← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

٦٢٥٩ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: " أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا يَعْنِي بِلَالًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦٢٥٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا) ، أَيْ خَيْرُنَا وَأَفْضَلُنَا (وَأَعْتَقَ) ، أَيْ: أَبُو بَكْرٍ (سَيِّدَنَا، يَعْنِي) ، أَيْ: يُرِيدُ عُمَرُ بُقُولِهِ سَيِّدَنَا الثَّانِي (بِلَالًا) . وَإِنَّمَا قَالَهُ تَوَاضُعًا، فَإِنَّ عُمَرَ أَفْضَلُ مِنْهُ إِجْمَاعًا. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يَعْنِي أَنَّ بِلَالًا مِنَ السَّادَةِ، وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: السَّيِّدُ الْأَوَّلُ حَقِيقَةً، وَالثَّانِي قَالَهُ عُمَرُ تَوَاضُعًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، إِذِ السِّيَادَةُ لَا تُثْبِتُ الْأَفْضَلِيَّةَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ؟ مَا رَأَيْتُ أَسْوَدَ مِنْ مُعَاوِيَةَ عَلَى أَنَّهُ رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ قَالَ: ابْنُ عُمَرَ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ أَسْوَدُ فِي زَمَانِهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8717

٦٢٦٠ - وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ: أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِنَفْسِكَ فَأَمْسِكْنِي، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِلَّهِ فَدَعْنِي وَعَمَلَ اللَّهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦٢٦٠ - (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَحْمَسِيٌّ بَجَلِيٌّ، أَدْرَكَ زَمَنَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمَ وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُبَايِعَهُ، فَوَجَدَهُ تُوُفِّيَ، يُعَدُّ فِي تَابِعِي الْكُوفَةِ، رَوَى عَنِ الْعَشَرَةِ إِلَّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ سِوَاهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَيْسَ فِي التَّابِعِينَ مَنْ رَوَى عَنْ تِسْعَةٍ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَّا هُوَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، شَهِدَ النَّهْرَوَانَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَطَالَ عُمُرُهُ حَتَّى جَاوَزَ الْمِائَةَ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ (أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ) ، أَيْ: حِينَ أَرَادَ التَّوَجُّهَ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَدَمِ صَبْرِهِ مِنْ رُؤْيَةِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بِغَيْرِ حُضُورِهِ ﷺ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ فِيهِ، وَلَا عَلَى تَرْكِهِ فِي زَمَنِ غَيْرِهِ، وَسَيَجِيءُ أَنَّهُ صَارَ سَيِّدَ الْأَبْدَالِ وَمَحَلُّهُمْ غَالِبًا هُوَ الشَّامُ. (وَمَنَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁) ، أَيْ: عَنِ الرَّوَاحِ بِإِلْزَامٍ عَلَى الْمُجَاوَرَةِ مَعَ اخْتِيَارِ الْأَذَانِ (إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِنَفْسِكَ) ، أَيْ: لِرِضَاهَا وَوَفْقِ مُدَّعَاهَا (فَأَمْسِكْنِي) ، أَيْ فَاحْكُمْ عَلَيَّ بِالْقُعُودِ (وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِلَّهِ فَدَعْنِي) ، أَيْ: فَاتْرُكْنِي (وَعَمَلَ اللَّهِ) . أَيِ الْعَمَلَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ لِلَّهِ، أَوِ الْأَمْرَ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ وَقَضَاهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ رَحِيلِ بِلَالٍ، ثُمَّ رُجُوعِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَآذَانُهُ بِهَا، وَارْتِجَاجُ الْمَدِينَةِ بِهِ، فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَهِيَ بَيِّنَةُ الْوَضْعِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الذَّيْلِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8718

٦٢٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ. فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ يُضِيفُهُ يَرْحَمْهُ اللَّهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ - يُقَالُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ - فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي. قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ وَنَوِّمِيهِمْ فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ فَإِذَا أَهَوَى بِيَدِهِ لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ كَيْ تُصْلِحِيهِ فَأَطْفِئِيهِ فَفَعَلَتْ، فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ أَوْ ضَحِكَ اللَّهُ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ مِثْلَهُ وَلَمْ يُسَمِّ أَبَا طَلْحَةَ، وَفِي آخِرِهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى " ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] » " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٦١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ) . أَيْ فَقِيرٌ أَصَابَهُ الْجُهْدُ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَالْحَاجَةُ أَوِ الْجُوعُ فَأَرْسَلَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﵊ (إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ) ، أَيْ: مِنَ الْأَزْوَاجِ الطَّاهِرَاتِ (فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي) ، أَيْ: مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ (إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ) . أَيْ وَهَكَذَا حَتَّى أَرْسَلَهُ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ (وَقُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ) ، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَالِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ خَيْبَرَ وَغَيْرَهَا، وَيَحْصُلَ الْغَنَائِمَ وَالْأَمْوَالَ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ يُضِيفُهُ ") ؟ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ، فَمَنْ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: (" يَرْحَمْهُ اللَّهُ " فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ) ، وَهُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ، زَوْجُ أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَسَبَقَ ذِكْرُهُ. (فَقَالَ: أَنَا) ، أَيْ: أُضِيفُهُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ فَانْطَلَقْ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ) ، أَيْ: مَنْزِلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ) ؟ أَيْ مِنَ الطَّعَامِ (قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي) : بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ بِالنَّصْبِ أَيْ: إِلَّا قُوتَ الصِّغَارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ يَجُوعُونَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِجَاعَةُ الصِّبْيَانِ وَإِضَاعَتُهُمْ وَإِطْعَامُ الضِّيفَانِ وَإِطَاعَتُهُمْ. (قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ) ، أَيْ: سَكِّنِيهِمْ مِنْ عَلَّلَهُ بِشَيْءٍ أَيْ أَلْهَاهُ (وَنَوِّمِيهِمْ) ، أَيْ رَقِّدِيهِمْ، وَكَأَنَّهُ قَصَدَ أَنَّهُمْ إِنْ يَرَوْا أَكْلَ الضَّيْفِ فَيَشْتَهُوا كَمَا هُوَ عَادَةُ الْأَوْلَادِ (فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَرِيهِ) ، أَيْ: فَأَحْضِرِيهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَجُوزًا، وَالْقَضِيَّةُ قَبْلَ الْحِجَابِ، وَأَظْهِرِيهِ (أَنَّا) ، أَيْ: جَمِيعَنَا (نَأْكُلُ) ، أَيْ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ، فَإِنَّ الضَّيْفَ إِذَا رَأَى أَنَّ أَحَدًا امْتَنَعَ مِنَ الْأَكْلِ رُبَّمَا تَشَوَّشَ خَاطِرُهُ (فَإِذَا أَهْوَى) ، أَيْ: قَصَدَ الضَّيْفُ وَمَدَّ (بِيَدِهِ لِيَأْكُلَ، فَقَوْمِي إِلَى السِّرَاجِ كَيْ تُصْلِحِيهِ) ، أَيْ: لِإِصْلَاحِهِ فَكَيْ تَعْلِيلِيَّةٌ (فَأَطْفِئِيهِ) ، أَيْ لِيَقَعَ الظَّلَامُ فَلَا يَطَّلِعُ عَلَى امْتِنَاعِنَا مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ (فَفَعَلَتْ، فَقَعَدُوا) ، أَيْ ثَلَاثَتِهِمْ (وَأَكَلَ الضَّيْفُ، وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ) ، أَيْ جَائِعَيْنِ (فَلَمَّا أَصْبَحَ) ، أَيِ: الضَّيْفُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هِيَ هَاهُنَا تَامَّةٌ وَقَوْلُهُ (غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : جَوَابُ لَمَّا وَضَمَّنَ فِيهِ مَعْنًى.

стр. 8719

الْإِقْبَالِ أَيْ: لَمَّا دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَادِيًا اهـ. وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَالْمَعْنَى ذَهَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْغَدْوَةِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: بِنُورِ الْكَشْفِ أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ (" لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ أَوْ ضَحِكَ اللَّهُ) : وَالْمَعْنَى رَضِيَ (" مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ ") . أَيْ أَبِي طَلْحَةَ وَامْرَأَتِهِ. (وَفِي رِوَايَةٍ مِثْلَهُ) بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ أَيْ مِثْلَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ (وَلَمْ يُسَمِّ أَبَا طَلْحَةَ) أَيْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (وَفِي آخِرِهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيُؤْثِرُونَ، أَيْ: أَضْيَافَهُمْ أَوْ غَيْرَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، أَيْ: عَلَى حُظُوظِهَا وَلَوْ كَانَ، أَيْ: وَقَعَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ أَيْ حَاجَةٌ وَمَجَاعَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَلَوْ بِمَعْنَى الْفَرْضِ أَيْ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مَفْرُوضَةً خَصَاصَتُهُمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 8720

٦٢٦٢ - وَعَنْهُ قَالَ: نَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلًا فَجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ هَذَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَأَقُولُ: فُلَانٌ. فَيَقُولُ: نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا، وَيَقُولُ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: فُلَانٌ. فَيَقُولُ: بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى مَرَّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. فَقَالَ: نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦٢٦٢ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: نَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلًا فَجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ) ، أَيْ عَلَيْنَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ هَذَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَأَقُولُ: فُلَانٌ) ، أَيْ: أُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ وَوَصْفِهِ (فَيَقُولُ: " نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا " وَيَقُولُ) ، أَيْ: فِي مَارٍّ غَيْرِهِ (" مَنْ هَذَا " فَأَقُولُ: فُلَانٌ. فَيَقُولُ: " بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا ") : وَهَذَا مِنْ بَابِ مَا رَوَى أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا: «اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ يَحْذَرُهُ النَّاسُ» . (حَتَّى مَرَّ) ، أَيِ: اسْتَمَرَّ هَذَا السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ حَتَّى مَرَّ (خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَالَ: " مَنْ هَذَا " فَأَقُولُ: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) : وَفِي هَذَا إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي خَيْمَةٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ خَارِجُهَا، وَإِلَّا فَمِثْلُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ﵁ (فَقَالَ: " نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ ") ، أَيْ: هَذَا (خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ) : أَوِ التَّقْدِيرُ نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، وَالْجُمْلَةُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ مُبَيِّنَةٌ لِسَبَبِ الْمَدْحِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 8721

٦٢٦٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «قَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَتْبَاعٌ وَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاكَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا مِنَّا فَدَعَا بِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦٢٦٣ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! لِكُلِّ نَبِيٍّ أَتْبَاعٌ وَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاكَ) ، بِتَشْدِيدِ التَّاءِ أَيْ بَالَغْنَا فِي اتِّبَاعِكَ (فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا مِنَّا) . قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ تَسْتَدْعِي مَحْذُوفًا أَيْ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَتْبَاعٌ، وَنَحْنُ أَتْبَاعُكَ لِأَنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاكَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ أَتْبَاعُنَا مِنَّا أَيْ مُتَّصِلِينَ بِنَا مُقْتَفِينَ أَثَارَنَا بِإِحْسَانٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠] وَقَالَ غَيْرُهُ: أَتْبَاعُ الْأَنْصَارِ حُلَفَاؤُهُمْ وَالْمَوَالِي، وَالْمَعْنَى ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُقَالَ لَهُمُ الْأَنْصَارُ حَتَّى يَتَنَاوَلَهُمُ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (فَدَعَا) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ بِهِ. أَيْ فَجَعَلَ أَتْبَاعَهُمْ مِنْهُمْ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8722

٦٢٦٤ - وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَا نَعْلَمُ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَكْثَرَ شَهِيدًا أَعَزَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: وَقَالَ أَنَسٌ: قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ، وَيَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ سَبْعُونَ، وَيَوْمَ الْيَمَامَةِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ سَبْعُونَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦٢٦٤ - (وَعَنْ قَتَادَةَ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ مَشْهُورٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ (قَالَ: مَا نَعْلَمُ حَيًّا) ، أَيْ: مَا نَعْرِفُ قَبِيلَةً وَقَوْمًا (مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ) ، أَيْ: مِنْ قَبَائِلِهِمْ (أَكْثَرَ شَهِيدًا) : صِفَةُ حَيًّا بَعْدَ صِفَةٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ (أَعَزَّ، أَيْ: شَهِيدًا (يَوْمَ

стр. 8723

الْقِيَامَةِ) ، أَيْ: يَتَحَقَّقُ فِيهِ (مِنَ الْأَنْصَارِ) . وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلَيْنِ عَلَى التَّنَازُعِ (قَالَ) : أَبِي قَتَادَةَ دَلِيلًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ (قَالَ أَنَسٌ: قُتِلَ مِنْهُمْ) ، أَيْ: مِنَ الْأَنْصَارِ (يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ) ، ظَاهِرُهُ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ كَذَلِكَ الْقَلِيلُ، إِذْ رَوَى ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ أُبَيٍّ: قُتِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ يَوْمَ أُحُدٍ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (وَيَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ (سَبْعُونَ وَيَوْمَ الْيَمَامَةِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ سَبْعُونَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 8724

٦٢٦٥ - وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: عَطَاءُ الْبَدْرِيِّينَ خَمْسَةُ آلَافٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَأُفَضِّلَنَّهُمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

стр. 8725

[تَسْمِيَةُ مَنْ سُمِّيَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ] فِي الْجَامِعِ لِلْبُخَارِيِّ النَّبِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الْقُرَشِيُّ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ، عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْقُرَشِيُّ خَلَّفَهُ النَّبِيُّ عَلَى ابْنَتِهِ رُقَيَّةَ وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ، إِيَاسُ بْنُ بُكَيْرٍ، بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ، حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ حَلِيفٌ لِقُرَيْشٍ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَنَزِيُّ، عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيُّ، مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ وَأَخُوهُ، مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ، أَبُو أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ، مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، مِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ ﵃ أَجْمَعِينَ -. ــ ٦٢٦٥ - (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: كَانَ) ، أَيْ: فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ (عَطَاءُ الْبَدْرِيِّينَ) ، أَيِ: الَّذِينَ حَضَرُوا قَضِيَّةَ بَدْرٍ (خَمْسَةُ آلَافٍ) . كَرَّرَهُ لِيُفِيدَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَهُ خَمْسَةُ آلَافٍ. (وَقَالَ عُمَرُ: لَأُفَضِّلَنَّهُمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ) ، أَيْ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي الْمَرْتَبَةِ، يَعْنِي كَانَتْ عَطِيَّاتُهُمْ كَامِلَةً بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، وَأَنَا أَيْضًا لَأُفَضِّلَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَإِنْ زِدْتُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . تَسْمِيَةُ مَنْ سُمِّيَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ (فِي " الْجَامِعِ لِلْبُخَارِيِّ " ﵃ أَجْمَعِينَ -) أَيْ: هَذَا ذِكْرُ مَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ بِأَسْمَائِهِمْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ عُثْمَانُ دُونَ مَنْ لَمْ يُسَمِّ فِيهِ، وَدُونَ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَصْلًا. قَالَ مِيرَكُ: وَالْمُرَادُ بِمَنْ تَسَمَّى مَنْ جَاءَ ذِكْرُهُ فِيهِ بِرِوَايَةٍ عَنْهُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، بِأَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا لَا مُجَرَّدَ ذِكْرِهِ دُونَ التَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّهُ شَهِدَهَا، وَهَذَا يُجَابُ عَنْ تَرْكِ إِيرَادِ مِثْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ ابْنِ الْجَرَّاحِ، فَإِنَّهُ شَهِدَهَا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ، وَذِكْرُهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّهُ شَهِدَهَا اهـ. وَقَدْ سَبَقَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا أَلْفًا وَالصَّحَابَةَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ» (النَّبِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ) ، بَدَأَ بِهِ ﷺ تَيَمُّنًا بِذِكْرِهِ، وَتَبَرُّكًا بِاسْمِهِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ أَوْ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ. (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ) : اسْمُ الصِّدِّيقِ عَبْدُ اللَّهِ، وَعُثْمَانُ اسْمُ أَبِيهِ أَبُو قُحَافَةَ وَكُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. (الْقُرَشِيُّ) ، يَعْنِي التَّيْمِيَّ، وَكَانَ أَنِيسَهُ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وَجَلِيسَهُ فِي الْعَرِيشِ، وَحَافِظَهُ مِنَ الْعَدُوِّ، شَاهِرًا سَيْفَهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَهْوِي إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا أَهْوَى إِلَيْهِ. (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ) ، مَنْسُوبٌ إِلَى عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ. (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْقُرَشِيُّ) ، يَعْنِي الْأُمَوِيَّ (خَلَّفَهُ النَّبِيُّ ﷺ : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ تَرَكَهُ خَلْفَهُ خَلِيفَةً (لِلِاطِّلَاعِ عَلَى ابْنَتِهِ) ، أَيْ: رُقَيَّةَ عَلَى مَا فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْبُخَارِيِّ، وَالْمَعْنَى لِمُرَاعَاةِ حَالِهَا فَإِنَّهَا كَانَتْ مَرِيضَةً حِينَئِذٍ (وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ) . أَيْ وَقَدَّرَ لَهُ بِنَصِيبِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ. (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ) : «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ آخِذًا بِرَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ» . قَالَ الْحَاكِمُ: يَوْمَ بَدْرٍ وَالْمَشَاهِدُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاقِبِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ إِلَى هُنَا رَاعَى الْمَرَاتِبَ الرُّتْبِيَّةَ، ثُمَّ اعْتَبَرَ تَرْتِيبَ الْحُرُوفِ الْهِجَائِيَّةِ. (إِيَاسُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَيُفْتَحُ (ابْنُ الْبُكَيْرِ) ، تَصْغِيرُ الْبَكْرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ لَيْثِيٌّ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ فِي دَارِ الْأَرْقَمِ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ. (بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ) ، عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ . (حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ حَلِيفٌ لِقُرَيْشٍ) ، وَسَبَقَ أَنَّهُ حَلِيفُ الزُّبَيْرِ.

стр. 8726

أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ، حَارِثَةُ بْنُ الرُّبَيِّعِ الْأَنْصَارِيُّ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ كَانَ فِي النَّظَّارَةِ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ، رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَبُو لُبَابَةَ الْأَنْصَارِيُّ، الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيُّ، زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ، أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الزُّهْرِيُّ، سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ الْقُرَشِيُّ، سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ، سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ، ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ وَأَخُوهُ (أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ) : قِيلَ: اسْمُهُ مُهَشِّمٌ، وَقِيلَ هَاشِمٌ كَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. (حَارِثَةُ بْنُ الرُّبَيِّعِ) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ مَكْسُورَةٍ وَهُوَ اسْمُ أُمِّهِ وَابْنُ أَبِيهِ سُرَاقَةَ (الْأَنْصَارِيُّ، قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ) : هُوَ أَوَّلُ قَتِيلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، (وَهُوَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ كَانَ) ، أَيْ: حَالَ قَتْلِهِ (فِي النَّظَّارَةِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مِنَ الَّذِينَ طَلَبُوا مَكَانًا مُرْتَفِعًا يَنْظُرُونَ إِلَى الْعَدُوِّ، وَيُخْبِرُونَ عَنْ حَالِهِمْ، فَفِي الصِّحَاحِ: النَّظَّارَةُ قَوْمٌ يَنْظُرُونَ إِلَى شَيْءٍ، وَزَادَ الْقَامُوسُ: وَبِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى التَّنَزُّهِ لَحْنٌ تَسْتَعْمِلُهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ، أَيْ: خَرَجَ نَظَّارًا عَلَى مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ: مَا خَرَجَ لِقِتَالٍ أَقُولُ: لَعَلَّهُ كَانَ بِهِ عُذُرٌ يَمْنَعُهُ عَنِ الْقِتَالِ فَعُيِّنَ أَنْ يَكُونَ عَيْنًا لِلْمُسْلِمِينَ. (خُبَيْبُ) : بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ (بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ) . أَيِ الْأَوْسِيُّ شَهِدَ بَدْرًا، وَأُسِرَ فِي غَزْوَةِ الرَّجِيعِ سَنَةَ ثَلَاثٍ، فَانْطُلِقَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَاشْتَرَاهُ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرٍ، وَكَانَ خُبَيْبٌ قَدْ قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا، فَاشْتَرَاهُ بَنُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا ثُمَّ صُلِبَ بِالتَّنْعِيمِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صُلِبَ فِي الْإِسْلَامِ، رَوَى عَنْهُ الْحَارِثُ بْنُ الْبَرْصَاءِ. (خُنَيْسٌ) : بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ نُونٍ (بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ) ، أَيِ: الْقُرَشِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ زَوْجَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ شَهِدَ بَدْرًا، ثُمَّ أُحُدًا، فَخَرَجَ فَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ جِرَاحَتِهِ وَلَا عَقِبَ لَهُ. (رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ) ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ، وَمَاتَ فِي أَوَّلِ وِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ. (رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَبُو لُبَابَةَ الْأَنْصَارِيُّ) : عَطْفُ بَيَانٍ لِمَا قَبْلَهُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ هُوَ أَبُو لُبَابَةَ، غَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ، كَانَ مِنَ النُّقَبَاءِ وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا، وَقِيلَ: لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا بَلْ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمٍ مَعَ أَصْحَابِ بَدْرٍ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. (الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيُّ) ، وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ) ، عَطْفُ بَيَانٍ لِمَا قَبْلَهُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ مِنَ الرُّمَاةِ الْمَذْكُورِينَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ فِئَةٍ» ". مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، شَهِدَ الْعَقَبَةَ ثُمَّ السَّبْعِينَ، ثُمَّ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ. (أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ) : هُوَ الَّذِي جَمَعَ الْقُرْآنَ حِفْظًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ قِيلَ: سَعْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَقِيلَ: قَيْسُ بْنُ السَّكَنِ. (سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الزُّهْرِيُّ) ، هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَحَدُ الْعَشَرَةِ. (سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (الْقُرَشِيُّ) ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَاتَ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. (سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ) : بِضَمِّ النُّونِ فَفَتْحِ فَاءٍ الْقُرَشِيُّ هُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ. (سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (الْأَنْصَارِيُّ) ، أَيِ الْأَوْسِيُّ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَصَحِبَ عَلِيًّا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ وَلَّاهُ فَارِسَ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ. (ظُهَيْرٌ) : بِالتَّصْغِيرِ (بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ) ، أَيِ الْأَوْسِيُّ شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ وَبَدْرًا، وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ. (وَأَخُوهُ) ، أَيْ: أَخُو ظُهَيْرٍ، وَاسْمُهُ مُظَهِّرٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَلَمْ يُسَمِّهِ الْبُخَارِيُّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مَا شَهِدَ بَدْرًا، لَكِنْ قَالَ أَبُو عَمْرٍو: إِنَّ ظُهَيْرًا لَمْ يَشْهَدْهَا وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، وَكَذَا قِيلَ لَمْ يَشْهَدْهَا مُظَهِّرٌ فَتَسْقُطُ الْوَاوُ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَخُوهُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ.

стр. 8727

(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ) ، بِضَمٍّ فَفَتْحٍ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ بَنِي هُذَيْلٍ مِنْ غَيْرِ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ وَسَبَقَ ذِكْرُهُ. (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ) ، بِضَمٍّ فَسُكُونٍ نِسْبَةً إِلَى بَنِي زُهْرَةَ، قَبِيلَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ. (عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ) ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (عُبَادَةَ) : بِضَمِّ عَيْنٍ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ. (بْنُ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيُّ) : كَانَ نَقِيبًا، وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا. قِيلَ: مَاتَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ. (عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ) أَيِ الْمُزَنِيُّ: كَانَ قَدِيمَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢] سَكَنَ الْمَدِينَةَ وَمَاتَ بِهَا فِي آخِرِ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ. (حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ) بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَلُؤَيٌّ بِضَمٍّ فَفَتْحِ هَمْزٍ وَيُبْدَلُ وَاوٌ فَتَشْدِيدٌ. (عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ) ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكْنَى أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ، وَقِيلَ إِنَّهُ شَهِدَهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إِلَى مَاءِ بِدْرٍ لِأَنَّهُ نَزَلَهُ فَنُسِبَ إِلَيْهِ اهـ. وَلِذَلِكَ خَطِئَ الْبُخَارِيُّ بُعْدَهُ مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ. (عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَنْزِيُّ) ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ النُّونِ فَفِي الْمُقَدِّمَةِ الْعَنَزَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالزَّايِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْعَنْزِيُّونَ، وَقَالَ فِي الْمَعْنَى: وَأَمَّا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَنْزِيُّ بِسُكُونِ النُّونِ، وَكَذَا يُفْهَمُ مِنَ الْقَامُوسِ، وَفِي نُسْخَةِ الْعَدَوِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، أَسْلَمَ قَدِيمًا مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. (عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ) : يُكْنَى أَبَا سُلَيْمَانَ الْأَنْصَارِيَّ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ الَّذِي حَمَتْهُ الدَّبْرُ وَهِيَ النَّحْلُ، مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَجْتَزُّوا رَأْسَهُ فِي غَزْوَةِ الرَّجِيعِ حِينَ قَتَلَهُ بَنُو لَحْيَانَ، فَسُمِّيَ حَمْيَ الدَّبْرِ. (عُوَيْمُ) : تَصْغِيرُ عَامٍ بِمَعْنَى سَنَةٍ (بْنُ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ) : هُوَ أَوْسِيٌّ، شَهِدَ الْعَقَبَتَيْنِ وَبَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَاتَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (عِتْبَانُ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ) خَزْرَجِيٌّ سَلَمِيٌّ بَدْرِيٌّ، مَاتَ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ. (قُدَامَةُ) : بِضَمِّ الْقَافِ (بْنُ مَظْعُونٍ) . بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ قُرَشِيٌّ جُمَحِيٌّ خَالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. (قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ (الْأَنْصَارِيُّ) : عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ، وَشَهِدَ بَعْدَهَا الْمُشَاهِدَ كُلَّهَا، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَخُوهُ لِأُمِّهِ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ. (مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ) . بِفَتْحِ جِيمٍ وَضَمِّ مِيمٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: خَزْرَجِيٌّ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا هُوَ وَأَبُوهُ عَمْرٌو، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ مَعَ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ أَبَا جَهْلٍ، وَلَهُمَا ذِكْرٌ فِي بَابِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ، ثُمَّ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ عَمْرٍو قَطَعَ رِجْلَ أَبِي جَهْلٍ وَصَرَعَهُ. قَالَ: وَضَرَبَ ابْنُهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ يَدَ مُعَاذٍ فَطَرَحَهَا، ثُمَّ ضَرَبَهُ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ حَتَّى أَثْبَتَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ وَبِهِ رَمَقٌ، ثُمَّ وَقَصَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ حِينَ أَمْرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْتَمِسَ أَبَا جَهْلٍ فِي الْقَتْلَى. قُلْتُ: لَمَّا كَانَ قَتْلُ أَبِي جَهْلٍ مُوجِبًا لِلثَّوَابِ الْكَثِيرِ قَدَّرَ اللَّهُ أَنَّ جَمْعًا تَشَارَكُوا فِي قَتْلِهِ. (مُعَوِّذُ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ أَوِ الْمَفْتُوحَةِ وَالذَّالُ مُعْجَمَةٌ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: هُوَ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا عَلَى الْأَشْهَرِ، وَجَزَمَ الرَّقْشِيُّ أَنَّهُ بِالْكَسْرِ عَلَى مَا فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُغْنِي، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْقَامُوسِ، وَكَذَا ضَبَطَهُ الْمُؤَلِّفُ (ابْنُ عَفْرَاءَ) : بِفَتْحِ عَيْنٍ فَسُكُونِ فَاءٍ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مُعَوِّذُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مُعَاذٍ وَعَفْرَاءُ أُمُّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ أَبَا جَهْلٍ مَعَ أَخِيهِ مُعَاذٍ، وَهُمَا أَصْحَابُ زَرْعٍ وَنَخْلٍ، وَقَاتَلَ فِي بَدْرٍ حَتَّى قُتِلَ بِهَا (وَأَخُوهُ) ، أَيْ أَخُوهُ مُعَاذٌ. قَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ شَهِدَ بَدْرًا وَأَخَوَاهُ عَوْفٌ وَمُعَوِّذٌ وَالْحَارِثُ أَبُوهُمْ وَعَفْرَاءُ أَمُّهُمْ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: مُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ الْأَنْصَارِيُّ الزُّرَقِيُّ، وَعَفْرَاءُ أُمُّهُ، وَهِيَ بِنْتُ.

стр. 8728

عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَكَانَ هُوَ وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ أَوَّلَ أَنْصَارِيَّيْنِ مِنَ الْخَزْرَجِ أَسْلَمَا، شَهِدا بَدْرًا وَأَخَوَاهُ عَوْفٌ وَمُعَوِّذٌ، وَقُتِلَ أَخَوَاهُ هَذَانِ بِبَدْرٍ وَشَهِدَ بَعْدَ بَدْرٍ مِنَ الْمَشَاهِدِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ جِرَاحَتِهِ وَقِيلَ: أَنَّهُ عَاشَ إِلَى زَمَنِ عُثْمَانَ. (مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ أَبُو أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ) : بِالتَّصْغِيرِ كُنْيَةُ مَالِكٍ، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، وَهُوَ سَاعِدِيٌّ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَلَهُ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ (مِسْطَحُ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ (بْنُ أُثَاثَةَ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (بْنِ عَبَّادٍ) : بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدِ مُوَحَّدَةٍ (بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ) أَيِ الْقُرَشِيُّ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمُشَاهِدَ كُلَّهَا بَعْدَهَا، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِي عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مَا قَالَهُ مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَجَلَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَنْ جَلَدَ، وَيُقَالُ: إِنَّ مِسْطَحًا لَقَبُهُ وَاسْمُهُ عَوْفٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ. (مُرَارَةُ) بِضَمِّ الْمِيمِ (بْنُ الرَّبِيعِ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (الْأَنْصَارِيُّ) : عَامِرِيٌّ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ فِي شَأْنِهِمْ. (مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ) بِفَتْحِ مِيمٍ فَسُكُونِ عَيْنٍ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ شَهِيدًا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ فَقُتِلَا مَعًا يَوْمَئِذٍ. (مِقْدَادُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ (بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ) : بِكَسْرِ الْكَافِ (حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ) . بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: إِنَّ أَبَاهُ حَالَفَ كِنْدَةَ فَنُسِبَ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ ابْنُ الْأَسْوَدِ لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيفَهُ أَوَّلًا، فَتَبَنَّاهُ وَكَانَ سَادِسًا فِي الْإِسْلَامِ، مَاتَ بِالْجَرْفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً (هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ) : بِالتَّصْغِيرِ (الْأَنْصَارِيُّ) : أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ الَّذِي قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكٍ، لَهُ ذِكْرٌ فِي اللِّعَانِ، رَوَى عَنْهُ جَابِرٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَتُحُصِّلَ أَنَّ عَدَدَ الْمَجْمُوعِ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَفِي نُسْخَةٍ: ﵃ أَجْمَعِينَ.

стр. 8729

[بَابُ ذِكْرِ الْيَمَنِ وَالشَّامِ وَذِكْرِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦٢٦٦ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ رَجُلًا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ لَا يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ إِلَّا مَوْضِعَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ» ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ وَلَهُ وَالِدَةٌ وَكَانَ لَهُ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ (بَابُ ذِكْرِ الْيَمَنِ وَالشَّامِ وَذِكْرِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ) فِي الْمُغْرِبِ: الْيَمَنُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْيَمِينِ بِخِلَافِ الشَّامِ، لِأَنَّهَا بِلَادٌ عَلَى يَمِينِ الْكَعْبَةِ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا يَمَنِيٌّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَوْ يَمَانِيٌّ بِالتَّخْفِيفِ عَلَى تَعْوِيضِ الْأَلِفِ مِنْ إِحْدَى يَائَيِ النِّسْبَةِ وَفِي الْقَامُوسِ: الْيَمَنُ مُحَرَّكَةٌ مَا عَلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ مِنْ بِلَادِ الْغَوْرِ، وَهُوَ يَمَنِيٌّ وَيَمَانِيٌّ وَيَمَانٍ، وَالشَّامُ بِلَادٌ عَنْ مُشَاءَمَةِ الْقِبْلَةِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ قَوْمًا مِنْ بَنِي كَنْعَانَ تَشَاءَمُوا إِلَيْهَا أَيْ تَيَاسَرُوا، أَوْ سُمِّيَ بِشَامُ بْنِ نُوحٍ، فَإِنَّهُ بِالشِّينِ بِالسُّرْيَانِيَّةِ، أَوْ لِأَنَّ أَرْضَهَا شَامَاتٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ وَسُودٌ، وَعَلَى هَذَا لَا يُهْمَزُ وَقَدْ يُذَكَّرُ. قُلْتُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ يُهْمَزُ وَيَجُوزُ إِبْدَالُهَا، وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَالْأَشْمَلُ لِلْمَعَانِي، ثُمَّ الْمُرَادُ بِذِكْرِ الْيَمَنِ وَالشَّامِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مُتَعَلِّقًا بِذِكْرِ الْمَكَانَيْنِ أَوْ بِأَهْلِيهِمَا، فَقَوْلُهُ: وَذِكْرِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِلتَّشْرِيفِ، ثُمَّ الْقَرَنِيُّ بِفَتْحَتَيْنِ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْقَرْنُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ مِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدٍ، وَهِيَ قَرْيَةٌ عِنْدَ الطَّائِفِ، وَاسْمُ الْوَادِي كُلُّهُ، وَغَلَطَ الْجَوْهَرِيُّ فِي تَحْرِيكِهِ، وَفِي نِسْبَةِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى قَرَنِ بْنِ رُومَانَ بْنِ نَاجِيَةَ بْنِ مُرَادٍ أَحَدِ أَجْدَادِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦٢٦٦ - (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ رَجُلًا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ) : تَصْغِيرُ أَوْسٍ (" لَا يَدَعُ ") ، أَيْ: لَا يَتْرُكُ (بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ) : وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَهْلٌ وَعِيَالٌ فِي الْيَمَنِ.

стр. 8730

غَيْرَهَا، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ عَنِ الْإِتْيَانِ إِلَيْنَا خِدْمَتُهَا، (" قَدْ كَانَ بِهِ ") ، أَيْ: بِأُوَيْسٍ (" بَيَاضٌ ") ، أَيْ: بَرَصٌ (" فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ إِلَّا مَوْضِعَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ ") ، شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَلَعَلَّهُ أَبْقَاهُ لِلْعَلَامَةِ كَمَا قِيلَ فِي ظُفْرِ آدَمَ: أَنَّهُ أَثَرٌ مِنْ جِلْدِهِ السَّابِقِ، أَوْ تَرَكَ ذَاكَ الْبَعْضَ لِيَكُونَ سَبَبَ تَنَفُّرِهِ، وَلِهَذَا كَانَ يُحِبُّ الْخُمُولَ وَالْعُزْلَةَ وَيَكْرَهُ الشُّهْرَةَ وَالْخُلْطَةَ. (" فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ ") . قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذِهِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ، وَفِيهِ طَلَبُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ أَفْضَلَ مِنْهُمْ. أَقُولُ: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِأُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ: سَمِعْتُ، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادٍ مِنَ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ كَانَ فِيهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ وَهُوَ لَهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَلَوِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» " فَاسْتَغْفِرْ لِي فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ) ، أَيْ: عُمَرُ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ ") ، أَيْ: مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ مِنَ الْمُخَضْرَمِينَ، وَحَصَلَ لَهُ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ عَنْ حُضُورِ حَضْرَتِهِ وَنُورِ طَلْعَتِهِ ﷺ . (" رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ ") ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَيْرُ التَّابِعِينَ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ: أَفْضَلُ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ سَعِيدَ أَفْضَلُ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ كَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَنَحْوِهَا لَا فِي كَوْنِهِ أَكْثَرَ ثَوَابًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (" وَلَهُ وَالِدَةٌ ") ، أَيْ: أُمٌّ، وَهُوَ بَارٌّ لَهَا (" وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ ") ، أَيْ بَرَصٌ وَذَهَبَ اللَّهُ بِهِ أَيْ: أَذْهَبَهُ كُلَّهُ إِلَّا قَدْرَ الْيَسِيرِ، وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ (" فَمُرُوهُ ") ، أَيْ: فَالْتَمِسُوهُ أَوْ مُرُوهُ بِنَاءً عَلَى أَمْرِنَا إِيَّاكُمْ أَوْ إِيَّاهُ (" فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ ") . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَمَرَ ﷺ أَصْحَابَهُ بِاسْتِغْفَارِ أُوَيْسٍ لَهُمْ وَإِنْ كَانَ الصَّحَابَةُ أَفْضَلَ مِنَ التَّابِعِينَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْفَاضِلَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ مِنَ الْمَفْضُولِ، أَوْ قَالَهُ ﷺ تَطَيُّبًا لِقَلْبِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إِلَى حَضْرَتِهِ، لَكِنْ مَنَعَهُ بِرُّهُ لِأُمِّهِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ لِيَنْدَفِعَ بِهِ أَنَّهُ مُسِيءٌ فِي التَّخَلُّفِ اهـ. وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا نُقِلَ أَنَّهُ تَرَكَ أُمَّهُ وَجَاءَ وَاجْتَمَعَ بِالصَّحَابَةِ فَإِنَّ امْتِنَاعَهُ مِنَ الْإِتْيَانِ كَانَ بِعُذْرِ عَدَمِ مَنْ يَكُونُ فِي خِدْمَتِهَا وَقَائِمًا بِمُؤْنَتِهَا، فَلَمَّا وَجَدَ السَّعَةَ تَوَجَّهَ إِلَى الصَّحَابَةِ أَوْ لَمَّا فُرِضَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ تَعَيَّنَ مَأْتَاهُ أَوْ أَذِنَتْ لَهُ بِالسَّيْرِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَفِي الرِّيَاضِ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ يَسْأَلُهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَلَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ وَهُوَ لَهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» " فَاسْتَغْفِرْ لِي فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ. قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا. قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرُ فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ فَقَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ. ﷺ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. ثُمَّ قَالَ: " فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ " فَأَتَى أُوَيْسًا فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ وَجْهَ خَفَائِهِ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ فِي مَادَّةِ الِاسْتِغْفَارِ، وَلَوْ كَانَ ظَاهِرُ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ مَسْتُورًا أَوْ غَيْرُهُ، فَلَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِغْفَارُ لِلْكُلِّ، وَلَا امْتِنَاعُهُ عَنِ الْبَعْضِ لِمَا يُوجِبُ مِنَ الْإِيحَاشِ وَكَشْفِ الْحَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَحْوَالِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا " «خَيْرُ التَّابِعِينَ أُوَيْسٌ» ". رَوَى ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَنِيُّ وَأَنَّ شَفَاعَتَهُ فِي أُمَّتِي مِثْلَ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ» .

стр. 8731

٦٢٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ وَأَلْيَنُ قُلُوبًا الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٦٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: " أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً ") ، أَيْ: مِنْ سَائِرِ مَنْ يَأْتِيكُمْ وَالرِّقَّةُ ضِدُّ الْقَسَاوَةِ وَالْغِلْظَةِ وَالْفُؤَادُ الْقَلْبُ، وَقِيلَ: بَاطِنُهُ، وَقِيلَ ظَاهِرُهُ، وَالْمَعْنَى هُمْ أَكْثَرُ رِقَّةً وَرَحْمَةً مِنْ جِهَةِ الْبَاطِنِ. (" وَأَلْيَنُ قُلُوبًا ") أَيْ: أَكْثَرُ لِينَةً لِقَبُولِ النَّصِيحَةِ وَالْمَوْعِظَةِ مِنْ قُلُوبِ سَائِرِ النَّاسِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَصَفَ الْأَفْئِدَةَ بِالرِّقَّةِ وَالْقُلُوبَ بِاللِّينِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ أَنَّ الْفُؤَادَ غِشَاءُ الْقَلْبِ إِذَا رَقَّ نَفَذَ الْقَوْلُ فِيهِ، وَخَلُصَ إِلَى مَا وَرَاءُ، وَإِذَا غِلَظَ تَعَذَّرَ وُصُولُهُ إِلَى دَاخِلِهِ، فَإِذَا صَادَفَ الْقَلْبَ لَيِّنًا عَلِقَ بِهِ وَنَجَعَ فِيهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: الرِّقَّةُ ضِدُّ الْغِلْظَةِ وَالصَّفَاقَةِ وَاللِّينُ مُقَابِلُ الْقَسَاوَةِ، فَاسْتُعِيرَتْ فِي أَحْوَالِ الْقَلْبِ، فَإِذَا نَبَا عَنِ الْحَقِّ وَأَعْرَضَ عَنْ قَبُولِهِ وَلَمْ يَتَأَثَّرْ عَنِ الْآيَاتِ وَالنُّذُرِ، يُوصَفُ بِالْغِلْظَةِ، فَكَانَ شِغَافُهُ صَفِيقًا لَا يَنْفُذُ فِيهِ الْحَقُّ وَجِرْمُهُ صَلْبٌ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْوَعْظُ، وَإِذَا كَانَ بِعَكْسِ ذَلِكَ يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ وَاللِّينِ فَكَانَ حِجَابُهُ رَقِيقًا لَا يَأْبَى نُفُوذَ الْحَقِّ، وَجَوْهَرُهُ لَيِّنٌ يَتَأَثَّرُ بِالنُّصْحِ، ثُمَّ لَمَّا وَصَفَهُمْ بِذَلِكَ أَتْبَعَهُ مَا هُوَ كَالنَّتِيجَةِ وَالْغَايَةِ بِقَوْلِهِ: (" الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ ") ، فَإِنَّ صَفَاءَ الْقَلْبِ وَرِقَّتَهُ وَلِينَ جَوْهَرِهِ يُؤَدِّي بِهِ إِلَى عِرْفَانِ الْحَقِّ وَالتَّصَدِّي بِهِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ وَالِانْقِيَادُ لِمَا يُوجِبُهُ وَيَقْتَضِيهِ، وَالتَّيَقُّظُ وَالِاتِّقَاءُ فِيمَا يَأْتِيهِ وَيَذَرُهُ وَهُوَ الْحِكْمَةُ، فَتَكُونُ قُلُوبُهُمْ مَعَادِنَ الْإِيمَانِ وَيَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ، وَهِيَ قُلُوبٌ مَنْشَؤُهَا الْيَمَنُ نُسِبَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ وَالْحِكْمَةُ مَعًا لِانْتِسَابِهَا إِلَيْهِ تَنْوِيهًا بِذِكْرِهِمَا وَتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْفُؤَادِ وَالْقَلْبِ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي كَوْنِهِمَا مُتَرَادِفَيْنِ فَكَرَّرَ لِيُنَاطَ بِهِ مَعْنًى غَيْرَ الْمَعْنَى السَّابِقِ، فَإِنَّ الرِّقَّةَ مُقَابِلَةٌ لِلْغِلْظَةِ وَاللِّينَ مُقَابِلٌ لِلشِّدَّةِ وَالْقَسْوَةِ، فَوُصِفَتْ أَوَّلًا بِالرِّقَّةِ لِيُشِيرَ إِلَى التَّخَلُّقِ مَعَ النَّاسِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الْأَهْلِ وَالْإِخْوَانِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَثَانِيًا بِاللِّينِ لِيُؤْذَنَ بِأَنَّ الْآيَاتِ النَّازِلَةَ وَالدَّلَائِلَ الْمَنْصُوبَةَ نَاجِعَةٌ فِيهَا وَصَاحِبُهَا مُقِيمٌ عَلَى التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: " «الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» " يَشْمَلُ حُسْنَ الْمُعَامَلَةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُعَاشَرَةِ مَعَ النَّاسِ، فَلِشِدَّةِ شَكِيمَةِ الْيَهُودِ وَعِنَادِهِمْ، قِيلَ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٍ﴾ [البقرة: ٧٤] وَلِلِينِ جَانِبِ الْمُؤْمِنِينَ وُصِفُوا بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] اهـ. وَقَالَ شَارِحٌ: الْإِيمَانُ يَمَانٍ هُوَ نِسْبَتُهُ إِلَى الْيَمَنِ، وَالْأَلِفُ فِيهِ عِوَضٌ عَنْ يَاءِ النِّسْبَةِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَكَّةُ مِنْ أَرْضِ تِهَامَةَ، وَتِهَامَةُ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ مَكَّةُ وَمَا وَلِيَهَا مَنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تَهَائِمُ، فَمَكَّةُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَمَانِيَةٌ، وَفِيهَا ظَهَرَ الْإِيمَانُ. قَالَ: وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ وَهُوَ بِتَبُوكَ، وَمَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمَنِ، فَأَشَارَ إِلَى نَاحِيَةِ الْيَمَنِ وَهُوَ يُرِيدُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، وَقِيلَ: عَنَى بِهَذَا الْقَوْلِ الْأَنْصَارَ لِأَنَّهُمْ يَمَانُونَ وَهُمْ نَصَرُوا الْإِيمَانَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَأَوَوْهُمْ، فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ، وَهَذِهِ وُجُوهٌ مُتَقَارِبَةٌ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ بُعْدِ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنَ الْكَلَامِ وَالثَّانِي، فَإِنَّهُ أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ يُخَاطِبُ بِذَلِكَ أَصْحَابَهُ، وَالْجُمْهُورُ مِنْهُمْ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ وَمَا حَوْلَهُمَا، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُشِيرَ لَهُمْ غَيْرُ الْمُخَاطَبِينَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَهْلُ الْيَمَنِ وَيُنْسَبُ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانُ إِشْعَارًا بِكَمَالِهِ فِيهِمْ، وَالْمُرَادُ الْمَوْجُودُونَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا كُلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ فِي جَمِيعِ الْأَحْيَانِ، فَالْمَقْصُودُ تَفْضِيلُ أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ: " «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ» " ثُمَّ قَوْلُهُ: " الْإِيمَانُ يَمَانٍ " لَا يُنَافِي كَوْنَهُ حِجَازِيًّا، وَإِنَّمَا يَنْبِي عَنِ اسْتِعْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ لِقَبُولِ ذَلِكَ، وَفُشُوِّهِ فِيهِمْ وَاسْتِقْرَارِ أَمْرِهِمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ فُتِحَتْ بِأَمْدَادِهِمُ الشَّامُ وَالْعِرَاقُ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ ثُمَّ قَوْلُهُ: " وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ " بِالتَّخْفِيفِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّشْدِيدِ فَقِيلَ: أَرَادَ بِهَا الْفِقْهَ فِي الدِّينِ، وَقِيلَ: كُلُّ كَلِمَةٍ صَالِحَةٍ تَمْنَعُ صَاحِبَهَا عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْهَلَكَةِ، وَلَمَّا كَانَتْ قُلُوبُهُمْ مَعَادِنَ الْإِيمَانِ وَيَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ، وَكَانَتِ الْخَصْلَتَانِ مُنْتَهَى هِمَمِهِمْ نَسَبَ الْإِيمَانَ وَالْحِكْمَةَ إِلَى مَعَادِنِ نُفُوسِهِمْ وَمَسَاقِطِ رُؤُوسِهِمْ نِسْبَةَ الشَّيْءِ إِلَى مَقَرِّهِ (وَالْفَخْرُ) أَيِ: الِافْتِخَارُ بِالْمُبَاهَاةِ وَالْمُنَافَسَةِ فِي الْأَشْيَاءِ الْخَارِجَةِ عَنْ نَفْسِ الْإِيمَانِ كَالْمَالِ وَالْجَاهِ، (" وَالْخُيَلَاءُ ") : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مَمْدُودَةٍ، وَهِيَ التَّكَبُّرُ يُتَخَيَّلُ أَنَّهُ أَفْضَلُ.

стр. 8732

مِنْ غَيْرِهِ وَيَمْنَعُهُ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَالِانْقِيَادِ (" فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ ") وَفِي مَعْنَاهَا الْخَيْلُ، بَلْ هِيَ أَدْهَى بِالْوَيْلِ، وَسَيَأْتِي الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ: (" وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ") ، أَيِ: التَّأَنِّي وَالْحِلْمُ وَالْأُنْسُ (" فِي أَهْلِ الْغَنَمِ ") . قَالَ الْقَاضِي: تَخْصِيصُ الْخُيَلَاءِ بِأَصْحَابِ الْإِبِلِ، وَالْوَقَارُ بِأَهْلِ الْغَنَمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُخَالَطَةَ الْحَيَوَانِ تُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ وَتُعَدِّي إِلَيْهَا هَيْئَاتٍ وَأَخْلَاقًا تُنَاسِبُ طِبَاعَهَا وَتُلَائِمُ أَحْوَالَهَا، قُلْتُ: وَلِهَذَا قِيلَ الصُّحْبَةُ تُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ، وَلَعَلَّ هَذَا أَيْضًا وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَعَى الْغَنَمَ، وَخُلَاصَةُ الْكَلَامِ وَرَابِطَةُ النِّظَامِ بَيْنَ فُصُولِ الْحَدِيثِ أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ وَالْحِكْمَةُ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ الْإِبِلِ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الْفَخْرُ، وَأَهْلُ الْغَنَمِ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ السُّكُونُ، فَمَنْ أَرَادَ صُحْبَةَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْعِرْفَانِ، فَعَلَيْهِ بِمُصَاحَبَةِ نَحْوِ أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى وَجْهِ الْإِيمَانِ قَالَ تَعَالَى: "؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] (وَفِيهِ إِشْعَارٌ إِلَى إِظْهَارِ مُعْجِزَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْيَمَنِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ مَعَ قِلَّةِ أَهْلِهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَطْرَافِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ فَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَةِ خَلَائِقِهِمْ قَلِيلُونَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي الْجَامِعِ: " الْإِيمَانُ يَمَانٍ " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» ".

стр. 8733

٦٢٦٨ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَأَسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٦٨ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَأْسُ الْكُفْرِ ") ، أَيْ: مُعْظَمُهُ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ مَنْشَؤُهُ (" نَحْوَ الْمَشْرِقِ ") ، بِالنَّصْبِ قَالَ الطِّيبِيُّ نَحْوَهُ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، أَيْ: ظُهُورُ الْكُفْرِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: مِنْهُ يَظْهَرُ الْكُفْرُ وَالْفِتَنُ كَالدَّجَّالِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِاخْتِصَاصِ الْمَشْرِقِ بِهِ مَزِيدُ تَسَلُّطِ الشَّيْطَانِ عَلَى أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِ ﷺ وَيَكُونُ حِينَ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنَ الْمَشْرِقِ فَإِنَّهُ مَنْشَأُ الْفِتَنِ الْعَظِيمَةِ وَمَثَارُ الْكُفْرِ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ، نَقْلًا عَنِ الْبَاجِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ فَارِسَ وَأَنْ يُرِيدَ نَجْدًا (" وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ ") ، قَالَ الرَّاغِبُ: الْخُيَلَاءُ التَّكَبُّرُ عَنْ تَخَيُّلِ فَضِيلَةٍ تَرَاءَتْ لِلْإِنْسَانِ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْهَا يَتَأَوَّلُ لَفْظُ الْخَيْلِ مَا قِيلَ أَنَّهُ لَا يَرْكَبُ أَحَدٌ فَرَسًا إِلَّا وَجَدَ فِي نَفْسِهِ نَخْوَةً، وَالْخَيْلُ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْأَفْرَاسِ وَالْفُرْسَانِ جَمِيعًا اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْخَيْلَ اسْمٌ حَتَّى لِلْفَرَسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى " ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] أَمَّا قَوْلُهُ: " يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبُوا " فَمَجَازٌ. (" وَالْفَدَّادِينَ ") : بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ أَيْ: وَفِي الْفَلَّاحِينَ عَطْفٌ عَلَى أَهْلِ الْخَيْلِ وَقَوْلُهُ: (" أَهْلُ الْوَبَرِ ") ، بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمُوَحَّدَةِ شَعْرُ الْإِبِلِ وَهُوَ بِالْجَرِّ بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ سُكَّانُ الصَّحَارِي، لِأَنَّ بُيُوتَهُمْ غَالِبًا خِيَامٌ مِنَ الشَّعْرِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الْفَدَّادُونَ بِالتَّشْدِيدِ الَّذِينَ تَعْلُو أَصْوَاتُهُمْ فِي حُرُوثِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ، وَاحِدُهُمْ فَدَّادٌ، يُقَالُ: فَدَّ الرَّجُلُ يَفِدُّ فَدِيدًا إِذَا اشْتَدَّ صَوْتُهُ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُكْثِرُونَ مِنَ الْإِبِلِ، وَقِيلَ: هُمُ الْجَمَّالُونَ وَالْبَقَّارُونَ وَالْحَمَّارُونَ وَالرُّعْيَانِ، وَقِيلَ: الْفَدَادُونَ بِالتَّخْفِيفِ جَمْعُ فَدَّادٍ مُشَدَّدًا، وَهِيَ الْبَقَرَةُ الَّتِي تُحْرَثُ بِهَا وَأَهْلُهَا أَهْلُ جَفَاءٍ وَغِلْظَةٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِذَا رُوِيَ بِالتَّخْفِيفِ تَقْدِيرُهُ: وَفِي أَهْلِ الْفَدَّادِينَ، وَأَرَى أَصْوَبَ الرِّوَايَتَيْنِ بِالتَّشْدِيدِ لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الَّذِي يَتْلُو هَذَا الْحَدِيثَ، وَالْجَفَاءُ الْغِلَظُ فِي الْفَدَّادِينَ وَالتَّخْفِيفُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَتَقْدِيرُ الْحَذْفِ فِيهِ مُسْتَبْعَدٌ رِوَايَةً وَمَعْنًى، فَرَدَدْنَا الْمُخْتَلِفَ فِيهِ إِلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، هَذَا وَقَدْ صَحَّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَأَى مُسْكَةً وَشَيْئًا مِنْ آلَاتِ الْحَرْثِ فَقَالَ: " مَا دَخَلَ هَذَا دَارَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الذُّلَّ» " وَأَيْنَ إِيقَاعُ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ مِنْ مَوْقِعِ الذُّلِّ؟ قُلْتُ: لَعَلَّهُ ﷺ أَخْبَرَ عَمَّا سَيَقَعُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ أَنَّ كَثْرَةَ الزِّرَاعَةِ تَكُونُ سَبَبًا لِلِافْتِخَارِ وَالتَّكَبُّرِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي أَرْبَابِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْمَزَارِعِ الْكَثِيرَةِ فِي الْعَجَمِ بِحَيْثُ أَنَّهُمْ يَتَقَدَّمُونَ فِي الْمَحَافِلِ عَلَى أَصْحَابِ الْإِبِلِ وَالْخَيْلِ، بَلْ لَهُمُ اعْتِبَارٌ عَظِيمٌ عِنْدَ الْمُلُوكِ حَتَّى يَصِيرَ أَكْثَرُهُمْ وُزَرَاءَ لَهُمْ وَكُبَرَاءَ عِنْدَ سَائِرِ رَعِيَّتِهِمْ. (" وَالسَّكِينَةُ ") ، أَيِ: الْوَقَارُ وَالَتَأَنِّي وَالْحِلْمُ وَالْأُنْسُ (" فِي أَهْلِ الْغَنَمِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ. قَالَ مِيرَكُ: إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَقُلْ: وَالْفَدَّادِينَ بِالْوَاوِ، بَلْ هِيَ مَحْذُوفَةٌ فِيهِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ ثَابِتَةٌ، فَعَلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ نَعْتٌ لِأَهْلِ الْخَيْلِ، وَعَلَى إِثْبَاتِهِ عَطْفٌ عَلَيْهَا. قُلْتُ: فَعَلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مُرَادٌ الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يُرَادُ التَّغَايُرُ بَيْنَهُمَا، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلَى الْخَيْلِ بِرِوَايَةِ تَخْفِيفِ الْفَدَّادِينَ، وَعَلَى أَهْلِ الْخَيْلِ بِرِوَايَةِ التَّشْدِيدِ وَاللَّهُ الْمُلْهِمُ لِلتَّسْدِيدِ.

стр. 8734

٦٢٦٩ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مِنْ هَاهُنَا جَاءَتِ الْفِتَنُ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٦٢٦٩ - (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مِنْ هَاهُنَا جَاءَتِ الْفِتَنُ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ") : حَالٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ: قَالَ ﷺ : " مِنْ هَاهُنَا جَاءَتِ الْفِتَنُ " مُشِيرًا نَحْوَ الْمَشْرِقِ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرَّاوِي مُدْرَجًا عَلَى قَصْدِ التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ ﷺ : " هَاهُنَا ". (" وَالْجَفَاءُ ") ، بِالْمَدِّ وَهُوَ ضِدُّ الْوَفَاءِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْجَفَاءُ نَقِيضُ الصِّلَةِ وَيُقْصَرُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هَاهُنَا غِلَظُ الْأَلْسِنَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (" وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ") : بَيَانٌ لِلْفَدَّادِينَ، وَيُرَادُ بِأَهْلِ الْوَبَرِ الْأَعْرَابُ أَوْ سُكَّانُ الصَّحَارِي، وَإِنَّمَا ذَمَّهُمْ لِبُعْدِهِمْ عَنِ الْمُدُنِ وَالْقُرَى الْمُوجِبِ لِقِلَّةِ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِهِ حُسْنُ الْأَخْلَاقِ لَهُمْ وَسَائِرُ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] . وَفِي الْحَدِيثِ: " مَنْ بَدَا جَفَا ". (" عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ") ، أَيْ: هُمْ تَبَعٌ لِأُصُولِهَا وَيَمْشُونَ خَلْفَهَا لِلرَّعْيِ فِيهِمَا أَوْ لِإِثَارَةِ الْأَرْضِ خَلْفَ الْبَقَرِ وَلِسَقْيِ الْمَاءِ خَلْفَهُمَا، فَالْمُرَادُ بِهِمُ الَأَّكَارُونَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمَتْبُوعَ تَابِعًا وَالتَّابِعَ مَتْبُوعًا، فَعَكَسُوا مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ مَوْضُوعًا وَمَشْرُوعًا، وَإِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: عِنْدَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: الْفَدَّادِينَ عَلَى تَأْوِيلِ الَّذِينَ بِهِمْ جَلَبَةٌ وَصِيَاحٌ عِنْدَ سَوْقِهِمْ لَهَا ; لِأَنَّ سَائِقَ الدَّوَابِّ إِنَّمَا يَعْلُو صَوْتُهُ خَلْفَهَا. (" فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ؟ ") . إِمَّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هَذِهِ الطَّائِفَةُ فِيهِمْ أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِقَوْلِهِ: وَالْجَفَاءُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْفَدَّادِينَ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ) .

стр. 8735

٦٢٧٠ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «غِلَظُ الْقُلُوبِ وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ وَالْإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦٢٧٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " غِلَظُ الْقُلُوبِ وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ ") ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: فِي أَهْلِ الْمَشْرِقِ (" وَالْإِيمَانُ ") : وَلَفْظُ الْجَامِعِ: وَالسَّكِينَةُ وَالْإِيمَانُ (" فِي أَهْلِ الْحِجَازِ ") . أَيْ: مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَحَوَالَيْهِمَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِهِ الْأَنْصَارَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

стр. 8736

٦٢٧١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا، فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٦٢٧١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا» ") ، لَعَلَّ تَقْدِيرَهُ عَلَى الْيَمَنِ مُشْكِلٌ إِلَى أَنَّهُ مُبَارَكٌ فِي أَصْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وَلِوُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِيهِ، فَالْمُرَادُ زِيَادَةُ الْبَرَكَةِ أَوِ الْبَرَكَةُ الْحَاصِلَةُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْخُصُوصِ (" «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا» ") . أَيْ: بَرَكَةً ظَاهِرِيَّةً وَمَعْنَوِيَّةً، وَلِهَذَا كَثُرَ الْأَوْلِيَاءُ فِيهِمْ، وَالظَّاهِرُ فِي وَجْهِ تَخْصِيصِ الْمَكَانَيْنِ بِالْبَرَكَةِ لِأَنَّ طَعَامَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَجْلُوبٌ مِنْهُمَا. (قَالُوا) ، أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَفِي نَجْدِنَا) ؟ عَطْفُ تَلْقِينٍ وَالْتِمَاسٍ أَيْ: قُلْ: وَفِي نَجْدِنَا لِيَحْصُلَ الْبَرَكَةُ لَنَا مِنْ صَوْبِهِ أَيْضًا، وَالنَّجْدُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ، وَهُوَ اسْمٌ خَاصٌّ لِمَا دُونَ الْحِجَازِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ خِلَافُ الْغَوْرِ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ. (قَالَ: " «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا» ") : قَالَ الْأَشْرَفُ: إِنَّمَا دَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ لِأَنَّ مَوْلِدَهُ بِمَكَّةَ، وَهُوَ مِنَ الْيَمَنِ، وَمَسْكَنُهُ وَمَدْفَنُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ مِنَ الشَّامِ، وَنَاهِيكَ مِنْ فَضْلِ النَّاحِيَتَيْنِ أَنَّ إِحْدَاهُمَا مَوْلِدُهُ، وَالْأُخْرَى مَدْفِنُهُ، فَإِنَّهُ أَضَافَهُمَا إِلَى نَفْسِهِ، وَأَتَى بِضَمِيرِ الْجَمْعِ تَعْظِيمًا وَكَرَّرَ الدُّعَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَفِي نَجْدِنَا؟ فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ) : يَعْنِي أَوْ فِي الثَّانِيَةِ (" هُنَاكَ ") ، أَيْ: فِي نَاحِيَةِ نَجْدٍ وَهُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: نَحْوَ الْمَشْرِقِ (" الزَّلَازِلُ ") ، أَيِ: الْحِسِّيَّةُ أَوِ الْمَعْنَوِيَّةُ وَهِيَ تَزَلْزُلُ الْقُلُوبِ وَاضْطِرَابُ أَهْلِهَا (" وَالْفِتَنُ ") ، أَيِ: الْبَلِيَّاتُ وَالْمِحَنُ الْمُوجِبَةُ لِضَعْفِ الدِّينِ وَقِلَّةِ الدِّيَانَةِ، فَلَا يُنَاسِبُهُ دَعْوَةُ الْبَرَكَةِ لَهُ (" وَبِهَا ") ، أَيْ: بِتِلْكَ الْبُقْعَةِ وَنَوَاحِيهَا (" يَطْلُعُ ") : بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ: يَظْهَرُ (" قَرْنُ الشَّيْطَانِ ") . أَيْ: حِزْبُهُ وَأَهْلُ وَقْتِهِ وَزَمَانِهِ وَأَعْوَانُهُ. ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.

стр. 8737

الْفَصْلُ الثَّانِي ٦٢٧٢ - عَنْ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَظَرَ قِبَلَ الْيَمَنِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَقْبِلْ بِقُلُوبِهِمْ وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٦٢٧٢ - (عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) : هَذَا نَقْلُ الصَّحَابِيِّ عَنْ مِثْلِهِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ نَقْلِ الْأَقْرَانِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ نَقْلِ الْأَصَاغِرِ عَنِ الْأَكَابِرِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَظَرَ قِبَلَ الْيَمَنِ) ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: إِلَى جَانِبِهِ (فَقَالَ: " اللَّهُمَّ أَقْبِلْ ") : أَمْرٌ مِنَ الْإِقْبَالِ وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: (" بِقُلُوبِهِمْ ") ، لِلتَّعْدِيَةِ، وَالْمَعْنَى اجْعَلْ قُلُوبَهُمْ مُقْبِلَةً إِلَيْنَا، وَإِنَّمَا دَعَا بِذَلِكَ لِأَنَّ طَعَامَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانَ يَأْتِيهِمْ مِنَ الْيَمَنِ، وَلِذَا عَقَّبَهُ بِبَرَكَةِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ لِطَعَامٍ يُجْلَبُ لَهُمْ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: (" وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا ") . وَأَرَادَ بِهِمَا الطَّعَامَ الْمُكْتَالَ بِهِمَا، فَهُوَ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الظَّرْفِ وَإِرَادَةِ الْمَظْرُوفِ أَوِ الْمُضَافُ مُقَدَّرٌ، أَيْ: طَعَامِ صَاعِنَا وَمُدِّنَا، ثُمَّ الصَّاعُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ كُلُّ مُدٍّ رَطْلٌ وَثُلُثٌ، وَالرَّطْلُ وَيُكْسَرُ اثْنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: مِعْيَارُ الْمُدِّ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيِ الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ بِعَظِيمِ الْكَفَّيْنِ وَلَا بِصَغِيرِهِمَا، إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَكَانٍ يُوجَدُ فِيهِ صَاعُ النَّبِيِّ ﷺ اهـ. وَجَرَّبْتُ ذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ صَحِيحًا، تَمَّ كَلَامُهُ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَجْهُ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مَا زَالُوا فِي شِدَّةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَعَوَزٍ مِنَ الزَّادِ لَا تَقُومُ أَقْوَاتُهُمْ لِحَاجَتِهِمْ، فَلَمَّا دَعَا اللَّهَ بِأَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ بِقُلُوبِ أَهْلِ الْيَمَنِ إِلَى دَارِ الْهِجْرَةِ وَهُوَ الْجَمُّ الْغَفِيرُ دَعَا اللَّهَ بِالْبَرَكَةِ فِي طَعَامِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِيَتَّسِعَ عَلَى الْقَاطِنِ بِهَا وَالْقَادِمِ عَلَيْهَا، فَلَا يَسْأَمُ الْمُقِيمُ مِنَ الْقَادِمِ عَلَيْهِ، وَلَا تَشُقُّ الْإِقَامَةُ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ إِلَيْهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَفِي الْجَامِعِ: " «اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدَكَ وَخَلِيلَكَ دَعَاكَ لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْبَرَكَةِ، وَأَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ أَدْعُوكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنْ تُبَارِكَ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ مِثْلَ مَا بَارَكْتَ لِأَهْلِ مَكَّةَ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ.

стр. 8738

٦٢٧٣ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «طُوبَى لِلشَّامِ. قُلْنَا: لِأَيٍّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ٦٢٧٣ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " طُوبَى لِلشَّامِ ") ، أَيْ: حَالَةٌ طَيِّبَةٌ لَهَا وَلِأَهْلِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: طُوبَى مَصْدَرٌ مِنْ طَابَ كَبُشْرَى وَزُلْفَى، وَمَعْنَى طُوبَى لَكَ أَصَبْتَ خَيْرًا وَطَيِّبًا (قُلْنَا: لِأَيٍّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) ؟ بِتَنْوِينِ الْعِوَضِ فِي أَيٍّ أَيْ لِأَيِّ شَيْءٍ كَمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَيْ: لِأَيِّ سَبَبٍ قُلْتَ ذَلِكَ؟ وَقَدْ أُثْبِتَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ لَفْظُ شَيْءٍ، وَأَغْرَبَ مِيرَكُ حَيْثُ قَالَ: حُذِفَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ، وَأُجْرِيَ إِعْرَابُهُ عَلَى الْمُضَافِ اهـ. وَغَرَابَتُهُ لَا تَخْفَى (قَالَ: " لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَنِ ") : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ (" بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى بُقْعَةِ الشَّامِ وَأَهْلِهَا بِالْمُحَافَظَةِ عَنِ الْكُفْرِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ بِلَفْظِ: " طُوبَى لِلشَّامِ إِنَّ الرَّحْمَنَ لَبَاسِطٌ رَحْمَتَهُ عَلَيْهِ " أَيْ: عَلَى بَلَدِ الشَّامِ فَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ بِاعْتِبَارَيْنِ.

стр. 8739

٦٢٧٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ نَحْوِ حَضْرَمَوْتَ أَوْ مِنْ حَضْرَمَوْتَ تَحْشُرُ النَّاسَ. قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٦٢٧٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَتَخْرُجُ نَارٌ ") : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، وَهُوَ الظَّاهِرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْفِتْنَةُ (" مِنْ نَحْوِ «حَضْرَمَوْتَ» ") ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحَتَيْنِ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ، فَفِي الْقَامُوسِ: حَضْرَمَوْتُ وَبِضَمِّ الْمِيمِ بَلَدٌ وَقَبِيلَةٌ، وَيُقَالُ: هَذَا حَضْرَمَوْتُ، وَيُضَافُ فَيُقَالُ: حَضْرُمَوْتٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِنْ شِئْتَ لَا تُنَوِّنِ الثَّانِيَ (" أَوْ مِنْ حَضْرَمَوْتَ ") ، أَيْ: مِنْ جَانِبِهَا الْمُقْتَصِّ عَنْهَا (" تَحْشُرُ النَّاسَ ") :

стр. 8740

أَيْ: تَجْمَعُهُمُ النَّارُ وَتَسُوقُهُمْ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا) ؟ أَيْ: فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ (قَالَ: " عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ ") . أَيْ خُذُوا طَرِيقَهَا وَالْزَمُوا فَرِيقَهَا، فَإِنَّهَا سَالِمَةٌ مِنْ وُصُولِ النَّارِ الْحِسِّيَّةِ أَوِ الْحُكْمِيَّةِ إِلَيْهَا حِينَئِذٍ، لِحِفْظِ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ إِيَّاهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ النَّارُ رَأْيَ عَيْنٍ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا فِتْنَةٌ عَبَّرَ عَنْهَا بِالنَّارِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ يَعْنُونَ فِي التَّوَقِّي عَنْهَا. فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 8741

٦٢٧٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيَارُ النَّاسِ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٦٢٧٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّهَا ") ، أَيِ: الْقِصَّةُ (" سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ ") . قَالَ الشَّارِحُونَ: كَانَ مِنْ حَقِّ الثَّانِيَةِ أَنْ يُؤْتَى بِهَا مَعَ لَامِ الْعَهْدِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا الْهِجْرَةُ الْوَاجِبَةُ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهَا مُنَكَّرَةً لِتُسَاوِقَ الْأُولَى فِي الصِّيغَةِ مَعَ إِضْمَارٍ فِي الْكَلَامِ أَيْ: بَعْدَ هِجْرَةٍ حَقَّتْ وَوَجَبَتْ، وَإِنَّمَا حَسُنَ الْحَذْفُ اعْتِمَادًا عَلَى مَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ، وَالْمَعْنَى سَتَكُونُ هِجْرَةٌ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ هِجْرَةٍ كَانَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَذَلِكَ حِينَ تَكْثُرُ الْفِتَنُ، وَيَقِلُّ الْقَائِمُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي الْبِلَادِ، وَيَسْتَوْلِي الْكَفَرَةُ الطُّغَاةُ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَيَبْقَى الشَّامُ تَسُومُهَا الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيَّةُ مَنْصُورَةً عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يُقَاتِلُوا الدَّجَّالَ، فَالْمُهَاجِرُ إِلَيْهَا حِينَئِذٍ فَازَ بِدِينِهِ مُلْتَجِئٌ إِلَيْهَا لِإِصْلَاحِ آخِرَتِهِ، يَكْثُرُ سَوَادُ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ الْقَائِمِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ إِشَارَةٌ إِلَى الْعَصْرِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ التَّكْرِيرُ كَمَا فِي قَوْلِكَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ أَيْ: أُلَبِّكَ إِلْبَابًا بَعْدَ إِلْبَابٍ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (" فَخِيَارُ النَّاسِ ") : يُلَوِّحُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ تَفْصِيلٌ لِلْمُجْمَلِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: سَيَحْدُثُ لِلنَّاسِ مُفَارَقَةٌ مِنَ الْأَوْطَانِ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُفَارِقُ وَطَنَهُ إِلَى آخَرَ، وَيَهْجُرُهُ هِجْرَةً بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُهُمْ مَنْ يُهَاجِرُ أَوْ يَرْغَبُ (" إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ ") : ﵇ وَهُوَ الشَّامُ اهـ. وَقَوْلُهُ: إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: مَوْضِعِ هِجْرَتِهِ وَإِلَى مُخَفَّفَةُ الْيَاءِ الْمُنْقَلِبَةِ إِلَى الْأَلِفِ عَلَى أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ مُجَرَّدٌ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ تَقْدِيرُهُ فَخِيَارُ النَّاسِ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى مُهَاجَرَةٍ، لِأَنَّ الْمُهَاجِرَ حِينَئِذٍ فَازَ بِدِينِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إِلَيَّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى أَنَّهَا مُضَافَةٌ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِخِيَارٍ، وَحِينَئِذٍ (مُهَاجَرُ) مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الْمُضَافِ تَقْدِيرُهُ، فَخِيَارُ النَّاسِ مُهَاجِرٌ هَاجَرَ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَأُعْرِبَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ بِإِعْرَابِهِ، وَالْمُرَادُ بِمُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ الشَّامُ، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْعِرَاقِ مَضَى إِلَى الشَّامِ. (وَفِي رِوَايَةٍ: " فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ ") ، أَيْ: أَكْثَرُهُمْ لُزُومًا (" مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ ") ﵇ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيِ: الشَّامُ، فَمُهَاجَرَ بِالنَّصْبِ ظَرْفٌ أُلْزِمَ وَهُوَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَمِلَ فِي اسْمِ الظَّاهِرِ (" وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا ") ، أَيْ: أَهْلُ الْأَرْضِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ (" تَلْفِظُهُمْ ") : بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ: تَرْمِيهِمْ (" أَرَضُوهُمْ ") ، بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَالْمَعْنَى تَرْمِي شِرَارَ النَّاسِ أَرَاضِيهِمْ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى. قَالَ الشُّرَّاحُ: يَعْنِي يَنْتَقِلُ مِنَ الْأَرَاضِي الَّتِي يَسْتَوْلِي عَلَيْهَا الْكَفَرَةُ خِيَارُ أَهْلِهَا، وَيَبْقَى خِسَاسٌ تَخَلَّفُوا عَنِ الْمُهَاجِرِينَ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا، وَرَهْبَةً عَنِ الْقِتَالِ، وَحِرْصًا عَلَى مَا كَانَ لَهُمْ فِيهَا مِنْ ضِيَاعٍ وَمَوَاشٍ وَنَحْوِهِمَا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا فَهُمْ لِخِسَّةِ نُفُوسِهِمْ، وَضَعْفِ دِينِهِمْ كَالشَّيْءِ الْمُسْتَرْذَلِ الْمُسْتَقْذَرِ عِنْدَ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ، وَكَأَنَّ الْأَرْضَ تَسْتَنْكِفُ عَنْهُمْ فَتَقْذِفُهُمْ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَكْرَهُهُمْ فَيُبْعِدُهُمْ مِنْ مَظَانِّ رَحْمَتِهِ، وَمَحَلِّ كَرَامَتِهِ ; إِبْعَادَ مَنْ يَسْتَقْذِرُ الشَّيْءَ وَيَنْفِرُ عَنْهُ طَبْعُهُ، فَلِذَلِكَ مَنَعَهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ. وَثَبَّطَهُمْ قُعُودًا مَعَ أَعْدَاءِ الدِّينِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] فَقَوْلُهُ: (تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ) ، مِنَ التَّمْثِيلَاتِ

стр. 8742

الْمُرَكَّبَةِ الَّتِي لَا طَلَبَ لِمُفْرَدَاتِهِ مُمَثَّلًا وَمُمَثَّلًا بِهِ مِثْلَ شَابَتْ لَمَّةُ اللَّيْلِ وَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: تَقْذَرُهُمْ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ قَذِرْتُ الشَّيْءَ بِالْكَسْرِ أَيْ: كَرِهْتُهُ، وَنَفْسُ اللَّهِ بِسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ: ذَاتُهُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ مُضَافٌ وَمُضَافٌ إِلَيْهِ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ وَإِثْبَاتَ شَيْئَيْنِ، لَكِنَّهُ جَازَ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِبَارُ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّسَاعِ تَعَالَى اللَّهُ عَنِ الْإِثْنَوِيَّةِ وَمُشَابَهَتِهِ لِلْمُحْدَثَاتِ عُلُوًّا كَبِيرًا (تَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ) أَيْ: تُلَازِمُهُمُ النَّارُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَتَجْمَعُهُمْ مَعَ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ هُمْ بِاعْتِبَارِ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ، كَالْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ. (" تَبِيتُ ") ، أَيِ: النَّارُ (" مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا، وَتَقِيلُ ") : بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ: تَضْحَى وَتَظَلُّ النَّارُ (" مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا ") . أَيْ: أَضْحَوْا وَظَلُّوا، وَهُوَ مِنَ الْقَيْلُولَةِ وَهِيَ الِاسْتِرَاحَةُ بِالنَّهَارِ، فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِدَوَامِ الْمُلَازَمَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَا قَبْلَهَا أَوْ حَالٌ مِنْهُ، وَأَمَّا الْجُمَلُ السَّابِقَةُ فَكُلُّهَا مُسْتَأْنِفَةٌ أَجْوِبَةً لِلْأَسْئِلَةِ الْمُقَدَّرَةِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: النَّارُ هَاهُنَا الْفِتْنَةُ يَعْنِي تَحْشُرُهُمْ نَارُ الْفِتْنَةِ الَّتِي هِيَ نَتِيجَةُ أَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ، وَأَقْوَالِهِمْ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، لِكَوْنِهِمْ مُتَخَلِّقِينَ بِأَخْلَاقِهِمْ، فَيَظُنُّونَ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي بُلْدَانِهِمْ، فَيَخْتَارُونَ جَلَاءَ أَوْطَانِهِمْ وَيَتْرُكُونَهَا، وَالْفِتْنَةُ تَكُونُ لَازِمَةً لَهُمْ، وَلَا تَنْفَكُّ عَنْهُمْ حَيْثُ يَكُونُونَ وَيَنْزِلُونَ وَيَرْحَلُونَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 8743

٦٢٧٦ - وَعَنِ ابْنِ حَوَالَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَيَصِيرُ الْأَمْرُ أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً جُنْدٌ بِالشَّامِ وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ، فَقَالَ ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا خِيَرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيَرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ وَاسْقُوا مِنْ غُدَرِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٦٢٧٦ - (وَعَنِ ابْنِ حَوَالَةَ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سَيَصِيرُ الْأَمْرُ ") ، أَيْ: أَمْرُ الْإِسْلَامِ أَوْ أَمْرُ الْقِتَالِ (" أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا ") ، أَيْ: عَسَاكِرَ (" مُجَنَّدَةً ") ، بِتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ: مَجْمُوعَةً فِي كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، أَوْ مُخْتَلِفَةً فِي مُرَاعَاةِ الْأَحْكَامِ (" جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ ") ، أَيْ: عِرَاقُ الْعَرَبِ وَهُوَ الْبَصْرَةُ وَالْكُوفَةُ، أَوْ عِرَاقُ الْعَجَمِ وَهُوَ مَا وَرَاءَهَا دُونَ خُرَاسَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ. (فَقَالَ ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي) : بِكَسْرِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَمْرٌ مِنَ الْخِيَرَةِ بِمَعْنَى الِاخْتِيَارِ، أَيِ: اخْتَرْ لِي جُنْدًا أَلْزَمُهُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْوَقْتَ (فَقَالَ: " عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهَا ") أَيِ: الشَّامَ (خِيَرَةُ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ، وَقَدْ يُسَكَّنُ أَيْ: مُخْتَارَةُ (اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ) أَيْ: مِنْ بِلَادِهِ فَفِيهَا خَيْرُ عِبَادِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْخِيرُ بِسُكُونِ الْيَاءِ الِاسْمُ مِنْ خَارَ، وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهِيَ الِاسْمُ مِنْ قَوْلِكَ اخْتَارَ، وَمُحَمَّدٌ خِيَرَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ اهـ. وَالْمَعْنَى اخْتَارَهَا اللَّهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ لِلْإِقَامَةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ (" يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيَرَتَهُ ") : بِالنَّصْبِ عَلَى مَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ ثُمَّ مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ فِي قَوْلِهِ: (" مِنْ عِبَادِهِ ") قَالَ شَارِحٌ: يَجْتَبِي يَفْتَعِلُ مِنْ جَبَوْتُ الشَّيْءَ، وَجَبَيْتُهُ: جَمَعْتُهُ، فَالْمَعْنَى يَجْمَعُ اللَّهُ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ الْمُخْتَارِينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَجْتَبِي لَازِمًا أَيْ: يَجْتَمِعُ إِلَيْهَا الْمُخْتَارُونَ مِنْ عِبَادِهِ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: خِيَرَتُهُ مَرْفُوعٌ بِأَنَّهُ فَاعِلُ يَجْتَبِي إِنْ كَانَ مِنَ الِاجْتِبَاءِ اللَّازِمِ، وَهُوَ بِمَعْنَى الِاجْتِمَاعِ، أَوْ مَنْصُوبٌ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ إِنْ كَانَ مِنَ الِاجْتِبَاءِ الْمُتَعَدِّي، وَهُوَ بِمَعْنَى الِاصْطِفَاءِ وَالِاخْتِيَارِ اهـ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مِنَ الثَّانِي مُوَافَقَةً لِمَا وَرَدَ فِي التَّنْزِيلِ: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: ١٣] (" فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ ") ، أَيِ: امْتَنَعْتُمْ مِنَ الْقَصْدِ إِلَى الشَّامِ (" فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ، وَاسْقُوا ") : بِهَمْزِ الْوَصْلِ وَيَجُوزُ قَطْعُهُ أَيْ: أَنْفُسَكُمْ وَدَوَابَّكُمْ (" مِنْ غُدَرِكُمْ ") بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ مُهْمَلَةٍ أَيْ: حِيَاضِكُمْ (" فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ ") ، أَيْ: تَكَفَّلَ (" لِي ") ، أَيْ: لِأَجْلِي وَإِكْرَامًا لِي فِي أُمَّتِي، وَقِيلَ صَوَابُهُ تَكَفَّلَ لِي أَيْ ضَمِنَ الْقِيَامَ (بِالشَّامِ) ، أَيْ: بِأَمْرِ الشَّامِ وَحِفْظِ أَهْلِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَوْلُهُ:

стр. 8744

فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ هَذَا كَلَامٌ مُعْتَرِضٌ أَدْخَلَهُ بَيْنَ قَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَاسْقُوا مِنْ غُدَرِكُمْ، أَيِ: الْزَمُوا الشَّامَ وَاسْقُوا مِنْ غُدَرِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهَا رَخَّصَ لَهُمْ فِي النُّزُولِ بِأَرْضِ الْيَمَنِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَا بُدِئَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا أَضَافَ الْيَمَنَ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُ خَاطَبَ بِهِ الْعَرَبَ، وَالْيَمَنُ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَاسْقُوا مِنْ غُدَرِكُمْ لِيَسْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ غُدَرِهِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ، وَالْأَجْنَادُ الْمُجَنَّدَةُ بِالشَّامِ، لَا سِيَّمَا أَهْلُ الثُّغُورِ وَالنَّازِلُونَ فِي الْمُرُوجِ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَتَّخِذَ كُلُّ فِرْقَةٍ لِنَفْسِهَا غَدِيرًا تَسْتَنْقِعُ فِيهَا الْمَاءَ لِلشُّرْبِ وَالتَّطَهُّرِ وَسَقْيِ الدَّوَابِّ، فَوَصَّاهُمْ بِالسَّقْيِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِمْ وَتَرْكِ الْمُزَاحَمَةِ فِيمَا سِوَاهُ، وَالتَّغَلُّبِ لِئَلَّا يَكُونَ سَبَبًا لِلِاخْتِلَافِ وَتَهْيِيجِ الْفِتْنَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ قَوْلُهُ فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ وَارِدٌ عَلَى التَّأْنِيبِ وَالتَّغْيِيرِ، يَعْنِي أَنَّ الشَّامَ مُخْتَارَةُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَرْضِهِ، فَلَا يَخْتَارُهَا اللَّهُ لِخِيرَةِ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ أَيَّتُهَا الْعَرَبُ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاخْتَرْتُمْ بِلَادَكُمْ وَمَسْقَطَ رَأْسِكُمْ مِنَ الْبَوَادِي، فَالْزَمُوا يَمَنَكُمْ وَاسْقُوا مِنْ غُدَرِهَا ; لِأَنَّهُ أَوْفَقُ لَكُمْ مِنْ مِيَاهِ الْبَوَادِي. أَلَا تَرَى كَيْفَ جَمَعَ الضَّمِيرَيْنِ فِي الْقَرِينَتَيْنِ بَعْدَ إِفْرَادِهِ فِي قَوْلِهِ: عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّامَ أَوْلَى بِالِاخْتِيَارِ وَالْيَمَنَ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ، وَالْغُدَرُ جَمْعُ غَدِيرٍ وَهُوَ حُفْرَةٌ يُنْقَعُ فِيهَا الْمَاءُ، وَالْعَرَبُ أَكْثَرُ النَّاسِ اتِّخَاذًا لَهَا، وَلِذَلِكَ أُضِيفَتْ إِلَيْهِمْ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ فِي سَائِرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ، وَالصَّوَابُ قَدْ تَكَفَّلَ لِي وَهُوَ سَهْوٌ إِمَّا فِي أَصْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِنْ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ، فَنُقِلَ عَلَى مَا وُجِدَ. قَالَ الْقَاضِي: أَرَادَ بِالتَّوَكُّلِ التَّكَفُّلَ فَإِنَّ مَنْ تَوَكَّلَ فِي شَيْءٍ، فَقَدْ تَكَفَّلَ بِالْقِيَامِ بِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لِي حِفْظَهَا وَحَفِظَ أَهْلِهَا مِنْ بَأْسِ الْكَفَرَةِ وَاسْتِيلَائِهِمْ بِحَيْثُ يَتَخَطَّفُهُمْ وَيُدَمِّرُهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) . قَالَ الطِّيبِيُّ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَقَوْلُهُ: لِي لَيْسَ بِصِلَةِ تَوَكَّلَ وَصِلَتُهُ إِمَّا: عَلَى أَوِ: الْبَاءُ وَلَا يَجُوزُ الْأَوَّلُ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي أَيْ: تَوَكَّلَ بِالشَّامِ لِأَجْلِي، وَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: تَوَكَّلَ بِالْأَمْرِ إِذَا ضَمِنَ الْقِيَامَ بِهِ.

стр. 8745

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦٢٧٧ - عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: «ذُكِرَ أَهْلُ الشَّامِ عِنْدَ عَلِيٍّ وَقِيلَ: الْعَنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: لَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْأَبْدَالُ يَكُونُونَ بِالشَّامِ وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا يُسْقَى بِهِمُ الْغَيْثُ وَيُنْتَصَرُ بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَسَيُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ بِهِمُ الْعَذَابُ» . ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٦٢٧٧ - (عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا حَضْرَمِيٌّ تَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَجُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ وَعَنْهُ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو وَمُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ. (قَالَ: ذُكِرَ أَهْلُ الشَّامِ عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁) ، أَيْ: بِالسُّوءِ (وَقِيلَ: الْعَنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: لَا) ، أَيْ: لَا يَجُوزُ لَعْنُهُمْ، أَوْ لَا أَلْعَنُهُمْ (إِنِّي) : بِالْكَسْرِ عَلَى أَنَّهُ اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْأَبْدَالُ يَكُونُونَ بِالشَّامِ، وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا يُسْقَى بِهِمُ الْغَيْثُ» ") . أَيِ: الْمَطَرُ (أَوْ يُنْتَصَرُ بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ ") ، أَيْ: مِنَ الْكُفَّارِ (" وَيُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ بِهِمْ ") . أَيْ: بِبَرَكَتِهِمْ أَوْ بِسَبَبِ وُجُودِهِمْ فِيهَا (" الْعَذَابُ ") . أَيِ: الشَّدِيدُ كَمَا سَيَأْتِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ ثَلَاثَمِائَةِ نَفْسٍ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ آدَمَ، وَلَهُ أَرْبَعُونَ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ مُوسَى، وَلَهُ سَبْعَةٌ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَهُ خَمْسَةٌ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ جِبْرِيلَ، وَلَهُ ثَلَاثٌ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ مِيكَائِيلَ، وَلَهُ وَاحِدٌ قَلْبُهُ عَلَى قَلْبِ إِسْرَافِيلَ، كُلَّمَا مَاتَ الْوَاحِدُ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الثَّلَاثَةِ، وَكُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الْخَمْسَةِ، وَكُلَّمَا مَاتَ مِنَ الْخَمْسَةِ وَاحِدٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ السَّبْعَةِ، وَكُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنَ السَّبْعَةِ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الْأَرْبَعِينَ، وَكُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنَ الْأَرْبَعِينَ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الثَّلَاثِمِائَةِ، وَكُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثِمِائَةِ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ مِنَ الْعَامَّةِ بِهِمْ يُدْفَعُ الْبَلَاءُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: لَمْ يَذْكُرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَحَدًا عَلَى قَلْبِهِ إِذْ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ فِي عَالَمَيِ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ أَعَزَّ وَأَشْرَفَ وَأَلْطَفَ مِنْ قَلْبِهِ ﷺ فَلَا يُسَاوِيهِ وَلَا يُحَاذِيهِ قَلْبُ أَحَدٍ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، سَوَاءٌ كَانُوا أَبْدَالًا أَوْ أَقْطَابًا.

стр. 8746

قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ السَّيْمَتَانِيُّ فِي كِتَابِ الْعُرْوَةِ لَهُ: وَالْبَدَلُ مِنَ الْبُدَلَاءِ السَّبْعَةِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ ﵊ فَقَالَ: هُوَ مِنَ السَّبْعَةِ وَسَيِّدُهُمْ، وَكَانَ الْقُطْبُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ عَمَّ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ عِصَامًا، فَحَرِيٌّ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي لَأَجِدُ نَفْسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ، وَهُوَ مَظْهَرٌ خَاصٌّ لِلتَّجَلِّي الرَّحْمَانِيِّ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَظْهَرًا خَاصًّا لِلتَّجَلِّي الْإِلَهِيِّ الْمَخْصُوصِ بِاسْمِ الذَّاتِ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ بِالنَّقْلِ أَوِ الْكَشْفِ يَشْكُلُ بِأَنَّهُ كَيْفَ تَكُونُ الْقُطْبِيَّةُ لَهُ مَعَ وُجُودِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ بِالْإِجْمَاعِ؟ مَعَ أَنَّ عِصَامًا هَذَا لَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ لَا فِي الصَّحَابَةِ وَلَا فِي التَّابِعِينَ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «خَيْرُ التَّابِعِينَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ» " عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ الْيَافِعِيَّ ﵀ عَلَى مَا نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ عَنْهُ قَالَ: وَقَدْ سُتِرَتْ أَحْوَالُ الْقُطُوبِ هُوَ الْغَوْثُ عَنِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ غِيرَةً مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ.

стр. 8747

٦٢٧٨ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «سَتُفْتَحُ الشَّامُ فَإِذَا خُيِّرْتُمُ الْمُنَازِلَ فِيهَا فَعَلَيْكُمْ بِمَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ فَإِنَّهَا مَعْقِلُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمَلَاحِمِ وَفُسْطَاطُهَا مِنْهَا أَرْضٌ يُقَالُ لَهَا الْغُوطَةُ» . رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. ــ ٦٢٧٨ - (وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ) تَقَدَّمَ أَنَّ جَهَالَةَ الصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ وَمَرَاسِيلَهُمْ حُجَّةٌ اتِّفَاقًا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " سَتُفْتَحُ الشَّامُ ") أَيْ: بِلَادُهَا (" فَإِذَا خَيَّرْتُمُ الْمَنَازِلَ فِيهَا، فَعَلَيْكُمْ بِمَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ) بِكَسْرِ الدَّالِّ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَهُوَ الْآنَ مَشْهُورٌ بِالشَّامِ (فَإِنَّهَا) أَيْ: مَدِينَةُ دِمَشْقٍ (مَعْقِلُ الْمُسْلِمِينَ) : بِفَتْحِ مِيمٍ فَكَسْرِ قَافٍ أَيْ: مَلَاذُهُمْ (" مِنَ الْمَلَاحِمِ ") : بِفَتْحِ مِيمٍ وَكَسْرِ حَاءٍ جَمْعُ الْمَلْحَمَةِ وَهِيَ الْحَرْبُ وَالْقِتَالُ، وَالْمَعْنَى يَتَحَصَّنُ الْمُسْلِمُونَ وَيَلْتَجِؤُونَ إِلَيْهَا كَمَا يَلْتَجِئُ الْوَعْلُ إِلَى رَأْسِ الْجَبَلِ (" وَفُسْطَاطُهَا ") ، بِضَمِّ الْفَاءِ وَقَدْ يُكْسَرُ، وَهُوَ الْبَلْدَةُ الْجَامِعَةُ لِلنَّاسِ (" وَمِنْهَا ") ، أَيْ: مِنْ أَرَاضِي دِمَشْقَ (" أَرْضٌ يُقَالُ لَهَا ") . أَيْ: لِتِلْكَ الْأَرْضِ (" الْغُوطَةُ ") : بِضَمِّ الْغَيْنِ، وَهِيَ اسْمُ الْبَسَاتِينِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي عِنْدَ دِمَشْقَ، وَيُقَالُ لَهَا غُوطَةُ دِمَشْقَ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جِنَانُ الدُّنْيَا أَرْبَعٌ: غُوطَةٌ وَمَشْعَرُ نَهْرِ الْإِيلِ، وَشِعْبُ كَدَانَ، وَسَمَرْقَنْدُ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيُّ: رَأَيْتُ كُلَّهَا وَفَضْلُ الْغُوطَةِ عَلَى الثَّلَاثِ كَفَضْلِ الْأَرْبَعِ عَلَى غَيْرِهَا. (رَوَاهُمَا) ، أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ (أَحْمَدُ) . أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ.

стр. 8748

٦٢٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخِلَافَةُ بِالْمَدِينَةِ وَالْمُلْكُ بِالشَّامِ» . ــ ٦٢٧٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْخِلَافَةُ) أَيِ: الْحَقَّةُ (بِالْمَدِينَةِ) أَيْ: غَالِبًا لِكَوْنِ عَلِيٍّ فِي الْكُوفَةِ زَمَنَ خِلَافَتِهِ أَوِ الْخِلَافَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ بِالْمَدِينَةِ (وَالْمُلْكُ بِالشَّامِ) وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْحَسَنِ لَمْ يَصِرْ خَلِيفَةً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ سَفِينَةَ: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ» .

стр. 8749

٦٢٨٠ - وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَأَيْتُ عَمُودًا مِنْ نُورٍ خَرَجَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي سَاطِعًا حَتَّى اسْتَقَرَّ بِالشَّامِ» رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ. ــ ٦٢٨٠ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَأَيْتُ عَمُودًا ") : بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيِ: اسْطُوَانَةً (" مِنْ نُورٍ ") : وَلَعَلَّهُ أَمْرُ الْخِلَافَةِ الْمُشَبَّهُ بِالْعَمُودِ فِي أَنَّهُ عِمَادُ بِنَاءِ الْإِسْلَامِ وَإِحْكَامِ ثَبَاتِ الْأَحْكَامِ (" خَرَجَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي سَاطِعًا ") ، أَيْ: رَافِعًا لَامِعًا وَاصِلًا أَثَرُهُ فِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ (" حَتَّى اسْتَقَرَّ ") ، أَيْ: ثَبَتَ ذَلِكَ الْعَمُودُ وَاسْتَمَرَّ (" بِالشَّامِ رَوَاهُمَا ") . أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) : وَوَافَقَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.

стр. 8750

٦٢٨١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٦٢٨١ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ ") ، أَيْ: مَكَانَ الْفِئَةِ مِنْهُمْ (يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 8751

٦٢٨٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: «سَيَأْتِي مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ فَيَظْهَرُ عَلَى الْمَدَائِنِ كُلِّهَا إِلَّا دِمَشْقَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٦٢٨٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ) ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ قَالَ: سَيَأْتِي مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ، فَيَظْهَرُ) ، أَيْ: يَغْلِبُ (عَلَى الْمَدَائِنِ) ، أَيِ: الْبُلْدَانِ (كُلِّهَا) ، أَيْ: جَمِيعِهِا (إِلَّا دِمَشْقَ) ، أَيْ: إِلَّا مَدِينَةَ دِمَشْقَ الشَّامِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 8752

[بَابُ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦٢٨٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الْأُمَمِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ أَلَا فَأَنْتُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ أَلَا لَكُمُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَهَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنَّهُ فَضْلِي أُعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ بَابُ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَيِ: الطَّائِفَةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَ الْإِجَابَةِ وَالْمُتَابَعَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُمْ بِالْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ، فَفِي التَّنْقِيحِ الْمُبْتَدَعِ: لَيْسَ مِنَ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ الْمُطْلَقَةِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ طَرِيقَتُهُمْ كَطَرِيقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ﵃، دُونَ أَهْلِ الْبِدَعِ. قَالَ صَاحِبُ التَّلْوِيحِ: لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، فَهُوَ مِنْ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ دُونَ الْمُتَابَعَةِ كَالْكُفَّارِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٦٢٨٣ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّمَا أَجَلُكُمْ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَجَلُ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ لِلشَّيْءِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ [غافر: ٦٧] وَيُقَالُ لِلْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ لِحَيَاةِ الْإِنْسَانِ أَجَلٌ، فَيُقَالُ: دَنَا أَجَلُهُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ مِنْ دُنُوِّ الْمَوْتِ، وَأَصْلُهُ اسْتِيفَاءُ الْأَجَلِ أَيْ: مُدَّةُ الْحَيَاةِ، وَالْمَعْنَى مَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ، إِلَّا مِقْدَارُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مِنَ الزَّمَانِ اهـ. وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْأَجَلَ تَارَةً يُعَبِّرُ عَنْ جَمِيعِ الْوَقْتِ الْمَضْرُوبِ لِلْعُمُرِ، سَوَاءٌ يَكُونُ مُعَلَّقًا أَوْ مُبْرَمًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ قَضَيَ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] وَتَارَةً يُطْلَقُ عَلَى انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ وَآخِرِهَا، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] وَالْمُرَادُ بِالْأَجَلِ هُنَا هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، فَالْمَعْنَى. إِنَّمَا مُدَّةُ أَعْمَارِكِمُ الْقَلِيلَةِ. فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الْأُمَمِ، أَيْ: فِي جَنْبِ آجَالِ مَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ الْكَثِيرَةِ (" مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ ") أَيْ: مِثْلَ مَا بَيْنَهُمَا فِي جَنْبِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ، أَوْ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ، لَا مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ لِلْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ الْآتِي، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مُدَّتَكُمْ فِي الْعَمَلِ قَلِيلَةٌ وَأُجْرَتَكُمْ كَثِيرَةٌ عَلَى قِيَاسِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَثَلِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (" وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ") ، أَيْ: مَعَ الرَّبِّ (" كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا ") : بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ جَمْعُ عَامِلٍ أَيْ: طَلَبَ مِنْهُمُ الْعَمَلَ (" فَقَالَ ") ، أَيْ: عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ (" مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ ") : وَهُوَ مِنْ طُلُوعِ.

стр. 8753

الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا، فَالْمُرَادُ بِالنَّهَارِ الْعُرْفِيِّ لِأَنَّهُ عَرِفَ عَمَلَ الْعُمَّالِ (" عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ") ، أَيْ: نِصْفِ دَانِقٍ عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، وَقِيلَ: الْقِيرَاطُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الدِّينَارِ وَهُوَ نِصْفُ عَشَرَةٍ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَالْيَاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الرَّاءِ كَمَا أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ النُّونِ فِي الدِّينَارِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ جَمَعُهُمَا عَلَى دَنَانِيرَ وَقَرَارِيطَ، وَكَرَّرَ قِيرَاطَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْأَجْرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قِيرَاطٌ، لَا أَنَّ مَجْمُوعَ الطَّائِفَةِ قِيرَاطٌ (" فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ ") ، أَيْ: أَتْبَاعُ مُوسَى السَّابِقِ فِي الزَّمَانِ (" إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ ") ، أَيِ: الرَّجُلُ الْمُسْتَعْمِلُ لِلْعُمَّالِ (" مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى ") ، أَيْ: أَتْبَاعُ عِيسَى بَعْدَ الْيَهُودِ (" مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ: أَلَا ") : لِلتَّنْبِيهِ (" فَأَنْتُمُ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ ") : بِالْخِطَابِ وَيُلَائِمُهُ مَا فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْغَيْبَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إِيرَادِ الْمَوْصُولِ أَيْ: فَأَنْتُمْ مَثَلُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ، أَوْ فَأَنْتُمْ هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مَثَلًا (" مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ أَلَا ") : لِلتَّنْبِيهِ (" لَكُمُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ ") ، أَيْ: مِثْلَيْ مَا لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَكَأَنَّهُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] (فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ صَدَّقُوا بِنَبِيِّهِمْ وَالْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِيَةِ أَيْضًا (" فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ أَعْمَالًا وَأَقَلُّ عَطَاءً ") ، أَيْ: قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ثَوَابًا كَثِيرًا مَعَ قِلَّةِ أَعْمَالِهِمْ، وَأَعْطَيْتَنَا ثَوَابًا قَلِيلًا مَعَ كَثْرَةِ أَعْمَالِنَا، وَلَعَلَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ حَكَى عَنْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِصِيغَةِ الْمَاضِي لِتَحَقُّقِ ذَلِكَ، أَوْ صَدَرَ عَنْهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ لَمَّا اطَّلَعُوا عَلَى فَضَائِلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي كُتُبِهِمْ، أَوْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِمْ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ لِلْأَعْمَالِ لَيْسَ عَلَى قَدْرِ التَّعَبِ، وَلَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْقَارِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى مَوْلَاهُ لِخِدْمَتِهِ أُجْرَةً، بَلِ الْمَوْلَى يُعْطِيهِ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْعَبِيدِ عَلَى وَجْهِ الْمَزِيدِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ هَذَا تَخْيِيلٌ وَتَصْوِيرٌ لَا أَنْ ثَمَّةَ مُقَاوَلَةٌ وَمُكَالَمَةٌ حَقِيقَةً، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى حُصُولِهَا عِنْدَ إِخْرَاجِ الذَّرِّ فَيَكُونُ حَقِيقَةً اهـ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ عُلَمَاؤُنَا تَقْوِيَةً لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ أَوَّلَ الْعَصْرِ بِصَيْرُورَةِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ النَّصَارَى أَكْثَرَ عَمَلًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَإِنْ قِيلَ: مِنَ الزَّوَالِ إِلَى صَيْرُورَةِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلِهِ أَكْثَرُ مِنْهُ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، فَيَتَحَقَّقُ كَوْنُ النَّصَارَى أَكْثَرَ عَمَلًا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. أُجِيبَ: بِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْحُسَّابُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ تَفَاوُتٌ يَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ أَوْ لِأَكْثَرِهِمْ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاعْتِبَارَاتِ الْغَالِبِيَّةِ، فَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ أَكْثَرَ عَمَلًا أَكْثَرُ زَمَانًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْعَمَلِ أَكْثَرَ فِي الزَّمَانِ الْأَقَلِّ، فَأَقُولُ: هَذَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ مَعَارَضٌ بِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْعَمَلِ أَقَلَّ فِي الزَّمَانِ الْأَكْثَرِ، فَإِذَا تَعَارَضَ الِاحْتِمَالَانِ الْعَقْلِيَّانِ تَسَاقَطَا، وَالْعُرْفُ حَاكِمٌ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ أَنَّ الزَّمَانَ مِعْيَارٌ لِلْعَمَلِ، فَيَكُونُ الْعَمَلُ الْأَكْثَرُ فِي الزَّمَنِ الْأَزْيَدِ، وَكَذَا عَكْسُهُ مَعَ أَنَّ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ دَلَالَةً عَلَى اعْتِبَارِ هَذَا الْمِعْيَارِ. (" قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَهَلْ ظَلَمْتُكُمْ) ، أَيْ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ (" مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا ") ؟ مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مُطْلَقٌ (" قَالُوا ") ، أَيْ: أَهْلُ الْكِتَابِ (" لَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنَّهُ ") ، أَيِ: الشَّأْنُ (فَضْلِي) ، أَيْ: عَطَائِي الزَّائِدُ (أَعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ ") :

стр. 8754

أَوِ التَّقْدِيرُ، فَإِنَّ الْعَطَاءَ الْكَثِيرَ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالسِّيَاقِ فَضْلِي. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا ; لِأَنَّهُ تَعَالَى شَرَطَ مَعَهُمْ شَرْطًا، وَقَبِلُوا أَنْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَكَانَ فَضْلُهُ مَعَ النَّصَارَى عَلَى الْيَهُودِ شَرْطُهُ فِي زَمَانٍ أَقَلَّ مِنْ زَمَانِهِمْ، مَعَ أَنَّهُمَا فِي الْأُجْرَةِ مُتَسَاوِيَانِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَمُدَّةُ عَمَلِهِمْ أَقَلُّ مَعَ ضِعْفِ الْأُجْرَةِ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ اهـ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: إِنَّهُمَا فِي الْأُجْرَةِ مُتَسَاوِيَانِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْمُمَثَّلِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ مِنْ مُتَابَعَةِ الْكِتَابِيِّينَ وَالنَّبِيِّينَ دُونَ الْكُفَّارِ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَإِنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ شَيْءٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّصَارَى حَيْثُ آمَنُوا بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ مَعَ إِيمَانِهِمْ بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ لَهُمْ مِنَ الْمَثُوبَةِ الْحُسْنَى مَا لَيْسَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانَ إِيمَانُهُمْ بِكِتَابِهِمْ وَنَبِيِّهِمْ فَقَطْ، كَمَا حُقِّقَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ﴾ [القصص: ٥٤] فَعُلِمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ تَكْرَارَ الْأَجْرِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْكِتَابِيِّ إِذَا دَخَلَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، كَمَا هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ ظَاهِرِ آيَةِ ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ - أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ﴾ [القصص: ٢٨ - ٥٤] وَمِنْ حَدِيثِ ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِكِتَابِهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَيُوَضِّحُهُ مَا فِي تَفْسِيرِ الْبَغَوِيِّ بِسَنَدِهِ مَرْفُوعًا، قَالَ: مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا وَمَا عَمِلْنَاهُ بَاطِلٌ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا فَأَبَوْا وَتَرَكُوا وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا آخَرِينَ بَعْدَهُمْ، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا: مَا عَمِلْنَاهُ بَاطِلٌ، وَلَكَ الْأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَإِنَّمَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَأَبَوْا وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ، فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ. هَذَا يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي تَوْقِيتِ الْعَمَلِ مِنَ النَّهَارِ وَتَقْدِيرِ الْأُجْرَةِ، فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَطْعُ الْأُجْرَةَ لِكُلِّ فَرِيقٍ قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَتَوْقِيتُ الْعَمَلِ عَلَيْهِمْ زَمَانًا زَمَانًا، وَاسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُمْ وَإِيفَاؤُهُمُ الْأُجْرَةَ، وَفِيهِ قَطْعُ الْخُصُومَةِ وَزَوَالُ الْعَنَتِ عَنْهُمْ، وَإِبْرَاؤُهُمْ مِنَ الذَّنْبِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى الرَّاوِي مِنْهُ بِذِكْرِ مَآلِ الْعَاقِبَةِ فِيمَا أَصَابَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْفِرَقِ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ: أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِيْنَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَبْلَغَ الْأُجْرَةِ لِلْيَهُودِ لِعَمَلِ النَّهَارِ كُلِّهِ قِيرَاطَانِ، وَأُجْرَةَ النَّصَارَى لِلنِّصْفِ الْبَاقِي قِيرَاطَانِ، فَلَمَّا عَجَزُوا عَنِ الْعَمَلِ قَبْلَ تَمَامِهِ لَمْ يُصِيبُوا إِلَى قَدْرِ عَمَلِهِمْ، فَأُعْطُوا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمْ وَهُوَ قِيرَاطٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُ الْمُسْلِمِينَ قَدِ اسْتَوْفَوْا قَدْرَ أُجْرَةِ الْفَرِيقَيْنِ حَاسَدُوهُمْ، فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ أَجْرًا اهـ. وَبِالْجُمْلَةِ فَيَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ زَمَنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَقَلُّ مِنْ زَمَنِ النَّصَارَى، كَمَا أَنَّ زَمَنَ النَّصَارَى أَقَلُّ مِنْ زَمَنِ الْيَهُودِ، عَلَى أَنَّ دِينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُتَّصِلٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ لَا يَنْسَخُهُ نَاسِخٌ.

стр. 8755

٦٢٨٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٦٢٨٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ ") ، أَيْ: أَنَّهُ يَعْنِي الشَّأْنَ، وَقَدْ رَوَى صَاحِبُ الْمَشَارِقِ فِي أَنْوَاعٍ شَتَّى بِحَذْفِ إِنَّ، وَكَذَا هُوَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: (" مَنْ أَشَدُّ أُمَّتِي لِي حُبًّا ") ، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ فِي زَمَانِهِمْ (" نَاسٌ ") : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِهِ: (" يَكُونُونَ بَعْدِي ") ، أَيْ: يُوجَدُونَ بَعْدَ فَوْتِي (" يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي ") ، أَيْ: يَتَمَنَّى أَنْ رَآنِي (" مُفْدِيًا بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ ") . قَالَ الْمُظْهِرُ: الْبَاءُ فِي بِأَهْلِهِ بَاءُ التَّعْدِيَةِ كَمَا
следующие страницы →