Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.
стр. 8471
٦٠٧٥ - وَعَنْ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيِّ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرُ بِئْرِ رُومَةَ؟ فَقَالَ: ( «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟» ) فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي، وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونَنِي أَنْ أَشْرَبَ مِنْهَا حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ ، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟» ) فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي، فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونَنِي أَنْ أُصَلِّيَ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ؟ ، قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي جَهَّزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ مِنْ مَالِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَا، فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ حَتَّى تَسَاقَطَتْ حِجَارَتُهُ بِالْحَضِيضِ، فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ قَالَ: ( «اسْكُنْ ثَبِيرُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيُّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» ) ; قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، شَهِدُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ أَنِّي شَهِيدٌ، ثَلَاثًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
٦٠٧٥ - (وَعَنْ ثُمَامَةَ) : بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ (ابْنِ حَزْنٍ) : بِفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ زَايٍ فَنُونٍ (الْقُشَيْرِيِّ) : بِالتَّصْغِيرِ يُعَدُّ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ التَّابِعِينَ، رَأَى عُمَرَ وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَأَبَا الدَّرْدَاءِ، وَسَمِعَ عَائِشَةَ، وَرَوَى عَنْهُ الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ الْبَصْرِيُّ. (قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ) ، أَيْ: حَضَرْتُ دَارَ عُثْمَانَ الَّتِي حَاصَرُوهُ فِيهَا، وَتَفْصِيلُ قَضِيَّتِهَا مَذْكُورٌ فِي " الرِّيَاضِ " وَغَيْرِهِ. (حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ) ، أَيْ: اطَّلَعَ عَلَى الَّذِينَ قَصَدُوا قَتْلَهُ (فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ) : بِضَمِّ الشِّينِ وَنَصْبِ الِاسْمَيْنِ أَيْ: أَسْأَلُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ أَيْ: بِحَقِّهِمَا (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ
стр. 8472
بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ) ، أَيْ: يُعَدُّ عَذْبًا أَيْ: حُلْوًا (غَيْرُ بِئْرِ رُومَةَ) ؟ بِرَفْعِ " غَيْرُ " وَجُوِّزَ نَصْبُهُ وَالْبِئْرُ مَهْمُوزٌ وَيُبْدَلُ، وَرُومَةَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ فَمِيمٌ، اسْمُ بِئْرٍ فِي الْعَقِيقِ الْأَصْفَرِ اشْتَرَاهَا عُثْمَانُ ﵁ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَفِي الْمَدِينَةِ عَقِيقَانِ سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمَا عَقَّا عَنْ حَرَّةِ الْمَدِينَةِ أَيْ: قَطَعَا (فَقَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ ( «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ» ) : بِكَسْرِ الدَّالِ جَمَعُ دَلْوٍ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْوَقْفِ الْعَامِّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ وَقْفِ السِّقَايَاتِ، وَعَلَى خُرُوجِ الْمَوْقُوفِ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ حَيْثُ جَعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ سَوَاءً، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَجُمْلَةُ يَجْعَلُ مَفْعُولٌ لَهُ أَوْ حَالٌ أَيْ: إِرَادَةَ أَنْ يَجْعَلَ أَوْ قَاصِدًا أَنْ يَجْعَلَ دَلْوَهُ مُسَاوِيًا أَوْ مُصَاحِبًا مَعَ دِلَائِهِمْ فِي الِاسْتِقَاءِ، وَلَا يَخُصُّهَا مِنْ بَيْنِهِمْ بِالْمِلْكِيَّةِ فَقَوْلُهُ: مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِجَعَلَ أَيْ: يَجْعَلُ دَلْوَهُ. رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَاسْتَنْكَرُوا مَاءَهَا، وَكَانَ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا رُومَةُ، وَكَانَ يَبِيعُ الْقِرْبَةَ مِنْهَا بِمُدٍّ، فَقَالَ ﷺ : (هَلْ تَبِيعُهَا بِعَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي وَلَا لِعِيَالِي سِوَاهَا فَلَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَقَالَ: (مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ) » (بِخَيْرٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِيَشْتَرِي وَالْبَاءُ لِلْبَدَلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَيْسَتْ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِمُ اشْتَرَيْتُ هَذَا بَدِرْهَمٍ وَلَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] فَالْمَعْنَى مَنْ يَشْتَرِيهَا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ يُبْدِلُهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا أَيْ: بِأَفْضَلَ وَأَكْمَلَ أَوْ بِخَيْرٍ حَاصِلٍ (لَهُ) ، أَيْ: لِأَجْلِهِ (مِنْهَا) ، أَيْ: مِنْ تِلْكَ الْبِئْرِ أَوْ مِنْ جِهَتِهَا (فِي الْجَنَّةِ) فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي) ، بِضَمِّ الصَّادِ أَيْ: مِنْ أَصْلِهِ أَوْ خَالِصِهِ. فِي " الرِّيَاضِ "، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ فَاشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ: اجْعَلْ لِي مِثْلَ الَّذِي جَعَلْتَهُ لَهُ عَيْنًا فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قَدِ اشْتَرَيْتُهَا وَجَعَلْتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ، أَخْرَجَهُ الْفَضَائِلِيُّ. (وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونَنِي أَنْ أَشْرَبَ مِنْهَا حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ) ؟ أَيْ: مِمَّا فِيهِ مُلُوحَةٌ كَمَاءِ الْبَحْرِ، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْبَيَانِ أَيْ: مَا يُشْبِهُ الْبَحْرَ (فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ) . قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: قَدْ يُؤْتَى بِاللَّهُمَّ مَا قَبْلَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى عَزِيزًا نَادِرًا وَكَانَ قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ الِاسْتِظْهَارَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِثْبَاتِ كَوْنِهِ وَوُجُودِهِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ بَلَغَ مِنَ النُّدُورِ. حَدَّ الشُّذُوذِ وَقِيلَ كَلِمَتَيِ الْجَحْدِ وَالتَّصْدِيقِ فِي جَوَابِ الْمُسْتَفْهِمِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ لَا وَنَعَمْ (فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ) ، أَيْ: مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ (ضَاقَ بِأَهْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا» ) : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ أَيْ: فَتَزِيدَ تِلْكَ الْبُقْعَةُ (فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ) . فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي) ، أَيْ: بِعِشْرِينَ أَلْفًا أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا عَلَى مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ بِالْجَرِيدِ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ، وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ عَمَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الْخَيْرِ الْقَزْوِينِيُّ الْحَاكِمِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ «كَانَ مِنْ شَأْنِ عُثْمَانَ أَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: (يَا فُلَانُ أَلَا تَبِيعُنِي دَارَكَ أَزِيدُهَا فِي مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ بِبَيْتٍ أَضْمَنُهُ فِي الْجَنَّةِ) فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي بَيْتٌ غَيْرُهُ فَإِنْ أَنَا بِعْتُكَ دَارِي لَا يُؤْوِينِي وَوَلَدِي بِمَكَّةَ شَيْءٌ قَالَ: (أَلَا بَلْ بِعْنِي دَارَكَ أَزِيدُهَا فِي مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ بِبَيْتٍ أَضْمَنُهُ لَكَ فِي الْجَنَّةِ) . فَقَالَ الرَّجُلُ وَاللَّهِ مَا لِي إِلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، وَكَانَ الرَّجُلُ صَدِيقًا لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَتَاهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ عُثْمَانُ حَتَّى اشْتَرَى مِنْهُ دَارَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنِي أَنَّكَ أَرَدْتَ مِنْ فُلَانٍ دَارَهُ لِتَزِيدَهَا فِي مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ بِبَيْتٍ تَضْمَنُهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ دَارِي فَهَلْ أَنْتَ آخِذُهَا بِبَيْتٍ تَضْمَنُهُ لِي فِي الْجَنَّةِ؟ فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَضَمِنَ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَأَشْهَدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ» كَذَا فِي الرِّيَاضِ.
стр. 8473
(فَأَنْتُمْ) : بِالْفَاءِ هُنَا خِلَافًا، لِمَا تَقَدَّمَ (الْيَوْمَ تَمْنَعُونَنِي أَنْ أُصَلِّيَ فِيهَا) . أَيْ: فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ فَضْلًا عَنْ سَائِرِ الْمَسْجِدِ. (فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ) : بِلَا فَاءٍ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ خِلَافًا لِمَا قَبْلُ (أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي جَهَّزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ مِنْ مَالِي) ؟ أَيْ: وَقَالَ لِي مَا قَالَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ حَالِي وَمَآلِي (قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ) : بِفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَرَاءٍ جَبَلٌ بِمَكَّةَ. وَفِي " الْمِصْبَاحِ ": جَبَلٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى، وَهُوَ يُرَى مِنْ مِنًى وَهُوَ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ مِنْهَا إِلَى مَكَّةَ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ثَبِيرٌ جَبَلٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إِلَى مِنًى، وَهُوَ جَبَلٌ كَبِيرٌ مُشْرِفٌ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ بِمِنًى، وَبِمَكَّةَ جِبَالٌ كُلٌّ مِنْهَا اسْمُهُ ثَبِيرٌ اهـ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ جَبَلٌ مُشْرِفٌ عَلَى مِنًى مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إِلَى تِلْقَاءِ مَسْجِدِ الْخَيْفِ وَأَمَامَهُ قَلِيلًا عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إِلَى عَرَفَاتٍ، كَذَا حَكَاهُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ. وَقَالَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ: إِنَّهُ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إِلَى مِنًى. وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ، وَقِيلَ: وَهُوَ جَبَلٌ عَظِيمٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ إِلَى عَرَفَةَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ، وَقِيلَ: هُوَ أَعْظَمُ جَبَلٍ بِمَكَّةَ عُرِفَ بِرَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ كَانَ اسْمُهُ ثَبِيرًا دُفِنَ فِيهِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ وَالْمُطَرِّزِيُّ فِي الْمُغْرِبِ: هُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ أَيْ بِقُرْبِ مَكَّةَ، وَقِيلَ: هُوَ جَبَلٌ مُقَابِلٌ لِجَبَلِ حِرَاءَ اهـ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: حِرَاءُ مَكَانُ ثَبِيرٍ (وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَا، فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ) أَيِ: اهْتَزَّ ثَبِيرٌ (حَتَّى تَسَاقَطَتْ حِجَارَتُهُ) أَيْ: بَعْضُهَا (بِالْحَضِيضِ) ، أَيْ أَسْفَلَ الْجَبَلِ وَقَرَارِ الْأَرْضِ (فَرَكَضَهُ) أَيْ: ضَرَبَهُ (بِرِجْلِهِ. قَالَ) : اسْتِئْنَافٌ « (اسْكُنْ ثَبِيرُ) ، أَيْ يَا ثَبِيرُ (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ) » ، أَيْ حَقِيقِيَّانِ حَيْثُ قُتِلَا عَقِبَ الطَّعْنِ وَمَاتَا قَرِيبًا مِنْ أَثَرِ الضَّرْبِ، وَهُمَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالصِّدِّيقَ شَهِيدَانِ حُكْمِيَّانِ حَيْثُ كَانَ أَثَرُ مَوْتِهِمَا مِنَ السُّمِّ الْقَدِيمِ لَهُمَا (قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ) كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُتَعَجِّبُ عِنْدَ إِلْزَامِ الْخَصْمِ وَتَبْكِيتِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ (شَهِدُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ أَنِّي شَهِيدٌ) ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَفْعُولُ شَهِدُوا أَيْ شَهِدَ النَّاسُ أَنِّي شَهِيدٌ (ثَلَاثًا) أَيْ: قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ إِلَى آخِرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِزِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي إِثْبَاتِ الْحُجَّةِ عَلَى الْخَصْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ، وَأَنَّ خُصَمَاءَهُ عَلَى الْبَاطِلِ عَلَى طَرِيقٍ يُلْجِئُهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ، أَوْرَدَ حَدِيثَ ثَبِيرِ مَكَّةَ، وَأَنَّهُ مِنْ أَحَدِ الشَّهِيدَيْنِ مُسْتَفْهِمًا عَنْهُ فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ وَأَكَّدُوا إِقْرَارَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ نَعَمْ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ تَعَجُّبًا وَتَعْجِيبًا وَتَجْهِيلًا لَهُمْ وَاسْتِهْجَانًا لِفِعْلِهِمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ضَرَبَ مَثَلَ عَابِدِ الْأَصْنَامِ وَعَابِدِ اللَّهِ تَعَالَى بِرَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا لَهُ شُرَكَاءُ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ، وَتَنَازَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ عَبَدُهُ فَهُمْ يَتَجَاذَبُونَهُ، وَهُوَ مُتَحَيِّرٌ فِي أَمْرِهِ لَا يَدْرِي أَيَّهُمْ يَرْضَى بِخِدْمَتِهِ، وَالْآخَرُ قَدْ سَلِمَ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ وَخَلَصَ لَهُ، فَهُوَ يَلْتَزِمُ خِدْمَتَهُ، فَهَمُّهُ وَاحِدٌ وَقَلْبُهُ مُجْتَمِعٌ، وَاسْتَفْهَمَ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: ٢٤] فَلَا بُدَّ لَهُمْ أَنْ يُذْعِنُوا وَيَقُولُوا: لَا، فَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥] كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ) . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ زَادَ: وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ إِذْ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالَ: هَذِهِ يَدِي وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ، فَبَايَعَ لِي فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ. زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَنِي إِحْدَى ابْنَتَيْهِ بَعْدَ الْأُخْرَى رِضًا لِي وَرِضًا عَنِّي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
стр. 8474
٦٠٧٦ - وَعَنْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ الْفِتَنَ فَقَرَّبَهَا، فَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي ثَوْبٍ فَقَالَ: (هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى) فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. قَالَ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فَقُلْتُ: هَذَا؟ قَالَ: (نَعَمْ) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ــ
٦٠٧٦ - (وَعَنْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ) ، بِضَمِّ مِيمٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الشَّامِ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ مِنَ التَّابِعِينَ مَاتَ بِالْأُرْدُنِّ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ (قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) لَعَلَّ فِي زِيَادَةٍ مِنْ تَأْكِيدِ إِفَادَةِ السَّمَاعِ بِلَا وَاسِطَةٍ (وَذَكَرَ الْفِتَنَ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَقَرَّبَهَا) ، بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ قَرَّبَ النَّبِيُّ ﷺ الْفِتَنَ يَعْنِي وُقُوعَهَا (فَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ) : بِفَتْحِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مُسْتَتِرٌ فِي ثَوْبٍ جَعَلَهُ كَالْقِنَاعِ (قَالَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (هَذَا) أَيْ: هَذَا الرَّجُلُ الْمُقَنَّعُ (يَوْمَئِذٍ) أَيْ يَوْمَ وُقُوعِ تِلْكَ الْفِتَنِ (عَلَى الْهُدَى) : مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) فَمَفْعُولُ سَمِعْتُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى (فَقُمْتُ إِلَيْهِ) أَيْ: لِقُرْبِ الرَّجُلِ لِأَعْرِفَهُ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي (فَأَقْبَلْتُ إِلَيْهِ) أَيْ: عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (بِوَجْهِهِ) أَيْ: بِوَجْهِ عُثْمَانَ، وَالْمَعْنَى أَدَرْتُ وَجْهَهُ إِلَيْهِ لِيَتَبَيَّنَ الْأَمْرَ عَلَيْهِ (قُلْتُ: هَذَا) ؟ أَيْ أَهَذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى (قَالَ: (نَعَمْ) . فِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي اسْتِحْضَارِ الْقَضِيَّةِ وَتَأْكِيدِهَا بِتَحَقُّقِ الصُّورَةِ الْجَلِيَّةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .
وَفِي " الرِّيَاضِ "، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: «ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِتْنَةً فَقَرَّبَهَا وَعَظَّمَهَا. قَالَ: ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي مِلْحَفَةٍ فَقَالَ: هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْحَقِّ فَانْطَلَقْتُ فَأَخَذْتُ بِضَبْعِهِ فَقُلْتُ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (هَذَا) فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ عَنْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ النَّهْرِيِّ وَقَالَ: (هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ النَّهْرِيِّ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ قَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ فِي فِتْنَةٍ تَثُورُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ كَأَنَّهَا صَيَاصِي بَقَرٍ؟ قَالُوا: فَنَصْنَعُ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (عَلَيْكُمْ بِهَذَا وَأَصْحَابِهِ) . قَالَ: فَأَسْرَعْتُ حَتَّى عَطَفْتُ الرَّجُلَ فَقُلْتُ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: (هَذَا) فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ: فَأَسْرَعْتُ حَتَّى عَيِيتُ، فَلَحِقْتُ بِالرَّجُلِ فَقُلْتُ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ إِلَخْ.
стр. 8475
٦٠٧٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (يَا عُثْمَانُ، إِنَّهُ لَعَلَّ اللَّهَ يُقَمِّصُكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ - وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً طَوِيلَةً.
ــ
٦٠٧٧ - (عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ) أَيْ: لِعُثْمَانَ ذَاتَ يَوْمٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (يَا عُثْمَانُ، إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (لَعَلَّ اللَّهَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ اللَّهَ لَعَلَّهُ (يُقَمِّصُكَ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ يُلْبِسُكَ (قَمِيصًا) ، قِيلَ أَيْ خِلَافَةً وَالْمُرَادُ خُلْعَةُ الْخِلَافَةِ (فَإِنْ أَرَادُوكَ) أَيْ: حَمَلُوكَ (عَلَى خَلْعِهِ) أَيْ: نَزْعِهِ (فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ) . وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا تَخْلَعْهُ ثَلَاثًا، وَالْمَعْنَى إِنْ قَصَدُوا عَزْلَكَ فَلَا تَعْزِلْ نَفْسَكَ عَنِ الْخِلَافَةِ لِأَجْلِهِمْ لِكَوْنِكَ عَلَى الْحَقِّ وَكَوْنِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ. وَفِي قَبُولِ الْخَلْعِ إِيهَامٌ وَتُهْمَةٌ، فَلِهَذَا الْحَدِيثِ كَانَ عُثْمَانُ ﵁ مَا عَزَلَ نَفْسَهُ حِينَ حَاصَرُوهُ يَوْمَ الدَّارِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتَعَارَ الْقَمِيصَ لِلْخِلَافَةِ وَرَشَّحَهَا بِقَوْلِهِ " عَلَى خَلْعِهِ ". قَالَ فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ: وَمِنَ الْمَجَازِ قَمَّصَهُ اللَّهُ وَشْيَ الْخِلَافَةِ وَتَقَمَّصَ لِبَاسَ الْعِزِّ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي» ) وَقَوْلُهُمُ: الْمَجْدُ بَيْنَ ثَوْبَيْهِ وَالْكَرْمُ بَيْنَ بُرْدَيْهِ انْتَهَى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) ، وَكَذَا أَبُو حَاتِمٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ وَلَا كَرَامَةً يَقُولُهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ خَلْعَهُ فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلْقَانِي يَا عُثْمَانُ إِنَّ اللَّهَ عَسَى أَنْ يُلْبِسَكَ قَمِيصًا، فَذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» . أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً طَوِيلَةً) . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ زَادَ: وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ إِذْ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالَ: (هَذِهِ يَدِي وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ) فَبَايَعَ لِي فَاشْتَدَّ لَهُ رِجَالٌ. زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَنِي إِحْدَى ابْنَتَيْهِ بَعْدَ الْأُخْرَى رِضًا لِي وَرِضًا عَنِّي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
стр. 8476
٦٠٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِتْنَةً فَقَالَ: (يُقْتَلُ هَذَا فِيهَا مَظْلُومًا) لِعُثْمَانَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، غَرِيبٌ إِسْنَادًا.
ــ
٦٠٧٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِتْنَةً) أَيْ: عَظِيمَةً (فَقَالَ: يُقْتَلُ هَذَا فِيهَا مَظْلُومًا) لِعُثْمَانَ» ) . بَيَانُ هَذَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، غَرِيبٌ إِسْنَادًا) . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ: يُقْتَلُ فِيهَا هَذَا الْمُقَنَّعُ يَوْمَئِذٍ مَظْلُومًا، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ.
стр. 8477
٦٠٧٩ - وَعَنْ أَبِي سَهْلَةَ، قَالَ: «قَالَ لِي عُثْمَانُ ﵁ يَوْمَ الدَّارِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا وَأَنَا صَابِرٌ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ــ
٦٠٧٩ - (وَعَنْ أَبِي سَهْلَةَ) ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ السَّائِبُ بْنُ خَلَّادٍ يُكَنَّى أَبَا سَهْلَةَ الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ، مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ خَلَّادٌ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا مَوْلَى عُثْمَانَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ: قَالَ لِي عُثْمَانُ، يَوْمَ الدَّارِ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا) أَيْ: أَوْصَانِي أَنْ لَا أَخْلَعَ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ. (وَأَنَا صَابِرٌ عَلَيْهِ) . أَيْ عَلَى تَحَمُّلِ ذَلِكَ الْعَهْدِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) : وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (ادْعُوا لِي بَعْضَ أَصْحَابِي) قُلْتُ: أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: (لَا) قُلْتُ: عُمَرَ؟ قَالَ: (لَا) قُلْتُ: ابْنَ عَمِّكَ؟ قَالَ: (لَا) . قُلْتُ: عُثْمَانَ؟ قَالَ: (نَعَمْ) فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: (تَنَحَّيْ) فَجَعَلَ يُسَارُّهُ وَلَوْنُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الدَّارِ وَحُصِرَ فِيهَا قُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا تُقَاتِلُ؟ قَالَ: لَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا وَإِنِّي صَابِرٌ نَفْسِي عَلَيْهِ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ.
стр. 8478
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٠٨٠ - عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ يُرِيدُ حَجَّ الْبَيْتِ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ. قَالَ: فَمَنِ الشَّيْخُ فِيهِمْ؟ قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ، إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ) . وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَمَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: ( «هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ» ) فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، وَقَالَ: (هَذِهِ لِعُثْمَانَ) . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الْآنَ مَعَكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٠٨٠ - (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ) ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى مَا فِي " الْجَامِعِ "، وَالْمُغْنِي، وَفِي " الْقَامُوسِ ": مَوْهَبٌ كَمَقْعَدٍ اسْمٌ فَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ مِنْ ضَبْطِهِ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَهْمٌ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ تَيْمِيٌّ، رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ. (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ) أَيْ: إِلَى مَكَّةَ (يُرِيدُ حَجَّ الْبَيْتِ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا) ، أَيْ جَالِسِينَ (فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا) أَيْ: قَالَ بَعْضُ مَنْ سُئِلَ (هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ) . أَيْ أَكَابِرُهُمْ (قَالَ: فَمَنِ الشَّيْخُ) أَيِ: الْعَالِمُ الْمُعْتَبَرُ (فِيهِمْ) ؟ فَإِنَّ الشَّيْخَ فِي قَوْمِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ (قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ، إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي) أَيْ: أَخْبِرْنِي عَنْ جَوَابِهِ (هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ) ؟ يَعْنِي وَالْفِرَارُ مَنْقَصَةٌ عَظِيمَةٌ (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْ) أَيْ: لَمْ يَحْضُرْهَا ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا وَأَرَادَ أَنَّهُ فَاتَهُ فَضْلُ أَهْلِ بَدْرٍ. (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ) .
стр. 8479
قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ بَعْدَمَا عَدَّ مِنَ الْأُمُورِ بِمَنْزِلَةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ مِنَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَ ابْنَ عُمَرَ، وَيَحُطَّ مِنْ مَنْزِلَةِ عُثْمَانَ عَلَى الطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ، فَلَمَّا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ تَعَجُّبًا وَتَعْجِيبًا وَإِظْهَارًا لِإِفْحَامِهِ إِيَّاهُ. (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ) أَيْ: ارْتَفِعْ عَنْ حَضِيضِ مَقَامِكَ مِنَ الْجَهْلِ إِلَى عُلُوِّ فَهْمِ الْقَضَايَا الْمُبْهَمَةِ الْمُبَيَّنَةِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ. (أُبَيِّنْ لَكَ) : بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ أَنَا أُبَيِّنُ لَكَ (أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدْ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَغَفَرَ لَهُ يَعْنِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥] وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَعْفُوَّ خَارِجٌ عَنْ مَعْتَبَةِ الْمَعِيبَةِ بِالْمَغِيبَةِ. (وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ) أَيْ: تَحْتَ عَقْدِهِ (رُقَيَّةُ) : بِالتَّصْغِيرِ (بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: وَهَذَا عَلَامَةُ كَمَالِ رِضَا النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ زَوَّجَهُ بِنْتَهُ ثُمَّ الْأُخْرَى وَهِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ، وَبِهِ سُمِّيَ ذَا النُّورَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: (لَوْ كَانَتْ لِي بِنْتٌ أُخْرَى لَزَوَّجْتُهَا إِيَّاهُ) .
وَفِي " الرِّيَاضِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أُزَوِّجَ كَرِيمَتَيَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ» ) . أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَخْرَجَهُ خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: كَرِيمَتَيَّ يَعْنِي رُقَيَّةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ عُثْمَانَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: (يَا عُثْمَانُ هَذَا جِبْرِيلُ أَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَكَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِمِثْلِ صَدَاقِ رُقَيَّةَ وَعَلَى مِثْلِ صُحْبَتِهَا) » . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَعَنْهُ قَالَ: «قَالَ عُثْمَانُ لَمَّا مَاتَتِ امْرَأَتُهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بَكَيْتُ بُكَاءً شَدِيدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا يُبْكِيكَ) فَقُلْتُ: أَبْكِي عَلَى انْقِطَاعِ صِهْرِي مِنْكَ، فَقَالَ: (هَذَا جِبْرِيلُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَنْ أُزَوِّجَكَ أُخْتَهَا) » . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ، وَزَادَ فِيهِ: ( «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مِائَةَ بِنْتٍ تَمُوتُ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ زَوَّجْتُكَ أُخْرَى حَتَّى لَا يَبْقَى مِنَ الْمِائَةِ شَيْءٌ. هَذَا جِبْرِيلُ أَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُنِي أَنْ أُزَوِّجَكَ أُخْتَهَا، وَأَنْ أَجْعَلَ صَدَاقَهَا مِثْلَ صَدَاقِ أُخْتِهَا» ) . أَخْرَجَهُ الْفَضَائِلِيُّ.
وَفِي " الذَّخَائِرِ "، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: «آمَ عُثْمَانُ مِنْ رُقَيَّةَ، وَآمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ زَوْجِهَا، فَمَرَّ عُمَرُ بِعُثْمَانَ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي حَفْصَةَ، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُهَا، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (هَلْ لَكَ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ أَتَزَوَّجُ أَنَا حَفْصَةَ وَأُزَوِّجُ عُثْمَانَ خَيْرًا مِنْهَا أُمَّ كُلْثُومٍ) » .
أَخْرَجَهُ أَبُو عُمَرَ وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَ عُثْمَانَ ابْنَتِي» ) وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْ لِمَا لَا تَرْجُوهُ أَرْجَى مِنْكَ لِمَا تَرْجُوهُ، فَإِنَّ مُوسَى ﵇ خَرَجَ يَلْتَمِسُ نَارًا فَرَجَعَ بِالنُّبُوَّةِ. أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْبَصْرِيُّ.
(وَكَانَتْ) أَيْ: رُقَيَّةُ (مَرِيضَةً) ، أَيْ فِي الْمَدِينَةِ. وَفِي " الذَّخَائِرِ " عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهَا كَانَتْ أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ، فَمَرِضَتْ وَتَخَلَّفَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ وَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَجَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بَشِيرًا بِفَتْحِ بَدْرٍ وَعُثْمَانُ قَائِمٌ عَلَى قَبْرِ رُقَيَّةَ. أَخْرَجَهُ أَبُو عُمَرَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا عُزِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِابْنَتِهِ رُقَيَّةَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، دَفْنُ الْبَنَاتِ مِنَ الْمَكْرُمَاتِ» . أَخْرَجَهُ الدُّولَابِيُّ. (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ يَشْهَدُ بَدْرًا وَسَهْمَهُ» ) . أَيْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ أَجْرِ الْعُقْبَى وَغَنِيمَةِ الدُّنْيَا، فَلَا نُقْصَانَ فِي حَقِّهِ أَصْلًا فَيَكُونُ نَظِيرَ تَغَيُّبِ عَلِيٍّ عَنْ تَبُوكَ حَيْثُ جَعَلَهُ خَلِيفَةً عَلَى أَهْلِهِ وَأَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ فِيهِمْ، لَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ جَعَلَ لِعَلِيٍّ سَهْمًا مِنَ الْغَنِيمَةِ أَيْضًا أَمْ لَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي " الرِّيَاضِ " أَنَّهُ كَذَلِكَ (وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ) أَيْ: أَكْثَرَ عِزَّةٍ مِنْ جِهَةِ الْعَشَرَةِ مِنْ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ (بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ) ، أَيْ مَكَانَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، لَكِنْ لَمَّا فُقِدَ الْأَعَزُّ مِنْهُ حَتَّى امْتَنَعَ عُمَرُ ﵁ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مُعَلِّلًا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِي قَوْمٌ بِمَكَّةَ يُعِينُونَنِي وَيَحْفَظُونَنِي وَرَاءَ ظَهْرِي. (فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ) ، أَيْ إِلَى.
стр. 8480
مَكَّةَ فَاسْتَقْبَلَهُ أَهْلُهُ وَرَهْطُهُ وَرَكَّبُوهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَجَارُوهُ مِنْ تَعَرُّضِ أَحَدٍ لَهُ وَقَالُوا: طُفْ بِالْبَيْتِ لِعُمْرَتِكَ. فَقَالَ: حَاشَا أَنِّي أَطُوفُ فِي غَيْبَتِهِ ﷺ . (وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَمَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ) ، أَيْ وَشَاعَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ تَعَرَّضُوا لِحَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَعَدَّ الْمُسْلِمُونَ لِلْقِتَالِ، وَبَايَعَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلَى أَنْ لَا يُغَرُّوا، وَقِيلَ بَلْ جَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: أَشَارَ (بِيَدِهِ الْيُمْنَى: (هَذِهِ) أَيْ: قَائِلًا هَذِهِ (يَدُ عُثْمَانَ) فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ) ، أَيِ الْيُسْرَى (وَقَالَ: (هَذِهِ) أَيْ: هَذِهِ الْبَيْعَةُ أَوْ هَذِهِ الْيَدُ (لِعُثْمَانَ) . أَيْ لِأَجْلِهِ أَوْ عَنْهُ عَلَى فَرْضِ وُجُودِ حَيَاتِهِ، أَوْ إِشَارَةً إِلَى تَكْذِيبِ خَبَرِ مَمَاتِهِ (ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا) أَيْ: بِالْكَلِمَاتِ الَّتِي أَجَبْتُ لَكَ عَنْ أَسْئِلَتِكَ (الْآنَ مَعَكَ) : فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّنَا بَلْ يَضُرُّكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَلَمَّا نَقَضَ ابْنُ عُمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّا بَنَاهُ وَأَقْلَعَهُ مِنْ أَصْلِهِ قَالَ تَهَكُّمًا: اذْهَبْ بِهَا أَيْ بِمَا جِئْتَ وَتَمَسَّكْتَ بِهِ بَعْدَمَا بَيَّنْتُ لَكَ الْحَقَّ الْمَحْضَ الَّذِي لَا يُرْتَابُ فِيهِ انْتَهَى. وَالْمَعْنَى لَا يَنْفَعُكَ اعْتِقَادُكَ الْفَاسِدُ فِي عُثْمَانَ بَعْدَمَا بَيَّنْتُ لَكَ الْحَقَّ الصَّرِيحَ بِالْجَوَابِ الصَّحِيحِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ مُخْتَلِفٌ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
стр. 8481
٦٠٨١ - وَعَنْ أَبِي سَهْلَةَ مَوْلَى عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: «جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ : (يُسِرُّ إِلَى عُثْمَانَ، وَلَوْنُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ) » ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الدَّارِ قُلْنَا: أَلَا تُقَاتِلُ؟ قَالَ: لَا، إِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ أَمْرًا، فَأَنَا صَابِرٌ نَفْسِي عَلَيْهِ.
ــ
٦٠٨١ - (وَعَنْ أَبِي سَهْلَةَ مَوْلَى عُثْمَانَ ﵁) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ ﵄ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ تَغْلِيبًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ. (قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ) : بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فَتَشْدِيدٍ أَيْ يُخْفِي الْكَلَامَ (إِلَى عُثْمَانَ، وَلَوْنُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ) ، أَيْ مِنَ الْبَيَاضِ وَالْحُمْرَةِ إِلَى الصُّفْرَةِ (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الدَّارِ) : بِالرَّفْعِ وَيُنْصَبُ (قُلْنَا، أَلَا تُقَاتِلُ) ؟ بِتَخْفِيفِ أَلَا وَيُشَدَّدُ (قَالَ: لَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ أَيْ لِأَنَّهُ (عَهِدَ إِلَيَّ أَمْرًا، فَأَنَا صَابِرٌ) : بِالتَّنْوِينِ (نَفْسِي عَلَيْهِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: أَوْصَانِي بِأَنْ أَصْبِرَ وَلَا أُقَاتِلَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هِيَ قَوْلُهُ: فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوهِمُ الْمُقَاتَلَةَ مَعَهُمْ لِلدَّفْعِ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لِيَتَّفِقَا. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْعَهْدَ كَانَ مُرَكَّبًا مِنْ عَدَمِ الْخَلْعِ وَتَرْكِ الْقِتَالِ لِلدَّفْعِ، بَلْ لِمُجَرَّدِ الصَّبْرِ لِلْوُصُولِ إِلَى مَقَامِ الْجَمْعِ.
стр. 8482
٦٠٨٢ - وَعَنْ أَبِي حَبِيبَةَ ﵁ أَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ فِيهَا، وَأَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَسْتَأْذِنُ عُثْمَانَ فِي الْكَلَامِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « (إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي فِتْنَةً وَاخْتِلَافًا - أَوْ قَالَ: اخْتِلَافًا وَفِتْنَةً - فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنَ النَّاسِ: فَمَنْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَوْ مَا تَأْمُرُنَا بِهِ؟ قَالَ: (عَلَيْكُمْ بِالْأَمِيرِ وَأَصْحَابِهِ) وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى عُثْمَانَ بِذَلِكَ» . رَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) .
ــ
٦٠٨٢ - (وَعَنْ أَبِي حَبِيبَةَ) : اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ نَصْرٍ الْحَازِمِيُّ الْهَمْدَانِيُّ، رَوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفِ فِي التَّابِعِينَ. (أَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ فِيهَا، وَأَنَّهُ) أَيْ: أَبَا حَبِيبَةَ (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَسْتَأْذِنُ عُثْمَانَ فِي الْكَلَامِ) ، أَيْ عِنْدَهُ أَوْ عَلَى الْحَاضِرِينَ مِنَ الْحَاضِرِينَ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) ، أَيْ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَبَيَانٍ أَوِ الْحَمْدُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّكُمْ) أَيْ: أَيُّهَا الْأُمَّةُ أَوْ أَيُّهَا الصَّحَابَةُ (سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي فِتْنَةً) أَيْ: مِحْنَةً عَظِيمَةً (وَاخْتِلَافًا) أَيْ: كَثِيرًا (أَوْ قَالَ: اخْتِلَافًا وَفِتْنَةً) : شَكَّ الرَّاوِي فِي تَقَدُّمِ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ (فَقَالَ لَهُ) أَيْ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (قَائِلٌ: فَمَنْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى
стр. 8483
قَوْلِهِ اخْتِلَافًا أَيْ سَتَلْقَوْنَ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْأَمِيرِ وَمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ، فَمَنْ تَأْمُرُنَا أَنْ نَتَّبِعَهُ وَنَلْزَمَهُ فَتَكُونَ لَنَا الْعَاقِبَةُ لَا عَلَيْنَا. (أَوْ مَا تَأْمُرُنَا بِهِ) ؟ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مَعَ أَنَّ مُؤَدَّاهُمَا فِي الْمَعْنَى وَاحِدٌ. ( «قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَمِيرِ وَأَصْحَابِهِ» ) وَهُوَ) أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (يُشِيرُ إِلَى عُثْمَانَ بِذَلِكَ) . أَيْ بِقَوْلِهِ " الْأَمِيرِ " بِأَنْ يَكُونَ حَاضِرًا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، أَيْ: مَذْكُورًا فِيهِ (رَوَاهُمَا) أَيْ: الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) . قَالَ الْمُؤَلِّفُ: كَانَ إِسْلَامُهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ، وَكَانَ أَبْيَضَ رَبْعَةً حَسَنَ الْوَجْهِ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ يَصْغُرُهَا، اسْتُخْلِفَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَقَتَلَهُ الْأَسْوَدُ التُّجِيبِيُّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ السَّبْتِ بِالْبَقِيعِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْعُمْرِ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَثَمَانُونَ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ اثْنَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا أَيَّامًا، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
стр. 8484
[بَابُ مَنَاقِبِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ ﵃]
[٧] بَابُ مَنَاقِبِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ ﵃ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٠٨٣ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: (اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ) » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[٧] بَابُ مَنَاقِبِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ ﵃ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٠٨٣ - (عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ طَلَعَ (أُحُدًا) أَيْ جَبَلَ أُحُدٍ (وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ) ، أَيْ مَعَهُ (فَرَجَفَ) أَيْ: تَحَرَّكَ (أُحُدٌ بِهِمْ) ، أَيِ انْتِعَاشًا وَاهْتِزَازًا لِقُدُومِهِمْ (فَضَرَبَهُ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ (بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: اثْبُتْ أُحُدُ) ، أَيْ: وَلَا تُظْهِرْ شَيْئًا عَلَى ظَاهِرِكَ كَالْكَامِلِينَ الْوَاصِلِينَ، عَلَى مَا حُكِيَ أَنَّ الْجُنَيْدَ سُئِلَ مَا بَالُكَ عِنْدَ السَّمَاعِ ظَاهِرًا، مَعَ تَحَقُّقِ حَالِكَ بَاطِنًا فَقَرَأَ: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ) . أَيْ وَصُحْبَةُ أَهْلِ التَّمْكِينِ وَالْوَقَارِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَأْثِيرٍ خَالٍ عَلَى الْإِظْهَارِ، وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي جَبَلِ ثَبِيرٍ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ بُرَيْدَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا عَلَى حِرَاءٍ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اثْبُتْ حِرَاءُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اسْكُنْ حِرَاءُ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ) » ، وَفِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَلِيًّا. خَرَّجَهُمَا مُسْلِمٌ وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدًا وَقَالَ: اهْدَأْ مَكَانَ اسْكُنْ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ الْعَشَرَةُ إِلَّا أَبَا عُبَيْدَةَ، وَقَالَ: " اثْبُتْ حِرَاءُ " الْحَدِيثَ. فَاخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ مَحْمُولٌ عَلَى تَعَدُّدِ الْقَضِيَّةِ فِي الْأَوْقَاتِ، وَإِثْبَاتِ الشَّهَادَةِ لِبَعْضِهِمْ حَقِيقَةً، وَلِلْبَاقِينَ حُكْمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 8485
٦٠٨٤ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا عُمَرُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: (افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ) فَإِذَا عُثْمَانُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ، قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٠٨٤ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطٍ) أَيْ: بُسْتَانٍ (مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ) ، بِكَسْرِ الْحَاءِ جَمْعٌ (فَجَاءَ رَجُلٌ) أَيْ: لَا يُعْرَفُ حَالُهُ (فَاسْتَفْتَحَ) ، أَيْ طَلَبَ الْفَتْحَ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) أَيِ: الْعَالِيَةِ (فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَفِي نُسْخَةٍ (النَّبِيُّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ) ، أَيْ شَكَرَهُ.
стр. 8486
عَلَى تِلْكَ الْبِشَارَةِ، فَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: اللَّهُمَّ حَمْدًا، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. (ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا عُمَرُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ فَقَالَ لِي) : زَادَ هُنَا لِكَمَالِ الِاهْتِمَامِ بِمَعْرِفَةِ الْقَضِيَّةِ (افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى) أَيْ: مَعَ بَلِيَّةٍ عَظِيمَةٍ (تُصِيبُهُ) : عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَشْرَفُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا جُعِلَ عَلَى مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ بِالْجَنَّةِ يَكُونُ الْمُبَشَّرُ بِهِ مُرَكَّبًا، وَإِذَا جُعِلَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ كَانَتِ الْبِشَارَةُ مُقَارَنَةً بِالْإِنْذَارِ، وَلَا يَكُونُ الْمُبَشَّرُ بِهِ مُرَكَّبًا وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَى بِمَعْنَاهُ انْتَهَى، وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْبَلَاءَ نِعْمَةً عِنْدَ أَرْبَابِ الْوَلَاءِ. (فَإِذَا عُثْمَانُ) ، وَإِنَّمَا خَصَّ عُثْمَانَ بِهِ مَعَ أَنَّ عُمَرَ أَيْضًا ابْتُلِيَ بِهِ لِعِظَمِ ابْتِلَاءِ عُثْمَانَ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ امْتِدَادِ الزَّمَانِ وَقِلَّةِ الْأَعْوَانِ مِنَ الْأَعْيَانِ. (فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ) . أَيِ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْمَعُونَةُ عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْنَةِ، وَمِنْهُ الصَّبْرُ عَلَى مَرَارَةِ تِلْكَ الْبَلِيَّةِ، ثُمَّ فِي تَرْتِيبِ مَأْتَاهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ الَّتِي فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ إِيمَاءٌ إِلَى مَرَاتِبِهِمُ الْعَلِيَّةِ فِي الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، وَمِنَ الْقُرْبِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ الْبَشِيرِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ذَكَرَ فِي " الرِّيَاضِ " «عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: وَجَّهَ هَاهُنَا، فَخَرَجْتُ فِي أَثَرِهِ حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ. وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ، حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجَتَهُ، فَتَوَضَّأَ فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ جَالَسٌ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا وَهُوَ بِالضَّمِّ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ فَقُلْتُ: لَأَكُونَنَّ بَوَّابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَدَفَعَ الْبَابَ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ فَقَالَ: (ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) . فَأَقْبَلْتُ حَتَّى قُلْتُ لَأَبِي بَكْرٍ ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ فِي الْقُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَجَلَسْتُ وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلْحَقُنِي، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا يُرِيدُ أَخَاهُ يَأْتِ بِهِ، فَإِذَا بِإِنْسَانٍ يُحَرِّكُ الْبَابَ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُكَ، فَقَالَ: (ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) فَجِئْتُ فَقُلْتُ: ادْخُلْ وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ، فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْرِ، فَرَجَعْتُ وَجَلَسْتُ وَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ فَحَرَّكَ الْبَابَ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ ثُمَّ جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: (ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ) ، فَجِئْتُ فَقُلْتُ: ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُكَ، فَدَخَلَ فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ فَجَلَسَ وُجَاهَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ» . قَالَ شَرِيكٌ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورُهُمُ اجْتَمَعَتْ، وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ.
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى «عَنْ أَبِي مُوسَى وَلَفْظُهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَقُولُ، بِعُودٍ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ يَنْكُتُ بِهِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ " فَإِذَا هُوَ أَبُو بَكْرٍ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ لَهُ: " افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ " فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ آخَرُ فَجَلَسَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: " افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ " قَالَ،: فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ فَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ وَقُلْتُ لَهُ الَّذِي قَالَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَبْرًا» وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ عَنْهُ وَلَفْظُهُ: «انْطَلَقْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ حَائِطًا لِلْأَنْصَارِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا مُوسَى، أَمْلِكْ عَلَيَّ الْبَابِ وَلَا يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ عَلَيَّ إِلَّا بِإِذْنٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَضَرَبَ الْبَابَ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ قَالَ: (ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ فِي عُمَرَ وَعُثْمَانَ» ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَكْرَارِ الْقَضِيَّةِ، فَإِنَّ أَبَا مُوسَى ذَكَرَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ الْأَوَّلِ أَنَّهُ سَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقِيلَ: وَجَّهَ هَاهُنَا فَاتَّبِعْ أَثَرَهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَنْطِقُ انْطَلَقَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ فَقَالَ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، وَيَكُونُ أَبُو مُوسَى ذَكَرَ سَبَبَ جُلُوسِهِ بَوَّابًا فِي رِوَايَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي رِوَايَةٍ، وَاسْتَوْفَى الْقِصَّةَ فِي رِوَايَةٍ، وَاخْتَصَرَهَا فِي رِوَايَةٍ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 8487
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٠٨٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵃ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٠٨٥ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ﵄، قَالَ: كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَمَقُولِهِ (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ) ، أَيْ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ وَبَيَانِ أَمْرِهِمْ ﵃ . وَقَالَ شَارِحٌ: أَبُو بَكْرٍ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﵃ وَالْجُمْلَةُ مَقُولُ الْقَوْلِ وَرَسُولُ اللَّهِ حَيٌّ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ أَيْ: كُنَّا نَذْكُرُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَضِيَ عَنْهُمْ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ قَوْلِهِ حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵃ أَيْ: وَنَسْكُتُ عَنِ الْبَاقِينَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُفَاضِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَنَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ فَلَا يُنْكِرُهُ، وَعَنْهُ: كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُفَضِّلُ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْهُ: كُنَّا نَقُولُ - وَرَسُولُ اللَّهِ - حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ الْحَافِظُ فِي الْمُوَافَقَاتِ، وَعَنْهُ قَالَ: اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ عَلَى أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَعَنْهُ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ أَوْفَرُ مَا كَانُوا: إِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ. خَرَّجَهُمَا خَيْثَمَةُ بْنُ سَعْدٍ، وَخَرَّجَ مَعْنَاهُ الْحَاكِمِيُّ وَزَادَ فَيَبْلُغُ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَا يُنْكِرُهُ كَذَا فِي الرِّيَاضِ النَّضِرَةِ.
стр. 8488
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٠٨٦ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «أُرِيَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ كَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ نِيطَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنِيطَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَنِيطَ عُثْمَانُ بِعُمَرَ " قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْنَا: أَمَّا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَرَسُولُ اللَّهِ، وَأَمَّا نَوْطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَهُمْ وُلَاةُ الْأَمْرِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ » رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦٠٨٦ - (عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : (قَالَ: أُرِيَ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ أَبْصَرَ فِي مَنَامِهِ (اللَّيْلَةَ) ، أَيِ: الْبَارِحَةَ (رَجُلٌ صَالِحٌ كَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ نِيطَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ عُلِّقَ (بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنِيطَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَنِيطَ عُثْمَانُ بِعُمَرَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ مِنَ الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ: رَأَيْتُ نَفْسِي اللَّيْلَةَ وَأَبُو بَكْرٍ نِيطَ بِي، فَجَرَّدَ مِنْهُ ﷺ لِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ وَحَبِيبَهُ رَجُلًا صَالِحًا، وَوُضِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْضِعَ " رَجُلًا " تَفْخِيمًا غِبَّ تَفْخِيمٍ انْتَهَى.
وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: رَجُلٌ صَالِحٌ بَيَانٌ لِلضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي أُرِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ هَذَا عَلَى أَنَّ أُرِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَرَجُلٌ الْمُتَكَلِّمُ عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ، لَكِنْ قُيِّدَ وَصُحِّحَ بِأَنَّهُ أُرِيَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ وَرَجُلٌ صَالِحٌ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى صَرَافَةِ إِبْهَامِهِ (قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْنَا: أَمَّا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: بِالِاجْتِهَادِ وَالظَّنِّ الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَيُحْتَمَلُ أَنَّ صَالِحًا كَعَلِيٍّ مَثَلًا رَأَى تِلْكَ الرُّؤْيَا، فَأَخْبَرَهُ ﷺ أَوِ انْكَشَفَ لَهُ بِنُورِ النُّبُوَّةِ فَأَظْهَرَهُ، لَكِنْ لِحِكْمَةٍ أَبْهَمَهُ وَسَتَرَهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ صَاحِبُ الرِّيَاضِ، أَخْرَجَهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ، وَهَكَذَا أُرِيتُ كِتَابَ الْمَنَاقِبِ وَالْفَضَائِلِ بَابَ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَالصَّوَابُ أَرَى اللَّيْلَةَ (وَأَمَّا نَوْطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) ، أَيْ: تَعَلُّقُهُمْ وَاتِّصَالُهُمْ (فَهُمْ وُلَاةُ الْأَمْرِ) ، أَيْ: أَمْرِ الدِّينِ (الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 8489
وَفِي الرِّيَاضِ: ذِكْرُ بَابِ مَا جَاءَ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « (يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ مِنْ تَحْتِ هَذَا الصُّورِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَطَلَعَ أَبُو بَكْرٍ فَهَنَّأْنَاهُ، ثُمَّ لَبِثَ هُنَيْهَةً ثُمَّ قَالَ: (يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ مِنْ تَحْتِ هَذَا الصُّورِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فَطَلَعَ عُمَرُ فَهَنَّأْنَاهُ ثُمَّ قَالَ: (يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ مِنْ تَحْتِ هَذَا الصُّورِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَطَلَعَ عَلِيٌّ» ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَالصُّورُ: جَمَاعَةُ النَّخْلِ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ بَابِ مَنَاقِبِ الْعَشَرَةِ مِنَ الْمُخْتَصَّاتِ بِالثَّلَاثَةِ.
стр. 8490
[بَابُ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁]
[٨] بَابُ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٠٨٧ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: ( «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٨] بَابُ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁
قَالَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا: لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الْجِيَادِ أَكْثَرَ مِمَّا جَاءَ فِي عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ تَأَخَّرَ، وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي زَمَانِهِ وَكَثُرَ مُحَارِبُوهُ وَالْخَارِجُونَ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِشَارِ مَنَاقِبِهِ لِكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يَرْوِيهَا مِنَ الصَّحَابَةِ رَدًّا عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَإِلَّا فَالثَّلَاثَةُ قَبْلَهُ لَهُمْ مِنَ الْمَنَاقِبِ مَا يُوَازِيهِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ، كَذَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ شِعْرِهِ ﵁:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
وَحَيْدَرَةُ اسْمُ الْأَسَدِ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ أُمُّهُ لَمَّا وَلَدَتْهُ سَمَّتْهُ بِاسْمِ أَبِيهَا، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو طَالِبٍ كَرِهَ الِاسْمَ فَسَمَّاهُ عَلِيًّا، وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: اسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ قَالَ: فَدَعَا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتُمَ عَلِيًّا فَأَبَى فَقَالَ: أَمَّا إِذَا أَبَيْتَ فَقُلْ: لَعَنَ اللَّهُ أَبَا تُرَابٍ، فَقَالَ سَهْلٌ: مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي تُرَابٍ إِنَّهُ كَانَ يَفْرَحُ بِهِ إِذَا دُعِيَ بِهِ فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ قِصَّتِهِ لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ؟ قَالَ: «جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنْسَانٍ: " انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: " قُمْ أَبَا تُرَابٍ قُمْ أَبَا تُرَابٍ» " أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ. وَفِي الرِّيَاضِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ التَّيْمِيِّ قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ الثِّيَابَ عَلَى عَوَاتِقِنَا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَأَيْنَا عَلِيًّا قَدْ أَقْبَلَ قُلْنَا: بزرك اشكم قَالَ عَلِيٌّ: مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ عَظِيمُ الْبَطْنِ. قَالَ: أَجَلْ أَعْلَاهُ عِلْمٌ وَأَسْفَلُهُ طَعَامٌ.
وَعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَتَوَضَّأُ، فَحَسَرَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ، فَرَأَيْتُ رَأْسَهُ مِثْلَ رَاحَتِي عَلَيْهِ مِثْلُ خَطِّ الْأَصَابِعِ مِنَ الشَّعْرِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ الضَّحَّاكِ وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَطْلُبُ الْعِلْمَ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا عَلَيْهِ بُرْدَانِ، وَلَهُ ضَفِيرَتَانِ، قَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى عَاتِقِ عُمَرَ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: عَلِيٌّ. أَخْرَجَهُ ابْنُ الضَّحَّاكِ أَيْضًا، وَلَا تَضَادَّ بَيْنَهُمَا إِذْ يَكُونُ الشَّعْرُ انْحَسَرَ عَنْ وَسَطِ رَأْسِهِ، وَكَانَ فِي جَوَانِبِهِ شَعْرٌ مُسْتَرْسِلٌ جُمِعَ فَضُفِّرَ بِاثْنَتَيْنِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٦٠٨٧ - (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) ، أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: " «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» ") ، يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ، وَقُرْبِ الْمَرْتَبَةِ، وَالْمُظَاهَرَةِ بِهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مُخْرِجَهُ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ، «وَقَدْ خَلَّفَ عَلِيًّا ﵁ عَلَى أَهْلِهِ وَأَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ فِيهِمْ فَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا خَلَّفَهُ إِلَّا اسْتِثْقَالًا لَهُ وَتَخَفُّفًا مِنْهُ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ عَلِيٌّ أَخَذَ سِلَاحَهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجُرْفِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ الْمُنَافِقُونَ كَذَا فَقَالَ: " كَذَبُوا إِنَّمَا خَلَّفْتُكَ لِمَا تَرَكْتُ وَرَائِي فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ، أَمَا تَرْضَى يَا عَلِيُّ أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» " تَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] . وَالْمُسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ كَانَتْ لَهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
стр. 8491
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَائِغٌ عَنْ مَنْهَجِ الصَّوَابِ، فَإِنَّ الْخِلَافَةَ فِي الْأَهْلِ فِي حَيَاتِهِ لَا تَقْتَضِي الْخِلَافَةَ فِي الْأُمَّةِ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَالْمُقَايَسَةُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِهَا تَنْتَقِضُ عَلَيْهِمْ بِمَوْتِ هَارُونَ قَبْلَ مُوسَى ﵉ وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى قُرْبِ مَنْزِلَتِهِ وَاخْتِصَاصِهِ بِالْمُؤَاخَاةِ مِنْ قِبَلِ الرَّسُولِ ﷺ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذَا مِمَّا تَعَلَّقَتْ بِهِ الرَّوَافِضُ وَسَائِرُ فِرَقِ الشِّيعَةِ فِي أَنَّ الْخِلَافَةَ كَانَتْ حَقًّا لِعَلِيٍّ ﵁ وَأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ فِي طَلَبِ حَقِّهِ، وَهَؤُلَاءِ أَسْخَفُ عَقْلًا وَأَفْسَدُ مَذْهَبًا مِنْ أَنْ يُذْكَرَ قَوْلُهُمْ، وَلَا شَكَّ فِي تَكْفِيرِ هَؤُلَاءِ لِأَنَّ مَنْ كَفَّرَ الْأُمَّةَ كُلَّهَا وَالصَّدْرَ الْأَوَّلَ خُصُوصًا، فَقَدْ أَبْطَلَ الشَّرِيعَةَ وَهَدَمَ الْإِسْلَامَ، وَلَا حُجَّةَ فِي الْحَدِيثِ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، بَلْ فِيهِ إِثْبَاتُ فَضِيلَةٍ لِعَلِيٍّ، وَلَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِخْلَافِهِ بَعْدَهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا قَالَ هَذَا حِينَ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ هَارُونَ الْمُشَبَّهَ بِهِ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً بَعْدَ مُوسَى ; لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ وَفَاةِ مُوسَى بِنَحْوِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَإِنَّمَا اسْتَخْلَفَهُ حِينَ ذَهَبَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ لِلْمُنَاجَاةِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَحْرِيرُهُ مِنْ جِهَةِ عِلْمِ الْمَعَانِي أَنَّ قَوْلَهُ: " مِنِّي ": خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، وَمِنْ: اتِّصَالِيَّةٌ، وَمُتَعَلِّقُ الْخَبَرِ خَاصٌّ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] أَيْ آمَنُوا إِيمَانًا مِثْلَ إِيمَانِكُمْ يَعْنِي أَنْتَ مُتَّصِلٌ بِي وَنَازِلٌ مِنِّي مَنْزِلَةَ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَفِيهِ تَشْبِيهٌ، وَوَجْهُ الْمُشَبَّهِ مِنْهُمْ لَمْ يَفْهَمْ أَنَّهُ ﵁ فِيمَا شَبَّهَهُ بِهِ ﷺ فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: (" «إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ") أَنَّ اتِّصَالَهُ بِهِ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ النُّبُوَّةِ، فَبَقِيَ الِاتِّصَالُ مِنْ جِهَةِ الْخِلَافَةِ لِأَنَّهَا تَلِي النُّبُوَّةَ فِي الْمَرْتَبَةِ ثُمَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَمَاتِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مَمَاتِهِ لِأَنَّ هَارُونَ ﵇ مَاتَ قَبْلَ مُوسَى، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ انْتَهَى.
وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْخِلَافَةَ الْجُزْئِيَّةَ فِي حَيَاتِهِ لَا تَدُلُّ عَلَى الْخِلَافَةِ الْكُلِّيَّةِ بَعْدَ مَمَاتِهِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ عُزِلَ عَنْ تِلْكَ الْخِلَافَةِ بِرُجُوعِهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ: " «إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ إِذَا نَزَلَ حَكَمًا مِنْ حُكَّامِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَدْعُو بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا يَنْزِلُ نَبِيًّا أَقُولُ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا وَيَكُونَ مُتَابِعًا لِنَبِيِّنَا ﷺ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ، وَإِتْقَانِ طَرِيقَتِهِ، وَلَوْ بِالْوَحْيِ إِلَيْهِ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : " «لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» " أَيْ مَعَ وَصْفِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَإِلَّا فَمَعَ سَلْبِهِمَا لَا يُفِيدُ زِيَادَةَ الْمَزِيَّةِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ نَبِيٌّ لِأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ السَّابِقِينَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ لَكَانَ عَلِيًّا، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا وَرَدَ فِي حَقِّ عُمَرَ صَرِيحًا ; لِأَنَّ الْحُكْمَ فَرْضِيٌّ وَتَقْدِيرِيٌّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَوْ تُصُوِّرَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِي أَنْبِيَاءَ، وَلَكِنْ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : " «لَوْ عَاشَ إِبْرَاهِيمُ لَكَانَ نَبِيًّا» " وَأَمَّا حَدِيثُ: " «عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ» " فَقَدْ صَرَّحَ الْحُفَّاظُ كَالزَّرْكَشِيِّ وَالْعَسْقَلَانِيِّ وَالدَّمِيرِيِّ وَالسُّيُوطِيِّ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ ذَكَرُوا زِيَادَةً وَلَوْ كَانَ لَكُنْتَهُ، لَكِنْ قَالَ الْخَطِيبُ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَا نَعْلَمُ مَنْ رَوَاهَا إِلَّا ابْنَ الْأَزْهَرِ، وَكَانَ يَضَعُ. وَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ: الْمَتْنُ صَحِيحٌ وَالزِّيَادَةُ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِوَاضِعِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَفِي الرِّيَاضِ، أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ وَلَمْ يَقُولَا: إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَعَنْهُ قَالَ: خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ قَالَ: " أَمَا تَرْضَى بِأَنْ تَكُونَ مِنِّي مَنْزِلَةَ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو حَاتِمٍ.
وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «اللَّهُمَّ إِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي مُوسَى، اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي أَخِي عَلِيًّا اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا» " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: " «أَمَا تَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا لِي، وَلَكَ مِنَ الْمَغْنَمِ مَا لِي» " وَأَخْرَجَهُ الْخُلَعِيُّ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ - وَأَبُو بَكْرٍ الطَّبَرِيُّ فِي جُزْئِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَلَفْظُهُ: " «عَلِيٌّ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ، وَرَوَى الْخَطِيبُ عَنِ الْبَرَاءِ، وَالدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: " «عَلِيٌّ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ رَأْسِي مِنْ بَدَنِي» ".
стр. 8492
٦٠٨٨ - وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: «قَالَ عَلِيٌّ ﵁: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ﷺ إِلَيَّ: أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٦٠٨٨ - (وَعَنْ زِرِّ) : بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (ابْنِ حُبَيْشٍ) : بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ فَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ فَشِينٌ مُعْجَمَةٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَسَدِيٌّ كُوفِيٌّ، عَاشَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ سِتِّينَ سَنَةً وَفِي الْإِسْلَامِ سِتِّينَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْقُرَّاءِ الْمَشْهُورِينَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَمِعَ عُمَرَ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ. (قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ) ، أَيْ شَقَّهَا، وَأَخْرَجَ النَّبَاتَ مِنْهَا (وَبَرَأَ النَّسَمَةَ) ، أَيْ خَلَقَ كُلَّ ذَاتِ رُوحٍ (إِنَّهُ) ، أَيِ: الشَّأْنَ (لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ إِلَيَّ) ، أَيْ: أَكَّدَ ذَلِكَ وَبَالَغَ عَلِيَّ حَتَّى كَأَنَّهُ عَهِدَ إِلَيَّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِ الْهَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ مُضَافٌ إِلَى النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَهُوَ فَاعِلُهُ لِقَوْلِهِ: إِلَيَّ، وَأَنَّ فِي قَوْلِهِ: (أَنْ لَا يُحِبَّنِي) : مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ تَفْسِيرِيَّةٌ لِمَا فِي الْعَهْدِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ، وَالْمَعْنَى لَا يُحِبُّنِي حُبًّا مَشْرُوعًا مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ لِيُخْرِجَ النُّصَيْرِيَّ وَالْخَارِجِيَّ (إِلَّا مُؤْمِنٌ) ، أَيْ كَامِلُ الْإِيمَانِ فَمَنْ أَحَبَّهُ وَأَبْغَضَ الشَّيْخَيْنِ مَثَلًا فَمَا أَحَبَّهُ حُبًّا مَشْرُوعًا أَيْضًا، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، لَكِنَّ عِبَارَتَهُ قَاصِرَةٌ بَلْ مُوهِمَةٌ حَيْثُ قَالَ، أَيْ: لَا يُحِبُّنِي حُبًّا مَشْرُوعًا فَلَا يَنْتَقِصُ حِينَئِذٍ بِمَنْ يُحِبُّهُ وَيُبْغِضُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ. (وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ) . أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفَظُهُ: عَهِدَ إِلَيَّ مِنْ غَيْرِ قَسَمٍ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ وَأَبَاهُمَا وَأُمَّهُمَا كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا يُحِبُّ عَلِيًّا مُنَافِقٌ وَلَا يُبْغِضُهُ مُؤْمِنٌ» ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَعَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ: " «لَا يُبْغِضُكَ مُؤْمِنٌ وَلَا يُحِبُّكَ مُنَافِقٌ» " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ: وَعَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أُوصِيكُمْ بِحُبِّ ذِي قَرَابَتِي أَخِي وَابْنِ عَمِّي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُهُ إِلَّا مُنَافِقٌ، مَنْ أَحَبَّهُ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَهُ فَقَدْ أَبْغَضَنِي» ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ. وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِنَّ السَّعِيدَ كُلَّ السَّعِيدِ حَقَّ السَّعِيدِ مَنْ أَحَبَّ عَلِيًّا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ» ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «حُبُّ الْعَرَبِ إِيمَانٌ، وَبُغْضُهُمْ نِفَاقٌ» " وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسٍ: " «حُبُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِيمَانٌ وَبُغْضُهُمَا نِفَاقٌ» ". وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ: " «حُبُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنَ الْإِيمَانِ وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ، وَحُبُّ الْأَنْصَارِ مِنَ الْإِيمَانِ وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ، وَحُبُّ الْعَرَبِ مِنَ الْإِيمَانِ وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ، وَمَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَمَنْ حَفِظَنِي فِيهِمْ فَأَنَا أَحْفَظُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
".
стр. 8493
٦٠٨٩ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: " «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهَ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يُعْطَاهَا. فَقَالَ: " أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ ". فَقَالُوا: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. قَالَ فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ ". فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ قَالَ: " انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ الْبَرَاءِ، قَالَ لِعَلِيٍّ: " «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» " فِي بَابِ " بُلُوغِ الصَّغِيرِ ".
ــ
٦٠٨٩ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) ، أَيِ السَّاعِدِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ) ، أَيْ: زَمَنَ مُحَاصَرَتِهِ أَوْ آخِرَ نَهَارٍ مِنْ أَيَّامِهِ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ: فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ فِي صَبَاحِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (" لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ ") أَيِ: الْعَلَمَ الَّتِي هِيَ عَلَامَةٌ لِلْإِمَارَةِ " غَدًا " أَيْ: فِي غَدٍ " رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ "، أَيْ بِسَبَبِهِ (" «يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» ") وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وَبَحْثُهُ طَوِيلُ الذَّيْلِ عَزِيزُ النَّيْلِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَى» ، وَالدَّوْكُ: الْخَوْضُ (فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: أَتَوْهُ وَقْتَ الْغَدْوَةِ (كُلُّهُمْ يَرْجُونَ) ، أَيْ: يَتَمَنَّوْنَ (أَنْ يُعْطَاهَا) ، أَيِ الرَّايَةَ الَّتِي هِيَ آيَةُ الْفَتْحِ، فَجَمَعَ الضَّمِيرَ فِي يَرْجُونَ نَظَرًا إِلَى مَعْنَى " كُلُّهُمْ "، وَأَفْرَدَ فِي يُعْطَى نَظَرًا إِلَى لَفْظِهِ، وَفِيهِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ شُمُولُ الرَّجَاءِ دُونَ حُصُولِ الْإِعْطَاءِ (فَقَالَ: " أَيْنَ عَلِيُّ
стр. 8494
بْنُ أَبِي طَالِبٍ ") ؟ فِيهِ: أَنَّهُ وَقَعَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مُرَادًا وَغَيْرَ مُرِيدٍ، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ فِي إِعْطَاءِ الْمَزِيدِ لِمَنْ يُرِيدُ. (فَقَالُوا: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ) . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ حَصَلَ عُذْرٌ لَدَيْهِ.
أَقُولُ، أَيْ: أَيْنَ عَلِيٌّ؟ مَا لِي لَا أَرَاهُ حَاضِرًا؟ فَيَسْتَقِيمَ جَوَابُهُمْ: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، نَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠] كَأَنَّهُ ﷺ اسْتَبْعَدَ غَيْبَتَهُ عَنْ حَضْرَتِهِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ: " لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ " إِلَى آخِرِهِ، وَقَدْ حَضَرَ النَّاسُ كُلُّهُمْ طَمَعًا بِأَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَفُوزُ بِذَلِكَ الْوَعْدِ، وَتَقْدِيمُ الْقَوْمِ الضَّمِيرَ وَبِنَاءُ يَشْتَكِي عَلَيْهِ اعْتِذَارٌ مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ.
(قَالَ: " فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ ") . بِكَسْرِ السِّينِ وَالْمَعْنَى فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ. (فَأُتِيَ بِهِ) أَيْ فَجِيءَ بِهِ (فَبَصَقَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا جَاءَ بَصَقَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَيِ: أَلْقَى بُزَاقَهُ (فِي عَيْنَيْهِ) : وَفِي رِوَايَةٍ فَدَعَا لَهُ (فَبَرَأَ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقَدْ يُكْسَرُ أَيْ: فَصَحَّ عَلِيٌّ مِنْ جِهَةِ عَيْنَيْهِ وَعُوفِيَ عَافِيَةً كَامِلَةً (حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ) ، أَيْ وَلَا سَبَبُ وَجَعٍ مِنَ الرَّمَدِ وَلَا ضَعْفُ بَصَرٍ أَصْلًا (فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ) : بِهَمْزَةٍ مُقَدَّرَةٍ أَوْ بِدُونِهَا (حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا) ؟ أَيْ حَتَّى يُسْلِمُوا (قَالَ: " انْفُذْ ") بِضَمِّ الْفَاءِ أَيِ امْضِ (" عَلَى رِسْلِكَ ") : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ رِفْقِكَ وَلِينِكَ (" حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ") ، أَيْ حَتَّى تَبْلُغَ فِنَاءَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ (" ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ") ، أَيْ: أَوَّلًا (" وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ ") ، أَيْ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَانَ هُنَا مَحْذُوفًا أَوْ جُمْلَةً مَطْوِيَّةً، وَهِيَ: فَإِنْ أَبَوْا عَنْهُ فَاطْلُبِ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ أَبَوْا فَقَاتِلْهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا أَوْ مَعْنَاهُ يَنْقَادُوا قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَأَنَّهُ ﷺ اسْتَحْسَنَ قَوْلَهُ: أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا، وَاسْتَحْمَدَهُ عَلَى مَا قَصَدَهُ مِنْ مُقَاتَلَتِهِ إِيَّاهُمْ حَتَّى يَكُونُوا أَمْثَالَنَا مُهْتَدِينَ إِعْلَاءً لِدِينِ اللَّهِ، وَمِنْ ثَمَّ حَثَّهُ ﷺ عَلَى مَا نَوَاهُ بِقَوْلِهِ: (" «فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» ") يُرَادُ بِهِ حُمْرُ الْإِبِلِ وَهِيَ أَعَزُّهَا وَأَنْفَسُهَا، وَيَضْرِبُونَ بِهَا الْمَثَلَ فِي نَفَاسَةِ الشَّيْءِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ أَعْظَمُ مِنْهُ قَالَ النَّوَوِيُّ: تَشْبِيهُ أُمُورِ الْآخِرَةِ بِأَعْرَاضِ الدُّنْيَا إِنَّمَا هُوَ التَّقْرِيبُ لِلْأَفْهَامِ وَإِلَّا فَقَدْرٌ يَسِيرٌ مِنَ الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا وَأَمْثَالِهَا مَعَهُ أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ: فَوَاللَّهِ. . إِلَخْ تَأْكِيدٌ لِمَا أَرْشَدَهُ مِنْ دُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوَّلًا، فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِيمَانِهِمْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى قِتَالِهِمُ الْمُتَفَرِّعِ عَلَيْهِ حُصُولُ الْغَنَائِمِ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ إِيجَادَ مُؤْمِنٍ وَاحِدٍ خَيْرٌ مِنْ إِعْدَامِ أَلْفِ كَافِرٍ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ مُعَلِّلًا بِهِ عَلَى وَجْهِ تَقْدِيمِهِ كُلِّهِ عَلَى كِتَابِ السِّيَرِ وَالْجِهَادِ، وَالْحُمْرُ: بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ أَحْمَرَ، وَأَمَّا بِضَمِّ الْمِيمِ فَهُوَ جَمْعُ حِمَارٍ، وَالنَّعَمُ بِفَتْحَتَيْنِ وَقَدْ يُكْسَرُ عَيْنُهُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، الْإِبِلُ وَالشَّاءُ أَوْ خَاصٌّ بِالْإِبِلِ، وَأَمَّا النِّعَمُ بِكَسْرِ النُّونِ فَهُوَ جَمْعُ نِعْمَةٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا " «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» ". أَيْ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنْ تَكُونَ لَهُ وَيَتَصَدَّقَ بِهَا.
وَفِي الرِّيَاضِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ: " لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ ". قَالَ عُمَرُ: فَمَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ فَتَشَارَفْتُ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا وَقَالَ: امْشِ وَلَا تَلْتَفِتْ فَسَارَ عَلِيٌّ شَيْئًا، ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ فَصَرَخَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَامَ أُقَاتِلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ » - " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
стр. 8495
وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «كَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي خَيْبَرَ، وَكَانَ بِهِ رَمَدٌ فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ فِي صَبَاحِهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ - أَوْ قَالَ: يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ - يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ فَقَالَ: " هَذَا عَلِيٌّ " فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » - أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
«وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: حَاصَرْنَا خَيْبَرَ فَأَخَذَ اللِّوَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَانْصَرَفَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ عُمَرُ مِنَ الْغَدِ فَخَرَجَ وَرَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ وَأَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ شِدَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي دَافِعٌ غَدًا إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لَا يَرْجِعُ حَتَّى يُفْتَحَ عَلَيْهِ ". فَبِتْنَا طَيِّبَةً أَنْفُسُنَا أَنَّ الْفَتْحَ غَدًا فَلَمَّا أَصْبَحَ ﷺ قَامَ قَائِمًا، فَدَعَا بِاللِّوَاءِ وَالنَّاسُ عَلَى مَصَافِّهِمْ، فَدَعَا عَلِيًّا وَهُوَ أَرْمَدُ، فَتَفَلَ فِي عَيْنِهِ وَدَفَعَ اللِّوَاءَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَهُ. قَالَ بُرَيْدَةُ: وَأَنَا مِمَّنْ تَطَاوَلَ لَهَا» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ.
«وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بِرَايَتِهِ، وَكَانَتْ بَيْضَاءَ إِلَى بَعْضِ حُصُونِ خَيْبَرَ، فَقَاتَلَ وَرَجَعَ وَلَمْ يَكُنْ فَتْحٌ، وَقَدْ جَهَدَ، ثُمَّ بَعَثَ الْغَدَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَاتَلَ، وَلَمْ يَكُنْ فَتْحٌ وَقَدْ جَهَدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ لَيْسَ بِفَرَّارٍ " فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَهُوَ أَرْمَدُ، فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " خُذْ هَذِهِ الرَّايَةَ فَامْضِ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ " قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجَ وَاللَّهِ بِهَا يُهَرْوِلُ هَرْوَلَةً، وَإِنَّا خَلْفَهُ نَتَّبِعُ أَثَرَهُ حَتَّى رَكَزَ رَايَتَهُ فِي رَضَمٍ مِنْ حِجَارَةٍ تَحْتَ الْحِصْنِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِ يَهُودِيٌّ مِنْ رَأْسِ الْحِصْنِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ الْيَهُودِيُّ: عَلَوْتُمْ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى أَوْ كَمَا قَالَ. فَمَا رَجَعَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، أَخْرَجَهُ» ابْنُ إِسْحَاقَ.
وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَايَتِهِ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحِصْنِ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ فَقَاتَلَهُمْ فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَطَرَحَ تُرْسَهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَ عَلِيٌّ بَابًا كَانَ عِنْدَ الْحِصْنِ فَتَرَّسَ بِهِ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِيَدِهِ حَتَّى فُتِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ حِينَ فَرَغَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي نَفَرٍ مَعَ سَبْعَةٍ أَنَا ثَامِنُهُمْ نَجْتَهِدُ عَلَى أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا نَقْلِبُهُ» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حَمَلَ الْبَابَ يَوْمَ خَيْبَرَ حَتَّى صَعِدَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، فَافْتَتَحُوهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَحْمِلْهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا. وَفِي طَرِيقٍ ضَعِيفٍ، ثُمَّ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ سَبْعُونَ رَجُلًا، فَكَانَ جُهْدُهُمْ أَنْ أَعَادُوا الْبَابَ. أَخْرَجَهُمَا الْحَاكِمِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ.
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «مَا رَمَدْتُ بَعْدَ تَفْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي عَيْنِي» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي يَعْلَى قَالَ: «كَانَ أَبِي يَسْمُرُ مَعَ عَلِيٍّ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَلْبَسُ ثِيَابَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَثِيَابَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ سَأَلْتَهُ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إِلَيَّ وَأَنَا أَرَمَدُ الْعَيْنِ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرْمَدُ الْعَيْنِ قَالَ: فَتَفَلَ فِي عَيْنِي وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ " فَمَا وَجَدْتُ حَرًّا وَلَا بَرْدًا مُنْذُ يَوْمِئِذٍ. وَقَالَ: " لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَيْسَ بِفَرَّارٍ " فَتَشَرَّفَ لَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِيهَا» .
(وَذَكَرَ حَدِيثَ الْبَرَاءِ: قَالَ لِعَلِيٍّ: " «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» " فِي بَابِ بُلُوغِ الصَّغِيرِ) . أَيْ: لِمَا كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَضَانَةِ، وَالْحَدِيثُ هُنَاكَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَضْلِ عَلِيٍّ، وَجَعْفَرٍ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ.
стр. 8496
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٠٩٠ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٠٩٠ - (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» ") أَيْ: فِي النَّسَبِ وَالْمُصَاهَرَةِ وَالْمُسَابَقَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَزَايَا لَا فِي مَحْضِ الْقَرَابَةِ وَإِلَّا فَغَيْرُهُ مُشَارِكٌ لَهُ فِيهَا (" وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ ") . أَيْ: حَبِيبُهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ أَوْ نَاصِرُهُ أَوْ مُتَوَلِّي أَمْرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] وَفِي الْكَشَّافِ، قِيلَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ ﵁ فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لِعَلِيٍّ، وَاللَّفْظُ لَفْظُ جَمَاعَةٍ؟ قُلْتُ: جِيءَ بِهِ تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي مِثْلِ فِعْلِهِ لِيَنَالُوا مِثْلَ ثَوَابِهِ، وَلِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ سَجِيَّةَ الْمُؤْمِنِينَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَى هَذِهِ الْغَايَةِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ قَوْلُهُ: وَهُمْ رَاكِعُونَ أَيْ مُتَخَشِّعُونَ فِي صَلَاتِهِمْ وَزَكَاتِهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مَخْصُوصَةٌ بِيُؤْتُونَ أَيْ: يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ فِي حَالِ رُكُوعِهِمْ فِي الصَّلَاةِ حِرْصًا عَلَى الْإِحْسَانِ وَمُسَارَعَةً إِلَيْهِ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - حِينَ سَأَلَهُ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ فِي صَلَاتِهِ، فَطَرَحَ لَهُ خَاتَمَهُ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِرِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشِّيعَةُ عَلَى إِمَامَتِهِ زَاعِمِينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَلِيِّ الْمُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ، وَالْمُسْتَحِقِّ لِلتَّصَرُّفِ فِيهِمْ، وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا نَهَى عَنْ مُوَالَاةِ الْكَفَرَةِ ذَكَرَ عُقَيْبَهُ مَنْ هُوَ حَقِيقٌ بِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ أَوْلِيَاؤُكُمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْوِلَايَةَ لِلَّهِ عَلَى الْأَصَالَةِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى التَّبَعِ، مَعَ أَنَّ حَمْلَ الْجَمْعِ عَلَى الْوَاحِدِ أَيْضًا خِلَافُ الظَّاهِرِ. قَالَ السَّيِّدُ مُعِينُ الدِّينِ الصَّفَوِيُّ: مَا قَبْلَ الْآيَةِ يُنَادِي عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْوِلَايَةِ لَيْسَ التَّوَلِّيَ لِلْأُمُورِ وَالْمُسْتَحِقَّ لِلتَّصَرُّفِ كَمَا قَالَتِ الشِّيعَةُ، بَلْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ تَحْرِيضًا عَلَى الْمُبَادَرَةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ يُبَادِرُ، فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ ﵁ انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، لَا سِيَّمَا وَاللَّفْظُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، فَيَدْخُلُ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - فِيهِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا لَا أَنَّ الْأَمْرَ مَحْصُورٌ فِيهِ حَقِيقِيًّا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
وَفِي الرِّيَاضِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَلِيًّا قَالَ: فَمَضَى عَلَى السَّرِيَّةِ فَأَصَابَ جَارِيَةً، فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، وَتَعَاقَدَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: إِذَا لَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرْنَاهُ بِمَا صَنَعَ عَلِيٌّ، فَقَالَ عِمْرَانُ: وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ بَدَأُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَتِ السَّرِيَّةُ سَلَّمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ عَلِيًّا صَنَعَ كَذَا وَكَذَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِي فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ قَامَ الثَّالِثُ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ قَامَ الرَّابِعُ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالُوا، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْغَضَبُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: " مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ " ثَلَاثًا " إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي» " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ فِيهِ: «فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَقَدْ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ فَقَالَ: " دَعُوا عَلِيًّا، عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ بَعْدِي» " وَلَهُ طَرِيقٌ آخَرُ عَنْ بُرَيْدَةَ، وَلَهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: «لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ أَصْحَابَ الْأَلْوِيَةِ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ جِبْرِيلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَهِيَ الْمُوَاسَاةُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّهُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ " فَقَالَ جِبْرِيلُ: وَأَنَا مِنْكُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ» .
стр. 8497
٦٠٩١ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : قَالَ " «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦٠٩١ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) ذِكْرُهُ تَقَدَّمَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» ") . قِيلَ، مَعْنَاهُ: مَنْ كُنْتُ أَتَوَلَّاهُ فَعَلِيٌّ يَتَوَلَّاهُ مِنَ الْوَلِيِّ ضِدِّ الْعَدُوِّ أَيْ: مَنْ كُنْتُ أُحِبُّهُ فَعَلِيٌّ يُحِبُّهُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: مَنْ يَتَوَلَّانِي فَعَلِّيٌّ يَتَوَلَّاهُ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَفِي النِّهَايَةِ: الْمَوْلَى يَقَعُ عَلَى جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ فَهُوَ الرَّبُّ وَالْمَالِكُ وَالسَّيِّدُ وَالْمُنْعِمُ وَالْمُعْتِقُ وَالنَّاصِرُ وَالْمُحِبُّ وَالتَّابِعُ وَالْخَالُ وَابْنُ الْعَمِّ وَالْحَلِيفُ وَالْعَقِيدُ وَالصِّهْرُ وَالْعَبْدُ وَالْمُعْتَقُ وَالْمُنْعَمُ عَلَيْهِ، وَأَكْثَرُهَا قَدْ جَاءَتْ فِي الْحَدِيثِ فَيُضَافُ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ.
الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ ". يُحْمَلُ عَلَى أَكْثَرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: يَعْنِي بِذَلِكَ وَلَاءَ الْإِسْلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] وَقَوْلِ عُمَرَ لِعَلِيٍّ: أَصْبَحْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ [أَيْ: وَلِيَّ كُلِّ مُؤْمِنٍ] وَقِيلَ: سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أُسَامَةَ قَالَ لِعَلِيٍّ: لَسْتَ مَوْلَايَ إِنَّمَا مَوْلَايَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ﷺ : " «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» " " قُضِيَ " قَالَتِ الشِّيعَةُ: هُوَ مُتَصَرِّفٌ، وَقَالُوا: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ يَسْتَحِقُّ التَّصَرُّفَ فِي كُلِّ مَا يَسْتَحِقُّ الرَّسُولُ ﷺ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَمِنْ ذَلِكَ أُمُورُ الْمُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ إِمَامَهُمْ أَقُولُ: لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ تُحْمَلَ الْوِلَايَةُ عَلَى الْإِمَامَةِ الَّتِي هِيَ التَّصَرُّفُ فِي أُمُورِ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّ الْمُتَصَرِّفَ الْمُسْتَقِلَّ فِي حَيَاتِهِ هُوَ هُوَ ﷺ لَا غَيْرُ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَوَلَاءِ الْإِسْلَامِ وَنَحْوِهِمَا.
وَقِيلَ: سَبَبُ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا نَقَلَهُ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ الْجَزَرِيُّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ عَلِيًّا تَكَلَّمَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ بِالْيَمَنِ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ حَجَّهَ خَطَبَ بِهَا تَنْبِيهًا عَلَى قَدْرِهِ وَرَدًّا عَلَى مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ كَبُرَيْدَةَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ. وَسَبَبُ ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ الذَّهَبِيُّ، وَصَحَّحَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَرَأَى مِنْهُ جَفْوَةَ نَقْصِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ يَتَغَيَّرُ وَجْهُهُ ﵇ وَيَقُولُ: " «يَا بُرَيْدَةُ أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ " قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ - عَنِ الْبَرَاءِ، وَأَحْمَدُ عَنْ بُرَيْدَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ. فَفِي إِسْنَادِ الْمُصَنِّفِ الْحَدِيثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ إِلَى أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مُسَامَحَةٌ لَا تَخْفَى، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَالْحَاكِمِ عَنْ بُرَيْدَةَ بِلَفْظِ: " مَنْ كُنْتُ وَلِيُّهُ ". وَرَوَى الْمَحَامِلِيُّ فِي أَمَالِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ: " «عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَوْلَى مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ» " وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، بَلْ بَعْضُ الْحُفَّاظِ عَدَّهُ مُتَوَاتِرًا إِذْ فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثُونَ صَحَابِيًّا، وَشَهِدُوا بِهِ لِعَلِيٍّ لَمَّا نُوزِعَ أَيَّامَ خِلَافَتِهِ، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ عِنْدَ حَدِيثِ الْبَرَاءِ.
стр. 8498
٦٠٩٢ - وَعَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ، وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ عَلِيٌّ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦٠٩٢ - (وَعَنْ حُبْشِيٍّ) : بِضَمِّ حَاءٍ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ فَكَسْرٍ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ (ابْنِ جُنَادَةَ) : بِضَمِّ الْجِيمِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَهُ صُحْبَةٌ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ» ") مَرَّ مَعْنَاهُ (" وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي ") : أَيْ نَبْذَ الْعَهْدِ (" إِلَّا أَنَا أَوْ عَلِيٌّ ") كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا عَلِيٌّ فَأُدْخِلَ أَنَا تَأْكِيدًا لِمَعْنَى الِاتِّصَالِ فِي قَوْلِهِ: «عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» . " تو " كَانَ مِنْ دَأْبِ الْعَرَبِ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ مُقَاوَلَةٌ فِي نَقْضٍ وَإِبْرَامٍ وَصُلْحٍ وَنَبْذِ عَهْدٍ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَّا سَيِّدُ الْقَوْمِ، أَوْ مَنْ يَلِيهِ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ الْقَرِيبَةِ، وَلَا يَقْبَلُونَ مِمَّنْ سِوَاهُ وَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَنْ يَحُجَّ بِالنَّاسِ رَأَى بَعْدَ خُرُوجِهِ أَنْ يَبْعَثَ عَلِيًّا ﵁ خَلْفَهُ لِيَنْبِذَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ عَهْدَهُمْ، وَيَقْرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ بَرَاءَةٍ وَفِيهَا: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ فَقَالَ قَوْلَهُ هَذَا تَكْرِيمًا بِهِ بِذَلِكَ - قُلْتُ: وَاعْتِذَارًا لِأَبِي بَكْرٍ فِي مَقَامِهِ هُنَالِكَ، وَلِذَا قَالَ الصِّدِّيقُ لِعَلِيٍّ حِينَ لَحِقَهُ مِنْ وَرَائِهِ: أَمِيرٌ أَمْ مَأْمُورٌ؟ فَقَالَ: بَلْ مَأْمُورٌ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ إِمَارَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي التَّحْقِيقِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ - عَنْ حُبْشِيٍّ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي جُنَادَةَ، فَلَعَلَّ أَحْمَدَ لَهُ رِوَايَتَانِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ أَبَا جُنَادَةَ فِي أَسْمَائِهِ.
стр. 8499
٦٠٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ عَلِيٌّ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: آخَيْتَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ، وَلَمْ تُؤَاخِ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) » رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦٠٩٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِمَدِّ الْهَمْزَةِ أَيْ جَعَلَ الْمُؤَاخَاةَ فِي الدِّينِ (بَيْنَ أَصْحَابِهِ) ، أَيِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ كَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَسَلْمَانَ (فَجَاءَ عَلِيٌّ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ) ، أَيْ: فَسُئِلَ مَا لَكَ؟ (فَقَالَ) : وَفِي رِوَايَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ (آخَيْتَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ) ، وَلَمْ تُؤَاخِ: بِالْهَمْزِ وَيَجُوزُ إِبْدَالُهُ وَاوًا (بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: جَبْرًا بِمَا كَانَ خَيْرًا لَهُ. أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ") . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «آخَى بَيْنَ النَّاسِ وَتَرَكَ عَلِيًّا حَتَّى بَقِيَ آخِرَهُمْ لَا يَرَى لَهُ أَخًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آخَيْتَ بَيْنَ النَّاسِ وَتَرَكْتَنِي. قَالَ: (" وَلِمَ تَرَانِي تَرَكْتُكَ؟ تَرَكْتُكَ لِنَفْسِي أَنْتَ أَخِي وَأَنَا أَخُوكَ فَإِنْ ذَكَرَكَ أَحَدٌ فَقُلْ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو رَسُولِهِ لَا يَدَّعِيهَا بَعْدُ إِلَّا كَذَّابٌ» ") .
стр. 8500
٦٠٩٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طَيْرٌ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلُ مَعِي هَذَا الطَّيْرَ " فَجَاءَهُ عَلِيٌّ، فَأَكَلَ مَعَهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦٠٩٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طَيْرٌ) ، أَيْ مَشْوِيٌّ أَوْ مَطْبُوخٌ أُهْدِيَ إِلَيْهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةٍ أَهْدَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَيْرَيْنِ بَيْنَ رَغِيفَيْنِ فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ (فَقَالَ: " «اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ» ") وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِلَى رَسُولِكَ (" يَأْكُلُ ") : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَزْمِ (" مَعِي هَذَا الطَّيْرَ " فَجَاءَهُ عَلِيٌّ فَأَكَلَ مَعَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . أَيْ إِسْنَادًا أَوْ مَتْنًا وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَوْضُوعٌ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، وَفِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ: لَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ. وَفِي الرِّيَاضِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ " تو ": نَحْنُ وَإِنْ كُنَّا بِحَمْدِ اللَّهِ لَا نَجْهَلُ فَضْلَ عَلِيٍّ ﵁ وَقَدَمَهُ وَسَوَابِقَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَاخْتِصَاصَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَرَابَتِهِ الْقَرِيبَةِ، وَمُؤَاخَاتَهُ إِيَّاهُ فِي الدِّينِ وَنَتَمَسَّكُ بِحُبِّهِ بِأَقْوَى وَأَوْلَى مِمَّا يَدَّعِيهِ الْغَالُونَ فِيهِ، فَلَسْنَا نَرَى أَنْ نَضْرِبَ عَنْ تَقْرِيرِ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي نِصَابِهَا صَفْحًا لِمَا يُخْشَى فِيهَا مِنْ تَحْرِيفِ الْغَالِينَ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ.
وَهَذَا بَابٌ أُمِرْنَا بِمُحَافَظَتِهِ وَجِيءَ أَمْرُنَا بِالذَّبِّ عَنْهُ، فَحَقِيقٌ عَلَيْنَا أَنْ نَنْصُرَ فِيهِ الْحَقَّ وَنُقَدِّمَ فِيهِ الصِّدْقَ، وَهَذَا حَدِيثٌ يَرِيشُ بِهِ الْمُبْتَدِعُ سِهَامَهُ، وَيُوَصِّلُ بِهِ فِي الْمُبْتَدِعِ جَنَاحَهُ فَيَتَّخِذَهُ ذَرِيعَةً إِلَى الطَّعْنِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ الَّتِي هِيَ أَوَّلُ حُكْمٍ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَقْوَمُ عِمَادٍ أُقِيمَ بِهِ الدِّينُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَقُولُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُقَاوِمُ مَا أَوْجَبَ تَقْدِيمَ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَوْلَ بِخَيْرِيَّتِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الصِّحَاحِ مُنْضَمًّا إِلَيْهَا إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ لِمَكَانِ سَنَدِهِ، فَإِنَّ فِيهِ لِأَهْلِ النَّقْلِ مَقَالًا، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ أَمْثَالِهِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ، وَلَا سِيَّمَا وَالصَّحَابِيُّ الَّذِي يَرْوِيهِ مِمَّنْ دَخَلَ فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ وَاسْتَقَامَ عَلَيْهِ مُدَّةَ عُمْرِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ خِلَافُهُ، فَلَوْ ثَبَتَ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ. فَالسَّبِيلُ أَنْ يُؤَوَّلَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْتَقِضُ عَلَيْهِ مَا اعْتَقَدَهُ، وَلَا يُخَالِفُ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ مَتْنًا وَإِسْنَادًا، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ يُحْمَلُ قَوْلُهُ بِأَحَبِّ خَلْقِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ائْتِنِي بِمَنْ هُوَ أَحَبُّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ، فَيُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَهُمُ الْمُفَضَّلُونَ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ أَعْقَلُ النَّاسِ وَأَفْضَلُهُمْ أَيْ: مِنْ أَعْقَلِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْعُمُومِ غَيْرُ جَائِزٍ هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ جُمْلَةِ خَلْقِ اللَّهِ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ فَإِنْ قِيلَ: ذَلِكَ شَيْءٌ غَرِيبٌ لِأَصْلِ الشَّرْعِ. قُلْنَا: وَالَّذِي نَحْنُ فِيهِ فَرْعٌ أَيْضًا بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَيُؤَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَحَبَّ خَلْقِهِ إِلَيْهِ مَنْ بَنِي عَمِّهِ وَذَوِيهِ؟ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُطْلِقُ الْقَوْلَ، وَهُوَ يُرِيدُ تَقْيِيدَهُ وَيَعُمُّ بِهِ، وَيُرِيدُ تَخْصِيصَهُ فَيَعْرِفُهُ ذَوُو الْفَهْمِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْحَالِ أَوِ الْوَقْتِ أَوِ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
стр. 8501
أَقُولُ: وَالْوَجْهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سَمْتِ أَهْلِ الْمُرُوءَاتِ فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُؤْتِيَ لَهُ مَنْ يُؤَاكِلُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بِرًّا وَإِحْسَانًا مِنْهُ إِلَيْهِ، وَأَبَرُّ الْمَبَرَّاتِ بِذَوِي الرَّحِمِ وَصِلَتِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ مِنْ ذَوِي الْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَمَنْ هُوَ أَوْلَى بِإِحْسَانِي وَبِرِّي إِلَيْهِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْعَمَّ أَوْلَى مِنَ ابْنِهِ وَكَذَا الْبِنْتُ وَأَوْلَادُهَا فِي أَمْرِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الطِّيبِيِّ هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ هُنَاكَ مِمَّنْ يُؤَاكِلُهُ، وَلَا شَكَّ فِي وُجُودِهِ لَا سِيَّمَا وَأَنَسٌ حَاضِرٌ وَهُوَ خَادِمُهُ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مَعَهُ، فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ، وَنَظِيرُهُ مَا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيثَ بِلَفْظِ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فِي أُمُورٍ لَا يُمْكِنُ جَمْعُهَا إِلَّا بِأَنْ يُقَالَ فِي بَعْضِهَا إِنَّ التَّقْدِيرَ مِنْ أَفْضَلِهَا.
стр. 8502
٦٠٩٥ - «وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَانِي وَإِذَا سَكَتُّ ابْتَدَأَنِي» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦٠٩٥ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: طَلَبْتُ (شَيْئًا أَعْطَانِي) ، أَيِ: الْمَسْئُولَ أَوْ جَوَابَهُ (وَإِذَا سَكَتُّ ابْتَدَأَنِي) ، أَيْ: بِالتَّكَلُّمِ أَوِ الْإِعْطَاءِ، فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ حُسْنَ الْأَدَبِ هُوَ السُّكُوتُ وَتَفْوِيضُ الْأَمْرِ الْمُوجِبِ لِلتَّعْظِيمِ الْمُتَفَرِّعِ عَلَيْهِ الْإِقْبَالُ الْمُنْتِجُ لِلْإِعْطَاءِ أَوَّلًا. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ» . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَرَمِهِ وَزُهْدِهِ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمَنَاقِبِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنِّي لَأَرْبِطُ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَإِنَّ صَدَقَتِي الْيَوْمَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا. وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ صَدَقَةَ مَالِي لَتَبْلُغُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ، وَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ مَالَ عَلِيٍّ تَبْلُغُ زَكَاتُهُ هَذَا الْقَدْرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ أَزْهَدَ النَّاسِ، فَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي تَصَدَّقْتُ بِهِ مُنْذُ كَانَ لِي مَالٌ إِلَى الْيَوْمِ كَذَا وَكَذَا أَلْفًا، ثُمَّ ذِكْرُهُ لِذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي مَعْرِضِ الشُّكْرِ عَلَى هَذِهِ الْخُلَّةِ وَعَدَمِ الِاكْتِرَاثِ بِمَا خَرَجَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ إِخْرَاجَهُ أَبْلَغُ فِي الزُّهْدِ مِنْ عَدَمِهِ وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْرِضِ التَّوْبِيخِ لِنَفْسِهِ تَنْتَقِلُ الْحَالُ إِلَى مِثْلِ هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ الْحَالِ.
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَبْكِيَانِ فَقَالَ: مَا يُبْكِيهِمَا؟ قَالَتِ الْجُوعُ فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَوَجَدَ دِينَارًا فِي السُّوقِ، فَجَاءَ إِلَى فَاطِمَةَ فَأَخْبَرَهَا فَقَالَتْ: اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَخُذْ لَنَا بِهِ دَقِيقًا، فَجَاءَ إِلَى الْيَهُودِيِّ فَاشْتَرَى بِهِ دَقِيقًا فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَنْتَ خَتَنُ هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ (قَالَ: فَخُذْ دِينَارَكَ وَلَكَ الدَّقِيقُ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ حَتَّى جَاءَ بِهِ فَاطِمَةَ فَأَخْبَرَهَا فَقَالَتِ: اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْجَزَّارِ فَخُذْ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا، فَذَهَبَ فَرَهَنَ الدِّينَارَ بِدِرْهَمٍ عَلَى لَحْمٍ، فَجَاءَ بِهِ، فَعَجَنَتْ وَنَصَبَتْ وَخَبَزَتْ فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا فَجَاءَهُمْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَذْكُرُ لَكَ فَإِنْ رَأَيْتَهُ حَلَالًا أَكَلْنَا وَأَكَلْتَ مِنْ شَأْنِهِ كَذَا. قَالَ كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فَأَكَلُوا فَبَيْنَمَا هُمْ مَكَانَهُمْ إِذَا غُلَامٌ يَنْشُدُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ لِلدِّينَارِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدُعِيَ لَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: سَقَطَ مِنِّي فِي السُّوقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَا عَلِيُّ اذْهَبْ إِلَى الْجَزَّارِ فَقُلْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَكَ: أَرْسِلْ إِلَيَّ بِالدِّينَارِ وَدِرْهَمُكَ عَلَيَّ فَأَرْسَلَ بِهِ فَدَفَعَ إِلَيْهِ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَوَاضُعِهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ بَيَّاعِ الْأَكْسِيَةِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا اشْتَرَى تَمْرًا بِدِرْهَمٍ، فَحَمَلَهُ فِي مِلْحَفَتِهِ، فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا نَحْمِلُهُ عَنْكَ؟ قَالَ: أَبُو الْعِيَالِ أَحَقُّ بِحَمْلِهِ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْجَعْدَ بْنَ بَعْجَةَ مِنَ الْخَوَارِجِ عَاتَبَ عَلِيًّا فِي لِبَاسِهِ فَقَالَ: مَا لِي وَلِلِّبَاسِ هَذَا هُوَ أَبْعَدُ مِنَ الْكِبْرِ، وَأَجْدَرُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ الْمُسْلِمُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَاحِبُ الصَّفْوَةِ.
وَمَا يَدُلُّ عَلَى وَرَعِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْرٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ يَوْمَ الْأَضْحَى فَقَرَّبَ إِلَيْنَا حَرِيرَةً فَقُلْتُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ لَوْ قَرَّبْتَ إِلَيْنَا مِنْ هَذَا الْبَطِّ يَعْنِي الْإِوَزَّ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْثَرَ الْخَيْرَ فَقَالَ: يَا ابْنَ زُرَيْرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا يَحِلُّ لِخَلِيفَةٍ مِنْ مَالِ اللَّهِ إِلَّا قَصْعَتَانِ قَصْعَةٌ يَأْكُلُهَا هُوَ وَأَهْلُهُ وَقَصْعَةٌ يَضَعُهَا بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ» ". وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ جَاءَهُ ابْنُ التَّيَّاحِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ امْتَلَأَ بَيْتُ الْمَالِ مِنْ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى ابْنِ الَتَّيَّاحِ حَتَّى قَامَ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ
стр. 8503
فِي النَّاسِ، فَأَعْطَى جَمِيعَ مَا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَقُولُ: يَا صَفْرَاءُ يَا بَيْضَاءُ غُرِّي غَيْرِي هَا وَهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، ثُمَّ أَمَرَ بِنَضْحِهِ وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَصَلَّى فِيهِ رَجَاءَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: جُعْتُ بِالْمَدِينَةِ جُوعًا شَدِيدًا، فَخَرَجْتُ أَطْلُبُ الْعَمَلَ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ قَدْ جَمَعَتْ مَدَرًا فَظَنَنْتُهَا تُرِيدُ بَلَّهُ فَأَتَيْتُهَا فَعَاطَيْتُهَا كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، فَعَدَدْتُ سِتَّةَ عَشَرَ ذَنُوبًا حَتَّى مَجَلَتْ يَدِي، ثُمَّ أَتَيْتُهَا فَقُلْتُ بِكِلْتَيْ يَدَيَّ هَكَذَا بَيْنَ يَدَيْهَا. وَبَسَطَ إِسْمَاعِيلُ رَاوِي الْحَدِيثِ يَدَيْهِ جَمِيعًا فَعَدَّتْ لِي سِتَّةَ عَشَرَ تَمْرَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَأَكَلَ مَعِي مِنْهَا، وَقَالَ لِي خَيْرًا وَدَعَا لِي. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ، وَصَاحِبُ الصَّفْوَةِ وَالْفَضَائِلِيُّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ «عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا لَكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُهُ أَتَانِي. وَإِذَا سَكَتُّ ابْتَدَأَنِي» .
стр. 8504
٦٠٩٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَنَا دَارُ الْحِكْمَةِ، وَعَلِيٌّ بَابُهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ: رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَرِيكٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الثِّقَاتِ غَيْرَ شَرِيكٍ.
ــ
٦٠٩٦ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَنَا دَارُ الْحِكْمَةِ» ") ، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ» وَفِي رِوَايَةِ الْمَصَابِيحِ: «أَنَا دَارُ الْعِلْمِ " وَعَلِيٌّ بَابُهَا» " وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةٌ: «فَمَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيَأْتِهِ مِنْ بَابِهِ» وَالْمَعْنَى عَلِيٌّ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِهَا وَلَكِنَّ التَّخْصِيصَ يُفِيدُ نَوْعًا مِنَ التَّعْظِيمِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَعْظَمُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَصْحَابِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبْوَابِ قَوْلُهُ ﷺ : " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» " مَعَ الْإِيمَاءِ إِلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِ أَنْوَارِهَا فِي الِاهْتِدَاءِ، وَمِمَّا يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ التَّابِعِينَ أَخَذُوا أَنْوَاعَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ غَيْرِ عَلِيٍّ ﵁ أَيْضًا، فَعُلِمَ عَدَمُ انْحِصَارِهِ الْبَابِيَّةَ فِي حَقِّهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِبَابِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي شَأْنِهِ " أَنَّهُ أَقْضَاكُمْ " كَمَا أَنَّهُ جَاءَ فِي حَقِّ أُبَيٍّ " أَنَّهُ أَقْرَؤُكُمْ "، وَفِي حَقِّ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ " أَنَّهُ أَفْرَضُكُمْ "، وَفِي حَقِّ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ " أَنَّهُ جَاءَ فِي حَقِّ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ " أَنَّهُ أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ " وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَزَالَةِ عِلْمِهِ مَا فِي الرِّيَاضِ «عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: وَضَّأْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي فَاطِمَةَ نَعُودُهَا "، فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَيَّ فَقَالَ: " إِنَّهُ سَيَحْمِلُ ثِقَلَهَا غَيْرُكَ، وَيَكُونُ أَجْرُهَا لَكَ " فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيَّ شَيْءٌ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ فَقُلْنَا: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟ قَالَتْ: لَقَدِ اشْتَدَّ حُزْنِي وَاشْتَدَّتْ فَاقَتِي وَطَالَ سَقَمِي» . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: " «أَوَمَا تَرْضَيْنَ أَنَّ زَوْجَكِ أَقْدَمُهُمْ سِلْمًا وَأَكْثَرُهُمْ عِلْمًا، وَأَعْظَمُهُمْ حِلْمًا» " أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ سَأَلَهُ النَّاسُ فَقَالُوا: أَيُّ رَجُلٍ كَانَ عَلِيًّا؟ قَالَ: كَانَ قَدْ مُلِئَ جَوْفُهُ حِكَمًا وَعِلْمًا وَبَأْسًا وَنَجْدَةً مَعَ قَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: عُمَرُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو حَسَنٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الشِّيعَةَ أَرَادُوا بِهَذَا التَّمْثِيلِ أَنَّ أَخْذَ الْعِلْمِ الْحِكْمَةُ مِنْهُ مُخْتَصٌّ بِهِ لَا يَتَجَاوَزُهُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِوَاسِطَتِهِ ﵁ لِأَنَّ الدَّارَ إِنَّمَا يُدْخَلُ فِيهَا مِنْ بَابِهَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ إِذْ لَيْسَ دَارُ الْجَنَّةِ بِأَوْسَعَ مِنْ دَارِ الْحِكْمَةِ وَلَهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) ، أَيْ إِسْنَادًا (وَقَالَ) ، أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَرِيكٍ) ، وَهُوَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَاضِي بَغْدَادَ، ذَكَرَهُ شَارِحٌ: (وَلَمْ يَذْكُرُوا) ، أَيْ ذَلِكَ الْبَعْضُ (فِيهِ) ، أَيْ: فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ (عَنِ الصُّنَابِحِيِّ) ، بِضَمِّ صَادٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ (وَلَا نَعْرِفُ) ، أَيْ: نَحْنُ (هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الثِّقَاتِ غَيْرَ شَرِيكٍ) . بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ أَحَدٍ. قِيلَ: وَفِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ شَرِيكٍ بَدَلَ غَيْرَ شَرِيكٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 8505
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ: " «أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ: صَحِيحٌ، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ فَقَالَ: بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كَمْ خَلْقٌ افْتَضَحُوا فِيهِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَا أَصْلَ لَهُ، كَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ثَابِتٌ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ جَامِعِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ مُنْكَرٌ، وَكَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُثْبِتُوهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَاطِلٌ، لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو سَعِيدٍ الْعَلَائِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّهُ حَسَنٌ بِاعْتِبَارِ طُرُقِهِ لَا صَحِيحٌ وَلَا ضَعِيفٌ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَسُئِلَ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّهُ حَسَنٌ لَا صَحِيحٌ، كَمَا قَالَ الْحَاكِمُ وَلَا مَوْضُوعٌ كَمَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَقَدْ بَسَطْتُ كَلَامَ الْعَلَائِيِّ وَالْعَسْقَلَانِيِّ فِي التَّعَقُّبَاتِ الَّتِي عَلَى الْمَوْضُوعَاتِ اهـ. وَفِي خَبَرِ الْفِرْدَوْسِ: «أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَأَبُو بَكْرٍ أَسَاسُهَا وَعُمَرُ حِيطَانُهَا وَعُثْمَانُ سَقْفُهَا وَعَلِيٌّ بَابُهَا» ، وَشَذَّ بَعْضُهُمْ فَأَجَابَ: أَنَّ مَعْنَى وَعَلِيٌّ بَابُهَا أَنَّهُ فَعِيلٌ مِنَ الْعُلُوِّ عَلَى حَدِّ قِرَاءَةِ: (صِرَاطٌ عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ) بِرَفْعِ عَلِيٌّ وَتَنْوِينِهِ كَمَا قَرَأَ بِهِ يَعْقُوبُ.
стр. 8506
٦٠٩٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا يَوْمَ الطَّائِفِ فَانْتَجَاهُ، فَقَالَ النَّاسُ: لَقَدْ طَالَ نَجْوَاهُ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا انْتَجَيْتُهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ انْتَجَاهُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦٠٩٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا يَوْمَ الطَّائِفِ) : قَالَ شَارِحٌ، أَيْ: يَوْمَ أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا إِلَى الطَّائِفِ (فَانْتَجَاهُ) ، مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ مِنَ النَّجْوَى أَيْ فَسَارَّهُ وَقَالَ لَهُ نَجْوَى. (فَقَالَ النَّاسُ) أَيِ الْمُنَافِقُونَ، أَوْ عَوَامُّ الصَّحَابَةِ بِالنَّجْوَى أَنَا (" لَقَدْ طَالَ نَجْوَاهُ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا انْتَجَيْتُهُ ") ، أَيْ مَا خَصَصْتُهُ بِالنَّجْوَى أَنَا (" «وَلَكِنَّ اللَّهَ انْتَجَاهُ» ") : بِتَشْدِيدِ لَكِنَّ وَيُخَفَّفُ، وَالْمَعْنَى أَنِّي بَلَّغْتُهُ عَنِ اللَّهِ مَا أَمَرَنِي أَنْ أُبَلِّغَهُ إِيَّاهُ عَلَى سَبِيلِ النَّجْوَى فَحِينَئِذٍ انْتَجَاهُ اللَّهُ لَا انْتَجَيْتُهُ فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَانَ ذَلِكَ أَسْرَارًا إِلَهِيَّةً وَأُمُورًا غَيْبِيَّةً جَعَلَهُ مِنْ خُزَّانِهَا اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُتَنَاجَى بِهِ مِنَ الْأَسْرَارِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَخْبَارِ الدِّينِيَّةِ مِنْ أَمْرِ الْغَزْوِ وَنَحْوِهِ، إِذْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي خَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فَهْمًا يُعْطَاهُ رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ. قِيلَ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ فَقَالَ: الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، ثُمَّ هَذَا التَّنَاجِي يُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ أَمْرَهُ لِلنَّدْبِ أَوْ لِلْوُجُوبِ، لَكِنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: أَأَشْفَقْتُمْ وَهُوَ وَإِنِ اتَّصَلَ بِهِ تِلَاوَةً لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ نُزُولًا حَتَّى يُمْكِنَ الْعَمَلُ بِهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: إِنَّ فِي الْكِتَابِ آيَةً مَا عَمِلَ بِهَا أَحَدٌ غَيْرِي كَانَ لِي دِينَارٌ فَصَرَفْتُهُ، فَكُنْتُ إِذَا نَاجَيْتُهُ تَصَدَّقْتُ بِدِرْهَمٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 8507
٦٠٩٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: " يَا عَلِيُّ، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرَكَ» "، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ: فَقُلْتُ لِضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ: مَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرَكَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٦٠٩٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: " «يَا عَلِيُّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ» ") : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ نُونِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: ظَاهِرُهُ " أَنْ يُجْنِبَ " يَكُونُ فَاعِلًا لِقَوْلِهِ: لَا يَحِلُّ، وَقَوْلُهُ: (فِي هَذَا الْمَسْجِدِ) : ظَرْفٌ لِيُجْنِبَ وَفِيهِ إِشْكَالٌ، وَلِذَلِكَ أَوَّلَهُ ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ صِفَةً لِأَحَدٍ (" غَيْرِي وَغَيْرَكَ ") ، بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ بِالرَّفْعِ، وَلَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هُوَ غَيْرِي وَغَيْرُكَ (قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ كُوفِيٌّ عُرِفَ بِالطَّرِيقِيِّ، رَوَى عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ. وَعَنْهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ - وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ مِنْهُ مَعَ أَبِي وَهُوَ ثِقَةٌ صَدُوقٌ.
стр. 8508
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: شِيعِيٌّ مَحْضٌ ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ (فَقُلْتُ لِضِرَارِ) : بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (بْنِ صُرَدٍ) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَتَنْوِينٍ يُكَنَّى أَبَا نُعَيْمٍ الْكُوفِيَّ الطَّحَّانَ، سَمِعَ الْمُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ وَغَيْرَهُ، وَرَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ (مَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرَكَ» ) . قُضِيَ: ذُكِرَ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرَكَ، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا جُعِلَ يُجْنِبُ صِفَةً لِأَحَدٍ وَمُتَعَلِّقُ الْجَارِّ مَحْذُوفًا، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ يَمُرُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرَكَ، وَكَانَ مَمَرُّ دَارِهِمَا خَاصَّةً فِي الْمَسْجِدِ أَقُولُ: وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فِي الْمَسْجِدِ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّهُ لَهُ اخْتِصَاصًا بِهَذَا الْحُكْمِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ بَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُفْتَحُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَكَذَا بَابُ عَلِيٍّ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ: ( «أَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) . وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمُ اهـ. وَسَيَأْتِي بَحْثٌ وَارِدٌ هُنَا فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (" «أَمَرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ» ")
стр. 8509
٦٠٩٩ - «وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشًا فِيهِمْ عَلِيٌّ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي حَتَّى تُرِيَنِي عَلِيًّا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٦٠٩٩ - (وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ نُسَيْبَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بِنْتُ كَعْبٍ وَقِيلَ بِنْتُ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيَّةُ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَتُمَرِّضُ الْمَرْضَى وَتُدَاوِي الْجَرْحَى (قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشًا فِيهِمْ عَلِيٌّ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَقُولُ) أَيْ: حِينَ إِرْسَالِهِ أَوْ عِنْدَ تَوَقُّعِ إِقْبَالِهِ (" اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي ") : بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ لَا تَقْبِضْ رُوحِي (" حَتَّى تُرِيَنِي ") : بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: تُبَصِّرَنِي (" عَلِيًّا ") ، أَيْ: رُجُوعَهُ بِالسَّلَامَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . «وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ حِينَ قُتِلَ عَلِيٌّ: لَقَدْ فَارَقَكُمْ رَجُلٌ مَا سَبَقَهُ الْأَوَّلُونَ بِعِلْمِهِ وَلَا أَدْرَكَهُ الْآخِرُونَ. كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُهُ بِالسَّرِيَّةِ وَجِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ شِمَالِهِ، وَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُفْتَحَ عَلَيْهِ» . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ.
стр. 8510
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦١٠٠ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يُحِبُّ عَلِيًّا مُنَافِقٌ وَلَا يُبْغِضُهُ مُؤْمِنٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، غَرِيبٌ إِسْنَادًا.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٦١٠٠ - (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يُحِبُّ عَلِيًّا مُنَافِقٌ وَلَا يُبْغِضُهُ مُؤْمِنٌ» ") . أَيْ: كَامِلٌ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا) وَقَدْ سَبَقَ مَا يُؤَيِّدُهُ.
следующие страницы →