← Акыда

Акыда · id 8178

الإبانة عن أصول الديانة - ت فوقية

أبو الحسن الأشعري

Полный текст (246 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أنكم بما لزمكم العلم به الآن أعلم من موسى ﷺ بما لزمه العلم به، وهذا خروج عن دين المسلمين. ودليل آخر: مما يدل على جواز رؤية الله تعالى بالأبصار قوله تعالى لموسى ﷺ : (فإن استقر مكانه فسوف تراني) من الآية (١٤٣ /٧) فلما كان الله تعالى قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا؛ كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى ﷺ ، فدل ذلك على أن الله تعالى قادر أن يُري عباده نفسه، وأنه جائز رؤيته. فإن قال قائل: فلِم لا قلتم إن قول الله تعالى: (فإن استقر مكانه فسوف تراني) من الآية (١٤٣ /٧) تبعيد للرؤية؟

стр. 37

قيل له: لو أراد الله تبعيد الرؤية لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه، ولم يقرنه بما يجوز وقوعه، فلما قرنه باستقرار الجبل وذلك أمر مقدور لله دل ذلك على أنه جائز أن يرى الله تعالى. ألا ترى أن الخنساء لما أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربا لأخيها قرنت الكلام بأمر مستحيل فقالت:

стр. 38

ولا أصالح قوما كنت حربهم حتى تعود بياضا حلكة القارى والله تعالى إنما خاطب العرب بلغتها، وما نجده مفهوما في كلامها ومعقولا في خطابها. فلما قرن الرؤية بأمر مقدور جائز علمنا أن رؤية الله بالأبصار جائزة غير مستحيلة. دليل آخر: قال الله : (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (١٦ /١٠) ، قال أهل التأويل: النظر إلى الله ، ولم يُنعم الله تعالى على أهل الجنة بأفضل من نظرهم إليه ورؤيتهم له. وقال تعالى: (ولدينا مزيد) من الآية (٣٥ /٥٠) قيل: النظر إلى الله . وقال تعالى: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) من الآية (٤٤ /٣٣) ،

стр. 39

وإذا لقيه المؤمنون رأوه. وقال تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) (١٥ /٨٣) فحجبهم عن رؤيته، ولا يحجب عنها المؤمنين.

стр. 40

فصل فإن قال قائل: فما معنى قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) من الآية (١٠٣ /٦) ؟ قيل له: يحتمل أن يكون لا تدركه في الدنيا، وتدركه في الآخرة؛ لأن رؤية الله تعالى أفضل اللذات، وأفضل اللذات تكون في أفضل الدارين. ويحتمل أن يكون الله تعالى أراد بقوله: (لا تدركه الأبصار) من الآية (١٠٣ /٦) يعني: لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين، وذلك أن كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلما قال في آية: إن الوجوه تنظر إليه يوم القيامة، وقال في آية أخرى: إن الأبصار لا تدركه، علمنا أنه إنما أراد أبصار الكافرين لا تدركه.

стр. 41

مسألة والجواب عنها: فإن قال قائل: قد استكبر الله تعالى سؤال السائلين له أن يُرى بالأبصار، فقال: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا: أرنا الله جهرة) من الآية (١٥٣ /٤) فيقال لهم: إن بني إسرائيل سألوا رؤية الله على طريق الإنكار لنبوة موسى ﷺ ، وترك الإيمان به حتى يروا الله؛ لأنهم قالوا: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) فلما سألوه الرؤية على طريق ترك الإيمان بموسى ﷺ حتى يريهم الله نفسه؛ استعظم الله سؤالهم من غير أن تكون الرؤية مستحيلة عليهم، كما استعظم سؤال أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتابا من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلا، ولكن لأنهم أبوا أن يؤمنوا بنبي الله حتى ينزل عليهم من السماء كتابا. دليل آخر

стр. 42

: ومما يدل على إثبات رؤية الله تعالى بالأبصار رواية الجماعات من الجهات المختلفة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضارون في رؤيته) والرؤية إذا أطلقت إطلاقا ومثلت برؤية العيان لم يكن معناها إلا رؤية العيان، ورويت الرواية عن رسول الله ﷺ من طرق مختلفة عديدة، عدة رواتها أكثر من عدة خبر الرجم، ومن عدة من روى أن النبي ﷺ قال: (لا وصية لوارث) ، ومن عدة رواة المسح على الخفين، ومن عدة رواة قول رسول الله ﷺ : (لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها) ، وإذا كان الرجم وما ذكرناه سننا عند المعتزلة كانت الرؤية

стр. 43

أولى أن تكون سنة؛ لكثرة رواتها ونقلتها، كذا يرويها خلف عن سلف. والحديث (أنَّى أراه) لا حجة فيه؛ لأنه عندما سأل سائل النبي ﷺ عن رؤية الله في الدنيا، وقال له: هل رأيت ربك؟ فقال: (نورٌ أنى أراه) ؟ لأن العين لا تدرك في الدنيا الأنوار المخلوقة على حقائقها؛ لأن الإنسان لو حدق ينظر إلى عين الشمس فأدام النظر إلى عينها لذهب أكثر نور بصره، فإذا كان الله سبحانه حكم في الدنيا بأن لا تقوم العين بالنظر إلى عين الشمس فأحرى أن لا يثبت البصر للنظر إلى الله تعالى في الدنيا، إلا أن يقويه الله تعالى، فرؤية الله تعالى في الدنيا قد اختلف فيها.

стр. 44

وقد روي عن أصحاب رسول الله ﷺ أن الله تراه العيون في الآخرة، وما روى عن أحد منهم أن الله تعالى لا تراه العيون في الآخرة، فلما كانوا على هذا مجتمعين، وبه قائلين، وإن كانوا في رؤيته تعالى في الدنيا مختلفين، ثبتت في الآخرة إجماعا، وإن كانت في الدنيا مختلفا فيها. ونحن إنما قصدنا إلى إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة، على أن هذه الرواية على المعتزلة لا لهم؛ لأنهم ينكرون أن الله نور في الحقيقة. فإذا احتجوا بخبر هم له تاركون وعنه منحرفون، كانوا محجوجين. دليل آخر: ومما يدل على رؤية الله تعالى بالأبصار؛ أنه ليس موجود إلا وجائز أن بريناه الله ، وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم، فلما

стр. 45

كان الله موجودا مثبتا، كان غير مستحيل أن يرينا نفسه ، وإنما أراد من نفى رؤية الله بالأبصار التعطيل، فلما لم يمكنهم أن يظهروا التعطيل صراحا أظهروا ما يؤول بهم إلى التعطيل والجحود، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. دليل آخر: ومما يدل على رؤية الله سبحانه بالأبصار أن الله تعالى يرى الأشياء، وإذا كان للأشياء رائيا فلا يرى الأشياء من لا يرى نفسه، وإذا كان لنفسه رائيا فجائز أن يرينا نفسه، وذلك أن من لم يعلم نفسه لا يعلم الأشياء، فلما كان الله تعالى عالما بالأشياء كان عالما بنفسه، فكذلك من لا يرى نفسه لا يرى الأشياء، ولما كان الله رائيا للأشياء كان رائيا لنفسه، وإذا كان رائيا لها فجائز أن يرينا نفسه، كما أنه لما كان عالما بنفسه جاز أن يعلمناها، وقد قال تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى) من الآية (٤٦ /٢٠) ، فأخبر أنه يسمع كلا منهما ويراهما، ومن زعم أن الله لا يجوز أن يُرى بالأبصار يلزمه أن لا يجوز أن يكون الله رائيا ولا عالما ولا قادرا؛ لأن العالم والقادر الرائي جائز أن يُرى. مسألة: فإن قال قائل: قول النبي ﷺ : (ترون ربكم) يعني تعلمون ربكم اضطرارا. قيل له: إن النبي ﷺ قال لأصحابه هذا على سبيل البشارة، فقال: (فكيف بكم إذا رأيتم الله سبحانه) ، ولا يجوز أن يبشرهم بأمر يشركهم فيه مع الكفار، على أن النبي ﷺ قال

стр. 46

: (ترون ربكم) وليس يعني رؤية دون رؤية، بل ذلك عام في رؤية العين ورؤية القلب. دليل آخر: إن المسلمين اتفقوا على أن الجنة فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من العيش السليم، والنعيم المقيم، وليس نعيم في الجنة أفضل من رؤية الله تعالى بالأبصار. وأكثر مَن عَبَدَ اللهَ تعالى عَبَدَه للنظر إلى وجهه الكريم - أرانا الله إياه بفضله - فإذا لم يكن بعد رؤية الله أفضل من رؤية نبيه ﷺ ، وكانت رؤية نبي الله أفضل لذات الجنة كانت رؤية الله أفضل من رؤية نبيه ﷺ . وإذا كان ذلك كذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين، وملائكته

стр. 47

المقربين، وجماعة المؤمنين، والصديقين النظر إلى وجهه الكريم، وذلك أن الرؤية لا تؤثر في المرئي؛ لأن رؤية الرائي تقوم به، فإذا كان هذا هكذا، وكانت الرؤية غير مؤثرة في المرئي لم توجب تشبيها ولا انقلابا عن حقيقة، ولم يستحل على الله أن يَري عباده المؤمنين نفسه في جنانه. مسألة في الرؤية: احتجت المعتزلة في أن الله لا يُرى بالأبصار بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) من الآية (١٠٣ /٦) ، قالوا: فلما عطف الله بقوله: (وهو يدرك الأبصار) على قوله (لا تدركه الأبصار) ، وكان قوله: (وهو يدرك الأبصار) على العموم أنه يدركها في الدنيا والآخرة، وأنه يراها في الدنيا والآخرة، كان قوله

стр. 48

: (لا تدركه الأبصار) دليلا على أنه لا تراه الأبصار في الدنيا والآخرة، وكان في العموم كقوله: (وهو يدرك الأبصار) ؛ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر. قيل لهم: فيجب إذا كان عموم القولين واحدا، وكانت الأبصار أبصار العيون وأبصار القلوب؛ لأن الله تعالى قال: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (٤٦ /٢٢) ، وقال: (أولي الأيدي والأبصار) (٤٥ /٣٨) أي فهي بالأبصار، فأراد أبصار القلوب وهي التي يفضل بها المؤمنون الكافرين، ويقول أهل اللغة: فلان بصير بصناعته، يريدون بصر العلم، ويقولون: قد أبصرته بقلبي، كما يقولون قد أبصرته بعيني، فإذا كان البصر بصر العين

стр. 49

وبصر القلب ثم أوجبوا علينا أن يكون قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) في العموم كقوله: (وهو يدرك الأبصار) ؛ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر، وجب عليهم بحجتهم أن الله تعالى لا يُدرك بأبصار العيون ولا بأبصار القلوب؛ لأن قوله: (لا تدركه الأبصار) في العموم كقوله: (وهو يدرك الأبصار) وإذا لم يكن عندهم هكذا فقد وجب أن يكون قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) أخص من قوله: (وهو يدرك الأبصار) وانتقض احتجاجهم. وقيل لهم: إنكم زعمتم أنه لو كان قوله: (لا تدركه الأبصار) خاصا في وقت دون وقت لكان قوله: (وهو يدرك الأبصار) خاصا في وقت دون وقت

стр. 50

، وكان قوله: (ليس كمثله شيء) من الآية (١١ /٤٢) ، وقوله: (لا تأخذه سِنَة ولا نوم) من الآية (٢٥٥ /٢) ، وقوله: (لا يظلم الناس شيئا) من الآية (٤٤ /١٠) في وقت دون وقت، فإن جعلتم قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) من الآية (١٠٣ /٦) خاصا رجع احتجاجكم عليكم، وقيل لكم: إذا كان قوله: (لا تدركه الأبصار) خاصا ولم يجب خصوص هذه الآيات فلم أنكرتم أن يكون قوله : (لا تدركه الأبصار) إنما أراد في الدنيا دون الآخرة؟ وكما أن قوله: (لا تدركه الأبصار) أراد بعض الأبصار دون بعض، ولا يوجب ذلك تخصيص هذه الآيات التي عارضتمونا بها.

стр. 51

فإن قالوا: قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) يوجب أن لا يدرك بها في الدنيا والآخرة، وليس ينفي ذلك أن نراه بقلوبنا، ونبصره بها، ولا ندركه بها. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون لا تدركه بإبصار العيون لا يوجب إذا لم ندركه بها أن لا نراه، فرؤيتنا له بالعيون وإبصارنا له بها ليس بإدراك له بها، كما أن إبصارنا له بالقلوب ورؤيتنا له بها ليس بإدراك له بها. فإن قالوا: رؤية البصر هي إدراك البصر. قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: إن رؤية القلب وإبصاره هو إدراكه وإحاطته، فإذا كان علم القلب بالله وإبصار القلب له رؤيته إياه ليس بإحاطة ولا إدراك فما أنكرتم أن يكون رؤية العيون وإبصارها لله ليس بإحاطة ولا إدراك. مسألة: ويقال لهم: إذا كان قول الله سبحانه: (لا تدركه الأبصار) في العموم

стр. 52

كقوله: (وهو يدرك الأبصار) ؛ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر، فخبرونا أليس الأبصار والعيون لا تدركه رؤية ولا لمسا ولا ذوقا ولا على وجه من الوجوه؟ فمن قولهم: نعم، فيقال لهم: أخبرونا عن قوله تعالى: (وهو يدرك الأبصار) أتزعمون أنه يدركها لمسا وذوقا بأن يلمسها؟ فمن قولهم: لا. فيقال لهم: فقد انتقض قولكم: إن قوله: (وهو يدرك الأبصار) في العموم كقوله: (لا تدركه الأبصار) . مسألة: إذا قال قائل منهم: إن البصر في الحقيقة هو بصر العين لا بصر القلب. قيل له:

стр. 53

ولِم زعمت هذا وقد سمى أهل اللغة بصر القلب بصرا، كما سموا بصر العين بصرا، وإن جاز لك ما قلته جاز لغيركم أن يزعم أن البصر في الحقيقة هو بصر القلب دون العين، وإذا لم نجز هذا فقد وجب أن البصر بصر العين وبصر القلب. مسألة: ويقال لهم: حدثونا عن قول الله : (وهو يدرك الأبصار) ما معناه؟ فإن قالوا: معنى (يدرك الأبصار) أنه يعلمها. قيل لهم: وإذا كان أحد الكلامين معطوفا على الآخر، وكان قوله تعالى: (وهو يدرك الأبصار) معناه يعلمها، فقد وجب أن يكون قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) لا تعلمه، وهذا نفي للعلم لا لرؤية الأبصار. فإن قالوا: معنى قوله تعالى: (وهو يدرك الأبصار) أنه يراها رؤية ليس معناها العلم. قيل لهم

стр. 54

: فالأبصار التي في العيون يجوز أن ترى؟ فإن قالوا: نعم، نقضوا قولهم: إنا لا نرى بالبصر إلا من جنس ما نرى الساعة، فإن جاز أن يرى الله وكل ما ليس من جنس المرئيات وهو الإبصار الذي في العين، فلِم لا يجوز أن يرى نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات؟ ولِم لا يجوز أن يرينا نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات؟ ويقال لهم: حدثونا إذا رأينا شيئا فبصرنا يراه أو إنما يراه الرائي دون البصر؟ فمن قولهم: إنه محال أن يرى البصر الذي في العين. فيقال لهم: الآية تنفي أن تراه الأبصار، ولا تنفي أن يراه المبصرون. وإنما قال الله: (لا تدركه الأبصار) فهذا يدل على أن المبصرين لا يرونه على ظاهر الآية الشريفة.

стр. 55

الباب الثاني الكلام في أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق إن سأل سائل عن الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. قيل له الدليل على ذلك قوله تعالى: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) من الآية (٢٥ /٣٠) وأمر الله كلامه، فلما أمرهما بالقيام فقامتا لا يهويان؟ كان قيامهما بأمره. وقال : (ألا له الخلق والأمر) من الآية (٥٤ /٧) ، فالخلق جميع ما خلق داخل فيه؛ لأن الكلام إذا كان لفظه عاما فحقيقته أنه عام، ولا يجوز لنا أن نزيل الكلام عن حقيقته بغير حجة ولا برهان، فلما قال

стр. 56

: (ألا له الخلق) كان هذا في جميع الخلق، ولما قال: (والأمر) ذكر أمرا غير جميع الخلق، فدل ما وصفنا على أن أمر الله غير مخلوق. فإن قال قائل: أليس قد قال الله تعالى في كتابه: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل) من الآية (٩٨ /٢) . قيل له: نحن نخص القرآن بالإجماع وبالدليل، فلما ذكر الله نفسه وملائكته ولم يدخل في ذكر الملائكة جبريل وميكائيل وإن كانا من الملائكة، ثم ذكرهما بعد ذلك كأنه قال: الملائكة إلا جبريل وميكائيل، ثم ذكرهم بعد ذكر الملائكة فقال: وجبريل وميكائيل. ولما قال: (ألا له الخلق والأمر) من الآية (٥٤ /٧) ، ولم يخص قوله الخلق دليل، كان قوله ألا له الخلق في جميع

стр. 57

الخلق، ثم قال بعد ذكره الخلق " والأمر " فأبان الأمر من الخلق، وأمرُ الله كلامه، وهذا يوجب أن كلام الله غير مخلوق. وقال سبحانه: (لله الأمر من قبل ومن بعد) من الآية (٤ /٣٠) يعني من قبل أن يخلق الخلق ومن بعد ذلك، وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق. دليل آخر: ومما يدل من كتاب الله على أن كلامه غير مخلوق؛ قوله سبحانه: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (٤٠ /١٦) فلو كان القرآن مخلوقا لوجب أن يكون مقولا له: (كن فيكون) . ولو كان الله قائلا للقول: " كن " لكان للقول قولا، وهذا يوجب أحد أمرين: إما أن يؤول الأمر إلى أن قوله تعالى غير مخلوق. أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية، وذلك محال، وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله قولا غير مخلوق.

стр. 58

سؤال: فإن قال قائل: معنى قول الله: (أن يقول له كن فيكون) إنما يكون فيكون. قيل: الظاهر أن يقول له، ولا يجوز أن يكون قول الله للأشياء كلها كوني هو الأشياء؛ لأن هذا يوجب أن تكون الأشياء كلها كلاما لله ، ومن قال ذلك أعظم الفرية؛ لأنه يلزمه أن يكون كل شيء في العالم من إنسان وفرس وحمار وغير ذلك كلام الله، وفي هذا ما فيه. فلما استحال ذلك؛ صح أن قول الله للأشياء كوني غيرها، وإذا كان غير المخلوقات فقد خرج كلام الله عن أن يكون مخلوقا، ويلزم من يثبت كلام الله مخلوقا أن يثبت الله غير متكلم ولا قائل، وذلك فاسد، كما يفسد أن يكون علم الله مخلوقا، وأن يكون الله غير عالم. فلما كان الله لم يزل عالما؛ إذ لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفا، استحال أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفا؛ لأن خلاف الكلام الذي لا يكون معه كلام سكوت أو آفة، كما أن خلاف العلم الذي لا يكون معه علم جهل أو شك أو آفة، ويستحيل أن يوصف ربنا

стр. 59

جل وعلا بخلاف العلم. وكذلك يستحيل أن يوصف بخلاف الكلام من السكوت والآفات، فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلما، كما وجب أن يكون لم يزل عالما. دليل آخر: وقال الله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي) من الآية (١٠٩ /١٨) ، فلو كانت البحار مدادا للكتبة لنفدت البحار وتكسرت الأقلام ولم يلحق الفناء كلمات ربي، كما لا يلحق الفناء علم الله تعالى، ومن فني كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت، فلما لم يجز ذلك على ربنا سبحانه صح أنه لم يزل متكلما؛ لأنه لو لم يكن متكلما وجب السكوت والآفات، تعالى ربنا عن قول الجهمية علوا كبيرا.

стр. 60

فصل وزعمت الجهمية - كما زعمت النصارى - أن كلمة الله تعالى حواها بطن مريم ﵂، وزادت الجهمية عليهم فزعمت أن كلام الله مخلوق حل في شجرة، وكانت الشجرة حاوية له؛ فلزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة، ووجب عليهم أن مخلوقا من المخلوقين كلم موسى ﷺ ، وأن الشجرة قالت: يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني. فلو كان كلام الله مخلوقا في شجرة لكان المخلوق قال: يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني، وقد قال تعالى: (ولكن حق القول مني لأملأنّ جهنم من الجنة والناس

стр. 61

أجمعين) (١٣ /٣٢) وكلام الله من الله تعالى، فلا يجوز أن يكون كلامه الذي هو منه مخلوقا في شجرة مخلوقة، كما لا يجوز أن يكون علمه الذي هو منه مخلوقا في غيره، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. مسألة: ويقال لهم: كما لا يجوز أن يخلق الله إرادته في بعض المخلوقات، كذلك لا يجوز أن يخلق كلامه في بعض المخلوقات، ولو كانت إرادة الله مخلوقة في بعض المخلوقات لكان ذلك المخلوق هو المريد بها، وذلك يستحيل، وكذلك يستحيل أن يخلق الله كلامه في مخلوق؛ لأن هذا يوجب أن ذلك المخلوق متكلم به، ويستحيل أن يكون كلام الله كلاما للمخلوق. دليل آخر: ومما يبطل قولهم إن الله قال مخبرا عن المشركين أنهم قالوا: (إن هذا إلا قول البشر) (٢٥ /٧٤) يعني القرآن

стр. 62

فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولا للبشر، وهذا ما أنكره الله على المشركين. وأيضا فلو لم يكن الله متكلما حتى خلق الخلق ثم تكلم بعد ذلك لكانت الأشياء قد كانت لا عن أمره ولا عن قوله، ولم يكن قائلا لها كوني. وهذا رد للقرآن، والخروج عما عليه جمهور أهل الإسلام.

стр. 63

فصل واعلموا - رحمكم الله - أن قول الجهمية: " إن كلام الله مخلوق "، يلزمهم به أن يكون الله تعالى لم يزل كالأصنام التي لا تنطق ولا تتكلم، لو كان لم يزل غير متكلم؛ لأن الله تعالى يخبر عن إبراهيم ﵊ أنه قال لقومه لما قالوا له: (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم) من الآية (٦٢ /٢١) (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) (٦٣ /٢١) ، فاحتج عليهم بأن الأصنام إذا لم تكن ناطقة متكلمة لم تكن آلهة، وأن الإله لا يكون غير ناطق ولا متكلم، فلما كانت الأصنام التي لا يستحيل أن يحييها الله وينطقها لا تكون آلهة فكيف يجوز أن يكون من يستحيل عليه الكلام في قدمه إلها؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

стр. 64

وإذا لم يجز أن يكون الله في قدمه بمرتبة دون مرتبة الأصنام التي لا تنطق؛ فقد وجب أن يكون الله لم يزل متكلما. دليل آخر: وقد قال الله تعالى مخبرا عن نفسه أنه يقول: (لمن الملك اليوم) من الآية (١٦ /٤٠) وجاءت الرواية أنه يقول هذا القول ولا يرد عليه أحد شيئا، فيقول: (لله الواحد القهار) من الآية (١٦ /٤٠) ، فإذا كان الله قائلا مع فناء الأشياء؛ إذ لا إنسان ولا ملك ولا حي ولا جان ولا شجر ولا مدر، فقد صح أن كلام الله خارج عن الخلق؛ لأنه يوجد ولا شيء من المخلوقات موجود. دليل آخر: وقد قال الله تعالى: (وكلم الله موسى تكليما) (١٦٤ /٤٠) ، والتكليم هو المشافهة بالكلام، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالا في غيره، مخلوقا في شيء سواه، كما لا يجوز ذلك في العلم.

стр. 65

دليل آخر: وقال الله تعالى: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) سورة الإخلاص ورقمها (١١٢) ، فكيف يكون القرآن مخلوقا وأسماء الله في القرآن؟ هذا يوجب أن تكون أسماء الله مخلوقة، ولو كانت أسماؤه مخلوقة لكانت وحدانيته مخلوقة، وكذلك علمه وقدرته. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. دليل آخر: وقد قال الله تعالى: (تبارك اسم ربك) من الآية (٧٨ /٥٥) ولا يقال لمخلوق " تبارك " فدل هذا على أن أسماء الله غير مخلوقة، وقال: (ويبقى وجه ربك) من الآية (٢٧ /٥٥)

стр. 66

فكما لا يجوز أن يكون وجه ربنا مخلوقا، فكذلك لا يجوز أن تكون أسماؤه مخلوقة. دليل آخر: وقد قال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط) من الآية (١٨ /٣) ولا بد أن يكون شهد بهذه الشهادة، وسمعها من نفسه؛ لأنه إن كان سمعها من مخلوق فليست شهادة له، وإذا كانت شهادة له وقد شهد بها فلا يخلو أن يكون شهد بها قبل كون المخلوقات؛ أو بعد كون المخلوقات. فإن كان شهد بها بعد كون المخلوقات؛ فلم يسبق شهادته لنفسه بآلهية الخلق، وكيف يكون ذلك كذلك؟ وهذا يوجب أن التوحيد لم يكن يشهد به شاهد قبل الخلق، ولو استحالت الشهادة بالوحدانية قبل كون الخلق لاستحال إثبات التوحيد ووجوده، وأن يكون واحدا قبل الخلق؛ لأن ما يستحيل الشهادة عليه فمستحيل. وإن كانت شهادته لنفسه قبل الخلق بالتوحيد فقد بطل أن يكون كلام الله تعالى مخلوقا؛ لأن كلام الله شهادته.

стр. 67

دليل آخر: ومما يدل عليه بطلان قول الجهمية، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق: أن أسماء الله من القرآن، وقد قال الله سبحانه: (سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى) (١ - ٢ /٨٧) ولا يجوز أن يكون (اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى) مخلوقا، كما لا يجوز أن يكون (جد ربنا) من الآية (٣ /٧٢) مخلوقا، قال الله تعالى في سورة الجن: (وإنه تعالى جد ربنا) من الآية (٣ /٧٢) ، وكما لا يجوز أن تكون عظمته مخلوقة كذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقا. دليل آخر: وقد قال الله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) من الآية (٥١ /٤٢) فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقا في شيء مخلوق؛ لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى؛ لأن الكلام قد سمعه جميع الخلق ووجدوه - بزعم الجهميّة - مخلوقا في غير الله

стр. 68

تعالى، وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين. ويجب عليهم إذا زعموا أن كلام الله لموسى خلقه في شجرة؛ أن يكون من سمع كلام الله من ملك أو من نبي أتى به من عند الله أفضل مرتبة من سماع الكلام من موسى؛ لأنهم سمعوه من نبي ولم يسمعه موسى من الله ، وإنما سمعه من شجرة، وأن يزعموا أن اليهودي إذا سمع كلام الله من النبي ﵊ أفضل مرتبة في هذا المعنى من موسى ﷺ ؛ لأن اليهودي سمعه من نبي من أنبياء الله، وموسى سمعه مخلوقا في شجرة، ولو كان مخلوقا في شجرة لم يكن مكلما لموسى من وراء حجاب؛ لأن من حضر الشجرة من الجن والإنس قد سمعوا الكلام من ذلك المكان، وكان سبيل موسى وغيره في ذلك سواء في أنه ليس كلام الله له من وراء حجاب. مسألة: ثم يقال لهم: إذا زعمتم أن معنى أن الله كلم موسى أنه خلق

стр. 69

كلاما كلمه به في الشجرة وقد خلق الله عندكم في الذراع كلاما؛ لأن الذراع قالت لرسول الله ﷺ لا تأكلني فإني مسمومة، فيلزمكم أن ذلك الكلام الذي سمعه النبي ﷺ كلام الله تعالى، فإن استحال أن يكون الله تكلم بذلك الكلام المخلوق فما أنكرتم من أنه يستحيل أن يخلق الله كلامه في شجرة؛ لأن الكلام المخلوق لا يكون كلاما لله، فإن كان كلام الله وكان معنى أن الله تكلم عندكم أنه خلق الكلام؛ فيلزمكم أن يكون الله متكلما بالكلام الذي خلقه في الذراع، فإن أجابوا إلى ذلك؛ قيل لهم: فالله تعالى على قولكم هو القائل لا تأكلني فإني مسمومة. تعالى الله عن قولكم وافترائكم عليه علوا كبيرا. وإن قالوا: لا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في ذراع

стр. 70

قيل لهم: وكذلك لا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في شجرة. مسألة: ثم يسألون عن الكلام الذي أنطق الله تعالى به الذئب لما أخبر عن نبوة النبي ﷺ . فيقال لهم: إذا كان الله يتكلم بكلام خلقه في غيره، فما أنكرتم أن يكون الكلام الذي سمعه من الذئب كلاما لله، ويكون إعجازه يدل على أنه كلام الله، وفي هذا ما يجب عليهم أن الذئب لم يتكلم به، وأنه كلام الله تعالى؛ لأن كون الكلام من الذئب معجز، كما أن كونه من الشجرة معجز، فإن كان الذئب متكلما بذلك الكلام المنقول فما أنكرتم أن الشجرة متكلمة بالكلام إن كان خلق في الشجرة، وأن يكون المخلوق فيه قال: (يا موسى إني أنا الله) . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. مسألة: ثم يقال لهم: إذا كان كلام الله مخلوقا في غيره عندكم

стр. 71

فما يؤمنكم أن يكون كل كلام تسمعونه مخلوقا في شيء، وهو حق أن يكون كلاما لله سبحانه؟ فإن قالوا: لا تكون الشجرة متكلمة؛ لأن المتكلم لا يكون إلا حيا. قيل لهم: ولا يجوز خلق الكلام في شجرة؛ لأن من خلق الكلام فيه لا يكون إلا حيا، فإن جاز أن يخلق الكلام فيما ليس بحي فلِمَ لا يجوز أن يتكلم من ليس بحي. ويقال لهم: لِمَ لا قلتم إنه يقول من ليس بحي، لأن الله أخبر أن السماوات والأرض: (قالتا أتينا طائعين) من الآية (١١ /٤١) . مسألة: ثم يقال لهم: أليس قد قال الله لإبليس: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) (٧٨ /٣٨) ؟ فلا بد من نعم. قيل لهم: فإذا كان كلام الله مخلوقا وكانت المخلوقات فانيات؛ فيلزمكم إذا أفنى الله الأشياء أن تكون اللعنة على إبليس

стр. 72

قد فنيت، فيكون إبليس غير ملعون، وهذا ترك دين المسلمين، ورُدَّ لقوله تعالى: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) (٧٨ /٣٨) ، وإذا كانت اللعنة باقية على إبليس إلى يوم الدين؛ وهو يوم الجزاء، وهو يوم القيامة؛ لأن الله تعالى قال (مالك يوم الدين) (٤ /١) يعني يوم الجزاء، ثم هي أبدا في النار واللعنة كلام الله وهو قوله (عليك لعنتي) فقد وجب أن يكون الله لا يجوز عليه الفناء، وأنه غير مخلوق؛ لأن المخلوقات يجوز عليها العدم، فإذا لم يجز ذلك على كلام الله فهو غير مخلوق. مسألة: ثم يقال لهم: إذا كان غضب الله غير مخلوق، وكذلك رضاه وسخطه، فلِم لا قلتم إن كلامه غير مخلوق؟ ومن زعم أن غضب الله

стр. 73

مخلوق لزمه أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنى، وأن رضاه عن الملائكة والنبيين يفنى، حتى لا يكون راضيا عن أوليائه ولا ساخطا عن أعدائه، وهذا هو الخروج عن الإسلام. مسألة: ويقال: خبرونا عن قول الله تعالى: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (٤٠ /١٦) أتزعمون أن قوله للشيء " كن " مخلوق مرادا لله؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون كلام الله الذي هو القرآن غير مخلوق، كما زعمتم أن قول الله للشيء " كن " غير مخلوق. وإن زعموا أن قول الله للشيء " كن " مخلوق. قيل لهم: فإذا زعمتم أنه مخلوق مراد فقد قال الله عز وجل

стр. 74

: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (٤٠ /١٦) ؛ فيلزمكم أن قوله تعالى للشيء (كن) قد قال له: (كن) . وفي هذا ما يجب أحد أمرين: إما أن يكون قول الله لغيره كن غير مخلوق، أو يكون لكل قول لا إلى غاية وذلك محال. فإن قالوا: إن لله قولا غير مخلوق. قيل لهم: فما أنكرتم أن تكون إرادة الله للإيمان غير مخلوقة. ثم يقال لهم ما العلة التي إنما قلتم إن قول الله للشيء (كن) غير مخلوق. فإن قالوا: لأن القول لا يقال له (كن) فيقال لهم القرآن غير مخلوق؛ لأنه قول الله، والله لا يقول لقوله (كن) . مسألة على الجهمية: ويقال لهم: أليس لم يزل الله عالما بأوليائه وأعدائه

стр. 75

؟ فلا بد من نعم. قيل لهم: فهل تقولون إنه لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه؟ فإن قالوا نعم، قيل لهم: فإذا كانت إرادة الله لم تزل فهي غير مخلوقة، وإذا كانت إرادته غير مخلوقة فلِم لا قلتم إن كلامه غير مخلوق؟ فإن قالوا: لا نقول لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه، زعموا أن الله لا يريد التفرقة بين أوليائه وأعدائه، ونسبوه سبحانه إلى النقص. تعالى عن قول القدرية علوا كبيرا. مسألة: ويقال لهم: إن الشيء المخلوق إما أن يكون بدنا من الأبدان، شخصا من الأشخاص؛ أو يكون نعتا من نعوت الأشخاص. فلا يجوز أن يكون كلام الله شخصا؛ لأن الأشخاص يجوز عليها الأكل والشرب والنكاح، ولا يجوز ذلك على كلام الله تعالى. ولا يجوز أن يكون كلام الله نعتا لشخص مخلوق؛ لأن النعوت لا تبقى طرفة عين؛ لأنها لا تحتمل البقاء، وهذا يوجب أن يكون كلام الله قد فني ومضى.
следующие страницы →