← Акыда

Акыда · id 8178

الإبانة عن أصول الديانة - ت فوقية

أبو الحسن الأشعري

Полный текст (246 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وهو حسبي ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم قال الشيخ الإمام العالم أبو الحسن علي بن إسماعيل بن علي بن أبي بشر الأشعري البصري ﵀: ١- الحمد لله الواحد الأحد، العزيز الماجد، المتفرد بالتوحيد، والمنفرد بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، ليس له مثل ولا نديد، وهو المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، جل عن اتخاذ الصواحب والأولاد، وتقدس عن ملابسة الأجناس والأرجاس، ليست له عثرة تقال، ولا حد يضرب له مثال، لم يزل

стр. 2

بصفاته أولا قديرا، ولا يزال عالما خبيرا، استوفى الأشياء علمه، ونفذت فيها إرادته، فلم تعزب عليه خفيات الأمور، ولم تغيره سوالف صروف الدهور، ولم يلحقه في خلق شيء مما خلق كلال ولا تعب، ولا مسه لغوب ولا نصب، خلق الأشياء بقدرته، ودبرها بمشيئته، وقهرها بجبروته، وذللها بعزته، فذل لعظمته المتكبرون، واستكان لعز ربوبيته المتعظمون، وانقطع دون الرسوخ في علمه العالمون، وذلت له الرقاب، وحارت في ملكوته فطن ذوى الألباب، وقامت بكلمته السماوات السبع، واستقرت الأرض المهاد، وثبتت الجبال الرواسي، وجرت الرياح اللواقح، وسار في جو السماء السحاب، وقامت على حدودها البحار، وهو الله الواحد القهار. ٢- فنحمده كما حمد نفسه، وكما هو أهله ومستحقه، وكما حمده الحامدون من جميع خلقه، ونستعينه استعانة من فوض الأمر

стр. 3

إليه، وأقر أنه لا منجى ولا ملجأ إلا إليه، ونستغفره استغفار مقر بذنبه، معترف بخطيئته. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارا بوحدانيته، وإخلاصا لربوبيته، وأنه العالم بما تظن الضمائر، وتنطوي عليه السرائر، وما تخفيه النفوس، وما تجن البحار، وما تواريه الأسراب، (وما تفيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار) ، لا توارى عنه كلمة، ولا تغيب عنه غائبة، (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) من الآية (٥٩) . ويعلم ما يعمل العاملون وما ينقلب إليه المنقلبون. ٣ - ونستهديه بالهدى، ونسأله التوفيق لمجانبة الردى. ٤ - ونشهد أن محمدا ﷺ عبده ورسوله، ونبيه وأمينه وصفيه، أرسله إلى خلقه بالنور الساطع، والسراج اللامع، والحجج الظاهرة، والبراهين والآيات الباهرة، والأعاجيب القاهرة، فبلّغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وجاهد في الله حق جهاده، حتى تمت كلمة الله ، وظهر أمره، وانقاد الناس إلى الحق خاضعين، حتى أتاه اليقين، لا وانيا ولا مقصرا،

стр. 4

فصلوات الله عليه من قائد إلى هدى مبين، وعلى أهل بيته الطيبين، وعلى أصحابه المنتخبين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين. عرَّفنا الله به الشرائع والأحكام، والحلال والحرام، وبيَّن لنا به شريعة الإسلام، حتى انجلت عنا طخياء الظلام، وانحسرت عنا به الشبهات، وانكشفت عنا به الغيابات، وظهرت لنا به البينات. وجاءنا بـ (كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد) من الآية (٤١ -٤٢) جمع فيه علم الأولين والآخرين، وأكمل به الفرائض والدين، فهو صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين، فمن تمسك به نجا، ومن خالفه ضل وغوى، وفي الجهل تردى، وحثنا الله في كتابه على التمسك بسنة رسوله ﷺ ، فقال : (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) من الآية (٧) ،

стр. 5

وقال : (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) من الآية (٦٣) ، وقال تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) من الآية (٨٣) ، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) من الآية (٥٩) ، يقول: إلى كتاب الله وسنة رسوله: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) ، وقال تعالى: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي) من الآية (١٥) ،

стр. 6

وقال: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) من الآية (٥١) فأمرهم أن يسمعوا قوله، ويطيعوا أمره، ويحذروا مخالفته، وقال: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) من الآية (٩٢) فأمرهم بطاعة رسوله كما أمرهم بطاعته، ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه كما أمرهم بالعمل بكتابه. ٥ - فنبذ كثير ممن غلبت عليهم شقوته، واستحوذ عليهم الشيطان سنن نبي الله ﷺ وراء ظهورهم، ومالوا إلى أسلاف لهم قلدوهم دينهم، ودانوا بديانتهم، وأبطلوا سنن نبي الله ﵊، ودفعوها وأنكروها وجحدوها افتراء منهم على الله، (قد ضلوا وما كانوا مهتدين) من الآية (١٤) . أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحذركم الدنيا، فإنها حلوة خضرة، تغر أهلها وتخدع سكَّانها،

стр. 7

قال الله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض) الآية من الآية (٤٥) . من كان فيها في حيرة أعقبته بعدها عبرة، ومن أعطته من سرائها بطنا أعقبته من ضرائها ظهرا، غرارة غرور ما فيها، فانية فَانٍ ما فيها، كما بقوله تعالى: (كل من عليها فان) (٢٦) ، فاعملوا رحمكم الله للحياة الدائمة، ولخلود الأبد، فإن الدنيا تنقضي على أهلها، وتبقى الأعمال قلائد في رقاب أهلها. واعلموا أنكم ميتون، ثم إنكم من بعد موتكم إلى ربكم راجعون، (ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) من الآية (٣١) . فكونوا بطاعة ربكم عاملين، وعما نهاكم منتهين.

стр. 8

فصل في قول أهل الزيغ والبدع: أما بعد: فإن كثيرا من الزائغين عن الحق من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلا لم ينزل به الله سلطانا، ولا أوضح به برهانا، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين، ولا عن السلف المتقدمين. وخالفوا روايات الصحابة ﵃ عن نبي الله ﷺ في رؤية الله بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات، وتواترت بها الآثار وتتابعت بها الأخبار.

стр. 9

وأنكروا شفاعة رسول الله ﷺ للمذنبين، ودفعوا الروايات في ذلك عن السلف المتقدمين. وجحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون ﵃ أجمعين. ودانوا بخلق القرآن نظيرا لقول إخوانهم من المشركين؛ الذين قالوا: (إن هذا إلا قول البشر) (٢٥) . وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر، نظيرا لقول المجوس الذين أثبتوا خالقين: أحدهما الخير، والآخر يخلق الشر. وزعمت القدرية أن الله تعالى يخلق الخير، والشيطان يخلق الشر. وزعموا أن الله تعالى يشاء ما لا يكون، ويكون مالا يشاء، خلافا لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وردا لقول الله تعالى

стр. 10

: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) من الآية (٣٠) فأخبر تعالى أنا لا نشاء شيئا إلا وقد شاء الله أن نشاءه. ولقوله: (ولو شاء الله ما اقتتلوا) من الآية (٢٥٣) ، ولقوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) من الآية (١٣) ، ولقوله تعالى: (فعال لما يريد) من الآية (١٠٧) ، ولقوله تعالى مخبرا عن نبيه شعيب ﷺ أنه قال: (وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علما) من الآية (٨٩) . ولهذا سماهم رسول الله ﷺ مجوس هذه الأمة؛ لأنهم دانوا بديانة المجوس، وضاهوا أقاويلهم. وزعموا أن للخير والشر خالقين، كما زعمت المجوس ذلك، وأنه يكون من الشرور ما لا يشاء الله كما قالت المجوس. وأنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم من دون الله عز

стр. 11

وجل، ردا لقول الله تعالى لنبيه ﷺ : (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله) (١٨٨) ، وإعراضا عن القرآن، وعما أجمع عليه أهل الإسلام. وزعموا أنهم منفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم، فأثبتوا لأنفسهم الغنى عن الله ، ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله بالقدرة عليه، كما أثبت المجوس لعنهم الله للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوا لله ، فكانوا مجوس هذه الأمة؛ إذ دانوا بديانة المجوس، وتمسكوا بأقاويلهم ومالوا إلى أضاليلهم. وقنطوا الناس من رحمة الله، وآيسوهم من روحه، وحكموا على العصاة بالنار والخلود فيها، خلافا لقول الله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) من الآية (٤٨) . وزعموا أن من دخل النار لا يخرج منها، خلافا لما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ : (إن الله يخرج قوما من النار بعد أن امْتَحَشُوا فيها

стр. 12

وصاروا حمما) . ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله : (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (٢٧) وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه: (لما خلقت بيدي) من الآية (٧٥) . وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه: (تجري بأعيننا) من الآية (١٤) ، وقوله: (ولتصنع على عيني) (٣٩) . وأنكروا أن يكون له سبحانه علم مع قوله: (أنزله بعلمه) من الآية (١٦٦) . وأنكروا أن يكون له قوة مع قوله سبحانه: (ذو القوة المتين) من الآية (٥٨) . ونفوا ما روي عن رسول الله ﷺ (أن الله

стр. 13

عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا) وغير ذلك مما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ . وكذلك جميع أهل البدع من الجهمية والمرجئة والحرورية، أهل الزيغ فيما ابتدعوا وخالفوا الكتاب والسنة، وما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه رضى الله عنهم أجمعين، وأجمعت عليه الأمة كفعل المعتزلة والقدرية وأنا ذاكر ذلك بابا بابا، وشيئا شيئا إن شاء الله تعالى وبه المعونة.

стр. 14

فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة: فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا ، وبسنة نبينا محمد ﷺ ، وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي

стр. 15

أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيع الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم. وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله إله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق. وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن الممارسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش، وفوق كل شيء، إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد.

стр. 16

وأن له سبحانه وجها بلا كيف، كما قال: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (٢٧) . وأن له سبحانه يدين بلا كيف، كما قال سبحانه: (خلقت بيدي) من الآية (٧٥) ، وكما قال: (بل يداه مبسوطتان) من الآية (٦٤) . وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: (تجري بأعيننا) من الآية (١٤) . وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا. وأن لله علما كما قال: (أنزله بعلمه) من الآية (١٦٦) ، وكما قال: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من الآية (١١) . ونثبت لله السمع والبصر، ولا ننفى ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج.

стр. 17

ونثبت أن لله قوة، كما قال: (أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) من الآية (١٥) . ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأنه سبحانه لم يخلق شيئا إلا وقد قال له كن، كما قال: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (٤٠) . وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله ، وأن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله، ولا يستغني عن الله، ولا يقدر على الخروج من علم الله . وأنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدرة، كما قال سبحانه: (والله خلقكم وما تعملون) (٩٦) ، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا، وهم يخلقون،

стр. 18

كما قال: (هل من خالق غير الله) من الآية (٣) ، وكما قال: (لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) من الآية (٢٠ /١٦) ، وكما قال سبحانه: (أفمن يخلق كمن لا يخلق) (١٧ /١٦) ، وكما قال: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) (٣٥ /٥٢) ، وهذا في كتاب الله كثير. وأن الله وفق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم، ونظر لهم، وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين ولم يهدهم، ولم يلطف بهم بالإيمان، كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين. وإن الله يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم حتى

стр. 19

يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين، كما علم وخذلهم وطبع على قلوبهم. وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره، وإنا نؤمن بقضاء الله وقدره، خيره وشره، حلوه ومره، ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا بإذن الله، كما قال : (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله) (١٨٨ /٧) . ونلجئ أمورنا إلى الله، ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه . ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر. وندين بأن الله يُرى في الآخرة بالأبصار، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله ﷺ . ونقول: إن الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنة، كما قال

стр. 20

سبحانه: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) (١٥ /٨٣) ، وإن موسى ﷺ سأل الله الرؤية في الدنيا، وأن الله تعالى تجلى للجبل فجعله دكا، فأعلم بذلك موسى أنه لا يراه في الدنيا. وندين بأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه ما لم يستحله، كالزنا والسرقة وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج، وزعمت أنهم كافرون. ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنا والسرقة وما أشبهها مستحلا لها، غير معتقد لتحريمها كان كافرا. ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانا. وندين الله بأنه يقلب القلوب بين أصبعين من أصابعه، وأنه سبحانه يضع السماوات على أصبع، والأرضين على

стр. 21

أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ من غير تكييف. وندين بأن لا ننزل أحدا من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا نارا، إلا من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين، ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين، أجارنا الله منها بشفاعة سيدنا وحبيبنا رسول الله ﷺ . ونقول: إن الله يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة رسول الله ﷺ ، تصديقا لما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ . ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض، وأن الميزان حق، والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وأن الله يوقف العباد في الموقف، ويحاسب المؤمنين. وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدل عن عدل، حتى تنتهي إلى رسول الله ﷺ .

стр. 22

وندين بحب السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ ، ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم، ونتولاهم أجمعين. ونقول: إن الإمام الفاضل بعد رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق رضى الله عنه، وأن الله أعز به الدين، وأظهره على المرتدين، وقدمه المسلمون بالإمامة، كما قدمه رسول الله ﷺ للصلاة، وسموه بأجمعهم خليفة رسول الله ﷺ ، ثم عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ثم عثمان بن عفان رضى الله عنه، وأن الذين قتلوه قتلوه ظلما وعدوانا، ثم علي بن أبي طالب ﵁. فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله ﷺ ، وخلافتهم خلافة النبوة

стр. 23

ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بها، ونتولى سائر أصحاب رسول الله ﷺ ، ونكف عما شجر بينهم. وندين بأن الأئمة الأربعة خلفاء راشدون، مهديون فضلاء، لا يوازنهم في الفضل غيرهم. ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل عن النزول إلى سماء الدنيا، وأن الرب يقول: (هل من سائل، هل من مستغفر) ، وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قاله أهل الزيغ والتضليل. ونعوِّل فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا ، وسنة نبينا ﷺ ، وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله

стр. 24

ما لم يأذن لنا، ولا نقول على الله مالا نعلم. ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة، كما قال سبحانه: (وجاء ربك والملك صفا صفا) (٢٢ /٨٩) . وأن الله مقرب من عباده كيف شاء بلا كيف، كما قال تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) من الآية (١٦ /٥٠) ، وكما قال سبحانه: (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) (٨ - ٩ / ٥٣) . ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد، وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر وفاجر، كما روى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهم كان يصلي خلف الحجاج.

стр. 25

وأن المسح على الخفين سنة في الحضر والسفر، خلافا لقول من أنكر ذلك. ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الاستقامة. وندين بإنكار الخروج بالسيف، وترك القتال في الفتنة، ونقر بخروج الدجال -أعاذنا الله من فتنته - كما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ . ونؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير عليهما الصلاة والسلام، ومساءلتهما المدفونين في القبور. ونصدق بحديث المعراج، وتصحيح كثير من الرؤيا في المنام، ونقر أن لذلك تفسيرا. ونرى الصدقة على موتى المسلمين، والدعاء لهم، ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك. ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحرا، وأن السحر كائن موجود في الدنيا.

стр. 26

وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة، برهم وفاجرهم، وتوارثهم. ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات وقتل فبأجله مات وقتل. وأن الأرزاق من قبل الله سبحانه، يرزقها عباده حلالا وحراما، وأن الشيطان يوسوس الإنسان، ويشككه ويخبطه، خلافا للمعتزلة والجهمية، كما قال تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) من الآية (٢٧٥ /٢) ، وكما قال: (من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس) (٤ - ٦ /١١٤) .

стр. 27

ونقول: إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات يظهرها عليهم. وقولنا في أطفال المشركين أن الله تعالى يؤجج لهم في الآخرة نارا، ثم يقول لهم اقتحموها، كما جاءت بذلك الرواية. وندين الله بأنه يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، وما كان وما يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين. ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء. وسنحتج لما ذكرناه من قولنا، وما بقى منه مما لم نذكره بابا بابا، وشيئا شيئا إن شاء الله .

стр. 28

الباب الأول الكلام في إثبات رؤية الله سبحانه بالأبصار في الآخرة قال الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة) (٢٢ /٧٥) يعني مشرقة، (إلى ربها ناظرة) (٢٣ /٧٥) يعني رائية، وليس يخلو النظر من وجوه نحن ذاكروها: إما أن يكون الله سبحانه عنى نظر الاعتبار، كقوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) (١٧ /٨٨) . أو يكون عنى نظر الانتظار، كقوله تعالى: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) من الآية (٤٩ /٣٦) أو يكون عنى نظر التعطف، كقوله تعالى

стр. 29

: (ولا ينظر إليهم يوم القيامة) من الآية (٧٧ /٣) . أو يكون عنى نظر الرؤية. فلا يجوز أن يكون الله عنى نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار اعتبار. ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار؛ لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، كما إذا ذكر أهل اللسان نظر القلب فقالوا: " انظر في هذا الأمر بقلبك "، لم يكن معناه نظر العينين، وكذلك إذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار؛ الذي يكون للقلب، وأيضا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم. وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن يكونوا منتظرين؛ لأنهم كلما خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم،

стр. 30

وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز أن يكون الله أراد نظر التعطف؛ لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم. وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر، وهو أن معنى قوله: (إلى ربها ناظرة) أنها رائية ترى ربها . ومما يبطل قول المعتزلة: أن الله أراد بقوله: (إلى ربها ناظرة) نظر الانتظار، أنه قال: (إلى ربها ناظرة) ونظر الانتظار لا يكون مقرونا بقوله: (إلى) ؛ لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار " إلى "، ألا ترى أن الله تعالى لما قال: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة) من الآية (٤٩ /٣٦) لم يقل " إلى "؛ إذ كان معناه الانتظار. وقال مخبرا عن بلقيس:

стр. 31

(فناظرة بم يرجع المرسلون) من الآية (٣٥ /٢٧) ، فلما أرادت الانتظار لم تقل " إلى ". وقال امرؤ القيس: فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب فلما أراد الانتظار لم يقل " إلى "، فلما قال سبحانه

стр. 32

: (إلى ربها ناظرة) (٢٣ /٧٥) علمنا أنه لم يرد الانتظار، وإنما أراد نظر الرؤية. ولما قرن الله النظر بذكر الوجه؛ أراد نظر العينين اللتين في الوجه، كما قال: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) (١٤٤ /٢) ، فذكر الوجه، وإنما أراد تقلب عينيه نحو السماء ينظر نزول الملك عليه، يصرف الله تعالى له عن قبلة بيت المقدس إلى القبلة. فإن قيل: لم قلتم: إن قوله تعالى: (إلى ربها ناظرة) إنما أراد إلى ثواب ربها ناظرة؟

стр. 33

قيل له: ثواب الله غيره، والله قال: (إلى ربها ناظرة) (٢٣ /٧٥) ولم يقل: إلى غيره ناظرة. والقرآن العزيز على ظاهره، وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة، وإلا فهو على ظاهره. ألا ترى أن الله لما قال: صلوا لي واعبدوني، لم يجز أن يقول قائل: إنه أراد غيره، ويزيل الكلام عن ظاهره؛ فلذلك لما قال: (إلى ربها ناظرة) لم يجز لنا أن نزيل القرآن عن ظاهره بغير حجة. ثم يقال للمعتزلة: إن جاز لكم أن تزعموا أن قول الله تعالى: (إلى ربها ناظرة) إنما أراد به أنها إلى غيره ناظرة، فلم لا جاز لغيركم أن يقول: إن قول الله سبحانه وتعالى

стр. 34

: (لا تدركه الأبصار) (١٠٣ /٦) أراد بها لا تدرك غيره، ولم يرد أنها لا تدركه؟ وهذا مما لا يقدرون على الفرق فيه. ودليل آخر: ومما يدل على أن الله تعالى يرى بالأبصار قول موسى ﷺ : (رب أرني أنظر إليك) من الآية (١٤٣ /٧) ولا يجوز أن يكون موسى صلوات الله عليه وسلامه - وقد ألبسه الله جلباب النبيين، وعصمه بما عصم به المرسلين - قد سأل ربه ما يستحيل عليه، فإذا لم يجز ذلك على موسى ﷺ علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلا، وأن الرؤية جائزة على ربنا تعالى. ولو كانت الرؤية مستحيلة على ربنا تعالى كما زعمت المعتزلة، ولم يعلم ذلك موسى ﷺ وعلموه هم لكانوا على

стр. 35

قولهم أعلم بالله من موسى ﷺ ، وهذا مما لا يدعيه مسلم. فإن قال قائل: ألستم تعلمون حكم الله في الظهار اليوم، ولم يكن نبي الله ﷺ يعلم ذلك قبل أن ينزل؟ قيل له: لم يكن يعلم نبي الله ﷺ ذلك قبل أن يلزم الله العباد حكم الظهار، فلما ألزمهم الحكم به أعلم نبيه ﷺ قبلهم، ثم أعلم نبي الله ﷺ عباد الله ذلك، ولم يأت عليه وقت لزمه حكمه فلم يعلم ﷺ ، وأنتم زعمتم أن موسى ﷺ وقت لزمه علمه وعلمتموه أنتم الآن لزمكم بجهلكم

стр. 36

أنكم بما لزمكم العلم به الآن أعلم من موسى ﷺ بما لزمه العلم به، وهذا خروج عن دين المسلمين. ودليل آخر: مما يدل على جواز رؤية الله تعالى بالأبصار قوله تعالى لموسى ﷺ : (فإن استقر مكانه فسوف تراني) من الآية (١٤٣ /٧) فلما كان الله تعالى قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا؛ كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى ﷺ ، فدل ذلك على أن الله تعالى قادر أن يُري عباده نفسه، وأنه جائز رؤيته. فإن قال قائل: فلِم لا قلتم إن قول الله تعالى: (فإن استقر مكانه فسوف تراني) من الآية (١٤٣ /٧) تبعيد للرؤية؟

стр. 37

قيل له: لو أراد الله تبعيد الرؤية لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه، ولم يقرنه بما يجوز وقوعه، فلما قرنه باستقرار الجبل وذلك أمر مقدور لله دل ذلك على أنه جائز أن يرى الله تعالى. ألا ترى أن الخنساء لما أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربا لأخيها قرنت الكلام بأمر مستحيل فقالت:

стр. 38

ولا أصالح قوما كنت حربهم حتى تعود بياضا حلكة القارى والله تعالى إنما خاطب العرب بلغتها، وما نجده مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها. فلما قرن الرؤية بأمر مقدور جائز علمنا أن رؤية الله بالأبصار جائزة غير مستحيلة. دليل آخر: قال الله : (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (١٦ /١٠) ، قال أهل التأويل: النظر إلى الله ، ولم يُنعم الله تعالى على أهل الجنة بأفضل من نظرهم إليه ورؤيتهم له. وقال تعالى: (ولدينا مزيد) من الآية (٣٥ /٥٠) قيل: النظر إلى الله . وقال تعالى: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) من الآية (٤٤ /٣٣) ،

стр. 39

وإذا لقيه المؤمنون رأوه. وقال تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) (١٥ /٨٣) فحجبهم عن رؤيته، ولا يحجب عنها المؤمنين.

стр. 40

فصل فإن قال قائل: فما معنى قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) من الآية (١٠٣ /٦) ؟ قيل له: يحتمل أن يكون لا تدركه في الدنيا، وتدركه في الآخرة؛ لأن رؤية الله تعالى أفضل اللذات، وأفضل اللذات تكون في أفضل الدارين. ويحتمل أن يكون الله تعالى أراد بقوله: (لا تدركه الأبصار) من الآية (١٠٣ /٦) يعني: لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين، وذلك أن كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلما قال في آية: إن الوجوه تنظر إليه يوم القيامة، وقال في آية أخرى: إن الأبصار لا تدركه، علمنا أنه إنما أراد أبصار الكافرين لا تدركه.
следующие страницы →