Полный текст (8 767 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٥٥ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ﵁، قَالَ: إِنَّ «رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَشُدُّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا، ثُمَّ شَأْنُكَ بِأَعْلَاهَا» " رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٥٥ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) : هُوَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمَدَنِيٌّ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ (قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لِي مِنِ امْرَأَتِي) : وَكَذَا حُكْمُ الْجَارِيَةِ (وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَشُدُّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا ") : بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الشِّينِ وَالدَّالِ، خَبَرٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ، أَوْ أُرِيدُ بِهِ الْحَدَثُ مَجَازًا أَوْ بِتَقْدِيرِ أَنْ يُئَوَّلَ بِالْمَصْدَرِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى حَذْفِ إِنَّ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا جَوَابًا عَنْ قَوْلِهِ: مَا يَحِلُّ؟ قُلْتُ: يَسْتَقِيمُ مَعَ قَوْلِهِ: " ثُمَّ شَأْنُكَ بِأَعْلَاهَا ") : كَأَنَّهُ قِيلَ: يَحِلُّ لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ، وَشَأْنُكَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مُبَاحٌ أَوْ جَائِزٌ (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا) : وَالْإِرْسَالُ حَذْفُ التَّابِعِيِّ ذِكْرَ الصَّحَابِيِّ، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا مُطْلَقًا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ اعْتَضَدَ بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ الَّتِي بِمَعْنَاهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّقِي سَوْرَةَ الدَّمِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُبَاشِرُ بَعْدَ ذَلِكَ» . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثٌ.
стр. 912
٥٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كُنْتُ إِذَا حِضْتُ نَزَلَتُ عَنِ الْمِثَالِ عَلَى الْحَصِيرِ، فَلَمْ يَقْرُبْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ تَدْنُ مِنْهُ حَتَّى تَطْهُرَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٥٥٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ إِذَا حِضْتُ نَزَلْتُ عَنِ الْمِثَالِ) : أَيِ: الْفِرَاشِ (عَلَى الْحَصِيرِ، فَلَمْ يَقْرُبْ) " بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ (رَسُولُ اللَّهِ) : بِالرَّفْعِ ﷺ : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: مِنْهَا، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ أَيْ: مِنْ عَائِشَةَ عَلَى الِالْتِفَاتِ، وَيُمْكِنُ التَّقْدِيرُ: مِنْ أَوْ مِنَّا، وَيَتَعَيَّنُ الْأَخِيرُ عَلَى نُسْخَةِ النُّونِ فِي قَوْلِهِ: (وَلَمْ تَدْنُ) : أَيْ: عَائِشَةُ أَوْ وَاحِدَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ ﵊ (مِنْهُ حَتَّى تَطْهُرَ) : فَإِنَّهَا بِالتَّاءِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ الْمُصَحَّحَةِ مِنْ أَصْلِ الْمِشْكَاةِ. وَفِي هَامِشِ نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ كَذَا: فَلَمْ نَقْرَبْ، بِفَتْحِ النُّونِ وَالرَّاءِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالنَّصْبِ، وَلَمْ نَدْنُ، بِفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى وَضَمِّ الثَّانِيَةِ مِنْهُ، حَتَّى نَطْهُرَ بِالنُّونِ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ صَحَّ مَمْدُودًا إِلَى آخِرِهِ، وَلَيْسَ مَوْضُوعًا عَلَيْهِ لَفْظُ النُّسْخَةِ وَلَا رَمْزُهَا، وَكَتَبَ مِيرَكُ فِي حَاشِيَتِهِ: كَذَا فِي أَصْلِ أَبِي دَاوُدَ، هَذَا وَفِي الْقَامُوسِ: قَرُبَ مِنْهُ كَكَرُمَ، وَقَرِبَ كَسَمِعَ دَنَا، فَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنُّونِ وَضَمِّ الرَّاءِ خَطَأٌ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ، وَلَعَلَّهُ مَنْسُوخٌ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ الدُّنُوُّ وَالْقُرْبَانُ عَلَى الْغَشَيَانِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ يَدْنُو وَيَقْرُبُ مِنَ الْآخَرِ عِنْدَ الْغَشَيَانِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَزِلُ فَرْشَ زَوْجَتِهِ إِذَا حَاضَتْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ خَالَتَهُ مَيْمُونَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ يَنَامُ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ الْحَائِضِ، وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا بِقُرْبِ مَا يُجَاوِزُ الرُّكْبَتَيْنِ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ هَذَا كَانَ شَأْنُهُنَّ مَعَهُ ﷺ أَعْنِي: إِنَّهُنَّ يَعْتَزِلْنَهُ خَوْفًا مِنْ شَمِّهِ أَوْ رُؤْيَتِهِ لِبَعْضِ مَا يُنَفِّرُ مِمَّا بِهِنَّ حَتَّى يَدْعُوهُنَّ إِلَى مُعَاشَرَتِهِ فَغَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِقَوْلِهَا: " فَلَمْ يَقْرُبْ " عَلَى صِيغَةِ الْغَيْبَةِ، وَهُوَ أَصْلُ الْمِشْكَاةِ.
стр. 913
[بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(١٣)
بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ
الِاسْتِحَاضَةُ فِي الشَّرْعِ: خُرُوجُ الدَّمِ مِنْ رَحِمِ الْمَرْأَةِ خَارِجَ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَمُدَّتِهِ، وَحُكْمُهَا أَنْ لَا تَمْنَعَ صَلَاةً وَصَوْمًا وَوَطْئًا وَنَحْوَهَا خِلَافًا لِأَحْمَدَ فِي الْوَطْءِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٥٧ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) : بِضَمِّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصِيِّ بْنِ كِلَابٍ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : لِتَسْأَلَهُ عَنْ أَمْرِ دِينِهَا (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ) : بِسُكُونِ الْيَاءِ وَتَفْتَحُ (أُسْتَحَاضُ) : بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ وَفَتَحِ تَاءٍ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تَرِدُ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ ; يُقَالُ: اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ; إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا (فَلَا أَطْهُرُ) : أَيْ: مُدَّةً مَدِيدَةً (أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟) : بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ: أَفَأُتَرُكُهَا مَا دَامَتِ الِاسْتِحَاضَةُ مَعِي، وَلَوْ طَالَتِ الْمُدَّةُ؟ (فَقَالَ: لَا) : أَيْ: لَا تَدَعِيهَا (إِنَّمَا ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ خِطَابًا لَهَا، وَتُفْتَحُ عَلَى خِطَابِ الْعَامِّ أَيِ: الَّذِي تَشْتَكِينَهُ (عِرْقٌ) : أَيْ: دَمُ عِرْقٍ انْشَقَّ وَانْفَجَرَ مِنْهُ الدَّمُ، أَوْ إِنَّمَا سَبَبُهَا عِرْقٌ فَمُهُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ (وَلَيْسَ) : أَيْ: ذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي نَشَأَ مِنْ ذَلِكَ الْعِرْقِ (بِحَيْضٍ) : فَإِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ تُمَيِّزُهُ الْقُوَّةُ الْمُوَلِّدَةُ بِإِذْنِ خَالِقِهَا لِأَجْلِ الْجَنِينِ، وَتَدْفَعُهُ إِلَى الرَّحِمِ فِي مَجَارِيهِ، وَيَجْتَمِعُ فِيهِ. وَلِذَا سُمِّيَ حَيْضًا مِنْ قَوْلِهِمْ:
стр. 914
اسْتَحْوَضَ الْمَاءُ إِذَا اجْتَمَعَ، فَإِذَا كَثُرَ وَامْتَلَأَ وَلَمْ يَكُنْ جَنِينٌ أَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ انْصَبَّ مِنْهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ; لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ عِرْقٍ فِي أَقْصَى الرَّحِمِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ فِيهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ جَنِينٌ تَغَذَّى بِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ جَنِينٌ خَرَجَ فِي أَوْقَاتِ الصِّحَّةِ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ لَهُ مِنَ الْعَادَةِ غَالِبًا، وَهَذِهِ مِنْ عِرْقٍ فِي أَدْنَاهُ (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حِيضَتُكِ) : بِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلْحَيْضِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْفَتْحِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْحَالَةُ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا وَهِيَ تَعْرِفُهَا، فَيَكُونُ رَدًّا إِلَى الْعَادَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْحَالَةُ الَّتِي تَكُونُ لِلْحَيْضِ مِنْ قُوَّةِ الدَّمِ فِي اللَّوْنِ وَالْقَوَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُرْوَةَ الَّذِي يَتْلُوهُ، وَهِيَ لَمْ تَعْرِفْ أَيَّامَهَا، فَيَكُونُ رَدًّا إِلَى التَّمْيِيزِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ مَنَعَ اعْتِبَارَ التَّمْيِيزِ مُطْلَقًا، وَالْبَاقُونَ عَمِلُوا بِالتَّمْيِيزِ فِي حَقِّ الْمُبْتَدِأَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا تَعَارَضَتِ الْعَادَةُ وَالتَّمْيِيزُ، فَاعْتَبَرَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا التَّمْيِيزَ وَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى الْعَادَةِ، وَعَكَسَ ابْنُ خَيْرَانِ اهـ.
وَالْفِرْقَةُ الْأُولَى يَقُولُونَ: إِنَّ حَدِيثَ عُرْوَةَ وَهَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي تَمَسَّكْنَا بِهِ صَحِيحٌ، فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. أَيْ: إِذَا كَانَ أَيَّامُ حَيْضَتِكِ (فَدَعِي الصَّلَاةَ) : أَيْ: اتْرُكِيهَا (وَإِذَا أَدْبَرَتْ) : أَيْ: تَوَلَّتْ حَيْضَتُكِ وَجَاوَزَ دَمُكِ أَيَّامَ عَادَتِكِ (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) أَيْ: أَثَرَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَاغْتَسِلِي مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَعَلَّ الِاكْتِفَاءَ بِغَسْلِ الدَّمِ دُونَ غُسْلِ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ (ثُمَّ صَلِّي) : قَالَ الشَّافِعِيُّ: تَغْسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتَشُدُّهُ بِعِصَابَةٍ وَتَتَوَضَّأُ، أَوْ تَسْتَعْجِلُ فِي أَدَائِهَا وَهِيَ مَعْذُورَةٌ فِي جَرَيَانِ الدَّمِ فِيهَا، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ: لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 915
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥٨ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ «فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي جُبَيْشٍ ﵂، أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : " إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ، فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ ; فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ، فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنِّمَا هُوَ عِرْقٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٥٨ - (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) : أَيْ: ابْنِ الْعَوَّامِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : " إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ ": بِالرَّفْعِ فَكَانَ تَامَّةٌ (فَإِنَّهُ) : أَيِ: الْحَيْضُ أَوْ دَمُهُ (دَمٌ أَسْوَدُ) : وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ أَحْمَرَ وَغَيْرَهُ (يُعْرَفُ) : قِيلَ بِالْفَوْقَانِيَّةِ عَلَى الْخِطَابِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْمَجْهُولِ، إِذْ لَوْ أُرِيدَ الْخِطَابُ لَقِيلَ: تَعْرِفِينَ عَلَى خِطَابِ الْمُؤَنَّثِ، أَيْ: تَعْرِفُهُ النِّسَاءُ فَإِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ تَمْيِيزٍ بِأَنْ تَرَى فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ دَمًا أَسْوَدَ، وَفِي بَعْضِهَا دَمًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ، فَدَمُ الْأَسْوَدِ حَيْضٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى خَمْسَةِ عَشَرَ يَوْمًا، كَذَا حَرَّرَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِمْ، وَعِنْدَنَا عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا وَافَقَ التَّمْيِيزُ الْعَادَةَ (فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ: دَمُ الْحَيْضِ أَعَادَهُ لِطُولِ الْفَصْلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لَمَّا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلَ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ مُتَفَرِّعٌ عَلَى كَوْنِ الدَّمِ دَمَ الْحَيْضِ، وَلَا يَصْلُحُ) أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْجَوَابِ الْمَذْكُورِ، أَوِ الْمُقَدَّرِ كَمَا قَرَّرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَتُدَبِّرْ. (فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ) : مِنَ الْإِمْسَاكِ أَيْ: اتْرُكِيهَا (فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ) : أَيِ: الِاسْتِحَاضَةُ بِأَنْ كَانَ دَمًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ (فَتَوَضَّئِي) : أَيْ: بَعْدَ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ (وَصَلِّي) : وَفِي نُسْخَةِ الْعَفِيفِ: ثُمَّ صَلِّي، وَهُوَ يُنَافِي مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ وَنَحْوَهَا يَلْزَمُهَا الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ.
стр. 916
(فَإِنَّمَا هُوَ) : أَيْ: دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ (عِرْقٌ) : أَيْ: يَخْرُجُ مِنْ عِرْقٍ فِي فَمِ الرَّحِمِ، فَلَيْسَ فِيهِ قَذَارَةُ الْحَيْضِ فَلَمْ تُمْنَعِ الصَّلَاةُ مِنْهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدِهِ إِلَى عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا، اجْتَنِبِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، ثُمَّ صَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» " وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي سَنَدَيْهِمَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عُرْوَةَ الْمُزَنِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ مَاجَهْ، بِأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، ذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ عُرْوَةَ الْمُزَنِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي تَرْجَمَةِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْهَا. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ضَعَّفَ يَحْيَى هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيُّ: حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ لَمْ يَرَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ: «وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» اهـ. فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " سَنَدُهُ صَحِيحٌ " غَيْرُ صَحِيحٍ.
стр. 917
٥٥٩ - وَعَنْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: «إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ النَّبِيَّ ﷺ . فَقَالَ: لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ» ، رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ.
ــ
٥٥٩ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ) : بِضَمِّ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَتُسَكَّنُ أَيْ: تَصُبُّ، وَفِيهِ ضَمِيرُ الْمَرْأَةِ، وَنَصْبُ قَوْلِهِ: (الدَّمَ) : كَنَصْبِ الْوَجْهِ فِي الْحَسَنِ الْوَجْهَ تَشْبِيهًا بِالْمَفْعُولِ، أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَإِنْ كَانَ مَعْرِفَةً عَلَى تَقْدِيرِ زِيَادَةِ اللَّامِ، أَوْ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّ أَوْ بِتَقْدِيرِ - تُهْرِيقُ الدَّمَ - جَوَابًا لِمَا لَوْ قِيلَ: مِمَّا تُهْرِيقُ، فَيَكُونُ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، أَوْ بِأَنْ يَكُونَ تُهْرَاقُ فِي الْأَصْلِ تُهْرِيقُ عَلَى الْمَعْلُومِ أُبْدِلَتْ كَسْرَةِ الرَّاءِ فَتْحَةً، وَانْقَلَبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ فِي نَاصِيَةٍ نَاصَاةٌ. قَالَ أَبُو مُوسَى: هَكَذَا جَاءَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، وَلَمْ يَجِئْ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَيْ: صُيِّرَتْ ذَاتَ هِرَاقَةِ الدَّمِ، قِيلَ: وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ ضَمِيرِ تُهْرَاقُ أَيْ: يُصَبُّ دَمُهَا، وَاللَّامُ بَدَلٌ مِنَ الْإِضَافَةِ، وَالْمَعْنَى: صَارَتْ مُسْتَحَاضَةً (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ) : أَيْ فِي زَمَنِهِ ﷺ : وَكَانَتْ مُعْتَادَةً (فَاسْتَفْتَتْ لَهَا) : أَيْ: سَأَلَتْ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ (أُمُّ سَلَمَةَ) : مِنَ الْأَزْوَاجِ الطَّاهِرَاتِ (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " لِتَنْظُرْ ") : أَيْ: لِتَتَفَكَّرْ وَتَعْرِفْ (عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ) : نُصِبَ عَدَدَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ (الَّتِي كَانَتْ) صِفَةُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ (تَحِيضَهُنَّ) : مِنْ بَابِ إِجْرَاءِ الْمَفْعُولِ فِيهِ مَجْرَى الْمَفْعُولِ بِهِ أَيْ: تَحِيضُ فِيهِنَّ (مِنَ الشَّهْرِ) : بَيَانٌ لَهُنَّ، أَوْ لِلْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي (قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا) : أَيْ: قَبْلَ إِصَابَةِ الِاسْتِحَاضَةِ (فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ) : أَيْ: قَدْرَ عَادَةِ حَيْضِهَا (مِنَ الشَّهْرِ) : أَيْ: مِنْ شَهْرِ الِاسْتِحَاضَةِ (فَإِذَا خَلَّفَتْ) : بِالتَّشْدِيدِ (ذَلِكَ) : أَيْ: إِذَا جَاوَزَتْ قَدْرَ حَيْضِهَا، وَدَخَلَتْ فِي أَيَّامِ الِاسْتِحَاضَةِ (فَلْتَغْتَسِلْ) : أَيْ: غُسَلَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ، وَاللَّامُ بَعْدَ الْفَاءِ سَاكِنَةٌ مِنْ جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي لَامِ الْأَمْرِ بَعْدَ فَاءٍ كَمَا هُنَا الْإِسْكَانُ وَالْكَسْرُ، وَكَذَا الْفَتْحُ لَكِنَّهُ غَرِيبٌ (ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ) : بِكَسْرِ اللَّامِ (بِثَوْبٍ) : الِاسْتِثْفَارُ: أَنْ تَشُدَّ فَرْجَهَا وَدُبُرَهَا بِثَوْبٍ مَشْدُودٍ أَحَدُ طَرَفَيْهِ مِنْ خَلْفِ دُبُرِهَا فِي وَسَطِهَا وَالْآخَرُ مِنْ قُبُلِهَا أَيْضًا كَذَلِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَنْ تَشُدَّ الْمَرْأَةُ ثَوْبًا تَحْتَجِزُ بِهِ عَنْ مَوْضِعِ الدَّمِ لِيَمْنَعَ السَّيَلَانَ، وَمِنْهُ ثَفْرُ الدَّابَّةِ وَهُوَ مَا يُشَدُّ تَحْتَ ذَنَبِهَا، فَالْمَرْأَةُ إِذَا صَلَّتْ تُعَالِجُ نَفْسَهَا عَلَى قَدْرِ الْإِمْكَانِ، فَإِنْ جَاءَ الدَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ تَصِحُّ صَلَاتُهَا وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهَا، وَكَذَا حُكْمُ سَلَسِ الْبَوْلِ، وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ وَالطَّوَافُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَثْفِرَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إِذْ ظَاهِرُهُ الِاسْتِحْبَابُ احْتِيَاطًا (ثُمَّ لِتُصَلِّ) : بِالْوَجْهَيْنِ (رَوَاهُ مَالِكٌ) : وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، قَالَ مِيرَكُ: (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) لَفْظُهُ، (وَرَوَى النَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ) .
стр. 918
٥٦٠ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: جَدُّ عَدِيٍّ اسْمُهُ دِينَارٌ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: " تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتَصُومُ، وَتُصَلِّي» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ
ــ
٥٦٠ - (وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) : أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ الْكُوفِيِّ، ثِقَةٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ، إِمَامُ الْحُفَّاظِ فِي زَمَنِهِ (جَدُّ عَدِيٍّ اسْمُهُ دِينَارٌ) : وَقِيلَ: ثَابِتٌ جَدُّهُ لَا أَبُوهُ، وَهُوَ ابْنُ قَيْسِ بْنِ الْحَطِيمِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ) : أَيْ: فِي شَأْنِهَا (تَدَعُ الصَّلَاةَ) : أَيْ: تَتْرُكُهَا (أَيَّامَ أَقْرَائِهَا) : جَمْعُ قُرْءٍ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الْحَيْضُ لِلسِّبَاقِ وَاللَّحَاقِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْقُرْءَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَيْضِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا) : أَيْ: قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ (ثُمَّ) : أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِ زَمَنِ حَيْضِهَا بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ (تَغْتَسِلُ) : أَيْ: مِنَ الْحَيْضِ مَرَّةً (وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) : وَفِي رِوَايَةٍ: لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَعِنْدَ كُلِّ مُتَعَلِّقٌ بِتَتَوَضَّأُ لَا بِتَغْتَسِلُ (وَتَصُومُ) : أَيِ: الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ (وَتُصَلِّي) : أَيْ: كَذَلِكَ وَفِي تَقَدُّمِ الصَّوْمِ عَلَى الصَّلَاةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ أَهَمُّ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلِذَا يُقْضَى هُوَ لَا هِيَ أَيَّامَ الْحَيْضِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) : وَقَالَ: ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ وَلَمْ يُعْرَفْ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، لَكِنْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ ﵊، قَالَ لِبِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: " تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ " وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا الْغُسْلَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ: وَخَبَرُ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ فِي بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ لَمَّا اسْتُحِيضَتْ: " تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ " ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ: أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا ثَابِتًا، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ فَاغْتَسِلِي ثُمَّ صَلِّي، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَإِنَّمَا فَعَلَتْهُ تَطَوُّعًا، وَهُوَ وَاسِعٌ لَهَا اهـ.
وَيَنْبَغِي نَدْبُهُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
стр. 919
٥٦١ - «وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا؟ قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ. قَالَ " أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ " قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: " فَتَلَجَّمِي ". قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَاتَّخِذِي ثَوْبًا. قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ، أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أَجَزَأَ عَنْكِ مِنَ الْآخَرِ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا، فَأَنْتِ أَعْلَمُ " قَالَ لَهَا: " إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فِي عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ ; فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزُئِكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ ; مِيقَاتُ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِينَ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِينَ الْعَصْرَ، فَتَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي وَتَغْسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ فَافْعَلِي ; وَصُومِي إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَهَذَا أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ» . رَوَاهُ أَحْمَدَ وَأَبُو دَاوُدِ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٦١ - (وَعَنْ حَمْنَةَ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ وَهَاءٌ (بِنْتِ جَحْشٍ) : بِتَقَدُّمِ الْجِيمِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى الْحَاءِ السَّاكِنَةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ (قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حِيضَةً) : بِكَسْرِ الْحَاءِ لَا غَيْرُ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَمْ يَقُلْ حَيْضًا لِتَتَمَيَّزَ تِلْكَ الْحَالَةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا مِنْ سَائِرِ أَحْوَالِ الْمَحِيضِ فِي الشِّدَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَالِاسْتِمْرَارِ (كَثِيرَةً) : فِي الْكَمِّيَّةِ (شَدِيدَةً) : فِي الْكَيْفِيَّةِ، وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْحَيْضِ عَلَى دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَغْلِيبًا (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ) : الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَإِلَّا كَانَ حَقُّهُ فَأُخْبِرُهُ وَأَسْتَفْتِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَأُخْبِرُهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِبَيَانِ أَنَّ الِاسْتِفْتَاءَ عَنِ الشَّيْءِ هُوَ الْإِخْبَارُ بِهِ لِطَلَبِ بَيَانِ حُكْمِ اللَّهِ فِيهِ، وَهَذَا مِمَّا يَخْفَى، فَلِذَا احْتَاجَتْ لِذِكْرِ وَأُخْبِرُهُ بَعْدَ أَسْتَفْتِيهِ، فَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَائِبِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ: فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إِنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهَا، (فَوَجَدْتُهُ) : ﵊ (فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ) : مِنَ الْأَزْوَاجِ الطَّاهِرَاتِ (بِنْتِ جَحْشٍ) : يَعْنِي: أَنَّهَا أُخْتٌ نَسِيبَةٌ لَهَا (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً) : يَعْنِي: يَجْرِي دَمِي أَشَدُّ جَرْيًا مِنْ دَمِ الْحَيْضِ، وَالْكَثْرَةُ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتِ وَالدَّمِ (فَمَا تَأْمُرُنِي) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ (فِيهَا؟) : أَيْ: فِي الْحَيْضَةِ، يَعْنِي: فِي حَالِ وُجُودِهَا (قَدْ مَنَعَتْنِي) : اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِمَا أَلْجَأَهَا إِلَى السُّؤَالِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ جُمْلَةً حَالِيَّةً مِنَ الْمَجْرُورِ بِفِي (الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ) : أَيْ: عَلَى زَعْمِهَا (قَالَ: أَنْعَتُ) : أَيْ: أَصِفُ (لَكِ الْكُرْسُفَ) : أَيِ: الْقُطْنَ لِكَوْنِهِ مُذْهِبًا لِلدَّمِ، يَعْنِي لِتُعَالِجِي بِهِ لِقَطْرِ الدَّمِ قِيلَ فِي
стр. 920
قَوْلُهُ: أَنْعَتُ إِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ أَثَرِ الْقُطْنِ وَصَلَاحِيَّتِهِ لِذَلِكَ ; لِأَنَّ النَّعْتَ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي وَصْفِ الشَّيْءِ، بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ حُسْنٍ (فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ) : أَيْ: يَمْنَعُ خُرُوجَهُ إِلَى ظَاهِرِ الْفَرْجِ، أَوْ مَعْنَاهُ فَاسْتَعْمِلِيهِ لَعَلَّ دَمَكِ يَنْقَطِعُ (قَالَتْ) : هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ) : أَيْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَنْقَطِعَ بِالْكُرْسُفِ (قَالَ: فَتَلَجَّمِي) : أَيْ: شُدِّي اللِّجَامَ يَعْنِي خِرْقَةً عَلَى هَيْئَةِ اللِّجَامِ كَالِاسْتِثْفَارِ. (قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: " فَاتَّخِذِي ثَوْبًا ") : أَيْ: مُطْلَقًا (قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ) : أَيْ: مِنْ أَنْ يَمْنَعَهُ (إِنَّمَا أَثُجُّ) : بِضَمِّ الْمُثَلَّثَهَ (ثَجًّا) : مِنْ ثُجَّ الْمَاءُ وَالدَّمُ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، أَيْ: انْصَبَّ أَيْ: أَوْ أَصُبُّهُ، فَعَلَى الثَّانِي تَقْدِيرُهُ أَثُجُّ الدَّمَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِسْنَادُ الثَّجِّ إِلَى نَفْسِهَا لِلْمُبَالَغَةِ بِسَيْلِ دَمِي سَيَلَانًا فَاحِشًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤] أَيْ: كَثِيرًا مُنْهَمِرًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " سَآمُرُكِ) : السِّينُ لِلتَّأْكِيدِ (بِأَمْرَيْنِ) : أَيْ: حُكْمَيْنِ أَوْ صُنْعَيْنِ (أَيَّهُمَا) : بِالْفَتْحِ وَقِيلَ: بِالضَّمِّ (صَنَعْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ مِنَ الْآخَرِ) : يُقَالُ: أَجْزَأْتُ عَنْكَ أَغْنَيْتُ عَنْكَ، فَمِنْ بِمَعْنَى الْبَدَلِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] وَفِي قَوْلِهِ ﵊: " «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» ". فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّهَا بِمَعْنَى " عَنْ " وَعَدَلَ عَنْهَا لِثِقَلِ التَّوَالِي بَيْنَ عَنْكِ وَعَنْ غَيْرُ ظَاهِرٍ نَشَأَ عَنْ غَفْلَةٍ (وَإِنْ قَوِيتِ) : أَيْ: قَدَرْتِ (عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ) : أَيْ: بِحَالِكِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّخْيِيرِ (قَالَ لَهَا: " إِنَّمَا هَذِهِ ") : أَيِ: الثَّجَّةُ أَوِ الْعِلَّةُ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: إِنَّمَا هِيَ (رَكْضَةٌ) : أَيْ: دَفْعَةُ وَضَرْبَةُ، وَالرَّكْضَةُ ضَرْبُ الْأَرْضِ بِالرِّجْلِ فِي حَالِ الْعَدْوِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] (مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ: يُرِيدُ بِهِ الْإِضْرَارَ وَالْإِفْسَادَ، وَإِضَافَتُهَا إِلَى الشَّيْطَانِ ; لِأَنَّهُ وَجَدَ بِذَلِكَ طَرِيقًا إِلَى التَّلْبِيسِ عَلَيْهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا وَقْتَ طُهْرِهَا وَصَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا حَتَّى أَنْسَاهَا ذَلِكَ، فَكَأَنَّهَا رَكْضَةٌ نَالَتْهَا مِنْ رَكَضَاتِهِ، أَوِ الْحَالَةُ الَّتِي ابْتُلِيَتْ بِهَا مِنَ الْخَبْطِ وَالتَّحَيُّرِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ (فَتَحَيَّضِي: أَيْ: اقْعُدِي أَيَّامَ حَيْضَتِكِ عَنِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا، وَاجْعَلِي نَفْسَكِ حَائِضَةً سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ قِيلَ: أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي، وَقَدْ ذُكِرَ أَحَدُ الْعَدَدَيْنِ اعْتِبَارًا بِالْغَالِبِ مِنْ حَالِ نِسَاءِ قَوْمِهَا، وَقِيلَ: لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ كُلٍّ وَاحِدٍ مَنَ الْعَدَدَيْنِ ; لِأَنَّهُ الْعُرْفُ الظَّاهِرُ، وَالْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ النِّسَاءِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَوْ لِلتَّقْسِيمِ أَيْ: سِتَّةٌ إِنِ اعْتَادَتْهَا، أَوْ سَبْعَةٌ إِنِ اعْتَادَتْهَا إِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً لَا مُبْتَدِأَةً، أَوْ لَعَلَّهَا شَكَّتْ هَلْ عَادَتُهَا سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ لَهَا: سِتَّةً إِنْ لَمْ تَذْكُرِي عَادَتَكِ، أَوْ سَبْعَةً إِنْ ذَكَرْتِ أَنَّهَا عَادَتُكِ، أَوْ لَعَلَّ عَادَتَهَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِيهِمَا، فَقَالَ: سِتَّةً فِي شَهْرِ السِّتَّةِ، وَسَبْعَةً فِي شَهْرِ السَّبْعَةِ اهـ.
وَقِيلَ: لِلتَّنْوِيعِ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِهَا بِحَالِ مَنْ هِيَ مِثْلُهَا مِنَ النِّسَاءِ الْمُمَاثِلَةِ لَهَا فِي السِّنِّ، الْمُشَارِكَةِ لَهَا فِي الْمِزَاجِ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ أَوِ الْمَسْكَنِ، فَإِنْ كَانَ عَادَةُ مِثْلِهَا سِتًّا فَسِتًّا، وَإِنْ سَبْعًا فَسَبْعًا، وَلَعَلَّ هَذَا مِنَ الْمُبْتَدِأَةِ أَوِ الْمُتَحَيِّرَةِ، وَقِيلَ: وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَادَةً، وَنَسِيَتْ أَنَّ عَادَتَهَا كَانَتْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، فَأَمَرَهَا ﵊ أَنْ تَتَحَرَّى وَتَجْتَهِدَ وَتَبْنِيَ عَلَى مَا تَيَقَّنَتْ مِنْ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (فِي عِلْمِ اللَّهِ) : أَيْ: فِيمَا حَكَمَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِكِ، وَمَعْنَاهُ عَلَى قَوْلِ الشَّكِّ فِي عِلْمِهِ الَّذِي بَيَّنَهُ وَشَرَعَهُ لَنَا كَمَا يُقَالُ: فِي حُكْمِ اللَّهِ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَكِ: فِيمَا أَعْلَمَكِ اللَّهُ مِنْ عَادَاتِ النِّسَاءِ مِنَ السِّتِّ أَوِ السَّبْعِ، وَفِي قَوْلِ التَّخْيِيرِ فِيمَا عَلِمَ اللهُ مِنْ أَمْرِكِ مِنْ سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ. هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ الشُّرَّاحِ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ مِنْ أَئِمَّتِنَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ
стр. 921
لِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَدُّ سَنَةً وَسَنَتَيْنِ، وَقَدْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا، فَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ إِلَّا إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَاحْتِيجَ إِلَى نَصْبِ الْعَادَةِ إِمَّا بِأَنْ بَلَغَتْ مُسْتَحَاضَةً، وَإِمَّا بِأَنْ بَلَغَتْ بِرُؤْيَةِ عَشَرَةٍ مَثَلًا دَمًا وَسِتَّةٍ طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، أَوْ كَانَتْ صَاحِبَةَ عَادَةٍ فَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَنَسِيَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا، وَأَوَّلَهَا وَآخِرَهَا وَدَوْرَهَا. أَمَّا الْأُولَى فَيُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِعَشَرَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَبَاقِيهِ طُهْرٌ، فَشَهْرٌ عِشْرُونَ وَشَهْرٌ تِسْعَةَ عَشَرَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَقَالَ أَبُو عِصْمَةَ وَالْقَاضِي أَبُو حَازِمٍ: حَيْضُهَا مَا رَأَتْ، وَطَهَارَتُهَا مَا رَأَتْ، فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَأُمًّا الثَّالِثَةُ: فَيَجِبُ أَنْ تَتَحَرَّى وَتَمْضِيَ عَلَى أَكْبَرِ رَأْيِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْيٌ فَهِيَ الْمُخَيَّرَةُ لَا يُحْكَمُ لَهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ عَلَى التَّعْيِينِ، بَلْ تَأْخُذُ فِي الْأَحْوَطِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ، فَتَجْتَنِبُ مَا تَجْتَنِبُهُ الْحَائِضُ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالْمَسِّ وَقُرْبَانِ الزَّوْجِ، وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَتُصَلِّي بِهِ الْفَرْضَ وَالْوِتْرَ، وَتَقْرَأُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فَقَطْ، وَقِيلَ: الْفَاتِحَةُ وَالسُّورَةُ ; لِأَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ، وَإِنْ حَجَّتْ تَطُوفُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ ; لِأَنَّهُ رُكْنٌ، ثُمَّ تُعِيدُهُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَطُوفُ لِلصَّدْرِ ; لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، وَتَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ تَقْضِي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا حَاضَتْ مِنْ أَوَّلِهِ عَشَرَةً وَمِنْ آخِرِهِ خَمْسَةً أَوْ بِالْعَكْسِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي الْقَضَاءِ عَشَرَةً، فَسَلِمَ خَمْسَةَ عَشَرَ بِيَقِينٍ، وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّ طُهْرَهَا فِي حَقِّ الْعِدَّةِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرَيْنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (ثُمَّ اغْتَسِلِي) : أَيْ: بَعْدَ السِّتَّةِ أَوِ السَّبْعَةِ مِنَ الْحَيْضِ (حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ) : أَيْ: عَلِمْتِ (أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ) : بِأَنْ رَأَيْتِ الْبَيَاضَ (وَاسْتَنْقَأْتِ) : قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: الْاسْتِنْقَاءُ مُبَالَغَةٌ فِي تَنْقِيَةِ الْبَدَنِ قِيَاسٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَيْتِ، وَالْهَمْزَةُ فِيهِ خَطَأٌ اهـ. وَهُوَ فِي النُّسَخِ كُلِّهَا بِالْهَمْزِ مَضْبُوطٌ، فَيَكُونُ جَرَاءَةً عَظِيمَةً مِنْ صَاحِبِ الْمُغْرِبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُدُولِ الضَّابِطِينَ الْحَافِظِينَ مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى الشُّذُوذِ، إِذِ الْيَاءُ مِنَ الْأَحْرُفِ الْأَبْدَالِ، وَقَدْ جَاءَ: شِئْمَةٌ مَهْمُوزًا بَدَلًا مِنْ شِيمَةٍ شَاذًّا عَلَى مَا فِي الشَّافِيَةِ، هَذَا وَمِنَ الْغَرِيبِ الْعَجِيبِ أَنَّهُ لَوْ نَقَلَ الزَّوْزَنِيُّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ عَنِ الْبَدَوِيِّ الَّذِي يَبُولُ عَلَى عَقِبَيْهِ مِثْلَ هَذَا النَّقْلِ الْمُعْتَمَدِ الْمُسْتَنَدِ بِالسَّنَدِ يُخْطِئُونَ وَيُخَطِّئُونَ، وَاللَّهُ وَلِيُّ دِينِهِ، (فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً) : يَعْنِي: وَأَيَّامَهَا، إِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْحَيْضَةِ سَبْعَةً (أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا) : إِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْحَيْضَةِ سِتَّةً (وَصُومِي) : أَيْ: رَمَضَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ كَذَلِكَ (فَإِنَّ ذَلِكَ) : أَيْ: مَا قُدِّرَ لَكِ مِنَ الْأَيَّامِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ (يُجْزِئُكِ) : أَيْ: يَكْفِيكِ. يُقَالُ: أَجْزَأَنِي الشَّيْءُ أَيْ كَفَانِي، وَيُرْوَى بِالْبَاءِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (وَكَذَلِكَ) : أَيْ: مِثْلُ مَا ذَكَرْتُ لَكِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي أَنْتِ فِيهِ يَعْنِي السَّائِلَةَ (فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ) : أَيِ: اللَّوَاتِي مَثْلُكِ فِي نِسْيَانِ عَادَتِهِنَّ (وَكَمَا يَطْهُرْنَ) وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اجْعَلِي حَيْضَكِ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ عَادَةُ النِّسَاءِ مِنْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ، وَكَذَلِكَ طُهْرُكِ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ عَادَةُ النِّسَاءِ مِنْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ (مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ) : نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ يَعْنِي: إِنْ كَانَ وَقْتُ حَيْضِهِنَّ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، فَلْيَكُنْ حَيْضُكِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. اهـ.
وَأَنْتَ عَرِفْتَ مِمَّا ذَكَرْنَا لَكَ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنَ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ بِالنِّسَاءِ (وَإِنْ قَوِيتِ) : هَذَا هُوَ الْأَمْرُ الثَّانِي ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: هَذَا أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ، وَتَعْلِيقُهُ ﵊ هَذَا بِقُوَّتِهَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ السَّابِقَ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لِبَيَانِ أَنَّهَا إِذَا قَوِيَتْ عَلَيْهِمَا تَخْتَارُ مَا شَاءَتْ، وَهَذَا لِبَيَانِ أَنَّهَا إِذَا قَوِيَتْ عَلَيْهِمَا تَخْتَارُ الْأَحَبَّ إِلَيْهِ ﵊، وَقِيلَ: لَمَّا خَيَّرَهَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. بِمَعْنَى إِنْ قَوِيتِ عَلَى الْأَمْرَيْنِ. بِمَا تَعْلَمِينَ مِنْ حَالِكِ وَقُوَّتِكِ، فَاخْتَارِي أَيَّهُمَا شِئْتِ. وَوَصَفَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ، وَرَأَى عَجْزَهَا عَنِ الِاغْتِسَالِ لِكُلِّ صَلَاةٍ قَالَ لَهَا: دَعِي ذَلِكَ إِنْ لَمْ تَقْوِي عَلَيْهِ، وَإِنْ قَوِيتِ إِلَخْ. وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهَا إِنْ عَجَزَتْ عَنْهُ أَيْضًا نَزَلَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَيْسَرَ وَأَسْهَلَ عَلَى قَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ: لَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ قَدْ طَالَ عَلَيْهَا، وَقَدْ جَهَدَهَا الِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، رَخَّصَ لَهَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، كَالْمُسَافِرِ رُخِّصَ لَهُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ،
стр. 922
ذَهَبِ ابْنَ عَبَّاسٍ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. قِيلَ: مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَشْبَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمَذْهَبُ عَلِيٍّ أَقْرَبُ وَأَلْيَقُ بِالْفِقْهِ. هَذَا كَلَامُ الشُّرَّاحِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّخْيِيرُ، وَلِذَى قَالَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا: ذَهَبَ إِلَى كُلٍّ قَوْمٌ، وَهَذَا عِنْدَنَا مَنْسُوخٌ، أَوِ الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ فِي الصُّورَتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُعَالَجَةِ لِإِزَالَةِ قُوَّةِ الدَّمِ وَكَثْرَتِهِ، وَفَصَّلَ تَفْصِيلًا حَسَنًا فِي مُشْكِلَاتِ الْآثَارِ. (عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِينَ الظُّهْرَ) : أَيْ: إِلَى زَمَنٍ يَسَعُهَا، وَطَهَارَتَهَا ; إِذْ تَأْخِيرُهَا إِلَى أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ (وَتُعَجِّلِينَ الْعَصْرَ) : أَيْ: فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا (فَتَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِثْبَاتُ النُّونِ فِي أَنْ تُؤَخِّرِينَ وَتُعَجِّلِينَ وَغَيْرِهِمَا فِي مَوَاقِعِ (أَنْ) الْمَصْدَرِيَّةِ مَنْقُولٌ عَلَى مَا هُوَ مُثْبَتٌ فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ مَعَ تَعَسُّرِ تَوْجِيهِهَا، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنْ هَذِهِ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَضَمِيرُ الشَّأْنِ مُقَدَّرٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ لَكِنَّهَا لَا تَنْصِبُهُ حَمْلًا عَلَى مَا الْمَصْدَرِيَّةِ، وَمِنْهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مُجَاهِدٍ: " ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] " كَمَا أَنَّ مَا قَدْ تَنْصِبُ حَمْلًا عَلَى أَنْ وَمِنْهُ: كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ فِي رِوَايَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ. اهـ.
لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْمَعْنَى أَنَّ شَرْطَهَا أَنْ تَقَعَ بَعْدَ فِعْلِ الْيَقِينِ أَوْ مَا نَزَلَ مَنْزِلَتَهُ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: إِنْ قَوِيتِ عَلَى مَعْنَى إِنْ عَلِمْتِ مِنْ نَفْسِكِ، أَوْ ظَنَنْتِ مِنْهَا الْقُوَّةَ وَالْقُدْرَةَ عَلَى ذَلِكَ (بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) : أَيْ: بِغُسْلٍ وَاحِدٍ (الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) : بِالْجَرِّ بَدَلٌ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا وَنَصْبُهُمَا (وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ) : كَمَا سَبَقَ (ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَافْعَلِي. وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ فَافْعَلِي) : هَذَا تَأْكِيدٌ، وَالشَّرْطِيَّةُ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ (وَصُومِي) : أَيْ: فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الَّتِي تُصَلِّي فَرْضًا وَنَفْلًا (إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ) : بَدَلٌ مِنَ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ يَنْصُرُ قَوْلَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَهَذَا) : أَيْ: أَمْرُ الِاسْتِحَاضَةِ (أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ) : وَهُمَا السَّفَرُ وَالِاسْتِحَاضَةُ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى الْأَمْرِ الْأَخِيرِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا بِهَا، وَالْأَمْرُ الْأَوَّلُ هُوَ الِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَأَعْجَبُ مَعْنَاهُ أَحَبُّ وَأَسْهَلُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) .
стр. 923
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٦٢ - «عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ تُصَلِّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ. لِتَجْلِسَ فِي مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفَارَةً فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَوَضَّأُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٦٢ - (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ) : بِالْمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا) : أَيْ: شَهْرٍ (فَلَمْ تُصَلِّ) : أَىْ: ظَنًّا مِنْهَا أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ تَمْنَعُ الصَّلَاةَ كَالْحَيْضِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " سُبْحَانَ اللَّهِ ") : تَعَجُّبًا مِنْ تَرْكِهَا الصَّلَاةَ بِمُجَرَّدِ ظَنِّهَا الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُرَاجِعَهُ ﵊ فِي ذَلِكَ، أَوْ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَعْرُوفِينَ بِالْإِفْتَاءِ فِي زَمَنِهِ (إِنَّ هَذَا) أَيْ: تَرْكَ الصَّلَاةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، أَوْ أَمْرَ الِاسْتِحَاضَةِ (مِنَ الشَّيْطَانِ) : حَيْثُ سَوَّلَ لَهَا أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ كَالْحَيْضِ (لِتَجْلِسْ) : أَمْرٌ (فِي مِرْكَنٍ) : أَيْ: فِيهِ مَاءٌ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْكَافِ ظَرْفٌ كَبِيرٌ (فَإِنْ رَأَتْ صُفَارَةً) : بِضَمِّ الصَّادِ (فَوْقَ الْمَاءِ) : بِأَنْ زَالَتِ الشَّمْسُ وَقَرُبَتْ مِنَ الْعَصْرِ، فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَرَى فَوْقَ الْمَاءِ شُعَاعَ الشَّمْسِ شِبْهَ صُفَارَةٍ ; لِأَنَّ شُعَاعَهَا يَتَغَيَّرُ حِينَئِذٍ وَيَقِلُّ، فَيَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ وَلَا يَصِلُ إِلَى الصُّفْرَةِ الْكَامِلَةِ إِلَّا قُبَيْلَ الْغُرُوبِ، وَأَمَّا حَدِيثُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفِيهِ الْعَصْرُ مَا لَمْ تَصْفَرَّ، فَمَعْنَاهُ اصْفِرَارًا تَامًّا كَامِلًا (فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ) : بِالْجَزْمِ عَطْفٌ عَلَى الْمَجْزُومِ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا) جَاءَ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ (وَتَوَضَّأَ) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ (فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ) : أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الصَّلَوَاتِ أَوِ الْأَوْقَاتِ يَعْنِي: إِذَا احْتَاجَتْ إِلَى الْوُضُوءِ تَوَضَّأُ لِلْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ) ؟
стр. 924
٥٦٣ - رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ»
ــ
٥٦٣ - (رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : أَيْ: أَنَّهُ قَالَ (لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ) : أَيْ: لِكُلِّ صَلَاةٍ (أَمَرَهَا) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) : يَعْنِي: حُكْمًا. كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَأْخِيرِ صَلَاةٍ وَتَقْدِيمِ أُخْرَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَأَنَّهُ لَا يَرِدُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى مَذْهَبِنَا أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ فَرْضٍ وَلَا يَلْزَمُهَا غُسْلٌ.
стр. 925
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٦٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ ; مُكَفِّرَاتٌ لَمَّا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ــ
(٤) كِتَابُ الصَّلَاةِ
فِي عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ اشْتِقَاقَ الصَّلَاةِ مِنَ الصَّلْيِ، وَهُوَ دُخُولُ النَّارِ، وَالْخَشَبَةُ إِذَا تَعَوَّجَتْ عُرِضَتْ عَلَى النَّارِ فَتُقَوَّمُ، وَفِي الْعَبْدِ اعْوِجَاجٌ لِوُجُودِ نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَالْمُصَلِّي يُصِيبُهُ مِنْ وَهَجِ السَّطْوَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْعَظَمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ مَا يَزُولُ بِهِ اعْوِجَاجُهُ، فَهُوَ كَالْمَصْلِيِّ بِالنَّارِ، وَمَنِ اصْطَلَى بِنَارِ الصَّلَاةِ وَزَالَ بِهَا اعْوِجَاجُهُ لَا يُعْرَضُ بِالنَّارِ ثَانِيَةً إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْأَزْهَارِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٦٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ") : أَيْ: بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ (وَالْجُمُعَةُ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَتُسَكَّنُ أَيْ: صَلَاتُهَا (إِلَى الْجُمُعَةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِلَى مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَصْدَرِ، أَيْ: مُنْتَهِيَةٌ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَالْأَظْهَرُ مُنْضَمَّةٌ، وَعَلَى هَذَا قَوْلِهِ: (وَرَمَضَانُ) : أَيْ: صَوْمُهُ (إِلَى رَمَضَانَ) : وَقَوْلِهِ (مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ) : خَبَرٌ عَنِ الْكُلِّ، وَمَا بَيْنَهُنَّ مَعْمُولٌ لِاسْمِ الْفَاعِلِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَفِي الْمَصَابِيحِ: مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ بِالْإِضَافَةِ وَغَيْرِهَا، وَالتَّكْفِيرُ: التَّغْطِيَةُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَحْوُ، وَقَوْلُهُ: " إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ " عَلَى صِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ شَرْطٌ، جَزَاؤُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ، إِنَّمَا ذَهَبْنَا إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ إِلَى الصَّلَاةِ مُكَفِّرَةٌ مَا بَيْنَهُمَا دُونَ خَمْسِ صَلَوَاتٍ، لِمَا يَرِدُ مِنَ الْحَدِيثِ الْآتِي، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. يَعْنِي: إِذَا اجْتَنَبَ الْمُصَلِّي وَالصَّائِمُ عَنِ الْكَبَائِرِ حَتَّى لَوْ أَتَاهَا لَمْ يُغْفَرْ شَيْءٌ مِمَّا بَيْنَهُنَّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتَكُمْ﴾ [النساء: ٣١] قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَإِنْ قَالَ بِهِ التُّورِبِشْتِيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمَا فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ، بَلْ مَنْسُوبٌ إِلَى الْمُعْتَزِلَةِ كَمَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ، فَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ ; لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَأْبَاهُ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ مَا بَيْنَهُنَّ مِنَ الذُّنُوبِ كُلَّهَا مُغْفَرَةٌ إِلَّا الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا إِلَّا التَّوْبَةُ، أَوْ فَضْلُ اللَّهِ تَعَالَى، هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ اهـ.
وَمُنَازَعَةُ ابْنِ حَجَرٍ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِمَا قَدَّمْنَا. قَالَ الشَّيْخُ الْكِلَابَاذِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنَ الْكَبَائِرِ أَيْ فِي الْآيَةِ: الشِّرْكُ وَجَمَعَهُ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ، أَوْ يُقَالُ: جَمَعَهُ لِيُوَافِقَ الْخِطَابَ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ وَرَدَ عَلَى الْجَمْعِ ; لِقَوْلِهِ: إِنْ تَجْتَنِبُوا فَكَبِيرَةُ كُلِّ وَاحِدٍ إِذَا ضُمَّتْ إِلَى كَبِيرَةِ صَاحِبِهِ صَارَتْ كَبَائِرَ. اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إِلَى تَقْدِيرِ إِنْ شَاءَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونُ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْكَبَائِرَ عَلَى مَعْنَاهَا الْمُتَعَارَفِ، وَالْمَعْنَى: إِنْ تَجْتَنِبُوا عَنْهَا نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ بِالطَّاعَاتِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ مِيرَكُ: وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: إِنْ مَكَانَ إِذَا ; لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ الِاجْتِنَابُ عَنِ الْكَبَائِرِ. اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ إِذَا لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: " إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ " وَقْتَ اجْتِنَابِهَا وَخُرُوجِهَا عَمَّا بَيْنَهُنَّ؛ إِذِ الْمُرَادُ بِهَا أَنَّهَا لَا تُكَفَّرُ، قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ اجْتِنَابُهَا مُدَّةَ تِلْكَ السَّيِّئَةِ الْمَذْكُورَةِ مُطْلَقًا، لَكِنَّ ظَاهِرَ خَبَرِ مُسْلِمٍ مَا لَمْ يُؤْتَ كَبِيرَةً اشْتِرَاطُ أَنْ لَا يَأْتِيَ كَبِيرَةً مِنْ حِينِ فِعْلِ الْمُكَفِّرِ إِلَى مَوْتِهِ، ثُمَّ مَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ مِنْ أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا يُكَفِّرُهَا الصَّلَوَاتُ وَالصَّوْمُ، وَكَذَا الْحَجُّ، وَإِنَّمَا يُكَفِّرُهَا التَّوْبَةُ الصَّحِيحَةُ لَا غَيْرُهَا. نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ بَعْدَمَا حَكَى فِي تَمْهِيدِهِ عَنْ بَعْضِ حَاضِرِيهِ أَنَّ الْكَبَائِرَ يُكَفِّرُهَا غَيْرُ التَّوْبَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا جَهْلٌ، وَمُوَافَقَةٌ لِلْمُرْجِئَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ، وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِالتَّوْبَةِ مَعْنًى، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهَا فَرْضٌ، وَالْفُرُوضُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا بِالْقَصْدِ. اهـ.
стр. 926
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ فَقَطْ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا إِلَّا التَّوْبَةُ أَوْ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ فَهِيَ لَا تُكَفَّرُ بِعَمَلٍ، فَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ عَامٌّ، وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ يُحْمَلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا غَيْرُ. فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا وُجِدَ بَعْضُ الْمُكَفِّرَاتِ فَمَا يُكَفِّرُ غَيْرُهُ؟ قُلْتُ: أَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ صَالِحٌ لِلتَّكْفِيرِ، فَإِنْ وَجَدَ صَغِيرَةً أَوْ صَغَائِرَ كَفَّرَهَا، وَإِلَّا كُتِبَتْ بِهِ حَسَنَاتٌ وَرُفِعَتْ بِهِ لَهُ دَرَجَاتٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَإِنْ صَادَفَ كَبِيرَةً أَوْ كَبَائِرَ رَجَوْنَا أَنْ يُخَفِّفَ مِنْ كَبَائِرِهِ أَيْ: مِنْ عَذَابِهَا اهـ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَكْفِيرٌ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ رَفْعُ أَثَرِ الذَّنْبِ بِالْكُلِّيَّةِ لَا تَخْفِيفُ عَذَابِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا لَفْظُهُ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ رَمَضَانَ.
стр. 927
٥٦٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ: " فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٦٥ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَرَأَيْتُمْ ") : أَخْبِرُونِي (لَوْ) : ثَبَتَ (أَنَّ نَهْرًا) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتُسَكَّنُ أَيْ: جَارِيًا (بِبَابِ أَحَدِكُمْ) : أَيْ: مَثَلًا (يَغْتَسِلُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: ثُمَّ يَغْتَسِلُ أَيْ: أَحَدُكُمْ (فِيهِ) : أَيْ: فِي النَّهْرِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ لَفْظِ مِنْهُ (كُلَّ يَوْمٍ) : أَيْ: وَلَيْلَةٍ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ التَّشْبِيهُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ (خَمْسًا) : أَيْ: خَمْسَ مَرَّاتٍ (هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ: وَسَخِهِ، وَمِنْ زَائِدَةٌ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بَيَانِيَّةٌ، وَلَا يَبْعُدُ كَوْنُهَا تَبْعِيضِيَّةً (قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ) : وَلَمْ يَكْتَفُوا بِلَا لِلتَّأْكِيدِ (قَالَ: " فَذَلِكَ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ جَزَاءُ شَرْطٍ، أَيْ: إِذَا أَقْرَرْتُمْ بِذَلِكَ، وَصَحَّ عِنْدَكُمْ فَهُوَ اهـ. أَيِ: النَّهْرُ الْمَذْكُورُ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْغُسْلِ فِي النَّهْرِ خَمْسُ مَرَّاتٍ (مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) : وَتَطْهِيرُهُ مِثْلُ تَكْفِيرِهَا، وَعَكَسَ فِي التَّشْبِيهِ حَيْثُ إِنَّ الْأَصْلَ تَشْبِيهُ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ مُبَالَغَةً ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] (يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ) : أَيْ: بِالصَّلَوَاتِ فَالنِّسْبَةُ فِي مُكَفِّرَاتٍ مَجَازِيَّةٌ (الْخَطَايَا) : أَيِ: الصَّغَائِرُ، وَالْجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ، وَهُوَ أَنَّ الذُّنُوبَ كَالْوَسَخِ ; لِأَنَّهَا تُوَسِّخُ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ، وَالصَّلَاةُ تُزِيلُ تِلْكَ الْأَوْسَاخَ وَالْأَقْذَارَ الْحِسِّيَّةَ وَالْمَعْنَوِيَّةَ، كَمَا أَنَّ النَّهْرَ يُزِيلُ الْأَوْسَاخَ الْحِسِّيَّةَ، وَهَذَا مُقْتَبَسٌ مِنَ الْآيَةِ الْآتِيَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 928
٥٦٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِي هَذَا؟ قَالَ: " لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ» " وَفِي رِوَايَةٍ: " لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٦٦ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ) : حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ: (قُبْلَةً) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَبُو الْيَسَرِ بِفَتْحَتَيْنِ، رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَتَتْنِي امْرَأَةٌ تَبْتَاعُ تَمْرًا، أَيْ: تَشْتَرِيهِ، فَقُلْتُ: إِنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْرًا أَطْيَبُ مِنْهُ، فَدَخَلَتْ مَعِي فِي الْبَيْتِ فَأَهْوَيْتُ فَقَبَّلْتُهَا. اهـ.
قُلْتُ: هَذَا شَأْمَةُ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالْأَجْنَبِيِّ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَقَالَتْ: اتَّقِ اللَّهَ، فَنَدِمَ (فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ : عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤] الْآيَةَ: (فَأَخْبَرَهُ) أَيْ: بِالْوَاقِعَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَقَالَ ﵊: فَانْتَظِرْ أَمْرَ رَبِّي، فَصَلَّى الْعَصْرَ (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) . قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي " فَأَنْزَلَ " عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ: فَأَخْبَرَهُ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى الرَّجُلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْآتِي - " ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] ": قِيلَ: صَلَاةُ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ طَرَفٌ، وَصَلَاةُ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ طَرَفٌ، وَجَعَلَ الْمَغْرِبَ فِيهِ تَغْلِيبٌ أَوْ مِنْ مَجَازِ الْمُجَاوَرَةِ، وَكَذَا جَعَلَ الظَّاهِرَ طَرَفًا لَا يَخْلُو عَنْ مَجَازٍ " وَزُلَفًا ": أَيْ: سَاعَاتٍ " مِنَ اللَّيْلِ ": صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَقِيلَ: طَرَفَيِ النَّهَارِ الْغُدْوَةُ وَالْعَشِيُّ: فَالْفَجْرُ صَلَاةُ
стр. 929
الْغُدْوَةِ، وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ صَلَاةُ الْعَشِيِّ ; لِأَنَّ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ عِشَاءٌ " وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ " صَلَاةُ الْعِشَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ عَلَى الثَّانِي، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَبِهِ فَسَّرُهُ الْأَكْثَرُونَ، وَالزُّلْفَةُ: قِطْعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، كَذَا قَالُوا يَعْنِي: قَرِيبَةً مِنَ النَّهَارِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير: ١٣] " ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ﴾ [هود: ١١٤] " أَيْ: كَالصَّلَوَاتِ ; فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ " يُذْهِبْنَ ": أَيْ: يُكَفِّرْنَ " السَّيِّئَاتِ ": أَيِ: الصَّغَائِرَ، لِمَا وَرَدَ مِنَ الْقُبْلَةِ وَالْخَلْوَةِ، وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. (فَقَالَ الرَّجُلُ) : أَيِ: السَّائِلُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِي) : أَيْ: بِسُكُونِ الْيَاءِ وَتُفْتَحُ (هَذَا؟) قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا: مُبْتَدَأٌ، وَلِي: خَبَرُهُ، وَالْهَمْزَةُ حَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ لِإِرَادَةِ التَّخْصِيصِ أَيْ: مُخْتَصٌّ لِي هَذَا الْحُكْمُ، أَوْ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؟ (قَالَ: " لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ ") : تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ ; لِيَشْمَلَ الْمَوْجُودِينَ وَالْمَعْدُومِينَ، أَيْ: هَذَا لَهُمْ وَأَنْتَ مِنْهُمْ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَالْمُبْهَمُ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى (وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ: لِلشَّيْخَيْنِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا، كَمَا أَفَادَهُ تَأْخِيرُ الْمُصَنِّفِ، قَوْلُهُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إِلَى مَا بَعْدَهَا (لِمَنْ عَمِلَ بِهَا) : أَيْ: بِهَذِهِ الْآيَةِ، بِأَنْ فَعَلَ حَسَنَةً بَعْدَ سَيِّئَةٍ، وَهَذَا الْقَيْدُ مُرَادٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى ; لِأَنَّ إِسْنَادَ الْإِذْهَابِ لِلْحَسَنَاتِ يَقْتَضِي وُجُودَهَا (مِنْ أُمَّتِي) : وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ بِبَرَكَةِ الرَّحْمَنِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 930
٥٦٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ. وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ، قَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ. قَالَ: " فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ ـ أَوْ حَدَّكَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٦٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) : يُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقَضِيَّةِ وَاتِّحَادُهَا (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي) : بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا (أَصَبْتُ حَدًّا) : أَيْ: مُوجِبَةً، عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: فَعَلْتُ شَيْئًا يُوجِبُ الْحَدَّ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ (فَأَقِمْهُ) : أَيِ: الْحَدَّ، وَالْمُرَادُ بِهِ حُكْمُ اللَّهِ (عَلَيَّ. قَالَ) : أَيِ: الرَّاوِي، وَهُوَ أَنَسٌ (وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ أَيْ: لَمْ يَسْأَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ عَنْ مُوجِبِ الْحَدِّ مَا هُوَ؟ قَالَهُ الطِّيبِيُّ قِيلَ: لِأَنَّهُ ﵊ عَرَفَ ذَنْبَهُ وَغُفْرَانَهُ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) : أَيْ: إِقَامَتُهَا (فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْ: إِحْدَى الصَّلَوَاتِ أَوِ الْعَصْرَ (فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ) : أَيْ: أَدَّاهَا وَانْصَرَفَ عَنْهَا (قَامَ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ فِيَّ) : أَيْ: فِي حَقِّي (كِتَابَ اللَّهِ) : أَيْ: حُكْمَ اللَّهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْمَعْنَى: اعْمَلْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ فِي شَأْنِي مِنْ حَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِي تَغْيِيرِهِ بَيْنَ الْأُسْلُوبَيْنِ غَايَةُ الذَّكَاءِ وَالْبَلَاغَةِ مِنْهُ، فَلَمَّا عَلِمَ مِنْهُ ﵊ السُّكُوتَ عَنْهُ حِينَ قَالَ لَهُ: أَقِمْهُ، أَيْ: أَنَّ وَاجِبَهُ غَيْرُ الْحَدِّ، فَعَبَّرَ هُنَا بِمَا يَشْمَلُ الْحَدَّ وَغَيْرَهُ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ (قَالَ: " أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ " قَالَ: نَعَمْ) : هَذَا يُنَافِي مَا اشْتُهِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] لَوْ قَالُوا: نَعَمْ، لَكَفَرُوا (قَالَ: " فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أَوْ حَدَّكَ ") : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي قَالَهُ مِيرَكُ. أَيْ: سَبَبَ حَدِّكَ، قَالَهُ السَّيِّدُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَظَاهِرُهُ مُشْكِلٌ ; فَإِنَّ مُوجِبَ الْحَدِّ لَا يَكُونُ إِلَّا كَبِيرَةً، وَقَدْ صَرَّحَ ﷺ بِغُفْرَانِهِ بِوَاسِطَةِ صَلَاتِهِ مَعَهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ فِيهِ هُوَ الرَّجُلَ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، فَأَرَادَ بِالْحَدِّ الْعُقُوبَةَ الشَّامِلَةَ لِلتَّعْزِيرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ حَقِيقَتُهُ، وَأَنَّ سَبَبَ مَغْفِرَةِ إِثْمِ مُوجِبِهِ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْ لَوَائِحِ التَّوْبَةِ، وَحِكْمَةُ كَوْنِهِ ﵊ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ أَنَّهُ عَلِمَ لَهُ نَوْعَ عُذْرٍ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ حَتَّى لَا يُقِيمَهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَوْ أَعْلَمَهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ إِقَامَتُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ تَابَ ; لِأَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحُدُودَ إِلَّا حَدَّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ لِلْآيَةِ، وَكَذَا حَدُّ زِنَا الذِّمِّيِّ إِذَا أَسْلَمَ.
وَعَلَى كُلٍّ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الصَّلَاةَ كَفَّرَتْ كَبِيرَةً، بَلْ لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ لِلْإِجْمَاعِ السَّابِقِ.
стр. 931
قَالَ الْقَاضِي: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّغَائِرَ تُكَفَّرُ بِالْحَسَنَاتِ، وَكَذَا مَا خَفِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ ; لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَقَوْلِهِ ﵊: " «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» " وَأَمَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَتَحَقَّقَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَلَيْسَ يَسْقُطُ حَدُّهَا إِلَّا بِالتَّوْبَةِ، وَفِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِالتَّوْبَةِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ، وَخَطِيئَةُ هَذَا الرَّجُلِ فِي حُكْمِ الْمَخْفِيِّ ; لِأَنَّهُ مَا بَيَّنَهَا، فَلِذَلِكَ سَقَطَ حَدُّهَا بِالصَّلَاةِ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْأَزْهَارِ. وَأَنْتَ عَلِمْتَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِجْمَاعِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا سِيَّمَا وَقَدِ انْضَمَّ إِلَيْهَا مَا أَشْعَرَ بِإِنَابَتِهِ عَنْهَا وَنَدَامَتِهِ عَلَيْهَا يَعْنِي: مِنِ اعْتِرَافِهِ بِالذَّنْبِ وَطَلَبِ إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَوْ يَكُونُ غُفْرَانُ الْكَبِيرَةِ مِنْهُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ حُكْمًا مُخْتَصًّا بِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ " وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ ".
стр. 932
٥٦٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «سَأَلَتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: " الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا ": اللَّامُ فِيهِ مِثْلُهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أَيْ: مُسْتَقْبِلَاتٍ لِعِدَّتِهِنَّ، وَقَوْلِهِمْ: لَقِيتُهُ لِثَلَاثٍ، أَيْ: مُسْتَقْبِلًا بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ وَلَيْسَتْ كَاللَّامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وَ " وَقَدَّمْتُ لِحَيَاتِي " بِمَعْنَى الْوَقْتِ ; لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ الْوَقْتُ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِقْبَالِ وُقُوعُ الصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ قُبُلُ وَقْتِهَا بِضَمَّتَيْنِ أَيْ: أَوَّلُهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ اللَّامَ. بِمَعْنَى: " فِي " إِيمَاءً إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَدَاءٌ لَا قَضَاءٌ. وَفِي الْقَامُوسِ: إِنَّ اللَّامَ تَرِدُ لِثَلَاثِينَ مَعْنًى. مِنْهَا: مُوَافَقَةُ " فِي " فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الطِّيبِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ اللَّامَ فِي الْأَوَّلَيْنِ إِنَّمَا قُدِّرَتْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَاللِّقَاءَ قَبْلَ الْعِدَّةِ وَالثَّلَاثِ، فَوَجَبَ تَقْدِيرُ مُسْتَقْبِلًا، وَهَذَا الْمَعْنَى مُفْسِدٌ هَاهُنَا كَمَا لَا يَخْفَى، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى: " فِي " كَمَا قَرَّرْتُهُ فَتَأَمَّلْ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ أَدَاؤُهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. أَقُولُ: هَذَا وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مِنَ الْحَدِيثِ يُحْمَلُ عَلَى أَوَّلِ مَا أَوْقَاتُهُنَّ الْمُخْتَارُ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَيُوَافِقُهَا الْخَبَرُ الصَّحِيحُ: الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ، أَيْ: خَيْرُ عَمَلٍ وَضَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ، لِيَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِهِ. (قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟) : أَيْ: أَيُّهَا أَحَبُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ثُمَّ لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ لَا لِتَرَاخِي الزَّمَانِ أَيْ: ثُمَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَيُّهَا أَفْضَلُ؟ (قَالَ: " بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ") : أَيْ: أَوْ أَحَدِهِمَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وَلِذَا قِيلَ: مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَدَعَا لِلْوَالِدَيْنِ بِالْمَغْفِرَةِ عَقِيبَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَقَدْ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ، وَحَقَّ وَالِدَيْهِ. (قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ") : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: اخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَأَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ هَكَذَا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: «أَيُّ الْعَمَلِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» " وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " رَجُلٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّهُ ﵊ أَجَابَ لِكُلٍّ بِمَا يُوَافِقُ غَرَضَهُ، وَمَا يُرَغِّبُهُ فِيهِ، أَوْ أَجَابَ بِحَسَبِ مَا عُرِفَ مِنْ حَالِهِ، أَوْ بِمَا يَلِيقُ بِهِ وَأَصْلَحُ لَهُ، تَوْفِيقًا عَلَى مَا خَفِيَ عَلَيْهِ، وَلَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ: خَيْرُ الْأَشْيَاءِ كَذَا وَلَا يُرِيدُ تَفْضِيلَهُ فِي نَفْسِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَلَكِنْ يُرِيدُ أَنَّهُ خَيْرُهَا فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَلِأَحَدٍ دُونَ آخَرَ، كَمَا يُقَالُ فِي مَوْضِعٍ يُحْمَدُ فِيهِ السُّكُوتُ لَا شَيْءَ أَفْضَلُ مِنَ السُّكُوتِ، وَحَيْثُ يُحْمَدُ الْكَلَامُ لَا شَيْءَ أَفْضَلُ مِنَ الْكَلَامِ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. (قَالَ) : أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (حَدَّثَنِي) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (بِهِنَّ) : أَيْ: بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) : أَيِ: النَّبِيَّ ﷺ ، أَوِ السُّؤَالَ يَعْنِي: لَوْ سَأَلْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا (لَزَادَنِي) : فِي الْجَوَابِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا» " قَالَ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي خِلَافِيَّاتِهِ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا.
стр. 933
٥٦٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٥٦٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بَيْنَ الْعَبْدِ ") أَيِ: الْمُسْلِمِ (وَبَيْنَ الْكُفْرِ) : أَيْ: مُقَارَبَتِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيِ اتِّصَافُهُ بِهِ، غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يَكُونُ كَافِرًا، وَمِنَ الْغَرِيبِ أَنَّهُ تَبَجَّحَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ، وَقَالَ: لَوْ فَهِمَ الشُّرَّاحُ مَا قُلْتُهُ لَمَا أَوَّلُوا وَمَا تَمَحَّلُوا (تَرْكُ الصَّلَاةِ) : مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مُتَعَلِّقُ " بَيْنَ " مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تَرْكُهَا وَصْلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ يُقَالُ لِمَا يُوصِلُ الشَّيْءَ إِلَى الشَّيْءِ مِنْ شَخْصٍ أَوْ هَدِيَّةٍ هُوَ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تَرْكُ الصَّلَاةِ مُبْتَدَأٌ وَالظَّرْفُ الْمُقَدَّمُ خَبَرُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ هُوَ الْحَاجِزُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يُئَوَّلَ تَرْكُ الصَّلَاةِ بِالْحَدِّ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ تَرَكَهَا دَخَلَ الْحَدَّ، وَحَامَ حَوْلَ الْكُفْرِ، وَدَنَا مِنْهُ، أَوْ يُقَالُ: الْمَعْنَى أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَصْلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُوصِلُهُ إِلَيْهِ، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الْكَلَامُ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ، إِذْ ظَاهِرُهُ أَنْ يُقَالَ: بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، أَوْ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، فَوَضَعَ الْعَبْدَ مَوْضِعَ الْمُؤْمِنِ ; لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ أَنْ يَخْشَعَ لِمَوْلَاهُ وَيَشْكُرَ نِعَمَهُ، وَوَضَعَ الْكُفْرَ مَوْضِعَ الْكَافِرِ وَجَعَلَهُ نَفْسَ الْكُفْرِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ تَرْكُ أَدَاءِ الشُّكْرِ، فَعَلَى هَذَا الْكُفْرُ بِمَعْنَى الْكُفْرَانِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ الْفَرْضِ عَمْدًا. قَالَ عُمَرُ ﵁: لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَرْكُهَا كُفْرٌ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﵊ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى تَرْكِهَا جُحُودًا أَوْ عَلَى الزَّجْرِ وَالْوَعِيدِ، وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَمَكْحُولٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: تَارِكُ الصَّلَاةِ كَالْمُرْتَدِّ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ. وَقَالَ: صَاحِبُ الرَّأْيِ لَا يُقْتَلُ، بَلْ يُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ. اهـ.
قُلْتُ: وَنِعْمَ الرَّأْيُ رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ ; إِذِ الْأَقْوَالُ بَاقِيهَا ضَعِيفَةٌ، ثُمَّ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِلًّا لِتَرْكِهَا، أَوْ تَرْكُهَا يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ، فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ بَرِيدُ الْكُفْرِ، أَوْ يُخْشَى عَلَى تَارِكِهَا أَنْ يَمُوتَ كَافِرًا، أَوْ فِعْلُهُ شَابَهَ فِعْلَ الْكَافِرِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِلَفْظِ: «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» .
стр. 934
الْفَصْلَ الثَّانِي
٥٧٠ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى ; مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٧٠ - (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَمْسُ صَلَوَاتٍ ") : مُبْتَدَأٌ (" افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى ") : صِفَةُ الْمُبْتَدَأِ، وَقِيلَ: خَبَرُهُ (مَنْ أَحْسَنَ) : هَذِهِ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ (وُضُوءَهُنَّ) : بِمُرَاعَاةِ فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِإِحْسَانِهِ الْإِتْيَانَ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِإِحْسَانِهِ تَصْحِيحَهُ، فَإِنَّ الْإِحْسَانَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ (وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ) : أَيْ: وَقْتِهِنَّ، أَوْ فِي أَوْقَاتِهِنَّ الْمُخْتَارَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: قَبْلَ أَوْقَاتِهِنَّ وَأَوَّلَهَا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ، بَلِ الصَّوَابُ مَا أَفَادَتْهُ فِي الَّتِي اللَّامُ بِمَعْنَاهَا مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ الْأَدَاءُ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوَّلَهُ. اهـ.
стр. 935
وَلَا وَجْهَ لِلتَّخْطِئَةِ ; لِأَنَّ الطِّيبِيَّ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَهُوَ أَفْضَلُهُمَا فِي مَذْهَبِهِ، وَالشَّرْطِيَّةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ عَلَى الْفَرَائِضِ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَخُشُوعَهُنَّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ) : بِشَرْطِهِ وَسُنَنِهِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ (وَخُشُوعَهُنَّ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْخُشُوعُ حُضُورُ الْقَلْبِ وَطُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ. قَالَ السَّيِّدُ: عَطَفَهُ عَلَى الرُّكُوعِ إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّقْرِيرِ، وَقَالَ فِي الْكَشَّافِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] الرُّكُوعُ: الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: فَأَتَمَّ خُضُوعَهُنَّ بَعْدَ خُضُوعٍ أَيْ: خُضُوعًا مُضَافًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] كَرَّرَهَا لِشَدَّةِ الْخَطْبِ النَّازِلِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِالرُّكُوعِ الْأَرْكَانُ. أَيْ: أَتَمَّ أَرْكَانَهَا، وَخُصَّ بِالذِّكْرِ تَغْلِيبًا كَمَا سُمِّيَتِ الرَّكْعَةُ رَكْعَةً، وَقِيلَ: لِكَوْنِهِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِنَا إِذْ صَلَاةُ مَنْ قَبْلَنَا لَا رُكُوعَ فِيهَا، عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ ; وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَسَاهَلُونَ فِيهِ وَلِكَوْنِهِ كَالْمُقَدِّمَةِ وَالْوَسِيلَةِ لِغَيْرِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ وَاسِطَةً بَيْنَ الْأَرْكَانِ، فَفِيهِ تَنْبِيهُ نَبِيِّهِ عَلَى إِتْمَامِ مَا سِوَاهُ بِطَرِيقِ الْمُسَاوَاةِ، وَالْمُرَادُ بِخُشُوعِهِنَّ سُكُونُ الْجَوَارِحِ عَنِ الْعَبَثِ، وَالْقَلْبِ عَنْ أَنْ يَشْتَغِلَ بِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ صَلَاتِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُتَأَمِّلًا لِمَعَانِي قِرَاءَتِهِ وَأَذْكَارِهِ، وَلِلسَّبَبِ الَّذِي شُرِعَ كُلُّ رُكْنٍ لِأَجْلِهِ مِنَ الْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ تَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا، وَمِنَ الرُّكُوعِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَمِنَ السُّجُودِ وَهُوَ غَايَةُ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ وَالِانْكِسَارِ ; بِجَعْلِ أَشْرَفِ مَا فِيهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ عَلَى مَوْطِئِ الْأَقْدَامِ وَالنِّعَالِ (كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ) : أَيْ: وَعْدٌ، وَالْعَهْدُ: حِفْظُ الشَّيْءِ وَمُرَاعَاتُهُ حَالًا فَحَالًا، سَمَّى مَا كَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقَةِ الْمُجَازَاةِ لِعِبَادِهِ عَهْدًا عَلَى جِهَةِ مُقَابَلَةِ عَهْدِهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَلِأَنَّهُ وَعَدَ الْقَائِمِينَ بِحِفْظِ عَهْدِهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ، وَوَعْدُهُ حَقِيقٌ بِأَنْ لَا يُخْلِفَهُ، فَسُمِّيَ وَعْدُهُ عَهْدًا ; لِأَنَّهُ أَوْثَقُ مِنْ كُلِّ وَعْدٍ (أَنْ يَغْفِرَ لَهُ) : إِمَّا جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةُ الْمُبْتَدَأِ صِفَةُ عَهْدٍ، وَإِمَّا بَدَلٌ عَنْ عَهْدٍ، وَهُوَ الْعَقْدُ وَالْأَمَانُ وَالْمِيثَاقُ، وَالْمُرَادُ غُفْرَانُ الصَّغَائِرِ (وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ: أَيْ: مُطْلَقًا أَوْ تَرَكَ الْإِحْسَانَ (فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) : فَضْلًا (وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) : عَدْلًا، وَقَدَّمَ مَشِيئَةَ الْغُفْرَانِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَوَكَّلَ أَمْرَ التَّارِكِ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى تَجْوِيزًا لِعَفْوِهِ، وَمِنْ عَادَةِ الْكِرَامِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْوَعْدِ وَالْمُسَامَحَةُ فِي الْوَعِيدِ، وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عِقَابُ الْعَاصِي، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِثَابَةُ الْمُطِيعِ، إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ الْأَزْهَارِ، وَالْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِخَلْقِهِ شَيْءٌ، بَلْ لَهُ تَعْذِيبُ الْمُطِيعِ وَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَإِيلَامُهُمْ، وَإِثَابَةُ الْفَاسِقِ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى الْكَافِرَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وَأَمَّا تَحْقِيقُ خُلْفِ الْوَعِيدِ، فَفِي رِسَالَةِ الْقَوْلِ السَّدِيدِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) وَاللَّفْظُ لَهُ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ فَهُوَ صَالِحٌ، قَالَهُ مِيرَكُ. (وَرَوَى مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ (نَحْوَهُ) : أَيْ: بِمَعْنَاهُ.
стр. 936
٥٧١ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «صَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٧١ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَلُّوا خَمْسَكُمْ: أَضَافَ إِلَيْهِمْ لِيُقَابِلَ الْعَمَلَ بِالثَّوَابِ فِي قَوْلِهِ: جَنَّةَ رَبِّكُمْ، وَلِيَنْعَقِدَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالرَّبِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الْآيَةَ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: حِكْمَةُ إِضَافَةِ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ إِلَيْهِمْ إِعْلَامُهُمْ بِأَنَّ ذَوَاتَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ بِكَيْفِيَّاتِهَا الْمَخْصُوصَةِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِمُ الَّتِي امْتَازُوا بِهَا عَنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَحَثُّهُمْ عَلَى الْمُبَادَرَةِ لِلِامْتِثَالِ بِتَذْكِيرِهِمْ بِمَا خُوطِبُوا بِهِ، وَتَذْكِيرِهِمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةَ الْعَمَلِيَّةَ يُقَابِلُهَا إِضَافَةُ فَضِيلَةٍ هِيَ أَعْلَى مِنْهَا وَأَتَمُّ، وَهِيَ الْجَنَّةُ الْمُضَافَةُ إِلَى وَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ الْمُشْعِرِ بِمَزِيدِ تَرْبِيَتِهِمْ وَتَرْبِيَةِ نَعِيمِهِمْ، بِمَا فَارَقُوا بِهِ سَائِرَ الْأُمَمِ (وَصُومُوا شَهْرَكُمْ) : أَيِ: الْمُخْتَصَّ بِكُمْ وَهُوَ رَمَضَانُ، وَأَبْهَمَهُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ صَارَ مِنَ الظُّهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى حَدٍّ لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ وَالتَّرَدُّدَ (وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ) : الَّتِي هِيَ مِلْكٌ لَكُمْ، وَلَعَلَّ تَأْخِيرَ الزَّكَاةِ عَنِ الصَّوْمِ ; لِأَنَّهَا فُرِضَتْ بَعْدَهُ، وَأَمَّا اقْتِرَانُهُمَا فِي غَالِبِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ ; لِأَنَّ الْأُولَى مِنْهُمَا أُمُّ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَالْأُخْرَى أُمُّ
стр. 937
الطَّاعَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ: أَدُّوا زَكَاتَكُمْ ; إِيمَاءً إِلَى أَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ غَيْرُ مُطْلَقٍ، بَلْ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَمْوَالِ النَّامِيَةِ الْوَاصِلَةِ إِلَى نِصَابِهَا السَّائِمَةِ، مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ ; لِأَنَّهَا جُبِلَتْ عَلَى مَحَبَّتِهَا مَحَبَّةً مُفْرِطَةً، رُبَّمَا أَفْضَتْ بِكَثِيرِينَ إِلَى إِيثَارِ بَقَائِهَا عَلَى بَقَاءِ النَّفْسِ، وَلِذَا مَدَحَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: " ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] " عَلَى حَدِّ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ (وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرَكُمْ ") : أَيِ: الْخَلِيفَةَ وَالسُّلْطَانَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْأُمَرَاءِ، أَوِ الْمُرَادُ الْعُلَمَاءُ، أَوْ أَعَمُّ أَيْ: كُلُّ مَنْ تَوَلَّى أَمْرًا مِنْ أُمُورِكُمْ، سَوَاءٌ كَانَ السُّلْطَانَ وَلَوْ جَائِرًا وَمُتَعَلِّيًا وَغَيْرَهُ مِنْ أُمَرَائِهِ أَوْ سَائِرَ نُوَّابِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَلَمْ يَقُلْ: أَمِيرَكُمْ ; إِذْ هُوَ خَاصٌّ عُرْفًا بِبَعْضِ مَنْ ذُكِرَ؛ وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . (تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ) : جَوَابُ الْأَوَامِرِ السَّابِقَةِ أَيْ: مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ عَذَابٍ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ مَنْ فَعَلَ الْأَشْيَاءَ الْمَذْكُورَةَ فَهُوَ يَكُونُ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَالْمُرَادُ: تَنَالُوا مِنْ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ مَا يَلِيقُ بِأَعْمَالِكُمْ ; لِأَنَّ الْحَقَّ أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ بِفَضْلِ اللَّهِ وَالدَّرَجَاتِ عَلَى حَسَبِ الطَّاعَاتِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
стр. 938
٥٧٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَكَذَا رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " عَنْهُ.
ــ
٥٧٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) : أَيْ: مُحَمَّدٍ (عَنْ جَدِّهِ) : أَيْ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مُرُوا ") : أَمْرٌ مِنَ الْأَمْرِ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ لِلتَّخْفِيفِ، ثُمَّ اسْتُغْنِيَ عَنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ تَخْفِيفًا، ثُمَّ حُرِّكَتْ فَاؤُهُ ; لِتَعَذُّرِ النُّطْقِ بِالسَّاكِنِ (أَوْلَادَكُمْ) : يَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ (بِالصَّلَاةِ) وَرُبَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الشُّرُوطِ (وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ) : لِيَعْتَادُوا وَيَسْتَأْنِسُوا بِهَا، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا) : أَيْ: عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ (وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ) : لِأَنَّهُمْ بَلَغُوا، أَوْ قَارَبُوا الْبُلُوغَ (وَفَرِّقُوا) : أَمْرٌ مِنَ التَّفْرِيقِ (بَيْنَهُمْ) : أَيْ: بَيْنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَيَجُوزُ لِلرَّجُلَيْنِ أَوِ الْمَرْأَتَيْنِ أَنْ يَنَامَا فِي مَضْجَعٍ وَاحِدٍ ; بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ عَوْرَتُهُمَا مَسْتُورَةً بِحَيْثُ يَأْمَنَانِ الْتِمَاسَ الْمُحَرَّمِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِهَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ أَئِمَّتُنَا فَقَالُوا: يَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ فَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ تَمْكِينُ ابْنَيْنِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ فِي مَضْجَعٍ وَاحِدٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: فَلَا يَجُوزُ إِلَخْ، مِنْ كَلَامِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّتِهِ فَتَأَمَّلْ. (فِي الْمَضَاجِعِ) : أَيِ: الْمَرَاقِدِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ بُلُوغَ الْعَشْرِ مَظَنَّةُ الشَّهْوَةِ، وَإِنْ كُنَّ أَخَوَاتٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ فِي الطُّفُولِيَّةِ تَأْدِيبًا وَمُحَافَظَةً لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَصْلُ الْعِبَادَاتِ، وَتَعْلِيمًا لَهُمُ الْمُعَاشَرَةَ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَأَنْ لَا يَقِفُوا مَوَاقِفَ التُّهَمِ فَيَجْتَنِبُوا مَحَارِمَ اللَّهِ تَعَالَى كُلَّهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَكَذَا رَوَاهُ فِي: شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْهُ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ، وَرَاوَيَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ: عَبْدِ الْمَلَكِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِدُونِ قَوْلِهِ: وَفَرِّقُوا إِلَخْ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
стр. 939
٥٧٣ - وَفِي الْمَصَابِيحِ عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ.
ــ
٥٧٣ - (وَفِي الْمَصَابِيحِ، عَنْ سَبْرَةَ) : بِسُكُونِ الْبَاءِ (ابْنِ مَعْبَدٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَقُولُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ أَيْضًا، لَكِنْ بِلَفْظِ: «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا» ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ التَّفْرِيقُ.
стр. 940
٥٧٤ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٥٧٤ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " الْعَهْدُ ") : أَيْ: وَالْمِيثَاقُ الْمُؤَكَّدُ بِالْإِيمَانِ (الَّذِي بَيْنَنَا) : أَيْ: مَعْشَرِ الْمُسْلِمِينَ (وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ) : قَالَ الْقَاضِي: الضَّمِيرُ الْغَائِبُ لِلْمُنَافِقِينَ شَبَّهَ الْمُوجِبَ لِإِبْقَائِهِمْ وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ بِالْعَهْدِ الْمُقْتَضِي لِإِبْقَاءِ الْمُعَاهَدِ وَالْكَفِّ عَنْهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعُمْدَةَ فِي إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ تَشَبُّهُهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ فِي حُضُورِ صَلَاتِهِمْ وَلُزُومِ جَمَاعَتِهِمْ، وَانْقِيَادُهُمْ لِلْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ، فَإِذَا تَرَكُوا ذَلِكَ كَانُوا هُمْ وَالْكُفَّارُ سَوَاءً. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ ﵊ لَمَّا اسْتُؤْذِنَ فِي قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ: " أَلَا إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ (فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ) : أَيْ: أَظْهَرَ الْكُفْرَ، وَعَمِلَ عَمَلَ أَهْلِ الْكُفْرِ، فَإِنَّ الْمُنَافِقَ نِفَاقًا
стр. 941
اعْتِقَادِيًّا كَافِرٌ، فَلَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ كَفَرَ، قِيلَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الْغَائِبِينَ عَامًّا فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، سَوَاءٌ كَانَ مُنَافِقًا أَوْ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ مِنْ هَذَا الْبَابِ حَيْثُ قَالَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ: «لَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» ، فَالْمُرَادُ بِالْمُتَكَلِّمِ فِي بَيْنَنَا هُوَ الْمُعَظِّمُ نَفْسَهُ، وَالْكُفْرُ مُئَوَّلٌ بِمَا سَبَقَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ مِيرَكُ: وَأَبُو دَاوُدَ (وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ مِيرَكُ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً.
стр. 942
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٧٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا، فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ. فَقَالَ عُمَرَ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ. قَالَ: وَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ شَيْئًا. فَقَامَ الرَّجُلُ، فَانْطَلَقَ فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا فَدَعَاهُ، وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ: " ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يَذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [الفاتحة: ١١٤ - ٣٠٥٢٤] ". فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ : " فَقَالَ: بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٧٥ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً) : أَيْ: دَاعَبْتُهَا وَزَاوَلْتُ مِنْهَا مَا يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ غَيْرَ أَنِّي مَا جَامَعْتُهَا. قَالَهُ الطِّيبِيُّ (فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ) : أَيْ: أَسْفَلَهَا وَأَبْعَدَهَا عَنِ الْمَسْجِدِ ; لِأَظْفَرَ مِنْهَا بِجِمَاعِهَا (إِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا) : مَا مَوْصُولَةٌ، أَيِ: الَّذِي تَجَاوَزَ الْمَسَّ أَيِ: الْجِمَاعَ (فَأَنَا هَذَا، فَاقْضِ) : الْفَاءُ سَبَبِيَّةٌ أَيْ: أَنَا حَاضِرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ وَمُنْقَادٌ لِحُكْمِكَ فَاقْضِ بِسَبَبِ ذَلِكَ (فِيَّ) : أَيْ: فِي حَقِّي (مَا شِئْتَ) : أَيْ: أَرَدْتَهُ بِمَا يَجِبُ عَلَىَّ كِنَايَةٌ عَنْ غَايَةِ التَّسْلِيمِ وَالِانْقِيَادِ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (فَقَالَ لَهُ عُمَرَ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ) : أَيْ: لَكَانَ حَسَنًا، لَوْ لِلتَّمَنِّي، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ " لَوْ " تَحْضِيضِيَّةٌ أَيْ: هَلَّا سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي اللُّغَةِ (قَالَ) : أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (وَلَمْ يَرُدَّ) : بِفَتْحِ الدَّالِّ الْمُشَدَّدَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَكَسْرُهَا (النَّبِيُّ ﷺ : أَيْ: عَلَى الرَّجُلِ أَوْ عَلَى عُمَرَ (شَيْئًا) : مِنَ الْكَلَامِ انْتِظَارًا لِقَضَاءِ اللَّهِ فِيهِ، رَجَاءً أَنْ يُخَفِّفَ مِنْ عُقُوبَتِهِ (فَقَامَ الرَّجُلُ، فَانْطَلَقَ) : أَيْ: فَذَهَبَ ظَنًّا مِنْهُ لِسُكُوتِهِ ﵊ أَنَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهِ شَيْئًا، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُبَلِّغَهُ، فَإِنْ كَانَ عَفْوًا شَكَرَ وَإِلَّا عَادَ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ، هَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِحَالِهِ، وَإِلَّا فَانْطِلَاقُهُ قَبْلَ صَرِيحِ الْإِذْنِ مِنْهُ خِلَافُ الْأَدَبِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ هَرَبٌ فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ ; لِأَنَّهُ بِنَفْسِهِ اعْتَرَفَ، فَكَيْفَ يَهْرُبُ مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ يُقْبَلُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَنْدَرِئُ بِهِ الْحُدُودُ، (فَأَتْبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَيْ: أَرْسَلَ عَقِبَهُ (رَجُلًا) : لِيَدْعُوهُ (فَدَعَاهُ) : أَيِ الرَّجُلُ الرَّجُلَ (وَتَلَا) : ﵊ (عَلَيْهِ) : أَيْ: عَلَى الرَّجُلِ السَّائِلِ (هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [هود: ١١٤] : بَدَلٌ مِنَ الْآيَةِ " ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] ": أَيِ الصُّبْحَ فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ، وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ أَوِ الْأَخِيرَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ " زُلَفًا ": أَيْ: فِي سَاعَاتٍ قَرِيبَةٍ مِنَ النَّهَارِ " مِنَ اللَّيْلِ ": مِنْ بَيَانٌ يَعْنِي: صَلَاتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ " ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ": أَيِ: الصَّلَوَاتِ وَسَائِرَ الطَّاعَاتِ " ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ": أَيْ: يَمْحُونَ الصَّغَائِرَ وَيُخَفِّفْنَ الْكَبَائِرَ " ذَلِكَ ": أَيْ: مَا ذُكِرَ أَيْ:
стр. 943
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ مِنَ الْمِنَّةِ الْجَسِيمَةِ " ذِكْرَى ": أَيْ: تَذْكِيرٌ وَمَوْعِظَةٌ " لِلذَّاكِرِينَ ": لِنِعْمَةِ اللَّهِ أَوْ لِلْمُتَّعِظِينَ (فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ) : قِيلَ: هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَقِيلَ: هُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (يَا نَبِيَّ اللَّهِ) : وَاخْتِيرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ إِيمَاءً بِأَنَّ مَا أَنْبَأَهُمْ بِهِ ﵊ إِنَّمَا هُوَ مَا أَنْبَأَ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى (هَذَا) : أَيْ: هَذَا الْحُكْمُ (لَهُ) : أَيْ: لِلسَّائِلِ (خَاصَّةً؟) : أَيْ: يَخُصُّهُ خُصُوصًا أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً (فَقَالَ: " بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً ") أَيْ: يَعُمُّهُمْ جَمِيعًا وَهُوَ مِنْهُمْ، أَوْ هُوَ يَدْخُلُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا ; لِأَنَّهُ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ، وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَسِيَاقُ هَذَا غَيْرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ أَوَّلَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْوَاقِعَةَ تَكَرَّرَتْ لِرَجُلَيْنِ، وَأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، وَأَنَّ سُكُوتَهُ ﵊ فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ بِحُكْمِ الْأُولَى لِانْتِظَارِ شَيْءٍ جَدِيدٍ فِيهَا. اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ تَكْرَارُ نُزُولِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى نُزُولِهَا ثَانِيًا، بَلْ إِنَّهُ قَرَأَهَا اسْتِشْهَادًا أَوِ اعْتِضَادًا، وَرُبَّمَا كَانَ سُكُوتُهُ لِأَمْرٍ آخَرَ، فَلَمَّا قَامَ الرَّجُلُ نَادَاهُ وَبَيَّنَ لَهُ مُدَّعَاهُ، وَيَخْطِرُ بِالْبَالِ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ - أَنَّ سَبَبَ سُكُوتِهِ وَعَدَمَ مُبَادَرَتِهِ بِالْمَقَالِ أَنْ لَا تَجْتَرِئَ الْأُمَّةُ عَلَى سُوءِ الْفِعَالِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 944
٥٧٦ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ زَمَنَ الشِّتَاءِ، وَالْوَرَقُ يَتَهَافَتُ، فَأَخَذَ بِغُصْنَيْنِ مِنْ شَجَرَةٍ. قَالَ: فَجَعَلَ ذَلِكَ الْوَرَقُ يَتَهَافَتُ. قَالَ: فَقَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ لَيُصَلِّيَ الصَّلَاةَ يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ فَتَتَهَافَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ، كَمَا تَهَافَتَ هَذَا الْوَرَقُ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٥٧٦ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ زَمَنَ الشِّتَاءِ) : أَيِ: الْبَرْدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فَصْلِ الشِّتَاءِ وَهُوَ الْخَرِيفُ (وَالْوَرَقُ) : أَيْ: جِنْسُهُ (يَتَهَافَتُ) : أَيْ: يَتَسَاقَطُ مُتَوَالِيًا (فَأَخَذَ بِغُصْنَيْنِ مِنْ شَجَرَةٍ) : أَيْ: مُبَاحَةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ لَهُ ﵊، أَوْ لِمَنْ يَظُنُّ رِضَاهُ بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُمَا مُتَّصِلَيْنِ أَوْ مُنْفَصِلَيْنِ (قَالَ) : أَيْ: أَبُو ذَرٍّ (فَجَعَلَ ذَاكَ) : وَفِي أَصْلِ الْعَفِيفِ بِاللَّامِ (الْوَرَقُ يَتَهَافَتُ) : أَيْ: طَفِقَ الْوَرَقُ مِنَ الْغُصْنَيْنِ يَتَسَاقَطُ تَسَاقُطًا سَرِيعًا ; لِأَنَّهُمَا عِنْدَ الْقَبْضِ بِهِمَا أَوْ نَفْضِهِمَا أَسْرَعُ سُقُوطًا مِنْ تَرْكِهِمَا عَلَى حَالِهِمَا. (قَالَ) : كَذَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ أَيْ: أَبُو ذَرٍّ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَا أَبَا ذَرٍّ " قُلْتُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَقُلْتُ " لَبَّيْكَ " أَيْ: إِجَابَةٌ لَكَ بَعْدَ إِجَابَةٍ، أَوْ إِقَامَةٌ عَلَى طَاعَتِكَ بَعْدَ إِقَامَةٍ: مِنْ لَبَّ بِالْمَكَانِ أَقَامَ فِيهِ فَالتَّثْنِيَةُ لِلتَّكْثِيرِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ لِكَمَالِ الْقُرْبِ (قَالَ: " إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ لَيُصَلِّيَ الصَّلَاةَ ") : أَيْ: بِشَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا (يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ) : أَيْ: ذَاتَهُ وَمَرْضَاتَهُ، وَالْجُمْلَةُ خَالِيَةٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: خَالِصًا لَهُ أَوْ خَالِصَةً لَهُ تَعَالَى، بِأَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا سُمْعَةٌ وَلَا رِيَاءٌ، أَوْ بِأَنْ لَا يَقْصُدَ بِهَا حَظًّا لِنَفْسِهِ لَا دُنْيَوِيًّا وَلَا أُخْرَوِيًّا، إِنَّمَا يَقْصُدُ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ وَرِضَاهُ عَنْهُ فَقَطْ (فَتَهَافَتْ) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ (عَنْهُ ذُنُوبُهُ، كَمَا تَهَافَتَ) : بِصِيغَةِ الْمَاضِي، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: يَتَهَافَتُ بِالْمُضَارِعِ لِلْمُذَكَّرِ، وَفِي أُخْرَى وَهِيَ أَصْلُ الْعَفِيفِ لِلْمُؤَنَّثِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: (هَذَا الْوَرَقُ) : يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ أَيْ: هَذِهِ الْأَوْرَاقُ (عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) : أَيْ: عَنْ غُصْنَيْهَا (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ مِيرَكُ: بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
стр. 945
٥٧٧ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ لَا يَسْهُو فِيهِمَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٥٧٧ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) : هُوَ مِنْ جُهَيْنَةَ، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا، رَوَى عَنْهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: غُلِّبَتِ السَّجْدَةُ عَلَى سَائِرِ الْأَرْكَانِ كَمَا غُلِّبَتِ الرَّكْعَةُ عَلَيْهَا (لَا يَسْهُو) : أَيْ: لَا يَغْفَلُ (فِيهِمَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَنْ يَكُونَ حَاضِرَ
стр. 946
الْقَلْبِ أَوْ يَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) : قُيِّدَ بِالصَّغَائِرِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ شُمُولَ الْكَبَائِرِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ مِيرَكُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: " «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يَسْهُو بَيْنَهُمَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» " اهـ. وَقَوْلُهُ: بَيْنَهُمَا أَيْ: فِيمَا بَيْنَ أَفْعَالِ الرَّكْعَتَيْنِ ; لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ فِيهِمَا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 947
٥٧٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: " مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا، كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلَا بُرْهَانًا وَلَا نَجَاةً، وَإِنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٥٧٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كِتَابَتِهِ بِالْيَاءِ، وَهُوَ الْفَصِيحُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ أَوْ أَكْثَرِهَا بِحَذْفِهَا، قَالَهُ الْكَرَمَانِيُّ، وَالصَّحِيحُ كِتَابَتُهُ بِلَا يَاءٍ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ الْيَاءِ لَفْظًا وَخَطًّا لِلتَّخْفِيفِ، كَمَا فِي نَحْوِ: الْمُتَعَالِ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ الْعَوْصُ أَوِ الْعَيْصُ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ الْقَامُوسِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ) : أَيِ: النَّبِيَّ (ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ فَضْلَهَا وَشَرَفَهَا (فَقَالَ) : الْفَاءُ لِلتَّفْسِيرِ (مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا) : أَيْ: مِنْ أَنْ يَقَعَ زَيْغٌ فِي فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَأَدَّاهَا وَدَاوَمَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَفْتُرْ عَنْهَا (كَانَتْ) : أَيْ: صَلَاتُهُ أَوْ مُحَافَظَتُةُ عَلَيْهَا (لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا) : تَقَدَّمَ مَعْنَاهُمَا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ نُورًا بَيْنَ يَدَيْهِ مُغْنِيًا عَنْ سُؤَالِهِ عَنْهَا، وَبُرْهَانًا أَيْ دَلِيلًا عَلَى مُحَافَظَتِهِ عَلَى سَائِرِ الطَّاعَاتِ، فَالتَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ لِلتَّدَلِّي، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ زِيَادَةً فِي نُورِ إِيمَانِهِ وَحُجَّةً وَاضِحَةً عَلَى كَمَالِ عِرْفَانِهِ (وَنَجَاةً) : أَيْ: ذَاتُ نَجَاةٍ أَوْ جُعِلَتْ نَفْسُهَا نَجَاةً مُبَالَغَةً، كَرَجُلٍ عَدْلٍ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَكَذَلِكَ نُورٌ وَبُرْهَانٌ وَنَجَاةٌ لَهُ فِي الْقَبْرِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ (وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا) : أَيْ: عَلَى شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا، فَمَنْ تَرَكَهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْمَحْرُومِيَّةِ (لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلَا بُرْهَانًا وَلَا نَجَاةً، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : مَحْشُورًا أَوْ مَحْبُوسًا أَوْ مُعَذَّبًا فِي الْجُمْلَةِ (مَعَ قَارُونَ) : الَّذِي مَنَعَهُ مَالُهُ عَنِ الطَّاعَةِ (وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ) : وَزِيرُهُ اللَّذَيْنِ حَمَلَهُمَا جَاهُهُمَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ (وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ) : عَدُوُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ مُشْرِكٌ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ: وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ) : أَيْ: فِي مُسْنَدَيْهِمَا (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : الْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ. قَالَ مِيرَكُ، نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالصَّغِيرِ، وَإِسْنَادُ أَحْمَدَ جَيِّدٌ.
стр. 948
٥٧٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ﵁، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٧٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ) : بَصْرِيٌّ مِنْ بَنِي عَقِيلِ بْنِ كَعْبٍ، مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ (قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَرَوْنَ) : مِنَ الرَّأْيِ أَيْ: لَا يَعْتَقِدُونَ (شَيْئًا) : مَفْعُولُهُ (مِنَ الْأَعْمَالِ) : نَعْتُهُ (تَرْكُهُ كُفْرٌ) : الْجُمْلَةُ كَذَا نَعَتُهُ (غَيْرَ الصَّلَاةِ) : اسْتِثْنَاءٌ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَى " شَيْئًا " قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمُرَادُ ضَمِيرُ تَرِكِهِ، وَجَوَّزَ ابْنُ حَجَرٍ أَنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرَى لَشَيْئًا وَهُوَ بَعِيدٌ، بَلْ غَيْرُ مُفِيدٍ، ثُمَّ الْحَصْرُ يُفِيدُ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْوِزْرِ وَأَقْرَبُ إِلَى الْكُفْرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 949
٥٨٠ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي أَنْ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَلَا تَشْرَبِ الْخَمْرَ؟ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
ــ
٥٨٠ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْوَصِيَّةِ مُتَنَاهِيًا، وَالزَّجْرُ عَنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ جَامِعًا وَضَعَ خَلِيلِي مَكَانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِظْهَارًا لِغَايَةِ تَعَطُّفِهِ وَشَفَقَتِهِ (أَنْ لَا تُشْرِكْ) : بِالْجَزْمِ فَإِنْ مُفَسِّرَةٌ؛ لِأَنَّ فِي أَوْصَى مَعْنَى الْقَوْلِ وَلَا: نَاهِيَةٌ.: وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ قَالَ: أُوصِيكَ بِأَنْ لَا تُشْرِكْ فَإِنْ
стр. 950
مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي أَوْصَى مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ، وَلَا نَافِيَةٌ اهـ. وَهُوَ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ، بَلْ خَلْطٌ وَخَبْطٌ (بِاللَّهِ شَيْئًا) : أَيْ: بِالْقَلْبِ أَوَّلًا وَبِاللِّسَانِ وَلَوْ كَرْهًا، فَيَكُونُ وَصِيَّةً بِالْأَفْضَلِ، فَانْدَفَعَ مَا قَالَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْإِكْرَاهَ بِالْقَتْلِ وَالتَّحْرِيقِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا لَا يَجُوزُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ دُخُولَ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ: إِنَّ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لِلْإِكْرَاهِ يُسَمَّى شِرْكًا بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِتَحْرِيمِ اللَّفْظِ لَا يَقُولُونَ إِنَّهُ كُفْرٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] صَرِيحٌ فِي الْحِلِّ (وَإِنْ قُطِّعْتَ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ (وَحُرِّقْتَ) : بِالتَّشْدِيدِ لَا غَيْرُ (وَلَا تَتْرُكُ صَلَاةً مَكْتُوبَةً) : فَإِنَّهَا أُمُّ الْعِبَادَاتِ وَنَاهِيَةُ السَّيِّئَاتِ (فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا) : احْتِرَازٌ عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالنَّوْمِ وَالضَّرُورَةِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ، (فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ) : كِنَايَةٌ عَنِ الْكُفْرِ تَغْلِيظًا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهَا الْأَمَانُ مِنَ التَّعَرُّضِ بِالْقَتْلِ أَوِ التَّعْزِيرِ (وَلَا تَشْرَبِ الْخَمْرَ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ (فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ) : وَمُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ الَّذِي هُوَ مَبْنَى كُلِّ خَيْرٍ، وَلِذَا سُمِّيَتْ أُمُّ الْخَبَائِثِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا، قَالَهُ مِيرَكُ.
следующие страницы →