. وَالْأَخِيرُ هُوَ الصَّحِيحُ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَقَامُ الْمَدْحِ، وَكَمَا يُشْعِرُ إِلَيْهِ قَوْلُ الرَّاوِي: وَمَا هُمَا ثَمَّ، وَإِلَّا فَكُلُّ مُؤْمِنٍ يُصَدِّقُ النَّبِيَّ فِيمَا أَخْبَرَهُ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ وَجْهٍ يُمَيِّزُهُمَا عَنْ غَيْرِهِمَا، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ مُشَارَكَتُهُمَا فِي الْإِيمَانِ الْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ ﷺ .

стр. 8447

(وَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵇: (بَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمٍ لَهُ) أَيْ: فِي قِطْعَةِ غَنِمٍ كَائِنٍ لَهُ مِلْكًا أَوِ اخْتِصَاصًا بِرَعْيِهَا (إِذْ عَدَا الذِّئْبُ) أَيْ: حَمَلَ ذِئْبٌ مِنَ الذِّئَابِ (عَلَى شَاةٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ قِطْعَةِ الْغَنَمِ (فَأَخَذَهَا) ، أَيِ الذِّئْبُ الشَّاةَ (فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَاسْتَنْقَذَهَا) أَيِ: اسْتَخْلَصَهَا مِنَ الذِّئْبِ (فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: فَمَنْ لَهَا) أَيْ: فَمَنْ يَحْفَظُ الشَّاةَ (يَوْمَ السَّبْعِ) ، بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا (يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي) ؟ قَالَ شَارِحٌ: رُوِيَ السَّبُعُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِهَا كَعَضُدٍ وَعَضْدٍ، وَالْمُرَادُ بِيَوْمِ السَّبْعِ حِينَ يَمُوتُ النَّاسُ وَيَبْقَى الْوُحُوشُ، أَوْ يَوْمَ الْإِمْهَالِ مِنْ قَوْلِهِمْ: سَبَعَ الذِّئْبُ الْغَنَمَ إِذَا افْتَرَسَهَا وَأَكَلَهَا، فَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَهَا عِنْدَ الْفِتَنِ حِينَ يَتْرُكُهَا النَّاسُ لَا رَاعِيَ لَهَا نُهْبَةً لِلذِّئَابِ وَالسِّبَاعِ، فَجُعِلَ السَّبْعُ لَهَا رَاعِيًا إِذْ هُوَ مُنْفَرِدٌ بِهَا، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِضَمِّ الْبَاءِ، وَقِيلَ: يُسَكَّنُ عَلَى لُغَةِ تَمِيمٍ، وَهَذَا إِنْذَارٌ رُبَّمَا يَكُونُ مِنَ الشَّدَائِدِ وَالْفِتَنِ الَّتِي يُهْمِلُ النَّاسُ فِيهَا مَوَاشِيَهُمْ، فَيَتَمَكَّنُ مِنْهَا السِّبَاعُ بِلَا مَانِعَ، وَقِيلَ يَوْمَ السَّبْعِ بِسُكُونِ الْبَاءِ، وَيُرْوَى بِضَمِّهَا أَيْضًا: عِيدٌ كَانَ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ عَلَى اللَّهْوِ وَيُهْمِلُونَ مَوَاشِيَهُمْ، فَيَأْكُلُهَا السَّبْعُ، وَقِيلَ: السَّبْعُ بِسُكُونِ الْبَاءِ الْمَوْضِعُ الَّذِي عِنْدَهُ الْمَحْشَرُ يُرِيدُ بِيَوْمِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يُنَاسِبُ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي. (فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ!) فَقَالَ: (أُومِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.

стр. 8448

٦٠٥٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنِّي لَوَاقِفٌ فِي قَوْمٍ فَدَعَوُا اللَّهَ لِعُمَرَ وَقَدْ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ، إِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلَفِي قَدْ وَقَعَ مِرْفَقُهُ عَلَى مَنْكِبِي يَقُولُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، لِأَنِّي كَثِيرًا مَا كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَفَعَلْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَانْطَلَقْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ) . فَالْتَفَتُّ فَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٠٥٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنِّي لَوَاقِفٌ فِي قَوْمٍ فَدَعَوُا اللَّهَ) أَيِ: الْقَوْمُ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَدْعُونَ اللَّهَ. (لِعُمَرَ وَقَدْ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ) ، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ عُمَرَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ وَضْعُ عُمَرَ يَوْمَ مَاتَ عَلَى سَرِيرِهِ لِلْغُسْلِ وَحَضَرَهُ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِهِ (إِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي قَدْ وَضَعَ مِرْفَقَهُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَيَجُوزُ عَكْسُهُ (عَلَى مَنْكِبِي) : بِفَتْحِ مِيمٍ وَكَسْرِ كَافٍ (يَقُولُ) أَيْ: مُخَاطِبًا لِعُمَرَ (يَرْحَمُكَ اللَّهُ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: رَحِمَكَ اللَّهُ (إِنِّي لَأَرْجُو) : وَفِي نُسْخَةٍ: إِنِّي كُنْتُ لَأَرْجُو (أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ) ، أَيِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ فِي الْقَبْرِ أَوْ فِي الْجَنَّةِ. ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: (لِأَنِّي) : تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ أَيْ: أَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ مَعَهُمَا فِي عَالَمِ الْقُدُسِ لِأَنِّي (كَثِيرًا مَا كُنْتُ) : بِزِيَادَةِ (مَا) لِإِفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْكَثْرَةِ عَكْسَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ "، وَمَا فِيهِ إِبْهَامِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ وَلَيْسَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ لَفْظَةُ (مَا) فَقَوْلُهُ: كُنْتُ خَبَرُ إِنَّ، وَكَثِيرًا ظَرْفٌ وَعَامِلُهُ كَانَ قُدِّمَ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ: - ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠] وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ " الْمَصَابِيحِ " وَقَعَ هَكَذَا لِأَنِّي كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُ بِزِيَادَةِ (مِنْ) وَلَيْسَ لَهُ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ إِلَّا أَنْ يُتَعَسَّفَ، وَقَالَ: إِنِّي أَجِدُ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُ أَسْمَعُ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ (مَا) مَوْصُولَةً بِمَعْنَى (مَنْ) وَالْمَعْنَى لِأَنِّي فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ مِمَّنْ كُنْتُ (أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (كُنْتُ) أَيْ: فِي مَكَانِ كَذَا (وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَفَعَلْتُ) أَيِ: الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ مِنْ أُمُورِ الْعِبَادَةِ أَوْ مِنْ رُسُومِ الْعَادَةِ، (وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَانْطَلَقْتُ) أَيْ: ذَهَبْتُ أَيْ إِلَى مَكَانِ كَذَا، (وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ) أَيِ: الْمَسْجِدَ وَنَحْوَهُ (وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ) أَيْ: مِنْ نَحْوِ الْبَيْتِ (وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) : قِيلَ: دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ بِلَا تَأْكِيدٍ وَفَصْلٍ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُجِيزُهُ النَّحْوِيُّونَ فِي النَّثْرِ إِلَّا عَلَى ضَعْفٍ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ نَظْمًا وَنَثْرًا كَمَا قَالَهُ الْمَالِكِيُّ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ: كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَإِنَّ كَلِمَةَ لَا بَعْدَ الْعَاطِفِ وَمَعَ ذَلِكَ هِيَ زَائِدَةٌ اهـ. وَفِي رِوَايَةٍ: زَادَ هُنَا: فَإِنِّي كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ مَعَهُمَا.

стр. 8449

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالْتَفَتُّ) أَيْ: إِلَى وَرَائِي (فَإِذَا) أَيْ: ذَلِكَ الرَّجُلُ (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁) . وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْهُمْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهُ: وَأَنَّهُ وَضَعَ عُمَرَ عَلَى سَرِيرِهِ فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ؛ يَدْعُونَ وَيُثْنُونَ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ. وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَجُلٌ قَدْ أَخَذَ بِمَنْكِبِي مِنْ وَرَائِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (جِئْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، خَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) وَإِنِّي كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا.

стр. 8450

الْفَصْلُ الثَّانِي ٦٠٥٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ فِي عِلِّيِّينَ، كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا» ) . رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) ، وَرَوَى نَحْوَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٦٠٥٨ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْهَمْزِ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وَأَصْلُهُ يَتَرَاءَيُونَ مِنْ بَابِ التَّفَاعُلِ أَيْ: يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا (فِي عِلِّيِّينَ) ، أَيْ مَقَامُهُمْ وَمَنْزِلَتُهُمْ فِي غَايَةٍ مِنَ الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ (كَمَا تَرَوْنَ) أَيْ: تُبْصِرُونَ (الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ) : بِضَمِّ الدَّالِ وَيُكْسَرُ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ وَيُهْمَزُ أَيْضًا أَيِ: الْمُضِيءَ كَالدَّارِّ، أَوِ الدَّافِعِ بِنُورِهِ ظُلْمَةَ مَا حَوْلَهُ. (فِي أُفُقِ السَّمَاءِ) ، بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ أَيْ نَاحِيَتِهَا وَجَمْعُهُ آفَاقٌ (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ عِلِّيِّينَ (وَأَنْعَمَا) . أَيْ زَادَا فِي الدَّرَجَةِ وَالرُّتْبَةِ، وَتَجَاوَزَا عَنْ كَوْنِهِمَا أَهْلَ عِلِّيِّينَ فِي الْمَنْزِلَةِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى دَخَلَا فِي النَّعِيمِ كَمَا قَالَ: أَشْمَلَ إِذَا دَخَلَ فِي الشَّمَالِ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الْمُقَدَّرِ فِي مِنْهُمْ أَيْ: اسْتَقَرَّا مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا. (رَوَاهُ) أَيِ الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) . أَيْ بِإِسْنَادِهِ (وَرَوَى نَحْوَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ " الْمَصَابِيحِ " (لَمِنْهُمْ) . وَاللَّامُ زَائِدَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ نَقَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ، وَفِيهِ: مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا مِنْ غَيْرِ لَامٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ، " وَجَامِعِ الْأُصُولِ " بِغَيْرِ لَامٍ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ": «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَزَادَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ. قَالَ: ( «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» ) . رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: ( «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ فِي الْجَنَّةِ كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ فِي السَّمَاءِ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَابْنِ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا» ) . وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: ( «إِنَّ أَهْلَ عِلِّيِّينَ لَيُشْرِفُ أَحَدُهُمْ عَلَى الْجَنَّةِ فَيُضِيءُ وَجْهُهُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا يُضِيءُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا» ) .

стр. 8451

٦٠٥٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦٠٥٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ) : الْكُهُولُ: بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ الْكَهْلِ، وَهُوَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ مَنْ جَاوَزَ الثَّلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ إِلَى إِحْدَى وَخَمْسِينَ فَاعْتَبَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا حَالَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ كَهْلٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] وَقَالَ شَارِحٌ: يَعْنِي الْكُهُولَ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَهُوَ مَعْلُولٌ مَدْخُولٌ، وَقِيلَ: سَيِّدَا مَنْ مَاتَ كَهْلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا كَهْلٌ، بَلْ مَنْ يَدْخُلُهَا ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَإِذْ كَانَا سَيِّدَيِ الْكُهُولِ، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَا سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِهَا اهـ. وَفِيهِ بَحْثَانِ لَا يَخْفَيَانِ. (مِنَ الْأَوَّلِينَ) أَيْ: مِنْ أَوْلِيَاءِ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَيَكُونَانِ أَفْضَلَ مِنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ وَمِنَ الْخَضِرِ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ وَلِيٌّ. (وَالْآخِرِينَ) أَيْ: مِنْ أَوْلِيَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعُلَمَائِهِمْ وَشُهَدَائِهِمْ (إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ) . فَخَرَجَ عِيسَى ﵇ وَكَذَا الْخَضِرُ عَلَى الْقَوْلِ بِنُبُوَّتِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . أَيْ عَنْ أَنَسٍ.

стр. 8452

٦٠٦٠ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁. ــ ٦٠٦٠ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ ﵁) . وَفِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ": رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَأَبُو يَعْلَى وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ عَنْ أَنَسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ جَابِرٍ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَفِي الرِّيَاضِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ طَلَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، يَا عَلِيُّ، لَا تُخْبِرْهُمَا) » أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَأَخْرَجَهُ عَنْ أَنَسٍ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ: (سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَشَبَابِهَا بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ) . وَأَخْرَجَهُ الْمُخْلِصُ الذَّهَبِيُّ وَلَمْ يَقُلْ شَبَابِهَا وَزَادَ: قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا أَخْبَرْتُ بِهِ حَتَّى مَاتَا، وَلَوْ كَانَا حَيَّيْنِ مَا حَدَّثْتُ بِهِ، وَقَوْلُهُ: (وَلَا تُخْبِرْهُمَا يَا عَلِيُّ) رُبَّمَا سَبَقَ إِلَى الْوَهْمِ أَنَّهُ ﵇ خَشِيَ عَلَيْهِمَا الْعُجْبَ وَالْأَمْنَ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِنْ طَبْعِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَّا أَنَّ مَنْزِلَتَهُمَا عِنْدَهُ ﷺ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ وَاللَّهِ لَا تُخْبِرْهُمَا يَا عَلِيُّ قَبْلِي لِأُبَشِّرَهُمَا بِنَفْسِي فَيَبْلُغُهُمَا السُّرُورُ مِنِّي، وَإِنَّمَا قَالَ: سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، مَعَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ شَبَابٌ إِشَارَةً إِلَى كَمَالِ الْحَالِ، فَإِنَّ الْكَهْلَ أَكْمَلُ الْإِنْسَانِيَّةِ عَقْلًا مِنَ الشَّبَابِ، وَمَدَارِجُ الْجَنَّةِ عَلَى قَدْرِ الْعُقُولِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَعَلِيٍّ: (يَا عَلِيُّ إِذَا تَقَرَّبَ النَّاسُ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ فَتَقَرَّبْ أَنْتَ بِأَنْوَاعِ الْعَقْلِ) أَخْرَجَهُ الْخُجَنْدِيُّ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَقْبَلَ أَحَدُهُمَا أَخَذَ بِيَدِ صَاحِبِهِ فَقَالَ ﷺ : (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَيْنِ الْمُقْبِلَيْنِ) » . رَوَاهُ الْغَيْلَانِيُّ.

стр. 8453

٦٠٦١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنِّي لَا أَدْرِي مَا بَقَائِي فِيكُمْ؟ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦٠٦١ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنِّي لَا أَدْرِي مَا بَقَائِي فِيكُمْ) ؟ وَفِي رِوَايَةٍ إِلَّا قَلِيلًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ: لَا أَدْرِي كَمْ مُدَّةُ بَقَائِي فِيكُمْ قَلِيلٌ أَمْ كَثِيرٌ وَفِيهِ تَعْلِيقٌ (فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ) : بِاللَّامَيْنِ لِلْإِشْعَارِ لِأَنَّهُ تَثْنِيَةُ الَّذِي (مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) . بَدَلٌ مِنَ اللَّذَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ: ( «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ حُذَيْفَةَ وَزَادَ الْحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ الْقَصَّارُ: (فَإِنَّهُمَا حَبْلُ اللَّهِ الْمَمْدُودُ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِمَا تَمَسَّكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا.

стр. 8454

٦٠٦٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ لَمْ يَرْفَعْ أَحَدٌ رَأْسَهُ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، كَانَا يَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ إِلَيْهِمَا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٦٠٦٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ لَمْ يَرْفَعْ أَحَدٌ) أَيْ: مِنَ الصَّحَابَةِ (رَأْسَهُ) أَيْ: رَأَسَ نَفْسِهِ لِهَيْبَةِ مَجْلِسِهِ وَرِعَايَةِ الْأَدَبِ حَالَ انْبِسَاطِهِ وَأُنْسِهِ، وَأَبْعَدَ شَارِحٌ حَيْثُ قَالَ أَيْ: رَأْسَ النَّبِيِّ ﷺ لِاشْتِغَالِهِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى (غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) ، بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ أَحَدٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ (كَانَا يَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ إِلَيْهِمَا) ، اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ وَالتَّبَسُّمُ مَجَازٌ عَنْ كَمَالِ الِانْبِسَاطِ فِيمَا بَيْنَهُمْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . وَفِي " الرِّيَاضِ "، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَهُمْ جُلُوسٌ، فَلَا يَرْفَعُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَصَرَهُ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَإِنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ إِلَيْهِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَالْمُخْلِصُ الذَّهَبِيُّ وَالْحَافِظُ الدِّمَشْقِيُّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ عِنْدَ النَّبِيِّ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ مَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ مِنَّا إِلَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.

стр. 8455

٦٠٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، وَهُوَ آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا، فَقَالَ (هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٦٠٦٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ) أَيْ: مِنَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ (وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ) ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ نَوْعُ لَفٍّ وَنَشْرٍ مُرَتَّبٍ، فُوِّضَ إِلَى رَأَيِ السَّامِعِ لِظُهُورِهِ عِنْدَهُ (وَهُوَ آخِذٌ) : بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ (بِأَيْدِيهِمَا) ، أَيْ بِيَدَيْهِمَا (فَقَالَ: هَكَذَا) أَيْ: بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْمَسْطُورِ (نُبْعَثُ) أَيْ: نُخْرَجُ مِنَ الْقُبُورِ إِلَى مَوْضِعِ النُّشُورِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 8456

٦٠٦٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: (هَذَانِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا. ــ ٦٠٦٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ) ، بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَضُمُّهُمَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: (هَذَانِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ) ، أَيْ نَفْسُهُمَا مُبَالَغَةً كَرَجُلٍ عَدْلٍ، أَوْ هُمَا فِي الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي الدِّينِ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ لَا الْأَعْضَاءِ، فَحَذَفَ كَافَ التَّشْبِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَلِذَا يُسَمَّى تَشْبِيهًا بَلِيغًا، أَوْ هُمَا فِي الْعِزَّةِ عِنْدِي بِمَنْزِلَتِهِمَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : ( «اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ) قَالَ الْقَاضِيَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ سَمَّاهُمَا بِذَلِكَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِمَا عَلَى اسْتِمَاعِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ، وَتَهَالُكِهِمَا عَلَى النَّظَرِ فِي الْآيَاتِ الْمُنْبَثَّةِ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ وَالتَّأَمُّلِ فِيهَا وَالِاعْتِبَارِ بِهَا اهـ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ السَّمْعِ عَلَى الْبَصَرِ، كَمَا يُؤَيِّدُهُ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [النحل: ٧٨] وَنَحْوِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ بِتَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلَى الْبَصَرِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ بِدُونِ الْبَصَرِ يُتَصَوَّرُ بِخِلَافِ فَقْدِ السَّمْعِ، مَعَ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الصَّمَمُ الْبَكَمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا. قَالَ شَارِحٌ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الرَّاوِيَ هَذَا لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ . زَادَ مَيْرَكُ وَقَدْ يُقَالُ: لَهُ صُحْبَةٌ. قُلْتُ: وَقَدْ يُقَالُ لَهُ رُؤْيَةٌ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ رِوَايَةٌ. قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ": " «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ مِنَ الرَّأْسِ» ) . رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي " مُسْنَدِهِ "، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمَا لَهُ غَيْرُهُ. وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " الْحِلْيَةِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَالْخَطِيبُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا. وَرَوَى الْمُلَّا فِي سِيرَتِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي أُمَّتِي مِثْلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فِي النُّجُومِ» ) .

стр. 8457

٦٠٦٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَلَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ) . . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ــ ٦٠٦٥ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَلَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ) ، الْوَزِيرُ الْمُوَازِرُ، لِأَنَّهُ يَحْمِلُ الْوِزْرَ، أَيِ: الثِّقَلَ عَنْ أَمِيرِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا أَصَابَهُ أَمْرٌ شَاوَرَهُمَا، كَمَا أَنَّ الْمَلِكَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ مُشْكِلٌ شَاوَرَ وَزِيرَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي - هَارُونَ أَخِي - اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣١] أَيْ: عَضُدِي لِيَحْصُلَ بِهِ نَصْرِي: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٣٢] أَيْ: فِي تَدْبِيرِ أَمْرِي. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا - وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣ - ٣٤] فَإِنَّ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ لَهَا بَرَكَةٌ كَثِيرَةٌ فِي الْعِبَادَاتِ الْإِلَهِيَّةِ. (فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ) فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى فَضْلِهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ﵉ كَمَا أَنَّ فِيهِ إِيمَاءً إِلَى تَفْضِيلِ جِبْرِيلَ عَلَى مِيكَائِيلَ. (وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) . فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى فَضْلِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ، وَعَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ، لِأَنَّ الْوَاوَ وَإِنْ كَانَتْ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَلَكِنَّ تَرَتُّبَهُ فِي لَفْظِ الْحَكِيمِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَثَرٍ عَظِيمٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ) . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَالْحَكِيمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: ( «إِنَّ لِي وَزِيرَيْنِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَوَزِيرَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَوَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَوَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ) وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَلَفْظُهُ: ( «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وَزِيرَيْنِ، وَوَزِيرَايَ وَصَاحِبَايَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ) . وَأَخْرَجَ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ نُعَيْمٍ الْبَصْرِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ وَعُمَرُ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ: فَمَدَّ يَدَهُ الْمُبَارَكَةَ بَيْنَ كَتِفَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَمَدَّ يَسَارَهُ بَيْنَ كَتِفَيْ عُمَرَ، ثُمَّ قَالَ، لَهُمَا: (أَنْتُمَا وَزِيرَايَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْتُمَا وَزِيرَايَ فِي الْآخِرَةِ، هَكَذَا تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنِّي وَعَنْكُمَا، وَهَكَذَا أَزُورُ وَأَنْتُمَا رَبَّ الْعَالَمِينَ) » . وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: مَكْتُوبٌ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ، أَوْ فِي سَاقِ الْعَرْشِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَزِيرَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ الْفَارُوقُ. أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الدِّيبَاجِ، وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ اللَّهَ أَيَّدَنِي مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ بِجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَمِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» ) . أَخْرَجَهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ.

стр. 8458

٦٠٦٦ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ، فَرَجَحْتَ أَنْتَ، وَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ، وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَحَ عُمَرُ ; ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ، فَاسْتَاءَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي فَسَاءَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: (خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ) » رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٦٠٦٦ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) أَيِ: الثَّقَفِيِّ (أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : رَأَيْتُ كَأَنَّ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ (مِيزَانًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، فَوُزِنْتَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُخَاطَبِ (أَنْتَ) : ضَمِيرُ فَصْلٍ وَتَأْكِيدٍ لِتَصْحِيحِ الْعَطْفِ (وَأَبُو بَكْرٍ، فَرَجَحْتَ (: بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ أَيْ: ثَقُلْتَ وَغَلَبْتَ (أَنْتَ) ، لِتَأْكِيدِ الْمُجَرَّدِ (وَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ، وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَحَ عُمَرُ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ) . وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى وَجْهِ مَا اخْتُلِفَ فِي تَفْضِيلِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ. (فَاسْتَاءَ) : بِهَمْزِ وَصْلٍ وَسُكُونِ سِينٍ فَتَاءٍ فَأَلِفٍ فَهَمْزٍ أَيْ فَحَزِنَ. (لَهَا) أَيْ: لِلرُّؤْيَا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي) : هَذَا قَوْلُ الرَّاوِي (فَسَاءَهُ) أَيْ: فَأَحْزَنَ النَّبِيَّ (ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذَكَرَهُ الرَّجُلُ مِنْ رُؤْيَاهُ، وَذَلِكَ لِمَا عَلِمَ ﷺ مِنْ أَنَّ تَأْوِيلَ رَفْعِ الْمِيزَانِ انْحِطَاطُ رُتْبَةِ الْأُمُورِ وَظُهُورُ الْفِتَنِ بَعْدَ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَمَعْنَى رُجْحَانِ كُلٍّ مِنَ الْآخَرِ فِي الْمِيزَانِ أَنَّ الرَّاجِحَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَرْجُوحِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُوزَنْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ لِأَنَّ خِلَافَةَ عَلِيٍّ عَلَى اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِرْقَةٌ مَعَهُ وَفِرْقَةٌ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَا تَكُونُ خِلَافَةً مُسْتَقِرَّةً مُتَّفَقًا عَلَيْهَا. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. " وَفِي النِّهَايَةِ ": اسْتَاءَ بِوَزْنِ افْتَعَلَ مِنَ السُّوءِ وَهُوَ مُطَاوِعُ سَاءَ يُقَالُ: اسْتَاءَ فُلَانٌ بِكَذَا أَيْ: سَاءَهُ ذَلِكَ، وَيُرْوَى فَاسَتَاءَ لَهَا أَيْ: طَلَبَ تَأْوِيلَهَا بِالنَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا سَاءَهُ

стр. 8459

- وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مِنَ الرُّؤْيَا الَّتِي ذَكَرَهَا مَا عَرَفَهُ مِنْ تَأْوِيلِ رَفْعِ الْمِيزَانِ، فَإِنَّ فِيهِ احْتِمَالًا لِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ الْأَمْرِ فِي زَمَانِ الْقَائِمِ بِهِ بَعْدَ عُمَرَ ﵁ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَاذِ وَالِاسْتِعْلَاءِ وَالتَّمَكُّنِ بِالتَّأْيِيدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْوَزْنِ مُوَازَنَةَ أَيَّامِهِمْ لِمَا كَانَ نَظَرَ فِيهَا مِنْ رَوْنَقِ الْإِسْلَامِ وَبَهْجَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ الْمُوَازَنَةَ إِنَّمَا تُرَاعَى فِي الْأَشْيَاءِ الْمُتَقَارِبَةِ مَعَ مُنَاسَبَةٍ مَا، فَيَظْهَرُ الرُّجْحَانُ، فَإِذَا تَبَاعَدَتْ كُلَّ التَّبَاعُدِ لَمْ يُوجَدْ لِلْمُوَازَنَةِ مَعْنًى، فَلِهَذَا رُفِعَ الْمِيزَانُ. (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ) ، بِالْإِضَافَةِ وَرَفْعِ خِلَافَةٍ عَلَى الْخَبَرِ أَيِ الَّذِي رَأَيْتَهُ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ هَذِهِ خِلَافَةُ (ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ) . وَقِيلَ أَيْ: انْقَضَتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ، هَذِهِ الرُّؤْيَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ بِالْحَقِّ تَنْقَضِي وَتَنْتَهِي حَقِيقَتُهَا بِانْقِضَاءِ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: دَلَّ إِضَافَةُ الْخِلَافَةِ إِلَى النُّبُوَّةِ عَلَى أَنْ لَا ثُبُوتَ فِيهَا مِنْ طَلَبِ الْمُلْكِ وَالْمُنَازَعَةِ فِيهِ لِأَحَدٍ، وَكَانَتْ خِلَافَةُ الشَّيْخَيْنِ عَلَى هَذَا، وَكَوْنُ الْمَرْجُوحِيَّةِ انْتَهَتْ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ دَلَّ عَلَى حُصُولِ الْمُنَازَعَةِ فِيهَا، وَأَنَّ الْخِلَافَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ مَشُوبَةٌ بِالْمُلْكِ، فَأَمَّا بَعْدَهُمَا فَكَانَتْ مُلْكًا عَضُوضًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدْوَةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَالَ: (رَأَيْتُ قَبْلَ الْفَجْرِ كَأَنِّي أُعْطِيتُ الْمَقَالِيدَ وَالْمَوَازِينَ، فَأَمَّا الْمَقَالِيدُ فَهِيَ الْمَفَاتِيحُ، وَأَمَّا الْمَوَازِينُ فَهَذِهِ الَّتِي يُوزَنُ بِهَا، وَوُضِعْتُ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ أُمَّتِي فِي كِفَّةٍ فَرَجَحْتُ، ثُمَّ جِيءَ بِأَبِي بَكْرٍ فَوُزِنَ بِهِمْ فَرَجَحَ، ثُمَّ جِيءَ بِعُمَرَ فَوُزِنَ بِهِمْ فَرَجَحَ، ثُمَّ جِيءَ بِعُثْمَانَ فَوُزِنَ بِهِمْ فَرَجَحَ ثُمَّ رُفِعَتْ) » . وَلَعَلَّ فِي رَاجِحِيَّةِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِجَمِيعِ الْأُمَّةِ إِيمَاءً إِلَى اتِّفَاقِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ عَلَى خِلَافَتِهِ، وَكَأَنَّهُ قَعَدَ بِهِمْ وَنَاءَ بِحِمْلِهِمْ، وَفِي رَفْعِ الْمِيزَانِ إِشَارَةٌ إِلَى الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ( «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ ثَلَاثَةً مِنْ أَصْحَابِي وُزِنُوا، فَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ فَوَزَنَ، ثُمَّ وُزِنَ عُمَرُ فَوَزَنَ، ثُمَّ وُزِنَ عُثْمَانُ فَنَقَصَ صَاحِبُنَا وَهُوَ صَالِحٌ» ) اهـ. بَلْ نَحْمِلُهَا عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ السَّابِقُ: فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى خِلَافَتِهِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: فَوَزَنَ عَلَى مُوَافَقَةِ رَأْيِهِمْ، وَأَنَّ رَأْيَهُ وَازَنَ آرَاءَهُمْ فَجَاءَ مَوْزُونًا مُعْتَدِلًا مَعَهَا لَمْ يُخَالِفُوهُ فِي رَأْيٍ رَآهُ. وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ آتِي أَهْلَ الْبَقِيعِ فَيُحْشَرُونَ مَعِي، ثُمَّ أَنْتَظِرُ أَهْلَ مَكَّةَ حَتَّى أُحْشَرَ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ» ) وَمِمَّا يُنَاسِبُهُ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَقَدْ سَأَلَهُ الرَّشِيدُ: كَيْفَ كَانَتْ مَنْزِلَةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ؟ قَالَ: كَقُرْبِ قَبْرَيْهِمَا مِنْ قَبْرِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ. قَالَ: شَفَيْتَنِي يَا مَالِكُ. أَخْرَجَهُ الْبَصْرِيُّ وَالْحَافِظُ السَّلَفِيُّ، وَنَحْوُهُ أَخْرَجَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْمُوَافَقَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. وَمِمَّا يُنَاسِبُهُ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ الْقَلَعِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَفَ مِنْ يَهُودِيٍّ شَيْئًا إِلَى الْحَوْلِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ وَلَمْ أَجِدْكَ فَإِلَى مَنْ أَذْهَبُ؟ قَالَ: (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَجِدْهُ. قَالَ: (إِلَى عُمَرَ) قَالَ: إِنْ لَمْ أَجِدْهُ؟ قَالَ: (إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَمُوتَ إِذَا مَاتَ عُمَرُ فَمُتْ) » . وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ. مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: ( «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» ) وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

стр. 8460

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦٠٦٧ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: « (يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) ، فَاطَّلَعَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: (يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) ، فَاطَّلَعَ عُمَرُ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦٠٦٧ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (يَطَّلِعُ) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ يُشْرِفُ أَوْ يَظْهَرُ أَوْ «يَدْخُلُ (عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَاطَّلَعَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: (يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَاطَّلَعَ عُمَرُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 8461

٦٠٦٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «بَيْنَا رَأْسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِي فِي لَيْلَةٍ ضَاحِيَةٍ إِذْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: (نَعَمْ، عُمَرُ) . قُلْتُ: فَأَيْنَ حَسَنَاتُ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: (إِنَّمَا جَمِيعُ حَسَنَاتِ عُمَرَ كَحَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ أَبِي بَكْرٍ) » رَوَاهُ رَزِينٌ. ــ ٦٠٦٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: بَيْنَا رَأْسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِي) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا (فِي لَيْلَةٍ ضَاحِيَةٍ) أَيْ: مُقْمِرَةٍ (إِذْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: (نَعَمْ عُمَرُ) . قُلْتُ: فَأَيْنَ حَسَنَاتُ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: ( «إِنَّمَا جَمِيعُ حَسَنَاتِ عُمَرَ كَحَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ أَبِي بَكْرٍ» ) . وَلَعَلَّهُ لِسَبْقِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. (رَوَاهُ رَزِينٌ) . وَإِنِ اتَّفَقَ خِلَافُ ذَلِكَ فِي بَادِي النَّظَرِ رَجَعُوا إِلَيْهِ فِي ثَانِيَةٍ مُسْتَصْوِبِينَ رَأْيَهُ، مُعْتَرِفِينَ بِأَنَّ الْحَقَّ كَانَ مَعَهُ كَمَا فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْمَعْنَى فُقِدَ فِي عُثْمَانَ فَإِنَّهُمْ خَالَفُوا رَأْيَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ وَقَائِعِهِ، وَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ، بَلْ أَصَرُّوا إِلَى إِنْكَارِهِمْ عَلَيْهِ حَتَّى قُتِلَ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْحَقِّ عَلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ، فَالنَّقْصُ إِنَّمَا كَانَ عَمَّا ثَبَتَ لِلشَّيْخَيْنِ قَبْلَهُ، كَذَا حَقَّقَهُ الطَّبَرِيُّ فِي الرِّيَاضِ النَّضِرَةِ فِي فَضَائِلِ الْعَشَرَةِ.

стр. 8462

[بَابُ مَنَاقِبِ عُثْمَانَ ﵁] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦٠٦٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهِ، كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ - أَوْ سَاقَيْهِ - فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَوَّى ثِيَابَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ فَقَالَ: (أَلَا أَسْتَحْيِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟) . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: (إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَنْ لَا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ [٦] بَابُ مَنَاقِبِ عُثْمَانَ ﵁ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦٠٦٩ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهِ كَاشِفًا، عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ) . قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: احْتَجَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَقُولُ: لَيْسَتِ الْفَخِذُ عَوْرَةً، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ قَالَ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي الْمِشْكَاةِ: الرَّاوِي فِي الْمَكْشُوفِ هَلْ هُمَا السَّاقَانِ أَمِ الْفَخِذَانِ؟ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَزْمُ بِجَوَازِ كَشْفِ الْفَخِذِ. قُلْتُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِكَشْفِ الْفَخِذِ كَشْفَهُ عَمَّا عَلَيْهِ مِنَ الْقَمِيصِ، لَا مِنَ الْمِئْزَرِ كَمَا سَيَأْتِي مَا يُشْعِرُ إِلَيْهِ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَحْوَالِهِ ﷺ مَعَ آلِهِ وَصَحْبِهِ. (فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: بَعْدَمَا كَانَ مُضْطَجِعًا (وَسَوَّى ثِيَابَهُ) ، أَيْ بَعْدَ عَدَمِ تَسْوِيَتِهِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَاشِفًا عَنْ نَفْسِ أَحَدِ الْعُضْوَيْنِ، بَلْ عَنِ الثِّيَابِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَيْهِمَا، وَلِذَا لَمْ تَقُلْ وَسَتَرَ فَخِذَهُ، فَارْتَفَعَ بِهِ الْإِشْكَالُ وَانْدَفَعَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْأَحْوَالِ (فَلَمَّا خَرَجَ) أَيْ: عُثْمَانُ وَمَنْ مَعَهُ أَوْ تَقْدِيرُهُ: فَلَمَّا خَرَجَ الْقَوْمُ (قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ) : بِتَشْدِيدِ الشِّينِ أَيْ: لَمْ تَتَحَرَّكْ لِأَجْلِهِ، وَفِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": الْهَشَاشَةُ الْبَشَاشَةُ وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الِالْتِقَاءِ (وَلَمْ تُبَالِهِ) ، أَيْ أَبَا بَكْرٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِهَاءِ السَّكْتِ، فَفِي " الْقَامُوسِ " مَا أُبَالِيهِ مُبَالَاةً أَيْ مَا أَكْتَرِثُ، وَالْمَعْنَى ثَبَتَّ عَلَى اضْطِجَاعِكَ وَعَدَمِ جَمْعِ ثِيَابِكَ (ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ. قَالَ: ( «أَلَا أَسْتَحْيِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» ؟) بِالْيَاءَيْنِ فِي الْفِعْلَيْنِ وَهِيَ اللُّغَةُ الْفُصْحَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ وَأَنَّ الْحَيَاءَ صِفَةٌ جَمِيلَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَوْقِيرِ عُثْمَانَ ﵁ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَى حَطِّ مَنْصِبِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.

стр. 8463

- ﵄ عِنْدَهُ ﷺ وَقِلَّةِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِمَا لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْمَحَبَّةِ إِذَا كَمُلَتْ وَاشْتَدَّتِ ارْتَفَعَ التَّكَلُّفُ كَمَا قِيلَ: إِذَا حَصَلَتِ الْأُلْفَةُ بَطَلَتِ الْكُلْفَةُ. قُلْتُ: فَانْقَلَبَ الْحَدِيثُ دَلَالَةً عَلَى فَضْلِهِمَا إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ تَعْظِيمَهُ وَتَوْقِيرَهُ ذُكِرَ فِي بَابِ مَنَاقِبِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ جَزَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِحْيَاءِ التَّوْقِيرُ، وَسَيَأْتِي فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ حَقِيقَةُ الِاسْتِحْيَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُقْتَضَى حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ وَالْمُجَامَلَةِ فِي الْمُعَاشَرَةِ هُوَ الْمُشَاكَلَةُ وَالْمُقَابَلَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ غَلَبَةِ الصِّفَةِ وَالْحَالَةِ الَّتِي تَكُونُ فِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ يُرَاعِي صَاحِبَهُ بِكَثْرَةِ التَّوَاضُعِ يَقْتَضِي لَهُ زِيَادَةَ التَّوَاضُعِ مَعَهُ، وَكَذَا إِذَا كَانَ كَثِيرَ الِانْبِسَاطِ يُوجِبُ الِانْبِسَاطَ، وَإِذَا كَانَ كَثِيرَ الْأَدَبِ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى تَكَلُّفِ الْأَدَبِ مَعَهُ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ سَائِرُ الْأَحْوَالِ مِنَ السُّكُوتِ وَالْكَلَامِ وَالضَّحِكِ وَالْقِيَامِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، هَذَا وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: سُئِلْتُ عَنِ الْمَوْطِنِ الَّذِي اسْتَحَتْ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ سَيِّدِنَا عُثْمَانَ ﵁؟ فَأَجَبْتُ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ يُعْتَمَدُ، وَلَكِنْ أَفَادَ شَيْخُنَا الْبَدْرُ النَّسَّابَةُ فِي بَعْضِ مَجَامِيعِهِ عَنِ الْجَمَّالِ الْكَازَرُونِيِّ: أَنَّهُ لَمَّا آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْبَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَتَقَدَّمَ عُثْمَانُ لِذَلِكَ كَانَ صَدْرُهُ مَكْشُوفًا، فَتَأَخَّرَتِ الْمَلَائِكَةُ حَيَاءً، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِتَغْطِيَةِ صَدْرِهِ فَعَادُوا إِلَى مَكَانِهِمْ، فَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ سَبَبِ تَأَخُّرِهِمْ فَقَالُوا: حَيَاءً مِنْ عُثْمَانَ اهـ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَيَاءَ يُوجِبُ الْحَيَاءَ، وَأَنَّ حَيَاءَ الْمَلَائِكَةِ صَارَ سَبَبًا لِحَيَاءِ عُثْمَانَ، وَكَأَنَّهُ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ وَبَالَغَ فِيهِ حَتَّى صَارَ سَبَبًا لِاسْتِحْيَاءِ غَيْرِهِ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنِ الْحَسَنِ: وَذَكَرَ عُثْمَانَ وَشِدَّةَ حَيَائِهِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ لَيَكُونُ فِي الْبَيْتِ وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ، ثُمَّ يَضَعُ عَنْهُ الثَّوْبَ لِيُفِيضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ يَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ أَنْ يُقِيمَ صُلْبَهُ كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَاحِبُ " الصَّفْوَةِ ". (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ) : قَالَ مَيْرَكُ: ظَاهِرُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا هُمَا حَدِيثَانِ، فَالْمُتَقَدِّمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ حَدَّثَاهُ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ لَابِسٌ مِرْطَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ. قَالَ عُثْمَانُ: ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، وَقَالَ لِعَائِشَةَ: (اجْمَعِي عَلَيَّ ثِيَابَكِ) يَعْنِي الْمِرْطَ. قَالَ: فَقَضَيْتُ إِلَيْهِ حَاجَتِي ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِي لَمْ أَرَكَ فَزِعْتَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ فَقَالَ: (إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ) » : فَعِيلٌ بِمَعْنَى كَثِيرِ الْحَيَاءِ (وَإِنِّي خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَنْ لَا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ) . أَيْ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَخَافُ أَنْ يَرْجِعَ حَيَاءً مِنِّي عِنْدَمَا يَرَانِي عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ، وَلَا يَعْرِضُ عَلَيَّ حَاجَتَهُ لِغَلَبَةِ أَدَبِهِ وَكَثْرَةِ حَيَائِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى هَيْئَتِهِ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ يَسْتَأْذِنُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى هَيْئَتِهِ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ يَسْتَأْذِنُ فَتَجَلَّلَ ثَوْبَهُ ثُمَّ أَذِنَ لَهُ، فَتَحَدَّثُوا سَاعَةً ثُمَّ خَرَجُوا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ وَأَنْتَ عَلَى هَيْئَتِكَ لَمْ تَتَحَرَّكْ، فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ تَجَلَّلْتَ ثَوْبَكَ. قَالَ: (أَلَا أَسْتَحِي مِمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ) » . وَخَرَّجَهُ رَزِينٌ مُخْتَصَرًا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا أَقُولُ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «عُثْمَانُ رَجُلٌ ذُو حَيَاءٍ فَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يَقِفَ لِلْحِسَابِ فَشَفَّعَنِي فِيهِ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنِّي سَأَلْتُ عُثْمَانَ حَاجَةً سِرًّا فَقَضَاهَا سِرًّا. فَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لَا يُحَاسِبَ عُثْمَانَ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُحَاسِبَهُ سِرًّا» . وَهَذِهِ مِنْ خَصَائِصِهِ إِذْ وَرَدَ فِي سِيَاقٍ: أَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عَلِيٌّ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ " فِي الْحِلْيَةِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ( «أَشَدُّ أُمَّتِي حَيَاءً ابْنُ عَفَّانَ» ) وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ( «عُثْمَانُ حَيِيٌّ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» ) . وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: ( «عُثْمَانُ أَحْيَى أُمَّتِي وَأَكْرَمُهَا» ) . وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: ( «أَشَدُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا حَيَاءً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ» ) وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: ( «إِنَّ عُثْمَانَ حِينَ يَسِيرُ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» ) .

стр. 8464

الْفَصْلُ الثَّانِي ٦٠٧٠ - عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ، وَرَفِيقِي - يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ - عُثْمَانُ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٦٠٧٠ - (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) : وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ) ، أَيْ: خَاصٌّ (وَرَفِيقِي - يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ - عُثْمَانُ) . خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُمَا مِنْ كَلَامِ طَلْحَةَ أَوْ غَيْرِهِ تَفْسِيرًا وَبَيَانًا لِمَكَانِ الرَّفَاقَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ فِي كَلَامِهِ ﷺ عَلَى سَبِيلِ الْإِطْلَاقِ الشَّامِلِ لِلدُّنْيَا وَالْعُقْبَى جَزَاءً وِفَاقًا، ثُمَّ هُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَ غَيْرِهِ أَيْضًا رَفِيقًا لَهُ ﷺ كَمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ وَلَفْظُهُ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ خَاصَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِنَّ خَاصَّتِي مِنْ أَصْحَابِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ، نَعَمْ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقًا وَأَنَّهُ لَهُ رُفَقَاءُ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَقَامِ الْجَمْعِ، وَمَعَ هَذَا فِي تَخْصِيصِ ذِكْرِهِ إِشْعَارٌ بِعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ وَرَفْعِ قَدْرِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، أَيْ: عَنْ طَلْحَةَ.

стр. 8465

٦٠٧١ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. ــ ٦٠٧١ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) . قَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَقَالَ (التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) ، وَالْغَرَابَةُ لَا تُنَافِي الصِّحَّةَ وَلِذَا قَالَ: (وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَهُوَ) ، أَيِ: الْحَدِيثُ أَوْ إِسْنَادُهُ (مُنْقَطِعٌ) . وَهُوَ أَنْ يَكُونَ السَّاقِطُ مِنَ الرُّوَاةِ اثْنَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ، أَوْ سَقَطَ وَاحِدٌ فَقَطْ، أَوْ أَكْثَرُ مِنَ اثْنَيْنِ، لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّوَالِي، فَيَتَحَصَّلَ مِنْهُ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، لَكِنَّهُ يُعْتَبَرُ قَوِيًّا فِي الْفَضَائِلِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ( «لِكُلِّ نَبِيٍّ خَلِيلٌ فِي أُمَّتِهِ وَإِنَّ خَلِيلِي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ» ) . وَأَوْرَدَ السُّيُوطِيُّ حَدِيثَ الْأَصْلِ فِي " الْجَامِعِ " بِلَفْظِ: ( «لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَرَفِيقِي فِيهَا عُثْمَانُ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ طَلْحَةَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَفِي " الرِّيَاضِ "، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ يَوْمَ حُوصِرَ وَلَوْ أُلْقِيَ حَجَرٌ لَمْ يَقَعْ إِلَّا عَلَى رَأْسِ رَجُلٍ، فَرَأَيْتُ عُثْمَانَ أَشْرَفَ مِنَ الْخَوْخَةِ الَّتِي مَقَامُ جِبْرِيلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ لِطَلْحَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَتَذْكُرُ يَوْمَ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ غَيْرِي وَغَيْرِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ، فَقَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «يَا طَلْحَةَ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَمَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ رَفِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَإِنَّ عُثْمَانَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ» ) يَعْنِينِي. قَالَ طَلْحَةُ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَلَفْظُهُ: ( «لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ وَرَفِيقِي عُثْمَانُ» ) وَلَمْ يَقُلْ فِي الْجَنَّةِ.

стр. 8466

٦٠٧٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ، قَالَ: «شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَحُثُّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَقَامَ عُثْمَانُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ حَضَّ عَلَى الْجَيْشِ، فَقَامَ عُثْمَانُ، قَالَ: عَلَيَّ مِائَتَا بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ حَضَّ، فَقَامَ عُثْمَانُ، فَقَالَ: عَلَيَّ ثَلَاثُمِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: (مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ، مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦٠٧٢ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ) ، بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ. (قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيْ: حَضَرْتُهُ (وَهُوَ يَحُثُّ) : بِضَمِّ حَاءٍ وَتَشْدِيدِ مُثَلَّثَةٍ أَيْ: يُحَرِّضُ (النَّاسَ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ) ، أَيْ: عَلَى تَرْتِيبِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَسُمِّيَتْ جَيْشَ الْعُسْرَةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَانِ اشْتِدَادِ الْحَرِّ وَالْقَحْطِ وَقِلَّةِ الزَّادِ وَالْمَاءِ وَالْمَرْكِبِ بِحَيْثُ يَعْسُرُ عَلَيْهِمُ الْخُرُوجُ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لَمَّا كَانَتِ الْمُنَاهَضَةُ إِلَى عَدُوٍّ جَمِّ الْعَدَدِ شَدِيدِ الْبَأْسِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ حِينَئِذٍ، فَإِنَّهُ قِيلَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ: كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَيَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُمِائَةٍ، وَيَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَيَوْمَ الْفَتْحِ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا وَهِيَ آخِرُ مَغَازِيهِ. (فَقَامَ عُثْمَانُ) ، أَيْ: بَعْدَ حَثِّهِ ﵇ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيَّ) ، أَيْ: نَذْرٌ عَلَيَّ (مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا) ، أَيْ: مَعَ جِلَالِهَا (وَأَقْتَابِهَا) ، أَيْ: رِحَالِهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَغَيْرُهُ: الْأَحْلَاسُ جَمْعُ حِلْسٍ بِالْكَسْرِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَهُوَ كِسَاءٌ رَقِيقٌ يُجْعَلُ تَحْتَ الْبَرْذَعَةِ، وَالْأَقْتَابُ: جَمْعُ قَتَبٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ رَحْلٌ صَغِيرٌ عَلَى قَدْرِ سَنَامِ الْبَعِيرِ وَهُوَ لِلْجَمَلِ كَالْإِكَافِ لِغَيْرِهِ يُرِيدُ: عَلَيَّ هَذِهِ الْإِبِلُ بِجَمِيعِ أَسْبَابِهَا وَأَدَوَاتِهَا. (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: فِي.

стр. 8467

طَرِيقِ رِضَاهُ (ثُمَّ حَضَّ) : بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: حَثَّ وَحَرَّضَ (عَلَى الْجَيْشِ) ، أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الزَّمَانِ (فَقَامَ عُثْمَانُ، فَقَالَ: عَلَيَّ مِائَتَا بَعِيرٍ) ، أَيْ: غَيْرُ تِلْكَ الْمِائَةِ لَا بِانْضِمَامِهَا كَمَا يُتَوَهَّمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ حَضَّ) ، أَيْ: ثَالِثًا. وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ حَضَّ عَلَى الْجَيْشِ (فَقَامَ عُثْمَانُ، فَقَالَ: عَلَيَّ ثَلَاثُمِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، فَالْتَزَمَ عُثْمَانُ ﵁ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ بِحُكْمِ رُتْبَةِ الْمَقَامِ، فَفِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ ضَمِنَ مِائَةً وَاحِدَةً، وَفِي الثَّانِي مِائَتَيْنِ، وَفِي الثَّالِثِ ثَلَاثَمِائَةٍ فَالْمَجْمُوعُ سِتُّمِائَةٍ، وَسَيَأْتِي لَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ. (قَالَ طَلْحَةُ: فَأَنَا) ، أَيْ: بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِ أَنْ أَسْمَعَ مِنْ غَيْرِي (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: (مَا عَلَى عُثْمَانَ) : مَا هَذِهِ نَافِيَةٌ بِمَعْنَى لَيْسَ، وَفِي قَوْلِهِ: (مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ) ، مَوْصُولَةٌ اسْمُ لَيْسَ أَيْ: لَيْسَ عَلَيْهِ وَلَا يَضُرُّهُ الَّذِي يَعْمَلُ فِي جَمِيعِ عُمْرِهِ بَعْدَ هَذِهِ الْحَسَنَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مُكَفِّرَةٌ لِذُنُوبِهِ الْمَاضِيَةِ مَعَ زِيَادَةِ سَيِّئَاتِهِ الْآتِيَةِ كَمَا وَرَدَ فِي ثَوَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةٍ لَهُ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ وَقَالَ شَارِحٌ: (مَا) فِيهِ إِمَّا مَوْصُولَةٌ أَيْ: مَا بَأْسٌ عَلَيْهِ الَّذِي عَمِلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ بَعْدَ هَذِهِ الْعَطَايَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: مَا عَلَى عُثْمَانَ عَمَلٌ مِنَ النَّوَافِلِ بَعْدَ هَذِهِ الْعَطَايَا ; لِأَنَّ تِلْكَ الْحَسَنَةَ تَنُوبُ عَنْ جَمِيعِ النَّوَافِلِ. قَالَ الْمُظْهِرُ، أَيْ: مَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعْمَلَ بَعْدَ هَذِهِ مِنَ النَّوَافِلِ دُونَ الْفَرَائِضِ، لِأَنَّ تِلْكَ الْحَسَنَةَ تَكْفِيهِ عَنْ جَمِيعِ النَّوَافِلِ اهـ. وَهُوَ حَاصِلُ الْمَعْنَى، وَإِلَّا فَلَا يُطَابِقُ الْمَبْنَى (مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ) . كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِمَا قَرَّرَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: ( «لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ) اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ عِنْدَ ذَوِي النُّهَى، وَإِذِ الْأَوَّلُ مَجْزُومٌ بِهِ قَطْعًا وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى الرَّجَاءِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا يُحَرِّكُهَا، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الصَّمَدِ: يُحَرِّكُ يَدَهُ كَالْمُتَعَجِّبِ: مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَهَا. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: جَهَّزَ عُثْمَانُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ بِتِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ بَعِيرًا وَأَتَمَّ لِلْأَلْفِ بِخَمْسِينَ فَرَسًا. وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَمَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلَى تِسْعِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ بَعِيرًا وَسِتِّينَ فَرَسًا أَتَمَّ الْأَلْفَ بِهَا أَخْرَجَهُ الْقَزْوِينِيُّ وَالْحَاكِمِيُّ.

стр. 8468

٦٠٧٣ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي كُمِّهِ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَنَثَرَهَا فِي حِجْرِهِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ: (مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ) مَرَّتَيْنِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٦٠٧٣ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) ، أَيِ: الْقُرَشِيِّ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَصَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَخَلْقٌ سِوَاهُمَا. (قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي كُمِّهِ حِينَ جَهَّزَ) : بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ أَيْ: حِينَ رَتَّبَ وَعَاوَنَ (جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَنَثَرَهَا) ، أَيْ: كَبَّهَا (فِي حِجْرِهِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهِ أَيْ: ثَوْبِهِ أَوْ حِضْنِهِ ﷺ (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَلِّبُهَا) ، أَيِ: الدَّنَانِيرَ (بِيَدِهِ فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ: (مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ) : فَاعِلُ ضَرَّ، وَالْمَعْنَى لَمْ يَضُرَّ عُثْمَانَ الَّذِي عَمِلَ أَيْ: مِنَ الذَّنْبِ سَابِقًا وَلَاحِقًا (بَعْدَ الْيَوْمِ) . أَيْ: بَعْدَ عَمَلِهِ الْيَوْمَ (مَرَّتَيْنِ) : ظَرْفُ يَقُولُ، وَلَعَلَّ التَّكْرَارَ فِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ لِلْإِشْعَارِ بِعَدَمِ ضَرَرِهِ وَدَوَامِ نَفْعِهِ فِي الدَّارَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْرِيرُ وَالتَّكْثِيرُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَيُرَدِّدُهَا مِرَارًا. هَذَا وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ فِي كَمِّيَّةِ رِجَالِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهَا أَنَّهَا سَبْعُونَ أَلْفَ رَجُلٍ، وَالْأُخْرَى أَنَّهَا عِشْرُونَ أَلْفًا، وَعَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ جَهَّزَ عُثْمَانُ ﵁ ثُلُثَ جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْأَلْفُ دِينَارٍ الَّذِي جَاءَ بِهِ عُثْمَانُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُمِّهِ ثَمَنَ ثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَفِي الرِّيَاضِ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ جَاءَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ بِتِسْعِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ. أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ السَّلَفِيُّ. وَهَذِهِ

стр. 8469

الِاخْتِلَافَاتُ فِي الرِّوَايَاتِ قَدْ تُوهِمُ التَّضَادَّ بَيْنَهُنَّ، وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ بِأَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ دَفَعَ ثَلَاثَمِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ، ثُمَّ جَاءَ بِالْأَلْفِ لِأَجْلِ الْمُؤَنِ الَّتِي لَا بُدَّ لِلْمُسَافِرِ مِنْهَا، ثُمَّ لَمَّا اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكْفِي زَادَ فِي الْإِبِلِ وَأَرْدَفَ بِالْخَيْلِ تَتْمِيمًا لِلْأَلْفِ ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ تَمَّمَ الْأَلْفَ أَبْعِرَةٍ وَزَادَ عِشْرِينَ فَرَسًا عَلَى تِلْكَ الْخَمْسِينَ، وَبَعَثَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ لِلْمُؤَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ «عَنْ عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَقَالَ: (مَنْ يُجَهِّزْ هَؤُلَاءِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ) يَعْنِي جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَجَهَّزْتُهُمْ حَتَّى لَمْ يَفْقِدُوا عِقَالًا وَلَا خِطَامًا» (رَوَاهُ أَحْمَدُ) . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عُثْمَانَ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، فَصَبَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ بِيَدِهِ وَيُقَلِّبُهَا ظَهْرًا لِبَطْنٍ وَيَقُولُ: (غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا عُثْمَانُ مَا أَسْرَرْتَ وَمَا أَعْلَنْتَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا يُبَالِي مَا عَمِلَ بَعْدَهَا) » أَخْرَجَهُ الْمُلَّا فِي سِيرَتِهِ وَالْفَضَائِلِيُّ.

стр. 8470

٦٠٧٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ كَانَ عُثْمَانُ ﵁ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ، فَبَايَعَ النَّاسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ عُثْمَانَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ) فَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، فَكَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُثْمَانَ خَيْرًا مِنْ أَيْدِيهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦٠٧٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ) : وَهِيَ الْبَيْعَةُ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّهُ نَزَلَ فِي أَهْلِهَا ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] (كَانَ عُثْمَانُ ﵁ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ) ، أَيْ: رَسُولًا مِنْهُ إِلَيْهِمْ مُرْسَلًا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ أَيْ: لِتَبْلِيغِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ فَشَاعَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ (فَبَايَعَ) ، أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (النَّاسَ) ، أَيْ: بَيْعًا خَاصًّا عَلَى الْمَوْتِ (بَايَعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ عُثْمَانَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ» ) ، أَيْ: نُصْرَةِ دِينِهِ حَيْثُ احْتَاجَ خَلْقُهُ إِلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] حَيْثُ نَزَّلَ ذَاتَهُ الْعَزِيزَةَ شَرِيكًا لِلْمُؤْمِنِينَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ، وَيُقَالُ فِي حَاجَةِ خَلْقِهِ. (وَحَاجَةِ رَسُولِهِ) . أَيْ: تَخْصِيصًا أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ لِلتَّزْيِينِ زِيَادَةً لِلْكَلَامِ مِنَ التَّحْسِينِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَنْزِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وَمَكَانَةٍ، وَأَنَّ حَاجَتَهُ حَاجَتُهُ - تَعَالَى اللَّهُ عَنِ الِاحْتِيَاجِ عُلُوًّا كَبِيرًا - اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ مَعْنَى الْآيَةِ: إِنَّ الَّذِينَ يُخَالِفُونَهُمَا كَمَا حَقَّقَ فِي حَدِيثِ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى) ، أَيْ: فِي الْبَيْعَةِ عَنْ جِهَةِ عُثْمَانَ عَلَى فَرْضِ أَنَّهُ حَيٌّ فِي الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ نَائِبَةً عَنْ يَدِ عُثْمَانَ، فَقِيلَ: هِيَ الْيُسْرَى، وَقِيلَ هِيَ الْيُمْنَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ بِالتَّصْرِيحِ ( «كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا» ) : وَفِي رِوَايَةٍ " لِعُثْمَانَ " أَيْ: لَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (مِنْ أَيْدِيهِمْ) ، أَيْ: مِنْ أَيْدِي بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ (لِأَنْفُسِهِمْ) . فَغَيْبَتُهُ لَيْسَتْ بِمَنْقَصَةٍ بَلْ سَبَبُ مَنْقَبَةٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) .

стр. 8471

٦٠٧٥ - وَعَنْ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيِّ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرُ بِئْرِ رُومَةَ؟ فَقَالَ: ( «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟» ) فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي، وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونَنِي أَنْ أَشْرَبَ مِنْهَا حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ ، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟» ) فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي، فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونَنِي أَنْ أُصَلِّيَ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ؟ ، قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي جَهَّزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ مِنْ مَالِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَا، فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ حَتَّى تَسَاقَطَتْ حِجَارَتُهُ بِالْحَضِيضِ، فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ قَالَ: ( «اسْكُنْ ثَبِيرُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيُّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» ) ; قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، شَهِدُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ أَنِّي شَهِيدٌ، ثَلَاثًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ. ــ ٦٠٧٥ - (وَعَنْ ثُمَامَةَ) : بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ (ابْنِ حَزْنٍ) : بِفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ زَايٍ فَنُونٍ (الْقُشَيْرِيِّ) : بِالتَّصْغِيرِ يُعَدُّ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ التَّابِعِينَ، رَأَى عُمَرَ وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَأَبَا الدَّرْدَاءِ، وَسَمِعَ عَائِشَةَ، وَرَوَى عَنْهُ الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ الْبَصْرِيُّ. (قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ) ، أَيْ: حَضَرْتُ دَارَ عُثْمَانَ الَّتِي حَاصَرُوهُ فِيهَا، وَتَفْصِيلُ قَضِيَّتِهَا مَذْكُورٌ فِي " الرِّيَاضِ " وَغَيْرِهِ. (حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ) ، أَيْ: اطَّلَعَ عَلَى الَّذِينَ قَصَدُوا قَتْلَهُ (فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ) : بِضَمِّ الشِّينِ وَنَصْبِ الِاسْمَيْنِ أَيْ: أَسْأَلُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ أَيْ: بِحَقِّهِمَا (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ

стр. 8472

بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ) ، أَيْ: يُعَدُّ عَذْبًا أَيْ: حُلْوًا (غَيْرُ بِئْرِ رُومَةَ) ؟ بِرَفْعِ " غَيْرُ " وَجُوِّزَ نَصْبُهُ وَالْبِئْرُ مَهْمُوزٌ وَيُبْدَلُ، وَرُومَةَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ فَمِيمٌ، اسْمُ بِئْرٍ فِي الْعَقِيقِ الْأَصْفَرِ اشْتَرَاهَا عُثْمَانُ ﵁ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَفِي الْمَدِينَةِ عَقِيقَانِ سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمَا عَقَّا عَنْ حَرَّةِ الْمَدِينَةِ أَيْ: قَطَعَا (فَقَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ ( «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ» ) : بِكَسْرِ الدَّالِ جَمَعُ دَلْوٍ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْوَقْفِ الْعَامِّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ وَقْفِ السِّقَايَاتِ، وَعَلَى خُرُوجِ الْمَوْقُوفِ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ حَيْثُ جَعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ سَوَاءً، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَجُمْلَةُ يَجْعَلُ مَفْعُولٌ لَهُ أَوْ حَالٌ أَيْ: إِرَادَةَ أَنْ يَجْعَلَ أَوْ قَاصِدًا أَنْ يَجْعَلَ دَلْوَهُ مُسَاوِيًا أَوْ مُصَاحِبًا مَعَ دِلَائِهِمْ فِي الِاسْتِقَاءِ، وَلَا يَخُصُّهَا مِنْ بَيْنِهِمْ بِالْمِلْكِيَّةِ فَقَوْلُهُ: مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِجَعَلَ أَيْ: يَجْعَلُ دَلْوَهُ. رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَاسْتَنْكَرُوا مَاءَهَا، وَكَانَ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا رُومَةُ، وَكَانَ يَبِيعُ الْقِرْبَةَ مِنْهَا بِمُدٍّ، فَقَالَ ﷺ : (هَلْ تَبِيعُهَا بِعَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي وَلَا لِعِيَالِي سِوَاهَا فَلَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَقَالَ: (مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ) » (بِخَيْرٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِيَشْتَرِي وَالْبَاءُ لِلْبَدَلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَيْسَتْ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِمُ اشْتَرَيْتُ هَذَا بَدِرْهَمٍ وَلَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] فَالْمَعْنَى مَنْ يَشْتَرِيهَا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ يُبْدِلُهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا أَيْ: بِأَفْضَلَ وَأَكْمَلَ أَوْ بِخَيْرٍ حَاصِلٍ (لَهُ) ، أَيْ: لِأَجْلِهِ (مِنْهَا) ، أَيْ: مِنْ تِلْكَ الْبِئْرِ أَوْ مِنْ جِهَتِهَا (فِي الْجَنَّةِ) فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي) ، بِضَمِّ الصَّادِ أَيْ: مِنْ أَصْلِهِ أَوْ خَالِصِهِ. فِي " الرِّيَاضِ "، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ فَاشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ: اجْعَلْ لِي مِثْلَ الَّذِي جَعَلْتَهُ لَهُ عَيْنًا فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قَدِ اشْتَرَيْتُهَا وَجَعَلْتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ، أَخْرَجَهُ الْفَضَائِلِيُّ. (وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونَنِي أَنْ أَشْرَبَ مِنْهَا حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ) ؟ أَيْ: مِمَّا فِيهِ مُلُوحَةٌ كَمَاءِ الْبَحْرِ، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْبَيَانِ أَيْ: مَا يُشْبِهُ الْبَحْرَ (فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ) . قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: قَدْ يُؤْتَى بِاللَّهُمَّ مَا قَبْلَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى عَزِيزًا نَادِرًا وَكَانَ قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ الِاسْتِظْهَارَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِثْبَاتِ كَوْنِهِ وَوُجُودِهِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ مِنَ النُّدُورِ. حَدَّ الشُّذُوذِ وَقِيلَ كَلِمَتَيِ الْجَحْدِ وَالتَّصْدِيقِ فِي جَوَابِ الْمُسْتَفْهِمِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ لَا وَنَعَمْ (فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ) ، أَيْ: مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ (ضَاقَ بِأَهْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا» ) : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ أَيْ: فَتَزِيدَ تِلْكَ الْبُقْعَةُ (فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ) . فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي) ، أَيْ: بِعِشْرِينَ أَلْفًا أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا عَلَى مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ بِالْجَرِيدِ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ، وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ عَمَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الْخَيْرِ الْقَزْوِينِيُّ الْحَاكِمِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ «كَانَ مِنْ شَأْنِ عُثْمَانَ أَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: (يَا فُلَانُ أَلَا تَبِيعُنِي دَارَكَ أَزِيدُهَا فِي مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ بِبَيْتٍ أَضْمَنُهُ فِي الْجَنَّةِ) فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي بَيْتٌ غَيْرُهُ فَإِنْ أَنَا بِعْتُكَ دَارِي لَا يُؤْوِينِي وَوَلَدِي بِمَكَّةَ شَيْءٌ قَالَ: (أَلَا بَلْ بِعْنِي دَارَكَ أَزِيدُهَا فِي مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ بِبَيْتٍ أَضْمَنُهُ لَكَ فِي الْجَنَّةِ) . فَقَالَ الرَّجُلُ وَاللَّهِ مَا لِي إِلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، وَكَانَ الرَّجُلُ صَدِيقًا لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَتَاهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ عُثْمَانُ حَتَّى اشْتَرَى مِنْهُ دَارَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنِي أَنَّكَ أَرَدْتَ مِنْ فُلَانٍ دَارَهُ لِتَزِيدَهَا فِي مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ بِبَيْتٍ تَضْمَنُهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ دَارِي فَهَلْ أَنْتَ آخِذُهَا بِبَيْتٍ تَضْمَنُهُ لِي فِي الْجَنَّةِ؟ فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَضَمِنَ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَأَشْهَدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ» كَذَا فِي الرِّيَاضِ.

стр. 8473

(فَأَنْتُمْ) : بِالْفَاءِ هُنَا خِلَافًا، لِمَا تَقَدَّمَ (الْيَوْمَ تَمْنَعُونَنِي أَنْ أُصَلِّيَ فِيهَا) . أَيْ: فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ فَضْلًا عَنْ سَائِرِ الْمَسْجِدِ. (فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ) : بِلَا فَاءٍ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ خِلَافًا لِمَا قَبْلُ (أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي جَهَّزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ مِنْ مَالِي) ؟ أَيْ: وَقَالَ لِي مَا قَالَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ حَالِي وَمَآلِي (قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ) : بِفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَرَاءٍ جَبَلٌ بِمَكَّةَ. وَفِي " الْمِصْبَاحِ ": جَبَلٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى، وَهُوَ يُرَى مِنْ مِنًى وَهُوَ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ثَبِيرٌ جَبَلٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إِلَى مِنًى، وَهُوَ جَبَلٌ كَبِيرٌ مُشْرِفٌ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ بِمِنًى، وَبِمَكَّةَ جِبَالٌ كُلٌّ مِنْهَا اسْمُهُ ثَبِيرٌ اهـ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ جَبَلٌ مُشْرِفٌ عَلَى مِنًى مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إِلَى تِلْقَاءِ مَسْجِدِ الْخَيْفِ وَأَمَامَهُ قَلِيلًا عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إِلَى عَرَفَاتٍ، كَذَا حَكَاهُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ. وَقَالَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ: إِنَّهُ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إِلَى مِنًى. وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ، وَقِيلَ: وَهُوَ جَبَلٌ عَظِيمٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ إِلَى عَرَفَةَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ، وَقِيلَ: هُوَ أَعْظَمُ جَبَلٍ بِمَكَّةَ عُرِفَ بِرَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ كَانَ اسْمُهُ ثَبِيرًا دُفِنَ فِيهِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ وَالْمُطَرِّزِيُّ فِي الْمُغْرِبِ: هُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ أَيْ بِقُرْبِ مَكَّةَ، وَقِيلَ: هُوَ جَبَلٌ مُقَابِلٌ لِجَبَلِ حِرَاءَ اهـ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: حِرَاءُ مَكَانُ ثَبِيرٍ (وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَا، فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ) أَيِ: اهْتَزَّ ثَبِيرٌ (حَتَّى تَسَاقَطَتْ حِجَارَتُهُ) أَيْ: بَعْضُهَا (بِالْحَضِيضِ) ، أَيْ أَسْفَلَ الْجَبَلِ وَقَرَارِ الْأَرْضِ (فَرَكَضَهُ) أَيْ: ضَرَبَهُ (بِرِجْلِهِ. قَالَ) : اسْتِئْنَافٌ « (اسْكُنْ ثَبِيرُ) ، أَيْ يَا ثَبِيرُ (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ) » ، أَيْ حَقِيقِيَّانِ حَيْثُ قُتِلَا عَقِبَ الطَّعْنِ وَمَاتَا قَرِيبًا مِنْ أَثَرِ الضَّرْبِ، وَهُمَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالصِّدِّيقَ شَهِيدَانِ حُكْمِيَّانِ حَيْثُ كَانَ أَثَرُ مَوْتِهِمَا مِنَ السُّمِّ الْقَدِيمِ لَهُمَا (قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ) كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُتَعَجِّبُ عِنْدَ إِلْزَامِ الْخَصْمِ وَتَبْكِيتِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ (شَهِدُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ أَنِّي شَهِيدٌ) ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَفْعُولُ شَهِدُوا أَيْ شَهِدَ النَّاسُ أَنِّي شَهِيدٌ (ثَلَاثًا) أَيْ: قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ إِلَى آخِرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِزِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي إِثْبَاتِ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَصْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنَّ خُصَمَاءَهُ عَلَى الْبَاطِلِ عَلَى طَرِيقٍ يُلْجِئُهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ، أَوْرَدَ حَدِيثَ ثَبِيرِ مَكَّةَ، وَأَنَّهُ مِنْ أَحَدِ الشَّهِيدَيْنِ مُسْتَفْهِمًا عَنْهُ فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ وَأَكَّدُوا إِقْرَارَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ نَعَمْ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ تَعَجُّبًا وَتَعْجِيبًا وَتَجْهِيلًا لَهُمْ وَاسْتِهْجَانًا لِفِعْلِهِمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ضَرَبَ مَثَلَ عَابِدِ الْأَصْنَامِ وَعَابِدِ اللَّهِ تَعَالَى بِرَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا لَهُ شُرَكَاءُ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ، وَتَنَازَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ عَبَدُهُ فَهُمْ يَتَجَاذَبُونَهُ، وَهُوَ مُتَحَيِّرٌ فِي أَمْرِهِ لَا يَدْرِي أَيَّهُمْ يَرْضَى بِخِدْمَتِهِ، وَالْآخَرُ قَدْ سَلِمَ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ وَخَلَصَ لَهُ، فَهُوَ يَلْتَزِمُ خِدْمَتَهُ، فَهَمُّهُ وَاحِدٌ وَقَلْبُهُ مُجْتَمِعٌ، وَاسْتَفْهَمَ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: ٢٤] فَلَا بُدَّ لَهُمْ أَنْ يُذْعِنُوا وَيَقُولُوا: لَا، فَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥] كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ) . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ زَادَ: وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ إِذْ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالَ: هَذِهِ يَدِي وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ، فَبَايَعَ لِي فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ. زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَنِي إِحْدَى ابْنَتَيْهِ بَعْدَ الْأُخْرَى رِضًا لِي وَرِضًا عَنِّي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.

стр. 8474

٦٠٧٦ - وَعَنْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ الْفِتَنَ فَقَرَّبَهَا، فَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي ثَوْبٍ فَقَالَ: (هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى) فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. قَالَ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فَقُلْتُ: هَذَا؟ قَالَ: (نَعَمْ) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ــ ٦٠٧٦ - (وَعَنْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ) ، بِضَمِّ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الشَّامِ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ مِنَ التَّابِعِينَ مَاتَ بِالْأُرْدُنِّ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ (قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) لَعَلَّ فِي زِيَادَةٍ مِنْ تَأْكِيدِ إِفَادَةِ السَّمَاعِ بِلَا وَاسِطَةٍ (وَذَكَرَ الْفِتَنَ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَقَرَّبَهَا) ، بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ قَرَّبَ النَّبِيُّ ﷺ الْفِتَنَ يَعْنِي وُقُوعَهَا (فَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ) : بِفَتْحِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مُسْتَتِرٌ فِي ثَوْبٍ جَعَلَهُ كَالْقِنَاعِ (قَالَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (هَذَا) أَيْ: هَذَا الرَّجُلُ الْمُقَنَّعُ (يَوْمَئِذٍ) أَيْ يَوْمَ وُقُوعِ تِلْكَ الْفِتَنِ (عَلَى الْهُدَى) : مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) فَمَفْعُولُ سَمِعْتُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى (فَقُمْتُ إِلَيْهِ) أَيْ: لِقُرْبِ الرَّجُلِ لِأَعْرِفَهُ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (فَأَقْبَلْتُ إِلَيْهِ) أَيْ: عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (بِوَجْهِهِ) أَيْ: بِوَجْهِ عُثْمَانَ، وَالْمَعْنَى أَدَرْتُ وَجْهَهُ إِلَيْهِ لِيَتَبَيَّنَ الْأَمْرَ عَلَيْهِ (قُلْتُ: هَذَا) ؟ أَيْ أَهَذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى (قَالَ: (نَعَمْ) . فِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي اسْتِحْضَارِ الْقَضِيَّةِ وَتَأْكِيدِهَا بِتَحَقُّقِ الصُّورَةِ الْجَلِيَّةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) . وَفِي " الرِّيَاضِ "، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: «ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِتْنَةً فَقَرَّبَهَا وَعَظَّمَهَا. قَالَ: ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي مِلْحَفَةٍ فَقَالَ: هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْحَقِّ فَانْطَلَقْتُ فَأَخَذْتُ بِضَبْعِهِ فَقُلْتُ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (هَذَا) فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ عَنْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ النَّهْرِيِّ وَقَالَ: (هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ النَّهْرِيِّ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ قَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ فِي فِتْنَةٍ تَثُورُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ كَأَنَّهَا صَيَاصِي بَقَرٍ؟ قَالُوا: فَنَصْنَعُ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (عَلَيْكُمْ بِهَذَا وَأَصْحَابِهِ) . قَالَ: فَأَسْرَعْتُ حَتَّى عَطَفْتُ الرَّجُلَ فَقُلْتُ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: (هَذَا) فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ: فَأَسْرَعْتُ حَتَّى عَيِيتُ، فَلَحِقْتُ بِالرَّجُلِ فَقُلْتُ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ إِلَخْ.

стр. 8475

٦٠٧٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (يَا عُثْمَانُ، إِنَّهُ لَعَلَّ اللَّهَ يُقَمِّصُكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ - وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً طَوِيلَةً. ــ ٦٠٧٧ - (عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) أَيْ: لِعُثْمَانَ ذَاتَ يَوْمٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (يَا عُثْمَانُ، إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (لَعَلَّ اللَّهَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ اللَّهَ لَعَلَّهُ (يُقَمِّصُكَ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ يُلْبِسُكَ (قَمِيصًا) ، قِيلَ أَيْ خِلَافَةً وَالْمُرَادُ خُلْعَةُ الْخِلَافَةِ (فَإِنْ أَرَادُوكَ) أَيْ: حَمَلُوكَ (عَلَى خَلْعِهِ) أَيْ: نَزْعِهِ (فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ) . وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا تَخْلَعْهُ ثَلَاثًا، وَالْمَعْنَى إِنْ قَصَدُوا عَزْلَكَ فَلَا تَعْزِلْ نَفْسَكَ عَنِ الْخِلَافَةِ لِأَجْلِهِمْ لِكَوْنِكَ عَلَى الْحَقِّ وَكَوْنِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ. وَفِي قَبُولِ الْخَلْعِ إِيهَامٌ وَتُهْمَةٌ، فَلِهَذَا الْحَدِيثِ كَانَ عُثْمَانُ ﵁ مَا عَزَلَ نَفْسَهُ حِينَ حَاصَرُوهُ يَوْمَ الدَّارِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتَعَارَ الْقَمِيصَ لِلْخِلَافَةِ وَرَشَّحَهَا بِقَوْلِهِ " عَلَى خَلْعِهِ ". قَالَ فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ: وَمِنَ الْمَجَازِ قَمَّصَهُ اللَّهُ وَشْيَ الْخِلَافَةِ وَتَقَمَّصَ لِبَاسَ الْعِزِّ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي» ) وَقَوْلُهُمُ: الْمَجْدُ بَيْنَ ثَوْبَيْهِ وَالْكَرْمُ بَيْنَ بُرْدَيْهِ انْتَهَى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) ، وَكَذَا أَبُو حَاتِمٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ وَلَا كَرَامَةً يَقُولُهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ خَلْعَهُ فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلْقَانِي يَا عُثْمَانُ إِنَّ اللَّهَ عَسَى أَنْ يُلْبِسَكَ قَمِيصًا، فَذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» . أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً طَوِيلَةً) . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ زَادَ: وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ إِذْ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالَ: (هَذِهِ يَدِي وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ) فَبَايَعَ لِي فَاشْتَدَّ لَهُ رِجَالٌ. زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَنِي إِحْدَى ابْنَتَيْهِ بَعْدَ الْأُخْرَى رِضًا لِي وَرِضًا عَنِّي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
следующие страницы →