Полный текст (8 767 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
الْقَلْبِ أَوْ يَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) : قُيِّدَ بِالصَّغَائِرِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ شُمُولَ الْكَبَائِرِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ مِيرَكُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: " «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يَسْهُو بَيْنَهُمَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» " اهـ. وَقَوْلُهُ: بَيْنَهُمَا أَيْ: فِيمَا بَيْنَ أَفْعَالِ الرَّكْعَتَيْنِ ; لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ فِيهِمَا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 947
٥٧٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ: " مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا، كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلَا بُرْهَانًا وَلَا نَجَاةً، وَإِنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
٥٧٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كِتَابَتِهِ بِالْيَاءِ، وَهُوَ الْفَصِيحُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ أَوْ أَكْثَرِهَا بِحَذْفِهَا، قَالَهُ الْكَرَمَانِيُّ، وَالصَّحِيحُ كِتَابَتُهُ بِلَا يَاءٍ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ الْيَاءِ لَفْظًا وَخَطًّا لِلتَّخْفِيفِ، كَمَا فِي نَحْوِ: الْمُتَعَالِ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ الْعَوْصُ أَوِ الْعَيْصُ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ الْقَامُوسِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ) : أَيِ: النَّبِيَّ (ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ فَضْلَهَا وَشَرَفَهَا (فَقَالَ) : الْفَاءُ لِلتَّفْسِيرِ (مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا) : أَيْ: مِنْ أَنْ يَقَعَ زَيْغٌ فِي فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَأَدَّاهَا وَدَاوَمَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَفْتُرْ عَنْهَا (كَانَتْ) : أَيْ: صَلَاتُهُ أَوْ مُحَافَظَتُةُ عَلَيْهَا (لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا) : تَقَدَّمَ مَعْنَاهُمَا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ نُورًا بَيْنَ يَدَيْهِ مُغْنِيًا عَنْ سُؤَالِهِ عَنْهَا، وَبُرْهَانًا أَيْ دَلِيلًا عَلَى مُحَافَظَتِهِ عَلَى سَائِرِ الطَّاعَاتِ، فَالتَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ لِلتَّدَلِّي، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ زِيَادَةً فِي نُورِ إِيمَانِهِ وَحُجَّةً وَاضِحَةً عَلَى كَمَالِ عِرْفَانِهِ (وَنَجَاةً) : أَيْ: ذَاتُ نَجَاةٍ أَوْ جُعِلَتْ نَفْسُهَا نَجَاةً مُبَالَغَةً، كَرَجُلٍ عَدْلٍ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَكَذَلِكَ نُورٌ وَبُرْهَانٌ وَنَجَاةٌ لَهُ فِي الْقَبْرِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ (وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا) : أَيْ: عَلَى شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا، فَمَنْ تَرَكَهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْمَحْرُومِيَّةِ (لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلَا بُرْهَانًا وَلَا نَجَاةً، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : مَحْشُورًا أَوْ مَحْبُوسًا أَوْ مُعَذَّبًا فِي الْجُمْلَةِ (مَعَ قَارُونَ) : الَّذِي مَنَعَهُ مَالُهُ عَنِ الطَّاعَةِ (وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ) : وَزِيرُهُ اللَّذَيْنِ حَمَلَهُمَا جَاهُهُمَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ (وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ) : عَدُوُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ مُشْرِكٌ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ: وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ) : أَيْ: فِي مُسْنَدَيْهِمَا (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : الْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ. قَالَ مِيرَكُ، نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالصَّغِيرِ، وَإِسْنَادُ أَحْمَدَ جَيِّدٌ.
стр. 948
٥٧٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ﵁، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٥٧٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ) : بَصْرِيٌّ مِنْ بَنِي عَقِيلِ بْنِ كَعْبٍ، مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ (قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَرَوْنَ) : مِنَ الرَّأْيِ أَيْ: لَا يَعْتَقِدُونَ (شَيْئًا) : مَفْعُولُهُ (مِنَ الْأَعْمَالِ) : نَعْتُهُ (تَرْكُهُ كُفْرٌ) : الْجُمْلَةُ كَذَا نَعَتُهُ (غَيْرَ الصَّلَاةِ) : اسْتِثْنَاءٌ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إِلَى " شَيْئًا " قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمُرَادُ ضَمِيرُ تَرِكِهِ، وَجَوَّزَ ابْنُ حَجَرٍ أَنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرَى لَشَيْئًا وَهُوَ بَعِيدٌ، بَلْ غَيْرُ مُفِيدٍ، ثُمَّ الْحَصْرُ يُفِيدُ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْوِزْرِ وَأَقْرَبُ إِلَى الْكُفْرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 949
٥٨٠ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي أَنْ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَلَا تَشْرَبِ الْخَمْرَ؟ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
ــ
٥٨٠ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْوَصِيَّةِ مُتَنَاهِيًا، وَالزَّجْرُ عَنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ جَامِعًا وَضَعَ خَلِيلِي مَكَانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِظْهَارًا لِغَايَةِ تَعَطُّفِهِ وَشَفَقَتِهِ (أَنْ لَا تُشْرِكْ) : بِالْجَزْمِ فَإِنْ مُفَسِّرَةٌ؛ لِأَنَّ فِي أَوْصَى مَعْنَى الْقَوْلِ وَلَا: نَاهِيَةٌ.: وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ قَالَ: أُوصِيكَ بِأَنْ لَا تُشْرِكْ فَإِنْ
стр. 950
مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي أَوْصَى مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ، وَلَا نَافِيَةٌ اهـ. وَهُوَ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ، بَلْ خَلْطٌ وَخَبْطٌ (بِاللَّهِ شَيْئًا) : أَيْ: بِالْقَلْبِ أَوَّلًا وَبِاللِّسَانِ وَلَوْ كَرْهًا، فَيَكُونُ وَصِيَّةً بِالْأَفْضَلِ، فَانْدَفَعَ مَا قَالَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْإِكْرَاهَ بِالْقَتْلِ وَالتَّحْرِيقِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا لَا يَجُوزُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ دُخُولَ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ: إِنَّ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لِلْإِكْرَاهِ يُسَمَّى شِرْكًا بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِتَحْرِيمِ اللَّفْظِ لَا يَقُولُونَ إِنَّهُ كُفْرٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] صَرِيحٌ فِي الْحِلِّ (وَإِنْ قُطِّعْتَ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ (وَحُرِّقْتَ) : بِالتَّشْدِيدِ لَا غَيْرُ (وَلَا تَتْرُكُ صَلَاةً مَكْتُوبَةً) : فَإِنَّهَا أُمُّ الْعِبَادَاتِ وَنَاهِيَةُ السَّيِّئَاتِ (فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا) : احْتِرَازٌ عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالنَّوْمِ وَالضَّرُورَةِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ، (فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ) : كِنَايَةٌ عَنِ الْكُفْرِ تَغْلِيظًا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهَا الْأَمَانُ مِنَ التَّعَرُّضِ بِالْقَتْلِ أَوِ التَّعْزِيرِ (وَلَا تَشْرَبِ الْخَمْرَ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ (فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ) : وَمُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ الَّذِي هُوَ مَبْنَى كُلِّ خَيْرٍ، وَلِذَا سُمِّيَتْ أُمُّ الْخَبَائِثِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 951
[بَابُ الْمَوَاقِيتِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٨١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ. وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ؟ فَإِنَّهَا بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(١) -
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
الَّتِي مِنْ جُمْلَةِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ جَمْعُ مِيقَاتٍ وَهُوَ الْوَقْتُ الْمُعَيَّنُ، قَالَهُ ابْنُ الْهُمَامِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٨١ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَقْتُ الظُّهْرِ) : وَسُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ، أَوْ لِفِعْلِهَا وَقْتَ الظَّهِيرَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَالْمَعْنَى أَوَّلُ وَقْتِهِ (إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) : أَيْ: حِينَ مَالَتْ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ الْمُسَمَّى بُلُوغُهَا إِلَيْهِ بِحَالَةِ الِاسْتِوَاءِ إِلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِهِ لَنَا بِزِيَادَةِ ظَلِّ الِاسْتِوَاءِ إِلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ (وَكَانَ) : أَيْ: وَصَارَ (ظَلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ) : أَيْ: قَرِيبًا مِنْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مَذْكُورٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَلَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِي الْمَصَابِيحِ إِلَّا قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ) : اهـ. فَعَلَى مَا فِي الْمَصَابِيحِ لَا إِشْكَالَ، وَأَمَّا عَلَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ فَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: قَوْلُهُ مَا لَمْ يَحْضُرْ بَيَانٌ، وَتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وَكَانَ إِلَخْ. ثُمَّ الْمُرَادُ بِالظِّلِّ الظِّلُّ الْحَادِثُ أَوْ مُطْلَقُ الظِّلِّ، وَيُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ أَيْ: وَقْتُهُ وَهُوَ الظِّلُّ الْحَادِثُ لِطُولِ الرَّجُلِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَجَعَلَ الْمُرَادَ بِالظِّلِّ نَفْسَ فَيْءِ الزَّوَالِ، وَادَّعَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي انْتِهَاءِ نَقْصِهِ وَابْتِدَائِهِ فِي الْأَخْذِ بِالزِّيَادَةِ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَقَدْ يُفْقَدُ الظِّلُّ بِالْكُلِّيَّةِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ كَمَكَّةَ وَصَنْعَاءَ، وَيَخْتَلِفُ قَدْرُ ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ بِاخْتِلَافِ الْمَحَالِّ وَالْفُصُولِ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَفَاصِيلِ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي طُولِ الْبِلَادِ وَعَرْضِهَا، وَكَذَا أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا فَاصِلَةَ بَيْنَ وَقْتَيْهِمَا، وَلَا تَشْتَرِكُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى أَنْ لَا كَرَاهَةَ فِي تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ زِيَادَةِ الظِّلِّ بِقَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ; لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵊ صَلَّى الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَالظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ
стр. 952
ذَلِكَ بِانْطِبَاقِ آخِرِ الظُّهْرِ، وَأَوَّلُ الْعَصْرِ عَلَى الْحِينِ الَّذِي صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَمَادَى قَدْرَ مَا يَسَعُ أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ، فَلَابُدَّ مِنْ تَأْوِيلٍ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ لِهَذَا الْمَبْحَثِ.
(وَوَقْتُ الْعَصْرِ) : أَيْ: يَدْخُلُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ ظِلِّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، وَيَسْتَمِرُّ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (مَا لَمْ تَصْفَرَّ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَتُكْسَرُ (الشَّمْسُ) : فَالْمُرَادُ بِهِ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» " أَيْ: مُؤَدَّاةً، وَلِحَدِيثِ غَيْرِهِمَا بِسَنَدٍ رِجَالُهُ فِي مُسْلِمٍ: " وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبُ الشَّمْسُ " وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَسَقَطَ قَرْنُهَا الْأَوَّلُ " قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّأْخِيرِ إِلَى وَقْتِ الِاصْفِرَارِ، فَوَقْتُ جَوَازِهِ إِذَا غَرَبَتْ.
(وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ) : ذَكَرَ الصَّلَاةَ فِي مَوَاضِعٍ، وَحَذَفَهَا فِي آخَرَ دَلَالَةً عَلَى جَوَازِ الْإِطْلَاقَيْنِ (مَا لَمْ يَغِبِ) : وَفِي الْمَصَابِيحِ: مَا لَمْ يَسْقُطْ (الشَّفَقُ) : وَهُوَ الْحُمْرَةُ الَّتِي تَلِي الشَّمْسَ بَعْدَ الْغُرُوبِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ يُفْتَى، وَالْبَيَاضُ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الْحُمْرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إِلَى سُقُوطِ الشَّفَقِ، فَلَوْ سَقَطَ بَعْضُهُ لَا يَدْخُلْ وَقْتُ الْعِشَاءِ، كَمَا لَا يَدْخُلْ وَقْتُ الْمَغْرِبِ بِغُرُوبِ بَعْضِ الْقُرْصِ، وَتَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ أَقَلُّ كَرَاهَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَأْخِيرِ الْعَصْرِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ قَدِيمًا وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ أَيِ: الثَّاقِبِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ جَدِيدًا إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ لَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ مُضَيَّقٌ ; لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵊ صَلَّاهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَدْرُ وُضُوءٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَخَمْسِ رَكْعَاتٍ مُتَوَسِّطَاتٍ اهـ.
وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِالْغُرُوبِ إِجْمَاعًا، وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ الْمَغْرِبِ وَلَا يُعْتَدَّ بِخِلَافِ الشِّيعَةِ، وَخَبَرُ: إِنَّهُ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ عِنْدَ اشْتِبَاكِ النُّجُومِ بَاطِلٌ، بَلْ صَحَّ: " «لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» "، وَتَأْخِيرُهُ ﵊ لَهَا كَمَا فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ كَرَاهِيَةَ تَأْخِيرِهَا عَنْ أَوَّلِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِي اخْتِيَارِهِ الْقَوْلَ الْجَدِيدِ لِلشَّافِعِيِّ وَتَصْحِيحِهِ لَهُ. (وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) : أَيْ: مِنْ عَقِيبِ الشَّفَقِ إِجْمَاعًا (إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ) : وَالْمُرَادُ بِهِ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ أَيْضًا، فَإِنَّ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا: إِنَّ وَقْتَهُ يَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الصُّبْحِ الصَّادِقِ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ ﵊: " «لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» " خَصَّ الْحَدِيثَ فِي الصُّبْحِ، فَيَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ فِي الْبَاقِي قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: احْتَجَّ بِهِ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ فَيَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ: وَالْأَوْسَطُ صِفَةُ اللَّيْلِ أَيِ: اللَّيْلِ الْمُعْتَدِلِ، لَا طَوِيلٌ وَلَا قَصِيرٌ، فَنِصْفُ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى لَيْلٍ قَصِيرٍ كَثِيرٌ مِنْ نِصْفِهِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى لَيْلٍ طَوِيلٍ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِ، وَقِيلَ: الْأَوْسَطُ صِفَةُ النِّصْفِ أَيْ: نِصْفٌ عَدْلٌ مِنَ اللَّيْلِ عُمُومًا يَعْنِي مِنْ كُلِّ نِصْفِهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْفُقَهَاءُ قَاطِبَةً، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي التَّأْخِيرَ إِلَى سِتِّ سَاعَاتٍ فِي أَقْصَرِ اللَّيَالِي، وَهِيَ ثُلُثَا اللَّيْلِ، وَإِلَى سِتِّ سَاعَاتٍ فِي أَطْوَلِ اللَّيَالِي، وَهِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَالْعَكْسُ أَحْرَى وَأَلْيَقُ اهـ. يَعْنِي: احْتِرَازًا عَنِ الْمَشَقَّةِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» " وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ اهـ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: الْمُرَادُ ثُلُثُ اللَّيْلِ فِي الصَّيْفِ، وَنِصْفُهُ فِي الشِّتَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 953
(وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ) : أَيِ: الصُّبْحِ الصَّادِقِ (مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ) : أَيْ: شَيْءٌ مِنْهَا (فَإِذَا طَلَعَتْ) : أَيْ: أَرَادَتِ الطُّلُوعَ (فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ) أَيْ: اتْرُكْهَا (فَإِنَّهَا) : أَيِ: الشَّمْسُ (تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ) : أَيْ: جَانِبَيْ رَأْسِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَرْصُدُ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَيَنْتَصِبُ قَائِمًا فِي وَجْهِ الشَّمْسِ مُسْتَقْبِلًا لِمَنْ سَجَدَ لِلشَّمْسِ، لِيَنْقَلِبَ سُجُودُ الْكُفَّارِ لِلشَّمْسِ عِبَادَةً لَهُ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ; لِتَكُونَ صَلَاةُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ فِي غَيْرِ وَقْتِ عِبَادَةِ مَنْ عَبَدَ الشَّيْطَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ شَبَّهَ تَسْوِيلَ الشَّيْطَانِ لِعَبَدَةِ الشَّمْسِ عِبَادَتَهَا، وَحَثَّهُ إِيَّاهُمْ عَلَى سُجُودِهَا بِحَمْلِهِ إِيَّاهَا بِرَأْسِهِ إِلَيْهِمْ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَرْنَيْهِ حِزْبَاهُ السَّابِقُونَ وَاللَّاحِقُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَقِيلَ: جُنْدَاهُ اللَّذَانِ يَبْعَثُهُمَا حِينَئِذٍ لِإِغْرَاءِ النَّاسِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ بَابِ التَّخْيِيلِ تَشْبِيهًا لَهُ بِذَوَاتِ الْقُرُونِ الَّتِي تُنَاطِحُ الْأَشْيَاءَ ; لِأَنَّ اللَّعِينَ مُنَاطِحٌ لِلْحَقِّ وَمُدَافِعٌ لَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمُخْتَارُ هُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَمْ يَقُولَا: فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ. . . إِلَخْ.
стр. 954
٥٨٢ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ - فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ. فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ: " فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ " فَأَبْرَدَ بِهَا - فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا - وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ - أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا. ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ ". فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ــ
٥٨٢ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ) : أَيْ: ابْنِ الْحَصِيبِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي أَسْلَمَ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَكَانَ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، خَرَجَ إِلَى خُرَاسَانَ غَازِيًا، وَمَاتَ بِمَرْوٍ، وَكَانَ لَهُ هُنَاكَ عَقِبٌ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ) : أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ أَيِ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ أَوِ الْعَهْدُ (فَقَالَ لَهُ: صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ " - يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ -) : أَيِ: الْمَعْلُومِينَ لِتَعْلَمَ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا أَوَائِلَهَا وَأَوَاخِرَهَا، وَوَقْتَ الْفَضِيلَةِ وَالِاخْتِيَارِ وَغَيْرَهُمَا بِالْمُشَاهَدَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى مِنَ السَّمَاعِ (فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ) : أَيْ: عَنْ حَدِّ الِاسْتِوَاءِ (أَمَرَ بِلَالًا) : أَيْ: بِالْأَذَانِ (فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ) : أَيْ: بِالْإِقَامَةِ وَعَطَفَ بِثُمَّ ; لِأَنَّ فِيهِ قَلِيلَ مُهْلَةٍ بِانْتِظَارِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَفِعْلِهِمُ السُّنَنَ (فَأَقَامَ الظُّهْرَ) : بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: لِلظُّهْرِ (ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ) : أَيْ: تَلَفَّظَ بِكَلِمَاتِ الْإِقَامَةِ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَتَرَكَ ذِكْرَ الْوَقْتِ لِظُهُورِهِ، وَكَذَا الْأَذَانِ فِيهِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ لِلْوُضُوحِ (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ: صَلَّى فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ (بَيْضَاءُ) : بِالرَّفْعِ صِفَةٌ أَوْ خَبَرٌ آخَرٌ أَيْ: لَمْ تَخْتَلِطْ بِهَا صُفْرَةٌ (نَقِيَّةٌ) : أَيْ: طَاهِرَةٌ مِنَ الِاصْفِرَارِ وَصَافِيَةٌ مِنْهُ (ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ) : أَيْ: لِصَلَاتِهِ (حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ) : أَيْ: تَحَقُّقِ غَيْبُوبَتِهَا (ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ) : أَيْ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ) : أَيِ: الصُّبْحُ الصَّادِقُ (فَلَمَّا أَنْ) : أَنْ زَائِدَةٌ (كَانَ) : تَامَّةٌ أَيْ: وُجِدَ (الْيَوْمُ الثَّانِي) : أَيْ: أَكْثَرُهُ (أَمَرَهُ) : جَوَابُ لَمَّا أَيْ: أَمَرَهُ بِالْإِبْرَادِ (فَأَبْرِدْ بِالظُّهْرِ) : عَلَى صِيغَةِ الْأَمْرِ أَيْ: فَقَالَ لَهُ: أَبْرِدْ بِالظُّهْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ فَأَبْرَدَ عَلَى صِيغَةِ الْمَاضِي أَيْ: فَأَمَرَهُ بِالْإِبْرَادِ ; فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِأَمْرِهِ وَتَأْكِيدًا (فَأَبْرَدَ) : أَيْ: بِلَالٌ (بِهَا) : أَيْ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ (فَأَنْعَمَ) : أَيْ: بَالَغَ (أَنْ يُبْرِدَ بِهَا) : يُقَالُ: أَحْسَنَ إِلَى فُلَانٍ وَأَنْعَمَ، أَيْ: زَادَ فِي الْإِحْسَانِ وَبَالَغَ؟ وَالْمَعْنَى: زَادَ الْإِبْرَادَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَبَالَغَ فِي الْإِبْرَادِ عَلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْإِبْرَادِ، حَتَّى تَمَّ انْكِسَارُ وَهَجِ الْحَرِّ أَيْ: شِدَّةُ حَرِّ الظُّهْرِ. فِي الْفَائِقِ: حَقِيقَةُ الْإِبْرَادِ الدُّخُولُ فِي الْبَرْدِ كَقَوْلِكَ: أَظْهَرْنَا، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: أَدْخَلَ الصَّلَاةَ فِي الْبَرْدِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْإِبْرَادُ أَنْ يَتَفَيَّأَ الْأَفْيَاءَ، وَيَنْكَسِرَ وَهَجُ الْحَرِّ، فَهُوَ بَرْدٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى حَرِّ الظَّهِيرَةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ - أَخَّرَهَا) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: صَلَاةَ الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي (فَوْقَ الَّذِي) : أَيِ التَّأْخِيرِ الَّذِي (كَانَ) : أَيْ: وُجِدَ (فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ) : بِأَنْ أَوْقَعَهَا حِينَ صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ، كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَاتُ الْأُخَرُ، أَوِ التَّقْدِيرُ: كَانَ أَخَّرَهَا بِالْأَمْسِ يُرِيدُ: أَنَّ صَلَاةَ
стр. 955
الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً عَنِ الظُّهْرِ، لَا أَنَّهَا كَانَتْ مُؤَخَّرَةً عَنْ وَقْتِهَا، (وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) : يَعْنِي: صَلَّاهَا فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فِي تَضْيِيقِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ (وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ) : وَلَعَلَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْهَا إِلَى آخِرِهِ، وَهُوَ وَقْتُ الْجَوَازِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْكَرَاهَةُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَلِحُصُولِ الْحَرَجِ بِسَهَرِ اللَّيْلِ كُلِّهِ، وَكَرَاهَةُ النَّوْمِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، (وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا) : أَيْ: أَوْقَعَهَا فِي وَقْتِ الْإِسْفَارِ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ مِنْ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إِذَا أَضَاءَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَخَّرَهَا إِلَى أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَكَتَبَ تَحْتَهُ: وَفِيهِ يَعْنِي: وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الْفَجْرِ الْأَوَّلِ. (ثُمَّ قَالَ: " أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ " فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا) : أَيِ: السَّائِلُ أَنَا، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ أَنَا السَّائِلُ، أَوْ أَنَا هَاهُنَا، إِذِ الْمُرَادُ فِي الْأَوَّلِ أَيْنَ السَّائِلُ، وَمَنْ هُوَ فَيُطَابِقُ الْجَوَابُ السُّؤَالَ وَهُوَ أَظْهَرُ، (يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " وَقْتُ صَلَاتِكُمْ ") : وَلَعَلَّهُ جَمَعَ الضَّمِيرَ إِشْعَارًا بِأَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ (بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ) : أَيْ: هَذَا الْوَقْتُ الْمُقْتَصِدُ الَّذِي لَا إِفْرَاطَ فِيهِ تَعْجِيلًا، وَلَا تَفْرِيطَ فِيهِ تَأْخِيرًا، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ بَيَّنْتُ مِمَّا فَعَلْتُ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ، وَالصَّلَاةُ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ أَوَّلِهِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، وَالْمُرَادُ بِآخِرِهِ هُنَا آخِرُ الْوَقْتِ فِي الِاخْتِيَارِ لَا الْجَوَازِ ; إِذْ يَجُوزُ صَلَاةُ الظُّهْرِ بَعْدَ الْإِبْرَادِ التَّامِّ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَيَجُوزُ الْعَصْرُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّأْخِيرِ الَّذِي هُوَ فَوْقَ مَا لَمْ تَغْرُبِ الشَّمْسُ، وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ فِي قَوْلٍ، وَيَجُوزُ صَلَاةُ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ بَعْدَ الْإِسْفَارِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْمَغْرِبِ نَظَرٌ إِذْ صَلَّاهَا فِي آخِرِ وَقْتِ الْجَوَازِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ فِي عِلَلِهِ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 956
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٨٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعَشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ ; صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسَفَرَ " ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٥٨٣ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَّنِي ") : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ (جِبْرِيلُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا مَعَ الْيَاءِ، وَجِبْرِئِيلُ بِالْهَمْزَةِ وَزِيَادَةِ الْبَاءِ أَيْ: صَارَ إِمَامًا لِي (عِنْدَ الْبَيْتِ) : أَيِ: الْكَعْبَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْأُمِّ لِلشَّافِعِيِّ: عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَفِي أُخْرَى فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ (مَرَّتَيْنِ) : أَيْ: فِي يَوْمَيْنِ لِيُعَرِّفَنِي كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ وَأَوْقَاتِهَا. (فَصَلَّى بِيَ) : الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ وَالْمَعِيَّةِ أَيْ: صَلَّى مَعِي (الظُّهْرَ) : قِيلَ ابْتَدَأَ بِهَا مَعَ أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَانَ لَيْلًا، وَقِيَاسُهُ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ وَجَبَتِ الصُّبْحُ ; لِأَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الصُّبْحِ فِيهِ خَفَاءٌ، فَلَوْ وَقَعَ فِيهِ الْبَيَانُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنَ الظُّهُورِ مَا فِي وُقُوعِهِ وَقْتَ الظُّهْرِ، مَعَ الْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ دِينَهُ سَيَظْهَرُ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، كَمَا أَنَّ الظُّهْرَ ظَاهِرَةٌ عَلَى جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، لَكِنَّ أَدَاءَ الْوُجُوبِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى عِلْمِ الْكَيْفِيَّةِ، وَهُوَ لَمْ يَقَعْ إِلَّا فِي الظُّهْرِ فَهِيَ الَّتِي أَوَّلُ صَلَاةٍ وَجَبَتْ (حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ) : الضَّمِيرُ لِلشَّمْسِ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْفَيْءُ ; لِأَنَّهُ بِسَبَبِهَا، فَفِيهِ تَجَوُّزٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ، وَكَانَ الْفَيْءُ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَالْفَيْءُ هُوَ الظِّلُّ، وَلَا يُقَالُ: إِلَّا لِلرَّاجِعِ مِنْهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ مَا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وَالْفَيْءُ مَا يَنْسَخُ الشَّمْسَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وَقَالَ: إِنَّهُ كَلَامٌ نَفِيسٌ، الظِّلُّ غَيْرُ الْفَيْءِ إِذِ الظِّلُّ يَشْمَلُ مَا فِي الْغُدْوَةِ وَالْعَشِيِّ، وَأَصْلُهُ السَّتْرُ، وَمِنْهُ: فُلَانٌ فِي ظِلِّكَ وَالْفَيْءُ يَخْتَصُّ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ ; لِأَنَّهُ مِنْ فَاءَ مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ أَيْ: رَجَعَ، وَالْفَيْءُ: الرُّجُوعُ، وَعُلِمَ مِنْ أَنَّ الظِّلَّ السَّتْرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدَمِيٍّ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لَهُ نَفْعٌ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا، فَمَا أَلِفَهُ النَّاسُ مِنْ أَنَّهُ شَيْءٌ تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وَرُبَّمَا وَقَعَ فِي أَذْهَانِهِمْ أَنَّهُ عَدَمٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْجَنَّةِ ظِلًّا كَمَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا شَمْسَ فِيهَا أَيْ كَانَ فَيْؤُهَا (قَدْرَ الشِّرَاكِ) : وَفِي الْمَصَابِيحِ وَكَانَ الْفَيْءُ أَيِ: الظِّلُّ الرَّاجِعُ مِنَ النُّقْصَانِ إِلَى
стр. 957
الزِّيَادَةِ، وَهُوَ بَعْدَ الزَّوَالِ مِثْلُ الشِّرَاكِ أَيْ: مِثْلُ شِرَاكِ النَّعْلِ، وَهُوَ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّذِي عَلَى وَجْهِهَا، وَهَذَا عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيرِ ; لِأَنَّ زَوَالَ الشَّمْسِ لَا يُتَبَيَّنُ إِلَّا بِأَقَلِّ مِمَّا يُرَى مِنَ الظِّلِّ فِي جَانِبِ الْمَشْرِقِ، وَكَانَ حِينَئِذٍ بِمَكَّةَ هَذَا الْقَدْرُ، وَالظِّلُّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، فَكُلُّ بَلَدٍ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى خَطِّ الِاسْتِوَاءِ وَمُعَدَّلِ النَّهَارِ كَانَ الظِّلُّ فِيهِ أَقْصَرَ، وَكُلُّ بَلَدٍ كَانَ أَبْعَدَ عَنْهُمَا إِلَى جَانِبِ الشَّمَالِ كَانَ فِيهِ أَطْوَلَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي مِثْلِ مَكَّةَ مِنَ الْبِلَادِ الَّتِي يَقِلُّ فِيهَا الظِّلُّ، فَإِذَا كَانَ أَطْوَلُ النَّهَارِ وَاسْتَوَتِ الشَّمْسُ فَوْقَ الْكَعْبَةِ لَمْ يُرَ لِشَيْءٍ مِنْ جَوَانِبِهَا الظِّلُّ. اهـ.
وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ حِينَ يَأْخُذُ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ (وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ) : أَيْ: بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَعْنَاهُ زَادَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ عَنْ مَثَلِهِ أَدْنَى زِيَادَةً وَفِيهِ بَحْثٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظِّلِّ الْحَادِثُ (وَصَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) : أَيْ: دَخَلَ وَقْتُ إِفْطَارِهِ بِأَنْ غَابَتِ الشَّمْسُ وَدَخَلَ اللَّيْلُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَفِي رِوَايَةٍ: " حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ " وَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، إِذْ بِوُجُوبِهَا يَعْنِي سُقُوطَهَا وَغَيْبُوبَتَهَا يَدْخُلُ وَقْتُ إِفْطَارِ الصَّائِمِ مَعَ الْإِيمَاءِ بِأَنَّ (إِفْطَارَ الصَّائِمِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ (وَصَلَّى بِيَ الْعَشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ) : أَيِ: الْأَحْمَرُ عَلَى الْأَشْهَرِ (وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُّ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ) : يَعْنِي: أَوَّلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ) : أَيْ: فِي الْيَوْمِ الثَّانِي (صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ) : أَيْ: ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ (مِثْلَهُ) : أَيْ: قَرِيبًا مِنْهُ أَيْ: مِنْ غَيْرِ الْفَيْءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ، فَلَا يَلْزَمُ كَوْنُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَوَافَقَ هَذَا قَوْلَ الْمُظْهِرِ عَلَى سَبِيلِ تَوَارُدِ الْخَاطِرِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ تَأْوِيلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْبَابِ. اهـ.
وَفِي رِوَايَةٍ: حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، كَوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ. أَيْ: فَرَغَ مِنَ الظُّهْرِ حِينَئِذٍ كَمَا شَرَعَ فِي الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، حِينَئِذٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَبِهِ يَنْدَفِعُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا زَعَمَهُ جَمَاعَةٌ، وَيَدُلُّ لَهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ السَّابِقُ: وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ عَدَمُ إِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَجَبَ تَقْدِيمُ خَبَرِ مُسْلِمٍ ; لِأَنَّهُ أَصَحُّ مَعَ كَوْنِهِ مُتَأَخِّرًا (وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ) : أَيْ ظِلُّ الشَّيْءِ (مِثْلَيْهِ) : أَيْ: غَيْرُ ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ (وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) : أَيْ: مَائِلًا أَوْ مُنْتَهِيًا إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِلَى بِمَعْنَى " مَعَ " وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلْثُ اللَّيْلِ اهـ. أَوْ إِلَى بِمَعْنَى " فِي " نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧] (وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ) : أَيْ: أَضَاءَ بِهِ، أَوْ دَخَلَ فِي وَقْتِ الْإِسْفَارِ (ثُمَّ الْتَفَتَ) : أَيْ: نَظَرَ جِبْرِيلُ ﵊ (إِلَيَّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ، أَوِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْإِسْفَارِ فَقَطْ (وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ) : إِذِ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ شَاقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا الْمُرَاعُونَ لِلظِّلَالِ، الْمُنْتَظِرُونَ لِلصَّلَوَاتِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ بِاعْتِبَارِ التَّوْزِيعِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْعِشَاءِ، إِذْ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْخَمْسِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِنَا، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ فَكَانَ مَا عَدَا الْعِشَاءُ مُفَرَّقًا فِيهِمْ.
стр. 958
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: «أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ لَيْلَةً، حَتَّى ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: " اعْتِمُوا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فَإِنَّكُمْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ وَلَمْ تُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ» ".
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ آدَمَ لَمَّا تِيبَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْفَجْرِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَصَارَتِ الصُّبْحَ، وَفُدِيَ إِسْحَاقُ عِنْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَصَارَتِ الظُّهْرَ، وَبُعِثَ عُزَيْرٌ فَقِيلَ لَهُ: كَمْ لَبِثْتَ؟ قَالَ: يَوْمًا فَرَأَى الشَّمْسَ فَقَالَ: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَصَارَتِ الْعَصْرَ، وَغُفِرَ لِدَاوُدَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ فَقَامَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَجُهِدَ فِي الثَّالِثَةِ أَيْ: تَعِبَ فِيهَا عَنِ الْإِتْيَانِ بِالرَّابِعَةِ لِشِدَّةٍ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْبُكَاءِ عَلَى مَا اقْتَرَفَهُ، مِمَّا هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى بِهِ، فَصَارَتِ الْمَغْرِبُ ثَلَاثًا، وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخَرَ نَبِيُّنَا ﷺ . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهَذَا وَمَا قَرَّرْتُهُ فِي (هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ) ، يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ تَوْفِيقًا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ خَبَرِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْعِشَاءِ: أَنَّ الْعِشَاءَ كَانَتِ الرُّسُلُ تُصَلِّيهَا نَافِلَةً لَهُمْ، وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَى أُمَمِهِمْ كَالتَّهَجُّدِ، فَإِنَّهُ وَجَبَ عَلَى نَبِيِّنَا وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا، أَوْ يُجْعَلْ هَذَا إِشَارَةً إِلَى وَقْتِ الْإِسْفَارِ، فَإِنَّهُ قَدِ اشْتَرَكَ فِيهِ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِيَةِ وَالْأُمَمِ الدَّارِجَةِ اهـ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَقَّ مَعَ الْقَاضِي، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ لَا دَلَالَةَ عَلَى نَفْيِهِ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ نَفْيُهُ عَنِ الْأُمَمِ، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي دَالٌّ عَلَى أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ أَوَّلُ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ مَعَ أُمَّتِهِ، فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَّوْهَا، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ مَا ذُكِرَ فِيهِ أَوَّلُ مَنْ شَرَّعَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شَرَّعَ صَلَاةً تَبِعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى التَّوْزِيعِ الَّذِي تَوَهَّمَهُ مَعَ أَنَّ رِوَايَةَ الطَّحَاوِيِّ لَا تُقَاوِمُ رِوَايَةَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ الْمُصَرِّحِ فِي الْمَقْصُودِ (وَالْوَقْتُ) : أَيِ: السَّمْحُ الَّذِي لَا حَرَجَ فِيهِ (مَا بَيْنَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: فِيمَا بَيْنَ (هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ) : فَيَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِهِ وَوَسَطِهِ وَآخِرِهِ، وَقَالَ مِيرَكُ: مَعْنَى زَوَالِ الشَّمْسِ هُوَ أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الْمَغْرِبِ أَيْ: جِهَتِهِ كَثِيرًا، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي النُّقْصَانِ قَلِيلًا قَلِيلًا إِلَى أَنْ وَقَفَ لَمْحَةً، فَإِذَا زَالَ الظِّلُّ بَعْدَهُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ، فَإِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ، فَقَوْلُهُ: أَوَّلًا صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ يُرَادُ مِنْهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ، وَقَوْلُهُ ثَانِيًا صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ، فَلَا يَكُونَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالتَّعْرِيفُ فِي قَوْلِهِ: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لِلْعَهْدِ أَيْ: أَوَّلُ وَقْتٍ صَلَّيْتَ وَآخَرُ وَقْتٍ، وَمَا بَيْنَهُمَا هُوَ الْوَقْتُ كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ اهـ.
وَقَوْلُهُ: وَقَفَ لَمْحَةً لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَقْفَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَصَحَّحَهُ غَيْرُهُ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا وَزَادَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ خَلْفَ جِبْرِيلَ وَالنَّاسُ أَيِ: الْمُسْلِمُونَ حِينَئِذٍ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ» ، يَعْنِي: أَنَّهُ ﷺ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِمْ لِيُبَلِّغَهُمْ أَفْعَالَ جِبْرِيلَ، فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مُقْتَدُونَ بِجِبْرِيلَ لَا بِالنَّبِيِّ ﷺ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَصَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ، وَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ، وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُقْتَدِي ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُشَاهِدُوا جِبْرِيلَ وَإِلَّا لَنُقِلَ ذَلِكَ، وَالْأَظْهَرُ دَفْعُهُ بِأَنَّ إِمَامَةَ جِبْرِيلَ لَمْ تَكُنْ عَلَى حَقِيقَتِهِ، بَلْ عَلَى النِّسْبَةِ الْمَجَازِيَّةِ مِنْ دَلَالَتِهِ بِالْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى كَيْفِيَّةِ أَدَاءِ الْأَرْكَانِ وَكِمِّيَّتِهَا كَمَا يَقَعُ لِبَعْضِ الْمُعَلِّمِينَ، حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا فِي الصَّلَاةِ وَيُعَلِّمُونَ غَيْرَهُمْ بِالْإِشَارَةِ الْقَوْلِيَّةِ.
стр. 959
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٨٤ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: «أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ. فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ " يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٥٨٤ - (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) : أَيِ: الزُّهْرِيُّ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) : خَامِسَ الْخُلَفَاءِ، وَلَمْ يَحْسُبِ الْحَسَنَ ﵁ مَعَ أَنَّهُ مِنْهُمْ بِلَا شَكٍّ ; لِأَنَّ مُدَّتَهُ لَمْ تَطُلْ وَمِلْكَهُ لَمْ يَتِمَّ (أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا) : أَيْ: تَأْخِيرًا يَسِيرًا، أَوْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمَانِ، وَلَعَلَّهُ أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِهِ الْمُخْتَارِ لِيَكُونَ مَحَلُّ الْإِنْكَارِ بِرِفْقٍ عَلَى طَرِيقِ الْإِخْبَارِ (فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ) : أَيِ: ابْنُ الزُّبَيْرِ (أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ. قَالَ الْمَالِكِيُّ: أَمَا حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ. بِمَنْزِلَةِ " أَلَا " وَيَكُونُ أَيْضًا بِمَعْنَى " حَقًّا " وَلَا يُشَارِكُهَا أَلَا فِي ذَلِكَ (إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ضُبِطَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ مُقَيَّدٌ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، فَبِالْفَتْحِ ظَرْفٌ، وَبِالْكَسْرِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أَيْ: أَعْنِي إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ خَبَرُ كَانَ الْمَحْذُوفُ يَعْنِي كَمَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ: " أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ " بِرَفْعِ أَوَّلُ وَنَصْبِ الْقَلَمَ، كَمَا قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ. قَالَ الْمَالِكِيُّ: هُوَ مِنَ الْمَعَارِفِ الْوَاقِعَةِ حَالًا كَأَرْسَلَهَا الْعِرَاكُ. قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: سَيُوَضِّحُ مَعْنَى الْكَسْرِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " فَأَمَّنِي " (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ: بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنَ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: مِنَ الْإِعْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمُ بِصِيغَةِ التَّكَلُّمِ، إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ (مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةَ) : قِيلَ: هَذَا الْقَوْلُ تَنْبِيهٌ مِنْهُ عَلَى إِنْكَارِهِ إِيَّاهُ، ثُمَّ تَصَدُّرُهُ بَمَا الَّتِي هِيَ مِنْ طَلَائِعِ الْقَسَمِ، أَيْ: تَأَمَّلْ مَا تَقُولُ، وَعَلَامَ تَحْلِفُ، وَتُنْكِرُ. كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَكَأَنَّهَا اسْتِبْعَادٌ لِقَوْلِ عُرْوَةَ: (صَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَعَ أَنَّ الْأَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ هُوَ النَّبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ اسْتِبْعَادٌ لِإِخْبَارِ عُرْوَةَ بِنُزُولِ جِبْرِيلَ بِدُونِ الْإِسْنَادِ، فَكَأَنَّهُ غَلَّظَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مَعَ عَظِيمِ جَلَالَتِهِ إِشَارَةً إِلَى مَزِيدِ الِاحْتِيَاطِ فِي الرِّوَايَةِ، لِئَلَّا يَقَعَ فِي مَحْذُورِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ، وَلِذَلِكَ جَاءَ عَنْ أَبِيهِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِلَّةِ رِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ مَعَ كَوْنِهِ مُلَازِمًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَفَرًا وَحَضَرًا فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ; فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ التَّحْدِيثَ مَعَ امْتِلَائِهِ حِفْظًا إِلَّا خَشْيَةَ أَنْ يَدْخُلَ فِي وَعِيدِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا قَيْدُ التَّعَمُّدِ، فَكَأَنَّهَا الَّتِي بَلَغَتْهُ أَوْ رَاعَاهَا احْتِيَاطًا، فَكَذَلِكَ عُمَرُ احْتَاطَ بِقَوْلِهِ لِعُرْوَةَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ سَيِّدَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَفْضَلَهُمْ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنْهُ ﵊ (فَقَالَ) : أَيْ: عُرْوَةُ (سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى إِيرَادُ عُرْوَةَ الْحَدِيثَ: إِنِّي كَيْفَ لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ، وَأَنَا صَحِبْتُهُ، وَسَمِعْتُ مِمَّنْ صَحِبَ، وَسَمِعَ مِمَّنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَسَمِعَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَعَرِفْتُ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ وَأَوْقَاتَهَا وَأَرْكَانَهَا، يُقَالُ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ. يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُخَاطَبِ، فَأَبْهَمَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَبَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ. اهـ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ عُمَرَ لَمْ يُنْكِرْ بَيَانَ الْأَوْقَاتِ، وَإِنَّمَا اسْتَعْظَمَ إِمَامَةَ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ اهـ. وَهُوَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَوْقَاتِ تَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَكَيْفَ تَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. (يَحْسُبُ) : بِضَمِّ السِّينِ مَعَ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَقِيلَ: بِالنُّونِ (بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ بِالنُّونِ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَقُولُ، أَيْ: يَقُولُ هُوَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَنَحْنُ نَحْسُبُ بِعَقْدِ أَصَابِعِهِ، وَهَذَا مِمَّا يَشْهَدُ بِإِتْقَانِهِ وَضَبْطِهِ أَحْوَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَالَ مِيرَكُ: لَكِنْ صَحَّ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَالْمِشْكَاةِ: يَحْسُبُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ فَاعِلَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: يَقُولُ ذَلِكَ حَالَ كَوْنِهِ يَحْسُبُ تِلْكَ الْمَرَّاتِ بِعَقْدِ أَصَابِعِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا أَظْهَرُ لَوْ سَاعَدَتْهُ الرِّوَايَةُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 960
٥٨٥ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: إِنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ ; مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ. ثُمَّ كَتَبَ: أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إِنْ كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا، إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، وَالصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ
ــ
٥٨٥ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) : ﵁ (أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ) : جَمْعِ عَامِلٍ أَيْ: أُمَرَائِهِ (إِنَّ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا (أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي) : أَيْ: فِي اعْتِقَادِي الْمُطَابِقِ بِالصَّوَابِ (الصَّلَاةُ) : بِدَلِيلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيِ: الْأَمْرُ بِهَا وَالسَّعْيُ فِي إِظْهَارِهَا، وَدُعَاءُ النَّاسِ إِلَيْهَا (مَنْ حَفِظَهَا) : بِأَنْ أَدَّى شَرَائِطَهَا وَأَرْكَانَهَا (وَحَافَظَ عَلَيْهَا) : أَيْ: دَاوَمَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُبْطِلْهَا بِالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ وَالْغُرُورِ وَالْعَجَبِ (حَفِظَ دِينَهُ) : أَيْ: بَقِيَّةَ أُمُورِ دِينِهِ ; لِأَنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ؛ وَلِأَنَّهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ؛ وَلِأَنَّهَا فَرْقٌ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَالْمُطِيعِ وَالْعَاصِي، وَلِأَنَّهَا نَجْوَى بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَهِيَ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَسْهُوَ عَنْهَا، وَيُؤَدِّيهَا فِي أَوْقَاتِهَا، وَيُتِمُّ أَرْكَانَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا، وَيُؤَكِّدُ نَفْسَهُ بِالِاهْتِمَامِ بِهَا وَالتَّكْرِيرِ. بِمَعْنَى الِاسْتِقَامَةِ وَالدَّوَامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] (وَمَنْ ضَيَّعَهَا) : أَيِ: الصَّلَاةَ بِتَرْكِهَا رَأْسًا أَوْ بِتَرْكِ بَعْضِ مَا يَجِبُ فِيهَا (فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا: أَيْ سِوَى الصَّلَاةِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ (أَضْيَعُ) : أَيْ: أَكْثَرُ تَضْيِيعًا ; لِأَنَّهَا أُمُّ الْعِبَادَاتِ وَرَأْسُ الطَّاعَاتِ وَمَاحِيَةُ السَّيِّئَاتِ (ثُمَّ كَتَبَ) : أَيْ عُمَرُ (أَنْ) : أَيْ: بِأَنْ (صَلُّوا الظُّهْرَ إِنْ كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا) : أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْوَقْتُ مُقَدَّرٌ أَيْ: وَقْتُ كَوْنِ الْفَيْءِ قَدْرَ ذِرَاعٍ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِمَحَلٍّ يَكُونُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ مِقْدَارَ الْفَيْءِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ (إِلَى أَنْ يَكُونَ) : أَيْ: يَسْتَمِرُّ وَقْتُهَا إِلَى أَنْ يَصِيرَ (ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ) : أَيْ: سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ (وَالْعَصْرَ) : بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الظُّهْرِ (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ (قَدْرُ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ) : ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: مُرْتَفِعَةٌ أَيْ: ارْتِفَاعُهَا مِقْدَارُ أَنْ يَسِيرَ الرَّاكِبُ (فَرْسَخَيْنِ) : إِلَى الْمَغْرِبِ (أَوْ ثَلَاثَةً) : أَيْ: ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ. وَالْفَرْسَخُ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ خُطْوَةً، وَثُلُثُهُ مِيلٌ (قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، وَالْمَغْرِبَ) : بِالنَّصْبِ (إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ) : بِالنَّصْبِ (إِذَا غَابَ الشَّفَقُ) : أَيِ: الْأَحْمَرُ وَيَسْتَمِرُّ (إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَمَنْ نَامَ) : أَيْ: قَبْلَ الْعِشَاءِ كَذَا فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَمَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا سِيَّمَا الْعِشَاءَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا بِأَنْ سَهَا عَنْهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا (فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ) : دَعَا بِنَفْيِ الِاسْتِرَاحَةِ عَلَى مَنْ يَسْهُو عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَيَنَامُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (فَمَنْ نَامَ) : يَعْنِى: تَكَاسُلًا أَوْ تَهَاوُنًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ) : التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ أَوْ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّائِمِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي هَذَا تَحْرِيمُ النَّوْمِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى التَّفْصِيلِ هُوَ أَنَّهُ تَارَةً يَنَامُ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَتَارَةً بَعْدَ دُخُولِهِ، فَفِي الثَّانِي إِنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ نَوْمَهُ يَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ لَمْ يَجُزْ لَهُ النَّوْمُ إِلَّا إِنْ وَثِقَ مِنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يُوقِظُهُ بِحَيْثُ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ كَامِلَةً فِي الْوَقْتِ، وَكَذَا فِي الْأَوَّلِ عِنْدَ جَمَاعَاتٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا حُرْمَةَ فِيهِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ قَبْلَ الْوَقْتِ لَمْ يُكَلَّفْ بِهَا بَعْدُ اهـ. وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الثَّانِي وَهُوَ الْمُقْتَضِي لِقَوَاعِدِنَا. (وَالصُّبْحَ) : بِالنُّصْبِ (وَالنُّجُومُ) : بِالرَّفْعِ (بَادِيَةٌ) : بِالْيَاءِ أَيْ: ظَاهِرَةٌ (مُشْتَبِكَةٌ) : أَيْ: مُخْتَلِطَةٌ (رَوَاهُ مَالِكٌ) .
стр. 961
٥٨٦ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٥٨٦ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ) : بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنَ الصَّلَاةِ، أَوْ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ: أَعْنِي (فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ) : أَيْ: مِنَ الْفَيْءِ (إِلَى خَمْسَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا أَمْرٌ مُخْتَلِفٌ فِي الْأَقَالِيمِ وَالْبُلْدَانِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي طُولِ الظِّلِّ وَقِصَرِهِ هُوَ زِيَادَةُ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ وَانْحِطَاطِهَا، فَكُلَّمَا كَانَتْ أَعْلَى وَإِلَى مُحَاذَاةِ الرُّءُوسِ أَقْرَبَ كَانَ الظِّلُّ أَقْصَرَ، وَبِالْعَكْسِ. وَلِذَلِكَ ظِلَالُ الشِّتَاءِ أَبَدًا أَطْوَلُ مِنْ ظِلَالِ الصَّيْفِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَكَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَهُمَا مِنَ الْإِقْلِيمِ الثَّانِي، فَيَذْكُرُونَ أَنَّ الظِّلَّ فِي أَوَّلِ الصَّيْفِ فِي شَهْرِ آذَارَ ثَلَاثَةُ أَقْدَامٍ وَشَيْءٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْوَقْتِ الْمَعْهُودِ، فَيَكُونُ عِنْدَ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ، وَأَمَّا الظِّلُّ فِي الشِّتَاءِ فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ فِي تِشْرِينَ الْأَوَّلِ خَمْسَةُ أَقْدَامٍ أَوْ خَمْسَةٌ وَشَيْءٌ، وَفِي الْكَانُونِ سَبْعَةُ أَقْدَامٍ أَوْ سَبْعَةٌ وَشَيْءٌ، فَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ مُنَزَّلٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فِي ذَلِكَ الْإِقْلِيمِ دُونَ سَائِرِ الْأَقَالِيمِ، وَالْبُلْدَانِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْإِقْلِيمِ الثَّانِي. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: اضْطَرَبُوا فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: وَكَانَ يُؤَخِّرُ فِي الصَّيْفِ إِلَى أَنْ يَبْقَى قَدْرُ الظِّلِّ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، وَلِلنَّسَائِيِّ: فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ، وَالَّذِي عِنْدِي فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي الصَّيْفِ بَعْدَ نِصْفِ الْوَقْتِ، وَفِي الشِّتَاءِ أَوَّلَهُ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ حَدُّ الْإِبْرَادِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا حَدَّ لِلْإِبْرَادِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَعَدَّى فِي الْإِبْرَادِ عَنْ نِصْفِ الْوَقْتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 962
[بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَوَاتِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٨٧ - عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: «كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْر َ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْفَيْءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ بِالسِتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(٢) بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَوَاتِ
وَفَى نُسْخَةٍ: الصَّلَاةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا جِنْسُ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، يَعْنِي: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّلَاةِ تَعْجِيلُهَا وَالْمُبَادَرَةُ إِلَيْهَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيِّرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] إِلَّا مَا خَصَّهُ الشَّارِعُ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَهَا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٥٨٧ - (عَنْ سَيَّارِ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ (بْنِ سَلَامَةَ) : بَصْرِيٌّ تَمِيمِيٌّ، مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا الْعَالِيَةَ، وَسَمِعَ مِنْهُ عَوْفٌ، وَشُعْبَةُ (قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (الْأَسْلَمِيِّ) : هُوَ نَضْلَةُ بْنُ عُبِيدٍ (فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟) : أَيِ: الْمَفْرُوضَةَ بِاعْتِبَارِ أَوْقَاتِهَا (فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ) : فِي النِّهَايَةِ: الْهَجْرُ وَالْهَاجِرُ اشْتِدَادُ الْحَرِّ فِي نِصْفِ النَّهَارِ (الَّتِي تَدْعُونَهَا) : أَيْ: تُسَمُّونَهَا. فِي الْفَائِقِ: أَنَّثَ صِفَةَ الْهَجِيرِ أَعْنِي: الْمَوْصُولَ ; لِكَوْنِ الصَّلَاةِ مُرَادَةً، وَقِيلَ: أَنَّثَهَا؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْهَاجِرَةِ أَوِ التَّقْدِيرُ: صَلَاةُ الْهَجِيرِ، وَقِيلَ: الْهَجِيرُ هُوَ صَلَاةُ الظُّهْرِ فِي لُغَةِ بَعْضِ الْعَرَبِ، سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تُصَلَّى فِي الْهَاجِرَةِ (الْأُولَى) : فِي النِّهَايَةِ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ وَصُلِّيَتْ. وَقَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةِ النَّهَارِ يَعْنِي الْعُرْفِيَّ (حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ مِنْ: دَحَضَتْ رَحْلُهُ إِذَا زَلِقَتْ، أَيْ تَزُولُ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ إِلَى جِهَةِ
стр. 963
الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهَا إِذَا انْحَطَّتْ لِلزَّوَالِ كَأَنَّهَا دَحَضَتْ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ: غَرَضُ الرَّاوِي أَنْ يِعْرِفَ الْمُخَاطَبِينَ أَنَّ الْهَجِيرَ وَالْأُولَى وَالظُّهْرَ وَاحِدٌ (وَيُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ) : أَيْ: بَعْدَ الصَّلَاةِ (أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ) : أَيْ: مَنْزِلِهِ (فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ) : صِفَةٌ لِرَحْلِهِ، وَلَيْسَ بِظَرْفٍ لِلْفِعْلِ. أَيِ: الْكَائِنُ فِي أَبْعَدِ الْمَدِينَةِ وَآخِرِهَا (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ: أَيْ: صَافِيَةُ اللَّوْنِ عَنِ التَّغْيِيرِ وَالِاصْفِرَارِ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ ضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، فَكَأَنَّهُ قَدْ مَاتَ. قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ: حَيَاةُ الشَّمْسِ مُسْتَعَارَةٌ عَنْ بَقَاءِ لَوْنِهَا وَقُوَّةِ ضَوْئِهَا وَشِدَّةِ حَرِّهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْمَغِيبَ مَوْتَهَا (وَنَسِيتُ) : أَيْ: قَالَ سَيَّارُ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: قَالَ عَوْفٌ، قِيلَ هُوَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ وَهُوَ سَهْوٌ، إِذْ هُوَ رَاوٍ عَنْ سَيَّارٍ (مَا قَالَ) : أَيْ: أَبُو بَرْزَةَ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَابْنُ حَجَرٍ، وَعَلَى مَا فِي الْمَصَابِيحِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ سَيَّارًا (فِي الْمَغْرِبِ) : أَيْ: فِي حَقِّ صَلَاتِهِ (وَكَانَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى كَانَ يُصَلِّي (يَسْتَحِبُّ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ (أَنْ يُؤَخِّرَ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَعْلُومِ أَوِ الْمَجْهُولِ (الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ) : قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَتَمَةُ هِيَ الظُّلْمَةُ الَّتِي بَعُدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَائِدَةُ الْوَصْفِ هَنَا نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْأَوَّلِ، وَلِمَا يَأْتِي أَنَّ الْأَعْرَابَ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَهَا إِلَّا بِالْعَتَمَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَسْمِيَةُ الْعِشَاءِ عَتَمَةً الَّتِي هِيَ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَنَا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ، الْحَدِيثَ. وَتَسْمِيَتُهَا عَتَمَةً فِي خَبَرِ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي الصُّبْحِ وَالْعَتَمَةِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنَّ النَّهْيَ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورِ لِلتَّنْزِيهِ، أَوْ أَنَّهُ خَاطَبَ بِهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعِشَاءَ، وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ لَهَا الْعِشَاءُ الْأَخِيرَةُ، وَإِنْكَارُ الْأَصْمَعِيِّ لَهُ غَلَطٌ فَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِهِ اهـ.
وَالْمُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ. (وَكَانَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا) : لِخَوْفِ الْفَوْتِ (وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا) : أَيِ: التَّحَدُّثَ بِكَلَامِ الدُّنْيَا لِيَكُونَ خَتْمُ عَمَلِهِ عَلَى عِبَادَةٍ، وَآخِرُهُ ذِكْرُ اللَّهِ، فَإِنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ، أَكْثَرُهُمْ عَلَى كَرَاهَةِ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا، وَبَعْضُهُمْ رَخَّصَ فِي رَمَضَانَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: إِذَا غَلَبَهُ النَّوْمُ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ إِذَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوَقْتِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَقَدْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ. قَالَ: لَأَنْ أَنَامَ عَنِ الْعِشَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ اللَّغْوِ بَعْدَهَا، وَرَخَّصَ بَعْضُهُمُ التَّحَدُّثَ فِي الْعِلْمِ، وَفِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنَ الْحَوَائِجِ وَمَعَ الْأَهْلِ وَالضَّيْفِ. وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَرَضَ بَيْتَ شِعْرٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْأَخِيرَةِ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ» " وَخُصَّ ذَلِكَ بِالشِّعْرِ الْمَذْمُومِ، وَفِي خَبَرِ أَحْمَدَ: «لَا سَمَرَ إِلَّا لِمُصَلٍّ وَمُسَافِرٍ» . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمِنَ الْمُحَرَّمِ قِرَاءَةُ نَحْوِ: سِيرَةِ الْبَطَّالِ، وَعَنْتَرَةَ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فِي خَيْرٍ أَوْ لِعُذْرٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ (وَكَانَ يَنْفَتِلُ) : أَيْ: يَنْصَرِفُ أَوْ يَلْتَفِتُ إِلَى الْمَأْمُومِينَ (مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ) : أَيِ: الصُّبْحِ (حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ) : أَيْ: مُجَالِسَهُ بِجَنْبِهِ (وَيَقْرَأُ) : أَيْ: فِي الصُّبْحِ (بِالسِتِّينَ) : أَيْ: آيَةً، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ كَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْآيَاتِ فِي الصَّلَاةِ، وَرُبَّمَا يَزِيدُ (إِلَى الْمِائَةِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا أَنْسَبُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
(وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ: لِلشَّيْخَيْنِ (وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) : بَلْ يَسْتَحِبُّهُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 964
٥٨٨ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: «سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ: إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٨٨ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) : قَالَ الْمُصَنِّفُ: تَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ جَابِرٍ، وَقَالَ مِيرَكُ: ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ (قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ) : أَيْ: أَوْقَاتِ صَلَاتِهِ ﷺ ، (فَقَالَ) : أَيْ: جَابِرُ (كَانَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ) : أَيْ. شِدَّةِ الْحَرِّ يَعْنِي بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ، وَقِيلَ أَيْ: فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ (وَالْعَصْرَ) : أَيْ: وَيُصَلِّي الْعَصْرَ (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) : أَيْ: بَاقِيَةٌ عَلَى ضَوْئِهَا (وَالْمَغْرِبَ) : بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ (إِذَا وَجَبَتْ) : أَيْ: سَقَطَتِ الشَّمْسُ فِي الْمَغِيبِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهِيَ مَعْلُومَةٌ مِنَ السِّيَاقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] . وَهَذَا غَفْلَةٌ مِنْهُ عَنْ ذِكْرِهَا فِي قَوْلِهِ: وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. قَالَ الْفَائِقُ: أَصْلُ الْوُجُوبِ السُّقُوطُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] وَالْمُرَادُ بِسُقُوطِهَا غَيْبُوبَةُ جَمِيعِهَا (وَالْعِشَاءَ) : نُصِبَ لِمَا مَرَّ (إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمْلَتَانِ الشُّرْطِيَّتَانِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ حَالَانِ مِنَ الْفَاعِلِ أَيْ: يُصَلِّي الْعِشَاءَ مُعَجَّلًا إِذَا كَثُرَ النَّاسُ، وَمُؤَخَّرًا إِذَا قَلُّوا، أَوْ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَا مِنَ الْمَفْعُولِ، وَالرَّاجِعُ مُقَدَّرٌ أَيْ عَجَّلَهَا أَوْ أَخَّرَهَا اهـ. وَالتَّقْدِيرُ مُعَجَّلَةٌ وَمُؤَخَّرَةٌ. (وَالصُّبْحَ) : بِالنَّصْبِ (بِغَلَسٍ) : الْغَلَسُ: بِفَتْحَتَيْنِ ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ إِذَا اخْتَلَطَتْ بِضَوْءِ الصَّبَاحِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 965
٥٨٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، «قَالَ: إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ بِالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
ــ
٥٨٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ بِالظَّهَائِرِ) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَهِيَ جَمْعُ الظَّهِيرَةِ مِنَ النَّهَارِ، وَأَرَادَ بِهَا الظُّهْرَ وَجَمْعُهَا إِرَادَةُ الظُّهْرِ كُلَّ يَوْمٍ (سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا) : قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهَا الثِّيَابُ الْمَلْبُوسَةُ، وَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا الثِّيَابُ الْمُصَلَّى عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُجِزِ السُّجُودَ عَلَى ثَوْبٍ أَنْتَ لَابِسُهُ؛ لِحَدِيثِ خَبَّابٍ يَعْنِي ظَاهِرًا (اتِّقَاءَ الْحَرِّ) : مَفْعُولٌ لَهُ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الْإِبْرَادَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَالسَّجْدَةُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ، وَغَيْرِهِ مِنَ الثَّوْبِ الْمَلْبُوسِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لَكِنْ تَرْتَفِعُ الْكَرَاهَةُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الشِّيعَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
стр. 966
٥٩٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ» ".
ــ
٥٩٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ ") : أَيْ: بِصَلَاةِ الظُّهْرِ.
стр. 967
٥٩١ - وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: رَبِّ! أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ فَمِنْ سَمُومِهَا وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْبَرْدِ فَمِنْ زَمْهَرِيرِهَا» .
ــ
٥٩١ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ " بِالظُّهْرِ ") : أَيْ: أَدْخِلُوهَا فِي وَقْتِ الْبَرْدِ، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ (فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) : بِفَاءٍ ثُمَّ يَاءٍ ثُمَّ حَاءٍ أَيْ: نَفْسِهَا أَوْ حَرَارَتِهَا أَوْ غَلَيَانِهَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَاهُ سُطُوعُ حَرِّهَا وَانْتِشَارُهَا اهـ. إِذِ الْفَيْحُ الْوُسْعُ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ الْوَاوُ مِنْ فَاحَ يَفُوحُ، فَهُوَ فَيْحٌ كَهَانَ يَهُونُ فَهُوَ هَيِّنٌ فَخُفِّفَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، قِيلَ: مَنْدُوبٌ لِطَالِبِ الْجَمَاعَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: التَّعْجِيلُ أَوْلَى لِحَدِيثِ خَبَّابٍ أَنَّهُ قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا، وَلَمْ يُشْكِنَا أَيْ: لَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا وَلَمْ يُرَخِّصْ لَنَا فِي التَّأْخِيرِ» اهـ. وَالْمُعَوَّلُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالتَّأْخِيرُ يُقَيَّدُ إِلَى آخِرِ
стр. 968
الْوَقْتِ لِئَلَّا يُعَارَضَ. (وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا) : جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْأُولَى، وَإِنْ دَخَلَتِ الْوَاوُ بَيْنَ الْمُبَيِّنِ وَالْمُبَيَّنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ﴾ [البقرة: ٧٤] (فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ أَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، وَأَنْ يَكُونَ مَجَازًا فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ (فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ) : أَيْ: فِيهَا (نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ) : أَنَّ الْمُرَادَ الْحَقِيقَةُ لَا غَيْرُ، ثُمَّ نَبَّهَ أَنَّ أَحَدَ النَّفَسَيْنِ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ أَشَدُّ الْحَرِّ، وَالْآخَرُ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ أَشَدُّ الْبَرْدِ بِقَوْلِهِ: (أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ) : أَيِ: الْبَرْدِ، وَقَالَ الْقَاضِي: اشْتِكَاءُ النَّارِ مَجَازٌ عَنْ كَثْرَتِهَا وَغَلَيَانِهَا، وَازْدِحَامِ أَجْزَائِهَا بِحَيْثُ يَضِيقُ مَكَانُهَا عَنْهَا، فَيَسْعَى كُلُّ جُزْءٍ فِي إِفْنَاءِ الْجُزْءِ الْآخَرِ، وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَكَانِهِ، وَنَفَسُهَا لَهَبُهَا، أَوْ خُرُوجُ مَا بَرَزَ مِنْهَا مَأْخُوذٌ مِنْ نَفَسِ الْحَيَوَانِ، وَهُوَ الْهَوَاءُ الدُّخَّانِيُّ الَّذِي تُخْرِجُهُ الْقُوَّةُ الْحَيَوَانِيَّةُ، وَيَبْقَى مِنْهُ حَوَالَيِ الْقَلْبِ، وَبَيَانُهُ: أَنَّهُ كَمَا جَعَلَ مُسْتَطَابَاتِ الْأَشْيَاءِ وَمَا يَسْتَلِذُّ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا أَشْبَاهَ نَعِيمِ الْجِنَانِ، لِيَكُونُوا أَمْيَلَ إِلَيْهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ [البقرة: ٢٥] الْآيَةَ. كَذَلِكَ جَعَلَ الشَّدَائِدَ الْمُؤْلِمَةَ وَالْأَشْيَاءَ الْمُؤْذِيَةَ أُنْمُوذَجًا لِأَحْوَالِ الْجَحِيمِ، وَمَا يُعَذَّبُ بِهِ الْكَفَرَةُ وَالْعُصَاةُ لِيَزِيدَ خَوْفُهُمْ وَانْزِجَارُهُمْ، فَمَا يُوجَدُ مِنَ السَّمُومِ الْمُهْلِكَةِ، فَمِنْ حَرِّهَا، وَمَا يُوجَدُ مِنَ الصَّرْصَرِ الْمُجَمَّدَةِ فَهُوَ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا، وَهُوَ طَبَقَةٌ مِنْ طَبَقَاتِ الْجَحِيمِ، وَيَحْتَمِلُ هَذَا الْكَلَامُ وُجُوهًا أُخَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: نَفَسٍ بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: يَجُوزُ الرَّفْعُ، وَقَوْلُهُ: أَشَدُّ بِالرَّفْعِ عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أَيْ: ذَلِكَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ أَوْلَى لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. قَالَ السَّيِّدُ: وَيُرْوَى بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى الْبَدَلِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَرُوِيَ بِنَصْبِ أَشَدَّ صِفَةٌ لِنَفَسَيْنِ أَوْ بَدَلًا، وَفِيهِ: أَنَّ نَفَسَيْنِ مَجْرُورٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رُوِيَ فِي أَشَدَّ النَّصْبُ أَيْضًا، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ أَعْنِي، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ (فَمَا) إِمَّا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ، وَمِنَ الْحَرِّ وَمِنَ الزَّمْهَرِيرِ بَيَانٌ لَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ فَمِنْ سَمُومِهَا ") : بِفَتْحِ السِّينِ (وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْبَرْدِ فَمِنْ زَمْهَرِيرِهَا) : قَالَ بَعْضُهُمْ: فَعُلِمَ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ فِي النَّارِ شِدَّةَ الْحَرِّ وَشِدَّةَ الْبَرْدِ، وَقِيلَ: كُلٌّ مِنْهُمَا طَبَقَةٌ مِنْ طَبَقَاتِ الْجَحِيمِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْحِكَمِ الْإِلَهِيَّةِ حَيْثُ أَظْهَرَ آثَارَ الْفَيْحِ فِي زَمَانِ الْحَرِّ، وَآثَارَ الزَّمْهَرِيرِ فِي الشِّتَاءِ لِتَعَوُّدِ الْأَمْزِجَةِ بِالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، فَلَوِ انْعَكَسَ لَمْ تَحْتَمِلْهُ ; إِذِ الْبَاطِنُ فِي الصَّيْفِ بَارِدٌ فَيُقَاوِمُ حَرَّ الظَّاهِرِ، وَفِي الشِّتَاءِ حَارٌّ فَيُقَاوِمُ بَرْدَ الظَّاهِرِ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ حَرِّ الصَّيْفِ وَبَرْدِ الشِّتَاءِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، فَلَعَلَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُ بِأَنْ يَحْفَظَ تِلْكَ الْحَرَارَةَ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ يُرْسِلَهَا عَلَى التَّدْرِيجِ حِفْظًا لِأَبْدَانِهِمْ وَأَشْجَارِهِمْ، وَكَذَا الْبَرْدُ.
стр. 969
٥٩٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٩٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ) : أَيْ: فَيَتَوَجَّهُ (الذَّاهِبُ) : أَيْ: بَعْدَ الْعَصْرِ (إِلَى الْعَوَالِي) : جَمْعُ عَالِيَةٍ، وَهِيَ أَمَاكِنُ مَعْرُوفَةٌ بِأَعَالِي أَرْضِ الْمَدِينَةِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَوْضِعٌ عَلَى نِصْفِ فَرْسَخٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: اسْمُ قُرَى مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ، وَبَيْنَ بَعْضِهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ (فَيَأْتِيهِمْ) : أَيْ: يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَيْ: إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ فَيَصِلُ إِلَى أَهْلِ الْعَوَالِي (وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) : أَيْ: لَمْ تَصْفَرَّ (وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ) : ظَاهِرُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ الرَّاوِي عَنْ أَنَسٍ، أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ، بَيَّنَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَالْعَوَالِي فِي الْمَدِينَةِ عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا اخْتِصَارٌ مُخِلٌّ مُوهِمٌ لِخِلَافِ الْمَقْصُودِ، وَحَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: وَعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَبَعْضُ الْعَوَالِي إِلَخْ. كَذَا حَقَّقَهُ مِيرَكُ شَاهْ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ) : أَيْ: مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ وَأَمَّا بُعْدُ الْعَوَالِي مِنْ جِهَةِ نَجْدٍ، فَعَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ، وَهَذَا مَعْنَى مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: أَدْنَاهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، وَأَقْصَاهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ. وَالْمِيلُ: ثُلُثُ فَرْسَخٍ، وَالْفَرْسَخُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ خُطْوَةً، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْدَامٍ. (أَوْ نَحْوِهِ) : أَيْ: نَحْوِ الْمِقْدَارِ الْمَذْكُورِ أَيْ: قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَبَعْضُ الْعَوَالِي إِلَخْ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ وَقَالَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 970
٥٩٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ: يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتْ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ ; قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ــ
٥٩٣ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ ") : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِشَارَةٌ إِلَى مَذْكُورٍ حُكْمًا أَيْ: صَلَاةُ الْعَصْرِ الَّتِي أُخِّرَتْ إِلَى الِاصْفِرَارِ (يَجْلِسُ) : حَالٌ (يَرْقُبُ الشَّمْسَ) : أَيْ: يَنْتَظِرُ نُورَهَا (حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتْ) : أَيِ: الشَّمْسُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: حَتَّى زَائِدَةٌ أَيْ: يَرْقُبُ وَقْتَ اصْفِرَارِهَا (وَكَانَتِ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ) : أَيْ: قَرُبَتْ مِنَ الْغُرُوبِ (قَامَ) أَيْ: إِلَى الصَّلَاةِ (فَنَقَرَ أَرْبَعًا) : أَيْ: لَقَطَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ سَرِيعًا، فَالنَّقْرُ عِبَارَةٌ عَنِ السُّرْعَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: عَنْ سُرْعَةِ الْقِرَاءَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا) : أَيْ: ذِكْرًا يُعْتَدُّ بِهِ لِعَدَمِ اعْتِقَادِهِ أَوْ لِخُلُوِّ إِخْلَاصِهِ (إِلَّا قَلِيلًا) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُنْفَصِلٌ أَيْ: لَكِنَّهُ فِي زَمَنِ قَلِيلٍ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ بِلِسَانِهِ فَقَطْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: تِلْكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَالْخَبَرُ بَيَانٌ لِمَا فِي الذِّهْنِ، وَيَجْلِسُ إِلَخْ. جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ بَيَانٌ لِلْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ، وَإِذَا: لِلشَّرْطِ، وَقَامَ: جَزَاؤُهُ، وَالشَّرْطِيَّةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ. وَقَوْلُهُ: فَنَقَرَ مَنْ نَقْرِ الطَّائِرِ الْحَبَّةِ نَقْرًا. أَيِ الْتَقَطَهَا، وَتَخْصِيصُ الْأَرْبَعِ بِالنَّقْرِ، وَفِي الْعَصْرِ ثَمَانِي سَجَدَاتٍ اعْتِبَارًا بِالرَّكَعَاتِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْعَصْرَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى، وَقِيلَ: إِنَّمَا خَصَّهَا؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي فِي وَقْتِ تَعَبِ النَّاسِ مِنْ مُقَاسَاةِ أَعْمَالِهِمْ. قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي مَنْ أَخَّرَ صَلَاةَ الْعَصْرِ إِلَى الِاصْفِرَارِ فَقَدْ شَبَّهَ نَفْسَهُ بِالْمُنَافِقِ، فَإِنَّ الْمُنَافِقَ لَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ، بَلْ إِنَّمَا يُصَلِّي لِدَفْعِ السَّيْفِ، وَيُبَالِي بِالتَّأْخِيرِ إِذْ لَا يَطْلُبُ فَضِيلَةً وَلَا ثَوَابًا، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُخَالِفَ الْمُنَافِقَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 971
٥٩٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٩٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الَّذِي تَفُوتُهُ ") أَيْ: لِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ (صَلَاةُ الْعَصْرِ: أَيْ: عَنْ آخِرِ الْوَقْتِ، وَقِيلَ: عَنِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ (فَكَأَنَّمَا وُتِرَ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: سُلِبَ وَأُخِذَ (أَهْلَهُ وَمَالَهُ) : بِنَصْبِهِمَا وَرَفْعِهِمَا أَيْ: فَكَأَنَّمَا فَقَدَهُمَا بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ نُقِصَهُمَا. قَالَ السَّيِّدُ: رُوِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِوُتِرَ، وَأُضْمِرَ فِي وُتِرَ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الَّذِي تَفُوتُهُ، فَالْمَعْنَى أُصِيبَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] أَوْ هُوَ بِمَعْنَى سُلِبَ وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ وُتِرَ بِمَعْنَى أُخِذَ، فَيَكُونُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ هُوَ الْمَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فِي الْفَائِقِ أَيْ: خُرِّبَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَسُلِبَ، مِنْ وَتَرْتُ فُلَانًا إِذَا قَتَلْتُ حَمِيمَهُ، أَوْ نُقِّصَ وَقُلِّلَ مِنَ الْوِتْرِ وَهُوَ الْفَرْدُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] قَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّهُمُ الْمُصَابُونَ الْمَأْخُوذُونَ، فَمَنْ رَدَّ النَّقْصَ إِلَى الرَّجُلِ نَصَبَهُمَا، وَمَنْ رَدَّهُ إِلَى الْأَهْلِ رَفَعَهُمَا اهـ.
أَيْ: نَقَصَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ فَبَقِيَ وِتْرًا فَرْدًا بِلَا أَهْلٍ وَمَالٍ، يُقَالُ: وَتَرَهُ حَقَّهُ أَيْ: نَقَصَهُ، قِيلَ مَعْنَاهُ، فَوْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَكْثَرُ خَسَارًا مَنْ فَوْتِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ فَلْيَكُنْ حَذَرُهُ مَنْ فَوْتِهَا كَحَذَرِهِ مِنْ ذَهَابِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، بَلْ أَكْثَرَ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْحَقَ بِالْعَصْرِ بَاقِي الصَّلَوَاتِ، وَقَدْ نَبَّهَ بِالْعَصْرِ عَلَى غَيْرِهَا، وَخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا الْوُسْطَى فَتَرْكُهَا أَقْبَحُ مِنْ غَيْرِهَا، وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ، وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالِاحْتِمَالِ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ خُصُوصِيَّةٍ لَمْ نُدْرِكْ وَجْهَهَا، وَقِيلَ: وَجْهُ تَخْصِيصِ الْعَصْرِ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ وَقْتَ اشْتِغَالِهِمْ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَيَكُونُ فِيهِمَا إِيمَاءً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 972
٥٩٥ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٩٥ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ ") : أَيْ: عَمْدًا، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ مَنْ فَاتَتْهُ (حَبِطَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَقَدْ حَبِطَ (عَمَلُهُ) : أَيْ: بَطُلَ كَمَالُ عَمَلِ يَوْمِهِ ذَلِكَ إِذْ لَمْ يُثَبْ ثَوَابًا مُوَفَّرًا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، فَتَعْبِيرُهُ بِالْحُبُوطِ وَهُوَ الْبُطْلَانُ لِلتَّهْدِيدِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. يَعْنِي: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ إِبْطَالِ مَا سَبَقَ مِنْ عَمَلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ مُرْتَدًّا لِقَوْلِهِ: " ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] " بَلْ يُحْمَلُ الْحُبُوطُ عَلَى نُقْصَانِ عَمَلِهِ فِي يَوْمِهِ، لَا سِيَّمَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَقَرَّرَ أَنْ يُرْفَعَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، وَلِأَهْلِ السُّنَّةِ دَلَائِلُ مَشْهُورَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، يَعْنِي: مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْكَبَائِرَ تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَأَمَّا الِارْتِدَادُ فَمُجَرَّدُهُ مُحْبِطٌ لِلْأَعْمَالِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْحَجِّ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 973
٥٩٦ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ نَبْلَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٩٦ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) : أَنْصَارِيٌّ أَوْسِيٌّ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا الصُّغْرَى، وَشَهِدَ أُحُدًا وَأَصَابَهُ فِيهِ سَهْمٌ، وَانْتَقَضَتْ جِرَاحَتُهُ زَمَنَ عَبْدِ الْمَلَكِ بْنِ مَرْوَانَ فَمَاتَ. (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْ: جَمَاعَةً (فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا) : أَيْ: مِنَ الصَّلَاةِ (وَإِنَّهُ) : أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ أَحَدَنَا (لَيُبْصِرُ) : أَيْ: بَعْدَ الِانْصِرَافِ (مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مَسَاقِطَ سَهْمِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي يُصَلِّي الْمَغْرِبَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَوْ رُمِيَ سَهْمٌ يُرَى أَيْنَ سَقَطَ. قُلْتُ: وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْمَغْرِبِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 974
٥٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٩٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانُوا) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ (يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ) أَيْ: صَلَاةَ الْعِشَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ. وَلَعَلَّ قَوْلَهَا الْعَتَمَةَ لِلْعِشَاءِ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ اهـ. أَوْ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَتَدَبِّرْ (فِيمَا بَيْنَ) : أَيْ: فِي الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ بَيْنَ (أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) : أَيْ: وَمَا بَعْدَهُ، وَحُذِفَ هَذَا مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي صِحَّةِ (بَيْنَ) لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ (إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ) : بِالْجَرِّ صِفَةُ ثُلُثٍ، وَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ مِنَ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ فِيمَا بَيْنَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَثُلُثِ اللَّيْلِ، وَتَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَدَّرَ لِمَغِيبِ الشَّفَقِ أَجْزَاءٌ لِيَخْتَصَّ (بَيْنَ) بِهَا، وَنَجْعَلُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ حَالًا مِنْ فَاعِلِ يُصَلُّونَ أَيْ: يُصَلُّونَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مُنْتَهِينَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ تَقَعَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فِي أَجْزَاءِ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ وَأَثْنَائِهَا، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَهَا بَعْدَ تَحَقُّقِ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا.
стр. 975
٥٩٨ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٥٩٨ - (وَعَنْهَا) : أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اللَّامُ فِيهِ لِلِابْتِدَاءِ، وَقَدْ دَخَلَ الْخَبَرُ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْكُوفِيَّةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عِنْدَ الْبَصْرِيَّةِ أَيْ: لَهُوَ يُصَلِّي (فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ) : أَيِ: اللَّاتِي يُصَلِّينَ مَعَهُ وَكُنُّ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ عَلَى أَعْلَى غَايَةِ الصِّيَانَةِ، فَمَا كَانَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِنَّ وَلَا بِهِنَّ فِتْنَةٌ أَلْبَتَّةَ، وَلَمَّا حَدَثَتِ الْفِتَنُ لَهُنَّ وَبِهِنَّ مَنَعَهُنَّ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةَ: لَوْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَا أَحَدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (مُلْتَفِعَاتٍ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِيَّةِ أَيْ: مُسْتَتِرَاتٍ وُجُوهَهُنَّ وَأَبْدَانَهُنَّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّلَفُّعُ شِدَّةُ اللِّفَاعِ وَهُوَ مَا يُغَطِّي الْوَجْهَ وَيُتَلَحَّفُ بِهِ (بِمُرُوطِهِنَّ) : الْمِرْطُ: بِالْكَسْرِ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ خَزٍّ يُؤْتَزَرُ بِهِ، وَقِيلَ: الْجِلْبَابُ، وَقِيلَ: الْمِلْحَفَةُ (مَا يُعْرَفْنَ) : مَا: نَافِيَةٌ أَيْ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، وَلَا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا (مِنَ الْغَلَسِ) : مِنَ: ابْتِدَائِيَّةٌ بِمَعْنَى لِأَجَلٍ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْغَلَسُ: ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَى الِاتِّسَاعِ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ بَعْدَ الصَّبَاحِ، وَقِيلَ: مِنْ غَلَسِ الْمَسْجِدِ أَيْ: مِنْ أَجْلِ ظُلْمَتِهِ وَعَدَمِ إِسْفَارِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَظْهَرُ النُّورُ فِيهِ إِلَّا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ أَيْضًا.
стр. 976
٥٩٩ - وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى. قُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٥٩٩ - (وَعَنْ قَتَادَةَ) : بَصْرِيٌّ سُدُوسِيٌّ، يُعَدُّ فِي الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ تَابِعِي الْبَصْرَةِ، كَانَ أَعْمَى قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا) : أَيْ: أَكَلَا السَّحُورَ (فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا) : بِفَتْحِ السِّينِ اسْمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ، وَقِيلَ بِضَمِّهَا وَهُوَ مَصْدَرٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: السَّحُورُ: بِفَتْحِ السِّينِ هُوَ الْمَحْفُوظُ أَيْ: مِنَ الرُّوَاةِ، وَلَوْ ضُمَّ جَازَ فِي اللُّغَةِ كَالْوَضُوءِ وَالْوُضُوءِ (قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ (إِلَى الصَّلَاةِ) : أَيِ: الصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ ذِهْنًا وَهِيَ هُنَا صَلَاةُ الصُّبْحِ (فَصَلَّى) : أَيْ: إِمَامًا وَهُوَ مَعَهُ (قُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ) : أَيِ: الْمِقْدَارُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اشْتُقَّ مِنْهُ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهَا الْجُمْلَةُ أَيْ: أَيُّ زَمَانٍ كَانَ (بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرَ) : بِالنَّصْبِ خَبَرٌ لَكَانَ الْمُقَدَّرِ، أَيْ: كَانَ مَا بَيْنَهُمَا قَدْرَ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيِ: الْفَاصِلَةُ قَدْرُ (مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا تَقْدِيرٌ لَا يَجُوزُ لِعُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ الْأَخْذُ بِهِ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِطْلَاعِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ، وَكَانَ ﵊ مَعْصُومًا عَنِ الْخَطَأِ فِي الدِّينِ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَإِنَّ كَانَ رَجُلٌ عَارِفٌ حَاذِقٌ بِدُخُولِ الصُّبْحِ يَقِينًا بِعِلْمِ النُّجُومِ جَازَ لَهُ هَذَا التَّأْخِيرُ أَيْضًا إِلَى هَذَا الْمِقْدَارِ. قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ لَهُ الْيَقِينُ مَعَ احْتِمَالِ خَطَئِهِ فِي أَمْرِ الدِّينِ. وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزُوا لَهُ الصِّيَامَ وَالْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ بِنَاءً عَلَى عِلْمِهِ بِالْهِلَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 977
٦٠٠ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ - أَوْ قَالَ: يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا -؟ قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا. فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ ; فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٦٠٠ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَيْفَ أَنْتَ ") : أَيْ: كَيْفَ الْحَالُ وَالْأَمْرُ بِكَ (إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ) : جَمْعُ أَمِيرٍ، وَمُنِعَ صَرْفُهُ لِأَلِفِ التَّأْنِيثِ أَيْ: كَانُوا أَئِمَّةً مُسْتَوْلِينَ عَلَيْكَ (يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ) : أَيْ: يُؤَخِّرُونَهَا (- أَوْ يُؤَخِّرُونَهَا ") : أَيِ: الصَّلَاةَ (عَنْ وَقْتِهَا) : أَيْ: عَنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: شَكُّ أَبُو ذَرٍّ مَحَلُّ بَحْثٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَا حَالُكَ حِينَ تَرَى مَنْ هُوَ حَاكِمٌ عَلَيْكَ مُتَهَاوِنًا فِي الصَّلَاةِ يُؤَخِّرُهَا عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى مُخَالَفَتِهِ إِنْ صَلَّيْتَ مَعَهُ فَاتَتْكَ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَإِنْ خَالَفْتَهُ خِفْتَ أَذَاهُ وَفَاتَتْكَ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، وَعَلَيْكَ خَبَرُ كَانَ أَيْ: كَانَ الْأُمَرَاءُ مُسَلَّطِينَ عَلَيْكَ قَاهِرِينَ لَكَ، وَفِي الْحَدِيثِ إِخْبَارٌ بِالْغَيْبِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ فَكَانَ مُعْجِزَةً (قُلْتُ: فَمَا) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَمَاذَا (تَأْمُرُنِي؟) : أَيْ: فَمَا الَّذِي تَأْمُرُنِي بِهِ أَنْ أَفْعَلَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ (قَالَ: " صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ") : أَيْ: لِوَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ، (فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا) : بِأَنْ حَضَرْتَهَا (مَعَهُمْ، فَصَلِّ) : كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ مِنْ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ بِلَا هَاءٍ، وَقَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: فَصَلِّهْ عَلَى أَنَّهَا هَاءُ السَّكْتِ، وَالثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ فَصَلِّهَا أَيِ الصَّلَاةَ اهـ.
وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ يُرْوَى: فَصَلِّ هَكَذَا، وَيُرْوَى: فَصَلِّهَا، وَيُرْوَى: فَصَلِّهِ أَيِ الْفَرْضَ، أَوْ مَا أَدْرَكْتَ أَوْ هُوَ هَاءُ السَّكْتِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الصُّبْحَ وَالْعَصْرَ لَا نَفْلَ بَعْدَهُمَا، وَالْمَغْرِبُ لَا تُعَادُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ النَّفْلَ لَا يَكُونُ ثُلَاثِيًّا وَإِنْ ضُمَّ إِلَيْهَا رَكْعَةٌ، فَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلْإِمَامِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّهَا تَصِيرُ شَفْعًا فَإِنْ أَعَادَهَا يُكْرَهُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْإِطْلَاقُ فَتُرْفَعُ الْكَرَاهَةُ لِلضَّرُورَةِ؛ إِذِ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، وَالْمَعْنَى فَصَلِّهَا مَعَهُمْ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَنْوِي الْإِعَادَةَ أَوِ النَّافِلَةَ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَفِيهِ أَنَّ إِعَادَةَ الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ، وَمِنْ مَنَعَهَا مَحْجُوجٌ بِهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَنْوِي النَّافِلَةَ لَا الْقَضَاءَ وَلَا الْإِعَادَةَ قَوْلُهُ (فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ) : أَيْ: فَإِنَّهَا لَكَ زِيَادَةُ خَيْرٍ وَعَلَيْهِمْ نُقْصَانُ أَجْرٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَالْأَرْبَعَةُ قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 978
٦٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ. وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ؟ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٠١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً ") : قَالَ الْبَغَوِيُّ: أَرَادَ رَكْعَةً بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا فَفِيهِ تَغْلِيبٌ (مِنَ الصُّبْحِ) : أَيْ: صَلَاتِهِ (قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَالَ مَعْنَاهُ فَقَدْ أَدْرَكَ وَقْتَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ ثُمَّ صَارَ أَهْلًا، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرُ رَكْعَةٍ لَزِمَتْهُ تِلْكَ الصَّلَاةُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَقَدْ أَدْرَكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ (وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ; فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ وَقْتُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالْحَدِيثُ حَجَّةٌ عَلَيْهِ، وَجَوَابُهُ: مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْجُزْءَ الْمُقَارِنَ لِلْأَدَاءِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَآخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ وَقْتٌ نَاقِصٌ إِذْ هُوَ وَقْتُ عِبَادَةِ الشَّمْسِ، فَوَجَبَ نَاقِصًا فَإِذَا أَدَّاهُ أَدَّاهُ كَمَا وَجَبَ، فَإِذَا اعْتُرِضَ الْفَسَادُ بِالْغُرُوبِ لَا تَفْسُدُ، وَالْفَجْرُ كُلُّ وَقْتِهِ وَقْتٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ لَا تُعْبَدُ قَبْلَ طُلُوعِهَا فَوَجَبَ كَامِلًا، فَإِذَا اعْتُرِضَ الْفَسَادُ بِالطُّلُوعِ تَفْسُدُ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّهَا كَمَا وَجَبَ فَإِنَّ قِيلَ هَذَا تَعْلِيلٌ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ! قُلْنَا: لَمَّا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ النَّهْيِ الْوَارِدِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ رَجَعْنَا إِلَى الْقِيَاسِ كَمَا هُوَ حُكْمُ التَّعَارُضِ، وَالْقِيَاسُ رَجَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَحَدِيثَ النَّهْيِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَأَمَّا سَائِرُ الصَّلَوَاتِ فَلَا تَجُوزُ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الْمَكْرُوهَةِ لِحَدِيثِ النَّهْيِ الْوَارِدِ إِذْ لَا مُعَارِضَ لِحَدِيثِ النَّهْيِ فِيهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
стр. 979
٦٠٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ; فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ. وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٦٠٢ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً ") : أَيْ: رَكْعَةً إِطْلَاقًا لِلْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ أَوْ سُمِّيَتِ الرَّكْعَةُ سَجْدَةً لِإِتْمَامِهَا بِهَا (مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ؟ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ) : أَيْ: لِيُكْمِلَهَا بِالْبَاقِيَةِ (وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ) : أَيْ: بِالْقَضَاءِ عِنْدَنَا بِأَنْ يُعِيدَهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ. وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا قَبْلَهُ لِعُنْوَانِ الْبَابِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُمَا اسْتِطْرَادًا، أَوْ يُقَالُ فِيهِمَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ إِلَى آخِرِ أَجْزَاءِ وَقْتِهَا، فَلَا يَكُونُ مُقَصِّرًا، وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَجَّلَهَا فِي الْجُمْلَةِ حَيْثُ أَدَّاهَا قَبْلَ الْفَوْتِ.
стр. 980
٦٠٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ: لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٦٠٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ نَسِيَ صَلَاةً ") : أَيْ: مَنْ تَرَكَهَا نِسْيَانًا (أَوْ نَامَ عَنْهَا) : ضَمَّنَ نَامَ مَعْنَى غَفَلَ أَيْ: غَفَلَ عَنْهَا فِي حَالِ نَوْمِهِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ نَامَ غَافِلًا عَنْهَا (فَكَفَّارَتُهَا) : هِيَ فِي الْأَصْلِ فَعَّالَةٌ لِلْمُبَالَغَةِ، ثُمَّ صَارَتِ اسْمًا لِلْفَعْلَةِ أَوِ الْخَصْلَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُكَفِّرَ الْخَطِيئَةَ أَيْ: تَسْتُرُ إِثْمَهَا وَتَمْحُوهُ (أَنْ يُصَلِّيهَا إِذَا ذَكَرَهَا) : أَيْ: بَعْدَ النِّسْيَانِ أَوِ النَّوْمِ، وَقِيلَ: فِيهِ تَغْلِيبٌ لِلنِّسْيَانِ، فَعَبَّرَ بِالذِّكْرِ وَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الِاسْتِيقَاظَ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّوْمَ لَمَّا كَانَ يُورِثُ النِّسْيَانَ غَالِبًا قَابَلَهُمَا بِالذِّكْرِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ لَا يُكَفِّرُهَا غَيْرُ قَضَائِهَا أَوْ لَا يَلْزَمُهُ مِنْ نِسْيَانِهَا زِيَادَةُ تَضْعِيفٍ وَلَا كَفَّارَةٌ مِنْ صَدَقَةٍ، كَمَا يَلْزَمُ فِي تَرْكِ الصَّوْمِ أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ إِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنْ نُسُكٍ فَدِيَةٌ مِنْ دَمٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ صِيَامٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَائِتَةَ الْمُتَذَكَّرَةَ لَا تَتَأَخَّرُ (وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ أَنَّهُ زَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى هَذِهِ الْعِبَارَةَ، لَا أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بَدَلٌ عَلَى الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ يَقْتَضِي مُشَارًا إِلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْ يُصَلِّيهَا إِذَا ذَكَرَهَا جِيءَ بِالثَّانِيَةِ تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ لَهَا كَفَّارَةً غَيْرَ الْقَضَاءِ. قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، قُلْتُ: يَظْهَرُ وَجْهُهُ فِي مُرَاجَعَةِ الْأُصُولِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : أَيْ: بِرِوَايَتَيْهِ. قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْجَمَاعَةُ أَيْ: بَقِيَّتُهُمْ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ عِبَارَةٌ عَنْ أَرْبَابِ صِحَاحِ السِّتِّ.
стр. 981
٦٠٤ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ. فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا ; فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: " ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ــ
٦٠٤ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَيْسَ فِي النَّوْمِ ") : أَيْ: فِي حَالِهِ (تَفْرِيطٌ) : أَيْ: تَقْصِيرٌ يُنْسَبُ إِلَى النَّائِمِ فِي تَأْخِيرِهِ الصَّلَاةَ (إِنَّمَا التَّفْرِيطُ) : أَيْ يُوجَدُ (فِي الْيَقَظَةِ) : أَيْ: فِي وَقْتِهَا بِأَنْ تَسَبَّبَ فِي النَّوْمِ قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَهُ، أَوْ فِي النِّسْيَانِ بِأَنْ يَتَعَاطَى مَا يَعْلَمُ تَرَتُّبَهُ عَلَيْهِ غَالِبًا كَلَعِبِ الشَّطْرَنْجِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ مُقَصِّرًا حِينَئِذٍ، وَيَكُونُ آثِمًا (فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا ; فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ") : أَيْ: بَعْدَ النِّسْيَانِ أَوِ النَّوْمِ (فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] : اللَّامُ فِيهِ لِلْوَقْتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْآيَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً مِنَ التَّأْوِيلِ، لَكِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُصَارَ إِلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ الْحَدِيثَ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، فَالْمَعْنَى أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِهَا يَعْنِي: وَقْتَ ذِكْرِهَا. قَالَ: لِأَنَّهُ إِذَا ذَكَرَهَا فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ يَعْنِي أَقِمِ الصَّلَاةَ إِذَا ذَكَرْتَنَا، قَالَ: أَوْ يُقَدَّرُ الْمُضَافُ أَيْ لِذِكْرِ صَلَاتِي، أَوْ وُضِعَ ضَمِيرُ اللَّهِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الصَّلَاةِ لِشَرَفِهَا وَخُصُوصِيَّتِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: لِلذِّكْرَى، وَرَوَاهَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، كَذَا رَوَى النَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَيْضًا مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَرَأَ: لِلذِّكْرَى، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْآيَةُ لَمْ تُذْكَرْ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهَا، بَلْ لِبَعْثِ الْمُكَلَّفِ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: فَلْيُصَلِّهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا خُوطِبَ الْكَلِيمُ بِذَلِكَ مَعَ عِصْمَتِهِ عَنِ الذَّنْبِ وَنِسْبَةِ التَّفْرِيطِ إِلَيْهِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُخَاطَبَ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَأَبُو دَاوُدَ.
стр. 982
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٠٥ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا عَلِيُّ! ثَلَاثٌ لَا تُؤَخِّرْهَا: الصَّلَاةُ إِذَا أَتَتْ، وَالْجِنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالْأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفُؤًا.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٦٠٥ - (عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " يَا عَلِيُّ! ثَلَاثٌ ") : أَيْ مِنَ الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ الْمُسَوِّغُ لِلِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى ثَلَاثَةُ أَشْيَاءٍ. وَهِيَ: الصَّلَاةُ وَالْجِنَازَةُ وَالْمَرْأَةُ، وَلِذَا ذَكَرَ الْعَدَدَ (لَا تُؤَخِّرْهَا) : فَإِنَّ فِي التَّأْخِيرِ آفَاتٍ، بَلْ تَعَجَّلْ فِيهَا، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: «الْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ» (" الصَّلَاةُ ") : بِالرَّفْعِ أَيْ: مِنْهَا أَوْ إِحْدَاهَا أَوْ هِيَ، فَالرَّبْطُ بَعْدَ الْعَطْفِ، وَقِيلَ: بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي (إِذَا أَتَتْ) : بِالتَّاءَيْنِ مَعَ الْقَصْرِ، أَيْ: جَاءَتْ يَعْنِي وَقْتَهَا الْمُخْتَارَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَدِّ وَالنُّونِ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمَقْرُوءَةِ أَتَتْ بِالتَّاءَيْنِ، وَكَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ. وَالْمَحْفُوظُ مِنْ ذَوِي الْإِتْقَانِ آنَتْ عَلَى وَزْنِ حَانَتْ، يُقَالُ: أَنَى يَأْنِي آنًى إِذَا حَانَ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ بَحْثٌ؛ إِذِ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: مِنْ آنَ يَئِينُ أَيْنًا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَلَى وَزْنِ حَانَتْ مِنْ آنَ يَئِينُ أَيْنًا إِذَا دَخَلَ الْوَقْتُ، وَقِيلَ: مِنْ أَنَى يَأْنِي بِمَعْنَى حَانَتْ. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: إِذَا أَنَتْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَنَى يَأْنِي.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينِ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ﴾ [الحديد: ١٦] وَقَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْأَزْهَارِ: الْمَشْهُورُ مِنَ الْإِتْيَانِ قِيلَ: وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَالْمَحْفُوظُ آنَتْ عَلَى وَزْنِ حَانَتْ وَبِمَعْنَاهُ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَنَّهُ مِنْ أَنَى يَأْنِي أَيْنًا وَهُوَ أَيْضًا بِمَعْنَى حَانَ (وَالْجِنَازَةُ) بِالْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مَعَ كَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ فِي النَّعْشِ وَالْمَيِّتِ، وَقِيلَ: الْكَسْرُ لِلْأَوَّلِ وَالْفَتْحُ لِلثَّانِي، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا لِلْمَيِّتِ فِي النَّعْشِ (إِذَا حَضَرَتْ) : قَالَ الْأَشْرَفُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ لَا تَكُونُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا أَيْضًا إِذَا حَضَرَتْ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ مِنَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ وَالِاسْتِوَاءِ، وَأَمَّا إِذَا حَضَرَتْ قَبْلَهَا وَصُلِّيَ عَلَيْهَا فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ فَمَكْرُوهَةٌ، وَكَذَا حُكْمُ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ الصُّبْحِ وَقَبْلَهُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ فَلَا يُكْرَهَانِ مُطْلَقًا (وَالْأَيِّمُ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيِ: الْمَرْأَةُ الْعَزْبَةُ وَلَوْ بِكْرًا (إِذَا وَجَدْتَ) : أَنْتَ أَوْ وَجَدَتْ هِيَ (لَهَا كُفْؤًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَيِّمُ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً، ثَيِّبًا كَانَ أَوْ بِكْرًا، وَالْكُفْؤُ: الْمِثْلُ. وَفِي النِّكَاحِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرْأَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالصَّلَاحِ وَالنَّسَبِ وَحُسْنِ الْكَسْبِ وَالْعَمَلِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 983
٦٠٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْوَقْتُ الْأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ الْآخَرُ عَفْوُ اللَّهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
ــ
٦٠٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْوَقْتُ الْأَوَّلُ ") : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيِ التَّعْجِيلُ فِيهِ اهـ. وَخُصَّ مِنْهُ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ، أَوِ الْمُرَادُ أَوَّلُ وَقْتِ الْمُخْتَارِ (" مِنَ الصَّلَاةِ ") : بَيَانٌ لِلْوَقْتِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ (رِضْوَانُ اللَّهِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا أَيْ: سَبَبُ رِضَائِهِ كَامِلًا لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الطَّاعَاتِ، وَهُوَ خَبَرٌ إِمَّا بِحَذْفِ مُضَافٍ أَيِ الْوَقْتُ الْأَوَّلُ سَبَبُ رِضْوَانِ اللَّهِ لِأَنَّهُ عَجَّلَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَهُوَ مُؤَدٍّ إِلَى رِضَاهُ، أَوْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ أَيِ الْوَقْتُ الْأَوَّلُ عَيْنُ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ (وَالْوَقْتُ الْآخَرُ) : أَيْ: بِحَيْثُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خُرُوجًا عَنِ الْوَقْتِ. أَوِ الْمُرَادُ بِهِ وَقْتُ الْكَرَاهِيَةِ نَحْوُ: الِاصْفِرَارِ فِي الْعَصْرِ، وَالتَّجَاوُزِ عَنْ نِصْفِ اللَّيْلِ فِي الْعِشَاءِ (عَفْوُ اللَّهِ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: رِضْوَانُ اللَّهِ لِأَنَّهُ عَجَّلَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَهُوَ مُؤَدٍّ إِلَى رِضَاهُ، أَوْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ أَيِ الْوَقْتُ الْأَوَّلُ عَيْنُ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى بِمَا يَكُونُ لِلْمُحْسِنِينَ، وَالْعَفْوُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُقَصِّرِينَ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ.
стр. 984
قُلْتُ: وَلَعَلَّ الرَّحْمَةَ تَكُونُ لِلْمُتَوَسِّطِينَ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجْرٍ ذَكَرَ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ: وَوَسَطُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ أَيْ: أَنَّ إِبَاحَةَ التَّأْخِيرِ إِلَى وَسَطِهِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ حَيْثُ أَبَاحَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمُ الْأَدَاءَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، ثُمَّ التَّقْسِيمُ يُفِيدُ أَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ هُوَ الثُلُثُ الْأَوَّلُ مِنْهُ، وَهَكَذَا قِيَاسُ الْبَاقِي فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مُفِيدٌ جِدًّا. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَأْخِيرُ الصُّبْحِ إِلَى الْإِسْفَارِ، وَالْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءِ إِلَى مَا قَبْلَ ثُلُثِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهَا فَضِيلَةَ انْتِظَارٍ وَتَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ وَنَحْوَهُمَا، وَالْعَفْوُ يَجِيءُ بِمَعْنَى الْفَضْلِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] : يَعْنِي: أَنْفِقُوا مَا فَضَلَ عَنْ قُوتِكُمْ وَقُوتِ عِيَالِكُمْ، فَالْمَعْنَى فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَضْلُ اللَّهِ كَثِيرٌ اهـ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ أَوْ مُطْلَقٌ، لَكِنَّهُ خُصَّ بِبَعْضِ الْأَخْبَارِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ اهـ. وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ الْآتِي فِي الْحَدِيثِ بَعْدُ، قَالَهُ مِيرَكُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ ضَعِيفٌ مِنْ سَائِرِ طُرُقِهِ، فَلْيُحْمَلْ تَحْسِينُ مَنْ حَسَّنَهُ عَلَى أَنَّهُ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.
стр. 985
٦٠٧ - وَعَنْ أُمِّ فَرْوَةَ ﵂، قَالَتْ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُرْوَى الْحَدِيثُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، وَهُوَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
ــ
٦٠٧ - (وَعَنْ أُمِّ فَرْوَةَ) : أَنْصَارِيَّةٌ: مِنَ الْمُبَايِعَاتِ، وَهِيَ غَيْرُ أُمِّ فَرْوَةَ، أُخْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقِيلَ: هُمَا وَاحِدَةٌ فَلَا تَكُونُ حِينَئِذٍ أَنْصَارِيَّةً، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟) : أَيْ: أَكْثَرُ ثَوَابًا (قَالَ: " الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا ") : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اللَّامُ بِمَعْنَى " فِي " وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] أَيْ وَقْتِ حَيَاتِي لِأَنَّ الْوَقْتَ مَذْكُورٌ، وَلَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أَيْ: قَبْلَ عِدَّتِهِمْ لِذِكْرِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) . (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُرْوَى الْحَدِيثُ) : أَيْ: هَذَا الْحَدِيثُ (إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ) : أَيْ: ابْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ بْنِ الْخَطَّابِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ (وَهُوَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ) : وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ) : قَالَ مِيرَكُ: قَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَمُسْلِمٌ مَوْقُوفًا، وَتَكَلَّمَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
следующие страницы →