← Акыда

Акыда · id 8178

الإبانة عن أصول الديانة - ت فوقية

أبو الحسن الأشعري

Полный текст (246 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مسألة: ويقال لهم: وجدنا اسم عالم اشتق من علم، واسم قادر اشتق من قدرة، وكذلك اسم حي اشتق من حياة، واسم سميع اشتق من سمع، واسم بصير اشتق من بصر، ولا تخلو أسماء الله من أن تكون مشتقة إما لإفادة معنى، أو على طريق التلقيب، فلا يجوز أن يسمى الله تعالى على طريق التقليب باسم ليس فيه إفادة معنى، وليس مشتقا من صفة. فإذا قلنا: إن الله تعالى عالم قادر فليس تلقيبا، كقولنا زيد وعمر، وعلى هذا إجماع المسلمين.

стр. 142

وإذا لم يكن كذلك تلقيبا، كان مشتقا من علم، فقد وجب إثبات العلم، وإن كان ذلك لإفادة معنى، فلا يختلف ما هو لإفادة معنى واجب إذا كان معنى العالم منا أن له علما أن يكون كل عالم فهو ذو علم، كما إذا كان قولي موجود مفيدا فينا الإثبات كان الباري تعالى واجبا إثباته؛ لأنه موجود. مسألة: ويقال للمعتزلة والجهمية والحرورية: أتقولون إن لله علما

стр. 143

بالأشياء سابقا فيها، وبوضع كل حامل، وحمل كل أنثى، وبإنزال كل ما أنزله؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا العلم ووافقوا. وإن قالوا: لا، قيل لهم: جحد منكم؛ لقوله تعالى: (أنزله بعلمه) من الآية (١٦٦ /٤) ، ولقوله: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) من آية (١١ /٣٥) ، ولقوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) من الآية (١٤ /١١) . وإذا كان قول الله تعالى: (بكل شيء عليم) من الآية (١٢ /٤٢) ، (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) من الآية (٥٩ /٦)

стр. 144

يوجب أنه عليم بعلم الأشياء، فكذلك فما أنكرتم أن تكون هذه الآيات نوجب أن لله علما بالأشياء سبحانه وبحمده. مسألة: ويقال لهم: هل لله علم بالتفرقة بين أوليائه وأعدائه؟ وهل هو مريد لذلك؟ وهل له إرادة للإيمان إذا أراد الإيمان؟ فإن قالوا: نعم، وافقوا. وإن قالوا: إذا أراد الإيمان فله إرادة. قيل لهم: وكذلك إذا فرق بين أوليائه وأعدائه، فلا بد من أن يكون له علم بذلك، وكيف يجوز أن يكون للخلق علم بذلك، وليس للخالق علم

стр. 145

بذلك؟ ! وهذا يوجب أن للخلق مزية في العلم وفضلا على الخلاق. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قيل لهم: إذا كان من له علم من الخلق أولى بالمنزلة الرفيعة ممن لا علم له، فإذا زعمتم أن الله تعالى لا علم له لزمكم أن الخلق أعلى مرتبة من الخالق. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. مسألة: ويقال لهم: إذا كان من لا علم له من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، فما أنكرتم من أنه لا بد من إثبات علم الله؟ وإلا ألحقتم به النقصان - جل عن قولكم وعلا - ألا ترون أن من لا يعلم من الخلق يلحقه الجهل والنقصان،

стр. 146

ومن قال ذلك في الله وصف الله تعالى بما لا يليق به، فكذلك إذا كان من قيل له من الخلق لا علم له لحقه الجهل والنقصان، وجب أن لا يُنفى ذلك عن الله تعالى؛ لأنه لا يلحقه جهل ولا نقصان. مسألة: ويقال لهم: هل يجوز أن تنسق الصنائع الحكمية ممن ليس بعالم؟ فإن قالوا: ذلك محال، ولا يجوز في وجود الصنائع التي تجري على ترتيب ونظام إلا من عالم قادر حي. قيل لهم: وكذلك لا يجوز وجود الصنائع الحكمية التي تجري على ترتيب ونظام إلا من ذي علم وقدرة وحياة. فإن جاز ظهورها لا من ذي علم فما أنكرتم من جواز ظهورها لا من عالم قادر حي.

стр. 147

وكل مسألة سألناهم عنها في العلم فهي داخلة عليهم في القدرة والحياة والسمع والبصر. مسألة: وزعمت المعتزلة أن قول الله تعالى: (سميع بصير) من الآية (٢٨ /٣١) إن معناه عليم. قيل لهم: فإذا قال الله تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى) من الآية (٤٦ /٢٠) ، وقال: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) من الآية (١٠ /٥٨) فمعنى ذلك عندكم علم. فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فقد وجب عليكم أن تقولوا معنى قوله: (إنني معكما أسمع وأرى) من الآية (٤٦ /٢٠) أعلم وأعلم إذا كان معنى ذلك العلم.

стр. 148

فصل ونفت المعتزلة صفات رب العالمين، وزعمت أن معنى (سميع بصير) من الآية (٢٨ /٣١) راء بمعنى عليم، كما زعمت النصارى أن سمع الله هو بصره، وهو رؤيته، وهو كلامه، وهو علمه، وهو ابنه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فيقال للمعتزلة: إذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى عالم، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم. وإذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى قادر، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم. وإذا زعمتم أن معنى حي معنى قادر، فلم لا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم.

стр. 149

فإن قالوا: هذا يوجب أن يكون كل معلوم مقدورا. قيل لهم: ولو كان معنى سميع بصير معنى عالم لكان كل معلوم مسموعا، وإذا لم يجز ذلك بطل قولكم.

стр. 150

الباب الثامن الكلام في الإرادة والرد على المعتزلة في ذلك مسألة: يقال لهم: ألستم تزعمون أن الله تعالى لم يزل عالما؟ فمن قولهم: نعم. قيل لهم: فلم لا قلتم إن ما لم يزل عالما أنه يكون في وقت من الأوقات لم يزل مريدا أن يكون في ذلك الوقت، وما لم يزل عالما أنه لا يكون فلم يزل مريدا أن لا يكون، وأنه لم يزل مريدا أن يكون ما علم كما علم؟ فإن قالوا: لا نقول إن الله لم يزل مريدا؛ لأن الله تعالى مريد بإرادة مخلوقة.

стр. 151

قيل لهم: فلم زعمتم أن الله مريد بإرادة مخلوقة، وما الفصل بينكم وبين الجهمية في زعمهم أن الله عالم بعلم مخلوق، وإذا لم يجز أن يكون علم الله مخلوقا، فما أنكرتم أن لا تكون إرادة الله مخلوقة؟ فإن قالوا: لا يجوز أن يكون علم الله محدثا؛ لأن ذلك يقضي أن يكون حدث بعلم آخر كذلك لا إلى غاية. قيل لهم: ما أنكرتم أن لا تكون إرادة الله محدثة مخلوقة؛ لأن ذلك يقتضي أن تكون حدثت عن إرادة أخرى، ثم كذلك لا إلى غاية. فإن قالوا: لا يجوز أن يكون علم الله محدثا؛ لأن من لم يكن عالما ثم علم لحقه النقصان.

стр. 152

قيل لهم: ولا يجوز أن تكون إرادة الله محدثة مخلوقة؛ لأن من لم يكن مريدا ثم أراد لحقه النقصان، وكما لا يجوز أن تكون إرادته تعالى محدثة مخلوقة، كذلك لا يجوز أن يكون كلامه محدثا مخلوقا. مسألة أخرى: ويقال لهم: إذا زعمتم أنه قد كان في سلطان الله الكفر والعصيان، وهو لا يريده، وأراد أن يؤمن الخلق أجمعون، فلم يؤمنوا فقد وجب على قولكم أن أكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن، وأكثر ما شاء الله أن لا يكون كان؛ لأن الكفر الذي كان وهو لا يشاؤه عندكم، أكثر من الإيمان الذي كان وهو يشاؤه، وأكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن. وهذا جحد لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله أن يكون كان، وما لا يشاء لا يكون.

стр. 153

مسألة أخرى: ويقال لهم: من قولكم: إن كثيرا ما شاء أن يكون إبليس كان؛ لأن الكفر أكثر من الإيمان، وأكثر ما كان هو شاءه، فقد جعلتم مشيئة إبليس أنفذ من مشيئة رب العالمين جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، ولا إله غيره؛ لأن أكثر ما شاءه كان، وأكثر ما كان فقد شاءه. وفي هذا إيجاب أنكم قد جعلتم لإبليس مرتبة في المشيئة ليست لرب العالمين. تعالى الله عن قول الظالمين علوا كبيرا. مسألة أخرى: ويقال لهم: أيما أولى بصفة الاقتدار: من إذا شاء أن يكون الشيء كان لا محالة، وإذا لم يرده لم يكن، أو من يريد أن يكون ما لا يكون ويكون مالا يريد؟ فإن قالوا: من لا يكون أكثر ما يريده أولى بصفة الاقتدار كما يروا.

стр. 154

وقيل لهم: إن جاز لكم ما قلتموه جاز لقائل أن يقول: من يكون مالا يعلمه أولى بالعلم ممن لا يكون إلا ما يعلمه. وإن رجعوا عن هذه المكابرة، وزعموا أن من إذا أراد أمرا كان، وإذا لم يرده لا يكون أولى بصفة الاقتدار لزمهم على مذاهبهم أن يكون إبليس - لعنه الله - أولى بالاقتدار من الله تعالى؛ لأن أكثر ما أراده كان، وأكثر ما كان قد أراده. وقيل لهم: إذا كان من إذا أراد أمرا كان، وإذا لم يرده لم يكن أولى بصفة الاقتدار، فيلزمكم أن يكون الله تعالى إذا أراد أمرا كان، وإذا لم يرده لم يكن؛ لأنه أولى بصفة الاقتدار. مسألة: ويقال لهم: أيما أولى بالإلهية والسلطان من لا يكون إلا ما يعلمه ولا يغيب عن علمه شيء ولا يجوز ذلك عليه، أو من يكون مالا يعلمه ويعزب عن علمه أكثر الأشياء؟

стр. 155

فإن قالوا: من لا يكون إلا ما يعلمه ولا يعزب عن علمه شيء أولى بصفة الإلهية. قيل لهم: فكذلك من لا يريد كون شيء إلا ما كان، ولا يكون إلا ما يريده، ولا يعزب عن إرادته شيء أولى بصفة الإلهية كما قلتم ذلك في العلم، وإذا قالوا ذلك تركوا قولهم ورجعوا عنه، وأثبتوا الله مريدا لكل كائن، وأوجبوا أنه لا يريد أن يكون إلا ما يكون. مسألة: ويقال لهم: إذا قلتم أنه يكون في سلطانه تعالى ما لا يريد، فقد كان إذا في سلطانه ما كرهه. فلا بد من نعم. يقال لهم: فإذا كان في سلطانه ما يكرهه فما أنكرتم أن يكون في سلطاته ما يأبى كونه. فإن أجابوا إلى ذلك، قيل لهم: فقد كانت المعاصي شاء الله أم أبى، وهذه صفة الضعف والفقر. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. مسألة: ويقال لهم: أليس لما فعل العباد ما يسخطه تعالى وما

стр. 156

يغضب عليهم إذا فعلوه فقد أغضبوه وأسخطوه؟ فلا بد من نعم. يقال لهم: فلو فعل العباد ما لا يريد وما يكرهه لكانوا أكرهوه، وهذه صفة القهر. تعالى عن ذلك علوا كبيرا. مسألة: ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (فعال لما يريد) من الآية (١٠٧ /١١) ؟ فلا بد من نعم. قيل لهم: فمن زعم أن الله تعالى فعل ما لا يريد، وأراد أن يكون من فعلة ما لا يكون، لزمه أن يكون قد وقع ذلك وهو ساه غافل عنه، أو أن الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده لحقه. فلا بد من نعم. قيل لهم: فكذلك من زعم أنه يكون في سلطان الله تعالى

стр. 157

مالا يريده من عبيده؛ لزمه أحد أمرين: إما أن يزعم أن ذلك كان عن سهو وغفلة. أو أن يزعم أن الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده لحقه. مسألة: ويقال لهم: أليس من زعم أن الله تعالى فعل مالا يعلمه فقد نسب الله سبحانه إلى ما لا يليق به من الجهل؟ فلا بد من نعم. قيل لهم: وكذلك يلزم من زعم أن الله فعل ما لا يريده؛ لزمه أن ينسب الله تعالى إلى السهو والتقصير عن بلوغ ما يريده، فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: وكذلك يلزم من زعم أن العباد يفعلون مالا يعلم الله نسب الله تعالى إلى الجهل. فلا بد من نعم.

стр. 158

يقال لهم: فكذلك إذا كان في كون فعل فعلة الله، وهو لا يريده إيجاب سهو أو ضعف أو تقصير عن بلوغ ما يريده. فكذلك إذا كان من غيره مالا يريده وجب إثبات سهو وغفلة، أو ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريد، لا فرق في ذلك بين ما كان منه وما كان من غيره. مسألة: ويقال لهم: إذا كان في سلطان الله مالا يريده وهو يعلمه، ولا يلحقه الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده فما أنكرتم أن يكون في سلطانه مالا يعلمه ولا يلحقه النقصان، فإن لم يجز هذا لم يجز ما قلتموه. مسألة: إن قال قائل: لِم قلتم: إن الله مريد لكل كائن أن يكون، ولكل مالا يكون أن لا يكون؟ قيل له: الدليل على ذلك أن الحجة قد وضحت أن الله تعالى

стр. 159

خلق الكفر والمعاصي، وسنبين ذلك بعد هذا الموضع من كتابنا. وإذا وجب أن الله سبحانه خالق لذلك، فقد وجب أنه مريد له؛ لأنه لا يجوز أن يخلق مالا يريده. وجواب آخر: أنه لا يجوز أن يكون في سلطان الله تعالى من اكتساب العباد مالا يريده، كما لا يجوز أن يكون من فعله المجتمع على أنه فعل مالا يريده؛ لأنه لو وقع من فعله مالا يعلمه، لكان في ذلك إثبات النقصان، وكذلك القصد لو وقع من عباده مالا يعلمه فكذلك لا يجوز أن يقع من عباده مالا يريده؛ لأن ذلك يوجب أن يقع عن سهو وغفلة، أو عن ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريده، كما يجب ذلك لو وقع من فعله المجتمع على أنه فعل مالا يريده. وأيضا فلو كانت المعاصي وهو لا يشاء أن تكون لكان قد كره أن

стр. 160

تكون وأبى أن تكون، وهذا يوجب أن تكون المعاصي كائنة شاء الله أم أبى، وهذا صفة الضعف. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد أوضحنا أن الله سبحانه لم يزل مريدا على حقيقته التي علمه عليها، فإذا كان الكفر مما يكون، وقد علم ذلك فقد أراد أن يكون. مسألة: يقال لهم: إذا كان الله علم أن الكفر يكون، وأراد أن لا يكون، فقد أراد أن يكون ما علم على خلاف ما علم، وإذا لم يجز ذلك فقد أراد أن يكون ما علم كما علم. مسألة: ويقال لهم: لم أبيتم أن يريد الله الكفر الذي علم

стр. 161

أنه يكون أن يكون قبيحا فاسدا متناقضا خلافا للإيمان؟ فإن قالوا: لأن مريد السفه سفيه. قيل لهم: ولم قلتم ذلك، أو ليس قد أخبر الله تعالى عن ابن آدم أنه قال لأخيه: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) من الآية (٢٨ - ٢٩ /٥) ، فأراد أن لا يقتل أخاه لئلا يعذب، وأن يقتله أخوه حتى يبوء بإثم قتله له، وسائر آثامه التي كانت عليه فيكون من أصحاب النار، فأراد قتل أخيه الذي هو سفه، ولم يكن بذلك سفيها، فلم زعمتم أن الله تعالى إذا أراد سفه العباد وجب أن ينسب ذلك إليه؟

стр. 162

مسألة: ويقال لهم: قد قال يوسف ﷺ : (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) من الآية (٣٣ /١٢) وكان سجنهم إياه معصية، فأراد المعصية التي هي سجنهم إياه دون فعل ما يدعونه إليه، ولم يكن سفيها فما أنكرتم من أن لا يجب إذا أراد الباري سبحانه سفه العباد أن يكون قبيحا منهم، خلافا للطاعة أن يكون سفيها. مسألة أخرى: ويقال لهم: أليس من يرى منا حرم المسلمين كان سفيها، والله تعالى يراهم ولا ينسب إلى السفه؟ فلا بد من نعم. يقال لهم: فيما أنكرتم أن من أراد السفه منا فكان سفيها، والله سبحانه يريد سعة السفهاء ولا ينسب إلى الله تعالى سفه تعالى الله عن ذلك.

стр. 163

مسألة أخرى: ويقال لهم: السفيه منا إنما كان سفيها لما أراد السفه؛ لأنه نهى عن ذلك، ولأنه تحت شريعة من هو فوقه، ومن يحد له الحدود وترسم له الرسوم فلما أتى ما نهي عنه كان سفيها، ورب العالمين جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ليس تحت شريعة، ولا فوقه من يحد له الحدود ويرسم له الرسوم، ولا فوقه مبيح ولا حاظر، ولا آمر ولا زاجر، فلم يجب إذا أراد ذلك أن يكون قبيحا أن ينسب إلى السفه . مسألة: ويقال لهم: أليس من خلى بين عبيده وبين إمائه منا يزني بعضهم ببعض وهو لا يعجز عن التفريق بينهم يكون سفيها؟ ورب العالمين قد خلى بين عبيده وإمائه يزني بعضهم ببعض وهو يقدر على التفريق بينهم وليس سفيها، وكذلك من أراد

стр. 164

السفه منا كان سفيها، ورب العالمين يريد السفه وليس سفيها. مسألة أخرى: ويقال لهم: من أراد طاعة الله منا كان مطيعا، كما أن من أراد السفه كان سفيها ورب العالمين يريد الطاعة وليس مطيعا، فكذلك يريد السفه وليس سفيها. مسألة أخرى: ويقال لهم: قال الله تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتلوا) من الآية (٢٥٣ /٢) فأخبر أنه لو شاء أن لا يقتتلوا ما اقتتلوا،

стр. 165

قال: (ولكن الله يفعل ما يريد) من آية (٢٥٣ /٢) من القتال، فإذا وقع القتال فقد شاءه، كما أنه قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) من الآية (٢٨ /٦) فقد أوجب أن الرد لو كان إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر، وأنهم إذا لم يردّهم إلى الدنيا لم يعودوا، فكذلك لو شاء الله أن لا يقتتلوا لما اقتتلوا، وإذا اقتتلوا فقد شاء أن يقتتلوا. مسألة: ويقال لهم: قال الله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) من الآية (١٣ /٢٣) وإذا حق القول بذلك فما شاء أن تؤتي كل نفس هداها؛ لأنه إذا لم يؤتها هداها لما حق القول بتعذيب الكافرين، وإذا لم يرد ذلك

стр. 166

فقد شاء ضلالتها. فإن قالوا: معنى ذلك لو شئنا جبرناهم على الهدى واضطررناهم إليه. قيل لهم: فإذا أجبرهم على الهدى واضطرهم إليه ليكونوا مهتدين، فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فإذا كان إذا فعل الهدى كانوا مهتدين، فما أنكرتم لو فعل كفر الكافرين فكانوا كافرين، وهذا هدم قولهم؛ لأنهم زعموا أنه لا يفعل الكفر إلا كافر. ويقال لهم أيضا: على أي وجه يؤتيهم الهدى لو آتاهم إياه، وشاء ذلك لهم. فإن قالوا: على الإلجاء. قيل لهم: وإذا ألجأهم إلى ذلك هل ينفعهم ما يفعلونه على طريق الإلجاء؟ فمن قولهم: لا.

стр. 167

قيل لهم: فإذا أخبر أنه لو شاء لآتاهم الهدى لولا ما حق منه من القول أنه يملأ جهنم، وإذا كان لو ألجأهم لم يكن نافعا لهم ولا مزيلا للعذاب عنهم، كما لم ينفع فرعون قوله الذي قاله عند الغرق والإلجاء، فلا معنى لقولكم، لأنه لولا ما حق من القول لأوتيت كل نفس هداها، وإتيان الهدى على الوجه الذي قلتموه لا يزيل العذاب. مسألة أخرى: ويقال لهم: قال الله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) من الآية (٢٧ /٤٢) ، وقال تعالى: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون) من الآية (٣٣ /٤٣) مخبرا أنه لولا أن يكون الناس مجتمعين على الكفر لم يبسط لهم الرزق ولم يجعل للكافرين سقفا من فضة، فما أنكرتم من أنه تعالى لو لم يرد أن يكفر الكافرين ما خلقهم مع علمه بأنه إذا خلقهم كانوا

стр. 168

كافرين، كما أنه لو أراد أن لا يكون الناس على الكفر مجتمعين لم يجعل للكافرين سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون؛ لئلا يكونوا جميعا على الكفر متطابقين، إذا كان في معلومه أنه لو لم يفعل ذلك لكانوا جميعا على الكفر مطبقين.

стр. 169

الباب التاسع الكلام في تقدير أعمال العباد والاستطاعة والتعديل والتجوير يقال للقدرية: هل يجوز أن يعلم الله عباده شيئا لا يعلمه؟ فإن قالوا: لا يعلم الله عباده شيئا إلا وهو به عالم. قيل لهم: فكذلك لا يقدرهم على شيء إلا وهو عليه قادر، فلا بد من الإجابة إلى ذلك. قيل لهم: فإذا قدرهم على الكفر، فهو قادر أن يخلق الكفر لهم، وإذا قدر على خلق الكفر لهم فلم أبيتم أن يخلق كفرهم فاسدا متناقضا باطلا، وقد قال تعالى: (فعال لما يريد) من الآية (١٠٧ /١١)

стр. 170

وإذا كان الكفر مما أراد فقد فعله وقدره. مسألة: ويرد عليهم في اللطف. يقال لهم: أليس الله قادر أن يفعل بخلقه من بسط الرزق ما لو فعله بهم لبغوا في الأرض؟ وأن يفعل بهم ما لو فعله بالكفار لكفروا؟ كما قال تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) ، وكما قال: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة) من الآية (٣٣ /٤٣) . فلا بد من نعم.

стр. 171

يقال لهم: فما أنكرتم من أنه قادر أن يفعل بهم لطفا لو فعله بهم لآمنوا أجمعين، كما أنه قادر أن يفعل بهم أمرا لو فعله بهم لكفروا كلهم. مسألة أخرى: ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) من الآية (٨٣ /٤) ، (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) من الآية (٢١ /٢٤) ، وقال: (فاطلع فرآه في سواء الجحيم) (٥٥ /٣٧) يعني في وسط الجحيم، قال: (تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين) من الآية (٥٦ - ٥٧ /٣٧) . ما الفضل الذي فعله بالمؤمنين، الذي لو لم يفعله لاتبعوا الشيطان، ولو لم يفعله ما زكى منهم من أحد أبدا؟ وما النعمة التي لو لم يفعلها لكانوا من

стр. 172

المحضرين؟ وهل ذلك شيء لم يفعله بالكافرين وخص به المؤمنين؟ فإن قالوا: نعم. فقد تركوا قولهم، وأثبتوا لله تعالى نعما وفضلا على المؤمنين ابتدأهم بجميعه، ولم ينعم بمثله على الكافرين، وصاروا إلى القول بالحق. فإن قالوا: قد فعل الله ذلك أجمع بالكافرين لما فعله بالمؤمنين، فقل لهم: فإذا كان الله تعالى قد فعل ذلك أجمع بالكافرين فلم يكونوا زاكين، وكانوا للشيطان متبعين، وفي النار محضرين. وهل يجوز أن يقول للمؤمنين: لولا أني خلقت لكم أيدي وأرجل لكنتم للشيطان متبعين، وهو قد خلق الأيدي والأرجل للكافرين وكانوا للشيطان متبعين؟ فإن قالوا: لا يجوز ذلك. قيل لهم: وكذلك لا يجوز ما قلتموه. وهذا يبين أن الله تعالى اختص المؤمنين من النعم والتوفيق والتسديد

стр. 173

بما لم يعط الكافرين، وفضل عليهم المؤمنين. مسألة في الاستطاعة: ويقال لهم: أليست استطاعة الإيمان نعمة من الله تعالى وفضلا وإحسانا؟ فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون توفيقا وتسديدا، فلا بد من الإجابة إلى ذلك. يقال لهم: فإذا كان الكافرون قادرين على الإيمان، فما أنكرتم من أن يكونوا موفقين للإيمان، ولو كانوا موفقين مسددين لكانوا ممدوحين؛ وإذ لم يجز ذلك لم يجز أن يكونوا على الإيمان قادرين، ووجب أن يكون الله تعالى اختص بالقدرة على الإيمان للمؤمنين.

стр. 174

مسألة أخرى: ويقال لهم: لو كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان، فقد رغب إليه في أن يقدره على الكفر، فلما رأينا المؤمنين يرغبون إلى الله تعالى في قدرة الإيمان، ويزهدون في قدرة الكفر؛ علمنا أن الذي رغبوا فيه غير الذي زهدوا فيه. مسألة أخرى: ويقال لهم: أخبرونا عن قوة الإيمان، أليست فضلا من الله تعالى؟ فلا بد من نعم. يقال لهم: فالتفضل، أليس هو ما للمتفضل أن لا يتفضل به، وله أن يتفضل به، فلا بد من الإجابة إلى ذلك؛ لأن ذلك هو الفرق بين الفضل وبين الاستحقاق. فيقال لهم: وللمتفضل إذا أمر بالإيمان أن يرفع التفضل، ولا يتفضل به فيأمرهم بإيمان، وإن لم يعطهم قدرة الإيمان وخذلهم، وهذا هو قولنا ومذهبنا.

стр. 175

مسألة: ويقال لهم: هل يقدر الله على توفيق يوفق به الكافرين حتى يكونوا مؤمنين؟ فإن قالوا: لا. نطقوا بتعجيز الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وإن قالوا: نعم يقدر على ذلك، ولو فعل بهم التوفيق لآمنوا، تركوا قولهم، وقالوا بالحق. مسألة: وإن سألوا عن قول الله تعالى: (وما الله يريد ظلما للعباد) من الآية (٣١ /٤٠) ، وعن قوله: (وما الله يريد ظلما للعالمين) من الآية (١٠٣ /٣) . قيل لهم: معنى ذلك أنه لا يريد أن يظلمهم؛ لأنه قال: (وما الله يريد ظلما لهم) ولم يقل: لا يريد ظلم بعضهم لبعض، فلم يرد أن يظلمهم وإن كان أراد أن يتظالموا.

стр. 176

مسألة: وإن سألوا عن قول الله تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) من الآية (٣ /٦٧) ، قالوا: والكفر متفاوت، فكيف يكون من خلق الله؟ والجواب عن ذلك: أن الله تعالى قال: (خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير) من الآية (٣ - ٤ /٦٧) فإنما عنى ما ترى في السماوات من فطور؛ لأنه ذكر خلق السماوات، ولم يذكر الكفر، وإذا كان هذا على ما قلناه بطل ما قالوه. والحمد لله رب العالمين. مسألة: ويقال لهم: هل تعرفون لله نعمة على أبي بكر الصديق ﵁ خص بها دون أبي جهل ابتداء؟ فإن قالوا: لا، فحُش قولهم. وإن قالوا: نعم، تركوا مذاهبهم،

стр. 177

لأنهم لا يقولون إن الله خص المؤمنين في الابتداء بما لم يخص به الكافرين. مسألة: وإن سألوا عن قوله تعالى: (ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) من الآية (٢٧ /٣٨) ، فقالوا: هذه الآية تدل على أن الله لم يخلق الباطل. والجواب عن ذلك: أن الله أراد بذلك المشركين الذين قالوا: لا حشر ولا نشور ولا إعادة، فكأنه قال تعالى: ما خلقت ذلك، وأنا لا أثيب من أطاعني، ولا أعاقب من عصاني، كما ظن الكافرون أنه لا حشر ولا نشر ولا ثواب ولا عقاب، ألا تراه قال

стр. 178

: (ذلك ظَنُّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) من الآية (٢٧ /٣٨) ، وبيَّن ذلك بقوله: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) (٢٨ /٣٨) أي لا نسوي بينهم في أن نفنيهم أجمعين ولا نعيدهم، فيكون سبيلهم سبيلا واحدا. مسألة: وسألوا عن قوله تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (٧٩ /٤) والجواب عن ذلك: أن الله تعالى قال: (وإن تصبهم حسنة) من الآية (٧٨ /٤) يعني الخصب والخير، (يقولون هذا من عند الله وإن تصبهم سيئة) من الآية (٧٨ /٤)

стр. 179

يعني الجدب والقحط والمصائب، (قالوا هذه من عندك) من الآية (٧٨ /٤) أي بشؤمك، قال الله تعالى: (يا محمد قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) من الآية (٧٨ /٤) في قولهم: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (٧٩ /٤) فحذف " في قولهم " لأن ما تقدم من الكلام يدل عليه؛ لأن القرآن لا يتناقض، ولا يجوز أن يقول في آية إن الكل من عند الله، ثم يقول في الآية الأخرى التي تليها إن الكل ليس من عند الله، على أن ما أصاب الناس هو غير ما أصابوه، وهذا يبين بطلان تعلقهم بهذه الآية، ويوجب عليهم الحجة. مسألة: وإن سألوا عن قول الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (٥٦ /١٥) .

стр. 180

والجواب عن ذلك: أن الله تعالى إنما عنى المؤمنين دون الكافرين؛ لأنه أخبرنا أنه ذرأ لجهنم كثيرا من خلقه، فالذين خلقهم لجهنم، وأحصاهم، وعدهم، وكتبهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم؛ غير الذين خلقهم لعبادته. مسألة في التكليف: ويقال لهم: أليس قد كلف الله الكافرين أن يستمعوا الحق ويقبلوه ويؤمنوا بالله؟ فلا بد من نعم. فيقال لهم: فقد قال الله تعالى: (ما كانوا يستطيعون السمع) من الآية (٢٠ /١١) ، وقال: (وكانوا لا يستطيعون سمعا) من الآية (١٠١ /١٨) ، وقد كلفهم استماع الحق.
следующие страницы →